← Акыда

Акыда · id 37777

شرح العقيدة الطحاوية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (351 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الفرق بين الجمهور وبين المرجئة في عدم تكفير تارك الصلاة من جهة الاستدلال وهنا مسألة: وهي أن من لم يكفر تارك الصلاة على قسمين: منهم من لم يكفر تارك الصلاة، لكون الدلائل عنده لم تقم على كفره، ومنهم من لم يكفر تارك الصلاة لكونه لا يرى أن العمل يدخل في مسمى الإيمان، كما هي طريقة مرجئة الفقهاء، وهذا فرق معتبر، فمن جعل تارك الصلاة غير كافر لعدم ثبوت الدلائل الموجبة لكفره عنده، فهذا قول مأثور ولا يجوز تسميته بدعة، وإن كان مرجوحاً. وأما من جعل تارك الصلاة ليس كافراً، وموجب ذلك عنده أن العمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان، والصلاة من آحاده، فلا شك أن هذا الموجب بدعة، بإجماع السلف، وبهذا كان يُعلِل طوائف من المرجئة أن ترك الصلاة ليس كفراً، ولكن لا يجوز بحال أن يقال: إن من لم يكفر تارك الصلاة، فقد دخل عليه قول المرجئة، أو أنه تأثر بهم، أو أخذ بلوازم أقوالهم، أو غير ذلك من الإطلاقات والأقوال التي ليس عليها تحقيق. وكيف يقال عن الزهري وأمثاله: إنه على مثل هذا الوجه، مع أن الزهري من أشد الناس كلاماً في الإرجاء وذمه، بل إنه لما ذكر أحاديث فضل التوحيد كقوله ﷺ في حديث عثمان في الصحيح: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)، وأمثاله من الأدلة التي قال ﵊ فيها: إن الكلمتين أو إن الشهادة توجب دخول الجنة كان جوابه عن هذه الأحاديث: إنها أحاديث قالها الرسول ﷺ قبل نزول الفرائض. وكل هذا يريد به الزهري ﵀ المباعدة عن مذهئ المرجئة، وإلا فلا شك أن التوجيه لهذه الأحاديث ليس كذلك؛ لأن النبي ﷺ كان يحدث بهذه الأحاديث في المدينة النبوية، بعد نزول الفرائض، فجوابه ليس محكماً، ولكنه يُذكر ليعرف به أن الزهري كان من أبعد الناس عن الإرجاء، ومن أكثرهم ذماً له، حتى قال في هذا النوع من الأحاديث والآثار ما قال بموجب المباعدة عن الإرجاء وأهله.

стр. 212

حكم تارك المباني الأربعة المأثور عن الأئمة في المباني الأربعة من الخلاف في كون تركها كفراً أو ليس كفراً هو باعتبار آحادها، فمن لم يكفر تارك الصلاة، لم يلزم من ذلك أنه يرى أن من جمع ترك الصلاة مع الزكاة مع الصوم مع الحج، لا يكون عنده كافراً. فمن حكى عن الشافعي أو مالك أن من ترك المباني الأربعة مجتمعة لا يكون كافراً، ومعتبره في ذلك أن مالكاً والشافعي لا يكفرون تارك الصلاة؛ فقد غلط، فإن حكم الواحد يختلف عن حكم المجموع، وبإجماع العقلاء وأهل الحقيقة الشرعية، أن من ترك الصلاة وحدها في الإثم والغلط ليس كمن تركها وجمع مع ذلك ترك الزكاة والصوم والحج، فإن هذه حال مختلفة، ويعلم بهذا التنازع في آحاد المباني الأربعة غلط من يقول: بأن من ترك المباني الأربعة مجتمعة لا يكون كافراً بإجماع السلف، فإن هذا الإجماع ما قاله أحدٌ من السلف البتة. ومن كفر تارك الصلاة وهم الجماهير من أهل الحديث، فلا بد أنهم يكفرون تارك المباني الأربعة مجتمعة، ويكون القول بأن ترك المباني الأربعة مجتمعة كفر، هو قول الجماهير من أهل السنة والحديث على أقل تقدير، والقول الآخر لو صح -ولا أقول: إنه مأثور عن السلف- وهو أن ترك المباني الأربعة مجتمعة ليس كفراً؛ لكان أحد القولين للمتقدمين، ولكان قول الجماهير على خلافه. فعلى هذا: فقول من يقول بأن من ترك العمل كله، أو بما يعبر عنه بجنس العمل، فإنه في مذهب السلف لا يكون كافراً؛ هذا لا شك أنه ممتنع من حيث النقل المجرد، وإلا فلا شك أن الصواب أن ترك المباني الأربعة مجتمعة مع أصول الشرائع كفر بإجماع السلف. وقد كان السلف يعدون القول بعدم تكفير تارك المباني الأربعة مع أصول الشرائع من مقالات المرجئة، قال إسحاق كما ثبت عنه بسند صحيح عند الخلال وغيره: (غلت المرجئة حتى كان من قولهم: إن من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره إذ هو مقر) ومن فقه إسحاق أنه ما ذكر مسألة المستحبات. والإشكال عندهم أنهم يقولون: كيف نكفره وهو مقر في الباطن مؤمن، والجواب: أنه إذا كفر ظاهراً في نفس الأمر، لزم أن يكون في الباطن كافراً. قال إسحاق: (فهؤلاء الذين لا شك عندي أنهم مرجئة)، ويقارب قوله قول لـ سفيان بن عيينة ﵀، وقد حكى الآجري وأبو عبد الله بن بطة، والإمام ابن تيمية الإجماع على هذا المعنى، وهو: أن من هجر أصول الشرائع فما ركع لله ركعة ولا سجد له سجدة، ولا صام يوماً ولا أتى البيت ولا طاف طوافاً، وهجر أصول الشرائع الواجبة مع وجود الإرادة والقدرة، أن هذا لا يكون إلا عن كفرٍ في الباطن، وهذا ما صرح به شيخ الإسلام ﵀. وأما المنازع في أحد المباني الأربعة فما كان السلف يعدونه مرجئاً، ولا عليه أثر الإرجاء كانت المنازعة معروفة، والصحيح من مذاهبهم، وهو المحقق في مذهب الإمام أحمد ﵀، أن العبد لا يكفر بترك واحد من المباني الأربعة إلا الصلاة، وأما غيرها كالزكاة والصوم والحج، فضلاً عما دونها من الواجبات والشرائع، فلا شك أن تركها ليس كفراً.

стр. 213

الحكم بغير ما أنزل الله وحكمه ويذكر كثير من أهل العلم في هذا المقام مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وهي مسألة طويلة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] فإن للسلف في هذا تفسيرين: الأول: أنه كفرٌ دون كفر، والثاني: بأنه الكفر المفارق للإيمان، فترى أن طوائف من السلف قالوا: هو كفرٌ دون كفر، وترى أن طوائف من السلف جعلوه كفر الملة المفارق للإيمان. وهذا أيضاً من الإشكالات التي يقع فيها بعض المعاصرين، فتجد من ينتصر انتصاراً مطلقاً للقول بأن هذه المسألة من باب الكفر دون كفر، ويدعي إجماع السلف على ذلك، وتجد من ينتصر للقول بأنها من الكفر الأكبر مطلقاً، وربما غلَّط سائر الروايات المأثورة عن ابن عباس وأصحابه من جهة إسنادها، أو أعلها، أو غير ذلك من الطرق التي يستعلمها من ينتصر لترجيح أن هذه المسألة من الكفر البين المخرج من الملة. والصواب: أن كلا التفسيرين مأثورٌ عن السلف، والإسناد الذي ذكره ابن جرير وغيره عن ابن عباس وإن كان فيه كلام، لكن هذا من الأقوال الشائعة المعروفة عن ابن عباس، وقد كان الإمام أحمد والبخاري يذكرون في تفسير هذه الآية في مسائلهم وكتبهم أنه كفرٌ دون كفر، ويسندون ذلك إلى ابن عباس، مما يدل على أنه قول شائع عند السلف ومنهم ابن عباس وأصحابه، وإذا ضعف إسناد أو تكلم في إسناد بعينه، لم يلزم أن يكون القول المأثور عن ابن عباس في سائر موارده كذلك. فالمحصل: أن كلا القولين مأثور عن السلف، وليس ذلك من اختلاف التناقض والتضاد، وإنّما من باب أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً دون كفر، وقد يكون كفراً أكبر، وذلك يرجع إلى حال المسألة وصورتها، بل ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن ما يسمى كذلك في كلام الفقهاء وغيرهم قد يكون معصيةً، وقد يكون كبيرةً، وقد يكون كفراً دون كفر، وقد يكون كفراً مخرجاً من الملة، مع أن سائر هذه الصور الأربع تسمى حكماً بغير ما أنزل الله. وبيان ذلك: أن القاضي لو قضى في رجل وجب عليه حد السرقة بقطع يده، فلم يَقطع يده وإنما اكتفى بجلده لموجب عرض له، فإن مثل هذا عند السلف ليس هو الكفر المخرج من الملة، بل يكون هذا من الكبائر ونحو ذلك، وبعض الصور قد تكون فوق ذلك. فهذه مسألة من الفقه لا يستعجل فيها، ولا ينبغي أن يخفض فيها ولا يرفع الناظر المبتدئ من طلبة العلم بحكمٍ قولي فضلاً عن حكم فعلي، بأن يتقحم شيئاً من الأفعال بناءً على قاعدةٍ أو نظرٍ رآه في كون هذا من الكفر المخرج من الملة، فإن الأصل في المسلمين هو الإسلام، ومن أظهر الإسلام وأظهر أصول الشرائع كالأذان والإِقامة والنّسك إلى بيت الله ونحو ذلك؛ فإن هؤلاء لا يزالون على الإسلام، ولا يصح أن يتقحّم عليهم بحال إلا إذا تحقق كفرهم بمقتضيات الشريعة ولوازمها على ما يعلمه من آتاه الله علماً وفقهاً في شرع الله .

стр. 214

أصل الإيمان في القلب من المسائل أيضاً: مسألة قد يتردد فيها البعض من المتأخرين، وربما أطلق البعض أنها من أثر الإرجاء، وليست كذلك، وهي أن من أصول السلف أن أصل الإيمان في القلب، وهذا باتفاق السلف، وهو يرجع إلى مسألة التلازم بين الظاهر والباطن. وإذا قيل أصل الإيمان في القلب، فمعنى هذا أن العمل الظاهر من حيث هو ليس إيماناً، وإن كان إذا فعله العبد مجرداً عن التصديق في الباطن قد يحصل به نجاته في مسألة الأحكام الدنيوية، ولهذا كان المنافقون يصلون ويظهرون بعض الشرائع، فكان ذلك موجباً لحقن دمائهم ونحو ذلك. ولهذا قال شيخ الإسلام: (والمنافقون زمن النبوة مع أنهم كفارٌ في الباطن، كان الأصل فيهم تحريم الدماء، وكانوا يتوارثون مع المسلمين، إلى غير ذلك من الأحكام)؛ فالأعمال الظاهرة مبنية على الباطن، وعليه فيقال: إن الإيمان أصله في القلب. وهذا صريح في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وللسلف في هذا قولان: فمنهم من قال: إنهم قالوا: (آمنا)، فنهاهم سبحانه وقال: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا): أي استسلمنا خوف القتل، وكان البخاري وطائفة يذهبون إلى أن هؤلاء الأعراب من أهل النفاق، وأنهم استسلموا خوف القتل، فمنع الله أن يقولوا: (آمنا) وقال: (قُولُوا أَسْلَمْنَا)؛ لأن لفظ الإسلام إذا أطلق يدخل فيه المنافق. ولكن الجماهير من السلف يقولون: إن هؤلاء الأعراب من أهل الإيمان، أي: أن معهم أصل الإيمان، وأنهم مسلمون ظاهراً وباطناً وليسوا منافقين، لكن الإيمان لا يضاف إلا لمن استقامت حاله ظاهراً وباطناً على الإطلاق، ولهذا قال النبي لـ سعد: (أو مسلم)، عندما كان يقول: (أعط فلاناً فإنه مؤمن)، مع أن معه أصل الإيمان.

стр. 215

الفرق بين الإيمان والإسلام وعن التفسير الذي ذكره البخاري ﵀، قال بعض الشراح كـ ابن حجر وغيره بأن البخاري يذهب إلى أن الإيمان والإسلام سواء، وأنه لا فرق بين الإيمان والإسلام، وهي مسألة نزاعٍ بين أهل السنة، وجمهور النزاع فيها نزاعٌ لفظي أو من نزاع التنوع، ولكن نُسب إلى البخاري وسفيان الثوري أنهم يقولون: إن الإيمان والإسلام سواء، وهذا القول لم يثبت عن الإمام البخاري ﵀ أنه صرح به، وإنما فُهم من تبويب ذكره في صحيحه، فإنه قال: (باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام خوف القتل) وذكر قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]، وذكر حديث سعد: (أعط فلاناً فإنه مؤمن، فقال النبي: أو مسلم)، قال: فإذا كان على الحقيقة فهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ففهم من ترجمته ﵀، أنه يرى أن الإيمان والإسلام سواء، وكذلك فهم من تفسيره. ولا شك أن الأمر ليس كذلك، فلم يعرف عن أحدٍ من السلف أنه سوى بين الإيمان والإسلام، والدلالة الشرعية بينة في أن منزلة الإيمان أعظم من منزلة الإسلام، بل إن ابن كثير والسمعاني وجماعة ذكروا إجماع أهل السنة على أن الإيمان والإسلام ليسا على درجةٍ واحدة، بل درجة الإيمان أخص، بل ذكر ابن كثير أن التسوية بينهما هي من أقوال المعتزلة. وعلى كل حال فعامة السلف على أن الإيمان والإسلام ليسا على درجة واحدة، بل الإيمان أخص وأولى، وإن كان كل ما كان إسلاماً صحيحاً، فلا بد أنه معه إيمان، وأما إظهار الإسلام الذي يعرض لبعض المنافقين، فلا شك أنه متجردٌ عن الإيمان.

стр. 216

شرح العقيدة الطحاوية [٢٠] من المسائل التي حصل فيها خلاف كبير بين الطوائف المنتسبة للإسلام: مسألة الإيمان، فقد تكلمت فيها كثير من الطوائف بكلام مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى القول الحق في هذه المسألة، فقالوا: إن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأهله فيه متفاضلون. وأهل السنة مع ذلك لا يتسرعون في الحكم على المخالف لمجرد مخالفته؛ بل إن هناك أصولاً وقواعد يسيرون عليها عند حكمهم على أهل البدع والمقالات المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.

стр. 217

قواعد الحكم على المقالات البدعية هناك قواعد في الحكم على المقالات البدعية التي ابتدعها من ابتدعها من المخالفين لإجماع السلف، فعند النظر في هذه المقالات وأربابها ينبغي أن تُعتبر بعض القواعد.

стр. 218

القاعدة الأولى: لا يلزم من كون المقالة كفراً أن يكفر قائلها فمن القواعد في ذلك: أن كون المقالة كفراً لا يلزم منه أن يكون القائل كافراً، وهذه الجملة قد حكى شيخ الإسلام ﵀ الإجماع عليها، كما في بعض رسائله، ولكن يقع في فقهها بعض الغلط، حتى تجد بعض من يتكلم من طلاب العلم، فيقول: كان السلف لا يكفرون الأعيان. ولا شك أن هذا غلط، فإن القول إذا قيل: إنه كفر، فمعناه أن الأصل فيمن قاله أن يكون كافراً، وإنما امتنع كفره لمانع، وعليه فمن رتب على هذه الجملة المجمع عليها أن السلف كانوا لا يكفرون الأعيان فقد غلط، بل لا شك أن من ثبت كفره لزم أن يسمى كافراً، ومعلوم أن المسلمين يكفرون اليهود والنصارى وأمثالهم من أهل الشرك والكفر والإلحاد. وأما أهل القبلة الذين قالوا مقالات كفرية، كمقالات من قال في الصفات وغيرها؛ فإن هذا المقالات تسمى كفراً، ولكن القائل بها لما كان مظهراً للصلاة والشعائر الظاهرة لا يكفر إلا إذا علم أن الحجة قد قامت عليه؛ لأنه إذا أصر فإن كفره لا يكون إلا عن نفاق في الظاهر، ويكون في الباطن كافراً، وعليه: فإن الأقوال تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: من المقالات ما يعلم أنها كفر ابتداءً، كمن قال: إن الله لا يعلم ما سيكون، تعالى الله عن ذلك، فهذا قول لا يقوله إلا كافر، وكمن سب الله وسب رسوله ﷺ ، فإن هذا لا يكون إلا كافراً. القسم الثاني: كالقول بخلق القرآن، وإنكار الرؤية، فهي كفرٌ في نفس الأمر، لكن قائلها لا يكون كافراً إلا إذا علم أن الحجة قامت عليه.

стр. 219

القاعدة الثانية: الذي يُكفَّر من أهل الشرائع الظاهرة لا يكون إلا منافقاً ومن القواعد التي وذكرها شيخ الإسلام أن قال: إن الواحد من أهل الصلاة لا يكون كافراً في نفس الأمر إلا إذا كان ما يظهره من الصلاة ونحوها على جهة النفاق، وهذا يرجع إلى التقسيم المذكور في القرآن، من أن الناس إما منافق، وإما مؤمن ظاهراً وباطناً، وإما كافر ظاهراً وباطناً، قال: (فإذا كُفّر أحد أعيان أهل البدع المظهرين للصلاة ونحوها، فإن هذا لا بد أن يكون منافقاً، قال: ولهذا كان بعض أئمة السنة المتقدمين، إذا كفروا واحداً من هؤلاء سموه زنديقاً، والزنديق هو المنافق في لسان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإن كان اسم الزنديق استعمل فيما هو أوسع من ذلك، كمن صرح بالردة والإلحاد وأظهر ذلك، فإن مثل هذا يسمى في كلام الفقهاء زنديقاً، ولهذا اختلفوا في قبول توبته وعدمه).

стр. 220

القاعدة الثالثة: في بيان من هو المعذور بالخطأ أما القاعدة الثالثة: فهي ما ذكره شيخ الإسلام في في أكثر من موضع، ومنها في درء التعارض: أن كل من أراد الحق واجتهد في طلبه من جهة الرسول ﷺ ، فأخطأه فإن خطأه مغفورٌ له، وهذه لها ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يريد الحق: فمن لم يرد الحق في هذه الأبواب -كأبواب الصفات- وإنما أراد الباطل؛ فإنه يكون كافراً. الشرط الثاني: أن يجتهد في طلبه: أي في تحصيله، فمن عدم الاجتهاد وإنما قال بالخرص والظن فإنه لا يعذر. الشرط الثالث: أن يطلب الحق من جهة الرسول ﷺ : فمن طلب الحق من جهة غيره، كاليهود والنصارى وأمثالهم لم يعذر، فمن الأحبار والرهبان من يزعمون أنهم يطلبون الحق، ولكن طلبهم للحق واقع من غير جهته ﷺ ، فلا يعتبر طلبه وإرادته. قال شيخ الإسلام: (وأهل البدع من أهل القبلة في الجملة هم مريدون للحق مجتهدون في طلبه من جهة الرسول، ولكنهم في هذه المقامات الثلاثة مقصرون: فإنهم في مقام الإرادة يعرض لهم من الانتصار لأقوالهم وأقوال أئمتهم ما ينقص مقام الإرادة. وفي مقام الاجتهاد يعرض لهم من الاشتغال بالطرق العقلية وأمثالها ما ينقص مقام الاجتهاد. وفي مقام الاتباع للرسول ﷺ يعرض لهم من الموجبات الكلامية وغيرها ما يؤخر مقام الاستدلال عندهم بكلام الله ورسوله. قال: فمن صاحبه حال من التقصير فهو من الظالمين لأنفسهم، وهذه حال عامة أهل البدع، وإن كان يقع فيهم من هو من الزنادقة الكفار، وإن كانوا في الظاهر مسلمين، وهذا يقع في بعض أهل البدع من الجهمية وغيرهم، قال: وقد كفّر السلف بعض أعيانهم، ولا يلزم أن من كان كافراً في نفس الأمر من أهل البدع أن يكون السلف قد علموه أو قد عينوا كفره، بل قد يكون ليس معلوماً كما كان طرف وأعيان من المنافقين زمن النبوة ليسوا معلومين لجماهير الصحابة، وربما لم يشتغلوا بتعيين كفره لأنهم مشتغلون عن هذه المجادلة وهذا الخوض بتقرير الحق وغير ذلك).

стр. 221

القاعدة الرابعة: لا بد من مراعاة درجة المخالفة وسببها وهي مما ينبغي الاعتناء به: وذلك أنه إذا نُظر في مقالة وقائلها فإنه يعتبر في هذه المقالة والقائل بعض المعتبرات: الأول: النظر في حال المقالة عند السلف، ودرجة مخالفة هذه المسألة لمذهب السلف. الثاني: أن ينظر في موجب هذه المقالة عند صاحبها. فمثلاً: من نفى صفة قد يشترك هو وبعض أهل البدع في نفيها، لكن موجب النفي أهل البدع شيء، وموجب النفي عنده شيء آخر، كالحال التي عرضت لـ ابن خزيمة وبعض أهل العلم في بعض مسائل الصفات كمسألة إثبات الصورة، فمثل هؤلاء لا يخرجون عن مسمى السنة والجماعة، وإن كان الإمام أحمد لما سُئل عن حديث: (خلق الله آدم على صورته) قالوا: يا أبا عبد الله: إن قوماً يقولون على صورة آدم أو على صورة المضروب .. إلخ، قال الإمام أحمد: هذا قول الجهمية. فمع قول الإمام أحمد فيمن منع تفسير حديث الصورة بما هو معروف عن السلف أنه قول الجهمية، فلا يلزم من هذا أن يكون ابن خزيمة جهمياً، ومثله قول الإمام أحمد: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ونسب للبخاري أنه يقول ذلك، وقصته مع الذهلي مشهورة، فلا يجوز بحال أن يقال: إن البخاري جهمي، فهذا كلامٌ لا يقوله إلا ساقط الفقه، وعليه أن ينفقه في هذا الباب موجبات المقالات. وإنما كان السلف يقصدون بالتجهم والكفر وأمثال ذلك من الإغلاظ، مَنْ كان موجب هذه المقالات عنده أصولاً من الغلط البين، وعلامته أن يطرد على أصوله الفاسدة، وأما من كانت حاله على السنة والجماعة في الجملة، فإنه قد يقع في كلامه من الأقوال البدعية التي تكون مخالفةً للإجماع، بل قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى في المجلد التاسع عشر: (وكثيرٌ من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، لكنهم لم يعلموا أنها من البدعة المخالفة لسنة الرسول ﵌، بل كانوا يظنون أنهم موافقون للسنة، فمثل هؤلاء لا شك أنهم معذورون). وحتى في مقالات الجهمية الكُفرية، يقول: (ومع هذا فهذه المقالات الكفرية تعرض لبعض أهل الإيمان فيقولها، ويكون عند الله مؤمناً ظاهراً وباطناً، ويكون قوله هذا غلطاً قد يغفره الله له).

стр. 222

حكم سب الله ورسوله أحياناً تقع الإشكالات عند بعض المعاصرين في مسائل بينة، كمسألة سب الله أو سب نبيه، يكثر بعضهم من الجدل والخوض الذي لا معنى له في مسألة شرط الاعتقاد أو عدم شرط الاعتقاد، وهذا كله قدرٌ من التكلف. ومعلوم أن سب الله أو سب رسوله ﵊ كفرٌ بإجماع المسلمين، ولكن من الغلط أن يُقال: إن من لم يكفّر من سب الله أو سب نبيه فهو على قول المرجئة؛ لأن المرجئة كانوا يكفرون بذلك، وقد حكى أبو المعالي الجويني -وهو من المرجئة الأشعرية- والرازي وغيرهما إجماع المسلمين على أن هذا كفر، وليس هناك أحدٌ في المسلمين يخالف ذلك. وإنما قد يقع بعض الإشكال في بعض الصور التي يتردد فيها في مسألة ثبوت العلم عند القائل في كون الكلام من السب مثلاً، أو في كون هذا هو القرآن، أو نحو ذلك على صورٍ يفرضها من يفرضها في بعض أحوال الجدل أو المناظرة أو المباحثة؛ فهذه مسائل لا ينبغي كثرة شغل الناس بها؛ لأنها مسائل محكمة، ومعلومٌ أن من نطق عاقلاً فسب الله أو سب رسوله ﷺ ؛ أنه يكون كافراً ولا بد. وأما إذا كان في حالٍ من الإغماء أو في حال من فقد العقل، أو غير ذلك من الصور التي تعرض؛ فمن البدهي في العقل والشرع أن مثل هذه الأحوال لا يؤاخذ بها العبد، فإن الكفر لا يكون إلا على قدرٍ من التكليف المصاحب لحال العبد عند وقوعه، أو عند الحكم به عليه.

стр. 223

التعبير بأن العمل شرط صحة في الإيمان يقول البعض: إن العمل شرط صحة في الإيمان. ولا شك أنها من التعبيرات المتأخرة، وأن الأولى تركها، لأن الشرط إذا اعتبر في الاصطلاح كان خارجاً عن ماهية المشروط وإن كان ملازماً له، كأن تقول: إن من شروط الصلاة الطهارة مثلاً، فإنه من صلى بغير طهارة فلا شك أن صلاته تكون باطلة، كما قال ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فهذا من باب هل هذا داخل في الماهية أم أنه ملازمٌ للماهية. وشيخ الإسلام أشار إلى أن هذه مسألة فيها طرف من النزاع، والصواب أن بعض الدلائل تدل على أن العمل لازم وشرط، وبعض الدلائل تدل على أن العمل داخل في الماهية، والقول بأن التعبير بالركن أولى لأن الركن داخل في الماهية، قول حسن، والأولى إذا ذكر مذهب السلف، أن تستعمل التعبيرات المأثورة عن السلف، فعند الكلام على الإيمان نترك استعمال لفظ الجنس ولفظ الركن ولفظ الشرط.

стр. 224

الفرق بين مذهب المعتزلة ومذهب السلف في الإيمان بعد أن تقرر أن العمل أصلٌ في الإيمان، استشكل بعض الشراح الفرق بين مذهب أهل السنة والمعتزلة عند من يقول بأن العمل أصلٌ في الإيمان، فنقول: الفرق بَيِّن، وذلك من جهة أن المعتزلة فضلاً عن الخوارج، يلتزمون أن الواحد من الواجبات يكون تركه موجباً لعدم الإيمان، إما بالكفر عند الخوارج، وإما بالفسق المطلق عند المعتزلة، أما السلف فإنهم يخالفونهم في ذلك، ويجعلون الأصل في الواجبات الظاهرة أن ترك الواحد منها ليس كفراً ولا يوجب عدم الإيمان، ولم يتنازعوا في الواجبات الظاهرة إلا في المباني الأربعة على الخلاف المتقدم، فهذا هو جهة الفرق. وأما من فرق بينهما فقال: إن المعتزلة يجعلون العمل أصلاً في الإيمان، وأهل السنة أو السلف يجعلون العمل ليس أصلاً، فلا شك أن هذا غلط، وإنما الفرق باعتبار الآحاد، وأما باعتبار الأصل فإن السلف مجمعون على أن من ترك سائر العمل مطلقاً مع وجود الإرادة والقدرة فإنه يكون كافراً. ولا يعترض على هذا بأن يقال: رجل قال: لا إله إلا الله ثم مات، فإن قلتم: إنه مات مسلماً لزم أن العمل ليس أصلاً في الإيمان. ولا شك أن هذا إذا نظرته نظراً عقلياً مجرداً وجدت أنه ليس له قوة، لأنك إذا قلت: إن العمل ليس أصلاً في الإيمان، قلنا: فما حكمه؟ فإن قلت: واجب، من تركه يكون آثماً يوافي ربه بالإثم، قيل لك: فهل من قال: لا إله إلا الله ومات -على قول من يقول: إن العمل ليس أصلاً في الإيمان- يوافي ربه بالإثم؟ فالجواب: أنه لا أحد يلتزم بهذا. ويقال: العمل أصل إذا تركه مع وجود الإرادة والقدرة، أي: أنه يشترط تحقق الاستطاعة وتحقق القدرة، وهذا هو الأصل في سائر أحكام التكليف الشرعية.

стр. 225

أصل مقالات المخالفين للسلف في الإيمان واحد قال: [والإيمان واحد]، يقول شيخ الإسلام ﵀: (البدعة التي تفرعت عنها سائر مقالات المخالفين للسلف في مسمى الإيمان هي بدعة واحدة، وهي اعتقادهم أن الإيمان واحدٍ لا يزيد ولا ينقص، قال: فالخوارج والمعتزلة يجعلونه القول والعمل، ويجعلونه واحداً، فترك الواحد من الواجبات يوجب عندهم بطلان سائر العمل والقول، والمرجئة يجعلون الإيمان هو التصديق، أو يقول بعضهم: التصديق مع القول، ثم يجعلونه واحداً، ويكون ما عداه من الإسلام أو التقوى أو البر أو غير ذلك).

стр. 226

أقوال المخالفين للسلف متحدة في الأصول مختلفة في النتائج وهذا يجرنا إلى الكلام عن مسألة في موجبات البدع وأصولها، ففي مسائل الإيمان والقدر والصفات، تجد أن الطوائف المخالفة للسلف طوائف كثيرة، وتجد أنها أيضاً طوائف متضادة، كالمشبهة مع المعطلة، والقدرية مع الجبرية، والمرجئة مع الخوارج والمعتزلة، ومع هذا فإنك إذا اعتبرت التحقيق، فإن أصول هذه البدع مع تضاد نتائجها هي أصول واحدة، فمثلاً في مسألة الصفات: تجد أن المشبهة كـ هشام بن الحكم وداود الجواربي، وأئمة التجسيم كـ محمد بن كرام، وأئمة المعتزلة نفاة الصفات، ومتكلمة الصفاتية كـ ابن كلاب والأشعري والماتريدي، كل هؤلاء مع تضاد نتائجهم أو اختلافها يعتبرون مبنىً أساساً في قولهم في مسألة الصفات، وهو دليل الأعراض، فمذهب المعتزلة يعتبرونه نتيجة لدليل الأعراض، والمشبهة يعتبرون مذهبهم نتيجة لدليل الأعراض، والأشاعرة يجعلون مذهبهم نتيجة لدليل الأعراض، والماتريدية كذلك، وإذا نظرت في كتب هذه الطوائف، وجدت أنهم يستدلون بدليل الأعراض، فإن قيل: فكيف تحصل بدليل واحدٍ هذه النتائج المتضادة أو المختلفة على أقل تقدير؟ قيل: هذا يرجع إلى أحد موجبين: الموجب الأول: هو الخلاف في بعض المقدمات، مثلاً الصفات أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم .. إلخ. جاءت المعتزلة فجعلت العرض ما يقابل الجوهر، وعن هذا قالوا بنفي سائر الصفات، وجاء الأشعري وقبله ابن كلاب فقال: والعرض هو ما يعرض ويزول ولا يبقى زمانين، وعن هذا ترى أن ابن كلاب والأشعري والماتريدي التزموا نفي الصفات الفعلية التي سموها الحوادث، وأما أصول الصفات فهي عندهم ثابتة على خلاف بينهم؛ لكونها لا تسمى أعراضاً، لأن حد العرض عندهم ما يعرض ويزول. وهذا كله تكلف، إذ بأي عقل وبأي نظام وبأي منطق وبأي قانون لزم أن العرض هو ما يزول ولا يبقى زمنين، إنما هو نوع من الحد لا أقل ولا أكثر، وهو من التحكم على لغة المنطق، لأنه حدٌ على غير موجب. الموجب الثاني: من جهة اللوازم، فمثلاً: الإشكال القائم بين نظرية الجبر ونظرية القدر، كنظرية فلسفية هو إشكال واحد، وهو أن الأثر لا يصدر عن مؤثرين، وهذا ليس كلاماً فلسفياً يقوله ابن سينا أو غيره فقط، بل يقوله أيضاً الغزالي والرازي، وأبو المعالي الجويني، فضلاً عن أئمة المعتزلة. فقالت الجبرية: المؤثر هو الله، وشاركهم في هذا في الجملة الكسبية من الأشعرية ونحوهم، وقالت القدرية: المؤثر هو العبد. وقد تقدم في مسائل القدر التعليق على أن متكلمة القدرية يختلفون عمن قال بأن أفعال العباد ليست مخلوقة من بعض رجال الرواية والإسناد، فإن من قال ذلك من بعض رجال الرواية الذين قال الإمام أحمد فيهم: (لو تركنا الرواية عن القدرية تركناها عن أكثر أهل البصرة) لم يكن موجب المقالة عنده هو الموجب عند أبي الهذيل العلاف أو واصل بن عطاء من المعتزلة، بل الموجب مختلف، مع أن المقالة قد تكون في الجملة مقالة واحدة، وإذا التزمت تفصيل النتائج، وجدت أن النتائج يلحقها قدرٌ من الاختلاف. فالقانون الذي يعتمده المتكلمون قانون عقلي، والحقيقة أنه رأي فلسفي لا أقل ولا أكثر، وهو مبني على قياس الله بخلقه، وهو قياسٌ فاسد بإجماع المسلمين، أنه لا تكون للعبد إرادة ومشيئة على الحقيقة، لأن الله هو الخالق لفعل العبد، ولم يفقهوا الفرق بين كونه خالقاً وكونه فاعلاً، فلا أحد من السلف يقول: إن الله هو الفاعل لأفعال العباد بل الأفعال أفعال العبد، ولكن الله هو الخالق.

стр. 227

اعتماد المتكلمين على العقل دون السمع ثم بعد هذا تأتي المعتزلة تبحث في دلائل القرآن فتجد قوله تعالى: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، فيقولون: هذا دليل على خلق القرآن، ويأتون لمسألة الرؤية فيتمسكون بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فيقولون: هذا دليل عدم رؤية الله، مع أن هاتين الآيتين ليستا هما الموجب للمذهب، ومثلهم الأشاعرة لما نفوا الصفات الفعلية، فإنه لم يكن الموجب لذلك دليلاً من القرآن، وقد صرح بذلك الرازي فقال: (اتفق أصحابنا أن نفي حلول الحوادث ليس معلوماً بالسمع، بل ظاهر السمع عليه، ولهذا اشتغل أصحابنا إما بتأويله أو تفويضه، واستدلوا بدلائل العقل، قال: والصواب، هو الدليل المركب من السمع والعقل). ثم أتى بدليل زعم أنه هو النهاية، واستعمله الأشاعرة إلى عصرنا هذا في مختصراتهم، ويرون أنه هو الدليل القاطع المحكم، وهو دليل من نظره بأدنى عقل، عرف أنه دليل ساقط في العقل، فضلاً عن كونه ساقطاً في الشرع، فإنه قال: إن هذا النوع من الصفات، إما أن يكون كمالاً وإما أن يكون نقصاً، فإن كان نقصاً فالله منزه عن النقص، فلزم أن يكون إذا أثبت كمالاً قال: وإذا كان كمالاً، فإنه حادث، فيلزم أن يكون هذا الكمال فات من قبل، وفوات الكمال نقصٌ والله منزه عن النقص بالإجماع. والإجماع هو مقصوده بالدليل السمعي. ولا شك أن هذا دليل ساقط حتى في العقل، فمثلاً: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، يقول: إذا كان كلام الله لموسى كمالاً، لزم أن يكون هذا الكمال فاته قبل خلق موسى، وفوات الكمال نقص، والله منزه عن النقص بالإجماع. ومن أخص أغلاط الرازي أنه يزعم أن تنزيه الله عن النقص علم بالإجماع، والصحيح أنه معلوم بالعقل ومعلوم بالشرع الذي هو والكتاب والسنة والإجماع، مع أن تنزيه الله عن النقص معلوم بالعقل قبل ورود الشرع. ثم استدلال الرازي عنه جوابات، ومن بدهي الجواب أن يعارض الرازي بنفس الحال فيقال له: الأرض محدثة بعد أن لم تكن، والله هو الخالق لها بإجماع المسلمين وجماهير بني آدم، فخلقه لها كمالٌ أو نقص؟ إن قال: نقص فقد كفر، وإذا قال: إنه كمال، لزم على قاعدته أن يكون الكمال فاته من قبل، وما يقوله في الأفعال اللازمة المتعلقة بقدرته ومشيئته، يقال في الأفعال المتعدية كخلق السماوات والأرض ونحو ذلك، ثم إن ما كان حادثاً وهو تكليمه لموسى امتنع أن يكون قديماً، وما كان ممتنعاً لم يكن عدمه نقصاً، لأن الكمال والنقص متعلق بمسائل الإمكان والوجود.

стр. 228

تفاوت أهل الإيمان في أصل الإيمان قوله: [وأهله في أصله سواء]، يقال: بل أهله في أصله مختلفون، حتى لو سلمنا جدلاً أن الإيمان هو التصديق، فإن التصديق يتفاضل، وبهذا تعلم أن التفاضل عند أهل السنة والجماعة في الإيمان ليس مقصوراً على الأعمال الظاهرة، بل التفاضل بالأعمال الظاهرة، وبالأعمال الباطنة، وبالتصديق نفسه، كما صرح به الإمام أحمد، وهو إجماع للسلف خلافاً لـ ابن حزم.

стр. 229

التعبير بالتفاضل وبالزيادة والنقص في الإيمان عند السلف وقد عبر الجمهور من السلف بأن الإيمان يزيد وينقص، وعبر ابن المبارك وبعض المتقدمين بأن الإيمان يتفاضل، والإمام مالك ﵀ يقول: الإيمان يزيد وينقص، وفي بعض جواباته يقول: الإيمان يزيد. ويسكت عن ذكر لفظ النقص، وقد ذكر بعض المالكية وبعض الشراح من المتأخرين أن لـ مالك في مسألة نقص الإيمان قولين: القول الأول: أنه ينقص. القول الثاني: أنه لا ينقص، وهذا غلط على مالك، بل مالك ﵀ تارةً يقول: يزيد وينقص، وتارةً يقول: يزيد، ثم يسكت أو ويتوقف عن لفظ النقصان، ومعلوم أن من أقر بزيادة الإيمان، لزمه بضرورة العقل فضلاً عن الشرع أن يقر بنقصه، ولهذا ترى أن السلف أطبقوا على أن الإيمان يزيد وينقص مع أن النقص لم يذكر في القرآن، بل ليس في القرآن إلا لفظ الزيادة. وقد قيل للإمام أحمد: (يا أبا عبد الله، الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعم. قيل: فأين هو في كتاب الله؟ قال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]، قيل: وينقص. قال: إذا كان يزيد فإنه ينقص)، وعليه فمن حكى عن مالك أنه ينفي نقص الإيمان ولو في أحد قوليه، فحكايته غلط، بل سكت في مقام لحكمة أو لمعنىً مختص. قال شيخ الإسلام: (ولعله كان في بعض مناظراته أو جواباته للمرجئة، فترك اللفظ الذي لم يذكر في القرآن إغلاقاً لباب الجدل)، أي: فإن مالكاً ﵀ كان من أكثر الأئمة بُعداً عن الجدل والخوض في ذلك، فتكلم بالألفاظ المحكمة التي لا يتمكن سائل من أن يقول له: ما دليلك على لفظ النقص. وأما في السنة فإن الأمر كذلك، فلم يرد لفظ النقص إلا في مثل قوله ﷺ كما في الصحيح: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أغلب للب الرجل منكن)، وإن كان النقص المذكور هنا ليس هو النقص المراد الذي هو بترك المأمور أو بفعل المحظور ونحوه، وإنما هو نقص من حيث الأصل في العقل وفي الدين على ما فسره ﷺ بكونها تمكث الليالي لا تصلي إلى آخره، ولكن استدل به طوائف من أهل السنة على نقص الإيمان، وذلك أن النبي ﷺ إذا جعل الدين ينقص بما قُدّر في حكم الله وقضائه الكوني وإسقاطه الشرعي، فلأن يكون من تفريط العبد من باب أولى، فهذا استدلال حسن وهذه المسألة مسألة محكمة عند السلف وهي: زيادة الإيمان ونقصانه في موارده الأربعة.

стр. 230

زيادة الإيمان عند المرجئة والمعتزلة قال: [والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى] نعم هم يتفاضلون من هذه الأوجه، لكنهم أيضاً يتفاضلون باعتبار الإيمان نفسه. وعامة الطوائف بزيادة الإيمان حتى المرجئة والمعتزلة، ولكنهم يقصدون بالزيادة صوراً هي في نفس الأمر من الزيادة الشرعية، ويقصرون الزيادة عليها، فيقولون يزيد الإيمان بكثرة الأدلة، فمن علم مسألة من الشريعة بدليل فليس إيمانه بها كمن عرفها بخمسة أدلة، ويقولون: ويزيد بالاستمرار فإن التعاقب من زيادة الإيمان. فنقول: هذا يسلم أنه من أوجه زيادة الإيمان، لكن قصر زيادة الإيمان على هذه الأوجه هو المخالف لإجماع السلف، وإلا فإن كثيراً من الصور التي يذكرها هؤلاء تكون صوراً صحيحة، وإن كانوا يذكرون صوراً هي مبنية على أصول باطلة.

стр. 231

بيان قول أبي الحسن الأشعري في الإيمان محصل قول أبي الحسن الأشعري في مسمى الإيمان، أن الإيمان عنده هو التصديق، وهذا الذي ذكره الأشعري في اللمع وذكره جماهير أصحابه وانتصروا له، كالقاضي أبي بكر بن الطيب في التمهيد، وكـ أبي المعالي ومحمد بن عمر الرازي وغيرهم، وهذا هو الذي عليه جماهير الأشعرية، يحكونه مذهباً لـ أبي الحسن، وقد نص عليه أبو الحسن في كثير من كتبه، وإن كان طائفة من الأشاعرة قد مالوا عن هذا القول إلى قول مرجئة الفقهاء. وقد صرح بعض الأشعرية كصاحب المواقف بأن مذهبهم أن الإيمان هو التصديق، وأن مذهب أهل الأثر أنه قول وعمل، فكان قول أئمة السلف معروفاً عند كثير من علماء الأشاعرة، وأبو الحسن نفسه في مقالات الإسلاميين لما ذكر أقوال الناس ذكر قول أهل السنة والحديث في مسائل أصول الدين على طريقة من الإجمال، وفي آخر ما ذكر من مذهب أهل السنة والحديث، قال: إنه بكل ما يقولون نقول، فذكر أنه يقول بسائر الجمل التي ذكرها عن أهل السنة والحديث، ولكن علم أبي الحسن الأشعري بمقالة السلف كان علماً مجملاً. ولا أدل على ذلك من أنه في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) ذكر قول المعتزلة في مسائل الدين كالصفات والقدر، والأسماء والأحكام وغيرها، بطريقة مفصلة عن أعيان المعتزلة، فذكر الفرق بين أبي هاشم وأبي علي أبيه، وذكر الفرق بين النظام والعلاف، وذكر أقوال أئمة المعتزلة والفرق بين البصريين والبغداديين من المعتزلة، لكن لما جاء إلى قول أهل السنة والحديث جعله في سياق مجمل لا يتجاوز الصفحتين أو الثلاث، مع أن مذهب المعتزلة أخذ من كتاب المقالات حيزاً كبيراً؛ فهذا دليل على أن علمه بالاعتزال ومقالات المعتزلة كان علماً مفصلاً لأنه كان معتزلياً، بل كان علمه واسعاً في غير مذهب المعتزلة كمقالات المرجئة ومقالات الشيعة والخوارج، بخلاف علمه بمقالات أهل السنة والحديث. وذلك لأنه لما كان معتزلياً ما كان ملتفتاً إلى مذهب السلف، وكان على طريقة شيوخه كـ أبي علي الجبائي وغيره، يسمون مذهب السلف: الحشوية والنابتة، .. إلخ، ولا يلتفتون إلى تفصيله وحقائقه، فلما رجع أخذ هذا المذهب مجملاً عن بعض حنبلية بغداد، وصار يذكره في كتبه، ويقول: إنه يقول به، وإنه ينتمي إلى أهل السنة والحديث. ومن بين الجمل التي ذكر في المقالات أنه يقول بها: أن الإيمان قول وعمل، فهذا يخرج على أحد طريقين: الأول: أن يقال: إن الأشعري كان له في مسألة الإيمان قولان، القول الأول: أنه التصديق، والقول الثاني: أنه قول وعمل، وهو قول أهل السنة والحديث، وهذه طريقة يلجأ إليها كثير ممن تكلم في مذهب أبي الحسن. وربما قال بعضهم: إنه كان يقول بأنه التصديق، ثم رجع وقال بأنه قول وعمل، ويجعلون هذا رجوعاً، لكون الأشعري عندهم رجع إلى قول أهل السنة والحديث في آخر عمره. وهذه الطريقة غير صحيحة، فليس القول بأن الإيمان هو التصديق هو قوله القديم، بل قوله القديم هو قول الاعتزال، والمعتزلة يقولون: إن الإيمان قول وعمل، وكان يقول: إنه لا يزيد ولا ينقص على طريقة المعتزلة المعروفة، والمذهب الثاني: أن الأشعري يرى أن الإيمان هو التصديق. وأما طريقة السلف فهو يتأولها، كما أنه ذكر عبارات توافق مذهب السلف، ولما أراد التفصيل تأول كلامهم إلى ما لا يتعارض مع مذهبه، وهذا الذي جعل بعض الباحثين يقولون بأن الأشعري رجع في مسألة الصفات الفعلية، وليس الأمر كذلك، فإن الأشعري أحياناً يقول: ونؤمن بأن الله مستوٍ على العرش كما ذكره الله، ونؤمن بنزوله كما حدث بذلك رسول الله ﷺ ، فهو يؤمن بالنزول كحديث؛ لأنه يرى أن أئمة السنة والحديث ذكروا حديث النزول وصححوه، فهو يصحح هذا الحديث لكنه لو سئل عن تفصيل معناه لتأوله. ولما كان أبو الحسن معتزلياً لم يكن يقبل الحديث أصلاً، فلما تأثر بأهل السنة وانتسب إليهم، فرأى أنهم يصححون حديث النزول مثلاً، فصار يذكره ويصححه ويستعمله، لكنه إذا أراد تفسيره فسره بما لا يعارض قوله في مسائل الصفات الفعلية، فالقصد أن هذا الوجه هو الأقوى، وأعني أن الأشعري يتأول قول السلف، ولهذا فعامة الأشاعرة من بعده يطبقون على أن مذهب أبي الحسن هو أن الإيمان هو التصديق، وأما قول السلف فإنه يذكره ولكن يتأوله، وقد ذكر شيخ الإسلام أن طائفة المتكلمة الصفاتية يذكرون قول السلف في الإيمان ويتأولونه بما لا يعارض قولهم بأنه التصديق، وهذا هو محصل قول أبي الحسن، ولا يقال إنه قول الجهم بن صفوان كما فهم البعض، بل يقال: إنه قول ينزع إلى قول جهم بن صفوان؛ لأن جهماً يقول: إن الإيمان هو العلم والمعرفة، والأشعري يقول بأنه التصديق، فبين القولين فرق وإن كان بينهما نوع من التشابه.

стр. 232

ضبط الخلاف في مسائل الإيمان وعدم التجاوز فيها مما ينبغي التنبه له: أنه كما يجب الاعتناء بمعرفة مذهب السلف في باب الإيمان، ألا تتحول بعض الفروع الذي يقع الخلاف فيها بين السلفيين أنفسهم إلى نوع من الاختصاص الذي ما كان السلف يجعلونه اختصاصاً، ويُقصد بهذا أنه من غير السائغ شرعاً أن يقع الخلاف بين السلفيين أنفسهم في مسائل قد لا تكون عند السلف من الأصول الموجبة للمخالفة، بل يجب أن يكون هناك اتفاق، فإن المذهب السلفي قائم على أصل عظيم وهو الاجتماع، وهو من أخص أصول السلف ﵏، ولهذا ينبغي حسم مادة الخلاف قدر المستطاع، إلا في المسائل التي هي خلاف بين السلف، ومع ذلك فإن مثل هذا الخلاف لا ينبغي أن يكون موجباً للتفريق، وأما الخلاف الذي يقع به التفريق والتضاد، فإنه غير موجود في مذهب السلف؛ لأن السلف في مثل هذه المسائل مجتمعون على قول واحد، فلا بد أن قولهم في مسمى الإيمان، مثلاً قول واحد. أما المسائل التي قد تكون من محال نزاعهم، ككفر تارك الصلاة، أو كفر تارك الزكاة، فهذه مسائل لا ينبغي التشديد فيها، سواء فرض أن السلف أجمعوا على كفر تارك الصلاة، أو أجمعوا على عدم كفره، وهذا التنبيه لا يقصد به بأي حال من الأحوال التعليق على مقالات بعض الأعيان من المعاصرين، إنما المقصود أن تقرر الحقائق العلمية، وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يكون عند طالب العلم، وهو أن يقرر الحقائق العلمية الشرعية، وألا يلتفت إلى مسألة الأعيان قدر المستطاع، وإلا فقد يقول ببعض الأقوال أناسٌ لهم قدر وإمامة وعلم، ولكن يقع في كلامهم ما هو من مورد الإشكال، وقد يقولون قولاً مجملاً لا بد فيه من التفصيل. وخصوصاً ما قد يقع فيه البعض من طلاب العلم، الذين يقررون مسألة الإيمان والعمل، وأنه أصل، وربما قرروا أن ترك الصلاة كفر بالإجماع، ثم اشتدوا في هذا التقرير، وأكثروا من التعليق أو الاعتراض على الأقوال التي قررها الشيخ الألباني ﵀، ولا شك أن مثل تلك المبالغات غير صحيحة، خاصة عندما يصف بعض المتعجلين إماماً كالشيخ الألباني بأنه مرجئ، فهذا غلط صريح، وما كان السلف ﵏ يعدون حماد بن أبي سليمان مبتدعاً على الإطلاق، مع أن الشيخ الألباني ﵀ ما كان يقول بقول حماد بن أبي سليمان وأمثاله من الفقهاء، بل يجعل العمل داخلاً في مسمى الإيمان وله تقرير حسن في مسائل الإيمان معروف، ولكن بعض التفاصيل قد يكون فيها نوع من الخلاف بين الشيخ الألباني ﵀ وغيره، وربما يقال في بعض المسائل: إن تقريره فيها ليس مناسباً على الإطلاق. ولكن مع هذا كله فإنه يجب أن يحفظ لهذا الإمام العالم قدره وأن تحفظ له إمامته، وأن يحفظ له أيضاً مقامه في السنة، وإمامته السلفية العالية، ودرجته في علم الحديث بوجه خاص، وسائر علوم الشريعة بوجه عام، وفقهه ﵀ في هذا مشهور، فبعض الأقوال التي قالها إذا كانت محل تعقب أو منها ما هو محل تعقب، فإنه ينبغي أن يتعقب على طريقة الأدب وعلى طريقة التنبيه، وأن لا يُفتات على هذا الإمام وهذا العالم في كلام لا يناسب مقامه، فإنه بإجماع علماء عصره إمام من أئمة السلفية، بل هو أخص أئمة السلفية في كثيرٍ من الأقطار الإسلامية، فله مقام معروف ينبغي حفظه واعتباره. وكذلك من ينتصر لأقواله ﵀، ينبغي أن يكون مترفقاً وأن لا يشقق على أقواله ولوازم أقواله أقوالاً قد تضاف إليه أو قد يضيفها من يضيفها إليه، ولا يكون الشيخ ﵀ رحمةً واسعة قد نطق بها وصرح بها، فمثل هذه المسائل لا ينبغي ربطها بواحدٍ من الأعيان، لا بسماحة الإمام الشيخ الألباني ﵀، ولا بغيره من أهل العلم المعاصرين، وإنما تُربط هذه المسائل الشرعية إذا ذكرت بأصولها من الدلائل المذكورة في كلام الله أو كلام رسوله أو كلام السلف ﵏، وإذا وقع أحد من الأعيان الكبار في الغلط، فإنه لا ينبغي أن يكون ذلك موجباً أو مسوغاً للاستطالة أو التعنيف أو الإضافات البدعية أو نحو ذلك من الكلام الذي قد يقال. ولا يفهم من هذا التعليق أن الحقائق العلمية لا تقرر، فالحقائق العلمية الشرعية التي تظهر من كلام الأئمة ﵏ يجب أن تقرر حتى وإن خالفت الشيخ الألباني أو غيره من الشيوخ والعلماء، لكن مع هذا فإن مثل هذه المخالفة ينبغي أن تقرر على طريقة الأدب والاعتذار والاستدلال، وليس على طريقة الذم والتجريح، أو إطلاق الأقوال بالتبديع أو التضليل، أو الإخراج عن السنة والجماعة، فإذا كان الشيخ الألباني ﵀ ليس على طريقة سنية، أو ليس سلفياً فمن يكون السلفيّ إذاً؟! فهذا كلام يجب تركه، ولا يجوز لأحد أن يستطيل على أحدٍ من آحاد خلق الله، فضلاً عن أئمة العلم والدين والتقوى والعبادة الذين ندر وجودهم في مثل هذا الزمن، كالشيخ ﵀ وأمثاله، وكسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ونحن نعلم أنهما قد اختلفا في بعض هذه المسائل، ومن المسائل التي كانا يختلفان فيها مسألة مسمى الإيمان، ومع هذا فإنا نعلم أن هذين الإمامين العالمين عليهما رحمة الله أعظم أئمة السلفية في هذا العصر بلا إشكال، وما معهما من الإمامة والفقه والعلم يجب حفظه واعتباره، ويجب الاقتداء بما قرروه من العلم والتقوى والإيمان والورع الذي قل كثيراً في الناس اليوم، ونسأل الله أن يرحمهما رحمةً واسعة. والأئمة ﵏، قرروا مسائل كانت تخالف قول كثير من الصحابة ﵃، بل قرروا مسائل قد كانت تخالف قول أبي بكر، أو قول عمر، أو قول علي، أو قول ابن عباس وغيرهم، وما كان هذا مستنكراً، وينبغي لطالب العلم أن يكون لديه استعدادٌ لتقبل ما دل عليه الدليل مهما خالف من يحبه أو ينتصر له الألباني ﵀، أو لغيره فإن الحقائق الشرعية يجب أن تكون هي الأساس. فمثلاً: لو قام في المسجد رجل عامي يقول: من أكل لحم الإبل فإنه يجب عليه الوضوء، فقوله هذا على خلاف قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، إلا أن الصحيح عند أحمد أنه ناقض، فيجب أن تقبل هذا القول وإن كان مخالفاً للأئمة الثلاثة، والمقصود أنه قد يقول قائل من آحاد الناس وربما من عامتهم أقوالاً ويقر عليها، مع أنها تخالف أئمة كباراً كـ مالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة، وعلى طالب العلم ألا يكون ضيق الأفق، ولا يكون انتصاره لإمام أو لعالم ملزماً في سائر الفروع والمسائل، فإن هذا هو الاقتداء المذموم الذي كان المتقدمون من السلف ومن يقتدي بهم كسماحة الإمام الألباني ﵀ وغيره يذمونه. ولا ينبغي لمن يذم التمذهب لـ مالك أو للشافعي أو لـ أحمد أن يقع فيما هو مثله أو أبعد منه في تعصبه لبعض الأعيان من المعاصرين، بل المقصود هو الانتصار لقول الله وقول رسوله ﷺ ، وما أجمع عليه السلف.

стр. 233

شرح العقيدة الطحاوية [٢١] من عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهم يوالون عباد الله المؤمنين، ويرون أن الناس في الولاية متفاضلون، فمن حقق الإيمان كاملاً كانت له الولاية الكاملة المطلقة، ومن ارتكب بعض الذنوب والمعاصي كانت له الولاية بحسب إيمانه وتقواه لربه سبحانه. ويعتقدون أن أركان الإيمان هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.

стр. 234

ثبوت الولاية لجميع المؤمنين قال المصنف ﵀: [والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن]. بعد ما ذكر المصنف ﵀ مسألة الإيمان ومسماه، وتبين ما في كلامه في هذا الموضع من الإشكال، ألحق بهذه المسألة بعض المسائل المتعلقة بهذا الباب، فقال: (والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن)، أما على إطلاق الإيمان فإن الأمر كذلك، فإنه إذا ذكر المؤمنون وأريد بهم أهل الإيمان المطلق الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فإن الأمر كذلك، سواء كان هذا متعلقاً بجملتهم أو متعلقاً بأعيانهم. وأما إذا أريد بالإيمان ما ذكره الطحاوي ﵀ أنه الإقرار والتصديق، أو على قول العامة من السلف بأن أصل الإيمان لا يستلزم البراءة من الكبائر، خلافاً للخوارج، فإن مرتكب الكبيرة على هذا الوجه لا يسمى ولياً بإطلاق، وليس معنى هذا أنه بريء من الولاية، أو لا ولاية له ألبتة، بل محصل درجة الولاية أن يقال: إنها فرع عن إيمان العبد، فبقدر إيمانه تكون ولايته، وإذا صح بإجماع السلف أن مرتكب الكبيرة معه أصل الإيمان، فلا بد أن يكون معه قدر من ولاية الله ، وتكون ولايته بحسب إيمانه، وقد تقرر أن مرتكب الكبيرة لا يسمى مؤمناً على الإطلاق، ولكن يسمى في بعض المقامات مسلماً، ويسمى في بعض المقامات فاسقاً، ويسمى في بعض المقامات مؤمناً، كالفاسق في مقام العتق فإنه يدخل في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢].

стр. 235

أهل الإيمان المطلق هم أهل الولاية المطلقة وإذا كان مرتكب الكبيرة لا يسمى ولياً بإطلاق، لم يلزم من هذا نفي مقام الولاية عنه من كل وجه، وفي سائر الموارد، فتكون النتيجة أن مسألة الولاية تبع لمسألة الإيمان، فمن سمي مؤمناً على الإطلاق -وهم السابقون بالخيرات- فهم أولياء على الإطلاق في أي في عامة مقاماتهم وأحوالهم. فتقول مثلاً: إن أبا بكر مؤمن وإنه ولي من أولياء الله، سواء كان هذا في مقام الأحكام، أو في مقام الثناء، أو في أي مقام من المقامات، لأن حاله رضي الله تعالى عنه كانت كذلك، أي أنه من السابقين للخيرات، ومثل ذلك إذا قلت عن عمر أو عثمان أو علي ونحوهم من الصحابة، وأعيان الأئمة.

стр. 236

أهل الكبائر لهم قدر من الولاية بحسب إيمانهم وأما الآحاد من المسلمين فضلاً عن أهل الكبائر المظهرين لكبائرهم، فإنهم لا يسمون مؤمنين في سائر المقامات، ولا سيما المقامات التي لم يصوب ﵊ التسمية فيها كمقام الشهادة والتزكية، وذلك لأنه يقع فيهم من الظلم لأنفسهم، أو الظلم لغيرهم، سواء وصل هذا إلى منزلة الفسق أو لم يصل، وليس من سمي ولياً في مقام يلزم أن يسمى ولياً في سائر المقامات. وعليه فإن الفساق وهم من أهل الملة أهل الكبائر، معهم من الولاية بقدر ما يثبت لهم من الإيمان، فمقام الولاية يزيد وينقص كما أن مقام الإيمان يزيد وينقص، ومنه ما هو مطلق ومنه ما هو مقيد.

стр. 237

أركان الإيمان والتقيد بالعدِّ النبوي فيها قال: [والإيمان: هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله ]. هنا مسألة: وهي أن النبي ﷺ إذا ذكر الإيمان أو ذكر الإسلام أو غيرها من الأصول، فجعلها أركاناً بالعدد، كما في قوله ﵊ من حديث ابن عمر: (بني الإسلام على خمس ..)، فمن السنة اللازمة ألا يعبر بأن الإسلام بني على غير ذلك. وهذا يقع من بعض المتأخرين، كقول من قال: إن الإسلام بني على خمس، وزاد معها سادساً، وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم علل تعليلات كثيرة، ومنها أدلة من الشريعة، أن هذه الأمة هي أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن هذا أصل في الإسلام، وأنه سياج الدين، إلى غير ذلك، وكل هذا الكلام لا إشكال فيه، لكن ما دام أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس)، فإن من عدم الأدب معه أن يقال: إن الإسلام بني على ست أو إن أركان الإسلام ستة، حتى ولو كان المزيد أصل بإجماع أهل العلم، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعليه: فلما ذكر النبي ﷺ : (أن الإيمان: هو أن تؤمن بالله وملائكته ...) الحديث، وذكر الإيمان في حديث عبد القيس وفسره بما فسر به الإسلام، فإن هذه من السنن المقتفاة، فإذا قيل: ما هو الإيمان؟ قيل: الإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه .. إلخ. وإذا قيل: ما الإسلام؟ قيل: هو: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة .. إلخ.

стр. 238

خطأ من تجاوز العَد النبوي للأركان فالاقتفاء أصل في هذه الأحرف النبوية، ولذا فإن من يزيد شيئاً من ذلك، على جهة العدد الصريح المخالف لعدده أو لحده أو لذكره ﷺ ، يقع في غلط من وجهين، الأول: من جهة أنه خالف الاعتبار الشرعي، والثاني: من جهة أنه خالف اللفظ الشرعي أنه لم يفقه ذلك، وإلا فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهو داخل في إقام الصلاة، فإن النبي ﷺ قال: (وإقام الصلاة)، وإقامتها يستلزم التواصي بها، وكذلك إيتاء الزكاة، إلى غير ذلك. فليس ركن من هذه الأركان إلا وهو يتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه مسألة مما ينبغي الوقوف عندها.

стр. 239

الفرق بين الإسلام والإيمان وهذه الأركان التي ذكرها النبي ﵊، وجعلها هي الإيمان، استدل بها المرجئة على أن الإيمان في القلب، وأنه لا يكون في الظاهر، وأن العمل ليس إيماناً، قالوا: لأن النبي ﷺ لما ذكر الإيمان جعل مورده القلب، ولما ذكر الإسلام جعل مورده الأعمال الظاهرة. وهذه مسألة الفرق بين الإسلام والإيمان، وقد اختلف فيها السلف اختلافاً لفظياً أو اختلاف تنوع، وقد تقدم أن مذهب عامة السلف، إلا ما حكي عن البخاري والثوري: أن الإيمان أخص، والسند عن الثوري لا يصح كما ذكره ابن رجب، وكذلك البخاري إنما حُصِّل مذهبه بالفهم. ولهذا يقال: إن المستقر عند السلف وهو ظاهر الكتاب والسنة، أن الإيمان أخص، واستدل من المرجئة على كون الإسلام أفضل، بأن الأنبياء سألوا الإسلام، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] قالوا: فدل على أن الإسلام أفضل. واستدل من استدل على التسوية بينهما، بمثل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، قالوا: هذا يدل على أن الإيمان والإسلام سواء. ولا شك أن سائر هذه الأدلة لا تدل على ذلك، فإن الإسلام الذي سأله إبراهيم وإسماعيل، لا شك أنه الاستسلام لله، والانقياد له ظاهراً وباطناً، وهو الدين الذي ذكره الله بقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وما قال أحد من السلف إن الإسلام ظاهر لا باطن له، فإن الظاهر الذي لا باطن معه هو النفاق، وإذا سمي إسلاماً في بعض المقامات، فإنه يراد به الاستسلام الذي يمنع القتل ويمنع عدم إجراء الأحكام الظاهرة على صاحبه، وإلا فإن الإسلام الشرعي الذي امتدح الله أهله، كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، إلى غير ذلك، لا بد له من باطن. ومعلوم أن الأعمال الظاهرة التي ذكرها ﷺ بقوله: (الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ..) الحديث، مبنية على الباطن، كما أن لها ظاهراً، فمن قال: لا إله إلا الله، ولم يرد بذلك التوحيد والبراءة من الشرك، فإن شهادته لا تنفعه عند الله بإجماع المسلمين، ومثله من قال: إن محمداً رسول الله، ولم يكن ذلك صدقاً من قلبه، فإنه شهادته لا تنفعه، ومثله من صلى أو أدى الزكاة نفاقاً، فإن مثل هذا العمل لا ينفعه بالإجماع وبصريح الكتاب والسنة، والمقصود من هذا أن الإسلام الذي هو دين الله ، له ظاهر وباطن بالإجماع، وإذا كان الإسلام ظاهراً لا باطن معه، فإنه النفاق الأكبر الذي ذكر الله كفر أهله في كتابه. وعليه: فإن الإسلام المطلق يتضمن الإيمان، ولهذا دعا به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كمثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]. وأما قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] فإنه دليل على أن الإيمان أخص، وليس دليلاً على التسوية. ووجه ذلك: أن الله قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] فلما ذكر الإيمان، ذكره في مقام المخرجين، أي أن الذين أخرجوا منها هم فقط أهل الإيمان، ولا شك أن الذين خرجوا جميعهم من أهل الإيمان ظاهراً وباطناً. ثم قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] لأن هذا البيت فيه امرأة لوط، وامرأة لوط مسلمة في الظاهر كافرة في الباطن، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] فسماهم مسلمين لأن فيهم من هو منافق، وهي امرأة لوط ﵊. قال شيخ الإسلام: (وأقوى ما استدل به من سوى بين الإسلام والإيمان من المتأخرين، هذا السياق من القرآن، قال: وهو عند التحقيق يدل على التفريق، أو على أن مقام الإيمان أخص، فإن المخرجين لم يكن معهم امرأة لوط، كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف:٨٣]، ولهذا لما ذكرهم الله سماهم مؤمنين، وأهل البيت سماهم مسلمين؛ لأن المرأة فيهم وهي منافقة)، وهذا استدلال متين وتحقيق بيَّن. وهذه الأركان التي ذكرها النبي ﷺ كل ركن منها قد يتضمن غيره أو يستلزمه، فإذا قلت: إن الإيمان بالله يتضمن أو يستلزم الإيمان بالملائكة، وكتبه .. إلخ، كان هذا صحيحاً، ولهذا فإن سائر موارد الشريعة وأحكامها الظاهرة والباطنة تعود إلى هذا التفسير.

стр. 240

العلاقة بين الإسلام والإيمان من قال إن النبي فسر الإيمان بالأعمال الباطنة، وهذا يدل على أن العمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان، قيل: هذا غلط من وجهين: الوجه الأول: أن النبي ﷺ ذكر هذا في مقام ذكر الإسلام معه، فإن هذا جاء في حديث جبريل، وإذا ذُكر الإيمان والإسلام، ذكر الإيمان بأخص مقاماته، وهو القلب، وتقدم أن من أصول السلف أن الإيمان أصله في القلب، ولما ذكر الإسلام معه جعل الإسلام في الأعمال الظاهرة، لأن المنافق يسمى مسلماً، ولهذا لما ذكر الإيمان وحده في حديث عبد القيس ولم يذكر معه الإسلام، فسر الإيمان بالأعمال الظاهرة، ولما ذكر الله سبحانه الإيمان وحده ولم يذكر معه الإسلام، ذكره بأعمال باطنة وأعمال ظاهرة، كقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، وهذه كلها مقامات قلبية، ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣] فجعل الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة من الإيمان. الوجه الثاني: أن يقال: إن الإيمان المذكور في حديث جبريل وهو ما ذكره المصنف هنا، يستلزم الأعمال الظاهرة، فإن من الإيمان بالله إقام الصلاة، بإجماع المسلمين. وكل أصل من هذه الأصول الستة يتضمن أو يستلزم الأعمال الظاهرة، فإن من صلى فقيل له: لِمَ صليت؟ فقال: إيماناً بالله، فإن قوله صواب بالإجماع، وكذلك من صلى وقال: إنما صليت استجابة لكتاب الله؛ لأن الله أمر بإقام الصلاة، وكذلك من صام وقال: إنما صمت استجابة لكتاب الله؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، ومن أماط الأذى عن الطريق وقال: إنما فعلته استجابة لرسول الله ﷺ ، فإنه يدخل في الإيمان بالنبي ﷺ ؛ لأن الاستجابة فرع عن الإيمان، وكذلك سائر الأعمال الظاهرة.

стр. 241

الإيمان ليس هو مجرد العلم ومما ينبه عليه، أن الإيمان عند التحقيق ليس هو مجرد العلم، بل لا بد أن يصحب الإيمان انقياد، فإنه لا يسمى مؤمناً إلا من عرف وانقاد، أما إذا عرف ولم يكن منقاداً فإنه لا يسمى مؤمناً، وإنما يسمى عالماً أو عارفاً، ولهذا فبعض أجناس الكفار أثبت الله لهم قدراً من العلم والمعرفة في بعض السياقات، كإتيانهم الكتاب، أو إتيانهم العلم، ولكن لم يثبت لهم مقام الإيمان، مما يدل على أن الإيمان ليس هو محض العلم والمعرفة. وكذلك أركان الإسلام المذكورة في حديث جبريل هي متضمنة أو مستلزمة للأعمال الباطنة، فإن إقام الصلاة مستلزم للإيمان بالله وملائكته .. الخ. ولهذا أجمع المسلمون على أن من أظهر الصلاة ولم يكن مؤمناً بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر أن صلاته لا تنفعه. وعليه فيمكن أن يقال: إن سائر الأعمال الظاهرة المذكورة في تفسير الإسلام هي متضمنة أو مستلزمة لما فسر به الإيمان، وإن سائر الأعمال الباطنة المذكورة في تفسير الإيمان، متضمنة أو مستلزمة للأعمال الظاهرة التي تقع على جهة التعبد والانقياد لله . ولهذا إذا تجردت الأعمال الظاهرة عن هذه الأصول الإيمانية الستة المذكورة في تفسير الإيمان، أصبحت الأعمال الظاهرة من النفاق الذي لا يقبله الله ، فليس في هذا المورد شيء من الإشكال لمن تتبعه وعرف فقهه.

стр. 242

شرح العقيدة الطحاوية [٢٢] من أركان الإيمان: الإيمان بالرسل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه عدداً منهم، ولم يذكر أكثرهم، وإنما ذكرهم إجمالاً، وأخبر أنه يجب الإيمان بهم جميعاً، وإنما يعلم بكون النبي نبياً والرسول رسولاً بإخبار الله بذلك، وبالأخبار الصحيحة الثابتة عن الأنبياء ﵈.

стр. 243

من أصول الإيمان: الإيمان بالرسل قال: [ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به]. أي أن من أصول الإيمان: التصديق بالرسالات السماوية وقد تقدمت مسألة النبوة، وقوله: (لا نفرق بين أحد من رسله): هذا مذكور في القرآن ومعناه: أنه لا ينقص أحد من الأنبياء والرسل عن مقام النبوة والرسالة، بل يؤمن بهم على ما ذكره الله إما مجملاً وإما مفصلاً.

стр. 244

معرفة نبوة الأنبياء إنما تكون بالأخبار الصحيحة وتحت هذا يشار إلى مسألة مهمة، وهي: أن العلم بكون النبي نبياً أو بكون الرسول رسولاً إنما يعلم بإخبار الله ، والأخبار الثابتة الصحيحة عن الأنبياء، وقد وقع في كلام طائفة من المفسرين، وكذلك في كتب أهل الكتاب، سواء في التوراة المحرفة، أو الأسفار الموجودة عند اليهود أو الإصحاحات الموجودة عند النصارى، وقع فيها ذكر لأعيان من الأنبياء، وأقوال تضاف إليهم، مع أن هؤلاء لم تنضبط نبوتهم، حتى يمكن أن يقال: إن أقوالهم تصح أو لا تصح. بل قد يكون بعضهم من الأنبياء، وقد يكون بعضهم من الأحبار والرهبان الذين ذكرهم الله في كتابه، كمثل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله﴾ [التوبة:٣١] فإن التسمك بهذا المقام ومحاكاة النبوة كان شائعاً في أحبار اليهود ورهبان النصارى.

стр. 245

ضابط التحديث عن بني إسرائيل الكتب الموجودة اليوم في اليهود والنصارى لا يصح اعتبارها في تقرير الحقائق الشرعية، أو الحقائق العلمية، فضلاً عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، وإذا ثبت عن النبي ﷺ كما في الصحيحين أنه قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) وقوله: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) فإن المراد بذلك، ما كان موجوداً في كتبهم المأثورة. وأما الكتب التي انتحلوها من بعد وعلم انتحالها، فإن مثل هذه الكتب لا يصح اعتبارها ولا يُحدَّث بها، ولكن بما في التوراة أو في الإنجيل، فإن مثل هذا هو المراد في قوله ﷺ : (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، وأما ما كان متأخراً حادثاً، ويعلم أنه ليس عليه أثر الأنبياء، فإن هذا مما يلزم اطراحه ولا يجوز اعتباره بحال من الأحوال. وقوله ﷺ : (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) ليس المراد بذلك أن تبنى التفاسير لبعض كلام الله في القرآن، أو بعض الأخبار التي ذكرها النبي ﵊، على أخبار بني إسرائيل التي عليها أثر التحريف، فضلاً عن الأخبار التي ليست من أخبار أنبيائهم وإنما كتبها فلاسفتهم، أو رهبانهم أو كفارهم، فهذا باب ينبغي تضييقه، وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أبعد الناس عن الأخذ عن بني إسرائيل حتى حدث بعض التابعين، ثم صار من بعدهم يذكرون كثيراً من الروايات عنهم. وما يذكر عن عبد الله بن عمرو وغير من الصحابة أنهم أخذوا بعض الروايات عن بني إسرائيل فهي على الوجه المأذون فيه في الجملة، وإن كان ما ذكر الله في القرآن مجملاً كقصة آدم مثلاً مع زوجه، لا يجوز أن تفسر تفسيراً مفصلاً بآثار عن بني إسرائيل لا يعلم أهي صحيحة أو ليست صحيحة، ولا يصح إدخال ذلك في قوله: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، فإن النبي نهى عن تصديقهم، ونهى عن تكذيبهم في مثل هذه المقامات، لأنه إما أن يصدق باطل، وإما أن يكذب حق؛ هذا في الأمور المحتملة للتصديق والتكذيب. أما ما ابتدعوه في دينهم، وقالوه إفكاً وافتراءً فإنه يرد ولا كرامة له، بل يرد ولا يعتبر بحال.

стр. 246

شرح العقيدة الطحاوية [٢٣] اختلف أهل السنة والجماعة مع المرجئة والخوارج والمعتزلة في حكم أهل الكبائر، فذهب أهل السنة إلى أنهم تحت مشيئة الله من شاء عذبه ومن شاء غفر له، وأنه لا يخلد أحد منهم في النار، وأن طائفة منهم غير معينة يدخلون الجنة ولا يعذبون في النار، وطائفة يدخلون النار ثم يخرجون منها إما بمحض رحمة الله، أو برحمته مع سبب من الشفاعة ونحوها، أما من خالفهم من الفرق في ذلك فقد ذهبوا في ذلك إلى مذاهب شتى، معرضين عن الكتاب والسنة اللذين فيهما النور والهدى.

стр. 247

حكم أهل الكبائر في الآخرة قال: [وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار، لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى مولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته، اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام حتى نلقاك به]. ذكر المصنف أهل الكبائر من جهة حكمهم في الآخرة، وهي مسألة الفاسق الملي، وقد تقدم أن الخوارج والمعتزلة يجعلونهم برآء من الإيمان، فالخوارج تقول: إنهم كفار، والمعتزلة تقول: إنهم فساق قد عدموا الإيمان. وقد اتفقت الخوارج والمعتزلة على أن أهل الكبائر يخلدون في النار، وأنهم ليس لهم حظ من رحمة الله وثوابه وفضله، وهو مذهب واضح وبين الضلال، ولأجل هذا الأصل أنكروا شفاعة النبي ﷺ وشفاعة الأولياء والصالحين لأهل الكبائر؛ لأنهم يرون أن أهل الكبائر مخلدون في النار.

стр. 248

مذاهب المرجئة في حكم أهل الكبائر وأما المرجئة فإن أقوالهم في أهل الكبائر ليست مفصلةًَ كأقوالهم في الإيمان، ومذاهب المرجئة في حكم أهل الكبائر ثلاثة: القول الأول: وهو قول غاليتهم، أنهم لا يعرضون لشيء من العذاب البتة، فيجزمون ببراءة سائر أهل الكبائر من عذاب الله ، وهذا القول كما يقرر شيخ الإسلام ﵀ يذكر في كتب المقالات عن غالية المرجئة، ولم يحفظ عن أحد من الأعيان المعروفين منهم أنه كان ينص على هذا القول وينتصر له، ولكن جاء في كتب المقالات أن هذا هو قول غالية المرجئة، وقد نسبه ابن حزم وأبو الحسن الأشعري إلى مقاتل بن سليمان ولا يصح ذلك عنه، ولكن يطلق ويقال: هذا قول الغالية من المرجئة؛ لأن هذا شائع في كتب المقالات. القول الثاني: ويسمى قول الواقفة من المرجئة، وهم الذين قالوا: إن أهل الكبائر تحت المشيئة، ولما كانوا ينكرون حكمة الله في أفعاله، أو ما يسمونه التعليل، فإنهم قالوا: إن أهل الكبائر تحت مشيئة الله . وهذه الجملة من حيث الإجمال لا إشكال فيها، فإن الله قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ومن أصول أهل السنة والجماعة أن أهل الكبائر في الآخرة تحت مشيئة الله. ولكن جهة الغلط عند واقفة المرجئة، أنهم قالوا: تحت مشيئة الله، ووقفوا على هذا ثم قالوا: قد يعذب سائرهم بالنار، ثم يخرجون منها، وقد يغفر لسائرهم، فلا يدخل أحد من أهل الكبائر في النار، وقد يعذب الأكثر حسنات ويغفر للأكثر سيئات، وهذا معنى كونهم واقفة، أي أنهم يقولون: إنهم تحت المشيئة، ثم مع ذلك يفصلون تفصيلاً يقع على سائر الفروضات العقلية في المشيئة، ولم يراعوا في ذلك أخبار الشارع فضلاً عن حكمته. وهذا القول يقوله طوائف من المرجئة، وهو قول أبي الحسن الأشعري وجمهور أصحابه، وإن كان الأشعري يذكر في كتبه ما يوحي أنه يخالف هذا القول، لكن على أقل تقدير هو أحد قولي أبي الحسن وجمهور أصحابه، وإلا فـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يجزم بأن الأشعري على هذا المذهب وأنه لا يذكر في كتبه إلا مسألة المشيئة. ويمكن أن يقال: إن للأشعري في هذا قولين: الأول: هو القول الموافق لقول مقتصدة المرجئة، والثاني: وهو المعروف عنه في الكتب الكلامية، هو هذا القول. القول الثالث: هو قول مقتصدة المرجئة، وهؤلاء يوافقون السلف في حكم أهل الكبائر، ومن هؤلاء الفضلاء من أصحاب أبي الحسن الأشعري، فيقال: إن هؤلاء، وهم المقتصدة من المرجئة يوافقون السلف في حكم أهل الكبائر.

стр. 249

أصول مذهب السلف في حكم أهل الكبائر في الآخرة وقول السلف ﵏ في حكم أهل الكبائر مبني على ثلاثة أصول: الأصل الأول: أنهم تحت المشيئة. الأصل الثاني: أنه لا يخلد أحد منهم في النار، بل مآلهم إلى الجنة، إما ابتداءً قبل عذاب، وإما مآلاً بعد العذاب، وهذان الأصلان في الجملة لا يخالفان قول الواقفة من المرجئة، وإنما يتميز مذهب السلف، بالأصل الثالث. ومحصل الأصل الثالث: الإيمان والجزم بأن طائفة من أهل الكبائر غير معينين يدخلون الجنة ولا يعذبون في النار، وأن طائفة منهم يعذبون في النار ثم يخرجون منها، إما برحمته المحضة، أو برحمته مع سبب من الشفاعة أو نحوها. وهذا الأصل يميز قول السلف عن قول المرجئة الواقفة؛ لأن السلف يجزمون بأن قدراً من أهل الكبائر لا يدخلون النار، ويجزمون بأن قدراً آخر من أهل الكبائر يدخلون النار. وهذا القدر الذي لا يدخل النار، والقدر الذي يعذب في النار ثم يخرج منها، ليس مبنياً على محض المشيئة فقط، بل هو مبني على مشيئته مع حكمته وعدله، ولهذا ذكر الله في كتابه الموازين، وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، فلا شك أن الذين يعذبون في النار هم أكثر إتياناً للكبائر وأكثر فسقاً وأكثر فجوراً ممن لا يعذبون في النار؛ لأن الله : ﴿لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، والموازنة مجمع عليها بين السلف، وقد ذكرها الله في كتابه، وذكرها الرسول ﷺ إما مجملة وإما مفصلة. وخذ هذه الموازنة أن الله لا يظلم مثقال ذرة، وأن حكمه عدل، فلا يعذب الأكثر حسنة ويغفر للأكثر سيئة، هذا لا يكون في عدل الله وقضائه؛ فإنه حكم عدل. ولهذا وصفت الموازنة المطلقة في القرآن بكونها عدلاً ولم يميز لها أحداً، ولما ذكر الله الموازنة بين الإيمان والكفر قيدها بنوع من المقدار والحد، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٥]. فصريح في سياق سورة المؤمنون وسورة الأعراف وسورة القارعة أن الموازنة المذكورة هي في حق أهل الإيمان وأهل الكفر. وأما إذا ذكر الله الموازنة المطلقة المتعلقة بسائر خلقه، فإنه يذكرها ذكراً مطلقاً ويقيدها بعموم عدله وقسطه ، ففي قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ما ذكر الله فيها إلا أنها قسط وأنه سبحانه ﴿لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠] إلى غير ذلك من سياقات القرآن. ولهذا كان إعراب قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] القسط: صفة، والأصل أن الصفة تتبع الموصوف في الإفراد والجمع، وهنا لم تتبعه، فجاءت الصفة مفردة والموصوف جمع لأنها مصدر، ولهذا قال ابن مالك في الألفية: ونعتوا بمصدر كثيراً ... فلزموا الإفراد والتذكيرا

стр. 250

تفصيل ابن حزم في الموازنة ونقده وهنا تنبيه في هذه المسألة؛ وهو أن الإمام ابن القيم ﵀ نقل عن ابن حزم أنه يقول: (إن الموازنة في حق أهل الكبائر في هذه الأمة تكون مفصلة، قال: فمن ثقلت: أي فمن زادت حسناته على سيئاته بواحدة فإنه لا يعذب في النار، بل يدخل الجنة، وإن من زادت سيئاته على حسناته واحدة فإنه لا بد أن يعذب في النار ثم يخرج منها، وأما من استوت حسناته مع سيئاته، فإنه يحبس عن دخول الجنة شيئاً ثم يؤذن له بدخول الجنة، قال ابن القيم: وهذا هو قول الصحابة والتابعين، وكثير من الناس لا يعرفونه، بل لا يعرفون إلا قول المرجئة). والصحيح: أن القول بهذا التفصيل، لا تصح إضافته إلى الصحابة والتابعين على هذا الإطلاق، فإنه لا دليل عليه، إنما دل الدليل على غلط قول المرجئة الواقفة، ودل على أن الله : (لا يظلم مثقال ذرة) وأما الجزم بأن من زادت سيئاته واحدةً أنه يدخل النار، أو أن الذين ذكر النبي ﷺ أنهم قد دخلوا النار في حديث الشفاعة من هذه الأمة، هم من زادت سيئاتهم على حسناتهم بواحدة فما فوق، فهذا ليس بلازم. فمن زادت سيئاته على حسناته بواحدة، يمكن أن يغفر له قبل دخول النار، وليس هناك دليل يمنع أن يغفر له؟ والمغفرة هي محض حقه ، ولو غفر لسائر أهل الكبائر لكان ذلك ممكناً، لكن لما أخبر النبي ﵊ أن طائفة منهم يعذبون ويخرجون بالشفاعة أو بمحض رحمة الله، وجب أن يقال: إنه من الإيمان، الإيمان بأن طائفة منهم يدخلون النار، ثم يخرجون منها، وإلا فإن الله يغفر لمن يشاء، ولولا أخبار الشفاعة لما صح لأحد أن يجزم بهذا. فهذا الجزم الذي جزم به الإمام ابن القيم ﵀ ليس جزماً مناسباً، وليس عليه دليل.
следующие страницы →