← Акыда

Акыда · id 37777

شرح العقيدة الطحاوية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (351 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سبب اعتناء شيخ الإسلام بتقرير مسألة وجود الله تعالى ومن هنا عُني شيخ الإسلام ﵀ بتقرير مسألة الوجود، وتكلم بعض المعاصرين فقالوا: إن عناية شيخ الإسلام بمسألة الوجود كأنه أثر من أثر متكلمة الصفاتية عليه، وإن السلف ما كانوا ينتظمون التوحيد على تقرير مسألة الوجود؛ لأنها مسألة فطرية، ولم يكن من هدي السلف الاستدلال النظري على الفطريات، أي: الأشياء المعلومة بأصل الفطرة. ولا شك أن أقل أحوال هذا الكلام أنه عدم فقه لطريقة شيخ الإسلام ﵀، لأنه إنما عُني بمسألة الوجود؛ لأن مبنى تقرير هذا الباب عند سائر الطوائف هو على هذه الصفة، ولأن طريقتهم تستلزم تعطيل هذه الصفة.

стр. 107

الاشتراك في الاسم المطلق بين الخالق والمخلوق ليس اشتراكاً لفظياً وبهذا يعلم أن صفاته ليست مقولةً بالاشتراك اللفظي في الاسم المستعمل بين الخالق والمخلوق؛ لأن المشترك اللفظي لا يقع به جزء من الاشتراك في المدلول بوجهٍ من الوجوه، سواء كان هذا المدلول مدلولاً مطلقاً أو مدلولاً إضافياً مقيداً، مثال ذلك: أنك إذا قلت: سهيل بن عمرو، وسهيل النجم، فهذا اسم للنجم وهذا اسم لابن عمرو، فهذا يعده كثير من أهل المنطق مثالاً للمشترك اللفظي، بمعنى: أن يكون الاسم المطلق واحداً ولا يكون هناك اشتراك لا في الإطلاق ولا في التعيين من جهة المدلول. يقول شيخ الإسلام ﵀: (ويمتنع أن يكون باب الصفات من هذا الوجه؛ لأنه لو كان كذلك لامتنع فهم الخطاب، فالله قال في كتابه: ﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] ﴿إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨]، فيفهم المسلمون وكل من يقرأ القرآن أو يسمعه أن الله موصوف بالسمع، فيفرقون بين معنى السمع ومعنى البصر، وبين معنى العلم ومعنى الكلام، وبين الرحمة وبين الغضب، وهذا مبني على قدر من التواطؤ، وليس هو التشبيه الذي نفته النصوص وأجمع على نفيه السلف؛ لأنه قدر كلي لا وجود له في الخارج مختصاً إلا مضافاً لموصوف، وإنما هذا قدر كلي يُفهم به الخطاب). ولهذا لما ناظر شيخ الإسلام ﵀ في مسألة الوجود على هذا الوجه قال: (إن من عطَّل صفةً من الصفات لزمه التسلسل في التعطيل حتى يعطل الباري عن العلم، ومن التزم نفي صفة العلم -كما التزمه غلاة المعطلة- فإنه يلزمه أن يعطل الباري حتى عن الوجود؛ لأن المخلوق موجود، وقد لزم هذا السؤال سائر مذاهب التعطيل، فكان لهم جوابات متناقضة في العقل فضلاً عن بطلانها في الشرع. ومن إجاباتهم قول من يقول بأن لفظ الوجود بين الخالق والمخلوق مقول بالاشتراك اللفظي. وهذا الجواب الذي زعم الرازي في كتبه أنه منتهى الأجوبة العقلية الصحيحة على هذه المسألة، لا شك أنه أفسد الأجوبة، لهذا أعرض عنه حذاق المعتزلة المتقدمين، وأعرض عنه متقدمو الأشاعرة؛ لأنه إن قال: إن لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي لزم من ذلك عدم العلم بوجوده سبحانه، وما من دليل يُذكر في الوجود إلا ويراد به الوجود المعروف عند العقلاء وهو قيام الشيء في الخارج. فإذا ما قيل: إن لفظ الوجود في حقه مقول بالاشتراك اللفظي صار هذا تعطيلاً للوجود من وجه أخص.

стр. 108

كل ممثل معطل وكل معطل ممثل فهذه المذاهب تستلزم التعطيل المطلق؛ وكذلك تستلزم التشبيه، وعن هذا قال من قال من أهل السنة: إن كل ممثل معطل، وكل معطل ممثل، وبهذه الطريقة قرر شيخ الإسلام ﵀ بأن مذهب هؤلاء ينتهي إلى تعطيل الباري عن صفات الكمال وهو السلب المحض، والسلب المحض تشبيه له بالمعدومات، بل إن المعدوم منه ما يقبل الوجود، ومنه ما لا يقبل الوجود وهو الممتنع لذاته، وهم يلتزمون أن صفات الإثبات ممتنعة، فيلزم من ذلك تشبيهه بالممتنعات، وهذا الإلزام الذي استعمله حذَّاق أهل السنة في جوابهم وردهم لطرق المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن شاركهم من متكلمة الصفاتية كـ ابن كلاب وأتباعه، والأشعري وأتباعه، وأبي منصور الماتريدي وأتباعه، إلزام محكم في العقل.

стр. 109

تعطيل الصفات فرع عن مذهب الفلاسفة الملحدين قد يقول قائل: إن هذا من باب لازم المذهب، وإن لازم المذهب ليس مذهباً. فيقال: أما من جهة الأحكام المعادية فإن هذا من لازم المذهب، بمعنى: أنه لا يُحكم على أحد حكماً معادياً من جهة لازم مذهبه، ولكن عند التحقيق العلمي فإن هذا المعنى هو حقيقة مذهب هؤلاء، فإن تعطيل الصفات لم يكن معروفاً حتى في مشركي العرب، فليس هو فرعاً عن سائر أنواع الكفر، وإنما هو فرع عن كفر ملاحدة الفلاسفة كـ أرسطو وأمثاله الذين ما كانوا يثبتون رباً خالقاً للعالم، وإنما كانوا يثبتون ما يسمونه علة غائية يقارنها معلولها، وتقدم العلة على المعلول عندهم إنما هو في الشرف والعلية وليس بالزمان، وهو مذهب إلحادي، ولم يكن أرسطو على دين سماوي بل ولا حتى على دين محرَّف، فإنه كان قبل المسيح ابن مريم ﵊ بثلاثمائة سنة، وكان رجلاً ملحداً كافراً متفلسفاً خرج عن طريقة أستاذه أفلاطون المثالية إلى طريقة زعم أنها طريقة عقلية تقوم على التجريد العقلي، وتقوم على تعطيل الباري عن خلقه ووجوده وصفاته.

стр. 110

الاعتراض على الطحاوي في استعماله ألفاظ المتكلمين قال ﵀: [وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان الأعضاء والأدوات، ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات]. هذه العبارات التي استعملها أبو جعفر الطحاوي ﵀ ليست جملاً حسنة، وإن كنت إذا نظرت فيها قلت: إنه سبحانه منزه عن الأعضاء على إرادة أن الأعضاء هي التركيب الذي يقع للمخلوق، وهو افتقار كل جزء منها للآخر وأنه لا قيام له من جهة نفسه، لكن ليته لم يعبِّر بها لوجهين: الأول: أن الله وإن كان متعالياً ومنزَّهاً عن سائر صفات النقص، ومتعالياً ومنزَّهاً عن الصفات التي تستلزم مشابهته أو مماثلته لخلقه، فإن هذه الأحرف ما كان أحد من السلف يعبر بنفيها، وإنما كانوا يستعملون طريقة القرآن في ذلك. الوجه الثاني: -وهو الأخص- أن كثيراً من أئمة التعطيل من المتفلسفة كـ ابن سينا في كتبه (كالإشارات والتنبيهات أو التعليقات)، وكذلك في كتب المعتزلة وكتب متأخري الأشاعرة كـ أبي المعالي في (الإرشاد والشامل)، والشهرستاني في (نهاية الإقدام)، ومحمد بن عمر الرازي في (المطالب العالية) وغيره من كتبه، إذا تكلموا في مسألة العلو وغيرها من الصفات، عبروا عنها بما عبر به الإمام الطحاوي ﵀. ومعنى الصفات الخبرية: هي الصفات التي اتصف الله بها. وقد قال بعض المتأخرين في تعريفها: ما هي بالنسبة للمخلوقين أجزاء وأبعاض كاليدين والوجه. وهذا التعريف فيما يظهر ليس مناسباً، ولا محتاجاً إليه، وإنما يُعبر عنها بأنها الصفات التي دل عليها الخبر، فإذا قيل: إن هذا التعريف ليس جامعاً مانعاً. قيل: أصل التقسيم للصفات إلى خبرية وغير خبرية تقسيم مُحدث، فإذا انغلق تعريفه رُدَّ التقسيم من أصله، فإنه يصح بإجماع السلف أن تقول: إن سائر صفات الله خبرية؛ لأن صفاته معلومة بالخبر, وإن كان منها ما يكون معلوماً مع ذلك بالعقل كالعلم والقدرة والعلو وغير ذلك. فمثل هذه التقاسيم -كما أشار شيخ الإسلام - لا تلزم من كل وجه، ولما ذكر شيخ الإسلام مصطلح الصفات الاختيارية قال: (إنه قد يُشكل عند بعض الناظرين فيه، فيرى أن بعض الصفات كأنه خبري أو نحو ذلك. قال: فكل لفظ وقع فيه إشكال فإنه لا يلزم طرده واستعماله). فالمعطلة إذا تكلموا عن هذه الصفات عبروا عن نفيها بما هو من جنس هذه الأحرف التي ذكرها أبو جعفر، ولا يعني هذا إثبات ما نفاه أبو جعفر من الألفاظ، فلا يقال: إن الله موصوف بالحد، أو بكونه في جهة، أو بأنه تحويه الجهات، بل الإثبات هنا أشد غلطاً من النفي، وإنما المقصود هنا أن ما كان من الحق فإنه يعبر عنه بما هو من الحق. فهذه الأحرف أحرف مجملة تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً وهي محدثة.

стр. 111

قاعدة في الألفاظ المجملة في باب الأسماء والصفات القاعدة: أن كل لفظ أو جملة تقع مجملة حادثة فإنها لا تطلق لا إثباتاً ولا نفياً. هذا إذا لم يكن يعبر بها في كلام أهل التعطيل عن مرادات تخالف عقيدة السلف، وأما إذا اقترن معها هذا المعنى فيكون التباعد عنها والنهي عن استعمالها من باب أولى، ومن المعلوم أن الطحاوي ﵀ من مثبتي العلو، ومن مثبتي الصفات الخبرية كالوجه واليدين، ولكنه نقل تعبيراً معروفاً في كلام بعض الحنفية من الماتريدية والأشعرية، وفي كلام الأشعرية الشافعية، فكأن هذا دخل عليه من بعض كتب الحنفية، وخاصة أن جمهور كتب الحنفية المكتوبة في أصول الدين بعد أبي حنيفة يقع فيها أوجه من الغلط كثيرة. ومحصل المراد هنا عند الطحاوي ﵀: أنَّ الله مع إثبات صفات الكمال له منزه عن صفات المخلوقين، فليس معنى كونه متصفاً بصفة اليدين أن تكون كأيدي المخلوقين، وليس معنى كونه متصفاً بالعلو أن جهةً من الجهات تحويه، فإن الله منزَّه عن التحيُّز في مكان يحويه ويحيط به. ومن المعلوم أن لفظ التحيز والجهة وأمثالها هي من الألفاظ المجملة التي لا تطلق إثباتاً ولا نفياً، لكن نقول: إن السلف ﵏ في تقرير مسألة العلو أجمعوا على أن الله موصوف بالعلو، وأنه فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وهذا مجمع عليه بين الصحابة وأئمة التابعين ومن تبعهم بإحسان، وهذا هو قول سائر المرسلين وأتباعهم، ولهذا قال بعض الأئمة: (أول من عُرف عنه إنكار العلو فرعون)، وإن كان قد يكون سبقه غيره إلى إنكاره ولكن هذا يراد به العلم المعروف، فإنه قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، وهذا دليل على أن موسى ﵊ كان يخاطب فرعون وقومه بأن الله في السماء. - صفة العلو ثابتة بالعقل والفطرة والشرع: صفة العلو معلومة بالعقل والفطرة والشرع. والفرق بين دليل العقل ودليل الفطرة: أن الفطرة هي ما فطر الله الخلق عليه، فلا يحتاج معها إلى نظر ولا إلى استدلال، كفطرته لخلقه على إثبات ربوبيته ووجوده وعلى أصل التوحيد، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]. وأما الدليل العقلي فيراد به هنا الدليل النظري، وهو المذكور في مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ الله مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف:١٨٥] فإذا تحصَّل بهذا النظر وصول إلى بعض الحقائق، فإن هذا يسمى استدلالاً عقلياً، وله صور أخرى ولكن هذا هو المثل الذي يذكر كثيراً في القرآن وهو: ربط الاستدلال العقلي بما خلق الله وبملكوت السماوات والأرض. وأما دلالة الشرع فمتواترة، حتى قال بعض أصحاب الإمام الشافعي: (إن في الكتاب والسنة على مسألة العلو أكثر من ألف دليل). وأيضاً: فإن جماهير المشركين ما كانوا معطلين لهذه الصفة وأمثالها، وترى في شعر الجاهليين أنهم يثبتون أن الله في السماء، ولذلك كان من الطرق التي يستعملها بعض أهل السنة أن يقول: أنه لو كان إثبات الصفات معارضاً للعقل لكان أولى بالاعتراض العقلي أهل الشرك، لأنهم لما عارضوا رسالة النبي ﵌ لم يكن عندهم دليل عقلي يطعن في الرسالة، وغاية ما استعملوه أن اتهموا النبي بأنه كاهن، وأنه ساحر، وأنه مجنون، وقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣]، مع أنهم من أعلم الناس ببطلان هذه المقالات التي يقولونها، ولو كان إثبات هذه الصفات مخالفاً عندهم للعقل لكان أولى بأن يستخدموه في الطعن في رسالة النبي ﷺ .

стр. 112

إنكار المعطلة لصفة العلو الذين عطلوا صفة العلو عن الله فإنهم يستعملون لتعطيلها طرقاً، فغلاتهم كالمتفلسفة ومن اقتدى بهم من المعتزلة ومتأخري الأشاعرة يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه، وبعض من ينتسب منهم للسنة والجماعة وهو ليس كذلك كمتأخري الأشاعرة يعبرون بنفي الجهة، وهذا تعبير عبَّر به طوائف من المعتزلة. وهذه المقالات ليس لها أثر في دين الرسل، وليس عليها مسحة الأنبياء، ولا يفقه العقل منها إلا الحكم على هذا الموصوف بالعدم، فإن ما لا يكون داخل العالم ولا يكون خارجه لا يكون إلا عدماً، فإذا قالوا: يمتنع أن يكون داخل العالم ويمتنع أن يكون خارجه فهذا هو الممتنع. ولهذا قال شيخ الإسلام وغيره: (إن طريقة هؤلاء أنهم يشبِّهون الباري بالممتنعات؛ لأنهم يقولون: يمتنع أن يكون داخل العالم ويمتنع أن يكون خارجه).

стр. 113

خلاصة أدلة منكري العلو كل دليل ذكره المتفلسفة الإسلاميون -أي: من ينتسبون للإسلام كـ ابن سينا وابن رشد وأمثالهم- أو ذكره أئمة الجهمية -كأئمة المعتزلة ونحوهم- أو ذكره المتأخرون من الأشاعرة كـ أبي المعالي ومحمد بن عمر الرازي وأبي الحسن الآمدي وأمثال هؤلاء، أو ذكره الماتريدية؛ كل دليل ذكره هؤلاء موجباً لنفي العلو من العقل فإنه يرجع إلى دليل واحد وهو: أن إثبات العلو يستلزم إثبات الجهة، والجهة تستلزم التحيُّز، أي: أن يكون الله في مكان معين يحوزه، سواء عبروا عنها بدليل المقابلة، أو استلزام المقابلة، أو استلزام الانطباع، أو كما زعم المعتزلة أن أخص صفات الباري القدم، ولو أثبتنا العلو أثبتنا الجهة، فيلزم أن نكون أثبتنا قديماً آخر مع الله، وهو ما يسميه بعض أئمتهم المتاخرين: دليل الغيرية.

стр. 114

معنى أن الله في السماء لا شك أن السلف مجمعون على أن الله بائن عن خلقه، حتى قال أبو حنيفة ﵀: (من زعم أن الله في السماء على معنى كون الكرسي في السماء فقد كفر)، ومعنى هذا: أن قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقوله ﵌ في حديث معاوية بن الحكم للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء) ليس المقصود منه أنه في إحدى السماوات السبع أو غيرها من المخلوقات، وقد قال عن كرسيه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فكيف بعرشه. وقول المعطلة مبني على أنهم فسروا كلام السلف وظاهر القرآن: أن الله في السماء، بمعنى أنه داخل مخلوق من مخلوقاته سواء السماء السابعة أو غيرها، وليس معنى قول السلف: إن الله في السماء، مساوياً لقولك: إن الملائكة في السماء. بمعنى: أنهم في المكان المخلوق يحيط بهم ويحتاجون إليه، ولا كمعنى قولك: إن بني آدم في الأرض، أي أنهم مستقرون بها محتاجون إليها، فيكون وجودهم مرتبطاً بوجودها؛ لكن معنى كونه في السماء، أي: أنه فوق سماواته.

стр. 115

الرد على منكري علو الله تعالى لقد ذكر الله تعالى في سبعة مواضع من كتابه استواءه على عرشه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] والعرش هو سقف المخلوقات، والله فوق عرشه، ولهذا فسَّر السلف الاستواء بالعلو، وإذا كان علياً على عرشه فإن غير العرش من المخلوقات يكون من باب أولى؛ لأن العرش هو سقف المخلوقات وهو أعظمها، فقول السلف هو القول الذي لا يمكن لعاقل -حتى ولو لم يكن مسلماً- إذا استعمل عقله الذي آتاه الله إياه إلا أن يصححه. يقول شيخ الإسلام في (منهاج السنة) و (درء التعارض)، وغيرها: (وأما قولهم: لو كان متصفاً بالعلو لكان في جهة، فإنا نقول: إن لفظ (الجهة) لفظ مجمل حادث، فإن أريد بالجهة الجهة الوجودية -أي: الجهة المخلوقة- فإن الله منزه عن سائر مخلوقاته؛ لأنه بائن عن خلقه، وإن أريد بالجهة معنىً عدمياً، وهو أنه فوق العالم؛ فإن الله بائن عن خلقه، فوق سماواته، مستو على عرشه). ومن باب الاستطراد يقول ﵀: (ومن زعم أن سائر ما يكون موجوداً يلزم أن يكون في جهة مخلوقة فقد غلط، قال: فإن العالم متناهٍ من جهة كونه مخلوقاً، قال: ومعلوم أن سقف العالم ليس في جهة أخرى، وإلا لزم التسلسل، فإذا صح ذلك فيما هو مخلوق على جهة الإمكان العقلي ففي حق الخالق من باب أولى، بل يكون هذا في حقه واجباً، وهو لتنزيهه عن سائر مخلوقاته). وقد كان الجاهليون فضلاً عن أتباع الرسل إذا ذكروا كونه في السماء يقصدون أنه في العلو، أي: فوق السماوات. وقد استعمل بعض أئمة المثبتة للعلو كـ أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب؛ وأبي الحسن الأشعري دليل العقل على إثبات هذه الصفة، واستعمله أيضاً الإمام أحمد كما نص عليه شيخ الإسلام، قال: (فإن الإمام أحمد قال لبعض أئمة الجهمية في هذه المسألة: إن الله لما خلق العالم خلقه بائناً عن ذاته، أوحالاً في ذاته؟ ومعلوم أنه لا بد أن يكون بائناً عن ذاته، قال: فإما أن يكون الله فوقنا وإما أن يكون محايزاً لنا وإما أن يكون تحتنا، والله منزَّه عن السفل وعن المشاكلة والمحايزة، فلم يبق من ضرورة العقل إلا أن يقال: إن الله فوق العرش). ولهذا كان من فقهه وأدبه ﵌ مع ربه لما ذكر الدعاء: (اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، قال: وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) ولم يقل: واحفظني من تحتي. قال شيخ الإسلام: (وهذا من أدب الأنبياء مع ربهم؛ لأن الله منزَّه عن السفل، وإن كان محيطاً بكل شيء ولا يخفى عليه شيء؛ فإنه الباطن الذي ليس دونه شيء).

стр. 116

إثبات العلو يلزم منه إثبات سائر الصفات كل من أثبت صفة العلو فإنه يلزمه عند التحقيق أن يثبت سائر الصفات؛ ولهذا ترى أن أئمة المعطِّلة لما عطَّلوها رتبوا على تعطيلها التعطيل لعامة الصفات، بل يمكن أن يقال: إذا انغلق تعطيل صفة من الصفات على المعتزلة ردوا تعطيلها إلى كون إثباتها يستلزم إثبات العلو، وهو ما يسمونه في كتبهم بالجهة، والجهة عندهم منتفية. ومن مثال ذلك: صفة الرؤية؛ فإنه انغلق عليهم امتناعها من جهة العقل، فلم يجعلوا لمنعها من جهة العقل إلا أن إثباتها يستلزم إثبات الجهة الذي هو إثبات العلو، وهذا ما يسمى عندهم بدليل المقابلة.

стр. 117

السؤال عن الله تعالى بـ (أين) إن سائر المنكرين لهذه الصفة مجمعون على أنه لا يصح أن يسأل عنه سبحانه بالأين، ويقولون: إن من سأل عنه بأين لزم أن يقوم في عقل الجاهل ما هو من التشبيه. فيقال لهم: إنه ﵌ لما أراد إثبات إيمان الجارية قال لها في أول سؤال: (أين الله؟ فقالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة). وقد استوعب محمد بن عمر الرازي سائر الأدلة التي أوردها أئمة الجهمية والمعتزلة وابن سينا وأمثاله، وأوردها بعض أصحابه الذين شاركوه كـ أبي المعالي وغيره؛ استوعبها في كتبه المطولة كـ (المطالب العالية)، و (نهاية العقول)، و (أساس التقديس)، وزعم محمد بن عمر الرازي أنه لم يقل بإثبات هذه الصفة إلا الحشوية وأتباع محمد بن كرام المشبهة، وهذا جهل أو كذب، وأحسن أحواله الجهل، فإنه يعلم أن هذا ليس مذهباً مختصاً بهؤلاء وحدهم، وليس هناك طائفة معروفة يقال بأنها الحشوية. وإن كان مراده بذلك المثبتة للصفات، فهذا تشبيه أو استعمال دخل عليه من المعتزلة، بل إنه قال في (أساس التقديس): (ولم يثبت هذه الصفة إلا الحنبلية والكرامية). وأريد بالحنبلية أتباع الإمام أحمد؛ لأنه يزعم أن إثباتها مختص به، وهذه دعوى قالها الرازي وجماعة حين زعموا أن هذا المذهب الذي قرره شيخ الإسلام وأمثاله هو مذهب مختص بالإمام أحمد، وبعض هؤلاء يقول: هو مذهب للإمام أحمد وأهل الحديث، حتى لا يضيفوه إلى الشافعي وأبي حنيفة وأمثالهم من الفقهاء وغيرهم. وقد استعمل بعض المفكرين من المعاصرين مثل هذا الكلام، فصار يخصص ما ذكره شيخ الإسلام بطريقة أهل الحديث، ويعني بأهل الحديث: أحمد وأمثاله، ويجعلون الشافعي وأبا حنيفة من الفقهاء. وكل هذه طرق متكلفة، ولا شك أن السلف عُبَّادهم وفقهاؤهم ومحدثوهم، بل وعامة المسلمين على هذه الأصول، ولا يزيغ عنها إلا مخالف لأصولهم وطريقتهم، ومن يكون قد تلقى علمه ودينه عن الأصول الكلامية التي يعلم أنه من الممتنع في العقل فضلاً عن الشرع أن يعلق الإيمان والتوحيد بها. قال شيخ الإسلام في درء التعارض: (ولو كان الناس محتاجين في أصول دينهم إلى غير ما ذكره الرسول ﵌ وما نزل عليه، لما كان هذا القرآن بياناً وهدىً للناس).

стр. 118

شرح العقيدة الطحاوية [٩] أكرم الله نبيه ﷺ بالإسراء إلى بيت المقدس، ثم بالمعراج إلى السماوات العلى، ليرى من آيات ربه الكبرى، فآمن أهل السنة بما جاءهم عنه في كتاب ربهم وسنة نبيهم، دون زيادة على ذلك أو نقصان.

стр. 119

ثبوت المعراج بشخص النبي ﷺ يقظة قال المصنف ﵀: [والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى (ما كذب الفؤاد ما رأى) فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى]. المعراج حق، وقد أجمع عليه السلف وعامة المسلمين، وإنما الذي حصل فيه الخلاف بين أهل القبلة هو: هل كان المعراج يقظةً أم مناماً؟ أما سائر أهل السنة والجماعة فإنهم مجمعون على أنه كان في اليقظة وليس رؤيا منامية، وقيل: إن المعراج كان رؤيا منامية ولم يكن يقظة، وهذا وإن قاله بعض الفقهاء المتأخرين، فإنما دخل عليهم من المتكلمين، وقد نسبه بعض المتأخرين إلى بعض المتقدمين، بل إلى بعض الصحابة، ولا يصح عن أحدٍ من الصحابة أنه جعل الإسراء والمعراج رؤيا منامية.

стр. 120

الفرق بين القول بأن المعراج رؤيا منامية وأنه عروج بالروح نقل عن بعض المتقدمين أنهم قالوا: إنما عرج بروحه، إلا أن هناك فروقاً بين قول من يقول: إنها رؤيا منامية، وبين من يقول: إنه عرج بروحه، فإن المعراج بالروح يكون على التمام لها. والذي عليه عامة الصحابة والسلف، أن الإسراء والمعراج كان على الحقيقة بروحه وجسده، وهو الذي دلَّ عليه ظاهر القرآن وصريح السنة، فإن النبي ﵊ كما في الصحيحين وغيرهما ذكر استفتاح جبريل للسماوات وأن معه محمداً ﷺ ، وأنه كان يقال له: (من؟ فيقول: جبريل، فيقال: ومن معك؟ فيقول: محمد ﷺ ، إلخ). واستبعاد أن يعرج بشخصه وجسده جهل لا يكون إلا فرعاً عن عدم الفقه لمعنى كونه عرج به، فإن الذي قدَّر ذلك وشاءه وأحكمه هو الله ، والله على كل شيء قدير، وإذا كان قد جاء في كتاب الله قول عفريت من الجن: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ [النمل:٣٩] أي: عرش بلقيس ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ﴾ [النمل:٣٩ - ٤٠] مع أن هذا لم يتدخل فيه جبريل، فكيف إذا كان الله قد قدَّر أن جبريل ﵊ هو الذي يقوم بهذا الأمر الذي أمره الله به؟! فلا شك أنه لا يوجد في مقتضى العقل ما يعارض ذلك، والذي يزعم مخالفة شيء من القرآن للعقل فإن زعمه مبني على القياس الحسي الذي يرتبط بقدرات بني آدم وخصائصهم الممكنة الناقصة المحتاجة.

стр. 121

وصول النبي ﷺ إلى السماء السابعة وقوله: (ثم إلى حيث شاء الله)؛ قد وصل ﵊ إلى السماء السابعة، فإنه ذكر أنه لقي آدم في السماء الأولى، ثم عيسى ويحيى بن زكريا في السماء الثانية، ثم يوسف في السماء الثالثة، ثم إدريس في السماء الرابعة، ثم هارون في السماء الخامسة، ثم موسى في السماء السادسة، وتراجع مع موسى في فرض الصلاة، ثم ذكر أنه رأى إبراهيم ﵊ في السماء السابعة، ثم ظهر لمستوىً مختص الله أعلم به، لكنه لم ير ربه ببصره. وقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] ﷺ مختلف في تفسيرها؛ هل المقصود رؤية الله بالفؤاد أم هي رؤية جبريل؟ والخلاف فيها شأنه يسير، وإن كان الظاهر أنه جبريل.

стр. 122

شرح العقيدة الطحاوية [١٠] أعطى الله نبيه المصطفى ﵊ الحوض المورود ليشرب منه هو وأتباعه ﵊، ويذاد عنه من كفر به وارتد عن دينه.

стр. 123

إثبات حوض النبي ﷺ قال المصنف ﵀: [والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته حق]. الأحاديث في الحوض متواترة، وفي الصحيح من حديث أنس ﵁ قال: (بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءةً، ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: أنزلت علي آنفاً سورة، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة ..) إلى آخر الحديث. وقد ذكر الكوثر في كتاب الله في قوله : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، وهذا يستدل به على إثبات حوضه ﷺ من باب تفسير القرآن بالحديث، وإلا فإن النبي ﵊ تواتر عنه من حديث ابن عمر وأنس وجابر بن سمرة وثوبان وغيرهم ﵃ ذكره ﵌ لحوضه، وكذلك ذكر النبي ﵊ كما في حديث أبي ذر: (أن آنيته كعدد نجوم السماء، وأن طوله شهر وعرضه شهر، وأنه ما بين صنعاء وأيلة)، وقال: (من مقامي إلى عمان، وكما بين جرباء وأذرح) كما في رواية ابن عمر ﵄، إلى غير ذلك من الروايات المتواترة في الصحيحين وغيرهما، وقد أجمع أهل العلم بالحديث على تواترها، وهي مسألة خبرية.

стр. 124

من يذاد عن حوض النبي ﷺ هذا الحوض ترده أمته ﷺ ، لكن قد حدَّث ﵊ كما في حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح، قال: (كنا مع رسول الله ﵌ فقال: وددت أنا قد رأينا إخواننا. فقلنا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. قالوا: فكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟! قال: أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غر محجلة، بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض)، وجاء في حديث جابر بن سمرة ﵁: (أنا الفرط لكم على الحوض)، قال: (وأنا فرطهم على الحوض. قال: ليذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلموا. فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً)، وجاء في بعض أحرف الصحيح: (فأقول: أصحابي أصحابي!)، ولهذا الحديث قال من قال من الرافضة: إن الصحابة ارتدوا بعد النبي ﷺ . ولا شك أن هذا جهل، فإن نصوص الروايات ليس على هذا الوجه، وهذا الوجه إذا ذكر فيمكن أن يوجه على أحد وجهين: الأول: أن المقصود بالصحبة المعنى المطلق، أي: المتبع أو المقتدي بوجه عام، أو الموافق في الظاهر، فإن الله لما ذكر المنافقين قال: ﴿وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٦] ولما ذكرهم في سورة الأحزاب قال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨] فالسياقات تختلف. الوجه الثاني: أن يقال: إنه قد ارتد بعد وفاته ﷺ من ارتد ممن كان صحابياً وقت حياته ﷺ .

стр. 125

شرح العقيدة الطحاوية [١١] يكرم الله نبيه ﵊ بعدة شفاعات، يختص ببعضها، ويشاركه غيره من الملائكة والأنبياء والصالحين في غيرها، وأخص تلك الشفاعات: الشفاعة العظمى، التي اختص بها رسول الله ﷺ من بين سائر بني آدم أجمعين، وهي المقام المحمود المشار إليه في الذكر الحكيم.

стр. 126

شفاعة الرسول ﵊ قال المصنف ﵀: [والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار]. شفاعته ﵌ ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وله في القيامة شفاعات منها ما هو محل إجماع، ومنها ما خالف فيه بعض أهل البدع. أما الشفاعة التي هي محل إجماع فهي الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود المشار إليه في قوله سبحانه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩]، وهي شفاعته لأهل الموقف أن يفصل بينهم. وهذه الشفاعة دل عليها القرآن والسنة، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﵌ أُتي بلحم، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه ..) وهو في سياق طويل ذكر فيه ﵌ أن أولي العزم من الرسل يترادون الشفاعة، حتى ينتهون إليه، قال: (فأنطلق فآتي تحت العرش، فأخر ساجداً لربي، ثم يفتح الله عليَّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتح لأحد قبلي، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، واسأل تعط، واشفع تشفع ..) إلى آخر الرواية في الشفاعة العظمى.

стр. 127

اختلاف أهل القبلة في الشفاعة لأهل الكبائر وأما الشفاعة التي حصل فيها نزاع بين أهل القبلة فهي شفاعته ﷺ لأهل الكبائر، فنفتها الوعيدية؛ لأن أهل الكبائر عند الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم من طوائف الشيعة مخلدون في النار، فلا تصح الشفاعة لمن استوجب عندهم دخول النار فضلاً عمن هو مخلد فيها. وقد تواتر عن النبي ﵌ ذكر إخراج قوم من النار بالشفاعة، فإنه لا يخلد في النار إلا من كفر برب العالمين، وأما سائر الفسَّاق والعصاة مهما كان فسقهم وفجورهم وظلمهم فإنهم وإن عذبوا إلا أنهم لا يخلدون في النار؛ لأن سقوط العقوبة عن الذنب والكبيرة له أسباب متعددة يأتي ذكرها في أهل الكبائر. وقد احتجت الوعيدية لقولهم بنفي الشفاعة عن أهل الكبائر بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء:١٠٠] ولا شك أن هذه الآية في سياق الكلام عن الكفار، فلا تحل لهم الشفاعة، والله إنما يأذن في الشفاعة لمن يشاء من الشافعين، ويرضى من المشفوعين لهم.

стр. 128

شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب لم يستثن من الكفار في عدم الشفاعة إلا ما جاء في حديث أبي سعيد وابن عباس والعباس ﵃ في شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب، فإنه في ضحضاح من نار، قال: (ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، فهذه الشفاعة من النبي ﷺ لعمه مختصة به، وهي لا تعني خروجه من النار، بل يخفف عنه العذاب، وإلا فإنه مخلد في النار كغيره من الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبي ﵊ وبما جاء به.

стр. 129

أدلة ثبوت الشفاعة ودليل الشفاعة هو القرآن من جهة العموم، ومن جهة التفصيل ما تواتر عن النبي ﵊ من أوجه متعددة كحديث أبي سعيد وجابر بن عبد الله ﵄ في الصحيحين وغيرهما، وقد نص جماعة من أهل العلم والحديث على أن أحاديث الشفاعة متواترة، وكذلك يدل على ثبوتها إجماع السلف من الصحابة والتابعين على أنها كائنة.

стр. 130

الخلاف في الشفاعة لمن استوجب دخول النار مسألة: النصوص المفصلة صريحة في شفاعته ﷺ لمن دخل النار من أهل الكبائر، وذكر طائفة من أعيان أهل السنة شفاعته ﷺ في قوم استوجبوا دخول النار أن لا يدخلوها. قال بعض المتأخرين من أهل العلم: هذا النوع لا دليل عليه، والحق أنه وارد من باب أولى، وذلك من جهتين: الجهة الأولى: أنه إذا شفع النبي ﷺ لمن دخل النار فإنه من باب أولى أن تقع شفاعته لمن استوجب دخول النار ولم يدخلها. الجهة الثانية: أن الدليل على ذلك هو العموم، ومن ذلك ما جاء عن سبعة من الصحابة ومنهم أنس، أن النبي ﷺ قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وهذا الحديث من حيث آحاد طرقه ليس بذاك لكنه بمجموع جهة طرقه وشواهده يكون حسناً وجيداً. وكذلك ما ثبت في صحيح البخاري أن أبا هريرة قال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، فإنه يدخل في ذلك من استوجب دخول النار، كما يدخل في ذلك من دخلها.

стр. 131

شفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة في دخولها ورفع درجاتهم فيها من مقامات الشفاعة: شفاعته ﷺ لأهل الجنة في دخولهم الجنة ورفع درجات بعضهم، وهذه الشفاعة دلت عليها السنة ودل عليها الإجماع، بل قال شيخ الإسلام: (إن عامة أهل القبلة يصححون هذه الشفاعة حتى المعتزلة)، وهي الشفاعة بالفضل وزيادته.

стр. 132

شرح العقيدة الطحاوية [١٢] فطر الله العباد على توحيده والإيمان به، وأقام عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم، فكان أول واجب عليهم هو الإقرار له بالعبودية، واتباع رسله المبعوثين بذلك، وذلك معنى شهادة أن لا إله إلا لله وأن محمداً رسول الله.

стр. 133

الميثاق الذي أخذه الله على عباده قال المصنف ﵀: [والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق]. هذا الميثاق هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢].

стр. 134

الكلام على الفطرة أما مسألة الفطرة فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: (كل مولود يولد على الفطرة)، وقد تنوع كلام السلف في الفطرة. فبعضهم قال: الفطرة هي التوحيد. وقال بعضهم: الفطرة هي الإسلام. وقال بعضهم: الفطرة هي الملة. إلى غير ذلك. وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵀ في تفسيره للفطرة، وهو اختلاف تنوع أو اختلاف لفظي. ولا يقول أحد من السلف إن المراد بالفطرة الإسلام المفصَّل، فإن الإسلام المفصَّل لا يمكن أن يعلم بالفطرة، بل لا يتلقى إلا من الوحي، وقد قال الله عن نبيه ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢]، قال أهل التفسير من أئمة السلف: (ولا الإيمان) أي: ولا تفاصيل الإيمان؛ وهو الشرائع، لأن الشرائع إنما تلقاها بالوحي، وكذلك تفصيل دلائل التوحيد، وإلا فإن أصول التوحيد كان النبي ﵊ عليها قبل بعثته.

стр. 135

أول واجب على المكلف من أصول المعتزلة: أن العباد لا يثابون إلا على ما يعملون، وأصل مبنى الثواب هو التوحيد، فإذاً أصله لا بد أن يؤخذ بالعلم النظري، ومن هنا قالت المعتزلة: إن أول واجب على المكلف هو النظر. وعلى هذا عامة المعتزلة، إلا الجاحظ وأمثاله فإنهم خالفوا في ذلك. وجاء الأشاعرة فقالوا: أول واجب على المكلف المعرفة، وبعض من سلك مسلك الاعتزال قال: هو النظر. وقال بعضهم: أول جزء من النظر. وقال بعضهم: القصد إلى النظر. والخلاف بين سائر هذه الأقوال الكلامية خلاف لفظي كما صرح به الرازي وأبو حامد الغزالي، وكما صرح به شيخ الإسلام ﵀. هذا مع أن الأشعري يخالف أصله في القدر أصل المعتزلة، فالأشاعرة يقاربون مذهب الجبر، والقول بأن أول واجب على المكلف هو النظر فرع عن كون العباد لا يثابون على ما يخلق فيهم من العلوم الضرورية، ولهذا قال أبو جعفر السمناني من علماء الأشاعرة ومن أصحاب القاضي أبي بكر ابن الطيب: (إن القول بإيجاب النظر بقي في مذهبنا من مذهب المعتزلة). أي: أن الأشعري لما رجع عن الاعتزال لم يتخلص من مسألة المعرفة التي مقدمتها النظر، فالمعرفة نتيجة والنظر مقدمة. وأشد إشكالاً من دخول المسألة على الأشعرية مع أن أصولهم تخالف أصول القدرية، دخول هذه المسألة على كثير من الأصوليين حتى من أصحاب الإمام أحمد ﵀، كما فعل المقدسي في كتاب (التبصرة)، وهو كتاب حسن مصنف في الجملة على مذهب أهل السنة، بل وفيه ردود على الأشاعرة، لكنه غلط في هذه المسألة فقال: (اختلف أصحابنا في أول واجب على المكلف، فقال بعضهم: النظر، وقال بعضهم المعرفة ..) إلى آخره، ومقصوده بأصحابه هنا الحنابلة. مع أن القول بأن النظر أول واجب على المكلف لم يكن مذهباً لا لـ أحمد ولا لأئمة أصحابه، فإن السلف مجمعون على أن أول واجب على المكلف هو الشهادة، وبهذا خاطب الرسول ﷺ سائر الناس من كان منهم عارفاً أو جاهلاً أو وثنياً أو يهودياً أو نصرانياً، فقد جاء في حديث ابن عباس ومعاذ ﵄ لما بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن أنه قال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، وقد ثبت في الأخبار والسير أن أهل اليمن إذ ذاك كان فيهم يهود ونصارى وعبدة أوثان. إذاً .. هذه الأقوال الكلامية كلها ترجع إلى أصل قدري اعتزالي ليس عليه أثر السنة والجماعة لا من قريب ولا بعيد، بل قال الجاحظ كما في بعض كتبه -وهو من أعيان المعتزلة القدرية-: (لا يلزم هذا المذهب حتى على أصولنا المقولة في باب القدر كما زعم أصحابنا). وكثيراً ما يتكلم شيخ الإسلام ﵀ في مسألة ثم يدخل في مسألة أخرى، وقد يظن الظان أن هذه المسألة منفكة عن هذه، والصحيح أنها مبنية عليها، ككلامه في مسألة أول واجب على المكلف، فهو يبنيها على كلامه في مسألة القدر، ويركب هذه على هذه، فهذا ليس من الاستطراد وإنما من باب الرد في المسألة. وقد تكلم كثير من أهل العلم في تفسير الفطرة، وذكروا مقالات السلف، ومن أجود ذلك ما ذكره أبو عمر ابن عبد البر الإمام المالكي ﵀ في كتاب (التمهيد)، فإنه ذكر جملة أقوال السلف في تفسيرهم لحديث أبي هريرة ﵁: (كل مولود يولد على الفطرة)، وفي الجملة فالمقصود بالفطرة هي: التوحيد، وذلك بالإقرار بوحدانية الله سبحانه وأصل استحقاقه للعبودية، وإلا فالتفاصيل تتلقى عن الأنبياء والرسل.

стр. 136

شرح العقيدة الطحاوية [١٣] من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الله هو العليم بكل شيء، وأنه يعلم ما كان وما سيكون، لا يخفى عليه شيء، وأنه قدر مقادير العباد، فلا يكون في خلقه وملكه إلا ما قدر سبحانه وقضى.

стр. 137

عموم علم الله تعالى بعباده وأفعالهم أزلاً قال المصنف رحمة الله: [وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملةً واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له]. ذكر المصنف في هذه الجملة أخص أصول القدر، وهو: أن الله يعلم ما كان وما سيكون، وعلم عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار. وقوله: (جملةً واحدة) أي: أن هذا العلم أزلي وليس تحصل بعضه تبعاً لبعض، بل الله علم أزلاً مقادير الخلائق، والإيمان بعموم علمه هو إجماع للمسلمين، ومن نفاه أو أنكره فإنه كافر بإجماع السلف، بل وجمهور الطوائف؛ فقد نصوا على كفر من أنكر ذلك.

стр. 138

قول الفلاسفة في علم الله وأما الفلاسفة فينكرون علم الله بالجزئيات، وهذا المذهب ذكره ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة في كتبهم، ويزعمون أنهم يؤمنون بالعلم الكلي فقط، وهذا مبني على أصل تعطيلهم لصفات الباري .

стр. 139

أعمال العباد مقدرة عند الله تعالى قول المصنف ﵀: [وكل ميسر لما خلق له]. هذا جواب النبي ﵌ عن هذه المسألة، فقد ثبت في الصحيحين من رواية جماعة من الصحابة- أن النبي ﷺ حين سئل قالوا له: ففيم العمل؟ فكان جوابه ﵌ أن قال: (اعملوا فكل ميسر)، وفي حديث علي ﵁: (فكل ميسر لما خلق له). ومعنى هذا أن الفعل والعمل وإن كان من العبد، وأن العبد وإن كان له إرادة ومشيئة على الحقيقة، وأنه يفعل بإرادته ومشيئته واختياره، إلا أن الله هو الهادي، وهو الذي يضل من يشاء، وهذا هو معنى قوله: (فكل ميسر لما خلق له) أي: أن من كتبه الله من أهل السعادة لعمل أهل السعادة، ومن كتبه الله شقياً فإنه ييسر لعمل أهل الشقاوة. وهذا ليس مشكلاً من جهة العقل، بل كما قال شيخ الإسلام: (إن جوابه ﷺ هو أتم الأجوبة من جهة الشرع ومن جهة العقل)، ووجه ذلك من جهة العقل: أن الله كتب مقادير الخلائق، وكتب السعيد والشقي، وإذا ثبت هذا المعنى المتفق عليه فإن الله كتب الأسباب وكتب المسببات، فإذا كتب عبداً من أهل النار، فلا بد أنه كتب أنه يعمل بعمل أهل النار وهو الكفر، وإذا كتب عبداً أنه من أهل الجنة فقد كتب له عملاً يناسب هذا المقام. فليس في قدر الله أن عبداً يعمل الصالحات والإيمان ويكون شقياً من أهل النار، فإن الله كما كتب المآلات -أي: أن هذا في الجنة وهذا في النار، وأن هذا شقي وهذا سعيد- فقد كتب الأعمال، وكل مآل له عمل يناسبه، ولهذا فإن الله لا يعذب إلا من عصاه؛ إما عذاباً مطلقاً وهو الخلود في النار في حق من كفر به، وإما عذاباً دون عذاب في حق بعض أهل الكبائر. وهذا الإشكال لا يزينه الشيطان إلا في باب الشرع ليصد به عن ذكر الله وعن توحيده وعن اتباع رسله، وإلا فإن هذا الإشكال لو كان صحيحاً لكان مطرداً في سائر أحوال بني آدم، ولا يختص بحالهم من جهة الديانة، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: (إنه لم يذهب إلى الاحتجاج بالقدر على الإطلاق أحد من عقلاء بني آدم). ومراده بذلك أن القدر ليس مختصاً بباب الشرع، فكما أن الشقاوة والسعادة بقدر فكذلك الولد بقدر، وكذلك العدوان الذي يقع على الشخص بقدر، والبر الذي يلحقه بقدر وهلم جراً، فإن الله قدر كل شيء. قال شيخ الإسلام: (فلازم من احتج بالقدر على إسقاط الشرع أو معارضته أن لا يلوم من اعتدى عليه، فإن الذي اعتدى عليه إنما اعتدى عليه بقدر، وكذلك من قتل ولده فإنما قتله بقدر) وهكذا في الأكل والشرب، فإنه إن كتب على شخص أنه يموت في هذا اليوم فسيموت أكل أو لم يأكل، ومعلوم أن مثل هذه الأمور لا يصل إليها المجانين من بني آدم، فترى أن قدر الله على وفق العقل كما أنه على وفق الفطرة، وإن كان لا يخاض فيه خصومةً أو تفصيلاً لما لم يفصله الله أو رسوله.

стр. 140

الأعمال بخواتيمها قال المصنف ﵀: [والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله]. أي: أن الله إنما يجازي العبد بخاتم عمله، وليس معنى هذا أن من مات على حال حسنة ولم يتب من كبائره أنه يجزم له بأنه لا يوافي ربه بالكبائر، وإنما مراد المصنف: أن من كان كافراً ثم آمن فإن الاعتبار بالثاني، وهكذا من آمن ثم كفر فإن الاعتبار بالثاني.

стр. 141

محبة الله للعبد وبغضه له متعلق بحاله لا بمآله ومما يتعلق بذلك: أن من أصول أهل السنة والجماعة أن الله يحب عبده المؤمن حال إيمانه، وإن علم أنه قد يرتد عن الإيمان، فهو حال إيمانه محبوب لله دون حال كفره، وإن علم أن الكافر سيؤمن، فإنه حال كفره يكون مبغضاً، وهذا هو قول السلف خلافاً لـ ابن كلاب ومن وافقه كـ أبي الحسن الأشعري وأصحابه الذين قالوا: إن محبته مبنية على الموافاة، فمن علم الله أنه سيؤمن فإنه لا يزال محبوباً عنده حتى حال عبادته الأصنام، ومن علم أنه سيكفر فإنه لا يزال مبغضاً حتى حال إسلامه الأول، ولا شك أن هذا مذهب مخالف لإجماع السلف، فإن كل من كان قائماً على الصدق والإيمان بعمل صالح، فإن الله يحب ذلك العمل منه.

стр. 142

مأخذ ابن كلاب والأشعري في الاستثناء في الإيمان ومن هذا الوجه ذهب ابن كلاب والأشعري إلى الاستثناء في الإيمان، وإن كان الاستثناء في الإيمان موافق لقول جماهير من السلف، إلا أن هذا التعليل الذي قاله ابن كلاب محدث، والتعليل المأثور عن السلف: أنه يستثنى في الإيمان؛ لأن العبد لا يعلم ماذا يختم له.

стр. 143

إشكال وجوابه وتحت هذه الجملة التي ذكرها أبو جعفر ﵀ ما جاء في الصحيحين من حديث سهل بن سعد وأبي هريرة ﵄ وغيرهما أن النبي ﵌ قال: (إن العبد -وفي رواية: إن الرجل- ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب -أي: القدر الذي كتبه الله- فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). أما من جهة من يعمل بعمل أهل النار ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فليس فيه إشكال، فإنه بيِّن في حال المشركين وأمثالهم الذين كانوا على الشرك ثم هداهم الله للإسلام، فكثير منهم إنما هدي للإسلام في آخر عمره فختم له بالإسلام. ولكن المعنى الذي تكلم كثير من الشرَّاح فيه هو قوله: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، وبهذا احتج من احتج من الأشاعرة على أن الاعتبار بمحض القدر، وأن فعل العبد لا أثر له في المآل، أي: في الشقاوة والسعادة. وأما من جهة الثواب فإن سائر المسلمين أجمعوا على أن فعل العبد له أثر في ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب). والصحيح في هذا الحديث أن معنى قوله ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة)، أي: فيما يظهر للناس ذلك، بل هذا هو جوابه ﷺ في حديث سهل بن سعد ﵁ حين قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)، فهو صريح في المدلول. وكذلك سبب ورود الحديث؛ فإن رجلاً قاتل فقال الصحابة ﵃: (ما أجزأ منا اليوم أحد ما أجزأ فلان، فقال النبي ﷺ : أما إنه من أهل النار، فقال رجل: أنا لكم به! فخرج معه، فجرح جرحاً شديداً، فاستعجل الموت فوضع نصل السيف على الأرض وذبابه بين ثدييه ثم اتكأ عليه حتى خرج السيف من ظهره، فقال النبي ﷺ : أشهد أني عبد الله ورسوله، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ..) إلى آخره. وعليه: فيكون قوله: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة) محمولاً على أحد حالين: الأول: أن يكون منافقاً يُظهر الإيمان ويبطن الكفر، ويختم له في آخر حاله بحال أهل النار كقتل النفس وأمثاله، ولا يعني هذا أن قتل النفس هو الموجب لكفره، بل هو كافر في الباطن، وإنما أظهر ما أظهر من أعمال الإسلام والشريعة نفاقاً. الثاني: أنه وإن لم يكن منافقاً النفاق الأكبر إلا أنه ممن يعبد الله على حرف، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ الله عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١] قال شيخ الإسلام: (وكثير ممن يعبد الله على حرف يكون معه قبل هذه الفتنة جملة من الإيمان الصحيح، وإن كان معه مادة من النفاق، فينقلب بهذه الفتنة على وجهه). وأما من آمن وصدق في الإيمان، ولم يعبد الله على حرف، بل صار مؤمناً محققاً لأصول الإيمان وإن كان يعتريه ما يعتريه من المعاصي والكبائر، فإن هذا لا يعرض له هذه الحالة بمحض الإرادة القدرية؛ فإن الله بكل شيء عليم، ولهذا قال ابن رجب وغيره من المحققين: (إنه لم يعلم عن أحد استفاض إيمانه في الناس أنه ارتد على هذه الحال). وعليه: فإن كل من ارتد عن الإيمان لا بد أن شيئاً حدث من جهته هو، ولهذا قال الله : ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فدل على أن أهل الإيمان الصادق يثبتون على أصل الإيمان وإن كانوا قد ينقصون بعض ما هو منه، فإن الله يثبتهم على أصل الإيمان في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم قال: ﴿وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: أن من خُتم له بعمل أهل النار فدخل النار، فإن هذا لا بد أن يكون من جهة ظلمه لنفسه: إما لكونه في الأصل منافقاً، وإما لكونه ممن يعبد الله على حرف. وقول المصنف ﵀: (والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله)، أي: فقضاؤه عدل، وهو مبني على حكمته وعلمه بأحوال عباده وما يوافون به ربهم.

стр. 144

شرح العقيدة الطحاوية [١٤] يؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله كتب مقادير كل شيء في اللوح المحفوظ، وأن ما كتبه كائن لا محالة، وأنه لو اجتمعت الأمة على تغيير شيء مما قدره الله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فعلى المسلم أن يلزم الطاعة ويؤمن بما قدره الله عليه؛ فإن ذلك خير له في عاجله وآجله.

стр. 145

مسائل في القدر قال المصنف ﵀: [وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين]. لفظة: (وأصل القدر سر الله في خلقه)، فيها أثر عن علي، ويؤثر عن علي رضي الله تعالى عنه أحرف كثيرة في القدر، وجمهور هذه الأحرف لا تصح عنه، وقد تنسب إليه المعتزلة والشيعة وحتى كثير من الصوفية أحرفاً في أحوالهم ومسائلهم التي يقررونها. وهذه الكلمة ليس عليها أثر من أثر الرسل والأنبياء، وعليه: فهذه الجملة إذا أطلقت وفسرت بمراد صحيح كان الأمر فيها واسعاً، وأما أن تعد من عبارات أهل السنة ومقالاتهم أو من آثار الصحابة فلا. وجمهور من يستعمل هذه الجملة هم الصوفية في كتبهم، والشارح مع جودته وإتقانه إلا أنه غلط فنقل عن بعض الصوفية في ذلك نقولاً ليست حسنة، ومما نقل عن بعضهم: أن من وقف عن الكشف في ذات الله وأسمائه لزم الأدب، وأن الله يقول: من كشفت له عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب. فنقل هذا مستحسناً له قابلاً له، ولا شك أن هذا كله من كلام الصوفية وأغلاطهم؛ بل وترهاتهم. وقوله: (لم يطلع على ذلك) أي: على تمام هذا الأصل؛ لأنه من علم الله ، وعلمه لا يحاط به.
следующие страницы →