← Акыда

Акыда · id 37777

شرح العقيدة الطحاوية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (351 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

محبة الله للعبد وبغضه له متعلق بحاله لا بمآله ومما يتعلق بذلك: أن من أصول أهل السنة والجماعة أن الله يحب عبده المؤمن حال إيمانه، وإن علم أنه قد يرتد عن الإيمان، فهو حال إيمانه محبوب لله دون حال كفره، وإن علم أن الكافر سيؤمن، فإنه حال كفره يكون مبغضاً، وهذا هو قول السلف خلافاً لـ ابن كلاب ومن وافقه كـ أبي الحسن الأشعري وأصحابه الذين قالوا: إن محبته مبنية على الموافاة، فمن علم الله أنه سيؤمن فإنه لا يزال محبوباً عنده حتى حال عبادته الأصنام، ومن علم أنه سيكفر فإنه لا يزال مبغضاً حتى حال إسلامه الأول، ولا شك أن هذا مذهب مخالف لإجماع السلف، فإن كل من كان قائماً على الصدق والإيمان بعمل صالح، فإن الله يحب ذلك العمل منه.

стр. 142

مأخذ ابن كلاب والأشعري في الاستثناء في الإيمان ومن هذا الوجه ذهب ابن كلاب والأشعري إلى الاستثناء في الإيمان، وإن كان الاستثناء في الإيمان موافق لقول جماهير من السلف، إلا أن هذا التعليل الذي قاله ابن كلاب محدث، والتعليل المأثور عن السلف: أنه يستثنى في الإيمان؛ لأن العبد لا يعلم ماذا يختم له.

стр. 143

إشكال وجوابه وتحت هذه الجملة التي ذكرها أبو جعفر ﵀ ما جاء في الصحيحين من حديث سهل بن سعد وأبي هريرة ﵄ وغيرهما أن النبي ﵌ قال: (إن العبد -وفي رواية: إن الرجل- ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب -أي: القدر الذي كتبه الله- فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). أما من جهة من يعمل بعمل أهل النار ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فليس فيه إشكال، فإنه بيِّن في حال المشركين وأمثالهم الذين كانوا على الشرك ثم هداهم الله للإسلام، فكثير منهم إنما هدي للإسلام في آخر عمره فختم له بالإسلام. ولكن المعنى الذي تكلم كثير من الشرَّاح فيه هو قوله: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، وبهذا احتج من احتج من الأشاعرة على أن الاعتبار بمحض القدر، وأن فعل العبد لا أثر له في المآل، أي: في الشقاوة والسعادة. وأما من جهة الثواب فإن سائر المسلمين أجمعوا على أن فعل العبد له أثر في ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب). والصحيح في هذا الحديث أن معنى قوله ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة)، أي: فيما يظهر للناس ذلك، بل هذا هو جوابه ﷺ في حديث سهل بن سعد ﵁ حين قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)، فهو صريح في المدلول. وكذلك سبب ورود الحديث؛ فإن رجلاً قاتل فقال الصحابة ﵃: (ما أجزأ منا اليوم أحد ما أجزأ فلان، فقال النبي ﷺ : أما إنه من أهل النار، فقال رجل: أنا لكم به! فخرج معه، فجرح جرحاً شديداً، فاستعجل الموت فوضع نصل السيف على الأرض وذبابه بين ثدييه ثم اتكأ عليه حتى خرج السيف من ظهره، فقال النبي ﷺ : أشهد أني عبد الله ورسوله، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ..) إلى آخره. وعليه: فيكون قوله: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة) محمولاً على أحد حالين: الأول: أن يكون منافقاً يُظهر الإيمان ويبطن الكفر، ويختم له في آخر حاله بحال أهل النار كقتل النفس وأمثاله، ولا يعني هذا أن قتل النفس هو الموجب لكفره، بل هو كافر في الباطن، وإنما أظهر ما أظهر من أعمال الإسلام والشريعة نفاقاً. الثاني: أنه وإن لم يكن منافقاً النفاق الأكبر إلا أنه ممن يعبد الله على حرف، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ الله عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١] قال شيخ الإسلام: (وكثير ممن يعبد الله على حرف يكون معه قبل هذه الفتنة جملة من الإيمان الصحيح، وإن كان معه مادة من النفاق، فينقلب بهذه الفتنة على وجهه). وأما من آمن وصدق في الإيمان، ولم يعبد الله على حرف، بل صار مؤمناً محققاً لأصول الإيمان وإن كان يعتريه ما يعتريه من المعاصي والكبائر، فإن هذا لا يعرض له هذه الحالة بمحض الإرادة القدرية؛ فإن الله بكل شيء عليم، ولهذا قال ابن رجب وغيره من المحققين: (إنه لم يعلم عن أحد استفاض إيمانه في الناس أنه ارتد على هذه الحال). وعليه: فإن كل من ارتد عن الإيمان لا بد أن شيئاً حدث من جهته هو، ولهذا قال الله : ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فدل على أن أهل الإيمان الصادق يثبتون على أصل الإيمان وإن كانوا قد ينقصون بعض ما هو منه، فإن الله يثبتهم على أصل الإيمان في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم قال: ﴿وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: أن من خُتم له بعمل أهل النار فدخل النار، فإن هذا لا بد أن يكون من جهة ظلمه لنفسه: إما لكونه في الأصل منافقاً، وإما لكونه ممن يعبد الله على حرف. وقول المصنف ﵀: (والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله)، أي: فقضاؤه عدل، وهو مبني على حكمته وعلمه بأحوال عباده وما يوافون به ربهم.

стр. 144

شرح العقيدة الطحاوية [١٤] يؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله كتب مقادير كل شيء في اللوح المحفوظ، وأن ما كتبه كائن لا محالة، وأنه لو اجتمعت الأمة على تغيير شيء مما قدره الله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فعلى المسلم أن يلزم الطاعة ويؤمن بما قدره الله عليه؛ فإن ذلك خير له في عاجله وآجله.

стр. 145

مسائل في القدر قال المصنف ﵀: [وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين]. لفظة: (وأصل القدر سر الله في خلقه)، فيها أثر عن علي، ويؤثر عن علي رضي الله تعالى عنه أحرف كثيرة في القدر، وجمهور هذه الأحرف لا تصح عنه، وقد تنسب إليه المعتزلة والشيعة وحتى كثير من الصوفية أحرفاً في أحوالهم ومسائلهم التي يقررونها. وهذه الكلمة ليس عليها أثر من أثر الرسل والأنبياء، وعليه: فهذه الجملة إذا أطلقت وفسرت بمراد صحيح كان الأمر فيها واسعاً، وأما أن تعد من عبارات أهل السنة ومقالاتهم أو من آثار الصحابة فلا. وجمهور من يستعمل هذه الجملة هم الصوفية في كتبهم، والشارح مع جودته وإتقانه إلا أنه غلط فنقل عن بعض الصوفية في ذلك نقولاً ليست حسنة، ومما نقل عن بعضهم: أن من وقف عن الكشف في ذات الله وأسمائه لزم الأدب، وأن الله يقول: من كشفت له عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب. فنقل هذا مستحسناً له قابلاً له، ولا شك أن هذا كله من كلام الصوفية وأغلاطهم؛ بل وترهاتهم. وقوله: (لم يطلع على ذلك) أي: على تمام هذا الأصل؛ لأنه من علم الله ، وعلمه لا يحاط به.

стр. 146

التحذير من التعمق في القدر وقوله: (والتعمق) يدل على قدر من الزيادة، وهو نوع من الغلو، وقد قال ﵊ كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ في الصحيح: (هلك المتنطعون)، وقال: (إياكم والغلو في الدين)، إلى غير ذلك.

стр. 147

التفصيل في حكم النظر وقوله: (والنظر)، أقول: النظر ليس مذموماً في الشرع، وهو حرف لا يدل على تعدٍ على أمر الله أو دليل الشارع، وإن كان النظر ليس هو أول الواجبات، بل ولا يجب على كل أحد، وإنما ذكر الله النظر في حق من شاب توحيده أو معرفته شيء من الإشكال، فإنه يؤمر بالاعتبار والنظر حتى يصحح ما عرض له من الإشكال، كقوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ [الأعراف:١٨٤] ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا﴾ [الأعراف:١٨٥] إلى غير ذلك. فالنظر ليس مذموماً على الإطلاق، وليس واجباً على كل أحد فضلاً عن أن يقال: إنه أول الواجبات، ولهذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الأصل عدم الوجوب، ولكن من عرضت له حال لا تزول إلا بالنظر، فإنه يكون واجباً عليه من هذا الوجه، ويكون المشروع هنا هو النظر الشرعي. وفرق بين النظر الشرعي والنظر الذي يذكره علماء الكلام؛ فإنهم يذكرون النظر على مقدماتهم الكلامية، وأما النظر الشرعي فهو المذكور في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، ومن ذلك ما كان لإبراهيم ﵊ في محاجته لقومه، فإنه أبطل ما هم فيه من الكفر والشرك بحجج من النظر، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥]. وقوله: (فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً)؛ هذه الكلمة لو لم يعبر بها لكان أجود، فإن النظر في هذا الباب ليس مذموماً على الإطلاق، وإنما بالغ في ذم النظر بعض الصوفية الذين زعموا أن هذا باب لا يكشف إلا لبعض العارفين، والحق أن الله بيَّن أصول القدر وأصول العلم بهذا الباب في كتابه، وبيَّن ذلك النبي ﷺ بياناً شرعياً موافقاً للعقل، وهذه أجوبته ﷺ في ذلك، ولما خاصمت قريش رسول الله ﷺ في القدر نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁. وقد ثبت في السنن أن النبي ﵊ خرج ذات يوم وطائفة من أصحابه يختصمون في القدر فنهاهم عن ذلك، فقول من قال: إن الصحابة خاصموا رسول الله ﷺ في القدر، غلط بالإجماع، بل إن الذين خاصموا رسول الله ﷺ في القدر هم المشركون، وإذا كان طائفة من الصحابة اختصموا فيما بينهم في بعض مسائل القدر، فلا يعني ذلك أنهم مخاصمون فيها لرسول الله ﵌. ثم إن مثل هذه الأحوال التي تعرض -كخصومة بعض الصحابة لبعض في القدر- لا تعرض لأئمة الصحابة كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وإنما هي حال تعرض لبعض من هو دونهم في الفقه والإمامة في العلم.

стр. 148

خفاء باب القدر مع العلم بأصوله وقوله: (فإن الله طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]). كلامه من هذا الوجه صحيح، لكن معلوم أن القدر ليس مقصوراً على مسألة السؤال، كما قال الله في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، لكن ثمة أصول من القدر معلومة، ومعلوم أن أبا جعفر ﵀ لا يريد أن يثبت أن هذا الباب مجهول على الإطلاق، ولكنه استعمل هذه التعبيرات التي يعبر بها على هذا الوجه من الإطلاق طوائف من الصوفية، وهذا ليس بحسن، لكنه يختلف عنهم في المقصود.

стр. 149

وجوب الوقوف عند ما أوقفنا الله عليه قال المصنف ﵀: [فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم، لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود]. هذه الجملة فيها أثر من أثر الصوفية، فإن لفظ (الولاية) وإن كان لفظاً شرعياً بالإجماع، لكن يستعمله الصوفية كثيراً، فإنهم إذا ذكروا ذلك خصوا هذا المقام بالأولياء، ولا يذكرون أهل العلم كما يذكرون الأولياء، ويجعلون الولاية مقاماً من مقامات الأحوال وليست مقاماً من مقامات المعرفة. وقوله: (فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر). العلم الموجود هو ما علَّم الله رسوله إياه كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣]، فهذا العلم الذي بُعث به ﷺ وعلمه أمته هو العلم الذي إنكاره كفر، وأما ما استأثر الله بعلمه من أسمائه، وأفعاله، وقضائه، وقدره، وأحكامه، وحِكمه، فإن هذا علم من زعمه فقد كفر، فإنه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، فهذا هو المقصود عند أبي جعفر، وهو حسن صحيح.

стр. 150

الإيمان باللوح المكتوب والقلم قال المصنف ﵀: [ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن، إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه]. اللوح: هو ما كتب الله فيه الذكر، فقد ثبت في حديث عمران ﵁ في البخاري أن النبي ﷺ قال: (وكتب في الذكر كل شيء) واللوح المحفوظ مجمع على الإيمان به؛ فإن الله ذكره في كتابه. وكذلك القلم، فإنه مما أجمع السلف على الإيمان به.

стр. 151

حقيقة اللوح والقلم وأما تفاصيل ماهية اللوح والقلم فإن هذا لم تفصله النصوص، وإنما الذي جاء في النصوص: (أول ما خلق الله القلم. فقال له: اكتب. قال: ماذا أكتب. قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، كما في حديث عبادة في سنن أبي داود وغيره. وقد اشتغل طوائف من أهل الكلام والصوفية بتفاصيل ماهية اللوح والقلم كما في كلام أبي حامد الغزالي، فإنه تارة يأتي بكلام يأخذه عن المتكلمين الذين أخذوا عن الفلاسفة في هذه المسائل، وهو أنواع من التأويل والتحريف، وتارة يتكلم بطريقة الصوفية، ومعلوم أن أبا حامد الغزالي ﵀ ليس له حال واحدة. ويخطئ من يخطئ فيقول: إنه رجع إلى مذهب معين، فإنه وإن كان له حال من الفضل في آخر عمره والإقبال على القرآن وحديث الرسول ﷺ ، إلا أن أبا حامد له حال مستطيلة في معرفته ودراسته ونظره، فـ أبو حامد هو من أخص من قرر نزعة فلسفية لم تظهر إلا في القرن الرابع وما بعده، وهي: أن المذهب الشخصي ليس واحداً. ولهذا قال الغزالي في كتبه المتأخرة: (فإن قيل ما المذهب؟ قال: المذهب ليس واحداً، فأما الجدل فهو على طريقة المتكلمين، وأما مذهب العامة فهو بالزواجر والدواعي، وأما المذهب السر بين العبد وبين ربه فهو طريقة الصوفية)؛ ولهذا نجد كتب أبي حامد بعضها على طريقة المتكلمين كـ (الاقتصاد) مثلاً وكـ (قواعد العقائد) وغيرها، وهذه يجعلها للمجادلة والمناظرة والمنافحة، وكذلك (تهافت الفلاسفة)، فإنه كتبه على الطريقة الكلامية، ولهذا لما كتبه قال: (ونحن نحتج في هذا المقام على الفلاسفة بقول أصحابنا وقول المعتزلة لدفع صول هؤلاء على الإسلام). وهذه هي طريقة المتأخرين من الأشاعرة كـ أبي المعالي وأمثاله، ومعلوم أن أبا حامد ممن أخذ عن أبي المعالي وكان من أصحابه، وأما الحالة المختصة عند أبي حامد الغزالي، فهي الحالة الصوفية، وعليها كتب كتبه الأخرى كـ (كيمياء السعادة)، و (جواهر القرآن)، و (مشكاة الأنوار)، وأمثالها من الكتب التي غلا فيها، وقال فيها أقوالاً بالغةً في الخطأ والضلال، وإن كان طرفاً من هذه الكتب ولا سيما كتاب (المضنون به على غير أهله) يُتكلَّم في صحته عن أبي حامد، لكن مما هو متحقق أن طرفاً من هذه المقالات معروفة لـ أبي حامد وقد قررها في أكثر من كتاب، وهي طرق شديدة في الغلط والمبالغة في التصوف على طريقة متفلسفة الصوفية. وأما كتاب (إحياء علوم الدين) فهو من أجود كتب أبي حامد التي كتبها في هذا الباب؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: (وأما الإحياء فغالبه جيد، لكن فيه ثلاث مواد فاسدة: مادة من ترهات الصوفية، ومادة فلسفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة). والغزالي وإن كفَّر الفلاسفة في كتبه المتأخرة ولا سيما في (التهافت) إلا أنه قد تأثر بهم كثيراً، فعندما تكلَّم في مقامات العارفين تكلَّم فيها بنفس أحرف ابن سينا في (الإشارات والتنبيهات)، فهو متأثر تأثراً بالغاً بكلام ابن سينا وأصول الفلاسفة الإشراقية، وإن كان بعيداً عنهم في المسائل العقلانية النظرية كمسألة قدم العالم ومسألة العلم بالجزئيات إلى غيرها، مع أن أبا الوليد ابن رشد لما رد على أبي حامد قال: (إنك في كتبك لما ذكرت درجات المحسوبين ذكرت أن من أشرف الدرجات من جعل الوجود وجوداً مطلقاً، وأن واجب الوجود ليس داخل العالم ولا خارجه .. إلخ، قال: وهذا هو مذهب أرسطو وقد امتدحته في بعض كتبك). والحق: أن أبا حامد لم يمتدحه امتداحاً مطلقاً، ولكنه متأثر بهذه الأصول، فحاله منغلقة، وقد ذكر عن نفسه في كتابه (المنقذ من الضلال) أنه ظل متحيراً زماناً، وأن حيرته زالت بنور قذفه الله في قلبه، فله أحوال مختلطة كثيرة، مع أنه كان عظيم العبادة والصدق والإيمان، عظيم العلم بالفقه وأصوله، وله مقامات حسنة في الإسلام.

стр. 152

عجز البشر عن تغيير ما في القدر قال المصنف ﵀: (فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه، جفَّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة). وهذا كلام جيد، وهو في الجملة وصية الرسول ﵊ لـ ابن عباس ﵄ الثابتة في المسند والسنن في قوله: (احفظ الله يحفظك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). قال: (وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه)، أي: فإن كل شيء بقدر الله . قال المصنف ﵀: [وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً، ليس فيه ناقض، ولا معقب، ولا مزيل، ولا مغير، ولا ناقص، ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب:٣٨]، فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً، وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً]. أي: أن الله علم ما سيكون، وهذا عام في أفعال العباد وغير أفعال العباد، وتقدم أن إنكار هذه الجملة كفر وإلحاد مبين. ومما ينبه إليه أن الشارح ﵀ في كلامه عن بعض مسائل التكفير أراد أن يبيِّن أن السلف قد يقولون عن قول: إنه كفر ولا يلتزمون تكفير القائل إلا إذا علموا أن الحجة قد قامت عليه بعينه، وهذا المعنى من حيث الجملة حسن وصحيح، لكنه ضرب أمثلة في مقالات السلف، قال: (كقولهم: إن القول بخلق القرآن كفر، وإن إنكار الرؤية كفر، وإن إنكار علم الله بما سيكون كفر)، ولا شك أن هذه الأمثلة الثلاثة ليست حسنة على هذا الحال من الاجتماع. فأما القول بخلق القرآن فهو كذلك، فهو وإن كان كفراً إلا أن قائله لا يُكفَّر ابتداءً، وكذلك من أنكر الرؤية فإنه لا يكفر ابتداءً، وأما من أنكر علم الله بما سيكون، وقال: إنه لا يعلم الأشياء سواء كانت أفعال العباد أو غير أفعال العباد إلا بعد كونها، فهذا لا يُنظر فيه، ولا شك أنه كافر، بل كفره أعظم من كفر أبي جهل. وقوله: (فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً .. إلخ). فإن القدر كما قال ابن عباس ﵄ وهذا مما صح عنه: (القدر نظام التوحيد) فالقدر من أخص أصول الإيمان بالله كما ذكر ذلك الرسول ﷺ في جوابه. وقدره سبحانه متعلق بخلقه ومتعلق بأمره، كما قال سبحانه ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]. وأول من خاصم ربه في القدر هو إبليس فإنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] فجعل ما حصل من القدر في حقه مخاصمة له .

стр. 153

شرح العقيدة الطحاوية [١٥] العرش والكرسي ثابتان بإجماع أهل السنة والجماعة، وقد تواتر ذكر العرش في الكتاب والسنة، وذكر الله في مواضع كثيرة من كتابه أنه استوى على العرش، والكرسي مذكور في الكتاب والسنة، وهو موضع القدمين، كما قال ابن عباس ﵁، وكعادة أهل البدع في تأويل صفات الله تعالى، فقد أولوا العرش والكرسي يما يتفق مع عقولهم القاصرة الجاهلة بما يليق بالله وما لا يليق به.

стр. 154

الإيمان بالعرش والكرسي قال المصنف ﵀: [والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه]. العرش والكرسي ثابتان بإجماع أهل السنة، وإن كان بعض الطوائف يتأولون ذلك، وقد تواتر ذكر العرش في الكتاب والسنة، وذكر الله في سبعة مواضع من كتابه أنه استوى على العرش، فقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فأهل السنة والجماعة يثبتون استواءه استواءً يليق بجلاله، وأن العرش هو أعلى المخلوقات وهو سقفها.

стр. 155

أقوال المتكلمين في العرش قال طائفة من أهل الكلام: العرش هو الملك، وهذا غلط من جهة اللسان وغلط من جهة أدلة الشريعة نفسها؛ فإن الله قال: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]، ولو كان المراد بالعرش الملك لما صح هذا، وكذلك قال سبحانه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] فلو كان هو الملك لما صح هذا السياق؛ مما يدل على أنه حقيقة ماهيته مخلوقة، وهو أعظم مخلوقاته . وقال طائفة من المتكلمين: إنه مستدير؛ لأنهم جعلوه فلكاً، وقد انعقد الإجماع على أن سائر الأفلاك مستديرة، وإنما النظر في كون العرش فلكاً، فظاهر كلام أهل السنة المتأخرين - وإن كان متقدموهم لم يفصحوا بتفصيل في ذلك - أن العرش هو كالقبة فوق العالم، وأنه ليس مستديراً من كل جهة.

стр. 156

معنى الكرسي وقوله: (الكرسي حق): هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وأجود ما جاء في تفسيره قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (الكرسي موضع القدمين لله ، وهذا الجواب المأثور عن ابن عباس هو الذي عليه عامة أهل السنة والحديث؛ فإنهم يذكرون في تفسير الكرسي ما نقل عن ابن عباس وأصحابه، وهو المأثور عن جمهور السلف. وقوله: (محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه). أي: أنه محيط بكل شيء، وأنه فوق كل شيء كما جاء صريحاً في كتاب الله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، وفي قوله سبحانه: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وقد ذكر سبحانه استواءه على عرشه، ومن معاني استوائه: علوُّه عليه، فإذا كان عليَّاً على عرشه فإن غير العرش من المخلوقات من باب أولى.

стр. 157

أول المخلوقات والعرش سابق في الخلق للقلم، وأما حديث عبادة ﵁: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب)، فإن المراد به: إنه عند أول خلقه أُمر بالكتابة وليس المقصود أن القلم هو أول المخلوقات، كقولك: أول ما دخل زيد قيل له: اجلس. أي: أنه عند أول دخوله أُمر بالجلوس. وإن كان بعض المعاصرين من أهل العلم يرجحون أن القلم هو أول المخلوقات على الإطلاق، وهو قول طائفة من أصحاب الأئمة من أهل السنة المتأخرين؛ لكن جماهير السلف وعامتهم على أن العرش متقدم عليه، ولهذا قال ابن القيم ﵀: والناس مختلفون في القلم الذي ... سبق القضاء به من الديَّان هل كان قبل العرش أو هو بعده ... قولان عند أبي العلا الهمداني والحق أن العرش قبل لأنه ... قبل الكتابة كان ذا أركان ثم أراد أن يبين معنى حديث عبادة فقال: وكتابة القلم الشريف تعاقب ... إيجاده من غير فصل زمان أي: أنه عند أول خلقه أمر بالكتابة.

стр. 158

شرح العقيدة الطحاوية [١٦] من صفات الله تعالى: صفة المحبة، وصفة الكلام، فقد ذكر الله تعالى في كتابه أنه اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلم موسى تكليماً، وعلى هذا أجمع سلف الأمة، وقد أنكر أهل البدع من الجهمية ذلك فقالوا: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، وهذا فرع عن إنكارهم لصفة المحبة والكلام.

стр. 159

إثبات خلة الله لإبراهيم وكلامه لموسى قال المصنف ﵀: [ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلَّم الله موسى تكليماً، إيماناً وتصديقاً وتسليماً]. هذا صريح في القرآن كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء:١٢٥] .. وقال: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] وعلى هذا أجمع السلف، بل إن هذه المسألة هي من أول مسائل الجهمية مخالفةً للسلف، وكان الجعد بن درهم والجهم بن صفوان يقولون: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلِّم موسى تكليماً. وهذا فرع عن تعطيلهم لصفة الكلام وصفة المحبة.

стр. 160

معنى مقام الخلة لإبراهيم ومعنى كون إبراهيم ﵊ خليلاً: أي أن له من المحبة مقاماً مختصاً، وإلا فإنه يحب سائر عباده المؤمنين، وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)، فإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام كلاهما خليل لله . وأما قول من يقول بأن الخلة لا تكون إلا لواحد، فهذا من جهة القياس على المخلوقين، وهو قياس فاسد، وأما قوله: إن العرب لا تعرف الخلة إلا لواحد فلا يكون للشخص إلا خليلٌ واحد، فإذا تعدد لم تسم خلة؛ فهذا كلام لا معنى له، فإنه إذا استقام ذلك في كلام العرب فإنما هو مبنيٌ على أحوال بني آدم، وإلا فإن نصوص القرآن صريحة في أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، والسنة الثابتة المحكمة صريحة ذكرت أن الله اتخذ محمداً ﵌ خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً.

стр. 161

أفضلية نبينا وإبراهيم ﵉ على غيرهما من الرسل ومحمد وإبراهيم هما أفضل أنبياء الله ورسله بإجماع سلف الأمة، وأفضلهما هو نبينا محمد ثم إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، ولم يذكر نبياً على سبيل التعظيم والاختصاص بعد محمد ﷺ كما ذكر إبراهيم، فإنه سبحانه ذكر له من مقامات التوحيد والإخلاص والإيمان عظيماً، ولهذا لما عرج بالنبي ﵊ رأى إبراهيم في السماء السابعة، وهذا دليل على عظم منزلته ﵊ عند الله، وقد جاء في الصحيح من حديث أبي موسى قال ﵊: (ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم)، فكان ﵊ مقتدياً بإبراهيم معظِّماً له، فصلى الله وسلم عليه وعلى سائر أنبيائه ورسله.

стр. 162

الإيمان بالملائكة والكتب والنبيين قال المصنف ﵀: [ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم على الحق المبين]. هذه المسائل تسمَّى في كلام كثير من المتأخرين بالسمعيات، أو الأصول السمعية، وهذه التسمية ليست معروفةً في كلام السلف، وإنما أحدثها طائفة من أصحاب الأئمة واستعملها أيضاً طوائف من المتكلمين، وإن كان الجزم بأن أول من استعملها هم علماء الكلام قد لا يكون جزماً بيِّناً، وهذه التسمية ليس فيها إشكال، لكن المتكلمين يذكرونها ويريدون بذلك أنها مسائل مقصورة على النقل، بينما يجعلون مسائل المعرفة الإلهية -كسائر الصفات والأفعال- مسائل معروفة بالعقل، ومن استعمل هذه التسمية من أهل السنة فإنهم يقولون عن غيرها بأنها مسائل سمعية أيضاً أو على أقل تقدير يرون أن غيرها من المسائل تثبت بالسمع وبالعقل، فإن أصولها وبعض أعيانها تثبت بالعقل كالصفات مثلاً. وعليه: فتخصيص مسائل اليوم الآخر، وأمثالها بأنها هي السمعيات فقط ليس مناسباً، بل سائر أصول الدين مسائل سمعية، وإن كان منها ما يعلم بالعقل إما إجمالاً وإما تفصيلاً، فهذا التخصيص ليس له ذاك المعنى الحسن، وإن كان لا يلزم أنه غلط على كل تقدير، بل قد يفسر بمراد صحيح. قوله: (ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين) أي: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ونحن نؤمن بالملائكة والأنبياء إيماناً مجملاً وإيماناً مفصلاً: أما الإيمان المجمل فهو الإيمان المطلق بسائر أنبياء الله ورسله وملائكته، وأما الإيمان المفصل فبحسب من سمِّي منهم وذكر، فنؤمن بجبريل وميكائيل وإسرافيل، ونؤمن بمحمد وموسى وعيسى ونوح ولوط .. وغيرهم حسب التفصيل المذكور في كتاب الله وفي سنة نبيه ﵌ من أحوالهم.

стр. 163

شرح العقيدة الطحاوية [١٧] أجمع أهل السنة والجماعة -ووافقهم جمهور الطوائف- على أن الأصل في أهل الإسلام أن يسموا مسلمين، وإن ارتكب بعضهم كبائر الذنوب فإنه يسمى مسلماً، ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج والمعتزلة. ويعتقد أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.

стр. 164

أسماء أهل الكبائر عند أهل السنة قال المصنف ﵀: [ونسمِّي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين]. ذكر المصنف مسألة الأسماء، ونعني بها اسم أهل الكبائر والمخالفين من أهل الظلم والفسوق والعصيان والمخالفين للسنة والشريعة، هل يسمون مؤمنين أو مسلمين، أو كفاراً، أو فاسقين؟ والأحكام: أي حكم هؤلاء في الآخرة. فابتدأ المصنف بمسألة الأسماء، فقال: (ونسمِّي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين)، ثم يذكر بعد ذلك الإيمان، فيقول: (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان)، ثم يذكر بعد ذلك حكم أهل الكبائر في الآخرة، وهذا لا إشكال فيه، لكن كان الأصل في الترتيب أن يبدأ بمسألة الإيمان، ثم مسألة الأسماء والأحكام لأنها نتيجة لها. وقوله: (ونسمِّي أهل قبلتنا) مراده بأهل القبلة أهل الإسلام، وهم من يستقبل القبلة ويصلي إليها. وقوله: (مسلمين مؤمنين)، شرط لهذه التسمية أن يتحقق عندهم أصل الإيمان، ولهذا قال: (ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدِّقين). وهذه جملة مجملة، وتُفسَّر بأن أبا جعفر ﵀ يقصد أنهم محققون لأصل الإيمان، ومن حقق أصل الإيمان فإنه يستحق عنده هذه التسمية، مع أنه قد يكون في هذا التفسير بعض التردد؛ لأن من المعلوم أن أبا جعفر وأمثاله لا يكفِّرون بالعمل المأمور به على الأعيان كمسألة الصلاة، بل لهم قول حتى في جنس العمل الظاهر كما سيأتي تفصيله. لكن إذا فسر مراده بقوله: (ما داموا) أي: محققين لأصل الإيمان، فهذا معنىً مناسب، ثم يرجع إلى تسميته، وهو قوله: (ونسمِّي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين) فإنه إذا كان كذلك، فإن هذه التسمية عنده تكون مستحقةً لكل مسلم، سواء كان براً أو فاجراً، وسواء كان من الظالمين لأنفسهم أم من المقتصدين أم من السابقين بالخيرات، ومعنى هذا أن أهل الكبائر عنده يُسمون مسلمين ويُسمون مؤمنين. أما أن سائر أهل الإسلام سواء كانوا أبراراً أو فجاراً، من أهل الكبائر أو غيرها، يُسمون مسلمين، فهذا بالإجماع، ولم يخالف فيه أحد إلا الخوارج والمعتزلة. وأما جمهور طوائف الأمة -فضلاً عن إجماع أهل السنة والجماعة المحكم- فهم على أن الأصل في أهل الإسلام أن يسموا مسلمين، وكل واحد بعينه مهما كانت كبائره فإنه يسمى مسلماً، فاسم الإسلام لا إشكال فيه بوجه، ولا يُنازع في إطلاقه على أهل الكبائر بأعيانهم إلا متأثر بالخوارج. فقول من يقول: نقول عنهم مسلمين على الإطلاق لكن لا نسمي أعيانهم مسلمين، فهذا من أثر الخوارج. وإذا قلنا: إنهم يُسمون مسلمين بالأعيان فلا يعني هذا أنه لا يصح فيهم إلا هذا الاسم. وأما قول أبي جعفر: (مؤمنين) فإن هذا فرع عن رأيه في مسمى الإيمان؛ فإنه لما كان العمل عنده ليس داخلاً في مسمى الإيمان، والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، صار أهل الكبائر الذين يقصرون في العمل مؤمنين عنده بناءً على أصله. ولهذا نقول: هذه النتيجة -وهي قوله: (مؤمنين) - مناسبة لقوله في مسمى الإيمان. وإذا قلت على طريقة السلف: إن الإيمان قول وعمل، فإن اسم الإيمان لا يكون مقامه في أهل الكبائر كمقام اسم الإسلام، وهذا ليس معناه أن أهل الكبائر لا يسمون مؤمنين بحال، وإنما معناه أنه لا يطلق عليهم هذا الاسم في سائر الموارد، وهذه مسألة وقع فيها تنازع بين أهل السنة -وإن كان أصلها مجمعاً عليه بينهم-: هل يسمى أهل الكبائر مؤمنين أو لا يسمون؟ - فمنهم من قال: إنهم يسمون مسلمين ومؤمنين. - ومنهم من قال: إنهم يسمون مؤمنين على الإطلاق دون التعيين. وهذه أقوال يذكرها بعض أهل السنة والجماعة من أصحاب الأئمة. والذي تدل عليه آثار السلف وجواباتهم في هذه المسألة، بل الذي دل عليه القرآن والسنة، أن اسم الإيمان في حق أهل الكبائر تارة يذكر مطلقاً بدون قيد، وتارة يذكر مقيداً، وتارة لا يذكر. وإذا كان لا يذكر فإما أن يكون منتقلاً عنه وإما أن يكون منفياً.

стр. 165

إطلاق اسم الإيمان على أهل الكبائر وأحواله وعليه فيكون لإطلاق الإيمان في حق أهل الكبائر أربعة أحوال: الحال الأولى: أن يذكر مطلقاً، أي: بدون قيد، وهو المذكور في مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] في الكفارة، فإن قوله: (مؤمنة) يدخل فيه الفاسق، بمعنى أنه لو أعتق فاسقاً فإن عتقه صحيح بالإجماع، وهو المذكور في مثل قوله ﷺ للجارية في حديث معاوية بن الحكم: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة). الحال الثانية: ألا يذكر مطلقاً بل يذكر مقيداً، كما إذا سئل عن حكم الفاسق واسمه وقدره من الإيمان، فإنه يقال: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فيسمى مؤمناً بالتقييد. الحال الثالثة: ألا يذكر على الإطلاق، إما انتقالاً إلى غيره أونفياً له عنه، فانتقاله إلى غيره هو المذكور في حديث سعد ﵁، في الصحيحين قال: (قسم النبي ﷺ قسماً، فقلت: يا رسول الله، أعط فلاناً فإنه مؤمن، فقال النبي ﷺ : أو مسلم)، فانتقل النبي ﷺ بحق هذا الرجل إلى اسم الإسلام، فهذا انتقال عن اسم الإيمان إلى اسم الإسلام، مع أن الرجل لا شك أنه ممن يؤمن بالله ورسوله، ولا شك أنه ممن يؤمن بأن الله في السماء وأن محمداً رسول الله، وقد قال رسول الله ﷺ عن الجارية: إنها مؤمنة، لما أخبرت بهذين الأمرين، لكنه ﷺ لم يقر سعداً لما قال هذا عن الرجل، قيل: لأن المقام والحال مختلف، فـ سعد إنما ذكر ذلك على جهة المدح والثناء، وإذا قصد مقام المدح والثناء فإنه لا يسمى بالإيمان إلا من استفاض هذا الأمر فيه، وإنما يستعمل في الإطلاق وبين عامة المسلمين اسم الإسلام. وأما في حديث معاوية وفي قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] فإن المقام مقام عتق، وفي مقام الأحكام الدنيوية كالعتق والمواريث وغيرها فإن الفساق يسمون مؤمنين. فإذا قيل: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] فلو كان فاسقاً؟ قيل: الفاسق مؤمن في هذا المقام؛ لأن معه أصل الإيمان، وقد ينفى الإيمان عن شخص في مقام، كقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، فحال الزنا لا يسمى مؤمناً، بل يسمى زانياً، أو يسمى فاسقاً، مع أنه في مقام العتق لو أعتق الزاني فإنه يقال: أعتق مؤمناً. فاسم الإيمان لا يقع على وجه واحد، ولهذا في الأحكام الدنيوية والمخاطبة بالشريعة فإن سائر أهل القبلة من العصاة والفساق وغيرهم يدخلون في اسم الإيمان، ولهذا جاءت في القرآن خطابات كثيرة: (يا أيها الذين آمنوا)، ولا شك أنه يُخاطب بها سائر أهل الإسلام، حتى الفاسق منهم فإنه داخل في هذا، وكذلك يسوغ للخطيب في الجمعة أن يقول: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، ولو كان من بين يديه من هو من أهل الفسق. ففي مقامات المخاطبة بأحكام الشريعة وفي مقامات أحكام الدنيا كالعتق والمواريث ونحوها فإنهم يسمون مؤمنين، ويدخلون في هذا الاسم، وعليه فأهل الكبائر المجاهرون بها والمظهرون لها يُسمون فساقاً، وهذا مجمع عليه بين السلف. فأصحاب الكبائر تارة يسمون مؤمنين، وتارة مسلمين، وتارة فساقاً. فإن قيل: ما الأصل في أهل الكبائر؟ هل هم فساق أم مؤمنون أم مسلمون؟ يقال: إن الأصل فيهم أنهم مسلمون، فلا يكون الاسم المطلق لهم في سائر الأحوال والموارد هو الفسق فإن هذا شبهٌ بالمعتزلة، وكونه شبهاً بالمعتزلة ليس من جهة كون مرتكب الكبيرة لا يسمى فاسقاً، فإنه يسمى فاسقاً بإجماع السلف وبصريح الكتاب والسنة، ولكن لا يلتزم معه هذا الاسم في سائر الموارد، بل يكون هذا الاسم مناسباً لبعض أحواله، كما أن اسم الإيمان قد يناسب بعض أحواله، ويكون الاسم المطلق له هو اسم الإسلام فإنه الأصل فيه. ومعلوم أن حسنة التوحيد والإيمان الذي عنده، أعظم مما معه من الكبائر، فهي أولى بالاختصاص به. هذا هو محصل قول أهل السنة والجماعة في مسألة الأسماء.

стр. 166

قول الخوارج والمعتزلة في أهل الكبائر جمهور الخوارج يقولون: إن أهل الكبائر كفار كفر ملة، وقال عبد الله بن إباض وأصحابه الأباضية: إنهم كفار كفر نعمة، ويقول: إنهم مخلدون في النار. وهذا تناقض، فإنهم إن كانوا مخلدين في النار لزم أن يكونوا كفاراً كفر ملة. وقالت المعتزلة: إنهم ليسوا كفاراً وليسوا مؤمنين أو مسلمين، بل هم فساق، ويريدون بالفسق هنا الفسق المطلق الذي لا يصاحبه من الإيمان شيء، وعن هذا قيل: إن من التزم في أهل الكبائر اسم الفسق في سائر الموارد ففيه شبه بالمعتزلة، والمراد بذلك من نفي اسم الإسلام أو اسم الإيمان في بعض موارده عنهم، فإنهم ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٢] .. ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٦].

стр. 167

قول المرجئة في أهل الكبائر والمرجئة تقول: إنهم مؤمنون، وجمهور المرجئة مع قولهم بأنهم مؤمنون يقولون: إنهم مؤمنون بإيمانهم فاسقون بكبائرهم، وهذه الجملة وإن كانت صحيحة إلا أنها لا تميز مذهب السلف عن مذهب أكثر المرجئة، فالأشعرية في كتبهم يقولون: إن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ويكون التحصيل للتمييز هو في الجملة الأخرى التي يستعملها من يستعملها من أهل السنة والجماعة، وهي قولهم: إنه مؤمن ناقص الإيمان، فجملة النقص في إيمانه هي المحصلة للتمييز بين قول السلف وقول جماهير المرجئة، وإلا فالقول بأنه مؤمن مع فسقه يقر به جماهير المرجئة.

стр. 168

النهي عن الكلام في الله بغير علم قال المصنف ﵀: [ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله، ولا نجادل في القرآن]. قوله: (ولا نخوض في الله) أي: لا نخوض في ذلك جهلاً، والجهل خلاف العلم، أي: فيما لم يعلم من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ ، فالخوض إنما يطلق على القول بغير علم، وإما إذا تكلم الإنسان بعلم فإن كلامه لا يسمى خوضاً، إلا إذا كان في السياق تقييد، وأما إذا ذكر الخوض مطلقاً فإنه نوع من الذم لحال المتكلم أو حال القائل. ولهذا قال أبو جعفر: (ولا نخوض في الله) أي: لا نتكلم في هذا الباب بجهل، كالكلام في كيفية ذاته، أو في كيفية صفاته، وهي التي قال فيها مالك وأمثاله: الكيف مجهول، وقال بعض السلف كـ الزهري ومكحول: أمروها كما جاءت، وقال الأوزاعي ومالك والليث بن سعد والثوري: أمروها كما جاءت بلا كيف، فهذا من ترك الخوض في الله، أي: فيما لم نعلمه، بل فيما لا يمكن أن نعلمه، فإنه لا يُحاط به علماً.

стр. 169

النهي عن المماراة والجدال وقوله: (ولا نماري في دين الله) اتفق أهل الإسلام على أن المماراة في الدين مما أُنكر في حكم الله وشرعه، ولكن مع هذا فإنه يقع بين أهل الإسلام إما في المقولات: سواء في الاعتقاد، أو في بعض مسائل الفقه والفروع، أو في بعض أحوالهم المتعلقة بأحوال الدعوة وغيرها، فتقع أنواع كثيرة من المراء في دين الله. وينبغي لكل طالب علم أو يتفقه في الدين، ومن معاني الفقه في الدين أن يكون على علم بالحكمة الشرعية التي بعث بها النبي ﷺ ، ولهذا سمى الله ما آتى نبيه حكمة، فقال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] قال بعض السلف: هي النبوة، وقال بعضهم: إنها السنة، وقيل: المعنيان صحيحان، فإن سنته مبنية على الحكمة، ومن أخص أوجه الحكمة فيها أنه لا يصح أن تكون هذه السنة سبباً للتفريق بين من صحت أصولهم واستقامت عقائدهم، فيفترقون لموجب من المقالات اليسيرة، وقد كان شيخ الإسلام ﵀ مع أنه من أفقه الناس في هذا الباب من الأصول، يقول: (وإنه لما اختلفت الأشعرية والحنبلية كنت من أعظم الناس تأليفاً، قصداً لجمع قلوب المسلمين، وأن تفريقهم إنما يحصل به قوة لعدوهم)، هذا مع أنه كان يتكلم عن قوم يراهم من أهل البدع، ولا يرى أنهم من أصحاب السنة القائمين بها المحققين لها، ولما تكلم عن الأشعرية في بعض كتبه -مع أنه ذكر رداً واسعاً عليهم وألحق كثيراً من مقالاتهم بأصول الجهمية- قال: (ومع هذا كله فإذا كان الأشعرية في بلد ليس فيه إلا معتزلة، فهم القائمون بالسنة في هذا البلد). ولما تكلم عن المعتزلة ذكر أن أقوالهم كفر بإجماع السلف، ثم قال: (ومع هذا فإنهم يحمدون بما يدعون إلى الإسلام على مذهبهم، فإن من أسلم على طريقة المعتزلة خير ممن بقي على الكفر والشرك بالله . فهذه أمور من الفقه لا بد لطالب العلم أن يفقهها، وإذا كانت هذه المسألة التي بين يديك وعنها حصل النزاع والافتراق، واجبة في شرع الله ، فإنه لا شك أن الاعتصام بحبل الله والاجتماع عليه أوجب منها في شرع الله ، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]. ولهذا كان من فقه شيخ الإسلام أن قال: وهذه المسألة -وذكر مسألة من المسائل- إنما تركت القول فيها مع إحكامه، لما استلزم القول فيها طرفاً من التفريق بين المسلمين، قال: وأوجب منها الاعتصام بحبل الله والاجتماع عليه، فتركنا ما كان دونه في الوجوب لما هو أوجب.

стр. 170

ضرورة معاملة الخطأ بقدره وعدم التجاوز فالفقه مطلوب لهذه المسائل؛ لأننا نجد نزاعاً، لا نقول بين أهل السنة وأهل البدع، فهذا شأن وسنة مضى عليها السلف، وهي سنة فاضلة شرعية- وإنما المقصود أننا نرى كثيراً من الاختلاف بين أهل السنة أنفسهم، وكثير من هذا الاختلاف لا يكون من باب اختلاف الأقوال، فإن اختلاف الأقوال حاصل، ولكن المشكلة هي اختلاف القلوب، ومن اختلاف القلوب الفرح بغلط من يغلط، فإذا غلط غالط تجد من التتبع لهذا الغلط والاستطالة والاستفاضة فيه شيئاً غريباً مع أن الخطأ إذا وجد من بعض العارفين ومن لهم مقام في السنة والجماعة والعلم والديانة فإنه ينبغي الترفق فيه، وأن يبين على قدر من الحكمة. ولا شك أن مثل هذا الذي يقع من الاستطالة هو في كثير من الأحوال فرع عن قلة الفقه، فإن من صريح الفقه عند علماء الإسلام أن الإنكار للخطأ من فروض الكفايات، فإذا تحقق الإنكار وزال الخطأ، فإن الازدياد من الإنكار لا يكون محكماً. ونجد أنه يستفاض في إنكار خطأ غاية إنكاره أن يكون من فروض الكفايات، مع أن ثمة فروضاً من الأعيان وفروضاً من الكفايات ما قام بها قائم، وبقيت معطلة، ومع ذلك لا يتحرك المتحرك إليها، وكما قال شيخ الإسلام ﵀: وكثير من النفوس عند مقام الرد فيها قدر من القوة والعلو، أي: يحصل عندها نوع من الزيادة، لأن الزيادة أحياناً لا يملكها هو. وهذا الباب من أهم الأبواب التي ينبغي أن يتفقه فيها طلاب العلم خاصة والناس عامة، وقد كان علماء السلف رضي الله تعالى عنهم أصدق الأمة قلوباً وأكثرها ائتلافاً وبهم تجتمع الأمة، وأما أن يكون العلم موجباً للتفريق واختلاف القلوب وتنافر النفوس، فلا شك أن هذا من خلق أهل الكتاب دخل على قوم من هذه الأمة، وهذا هو الذي أفسد ملتهم وشغلهم عن عبادات ربهم. وقد تجد بعض طلاب العلم قد يشتغلون بأمور يصرفون فيها الأوقات الكثيرة، وليست هي من أصول التوحيد، فإن أعظم غلط تقع فيه الأمة اليوم هو الغلط في توحيد العبادة، فإن الشرك والبدع المخالفة لتوحيد العبادة ما أكثرها في بلاد الإسلام، فأين القيام بهذه الأصول المحكمة؟ وكثير من المسلمين مقصرون في الصلاة، ومقصرون في أصول الواجبات، بل حتى العبادة المختصة بالمتكلم نفسه، فلأن يشتغل بمحكم العبادات كذكر الله والصلاة والصيام والطواف بالبيت وغير ذلك من الشرائع المحكمة، خير له من أن يشتغل بكلام قد تزين له نفسه أنه من الانتصار لدين الله، ولا شك أن الرد وبيان الحق سنة مضى عليها السلف، لكن السلف كانوا يفعلونها على قدر من العلم والفقه والورع؛ بل وقدر من العقل، فمقام الرد لا ينتصب له إلا عاقل عالم ورع، فمن تحققت فيه هذه الشروط الثلاثة فليكن كذلك، ومن كان كذلك لم يقع منه غلط غالباً، فمثلاً: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ كان من أكثر الناس تعقباً للأغلاط، فلا يسمع بغلط أو بمنكر إلا ويكتب في هذا المنكر، ومع ذلك ما سبق أن عرف عنه ﵀ شيء من الاستطالة، ولا حصل برده فتنة وأذية للناس. ومن فقه شيخ الإسلام ﵀ أنه يقول في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥ - ٨٦] قال: (من صدق الإيمان أن يتمنى العبد ألا يكون فتنة لقوم ظالمين، فضلاً عن أن يكون فتنة لقوم مؤمنين)، ومن الفتنة أن يقول قولاً لا معنى له أو لا أهمية له أو لا لزوم له، فيشتغل به كثير من العامة الذين يغلب عليهم الاشتغال بذلك، كالمبتدئين في طلب العلم من الشباب الذي هو في أول درجاته، فيصرف الأوقات التي لو صرفها في حفظ كتاب الله أو في حفظ شيء من السنة أو في حفظ كتاب في التوحيد وأصول العلم لكان أهدى وأنفع.

стр. 171

عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن قال المصنف ﵀: [ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين]. قال: (ولا نجادل في القرآن)، الجدل في القرآن يكون في مدلوله أو في حروفه، والواجب هو الإيمان والتسليم بأنه كلام الله حروفه ومعانيه، وأن الله أنزله على نبيه ﷺ ، وأن فيه بيان كل شيء، وأن الحق معتبر به، إلى غير ذلك من المعاني والمقاصد المعروفة.

стр. 172

القرآن كلام الله غير مخلوق قال ﵀: [نزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمداً ﷺ ، وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين]. قوله: (ولا نقول بخلقه)، أي: كما قالت الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الشيعة والخوارج الذين قالوا بخلق القرآن، وهذه بدعة أجمع السلف على بطلانها، وصريح الكتاب والسنة يرد هذه البدعة. والأشعري وابن كلاب وأصحابهم يقولون: إن القرآن ليس مخلوقاً، ويقولون: إنه كلام الله، ولكن مرادهم بذلك أنه عبارة عن كلام الله، وإلا فإن الكلام عند ابن كلاب والأشعري معنى واحد قائم في النفس، والمقصود من هذا أن ما يقع في كتب الأشاعرة من أن القرآن كلام الله مرادهم بذلك أنه عبارة أو حكاية عن كلام الله، وليس معنى هذا أنهم يجعلون الحرف والصوت المسموع من كلامه ، بل هم لا يجعلون كلامه بحرف وصوت مسموع.

стр. 173

مسألة اللفظ بالقرآن هل هو مخلوق أم لا وأما مسألة اللفظ بالقرآن، هل يقال: إنه مخلوق أو ليس مخلوقاً؟ فإن هذه جملة أحدثتها الجهمية وتكلمت بها، وكان من طريقة المحققين من أعيان السلف كالإمام أحمد ﵀ النهى عن هذه الجملة مطلقاً، وكان يقول كما في رواية أبي طالب: (من قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع)، وهذه الرواية وإن تكلم فيها بعض المتأخرين إلا أنها صواب وثابتة عن الإمام أحمد، وكان متقدمو الحنابلة الكبار يصححونها، وانتصر لها وصححها من متأخريهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وليس فيها ما هو منكر بل هي على قاعدة الأئمة في هذا الباب. ومراد الإمام أحمد ﵀ أن الإطلاق إثباتاً أو نفياً كله غلط، فلا يقال: إن اللفظ مخلوق، ولا غير مخلوق، بل يقول: إن القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، وإنه ليس مخلوقاً، ويقول: وإن أفعال العباد مخلوقة. وقال بعض أئمة السنة المتقدمين: إن اللفظ بالقرآن مخلوق، وأرادوا بذلك: اللفظ الذي هو فعل العبد، ومعلوم بالإجماع أن فعل العبد مخلوق، وقد تردد شيخ الإسلام في ثبوت ذلك عن البخاري، مع أنه في ظاهر كتابه (خلق أفعال العباد) كأنه على هذا القول. وقال بعضهم: إن اللفظ بالقرآن ليس مخلوقاً، وأرادوا: القرآن نفسه، فمراد محمد بن يحيى الذهلي بقوله: (إن اللفظ بالقرآن ليس مخلوقاً)، مراد صحيح. وهذه المسألة ليس لها كبير قدر، سواء صح ما نقل عن البخاري أو لم يصح، وقد قاله بعض المتقدمين، ومرادهم بذلك أن أفعال العباد مخلوقة. فهذا مراد وهذا مراد، فليس من الفقه أن يقال عمن قال: إن اللفظ بالقرآن مخلوق، إنه مبتدع ابتداعاً مطلقاً، وإنما يقال: القول بدعة، وكذلك الذهلي لما قال: اللفظ بالقرآن ليس مخلوقاً، لا يقال كذلك: إن الذهلي مبتدع، بل يقال: القول بدعة، وإن كان ابن القيم ﵀ ذكر كلام الإمام أحمد والذهلي والبخاري، وقال: وأحسنه قول أبي عبد الله البخاري، وهذا ليس كذلك، بل أحسنه قول الإمام أحمد ﵀، وهو أن يترك هذا الباب ويعبر بالعبارات الشرعية المحكمة.

стр. 174

قول جماعة المسلمين أن القرآن كلام الله وقوله: (ولا نخالف جماعة المسلمين) فإن المسلمين قد استقر عندهم أن هذا القرآن كلام الله، ولهذا حتى المعتزلة تقول: إنه كلام الله، ولكن تقول: إن كلامه مخلوق، ولا شك أن هذا من التناقض، فإنه إن كان كلاماً له فهو صفة من صفاته، وأما قياسه على قولهم: ناقة الله وأرض الله وسماء الله وعبد الله، من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فهذا لا شك أنه جهل باللغة وجهل حتى على قياس العقل، فإنك إن قلت: أرض الله فإن الأرض ليست صفة له، بل هي مفعول له، وكذلك العبد والناقة فإنها مفعولات، وأما إذا قلت: علمه وكلامه وسمعه؛ فإن هذا من باب الصفات، ولهذا فإن الإمام أحمد في مناظراته قال لأئمة الجهمية: القرآن من علم الله، فهل علمه مخلوق؟ أي: أن الكلام تبع للعلم، فإنك إن تكلمت بكلام فإنما تكلمت بهذا الكلام لأنك تعلم ما تكلمت به، فإن قلتم: إن كلامه مخلوق لزم أن علمه مخلوق، فأراد ابن كلاب أن يدفع هذا الوجه، فقال: إن الكلام معنى واحد قائم بالنفس! وهذا جمع بين النقيضين.

стр. 175

شرح العقيدة الطحاوية [١٨] من عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرون أحداً بذنب -غير الكفر والشرك وما ورد فيه الدليل- إلا أن يستحله، فإذا استحل العبد ذنباً فإنه يكفر بذلك، ولا يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كما هي عقيدة غلاة المرجئة. ومن عقيدتهم: الرجاء للمحسنين، والخوف على المذنبين، وعدم الشهادة لأحد من أهل القبلة بجنة ولا بنار إلا من شهد له الله تعالى ورسوله ﷺ بذلك.

стр. 176

حكم التكفير بالذنوب التي دون الكفر قال المصنف ﵀: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله]. هذه الجملة يستعملها بعض أصحاب السنة والجماعة، وهي جملة مجملة، يمكن أن تفسرها فيكون تفسيرك لها صحيحاً بأن تقول: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) أي: أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون بآحاد الكبائر، ولا بالكبائر، ومراده بالذنب هنا ما دون الكفر، فإن أهل السنة والجماعة لا يكفرون بالكبيرة إلا إن استحل العبد ذلك. لكن هذه الجملة ليست محكمة على التمام، فإن العبد قد يكفر بالذنب وهو غير مستحل له، ولهذا جاء في حديث عبد الله بن مسعود كما في الصحيحين قال: (قلت: يا رسول الله! أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله نداً وهو خلقك) فسماه ذنباً، فهذا الإطلاق ليس حسناً على كل حال، لكن يعبر به بعض أصحاب السنة والجماعة، وإذا عبروا به فسر مرادهم بأن المقصود بذلك الذنوب التي دون الكفر بالله.

стр. 177

معنى الاستحلال الذي يكفر به صاحب الذنب والمقصود بالاستحلال مقام من القول وليس مقاماً من الحال، فإذا أقام شخص على ذنب أو كبيرة من الكبائر مهما كانت إقامته عليها والتزامه لها لا يصح أن يقال: إنه مستحل، إلا إذا أظهر المعتقد وصرح بأنه أحل ما حرم الله أو العكس، فإنه يسمى مستحلاً، وأما الملازمة للكبيرة وعدم الاستجابة لنصح الناصحين؛ فإنه حتى لو نصحه من نصحه واستفاض النصيحة له ولم يستجب بل بقي مصراً على الكبيرة، ولا حجة له في البقاء على هذه الكبيرة، فإنه مع هذا كله لا يجوز أن يسمى مستحلاً.

стр. 178

قول المرجئة بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب قال المصنف ﵀: [ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله]. هذه الجملة تؤثر عن بعض المرجئة، وإن كان شيخ الإسلام ﵀ يقول: (وهذه الجملة تحكى عن غلاة المرجئة، ولا أعلم أحداً من الأعيان المعروفين صح عنه القول بهذه الجملة)، ولكن الأشعري في (مقالاته) وأبو محمد ابن حزم في (الفِصل) نسبا هذه الجملة إلى مقاتل بن سليمان، إلا أن هذا لا يصح عنه، فـ شيخ الإسلام ﵀ لم يكن خفياً عليه ما قاله الأشعري وابن حزم أنها قول لـ مقاتل بن سليمان، ولهذا قال في منهاج السنة النبوية: (وينسب هذا لـ مقاتل بن سليمان عند بعض أهل المقالات ولكنها لا تصح عنه)، فهذه جملة يقال: إنها تنسب لغلاة المرجئة ولا يصح عن معين أنه التزم هذا المذهب.

стр. 179

من أصول العبادة: الخوف والرجاء قال المصنف ﵀: [ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنِّطهم]. هذا من مقامات العبادة وهو: مقام الرجاء ومقام الخوف، وعبادته عند أهل السنة معتبرة بثلاثة أصول: الأصل الأول: الاستحقاق، ومن أخص مقاماته المحبة، ومعنى هذا أن الله يُعبد ويُسأل ويُدعى ويُتقرب إليه استحقاقاً، أي: لكونه مستحقاً للعبادة، وهذا هو أشرف أصول العبادة. الأصل الثاني: الرجاء، وهو أصل واسع. الأصل الثالث: الخوف، وهو أصل واسع أيضاً، أي: واسع المتعلق، وعليه: فإن من يفسر الرجاء برجاء الجنة ويكون مدار كلامه إذا ذكر الرجاء على مدار الجنة وثواب الآخرة، فلا شك أن تفسيره يكون قاصراً، فإن من أخص مقامات الرجاء رجاء محبته ، ورجاء رضاه ، إلى غير ذلك، ومن مقامات الرجاء رجاء الجنة. وكذلك الخوف، فكما أن الخوف من النار من الخوف الشرعي الذي شرعه الله ورسوله، إلا أن من مقامات الخوف أيضاً الخوف من سخطه وغضبه . فيكون فقه هذين الأصلين: (الخوف والرجاء) لا يختص بالنعيم أو بالعذاب المادي، بل بما يتعلق بما بين العبد وبين ربه من محبته ورضاه أو سخطه وغضبه ومقته، والعبد كما أنه يرجو النعيم في الجنة فإنه قبل ذلك وأهم من ذلك يرجو محبة الله ورضاه، ولهذا قال لما ذكر النعيم: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ الله أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فالرضا أعظم من هذا النعيم الذي أعده الله ، وإن كان طلب النعيم والخوف من العذاب مشروعاً. ومن هدي أهل السنة أنهم يرجون للمحسنين أي: من استقاموا على الإيمان ظاهراً وباطناً، ويخافون على المسيئين وهم من حقق أصل الإيمان ولكنهم اقترفوا ما اقترفوا من الكبائر، فهؤلاء المسيئون يُخاف عليهم، ولكن لا يعطلون من مقام الرجاء، وأهل الإحسان وإن كان يُرجى لهم إلا أنهم لا يعطلون من مقام الخوف، ولكن الأصل في أهل الإحسان هو الرجاء، والأصل في أهل الإساءة هو الخوف، وأما أن يقصر أهل الإساءة على مقام الخوف وحده فلا، بل يُخاف عليهم ويرجى لهم، ولهذا لما ذكر الله العصاة قال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢].

стр. 180

حكم الشهادة لمعين بالجنة أو النار قد يذكر عند هذه الجمل أنه لا يشهد لمعين بجنة أو نار من أهل القبلة، والأمر كذلك، أما النار فلا يصح أن يُشهد لواحد من أهل القبلة بعذاب في النار، وأما الجنة فإنه يُشهد لمن شهد له الرسول ﵊ بالجنة، وهم من عينهم النبي ﷺ بذلك، كالعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم، وهذا هو الذي عليه عامة السلف. وقالت طائفة من المتقدمين: إن من استفاض ذكره وإمامته وديانته في الأمة شهد له بعينه بالجنة، وهذا قاله بعض المتقدمين من السلف، والجماهير على خلافه، ويحتج أصحاب هذا القول بما ثبت في الصحيحين من حديث أنس ﵁ من قوله ﷺ : (لما مُرَّ بجنازة وأثني عليها خيراً فقال: وجبت وجبت وجبت، ثم مُرَّ بجنازة فأثني عليها شراً، فقال النبي ﵊: وجبت وجبت وجبت، ثم قال: أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وأثنيتم عليه شراً فوجبت له النار). وهذا الحديث ليس فيه دلالة على أن من استفاض الثناء عليه بالخير أنه يعين بالجنة، فإن قوله: (وجبت له الجنة) حكم مطلق، لا يلزم منه العلم المختص الذي يتعلق بغير من أوحي إليه وهو رسول الله ﷺ ، وإنما يكون هذا من الموجبات، وأما أن يكون الموجب معيناً فلا، فإن من آمن وصلى وجبت له الجنة، ومع ذلك إذا علمته مؤمناً مصلياً لا يجوز لك أن تشهد له بالجنة، مع أن الصلاة موجب للجنة أعظم من إيجاب ثناء الناس، وثناء الناس بخير من موجبات الجنة، فإنه نوع من الشهادة بالعدل، ولكن هذا شيء مرده إلى الله . وعليه فالاستدلال بالحديث ليس جيداً، ولهذا فإن عامة السلف لا يرون ذلك، وهناك خلاف لفظي بين الإمام أحمد ويحيى بن معين، وقد كان يحيى بن معين يقول: أنا أقول عمن قال عنه النبي ﷺ إنه في الجنة كـ أبي بكر: إنه في الجنة، ولا أشهد بذلك، وكان الإمام أحمد يقول له: إنك إن قلت: إنه في الجنة فقد شهدت، فهذا خلاف لفظي، وكأنه تحرز عن كلمة الشهادة بلفظها.
следующие страницы →