← Акыда

Акыда · id 37776

شرح الحموية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (264 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

اضطراب الشهرستاني وحيرته فـ الشهرستاني قال في مقدمة كتابه: نهاية الإقدام: وقد طلب مني من طاعته غنم وإجابته حتم أن أكتب له ما تحصل عندنا في هذا الباب، ولعمري لقد استسمن ذا ورم. ثم قال كلاماً وأنشأ بعده أو تقلد هذين البيتين في مقدمة كتاب نهاية الإقدام، فقال: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم وقد رد عليه من رد من أصحاب السنة، فقال: لعلك يا أستاذ ما زرت أحمداً ... رسول الهدى المبعوث من آل هاشم أي: لو أنه أتى لمعين مذهب السلف لأصابه. فإن الشهرستاني قطعاً لم يفهم مذهب السلف؛ لأنه شرح مذهب السلف في كتابه الملل والنحل شرحاً غلطاً، بل من العجب أنه خالف جمهور أصحابه وقال: إن السلف كان منهم مشبهة! وهذا القول لا يقوله جمهور الأشاعرة، ولهذا وإن كان كتابه الملل والنحل من أكبر كتب المقالات وأوسعها، لكنه من أجهل الكتب بتحصيل مذهب السلف.

стр. 72

اضطراب الرازي وحيرته [وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشدين له فيما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذىً ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي]. هذا الكلام لـ محمد بن عمر الرازي، وهو عمدة المتأخرين من الأشاعرة. وهو في كتابه أقسام اللذات وهو مخطوط لم يطبع. وهذه النتيجة وقعت لخلق من الأشعرية وغيرهم -وبخاصة الأشاعرة- حيث يتبين لهم أن المسلك الكلامي الذي سلكوه ليس صواباً، فيميلون إلى تعظيم الطريقة المأثورة عن سلف الأمة، وإن كانوا في الجملة لا يهتدون إليها -أي: إلى تفاصيلها- عند التحقيق، وهذا الذي وقع فيه أبو المعالي الجويني في رسالته النظامية، ويقع في كلام محمد بن عمر الرازي في مثل هذا السياق، وكذلك في كلام أبي حامد الغزالي؛ فإنه رجع إلى مذهب أهل السنة باعتبار أنه تبين له أن الحق في طريقة السلف، وإن كان لم يصب التعريف، وربما قصد مقاصد في مسائل الأحوال والتصوف وأضافها إلى مقامات الأئمة، ولا سيما من عرفوا بالعبادة من متقدمي أئمة السلف واشتهروا بها. فهذا لا يحصل به أن هؤلاء رجعوا إلى مذهب أهل السنة رجوعاً متحققاً من جهة تقرير المسائل، وإن كانوا يذكرون رجوعهم ويتبين لهم أن ما سلكوه غلطاً، لأنهم لا يهتدون إلى مذهب السلف على التفصيل، بل يهتدون إليه مجملاً، وربما اهتدوا إلى مذهب يفارق المذهب الذي كانوا عليه يظنون أنه مذهب السلف، مثل ما وقع لـ أبي المعالي الجويني في الرسالة النظامية؛ فإنه ذكر أن التأويل محرم وأن الصواب ما عليه سلف الأمة، والتزم مذهب السلف لكن ظن أن مذهب السلف هو التفويض.

стр. 73

اضطراب الجويني وحيرته [ويقول الآخر منهم: لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي]. هذا النقل لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وهو من كبار أئمة الأشعرية، وقد تقدم أنه ممن مال بالمذهب الأشعري عن طريقة المتقدمين لكثرة عناية الأشاعرة في زمنه بمسألة الرد على أصناف المخالفين، بما في ذلك بعض الطوائف الفقهية وبخاصة الحنابلة، وقد صنف كتباً من أخصها كتاب الشامل، وكتاب اللمع، وكتاب: الإرشاد إلى قواطع الأدلة وكما يظهر من وسم هذا الكتاب أن الجويني يقرر في هذا الكتاب قواطع من الأدلة، ولهذا استعمل الجزم الصريح في هذا الكتاب. ثم في الرسالة النظامية رجع عن أكثر ما قرره في هذا. ففي الرسالة النظامية رجع في مسألة الصفات عن التأويل إلى التفويض، وفي مسألة القدر رجع عن مسلك الأشعرية في مسألة الكسب، وأن العبد له إرادة مسلوبة التأثير، إلى قول مركب من قول أهل السنة وقول المعتزلة ونزعة فلسفية، فصار قوله في الجملة قولاً مركباً، ليس سلفياً محضاً وليس معتزلياً محضاً وليس فلسفياً محضاً، إنما فيه تركيب من أوجه كثيرة، مع بقية بقيت عليه من قول أصحابه.

стр. 74

اضطراب الغزالي وحيرته [ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكاً عند الموت أصحاب الكلام]. هذه الجملة نسبت لـ أبي حامد الغزالي صاحب الإحياء، وهو من تلاميذ أبي المعالي الجويني. وغرض المصنف من هذه النقولات أن يبين أن هذه المذاهب الكلامية قد شهد أصحابها على فسادها. والملاحظ أن هذه النقولات هي عن متأخري الأشعرية، والموجب لهذا أن مقصود المصنف بالرد كان هذا الصنف من المتكلمين، ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد في كلام غيرهم ممن هم أشد منهم غلطاً في هذا الباب كالمعتزلة وغيرهم ما هو من جنس هذا.

стр. 75

من دلائل بطلان مذاهب المتكلمين رد كل طائفة منهم لمقالة الأخرى من الدلائل على بطلان مذاهب المخالفين: أن الطائفة الواحدة من المتكلمين تقع في إبطال مقالة الطائفة ودلائلها المقابلة لها، مع أن مذهبهم مبني على قاعدة واحدة، هي القاعدة الكلامية. بمعنى أن الأشاعرة يحكمون على مذهب المعتزلة بالفساد، والمعتزلة يحكمون على مذهب الأشاعرة بالفساد، مع أن المادة الكلامية واحدة! بل أخص من هذا أن البغداديين من المعتزلة يفارقون البصريين من المعتزلة في تقرير كثير من الدلائل والمسائل، وبين هذين الطائفتين تنازع كثير، ومن ذلك ما صنفه أبو رشيد النيسابوري في مسائل الخلاف بين البصريين والبغداديين من المعتزلة. وكذلك نجد ما هو أخص من هذا: وهو أن أعيان أئمة البصريين من المعتزلة أو أعيان أئمة البغداديين من المعتزلة يقع التعارض بين الشيخ وتلميذه، فمثلاً: أبو الهذيل العلاف منظر مدرسة المعتزلة، كان من أصحابه أبو إسحاق النظام - إبراهيم بن سيار النظام - ومع ذلك وقع بين أبي الهذيل العلاف وأبي إسحاق النظام نزاع شديد في طريقة تحصيل المذهب على طريقتين متناقضتين. بل ما هو أخص من هذا، وهو: أنه في كلام الواحد من أعيان أئمة المتكلمين الكبار اضطراب كبير في كثير من المسائل، كما تقدم في حال أبي المعالي الجويني، فإنه يقرر في كتب مقامات ويقرر في بعض الكتب الأخرى ما يناقض هذه المقامات، وكما تقدم معنا في كلام أبي الحسن الأشعري أيضاً مع قربه من أهل السنة والجماعة، وكذلك ما يقع في كلام بعض أعيان المعتزلة .. وهلم جرا. وفي المتفلسفة الأمر أشد؛ ولهذا نجد أن أبا الوليد بن رشد يتناقض كثيراً، وكذلك ابن سينا في كتبه يتناقض كثيراً، فهو مرة يمتدح الطريقة العقلية ويصححها، ومرة يشير إلى الطعن عليها ويصحح طريقة التصوف والعرفان .. وهلم جرا. إذاً: الناظر في مقالات هؤلاء باعتبار طوائفهم أو باعتبار الطائفة الواحدة بين أصحابها، أو باعتبار الواحد منهم، يجد أن في كلامهم تناقضاً كثيراً، ولا شك أن التناقض دليل على الفساد، ولهذا كان من الدلائل على أن القرآن من عند الله أنه ليس فيه اختلاف: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ولا يرى شيء من ذلك فيما يتعلق بمذهب السلف. وهنا تظهر النتيجة من هذا، وهو أنه ليس هناك طائفة من طوائف المخالفين للسلف إلا وبين أصحابها نزاع كثير في تقرير الدلائل والمسائل. وهذا قدر واسع جداً، ولا يرى شيء من ذلك يقع في كلام أئمة السلف، فإنهم متفقون في الدلائل ومتفقون في المسائل، وإذا قيل: إنهم متفقون في الدلائل فهذا لا يعني أن كل دليل يستدل به إمام يلزم أن يكون هذا الدليل مستعملاً عند سائر الأئمة، ولكن الذي يلزم أنه ما من مسألة من مسائل أصول الدين إلا وفيها أدلة أجمع السلف على الاستدلال بها، ويكون ثبوت المسألة وتحققها بهذه الأدلة المجمع عليها. وبعض الأئمة يجمعون مع الاستدلال بالنصوص الصريحة الاستدلال بشيء من الظواهر التي قد لا يسلم بها بعض الأئمة، فهذا الاختلاف ليس من باب الاختلاف في الدلائل عند السلف؛ لأن هذا الاختلاف إنما يكون اختلافاً من جنس اختلاف المتكلمين لو كانت المسائل لا تثبت إلا بهذه الأدلة التي يقع فيها شيء -أحياناً- من النزاع. إذاً السلف مذهبهم مذهب متفق من جهة دلائله ومسائله، أما المخالفون فمذهبهم ليس متفقاً لا من جهة دلائله ولا من جهة مسائله؛ وبهذا يعلم أن دلائل المعتزلة التي يذكرها بعض أعيانهم يمكن أن يذكر الرد عليها من كلام بعض أعيان المعتزلة الآخرين، فضلاً عن كلام الأشاعرة على المعتزلة، فضلاً عن كلام السلف على المعتزلة. وكذلك بعض كلام الأشاعرة يمكن رده بكلام بعض أعيانهم، وإن كان هذا المقام إذا ذكر لا يلزم بالضرورة أن يكون مطرداً، فإنك قد ترى بعض الأدلة التي تتفق عليها طائفة من الطوائف فتحصل بها مذهباً، وترى بعض المسائل تتفق عليها الطائفة وتحصل بهذه النتيجة اتفاقاً يضافون وينتسبون إليه، كالأصول الخمسة التي التزمها المعتزلة في الجملة، ولكن لهم في طرق تقريرها طرق مختلفة. فالقصد: أن هذه الدلائل يدخلها التعارض كثيراً، وهذا هو مقصود المصنف ﵀ من ذكر هذا المقام، وهو: تقرير أن المخالفين للسلف هم في قول مختلف يؤفك عنه من أفك، أي: أنهم مختلفون فيما بينهم متناقضون في تقرير أقوالهم، وإن كانوا أحياناً يطلقون في كتبهم كثيراً من الإجماع، بل تجد بعضهم يقول: أجمع المسلمون على كذا. ولا يكون هذا صحيحاً في نفس الأمر. ومن الأمثلة على ذلك: أن الجويني كثيراً ما يقول في كتبه: والدليل على ذلك إجماع المسلمين. مع أن القول الذي حكى فيه الإجماع ليس إجماعاً للمسلمين، بل ولا إجماعاً لأهل السنة والمنتسبين إليها، بل ولا إجماعاً للأشعرية وحدها. ومن أمثلة نقله للإجماع قوله: أن وجوب النظر على المكلفين إجماع عند المسلمين. مع أن هذا لم توجبه طائفة بعينها بإجماعها، حتى مَنْ هم أخص من تكلم بمسألة النظر وهم المعتزلة، وعن المعتزلة دخل القول بمسألة وجوب النظر على الأشاعرة، حتى قال أبو جعفر السمناني: القول في إيجاب النظر في مذهبنا -يعني مذهب الأشعرية- بقية بقيت فيه من مذهب المعتزلة. فأصلاً القول بإيجاب النظر هو مبني على أصول القدرية نفاة القدر، ولهذا لا يمكن إثباته على أصول الكسبية الأشعرية مثبتة القدر الغالية في إثباته، ولكن حتى المعتزلة أصحاب النظر طائفة من أئمتهم لا يوجبونه، ويرون أن المعرفة تقع ضرورية، ومن هؤلاء الجاحظ الكاتب المعتزلي المعروف، وثمامة بن الأشرس، وأبو إسحاق البلخي وجماعة من أكابر علماء المعتزلة؛ والخلاف بين الأشعرية في عدم إيجاب النظر مشهور. فالقصد: أن ما يقع في بعض كتب المتكلمين من دعوى الإجماع هذا لا يلتفت إليه، فإنهم من أجهل الناس بالإجماع.

стр. 76

من أوجه فساد مقولة: طريقة السلف ... [ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقعوا من ذلك على عين أو أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون، المفضولون، المنقوصون، المسبوقون، الحيارى، المتهوكون أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى، ومصابيح الدجى]. هذا التقرير تقرير نظري، أي: أنه يمتنع بالعقل أن يكون المحجوبون، المفضولون، المسبوقون، الحيارى، المتهوكون أعلم في باب أسماء الله وصفاته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .. وهذا قاطع من قواطع النظر العقلي الشرعي. [الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلاً عن سائر الأمم]. ولهذا لم يمتدح الله في القرآن من بعدهم إلا من اتبع هداهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] عام في سائر من اتبعهم ولو تأخر زمنه. [فضلاً عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم]. يشير المصنف بقوله هذا إلى المتفلسفة الذين دخل قولهم على المسلمين. [وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة! ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة -لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته- من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟! أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس والمشركين وضلال اليهود والنصارى والصابئين، وأشكالهم وأشباههم، أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟! وإنما قدمت هذه المقدمة لأن من استقرت هذه المقدمة عنده عرف طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره وعلم أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عن ما بعث الله به محمداً ﷺ من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريقة السابقين والتابعين، والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه، وبشهادة الأمة على ذلك، وبدلالات كثيرة. وليس غرضي واحداً معيناً وإنما أصف نوع هؤلاء ونوع هؤلاء]. يستخدم المصنف هذه الإضافات أتباع الهند واليونان وورثة المجوس .. إلخ لأن لديه جزماً قاطعاً أن العلم الكلامي علم مولد من الفلسفة، وإن كان ضُمِّن بعض المقدمات العقلية المجردة عن الفسلفة، وكذلك بعض المقدمات الشرعية المجملة كمقدمة تنزيه الله عن التشبيه والتمثيل المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وبعض المقاصد الشرعية الفاضلة كأن الله مستحق للكمال منزه عن النقص، فإن هذه يشترك فيها حتى المتكلمون مع أهل السنة؛ ولهذا المصنف يقول: إن أهل القبلة اتفقوا على أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص، ثم اختلفوا في تحقيق المناط.

стр. 77

قاعدة: الإسناد من الدين وعلاقتها بهذا الباب هذا هو نهاية المقصد الأول في رسالة المصنف، وهي هذه المقدمة التي قال فيها: وإنما قدمت هذه المقدمة لأن من استقرت هذه المقدمة عنده عرف طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره. وهذه المقدمة -كما قال المصنف- تصح في هذا الباب وتصح في غيره؛ ولهذا قال من قال من السلف: إن الإسناد من الدين. فهذا وإن كانوا ذكروه في أعيان الأحاديث النبوية المروية بالإسناد المسلسل، إلا أن الأمر يقع كذلك هنا، فإن الدين لابد أن يتلقى بالإسناد، بمعنى أنه: ما كان من الدين ليس مأثوراً عن الصحابة ﵃ فإنه لا يكون من الدين الذي بعث الله به نبيه ﵌؛ لأنه إذا لم يتخذ مذهب الصحابة ﵃ فيصلاً في هذا المقام فإن الدعوة من جهة الاستدلال بالشرع -أعني: الكتاب والسنة- تكثر عند الطوائف؛ ولهذا كان السلف ﵏ يلتزمون القول بأن الدلالة هي دلالة الكتاب والسنة والإجماع؛ ولهذا كان من أخص مسائل الفرق بينهم وبين مخالفيهم من قدماء أهل البدع أن مخالفيهم لم يعتبروا إجماع الصحابة ﵃ في هذا الباب، وأول من خرج عن إجماع الصحابة من أهل البدع الخوارج، ثم جاءت المعتزلة فالمرجئة فالمتكلمة والقدرية .. إلخ، فهذا الاعتبار بهذه القاعدة.

стр. 78

ملخص المقصد الأول من مقاصد الرسالة الحموية إذاً: هذا هو محصل المقصد الأول في كلام المصنف، يمكن أن نلخصه بالآتي:

стр. 79

اعتبار أصول الدين بالكتاب والسنة والإجماع أن القول في باب الأسماء والصفات باتفاق أهل القبلة من القول في أصول الدين، وإذا كان كذلك فإن أصول الدين تعتبر -أي: يعتبر القول فيها- بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإنه من المعلوم بالضرورة الشرعية والعقلية أن الله أكمل لهذه الأمة دينها، وأخص ذلك ما يتعلق بأصول الدين وهو التوحيد -توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات-.

стр. 80

تلقي الصحابة لأصول الدين وفقههم لها وتبليغهم إياها فإذا علم بالضرورة أن باب الأسماء والصفات مقرر في القرآن والسنة النبوية فإن هذا البيان القرآني النبوي تلقاه الصحابة ﵃ وفقهوه، والدليل على أنهم تلقوه وفقهوه على التحقيق -أي: كما أراد الله أن الله أثنى عليهم بالعلم والإيمان في كتابه، وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه، ويمتنع أنه سبحانه يثني بهذه المقامات على من لم يفقه ما يتعلق بمسائل أصول الديانة، وبأخص ما يتعلق بمعرفة الباري ، وإذا تحقق فقه الصحابة لهذا الباب فإن الصحابة بلغوه التابعين، ويمتنع عدم ذلك بأنه لا يقع إلا من جاهل أو قاصد كتمان الحق، والصحابة منزهون عن الجهل في هذا الباب، منزهون عن قصد كتمان الحق. وفي زمن التابعين ظهرت مقالة تعطيل الصفات فأبطلها أئمة التابعين بما هو معروف في كتب السنة المسندة، وهذا متواتر في كلام الأئمة، وهذا يدل على أن القول الذي اتخذه هؤلاء الأئمة في مقابل قول الجهمية هو الحق الذي بعث به الرسول ﵌. فهذا هو إسناد مذهب أهل السنة: أنه ينتهي إلى هؤلاء الأئمة الذين تلقوا عن الصحابة، المتلقين عن نبيهم ﵌.

стр. 81

اضطراب أقوال المخالفين وتناقضها واختلافها ثم إن في أقوال أصناف المخالفين قدراً معروفاً من التناقض والاختلاف والاضطراب في هذا الباب، وإذا نظرت في أقرب هؤلاء الطوائف إلى قول أهل السنة والحديث -وهم أئمة الأشعرية كـ أبي الحسن الأشعري - وجدت في كلامهم من مخالفة الكتاب والسنة في كثير من الموارد ما هو متحقق بالجزم، فإذا كان ذلك كذلك فمن باب أولى ما يقع في كلام متأخريهم، فضلاً عن المعتزلة، فضلاً عن المتفلسفة. هذا محصل هذا المقصد، وقد حصل المصنف به هذه المقدمة الضرورية التي دائماً تحقَّق: أن الأقوال معتبرة بهذه الأصول الثلاثة، وأن المخالفين في موقع المخالفة لا يكون قولهم مبنياً على الكتاب والسنة ولا الإجماع. وعِلْم سائر الطوائف بأنها مفارقة للسلف أمر مستقر في الجملة، حتى إن المتأخرين من الأشاعرة صرحوا أن مذهب السلف ليس هو مذهب التأويل، وهذا التفصيل من حيث هو يدل على أن ثمة فرقاً بين ما كان عليه السلف وما كانوا عليه، وإن لم يصيبوا في تعيين مذهب السلف حيث قالوا: إنه التفويض.

стр. 82

علم الكلام علم مولد ليس من علوم الإسلام مقصود المصنف ﵀ من هذا أنه ليس له غرض في تعيين أحد بعينه، وإنما يصف نوع هؤلاء -أي: السلف- من جهة ما حصلوه من الحق وما التزموه من الوحي، وما وقع فيه المخالفون لهم من أصناف الطوائف، وخاصة أن إسناد الطوائف الكلامية يترقى في الضلال، بمعنى أنه يترقى من الأقرب إلى الحق إلى الأبعد عن الحق، ولهذا في الغالب أن الإسناد كلما يترقى يقع الغلط فيه أكثر، وإن كان هذا ليس بالضرورة أن يكون مطرداً، لكن أصول هذه المقالات -وهذه المسألة يعنى شيخ الإسلام بتقريرها، وهو أخص من قررها في المتأخرين؛ ولابد لطالب العلم أن يفقهها: وهي أن المذاهب الكلامية بأسرها معتزلةً أو أشعريةً أو ماتريدية- مذاهب مولدة من مقدمات فلسفية، وهذا لا يقع فقهه إلا لمن نظر في هذه الكتب بالتأمل، فترى أن القواعد الفلسفية التي كانت تُنقل عن أرسطو طاليس أو غيره هي أصول في هذه المذاهب، وإن كانت هذه المذاهب حتى المعتزلة مذاهب مولدة وليست مذاهب فلسلفية منقولة -أي: صريحة-. ومن هنا كان علم الكلام ليس علماً له سابقة قبل الإسلام، فلو بحث باحث في التاريخ قبل الإسلام فإنه لا يجد علماً يسمى علم الكلام، فهو علم نشأ في المسلمين، لكنه مولد من الفلسفة مع مقاصد من العقل بل ومقاصد من الشرع المجمل؛ ولهذا لا تعجب أن ترى في كتب المتكلمين بعض الاستدلال ببعض الآيات، ولكن كما تقدم أنه في المعتزلة خاصة لا يتحصل استدلال مفصل بالقرآن، وإن كانوا قد يستدلون، لكن لا تجد التطابق بين الاستدلال والمذهب، وهذا بخلاف الأشاعرة، فإنهم قد يستدلون بآيات من القرآن ويكون الغلط من جهة استدلالهم. المحصل: أن العلم الكلامي علم مولد، وقد شهد بعض أعيان المتكلمين الكبار على علم المعتزلة -وهو علم كلامي- أنه علم فلسفي، ونقول: هذه الشهادة تنقلب حتى على المذهب الأشعري؛ لأنه أخذ جزءاً من مذهب المعتزلة سواء كان ذلك في الدلائل أو في المسائل، فهم في هذا القدر وافقوا المعتزلة، وبهذا القدر وافقوا أهل السنة، والدليل على ذلك: أنه قبل عبد الله بن سعيد بن كلاب كان الناس أحد صنفين: الأول: مثبتة للصفات على طريقة السلف. الثاني: نفاة للصفات على طريقة المعتزلة والجهمية. وإن كان هناك مشبهة الصفات، إلا أن هؤلاء شأنهم ظاهر، لكن أخص الأصناف ما يتعلق بمثبتة الصفات وهم السلف، أو نفاة الصفات وهم الجهمية والمعتزلة، ثم جاء الكلابية والأشعرية والماتريدية فأثبتوا بعض الصفات ونفوا بعضاً؛ ولهذا تجد دلائل الأشاعرة في محل الإثبات تقارب كثيراً دلائل السلف، وتجدهم في موضع النفي ينسجون على نفس دلائل المعتزلة.

стр. 83

شرح الحموية [٥] من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله مستو على عرشه، عال على خلقه بائن عنهم، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، بل إن فطرة بني آدم على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم تقر بأن الله تعالى عال على خلقه بائن عنهم، ولم يخالف في ذلك إلا أتباع فلاسفة اليونان، الذين أنكروا هذا، معتمدين في ذلك على سخافات عقولهم، بعد أن تركوا كتاب ربهم وسنة نبيهم.

стр. 84

تقرير مسألة العلو قال المصنف ﵀: [وإذا كان كذلك فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء]. قوله: إما نص أي أنه قاطع في الدلالة. وإما ظاهر أي أنه ظاهر في الدلالة وإن لم يكن قاطعاً بمنزلة النص. ينتقل المصنف هنا إلى المقصد الثاني، فبعد بيانه لإسناد مقالة السلف يعني بتقرير مسألة العلو: أي أن الله فوق سماواته مستو على عرشه بائن من خلقه.

стр. 85

سبب اعتناء السلف بمسألة العلو وهي مسألة للسلف فيها عناية كثيرة، فإن فيها -مسألة العلو- ومسألة الكلام، والرؤية .. كلاماً للسلف من جهة التفصيل والتقرير أظهر من كلامهم في غيرها من الصفات وأشهر، وخاصة مسألة العلو .. وذلك لأن من أثبت علو الله لابد أن يقع له إثبات جملة من الصفات، وبطريقة أدق: كل من نفى علو الله فإنه رتب نفي كثير من الصفات على انتفاء العلو. مثلاً: من المسائل التي أنكرها المعتزلة: الرؤية. فما هو دليل المعتزلة الذي ظنوه قاطعاً على نفي الرؤية؟ هو دليل مبني على نفي العلو، وهو ما يسميه المعتزلة في كتبهم دليل المقابلة، وهذا الدليل هو أخص دليل للمعتزلة نفوا به الرؤية، بمعنى أنه إذا بطل هذا الدليل بطل المذهب، وإن كانوا يستدلون بدليل الاضطباع، وبظاهر قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] لكن كما تقدم أن استدلالهم بالقرآن ليس محققاً لا من جهة الصواب ولا من جهة موافقة المذهب. إذاً: بنى كثير من النفاة -من الجهمية والمعتزلة- نفي كثير من الصفات على ما ظنوه من تحقق انتفاء العلو بالعقل، والحق أن مسألة العلو -أعني: علو الباري هي من أظهر المسائل ثبوتاً، بل إنها أظهر ثبوتاً من كثير من الصفات التي نفوها بنفيهم لمسألة العلو؛ لأنه ليس كل الصفات يدل على ثبوتها العقل مع الشرع، فبعض الصفات صفات تعلم بالشرع وحده، وإذا قلنا: إنها تعلم بالشرع وحده، فهذا لا يعني أن العقل يمكن أن يعارض هذا المثبت بالشرع، ولكن العقل لا يدل عليه قبل ورود الشرع، ولكن عند ورود الشرع فإن العقل يقبله ولا ينافيه.

стр. 86

أنواع الصفات من جهة أدلتها ولهذا يمكن أن نقول كقاعدة من جهة دلائل الصفات: إن الصفات على نوعين: الأول: صفات تثبت بدلالة العقل والسمع. الثاني: صفات تثبت بدلالة السمع والعقل لا ينافيها. ومن ذلك الذي يثبت بالسمع وحده ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر) فهذا النزول لولا خبر النبي ﷺ به ما كان لأحد أن يهتدي إليه عقله، وهذا الخبر النبوي لا ينافيه العقل، فهذه صفة تثبت بالسمع. والله موصوف بأنه الخالق، وموصوف بالقدرة .. فهذه الصفات معلومة بضرورة الفطرة وضرورة العقل مع أن الشرع صرح بها. وكذلك صفة العلو صفة دلت عليها الفطرة، فإن الخلق مفطورون على أن الله هو العلي الأعلى، وكذلك دل عليها العقل، ودل عليها الشرع في آيات متواترة وأحاديث متواترة. وقد اتفق نفاة العلو من المتفلسفة والجهمية والمعتزلة والمتأخرة من الأشاعرة على أن الله لا يسأل عنه بأين، وهذا مخالف لما ثبت في الصحيح من حديث معاوية بن الحكم في قصة الجارية، لما قال معاوية: (وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون لكنني صككتها صكةً، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله أعتقها؟ قال: ائتني بها. قال: فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة). فإن النبي ﵌ وهو أعلم الخلق بالله سأل هذه الجارية -مع أنها ليست من أهل العلم المختصين-: أين الله؟ مما يدل على أن هذا لا ينافي كمال الرب سبحانه. والإمام أحمد ﵀ -كما يذكر هذا شيخ الإسلام كثيراً- كان ممن يستدل على ثبوت العلو في رده على المخالفين بمسألة العقل، قال: فإن الله خلق الخلق -أي: خلق العالم- وهو منزه عن الحلول في هذا الخلق، فيجب بضرورة العقل أن يكون بائناً عنه، وإذا كان بائناً عنه فإما أن يكون أعلى وهو العلي الأعلى، وإما أن يكون محايفاً، وإما أن يكون أسفل، والمحايفة والسفل نقص ينزه عنه الباري، فتعين أنه سبحانه بائن من خلقه فوقهم ومقصود السلف بالعلو ليس هو أن الله في السماوات المخلوقة، كما يقال: إن الملائكة في السماء. فإن الله منزه عن المخلوقات كلها، فهو الأول ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء، والظاهر ليس فوقه شيء، والباطن ليس دونه شيء -أي: لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء-.

стр. 87

سبب آخر لاعتناء المصنف بمسألة العلو وهناك غرض آخر جعل المصنف يقرر مسألة العلو، وهو أن قدماء الأشاعرة كـ أبي الحسن الأشعري وأئمة أصحابه كانوا يثبتون علو الله سبحانه، وإن كانوا يتأولون مسألة الاستواء على العرش، وهذا قول أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني، وقبل هؤلاء هو قول أئمة الكلابية الأولى، وأخصهم عبد الله بن سعيد بن كلاب. لكن لما جاء المتأخرون من الأشاعرة كـ أبي المعالي ومن بعده نفوا مسألة العلو واستعملوا فيها نفس منهج المعتزلة؛ ولما جاء المتأخرون بعد هذا كـ محمد بن عمر الرازي زاد الأمر سوءاً فقال: إن الذين يثبتون الجهة -يقصد: العلو- هم من طوائف الأمة الحنابلة والكرامية، وإلا فإن سائر الأمة اتفقت على تنزيه الله عن الجهة وقد شاع هذا عند متأخري الأشاعرة؛ ولهذا بدأ يوصف الحنابلة -قبل زمن شيخ الإسلام، وأدرك ﵀ هذا- أنهم مثبتة للجهة، بل أصبح هذا الوصف مختصاً بهم؛ لأنه لم يكن للكرامية ظهور يذكر خاصة في بلاد العراق وبلاد الشام، وإن كان لهم بعض الظهور في بلاد العجم. فعني شيخ الإسلام في كتبه ببيان أن أبا الحسن الأشعري وأئمة أصحابه كانوا مثبتةً للعلو، فضلاً عن إثبات سائر أئمة السنة والجماعة، أي: يقصد أنه حتى أئمة الأشاعرة كانوا مثبتةً لمسألة العلو، ولهذا المصنف عني ببيان هذه المسألة، وأنها مسألة فطرية عقلية شرعية؛ ولهذا استدل بعد ذلك بشعر أمية بن أبي الصلت مع أنه رجل لم يسلم، وإن كان أدرك النبي ﷺ إلا أنه لم يؤمن به، وقد كان متحنفاً، وله إصابة في التوحيد مجملة لكنه لم يدخل في دين الإسلام .. فلهذين الغرضين عني المصنف بهم. إذاً المقصد الثاني، وهو ذكر مسألة العلو لغرضين: الأول: لأنها مسألة أصل عند السلف وعند الطوائف، فالتحقيق فيها يتحصل به تحقيق في جمهور الصفات. الثاني: لأن متأخري الأشاعرة نفوها وقدماءهم كانوا يثبتونها، وزعم بعض متأخريهم -أعني الأشعرية- أن إثباتها مختص بالحنبلية والكرامية.

стр. 88

أدلة العلو

стр. 89

الأدلة من الكتاب [وهو فوق كل شيء، وهو على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الملك:١٦ - ١٧] ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ((ثم استوى على العرش)) في ستة مواضع، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]]. ذكر طائفة من السلف أن أول من صرح بإنكار العلو هو فرعون، والآية صريحة أن موسى كان يخاطب فرعون وقومه أن الله في السماء، ولهذا قال فرعون: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر:٣٧] ولو لم يكن موسى ﵊ يخاطبه بأن الله في السماء لما تقصد هذا المقصد. وهذه الآيات التي يستدل بها المصنف صريحة في الدلالة على أن الله موصوف بالعلو، ولكن هنا ينبه في طريقة الاستدلال عند أهل السنة أنهم يسلكون أنواعاً من الأدلة، تحت كل نوع أفراد: الآيات أو الأحاديث التي ذكرت الفوق .. الآيات التي ذكرت أن الله في السماء .. الآيات التي ذكرت الصعود أو العروج .. وهلم جرا. ومثل هذا في مسألة كلام الله، فكل آية في القرآن فيها نداء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) .. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هي دليل على إثبات كلام الله؛ لأن النداء يكون من المتكلم، والقرآن كلام الله. كذلك كل آية أضيف فيها القول إليه سبحانه هي دليل على إثبات الكلام. كذلك كل آية فيها إنباء من الله هي دليل على إثبات صفة الكلام. كل آية فيها أمر من الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]. كل آية فيها نهي .. وهلم جرا. ولهذا نرى بعض أهل السنة يقول -مثلاً- إن دلائل الكلام في الكتاب والسنة -أي: إثبات كلام الله- تقارب الألف دليل فهم يحصلونها بهذه الطريقة: أنه أنواع، وتحت كل نوع أفراد. وعن هذا قال بعض أصحاب الشافعي من المحققين: إن دلائل العلو في الكتاب والسنة تبلغ نحو الثلاثمائة دليل أي: على هذه الطريقة، وهي طريقة الاستدلال بمسألة النوع وتحت كل نوع أفراد. وهذا مثله مثل مسألة الإيمان؛ فإن أصناف الأدلة الدالة على أن الإيمان قول وعمل متنوعة في الكتاب والسنة؛ ولهذا أوصل بعض الأئمة دلائل مسألة الإيمان إلى نحو الألف دليل على هذه الطريقة؛ ومثله ما يتعلق بالصفات الفعلية، فقد ذكر شيخ الإسلام أن في القرآن مائة وبضع عشرة آية دالة على إثبات الصفات الفعلية. [﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١١٤] إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة]. (مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ) وهذا دليل على علو الله؛ لأن النزول يكون من أعلى .. وهكذا.

стр. 90

الأدلة من السنة [وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة]. هنا ينبه في طريقة شيخ الإسلام ﵀ أنه قد يستدل ببعض الأحاديث التي اشتهر تضعيفها عند الحفاظ المتأخرين، ولكن لا يقع لـ شيخ الإسلام ﵀ أنه يستدل بحديث انضبط تركه عند أئمة السلف؛ وهذا لأنه يعتبر استدلال بعض أئمة السلف بمثل هذه النصوص مسوغاً لهذا الاستدلال؛ ولهذا ليس بالضرورة أنه يلتزم الصحة هنا، ولكنه إذا رأى أن الأئمة استعملوه في استدلالهم فإنه قد يسلك ما يستعمله الأئمة. ولهذا تجد أنه استدل ببعض الأدلة أحياناً، لكنه لما سئل عنها على وجه التخصيص مال إلى تضعيفها. فالقصد: أنه لا يستدل بحديث انضبط ضعفه تماماً، وإنما قد يستدل ببعض الأحاديث التي فيها بعض الكلام؛ ومع ذلك هذا النوع من الأحاديث المسألة لا تنبني عليه من كل وجه، فيكون ضعفه دليلاً على ضعف المسألة؛ لأن المسألة ثابتة بنصوص متواترة. وشيخ الإسلام ﵀ إذا استدل بمثل هذا النوع من الأحاديث، وإن كان قد يتردد فيها من جهة السند أحياناً لكنه يجزم بأن معناها حق، فيستدل بها موافقةً لمن استدل بها من المتقدمين. وقد يطعن في بعض الأحرف من الأحاديث حتى مما في الصحيح -في صحيح مسلم بخاصة- أو في بعض الأحاديث المشتهرة الصحة، وله سلف في هذا من متقدمي الأئمة، وهذا ككلامه في حديث التربة، وكلامه فيما جاء في حديث ابن عباس المتفق عليه، وإن كانت هذه الرواية تفرد بها مسلم، وهي قوله ﷺ : (هم الذين لا يرقون ولا يسترقون) فقوله: لا يرقون هي من أفراد مسلم، وقد ذكر شيخ الإسلام أن هذا الحرف غلط، واستدل لتغليطه بطرق. القصد: أنه يستعمل أحياناً مثل هذا النوع، فهو يعتبر مسألة الاعتبار في الاستدلال بمسائل الموافقة لأصول الشريعة وعموم النصوص، أو يعتبر التضعيف أحياناً بهذا الاعتبار إذا لم يكن الحديث أو حرف منه موافقاً للأصول العامة؛ فإنه ينتهي إلى ضعفه وإن لم يشتغل بسنده كثيراً. [مثل قصة معراج الرسول ﷺ إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار: (فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم) وفي الصحيح في حديث الخوارج: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً). حديث الخوارج متواتر، فقد رواه مسلم من عشرة أوجه، روى البخاري طائفةً منها، وقال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه. [وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: (ربَنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمةً من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا الوجع). هذا الحديث متكلم فيه، لكن كما تقدم لم ينضبط ضعفه ورده. [قال رسول الله ﵌: (إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء ..) وذكره، وقوله في حديث الأوعال: (والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وقوله في الحديث الصحيح للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة)]. قوله: في الحديث الصحيح للجارية مع أن الحديث في مسلم، وقد تقدم أن المصنف لا يلتزم الاصطلاح المشهور عند متأخري الحفاظ دائماً. [وقوله في الحديث الصحيح: (إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي) وقوله في حديث قبض الروح: (حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله تعالى) وقول عبد الله بن رواحة الذي أنشده للنبي ﷺ وأقره عليه: شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي ﷺ هو وغيره من شعره فاستحسنه وقال: (آمن شعره وكفر قلبه) حيث قال: مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا بالنباء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا شرجعاً ما يناله بصر العين ... ترى دونه الملائكة صُورا] استدلاله بقول أمية بن أبي الصلت يبين به أن هذا كان متقرراً حتى عند العرب في جاهليتها؛ لأنه من مسائل الربوبية. وقد قصد العرب الذين كفروا بالقرآن إلى منازعة النبي ﷺ فيما أوتي وفي نبوته بطرق يعلم جمهورهم أنها باطلة، كقولهم: إنه ساحر، ومجنون، وهذا القرآن إنما يعلمه بشر إلى غير ذلك، ومع ذلك لا نرى أحداً من الجاهليين -مع أنهم من أجمد الناس عقلاً- قصد إلى دعوى أن هذه الصفات التي ذكرها القرآن في حق الله تتعارض مع العقل، وهذا يدل على أن العقل الذي عناه المتكلمون في قولهم: إنها معارضة للعقل. ليس هو العقل الاعتيادي البشري الذي هو عقل غريزي في الناس، إنما مقصودهم بالعقل: معلومات عقلية فلسفية. فإن أحداً من الجاهليين الذين قالوا عن النبي ﷺ : إنه ساحر أو مجنون مع أنهم يعلمون فساد ذلك، لكن لأنهم لم يجدوا عليه مدخلاً، ولو كان عقل أحدهم يهتدي إلى أن شيئاً من الصفات -مع أنهم يسمعون القرآن فيه وصف الله بالرحمة والغضب والسمع والبصر والعلو والقدرة إلى غيرها- الفعلية واللازمة، ولم يتكلم أحد من المشركين، بل ولا حتى اليهود الذين كانوا بين يدي النبي ﷺ أو كانوا عنده في المدينة أو بجواره في المدينة في الطعن في شيء من الصفات المذكورة في القرآن، بحجة أنها تنافي كمال الله أو تخالف العقل. وهذا استدلال فاضل، وهو من طرق أهل السنة للاستدلال على الصفات. وقد تقدم أن الجاهليين كانوا يذكرون هذه المقاصد العامة؛ لأنها مقاصد ربوبية؛ ولهذا ترى أن بعض علماء السنة كـ شيخ الإسلام لما قسم التوحيد قال: إنه توحيد خبري وتوحيد طلبي إرادي. والتوحيد الخبري يدخل فيه توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فأصله باب محكم حتى في العقول والفطر -أعني باب الأسماء والصفات- وإنما كان الجاهليون ينازعون في مسألة توحيد العبادة والطلب. وبهذا يتبين أن ما وقع فيه المتكلمون إنما هو من أحكام الفلسفة وليس من أحكام العقل، ولو كان العقل يدل على شيء من هذا التردد أو الاعتراض لكان من أسبق الناس إليه الجاهليون أو اليهود أو الذين بعث النبي ﷺ إليهم وكتب إليهم، فإنه ﷺ -كما في حديث أنس في الصحيح- كتب إلى كل جبار يدعوه إلى الله، ولم يُنقل أن أحداً ممن كتب إليه النبي ﷺ أو بلغه وفده أو بلغته دعوته من المشركين واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم اعترض على ما يتعلق بمسألة المعرفة الإلهية في صفات الله ؛ ولو كان في شيء من العقل ما يقتضي ذلك لذكروه. ومن ذلك أن طرفة بن العبد كان يثبت مسألة المشيئة لله في أفعاله، مع أن المعتزلة لما جاءت قالت: إن الله لم يشأ أفعال العباد. مع أن قضية أن الله شاء أفعال العباد قضية فطرية، حتى الجاهليون كانوا يقرون بها، ولهذا يقول طرفة: فلو شاء ربي كنت قيس بن عامر ... ولو شاء ربي كنت عمر بن مرثد فأصبحت ذا مال كثير وزارني ... بنون كرام سادة لمسود إذاً: كان يثبت أن ما تحصل له من الأحوال هو على مشيئة الله . وبهذا يتبين أن هذه المسائل -خاصة مسائل الصفات ومسائل القدر- هي مسائل -في الجملة- فطرية عقلية. [وقوله في الحديث الذي في المسند: (إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً) وقوله في الحديث: (يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب! يا رب!). وهذا الحديث في الصحيح من حديث أبي هريرة.

стр. 91

دليل الفطرة [إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علماً يقينياً من أبلغ العلوم الضرورية أن الرسول ﷺ المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء كما فطر الله على ذلك جميع الأمم، عربهم وعجمهم، في الجاهلية والإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته]. إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته لأن الأصل في هذا الباب أنه على الفطرة وعلى مدركات العقل بما يشاهد في آيات الله الكونية التي يشترك فيها جملة الناس، أو الآيات الشرعية التي هي من الفقه والعلم الذي يختص به أهل الإيمان. فقوله: إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته لأن الانحراف عن الفطرة هو من اجتيال الشياطين، لهذا جاء في الصحيح من حديث عياض بن حمار المجاشعي أن النبي ﵌ قال: (قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا به ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ...) إلى آخر الحديث، وكان هذا قبيل بعث النبي ﵌. فالمقصود: أن هذه الدلائل المتواترة من الكتاب والسنة والعقل والفطرة قاطعة بأن الله موصوف بالعلو.

стр. 92

اعتماد نفاة العلو على طريقة السبر والتقسيم في نفي العلو هنا قد يقول قائل: كيف انتهى مذهب المعتزلة والمتأخرين من الأشاعرة إلى نفي هذه المسألة؟ نقول: إذا عُرفت قاعدة هؤلاء في طرق تحصيلهم لصواب قولهم وغلط المقابل له يزول هذا الإشكال: هذه الطوائف يستعملون طريقةً منطقية مأخوذة من المنطق الأرسطي، وهي ما تسمى في المنطق المترجم بطريقة السبر والتقسيم، وهي: أن يفرض في هذه المسألة جملة من الأقوال العقلية بحيث لا تخرج الفرضية العقلية عن هذه الأقوال، فإذا فرضوا القسمة -مثلاً- بأربعة فإنهم يقصدون إلى إبطال ثلاثة، والباقي يكون هو الحق دون أن يحتاج إلى استدلال آخر، وإذا فرضوا القسمة باثنين فإنهم يبطلون واحداً فيكون الباقي هو الحق؛ لأنه إن فرض بطلانه لزم رفع النقيضين -كما يقولون- ورفع النقيضين ممتنع. وهذه الطريقة يقول عنها شيخ الإسلام ﵀: إنها من أضعف الطرق في العقل. فهؤلاء المعتزل قالوا: إما أن يكون الله في السماء. ولم يفهموا من أنه في السماء إلا كما يكون الملائكة في السماء، وكما تكون الجنة في السماء، أي أنه شيء مخلوق يحوي الباري ويحيط به .. ! أو يُنفى عن الله هذا الوصف مطلقاً، ويقال كما يقول المتفلسفة: لا داخل العالم ولا خارجه. أو يقولون: ليس له مكان، أو لا يقبل العلو، أو لا يقبل الجهة .. إلى غير ذلك. فهم يحصلون بالعقل وحتى بالشرع أن الله لا يليق به أن يكون في السماء، بمعنى أنه في سماء تحويه كما أن الملائكة في السماء والجنة في السماء .. أليس هذا منتفياً بالعقل والشرع؟ فلما نزهوا الله عن هذا -وهذا حق- ظنوا أنه لا يبقى إلا ما يقابله، وهو شيء واحد، وهو: أنه ينفى العلو عن الله مطلقاً، ويقال: ليس له مكان، أو يقال -كما تقول المتفلسفة ومن شاركهم من المعتزلة-: لا داخل العالم ولا خارجه، أو يقال: لا يوصف بأنه داخل العالم ولا خارجه، أو لا يقبل الأين أو لا يقبل الزمان والمكان .. وهلم جرا من الإطلاقات التي يستعملونها في هذا الباب. فطريقة السبر والتقسيم هي معتبرهم، ولهذا إذا نظرت في استدلال المعتزلة على مسألة العلو تجد أن كل الأدلة التي نفوا بها العلو تتجه إلى أن إثبات العلو يستلزم إثبات قديم مع الله؛ لأنهم فهموا أن الله في السماء، أي: أنه في سماء تحويه، وبالطبع ليس هذا هو فهم السلف، بل قال أبو حنيفة ﵀: من زعم أن الله في سماء كما أن الملائكة في السماء فقد كفر بالله العظيم. ولهذا تجد المعتزلة يقولون: لو كان في سماء للزم تعدد القدماء لأنهم لم يفهموا من كونه في السماء إلا كما تكون الملائكة في السماء، من أن هذا ليس هو مذهب السلف ﵏. إذاً: طريقة السبر والتقسيم هي التي استعملها المخالفون في تقرير مذهبهم، كذلك لما جاءوا لمسألة تعارض العقل والنقل نظموها على طريقة السبر والتقسيم كما سيأتي إن شاء الله في كلام المصنف وهذه الطريقة طريقة غلط.

стр. 93

غلط نفاة العلو في طريقة السبر والتقسيم كيف نقول: إنها غلط؟ من جهة أن الحق ليس فيما سبروه وقسموه، فإنهم سبروا في مسألة العلو باثنين: الأول: نفي العلو مطلقاً. الثاني: إثبات الحلول. فيقال: الحق ليس في هذا ولا في هذا، بل الحق أن الله فوق سماواته بائن من خلقه، وهو غني عن الخلق. وكيف يكون محتاجاً إلى شيء من الخلق وقد وسع كرسيه السموات والأرض؟! وكيف يكون محتاجاً إليهم وهو الذي خلقهم؟! فكل هذا مما يخالف ضرورة العقل فضلاً عن دلائل الشرع. إذاً المحصل: أن طريقة السبر والتقسيم هي الطريقة التي يستعملها المخالفون للسلف في تحقيق مذهبهم. ومعنى السبر أنهم يسبرون الفروضات العقلية في المسألة المعينة. والتقسيم هو: إيراد الابتلاء للمسألة حتى يتحقق الحق منها ويتبين الغلط، فيقولون: الأول يمتنع، وهو أنه يوصف بالحلول، فلما امتنع هذا علم بالضرورة أن الحق في الثاني؛ لأنه لم يبق إلا هو. نقول: (لم يبق إلا هو) هذه دعوى؛ لأن الحق ليس في هذا القول ولا وفي هذا القول. وهذا مثل مسألة: أن طريقة السلف التفويض وطريقة الخلف التأويل، يظنون أنه لا يصح في هذا الباب إلا أحد مسلكين؛ ولهذا لما رجع الجويني عن التأويل رجع للتفويض؛ لأنهم يظنون أنه لا يمكن في العقل إلا تفويض أو تأويل، والحق ليس في هذا ولا هذا. ومثله في القدر، فهم يسبرون بطريقتين، يقولون: إما أن يقال بالجبر وإما أن يقال بالقدر، إما العبد مجبور أو العبد مستقل يخلق فعل نفسه. فالمذاهب المخالفة تدور على هذين المذهبين، والصواب أن السبر من أصله غلط؛ فإن الحق ليس في الجبر ولا في الاستقلال، والحق ليس في التفويض ولا في التأويل، والحق ليس في الحلول ولا في نفي العلو .. وهلم جرا. فهذه الطريقة -أعني: طريقة السبر والتقسيم- هي طريقة شائعة في كلام المخالفين، مع أنهم بهذه الطريقة إنما يحصلون نفي الأول -إذا كان السبر والتقسيم باثنين- ولا يحصلون إثبات الثاني.

стр. 94

أثر عقيدة نفي العلو على الأمة [ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفاً]. وهذا متواتر في كتب السنة. [ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ولا عن أحد من سلف الأمة -لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف- حرف واحد يخالف ذلك لا نصاً ولا ظاهراً، ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه بذاته في كل مكان، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا إنه لا متصل ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها. بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مجمع حضره الرسول ﷺ جعل يقول: (ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم. فيرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكبها إليهم ويقول: اللهم اشهد) غير مرة، وأمثال ذلك كثيرة]. وهذا كان في حجة الوداع، وقد ذكر الحاكم ﵀ أن عدة من حجوا مع النبي ﷺ أو وافوه في حجه في عرفة مائة ألف وبضعة عشر ألفا. فكيف يسع أحد أن يقول بأن الله لا يصح السؤال عنه بأين مع أن النبي ﷺ سأل عن ربه بأين؟ كيف يسعه أن يقول: إن الله ليس في السماء، ثم يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه؟ فإن من يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه .. هذا رفع للنقيضين حقيقة وإثبات للعدم؛ ولهذا لم تنقل هذه الجملة إلا عن أئمة المتفلسفة كـ ابن سينا وأمثاله الذين لم يكن من تلقوا عنه -وهو أرسطو طاليس - يثبت رباً خالقاً لهذا العالم، بل كان يثبت علةً غائية، وهو - أرسطو طاليس - أصلاً لم يتكلم في مسألة واجب الوجود فضلاً عن الخالق .. الخ، إنما كان يتكلم في مسألة العلة والمعلول، ومقصوده بالعلة: ليس العلة الفاعلية إنما العلة الغائية، ولهذا كان يثبت قدم المعلول ويرى أن العلة تتقدم على معلولها بالشرف والعلية وليس بالسبق الزماني. هذه المذاهب هي التي شاعت -مع الأسف- في كثير من متكلمة المسلمين، وبسببها -أي: بسبب القول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه- شاع الحلول عند غلاة الصوفية كـ ابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني وابن الفارض وأمثال هؤلاء الذين مالوا إلى نقيض مذهب نفي العلو، وهو القول بوحدة الوجود التي قررها ابن عربي في الفصوص والحكم، وزعم أنها مأخوذة من مشكاة خاتم الأولياء، وأنها لم يشر إليها في القرآن إشارة صريحة. وقد ذكرها ابن سبعين في رسائله كرسالة بد العارف، وذكرها ابن الفارض في نظمه السلوك، وهو يذكر مسألة التوحد، مع أنه حاول أن يبين أن طريقته طريقة شرعية، لذلك حاول الاستدلال ببعض الصور التي وقعت في زمن النبي ﷺ كمجيء جبريل في صورة دحية بن خليفة الكلبي، أو طريقة تنزل الوحي على النبي ﵌؛ فهو يقول بمسألة وحدة الوجود، ولكنه يحاول دعوى أن طريقته مبنية على الكتاب والسنة، والكتاب والسنة براء من طريقته. فهو يقول بعد أن ذكر نظماً طويلاً حكى فيه قصة مجيء جبريل على صورة دحية، قال: ولي من أتم الرؤيتين إشارة ... تنزّه عن رأي الحلول عقيدتي وفي الذكر ذكر اللبس ليس بمنكر ... ولم أعْدُ عن حُكْمَي كتاب وسنةِ ولا شك أنه لم يقع على حكم الكتاب ولا على حكم السنة.

стр. 95

من لوازم القول بنفي العلو أن الله ورسوله لم يبينوا للأمة هذه المسألة [فلئن كان الحق ما يقولوه هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصاً وإما ظاهراً، فكيف يجوز على الله تعالى؟! ثم على رسوله ﷺ ، ثم على خير الأمة: أنهم يتكلمون دائماً بما هو إما نص وإما ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصاً ولا ظاهراً حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها]. أي: كيف وسع النبي ﵌ لو كان الحق أن الله ليس في السماء، أو أنه ليس له مكان، أو أنه في كل مكان، أو لا داخل العالم ولا خارجه، لو كان الحق مثل هذه العبارات كيف وسع النبي أنه لم يصرح بها يوماً واحداً لأحد من الصحابة، بل كان يصرح بنقيضها، فيقول: (أين الله؟ فتقول الجارية: في السماء). ويرفع إصبعه إلى السماء في أعظم مجمع حضره النبي ﷺ ويقول: (اللهم اشهد) وينزل عليه القرآن صريحاً في إثبات العلو ولا يبين لأصحابه أنه على خلاف ظاهره كما تقول المعتزلة .. ؟؟ فلو كان القرآن ليس على ظاهره -كما يقول النفاة- للزم النبي ﷺ أن يبين للأمة أن القرآن ليس على ظاهره؛ لأن هذا القرآن يسمعه الخاصة والعامة، ويسمعه العرب والعجم، ويسمعه حديث عهد بالإسلام ويسمعه المتفقه .. وهلم جرا. وقد تقدم أن المصنف يصر على هذه الإضافة - أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة - لأن لديه جزماً أن العلم الكلامي مأخوذ عن الفلسفة. " على كل مكلف أو كل فاضل" مقصوده بهذا التنويع الرد على بعض المخالفين الذي إذا أورد عليه: كيف أن النبي ﷺ لم يبين الحق في مسألة العلو؟ وكيف خاطب الناس بخلاف الظاهر؟ وكيف نزل القرآن بخلاف الحق؟ قال: إن هذا ليس اعتقاداً لسائر المكلفين، بل هو لفاضلهم من أصحاب العلم والاختصاص، فيقول المصنف هنا: كيف أن النبي ﷺ لم يبين هذا مع أنه إما أن يكون واجباً على سائر المكلفين أو هو الحق في حق الفاضلين من المكلفين؟؟ وهذا بحسب اختلاف الطوائف التي ترى أن هذا هو حق على سائر المكلفين أو حق على فاضلهم. [لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم]. على مجرد عقولهم لأنه يقول: إننا إذا سألناهم: من أين تحصل نفي العلو؟ قالوا: بدلالة العقل، فهم لا يقولون بدلالة النقل، بل يقولون: بدلالة العقل، والنقل يعارضه ويحتاج إلى تأويل. وعلى هذه الطريقة يلزم أن يكون النقل الذي هو الكتاب والسنة زاد الخلق ضلالاً؛ لأن العقل الصحيح -على ظنهم وزعمهم- يقود إلى نفي العلو والقرآن جاء بإثبات العلو، ولهذا احتاج -حتى عندهم- النقل عند المعتزلة وأمثالهم إلى التأويل؛ ولهذا يبين المصنف أن لازم هذا أن يكون ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم في باب الصفات؛ وهذا لأن النصوص هنا عارضت المحصلات العقلية -على زعمهم- والتي يزعم المخالفون للسلف أنها هي الحق، فيكون ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم. [وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير]. لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير؛ لأن النفي حُصل بدلائل العقل، والنقل عارض العقل، واحتاج النقل إلى التأويل؛ إذاً لو كان العقل وحده هو الحاكم لكان أسلم؛ مما يدل على بطلان هذا وامتناعه، فإن الله جعل الكتاب هدىً للناس، ووصف نبيه وهو أفضل الناس عقلاً وفطرةً بقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] وقال سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣].

стр. 96

كيفية تقرير المصنف لمذاهب المخالفين [بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين، فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله وما يستحقه من الصفات نفياً وإثباتاً، لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات فصفوه به، سواءً كان موجوداً في الكتاب والسنة أم لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه به]. هذا هو محصل وحقيقة مذهب المخالفين للسلف: أن معرفة الصفات تنبني على العقل وليس على الشرع. وهنا ينبه إلى أن ما يحصله المصنف في تقرير مذهب المخالفين هو على نوعين: الأول: يكون من مقالاتهم وحقيقة مذهبهم الذي يقررونه .. فهذا يعطون أحكامه المتعلقة به المناسبة له من جهة الشرع في باب الأسماء والأحكام. الثاني: وهو من باب اللوازم، ولازم المذهب ليس مذهباً لصاحبه، وإن كان يذكر ليتبين بهذا اللازم فساد المذهب، فإن اللازم إذا كان فاسداً دل على أن المذهب نفسه فاسد، فـ شيخ الإسلام يعتبره لنقض المذاهب لا من باب أخذ هؤلاء بمذهبهم، فمثلاً: أن مذهب المعتزلة نفي الصفات .. هذا مذهب، أما أن مذهب المعتزلة أن الله موصوف بالنقص لنفيهم الصفات .. فهذا لازم، ولهذا المعتزلة لا تصرح باللوازم؛ لأنهم لو صرحوا باللوازم كفروا كفراً صريحاً؛ ولهذا وإن كان مذهبهم من جهة الحقيقة واللازم هو النقص، إلا أنهم يظنون أنه الكمال، وهذا من أسباب درء التكفير عنهم -أي: عن أعيانهم- وإن كان قولهم قولاً كفرياً لا شك في ذلك.

стр. 97

ملخص المقصد الثاني من مقاصد الرسالة الحموية هنا ينتهي المقصد الثاني وهو: ذكر المصنف لمسألة العلو. لذلك نعطي تلخيصاً يسيراً له:

стр. 98

غرض المصنف من ذكر مسألة العلو المقصد الثاني ذكر المصنف فيه مسألة العلو لغرضين:- الغرض الأول: أنها مسألة مختصة في هذا الباب ينبني على ثبوتها ثبوت جملة من الصفات، وقد بنى المخالفون فيها نفي كثير من الصفات على نفيها، كنفي المعتزلة للرؤية بدليل المقابلة الذي حقيقته نفي العلو، فإن الرؤية إنما انتفت عند المعتزلة لأنها تستلزم ثبوت العلو الذي يسمونه الجهة؛ ولهذا صار في هذه المسألة اختصاص عند سائر الطوائف. الغرض الثاني: أن مقصود المصنف في هذه الرسالة الحموية هو نقض مذهب متأخري الأشاعرة -كطبقة أبي المعالي ومن بعده، ومحمد بن عمر الرازي وأمثاله- الذين من أخص مسائلهم نفي العلو. وقد زعم بعض أئمتهم -كـ الرازي - أن إثبات الجهة -الذي هو إثبات العلو وإن كان لفظ الجهة لفظاًَ لم يرد في الكتاب والسنة- مختص بالحنابلة والكرامية، مع أن الحق في نفس الأمر: أن أئمة الأشاعرة كـ أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني وأمثالهما، فضلاً عن أئمة الكلابية كـ عبد الله بن كلاب وأبي العباس القلانسي وأبي علي الثقفي وأبي عبد الله بن مجاهد، فضلاً عن سائر أئمة السنة والحديث يثبتون علو الله على ما هو مقرر في كتب السنة والجماعة، وقد صرح الأشعري في الإبانة والرسالة إلى أهل الثغر بمسألة العلو، وكذلك ابن كلاب -والأشاعرة يعدونه من شيوخهم، وإن كان متقدماً على أبي الحسن الأشعري - صرح في كتاب الصفات بإثبات العلو والفوقية، واستدل لذلك بالكتاب والسنة والعقل، وهو معتبر في مذهب الأشاعرة -أعني ابن كلاب - ولهذا يقول عنه البغدادي كثيراً: وقال شيخنا عبد الله بن سعيد بن قطان -وأحياناً يقول: ابن كلاب - كما يقول عن أبي الحسن الأشعري: وقال شيخنا. وقال أبو محمد بن حزم عن ابن كلاب: وهو شيخ قديم للأشعرية.

стр. 99

شرح الحموية [٦] انقسم المخالفون للسلف في باب الأسماء والصفات إلى قسمين: منهم من يرى نفي ما لم يثبته العقل، ومنهم من يرى التوقف فيما لم يثبته العقل، وذلك لأنهم قرروا وجود تعارض بين العقل والنقل، ومن ثم قالوا: إذا تعارض العقل والنقل فإنه يقدم العقل على النقل، وهذه المقالة مقالة فاسدة باطلة من وجوه كثيرة.

стр. 100

أصناف المخالفين في باب الأسماء والصفات قال المصنف ﵀: [ثم هم هاهنا فريقان: أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه. ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه، وما نفاه قياس عقولكم - الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافاً أكثر من جميع من على وجه الأرض - فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا]. يبين المصنف ﵀ في هذا المقام أصناف المخالفين في تقريرهم لباب الأسماء والصفات، فيقول: إنهم فريقان: الأول: وهم الذين يرون نفي ما لم يثبته العقل .. وهذا مذهب أكثرهم. الثاني: وهم الذين يرون التوقف فيما لم يثبته العقل. إذاً: وقع الاختلاف فيما لم ينفه العقل، أما ما نفاه العقل فإن المتكلمين - سواء كان المتكلم من المعتزلة أو من الأشعرية والماتريدية وغيرهم- متفقون على أن ما تحصل نفيه بالدليل العقلي فإنه يصار إلى نفيه؛ ولهذا نفت الأشاعرة الصفات الفعلية على هذا الوجه، وأما ما لم يدل الدليل على نفيه - أي: الدليل العقلي- فمنهم من يرى التوقف فيه، ومنهم من يرى نفيه، وهذا هو الذي عليه أكثر المتكلمين من المعتزلة ومن وافقهم من متكلمة الصفاتية. فهذا هو الصنف الأول والصنف الثاني من المتكلمين في هذا الباب.

стр. 101

أجوبة المتكلمين عن سبب ورود آيات الصفات على خلاف قولهم [فإنه الحق الذي تعبدتكم به، وما كان مذكوراً في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا، أو يثبت ما لم تدركه عقولكم على طريقة أكثرهم، فاعلموا أني امتحنتكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدى منه لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ، وغرائب الكلام]. هذا هو جواب أكثر المتكلمين عن سبب ورود آيات الصفات على خلاف ما هو الحقيقة في نفس الأمر عندهم، فإنهم إذا نفوا الصفات وظاهر القرآن إثبات الصفات أجابوا عن هذا الظاهر القرآني بأنه قصد امتحان المكلفين به حتى يثابون على هذا الامتحان الذي يحصلونه بطريقة التأويل. [أو أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله]. كما هي طريقة متأخري الأشاعرة الذين يجوزون التفويض والتأويل، أو كمن يلتزم التفويض فيما لم يدل الدليل العقلي على نفيه، أو من يلتزم التأويل مطلقاً .. فهذه ثلاث طرق للقوم في هذا الباب.

стр. 102

الكلام عن تعارض العقل والنقل [مع نفي دلالته على شيء من الصفات .. هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين، وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزوماً لا محيد عنه]. وهذا التصريح يقررونه بطرق، ومن أخص هذه الطرق ما شاع في كتب المتكلمين من قانون تعارض العقل والنقل، وقد ذكر هذا القانون أئمة المعتزلة، وتحقيقه عند المعتزلة بين لا إشكال فيه، بل وكذلك ذكره كثير من أئمة الأشاعرة كـ أبي حامد الغزالي وأبي المعالي الجويني، ومحمد بن عمر الرازي وغيرهم، ومحصل هذا القانون -الذي عليه عامة المتكلمين كما يذكره الرازي في كتبه، وبخاصة في أساس التقديس الذي أجاب عنه شيخ الإسلام ﵀ في كتابه نقض التأسيس - محصل هذا القانون كما يقول الرازي: إن الظواهر النقلية إذا عارضت القواطع العقلية فإما أن تقدم الظواهر النقلية، قال: وهذا ممتنع؛ لأن أصل قبول النقل هو العقل. وإما أن تقبل الظواهر النقلية مع القواطع العقلية، قال: وهذا ممتنع لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن ترفع الظواهر النقلية والقواطع العقلية؛ وهذا ممتنع لأنه رفع للنقيضين. بهذا يتبين أن تقديم النقل على العقل - بحسب زعم الرازي وأصحابه والمتكلمون بعامة - ممتنع؛ لأن أصل قبول النقل هو الدليل العقلي؛ وبما أن جمع النقيضين ممتنع ورفعهما ممتنع لم يبق عنده إلا الرابع: وهو تقديم العقل على النقل. قال: وإذا قدم الدليل العقلي القاطع على الظواهر النقلية فهذه الظواهر فيها مسلكان: التأويل والتفويض. إذاً: رتب المتكلمون من الأشاعرة مسألة التأويل ومسألة التفويض على مسألة تعارض العقل والنقل. وهذا القانون هو من أخص القوانين التي شاعت في طوائف المتكلمين نفاة الصفاة أو ما هو منها، وقد أجاب عنه أئمة السنة كثيراً وبخاصة ما كتبه شيخ الإسلام ﵀ في درء تعارض العقل والنقل.

стр. 103

أوجه تناقض قانون تعارض العقل والنقل

стр. 104

الوجه الأول هذا القانون متناقض من أوجه كثيرة؛ ولكن من أخص هذه الأوجه أن يقال: إن الدليلين إذا تعارضا فإن التقديم يقع باعتبار ظهور الدلالة، وهو ما يسمى بالدلالة القطعية والدلالة الظنية، والدليل فيه جهتان: جهة الثبوت وجهة الدلالة. فإذا صار في المقام دليلان بينهما تعارض نظر في جهتي الدليل: ١ - جهة الثبوت. ٢ - جهة الدلالة. فأيهما كان قطعي الثبوت قطعي الدلالة فإنه يقدم على ما يقابله؛ لأنه إذا تحقق في دليل من هذين الدليلين المتعارضين أنه قطعي الثبوت قطعي الدلالة لزم أن يكون الدليل الآخر ليس كذلك، لأنه لا يمكن أن يكون الدليل الآخر قطعي الدلالة قطعي الثبوت؛ حيث إنه لو أمكن هذا للزم التعارض بين القطعيين، وهذا ممتنع باتفاق العقلاء .. فإذا جئنا إلى الدليل النقلي وهو: القرآن والسنة، وأخذنا القول في القرآن؛ فإن القرآن قطعي الثبوت بإجماع المسلمين، أما من جهة الدلالة فإن آيات الصفات قطعية الدلالة حسب سياق كلام العرب، فإن في قوله تعالى مثلاً: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] أضاف سبحانه الرضا إلى نفسه، أو في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] أضاف السمع إلى نفسه، وهذا الإسناد الصريح -كما يسميه أهل اللغة- هو أصرح سياق في العربية، ومن قال: إن الدلالة في آيات الصفات ليست قطعية من جهة اللغة العربية. يقال له: ليس هناك سياق قطعي في لسان العرب أكثر ظهوراً من سياق الإسناد الصريح. إذاً: القرآن قطعي الثبوت قطعي الدلالة على آيات الصفات. وبهذا يعلم أن كل دليل يعارض القرآن -سواء سمي دليلاً فلسفياً أو عقلياً أو كلامياً أو ما شابه ذلك- يمتنع أن يكون قطعي الثبوت قطعي الدلالة؛ لأن هذا الفرض يوجب التعارض بين القطعيين، وهو ممتنع باتفاق العقلاء. هذا الطريق من أقوى طرق الرد التي اعتمدها شيخ الإسلام، وهو: تحقيق أن القرآن قطعي الثبوت -وهذا بدهي- وأنه قطعي الدلالة في آيات الصفات؛ لأن سياق آيات الصفات أصرح سياق عربي في لسان العرب، فإذا كان كذلك علم أن المقابل له على جهة المعارضة يمتنع أن يكون قطعي الثبوت قطعي الدلالة؛ لأنه يوجب التعارض بين القطعيين، وهذا ممتنع باتفاق عقلاء بني آدم.

стр. 105

الوجه الثاني أن يقال: إنه يعلم كون الدليل قطعياً من جهة الثبوت بطرق بحسب حال هذا الدليل، فإذا نظرنا في الدليل الذي يزعمون أنه عارض النقل -وهو الدليل العقلي على زعمهم- فمتى يصح أن نقول عن الدليل العقلي: إنه قطعي الثبوت؟ إذا اتفق عليه العقلاء، وإن شئت قل: إذا اتفق عليه أصحاب النظر العقلي، حتى لا ندخل فيما يتكلف له بعض المتكلمين ويقول: العامة ليسوا من أصحابه. إذاً: إذا اتفق على الدليل أصحاب النظر العقلي، أو هب أن الدائرة أقصر من هذا، وهي: إذا اتفقت عليه طائفة. فإذا نظرنا إلى أي دليل عقلي يعارضون به النقل فإننا نجد أنهم لا يتفقون عليه بعامة -أعني: النظار- بل ولا تتفق عليه طائفة اتفاقاً تاماً؛ فالدليل الذي يسميه الرازي وغيره من الأشاعرة بأنه دليل قاطع نجد أن المعتزلة لا يعتبرونه دليلاً قاطعاً، ونجد أن دليل المعتزلة الذي نفوا به الصفات لا تعده الأشعرية دليلاً قاطعاً، بل يرونه دليلاً وهمياً مناقضاً للعقل؛ فالمعتزلة تنفي سائر الصفات والأشعرية تقول: إن الدليل العقلي القاطع يدل على ثبوت أصول الصفات. وبهذا نجد أن كل طائفة من طوائف المتكلمين والنظار الذين خالفوا السلف كل طائفة تختص بدليل تزعم أنه دليل عقلي قاطع، مع أننا نجد إذا رجعنا إلى البدهيات في ضبط الأدلة أن الدليل إذا كان عقلياً لا يكون قطعي الثبوت إلا إذا اتفق عليه النظار -أصحاب النظر العقلي- على أقل الأحوال، إن لم نقل اتفق عليه سائر العقلاء. إذاً: ليس هناك دليل عقلي واحد اتفق عليه النظار؛ لأن مذاهب النظار متناقضة متعارضة متضادة. وبهذا يتبين أنه ليس هناك دليل قطعي الثبوت، وإذا لم يكن الدليل قطعي الثبوت فقد انتهى الأمر فيه من كل جهة. ومع ذلك إذا افترضنا -جدلاً- أن لديهم دليلاً قطعي الثبوت، فيبقى الشأن في الجهة الثانية وهي جهة الدلالة. فإننا إذا نظرنا إلى جهة الدلالة فإننا نجد أنهم متناقضون فيها، فضلاً عن مناقضة أئمة السنة لهم، فإن المعتزلة تناقض في جهة الدلالة التي تستعملها الأشاعرة والعكس، ومع المشبهة ومع أصناف المجسمة ومع المتفلسفة وهلم جرا. إذاً هذا التناقض والتعارض في مذاهب المخالفين للسلف في ثبوت الأدلة وفي دلالتها -الذي هم يصرحون به في كتبهم- دليل على أن النقل لا يعارضه دليل عقلي قاطع لا ثبوتاً ولا دلالة.

стр. 106

الوجه الثالث أن يقال: إضافة الأدلة إلى هذين القسمين ليس سديداً؛ فإن الدليل النقلي السمعي هو الدليل الشرعي، والدليل الشرعي يقابله الدليل البدعي، أما أن يقال: إن الدليل الشرعي يقابله الدليل العقلي فهذا غلط مبني على أن دلائل القرآن دلائل تسليمية محضة، وليس فيها ما هو من مخاطبة العقول؛ وهذا بسبب أن هذا القانون مبني على قول غلاة المتكلمين الذين يقولون: إن الدلائل القرآنية دلائل خبرية محضة مبنية على صدق المخبر. والحق: أن القرآن فيه دلائل خبرية محضة كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وفيه دلائل عقلية، الخطاب فيها للعقول، ولهذا يخاطب بها حتى الكفار، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٨] ولهذا كان من دلائل أهل السنة على أن الله متصف بالكلام أن الله أبطل ألوهية العجل وقبوله للعبودية -أي: لكونه محلاً للعبودية- بكونه لا يتكلم، ولو كان الإله الحق كما تزعم الجهمية ومن وافقها -تعالى الله عما يقولون- لا يوصف بالكلام لكان هذا نقصاً فيه، أو كان الاستدلال على بطلان ألوهية العجل بهذا ليس صحيحاً، ومثله قول إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم:٤٢] فلو كان الإله الحق لا يسمع لكان هذا دليلاً على إبراهيم وليس له. ومن هنا حكم السلف على أدلة المخالفين العقلية الكلامية بأنها دلائل بدعية، وأن أصحابها قوم مبتدعة. فهذا قانون افتتن به كثير من المتكلمين والطوائف، وإن كان يعلم بطلانه بضرورة العقل، فضلاً عن ضرورة النقل. ثم إنهم اعتذروا عن تقديم النقل على العقل بأن قالوا: إن أصل قبول النقل هو العقل. ورتبوا ذلك على مسألة النبوة، وهو أن نبوة النبي ﷺ عرفت بالمعجزة والمعجزة آية عقلية. وهذا ليس بشيء؛ لأن نبوة النبي ﵌ وإن ثبتت بالمعجزة إلا أنها تثبت بغيرها أيضاً، فإنه ليس كل من أسلم بين يدي النبي ﷺ أو بلغته دعوته فآمن به لم يؤمنوا إلا لما علموا ما معه من المعجزات، سواء كان ذلك من المشركين عبدة الأوثان أو كان من أهل الكتاب، فإن جمهور من أسلم لم يسلموا لكونهم رأوا آية -التي هي المعجزة- وإنما أسلموا لما سمعوا القرآن، ولا شك أن القرآن أعظم آيات النبي ﷺ ، لكن إذا قصدنا بالآيات هنا ما تزعمها المعتزلة وأمثالها وهي الخوارق الحسية للعادات كتكثير الماء وأمثال ذلك. وهذا هرقل -كما ثبت في الصحيحين في حديث ابن عباس - لما جاءه كتاب النبي ﷺ ، أرسل إلى ركب من قريش كانوا في الشام، وكان معهم أبو سفيان، وهو إذ ذاك مشرك، فلما دخلوا على هرقل وهو كتابي عالم بكتابه سأل أبا سفيان عن مسائل، هذه المسائل لم تكن عن المعجزات، فإن هرقل لم يسأله: هل لديه معجزة أم ليس لديه معجزة؟ بل سأله: من يتبعه؟ هل كان من آبائه من ملك؟ أيكذب؟ .. إلخ، ولما انتهى من هذه السؤالات قال: ماذا يؤمركم؟ قال: ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة .. فماذا قال هرقل؟ قال: إن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم، فقطع بثبوت نبوة النبي ﷺ وجزم بها لمثل هذا. إذاً: زعمهم أن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة .. ليس سديداً، بل تثبت بها وبغيرها؛ فإن آيات الأنبياء لا تختص بخوارق العادات. ثم لو فرض أن هذا صحيح .. فإن الدليل الذي عارض آيات الصفات ليس هو الدليل العقلي الذي ثبتت به المعجزة، إذاً لا يلتفت إليه .. وهلم جرا من الأوجه.

стр. 107

الرد إلى غير الكتاب والسنة يوجب الاختلاف [ومضمونه: أن كتاب الله لا يهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة -وهم المشركون- والمجوس وبعض الصابئين، وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة]. وإن كان هذا الرد أي: الرد إلى غير الكتاب والسنة، إما إلى العقل أو المقالات الفلسفية أو غيرها؛ الرد إلى هذه الأمور لا يزيد الأمر إلا شدة؛ لأنه يوجب كثرة الاختلاف، ولهذا لما استعمل هؤلاء هذه الدلائل كثر اختلافهم وافترقت طوائفهم افتراقاً مشهوراً. [ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم، وقد أمروا أن يكفروا بهم، وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ [النساء:٦٠ - ٦٢] فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول - والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته - أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علماً وعملاً بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية. ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم]. قوله: إنما تقلدوا أكثرها لأنه قد يقع لهم دلائل يحصلونها بنظم عقلي مقرر ليس مولداً من مقالات فلسفية، لكن الدلائل التي هي أصول في هذه المذاهب لابد أن تكون فيها مادة فلسفية، وهذا قد تقدم الإشارة إليه. [مثل فلان وفلان، أو عمن قال كقولهم لتشابه قلوبهم، قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٣] الآية، ولازم هذه المقالة: ألا يكون الكتاب هدى]. لازم هذه المقالة أي: مقالة التعطيل، سواء كان تعطيلاً لسائر الصفات أو لما هو منها. [ألا يكون الكتاب هدى للناس ولا بياناً ولا شفاء لما في الصدور، ولا نوراً ولا مرداً عند التنازع؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون أنه الحق الذي يجب اعتقاده؛ لم يدل عليه الكتاب والسنة، لا نصاً ولا ظاهراً]. وأهل الكلام يسلمون بأن القرآن لم يدل على ما فصلوه في مذهبهم في صفات الله، وإنما غاية الذي يستدل منهم بالقرآن إنما يستدل بنصوص مجملة على ما نفاه مما خالف فيه القرآن. [وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السماوات ونحو ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] لقد أبعد النجعة؟]. هذا لو لم يرد دليل الإثبات في الاستواء، لما كان هذا بياناً ظاهراً، كيف ودليل الاستواء متواتر في القرآن؟! [وهو إما ملغز وإما مدلس لم يخاطبهم بلسان عربي مبين، ولازم هذه المقالة: أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيراً لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد]. لأن الرد هنا اعتبر بالدليل العقلي، والعقل موجود قبل الرسالة وبعدها، بل الرسالة على هذه المذاهب الكلامية زادت الأمر إشكالاً؛ لأن الرسالة خاطبت المخاطبين في نصوصها القرآنية والنبوية بما يعارض الدليل العقلي الذي هو حق في ظن هؤلاء. [وإنما الرسالة زادتهم عمىً وضلالاً، يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول يوماً من الدهر]. أي: كيف وسع النبي ﷺ أنه لم يقل يوماً من الدهر، ولم يفصح يوماً من الدهر بنفي صفة من هذه الصفات المثبتة في القرآن؟ كيف وسع النبي ﷺ أنه لم يذكر يوماً واحداً أن في القرآن ما يحتاج إلى تأويل أو أن هذا القرآن ليس على ظاهره؟ هل يعقل أن كل من يسمع القرآن في زمنه ﷺ كانوا يفقهون أنه مؤول؟ وإذا ورد هذا السؤال على المخالفين من المعتزلة والأشاعرة فإن الفاضل منهم يقول: إن القوم زمن النبي ﷺ من الصحابة كانوا يعلمون أن هذه النصوص ليست على ظاهرها، وإنما احتاج التصريح بتأويلها فيما بعد لما ظن من ظن من المشبهة أنها على ظاهرها .. وهذا تكلف؛ لأنه لو كان ظاهرها يدل على التشبيه -مع أنه لا يدل عليه- هل يعقل أن كل من في زمن النبوة حتى حدثاء العهد بإسلام وحتى الأعراب، بل وحتى الكفار الذين يسمعون القرآن لا يتبادر إلى ذهن واحد منهم أن في القرآن ما هو من التشبيه؟ ثم يأتي من بعدهم من أئمة العلم الذين تحقق لهم العلم كأئمة السنة والجماعة فلا يفهمون منها إلا التشبيه ويجمعون عليه ويطبقون عليه، وهم لم يأخذوا إلا من مشكاة الصحابة ﵃؟؟ لا شك أن هذا ممتنع بالعقل امتناعاً صريحاً. [ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم أو اعتقدوا كذا وكذا؛ فإنه الحق، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، أو انظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاقبلوه، وما لا فتوقفوا فيه أو انفوه]. وهذا وجه آخر من استدلال المصنف ﵀ على صحة مذهب السلف. [ثم رسول الله ﷺ قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله) وروي عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). حديث الافتراق هذا مخرج في السنن والمساند وغيرها من حديث أنس وعبد الله بن عمر وأبي هريرة، وقد تكلم فيه بعض الحفاظ، والأكثر على تقويته، وكما تقدم أنه إن قيل بضعفه فإن هذا لا يعني شيئاً كثيراً؛ لأنه تواتر في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ أخبر أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، فهذا دليل على ثبوت هذا الافتراق، وأن قوماً يختصون بالحق الذي بعث به. [فهلا قال: من تمسك بالقرآن أو بدلالة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن في باب الاعتقادات فهو ضال. وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة في هذه المقالة، وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين].

стр. 108

شرح الحموية [٧] مقالة التعطيل مقالة مأخوذة عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، وأول من قال بها هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وقد انقسم المعطلون لصفات الله إلى ثلاثة طبقات: من نفوا الأسماء والصفات، وهم الجهمية، ومن أثبت الأسماء في الجملة ونفى الصفات، وهم المعتزلة، ومن أثبت الأسماء وبعض الصفات، وهم الأشاعرة ومن وافقهم.

стр. 109

بيان إسناد مقالة التعطيل

стр. 110

أول من قال بالتعطيل في الإسلام قال المصنف ﵀: [ثم أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل للصفات- إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام -أعني: أن الله ليس على العرش حقيقةً، وأن معنى استوى بمعنى: استولى، ونحو ذلك- هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن إبان بن سمعان، وأخذها إبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ ]. بدأ المصنف ﵀ هنا ببيان إسناد مقالة التعطيل بعد أن بين إسناد مقالة أهل السنة والجماعة. وحديث سحر النبي ﷺ متفق عليه من حديث عائشة، والأئمة على قبوله، وإنما طعن فيه بعض المتأخرين بما ليس من أوجه الطعن، وما وقع له ﷺ من السحر لا ينافي مقام النبوة والرسالة. [وكان الجعد بن درهم هذا -فيما قيل- من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم). قوله: الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم يشير به إلى محمد بن عمر الرازي الذي صنف كتاب السر المكتوم. [ونمرود هو ملك الصابئة الكلدانيين المشركين، كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك مصر، والنجاشي ملك الحبشة، وبطليموس ملك اليونان، وقيصر ملك الروم، فهو اسم جنس ليس اسم علم، فكانت الصابئة إلا قيلاً منهم إذ ذاك على الشرك]. اتصال الإسناد الذي بعد الجعد بن درهم من جهة اليهود أو غير ذلك وكونه أخذ هذا من طالوت إلخ محتمل، وقد ذكره بعض أهل الأخبار والسير وبعض أهل العلم، لكن المتحقق أن أول من تكلم بهذه المقالة هو الجعد بن درهم، ثم أخذها وأظهرها الجهم بن صفوان، ولو فرض جدلاً أن قبل الجعد رجلاً أو ثلاثة أو عشرة أو مائة أو أنه مع الجعد رجال .. إلخ فإن كل هذه الفروضات لا تقدم كثيراً ولا تؤخر، إنما الاعتبار بأن هذه المقالة مقالة ليس عليها صبغة الشريعة ولا عليها صبغة اللغة؛ ولهذا ترى أنها في تقريرها ومقدماتها وتنظيمها لا تستعمل الأحرف الشرعية ولا الأحرف العربية المعروفة في لسان العرب، بل يستعملون الأعراض والجوهر الفرد والجوهر المركب، والتركيب والإمكان .. وهلم جرا، وإن كان لهذه معان في اللسان في كثير من الموارد إلا أنها من جهة اصطلاحهم على غير ما هو معروف في لسان العرب، فمن ترتيبها وتنظيمها يعلم أنها مقالة محصلة منقولة. [وعلماؤهم هم الفلاسفة، وإن كان الصابئ قد لا يكون مشركاً بل مؤمناً بالله واليوم الآخر كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة:٦٩] لكن كثيراً منهم أو أكثرهم كانوا كفاراً أو مشركين، كما أن كثيراً من اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا كفاراً أو مشركين، فأولئك الصابئون الذين كانوا إذ ذاك كانوا كفاراً أو مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل]. عني المصنف ﵀ بذكر الصابئين الذين أئمتهم الفلاسفة؛ لأن التحقيق -كما يذكر ذلك في كتبه الكبار- أن مقالة التعطيل هي مقالة فلسفية، أي: هذا التعطيل الذي قاله الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، ثم دخل على المعتزلة بصورة مقربة، ثم استعمل شيء كثير منه في كلام متكلمة الصفاتية أصل مقالته مقالة فلسفية؛ فإن الجعد بن درهم والجهم بن صفوان كانوا قبل ظهور المتفلسفة الذين يسمون بفلاسفة الإسلام، لكن لما ظهر فلاسفة الإسلام بعد هؤلاء وظهر الحسين بن عبد الله بن سينا قرر المذهب الذي قرره وأضافه إلى أرسطو، وهو يقارب كثيراً المذهب الذي كان عليه الجعد والجهم، بل يكاد يكون ينتهي إليه في الجملة، وإن كان هناك بعض الفرق في الترتيب والإطلاقات والاصطلاحات، لكن من حيث نفي الأسماء والصفات فإن المذهب واحد بين ابن سينا مع تأخره وبين الجعد والجهم، لكن ابن سينا صرح بأن هذه فلسفة، وأنه نقل ذلك عن الفلاسفة، وصرح بأنه من الممتنع أن يدل القرآن على هذا، وأنه ليس فيه إشارة أو تصريح بهذا، وأن القرآن لا يمكن تأويله، وأن المجاز غلط .. وهذه كلها مسالك فلسفية؛ لأنه ليس من مقصود المتفلسفة هؤلاء كـ ابن سينا وأمثاله التوفيق بين فلسفتهم والقرآن؛ لأنهم يرون أن للقرآن اختصاصاً وأن لفلسفتهم اختصاصاً، فالقرآن في الجمهور، وفلسفتهم في الخاصة والحكماء. إذاً: الناظر في كلام ابن سينا مع تأخره عن متقدمي المتكلمين يجد أن مذهبه في الصفات هو بعينه المذهب الذي قرره الجهم بن صفوان والجعد بن درهم، مما يدل على أنه مذهب منقول، لكن المتكلمين لم يصرحوا بأنه مذهب فلسفي، بل ظهر لهم في كثير من الأحوال -كما هو شأن أئمة المعتزلة- رد على الفلاسفة القائلين بقدم العالم، في حين أن ابن سينا صرح بأنه فلسفة؛ ولهذا هذا مذهب منقول بالقطع. [ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب: أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما]. أي: مذهب النفاة من الفلاسفة، وهذا هو الأسلوب الذي يستعمله ابن سينا، وهو أن الرب ليس له إلا صفات سلبية. والسلب: هو النفي. أو إضافية: كقولهم: إنه مبدأ الأشياء، وكقولهم: إنه علة الأشياء. وقد كان أرسطو أصلاً لا يتكلم إلا في مسألة العلة والمعلول، فجاء ابن سينا وتكلم في مسألة الواجب والممكن وقرب فلسفة أرسطو، وقرب المتكلمون هذا وتكلموا في المحدَث والمحدِث، ولا شك أن الله محدث للعالم، لكنهم قصدوا بأن المحدَث -الذي هو العالم- يفارق المحدِث -الذي هو الخالق بأن هذا المحدَث يتصف بالصفات كما تقول المعتزلة، أو أنه يتصف بالحوادث ولا يخلو منها كما تقول الأشاعرة. قوله: (أو مركبة منهما) أي: كقولهم: إنه عاقل ومعقول وعقل، وعاشق ومعشوق .. وهلم جرا. فهذه هي المركبات في اصطلاح المتفلسفة، ولهذا كقاعدة: لا تفسر اصطلاحات المتفلسفة أو حتى المتكلمين بحسب ما يتبادر من اللفظ أو السياق من جهة اللسان العربي، فإن كلمة مركبة لا يدل عليها بالضرورة مثل هذا الإطلاق فيها كقولهم: إنه عاقل ومعقول. ومثله الإضافية كقولهم: إنه مبدأ على معنى المتضايفين الذي يذكرونه في منطقهم.
следующие страницы →