← Акыда

Акыда · id 37777

شرح العقيدة الطحاوية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (351 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

شرح العقيدة الطحاوية [٢٣] اختلف أهل السنة والجماعة مع المرجئة والخوارج والمعتزلة في حكم أهل الكبائر، فذهب أهل السنة إلى أنهم تحت مشيئة الله من شاء عذبه ومن شاء غفر له، وأنه لا يخلد أحد منهم في النار، وأن طائفة منهم غير معينة يدخلون الجنة ولا يعذبون في النار، وطائفة يدخلون النار ثم يخرجون منها إما بمحض رحمة الله، أو برحمته مع سبب من الشفاعة ونحوها، أما من خالفهم من الفرق في ذلك فقد ذهبوا في ذلك إلى مذاهب شتى، معرضين عن الكتاب والسنة اللذين فيهما النور والهدى.

стр. 247

حكم أهل الكبائر في الآخرة قال: [وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار، لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى مولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته، اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام حتى نلقاك به]. ذكر المصنف أهل الكبائر من جهة حكمهم في الآخرة، وهي مسألة الفاسق الملي، وقد تقدم أن الخوارج والمعتزلة يجعلونهم برآء من الإيمان، فالخوارج تقول: إنهم كفار، والمعتزلة تقول: إنهم فساق قد عدموا الإيمان. وقد اتفقت الخوارج والمعتزلة على أن أهل الكبائر يخلدون في النار، وأنهم ليس لهم حظ من رحمة الله وثوابه وفضله، وهو مذهب واضح وبين الضلال، ولأجل هذا الأصل أنكروا شفاعة النبي ﷺ وشفاعة الأولياء والصالحين لأهل الكبائر؛ لأنهم يرون أن أهل الكبائر مخلدون في النار.

стр. 248

مذاهب المرجئة في حكم أهل الكبائر وأما المرجئة فإن أقوالهم في أهل الكبائر ليست مفصلةًَ كأقوالهم في الإيمان، ومذاهب المرجئة في حكم أهل الكبائر ثلاثة: القول الأول: وهو قول غاليتهم، أنهم لا يعرضون لشيء من العذاب البتة، فيجزمون ببراءة سائر أهل الكبائر من عذاب الله ، وهذا القول كما يقرر شيخ الإسلام ﵀ يذكر في كتب المقالات عن غالية المرجئة، ولم يحفظ عن أحد من الأعيان المعروفين منهم أنه كان ينص على هذا القول وينتصر له، ولكن جاء في كتب المقالات أن هذا هو قول غالية المرجئة، وقد نسبه ابن حزم وأبو الحسن الأشعري إلى مقاتل بن سليمان ولا يصح ذلك عنه، ولكن يطلق ويقال: هذا قول الغالية من المرجئة؛ لأن هذا شائع في كتب المقالات. القول الثاني: ويسمى قول الواقفة من المرجئة، وهم الذين قالوا: إن أهل الكبائر تحت المشيئة، ولما كانوا ينكرون حكمة الله في أفعاله، أو ما يسمونه التعليل، فإنهم قالوا: إن أهل الكبائر تحت مشيئة الله . وهذه الجملة من حيث الإجمال لا إشكال فيها، فإن الله قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ومن أصول أهل السنة والجماعة أن أهل الكبائر في الآخرة تحت مشيئة الله. ولكن جهة الغلط عند واقفة المرجئة، أنهم قالوا: تحت مشيئة الله، ووقفوا على هذا ثم قالوا: قد يعذب سائرهم بالنار، ثم يخرجون منها، وقد يغفر لسائرهم، فلا يدخل أحد من أهل الكبائر في النار، وقد يعذب الأكثر حسنات ويغفر للأكثر سيئات، وهذا معنى كونهم واقفة، أي أنهم يقولون: إنهم تحت المشيئة، ثم مع ذلك يفصلون تفصيلاً يقع على سائر الفروضات العقلية في المشيئة، ولم يراعوا في ذلك أخبار الشارع فضلاً عن حكمته. وهذا القول يقوله طوائف من المرجئة، وهو قول أبي الحسن الأشعري وجمهور أصحابه، وإن كان الأشعري يذكر في كتبه ما يوحي أنه يخالف هذا القول، لكن على أقل تقدير هو أحد قولي أبي الحسن وجمهور أصحابه، وإلا فـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يجزم بأن الأشعري على هذا المذهب وأنه لا يذكر في كتبه إلا مسألة المشيئة. ويمكن أن يقال: إن للأشعري في هذا قولين: الأول: هو القول الموافق لقول مقتصدة المرجئة، والثاني: وهو المعروف عنه في الكتب الكلامية، هو هذا القول. القول الثالث: هو قول مقتصدة المرجئة، وهؤلاء يوافقون السلف في حكم أهل الكبائر، ومن هؤلاء الفضلاء من أصحاب أبي الحسن الأشعري، فيقال: إن هؤلاء، وهم المقتصدة من المرجئة يوافقون السلف في حكم أهل الكبائر.

стр. 249

أصول مذهب السلف في حكم أهل الكبائر في الآخرة وقول السلف ﵏ في حكم أهل الكبائر مبني على ثلاثة أصول: الأصل الأول: أنهم تحت المشيئة. الأصل الثاني: أنه لا يخلد أحد منهم في النار، بل مآلهم إلى الجنة، إما ابتداءً قبل عذاب، وإما مآلاً بعد العذاب، وهذان الأصلان في الجملة لا يخالفان قول الواقفة من المرجئة، وإنما يتميز مذهب السلف، بالأصل الثالث. ومحصل الأصل الثالث: الإيمان والجزم بأن طائفة من أهل الكبائر غير معينين يدخلون الجنة ولا يعذبون في النار، وأن طائفة منهم يعذبون في النار ثم يخرجون منها، إما برحمته المحضة، أو برحمته مع سبب من الشفاعة أو نحوها. وهذا الأصل يميز قول السلف عن قول المرجئة الواقفة؛ لأن السلف يجزمون بأن قدراً من أهل الكبائر لا يدخلون النار، ويجزمون بأن قدراً آخر من أهل الكبائر يدخلون النار. وهذا القدر الذي لا يدخل النار، والقدر الذي يعذب في النار ثم يخرج منها، ليس مبنياً على محض المشيئة فقط، بل هو مبني على مشيئته مع حكمته وعدله، ولهذا ذكر الله في كتابه الموازين، وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، فلا شك أن الذين يعذبون في النار هم أكثر إتياناً للكبائر وأكثر فسقاً وأكثر فجوراً ممن لا يعذبون في النار؛ لأن الله : ﴿لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، والموازنة مجمع عليها بين السلف، وقد ذكرها الله في كتابه، وذكرها الرسول ﷺ إما مجملة وإما مفصلة. وخذ هذه الموازنة أن الله لا يظلم مثقال ذرة، وأن حكمه عدل، فلا يعذب الأكثر حسنة ويغفر للأكثر سيئة، هذا لا يكون في عدل الله وقضائه؛ فإنه حكم عدل. ولهذا وصفت الموازنة المطلقة في القرآن بكونها عدلاً ولم يميز لها أحداً، ولما ذكر الله الموازنة بين الإيمان والكفر قيدها بنوع من المقدار والحد، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٥]. فصريح في سياق سورة المؤمنون وسورة الأعراف وسورة القارعة أن الموازنة المذكورة هي في حق أهل الإيمان وأهل الكفر. وأما إذا ذكر الله الموازنة المطلقة المتعلقة بسائر خلقه، فإنه يذكرها ذكراً مطلقاً ويقيدها بعموم عدله وقسطه ، ففي قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ما ذكر الله فيها إلا أنها قسط وأنه سبحانه ﴿لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠] إلى غير ذلك من سياقات القرآن. ولهذا كان إعراب قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] القسط: صفة، والأصل أن الصفة تتبع الموصوف في الإفراد والجمع، وهنا لم تتبعه، فجاءت الصفة مفردة والموصوف جمع لأنها مصدر، ولهذا قال ابن مالك في الألفية: ونعتوا بمصدر كثيراً ... فلزموا الإفراد والتذكيرا

стр. 250

تفصيل ابن حزم في الموازنة ونقده وهنا تنبيه في هذه المسألة؛ وهو أن الإمام ابن القيم ﵀ نقل عن ابن حزم أنه يقول: (إن الموازنة في حق أهل الكبائر في هذه الأمة تكون مفصلة، قال: فمن ثقلت: أي فمن زادت حسناته على سيئاته بواحدة فإنه لا يعذب في النار، بل يدخل الجنة، وإن من زادت سيئاته على حسناته واحدة فإنه لا بد أن يعذب في النار ثم يخرج منها، وأما من استوت حسناته مع سيئاته، فإنه يحبس عن دخول الجنة شيئاً ثم يؤذن له بدخول الجنة، قال ابن القيم: وهذا هو قول الصحابة والتابعين، وكثير من الناس لا يعرفونه، بل لا يعرفون إلا قول المرجئة). والصحيح: أن القول بهذا التفصيل، لا تصح إضافته إلى الصحابة والتابعين على هذا الإطلاق، فإنه لا دليل عليه، إنما دل الدليل على غلط قول المرجئة الواقفة، ودل على أن الله : (لا يظلم مثقال ذرة) وأما الجزم بأن من زادت سيئاته واحدةً أنه يدخل النار، أو أن الذين ذكر النبي ﷺ أنهم قد دخلوا النار في حديث الشفاعة من هذه الأمة، هم من زادت سيئاتهم على حسناتهم بواحدة فما فوق، فهذا ليس بلازم. فمن زادت سيئاته على حسناته بواحدة، يمكن أن يغفر له قبل دخول النار، وليس هناك دليل يمنع أن يغفر له؟ والمغفرة هي محض حقه ، ولو غفر لسائر أهل الكبائر لكان ذلك ممكناً، لكن لما أخبر النبي ﵊ أن طائفة منهم يعذبون ويخرجون بالشفاعة أو بمحض رحمة الله، وجب أن يقال: إنه من الإيمان، الإيمان بأن طائفة منهم يدخلون النار، ثم يخرجون منها، وإلا فإن الله يغفر لمن يشاء، ولولا أخبار الشفاعة لما صح لأحد أن يجزم بهذا. فهذا الجزم الذي جزم به الإمام ابن القيم ﵀ ليس جزماً مناسباً، وليس عليه دليل.

стр. 251

الخلاف حول أهل الأعراف من هم والقول بأن من استوت حسناتهم مع سيئاتهم فإنهم يوقفون عن دخول الجنة ثم يدخلونها، لم يجد الإمام ابن القيم ﵀ والإمام ابن حزم مع جلالتهما دليلاً واضحاً عليه، ولم يستدلوا على هذا إلا بآية الأعراف في ذكر أصحاب الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف:٤٦]، فظاهر القرآن أن أهل الأعراف ينتظرون ثم يدخلون، لكن يبقى أن أهل الأعراف ما فسرهم النبي ﷺ بذلك، وألفاظ السياق القرآني بحكم كلام العرب لا يفهم منها ذلك، وإنما هذا اجتهاد قاله بعض السلف. وقد نقل عن ابن عباس وابن مسعود وجابر أن أهل الأعراف: هم من تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، إلا أن هذه الآثار لا يصح منها شيء عن الصحابة. ومعلوم أن القاعدة: أنه إذا اختلف في تفسير آية، وللصحابة فيها قول، ولمن بعدهم قول، فإنه يؤخذ بمذهب الصحابة، وقاعدة ابن جرير في ذلك معروفة، إلا أنه لما ذكر تفسيرهم لأهل الأعراف، ذكر هذا عن ابن عباس وغيره، وذكر أقوالاً، ثم غلط قول من يقول بأنهم ملائكة، ورجح أنهم قوم من بني آدم، ولكنه ذهب إلى التوقف فيهم، فما جزم بأنهم من استوت حسناتهم مع سيئاتهم، مع أنه نقل هذا عن بعض الصحابة، وهذا موجبه أنه لم يصح عند ابن جرير شيء من هذه الروايات عن الصحابة. ثم إنه لو سلم جدلاً أن هذه الرواية صحيحة عن ابن عباس، فلا يلزم من هذا أن يقال: إن هذا مذهب سائر الصحابة والتابعين. ثم إذا وقف الله قوماًَ من هؤلاء، لم يلزم أن يوقف سائرهم، فهذه كلها لوازم وتحصيلات ليست دقيقة. وسائر الأدلة التي استدل بها ابن حزم وابن القيم رحمهما الله هي آيات الموازنة المذكورة في سورة الأعراف والمؤمنون وفي سورة القارعة، وهي في ذكر الكفر والإيمان كما هو صريح من سياقها، واستدلالهم بآية الأعراف استدلال مجمل، يحتاج إلى تفصيل من الشارع في حدهم، وعليه فنقول: هذا القول هو قول لطائفة من أهل السنة، وقد رد بعض أهل السنة والجماعة على الإمام ابن حزم رداً مشهوراً؛ لأن هذه المسألة أول من قررها بهذا الوجه هو أبو محمد ابن حزم في كتبه، وانتصر لها أبو عبد الله الحميدي صاحبه، وانتصر لها الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين وغيره، فهؤلاء الثلاثة هم أشهر من قررها من أهل السنة من المتأخرين. ولا ترى في كتب السلف المتقدمة كالشريعة للآجري والتوحيد لـ ابن خزيمة، والإيمان لـ ابن منده وغيرها، لا ترى أن فيها ذكراً لهذا الكلام على وجه من الوجوه؛ فالسلف أجمعوا على الإيمان بالموازنة لكن ليس على هذا التفصيل، فعليه يقال: إن هذا التفصيل قول طائفة من أهل السنة والجماعة. وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: (وهذه المسألة فيها وجهان للمتأخرين من أهل السنة والجماعة من أصحابنا وغيرهم) ثم ذكر القول الذي ذكره ابن القيم، وذكر قولاً آخر، فهذه مسألة متأخرة لا ينبغي الجزم فيها، وأصول السلف مبنية على الأصول الثلاثة المتقدمة. وهذه الآية: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] صريحة في إبطال مذهب الخوارج، وإبطال مذهب المعتزلة، الذين قالوا: إن أهل الكبائر يخلدون في النار.

стр. 252

مسقطات العقوبة وقال المصنف: (وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته، وشفاعة الشافعين)، أي: وإن كانت شفاعتهم من رحمته، كما هو صريح من النصوص أنه يخرج قوم من النار بمحض رحمته بغير شفاعة أحد. وقد ذكر أهل العلم ومنهم الإمام ابن تيمية ﵀: أن مسقطات العقوبة، بضعة عشر مسقطاً حسب الاستقراء الشرعي، الأول: التوبة، وقد أجمع المسلمون أن من تاب من الكبيرة، فإنه يغفر له. الثاني: الاستغفار، والاستغفار هنا مقامه أخص من مقام التوبة، والاستغفار تارةً يذكر ويراد به التوبة، وتارةً يذكر ويراد به ما هو أخص من ذلك. الثالث: الحسنات، فإن الله قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]. الرابع: دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب. الخامس: المصائب المكفرة. السادس: ما يقع في القبر من الهول. السابع: العذاب الذي يقع في القبر، فلا يوافي ربه بكبيرته، بل يزول أثرها بعذاب القبر. الثامن: مقامات الآخرة وعرصات القيامة، فهذه جملة من المسقطات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإذا عدمت هذه الأسباب، المسقطة لعقوبة الكبيرة، قال: ولن تعدم إلا في حق من عتى وتمرد وشرد على الله شرود البعير الضال على أهله، فهنا يعذب في النار ثم يخرج منها). وهذا من سعة فقهه ﵀، فإن الله يغفر لعباده المؤمنين؛ لأن معهم حسنة التوحيد، ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعنى بهذه الحسنة، فقهاً ودعوةً وتعليماً، والمسلمون مهما كان فيهم من المعصية، ما دام أنهم محققون لأصل التوحيد، فإنهم على خير كثير، وهم قريبون من رحمته ، وفضله وإحسانه.

стр. 253

إسقاط الكبائر بالمكفرات السبب الأخف، وهو المذكور في قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، فيه بحث مهم، وهو أنه قد جاء عن النبي ﵌ كما هو مشهور في السنة: أن من الأعمال الصالحة ما يكفر الذنوب، كقوله ﷺ : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن)، وكقوله: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه خمس مرات ..)، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة في الصحيح، إلى غير ذلك من النصوص، فهنا المشهور في كلام أهل السنة أن هذه الأعمال الصالحة، سواء كانت واجبة أو كانت مستحبة، إذا ذكر تكفيرها للذنوب، فإن المقصود بذلك أنها تكفر الصغائر. وقد حكى أبو عمر ابن عبد البر إجماع أهل السنة، على أنها تكفر الصغائر دون الكبائر. وهذا الإجماع الذي ذكره أبو عمر ابن عبد البر ينبغي فقهه، فإنه قد يفقه على أحد وجهين، الأول: أن يفقه أن السلف أجمعوا على أن الأعمال الصالحة، كالصلاة والحج وغيرها، لا يمكن أن تكفر أو أن تمحو ما هو كبيرة. ولا شك أن هذا الوجه من الفقه غلط، وإن أضافه من أضافه بعض المتأخرين للسلف، فهو إضافة غلط. الوجه الثاني من الفقه: أن يفهم منه أن هذه الأعمال الصالحة، قد تكفر ما هو من الكبائر، ولكن ذلك لا يطرد، إنما يطرد في الصغائر، وفقه الإجماع على هذا الوجه، هو الفقه الصحيح. وهو مذهب السلف ولا شك، وهذا هو الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تقريراً مفصلاً، وقرر أنه هو المذهب المعروف عن سلف الأمة. ويكون هذا الفهم وسطاً بين قول من يقول: إن هذه الأعمال الصالحة تكفر الكبائر باطراد كما تكفر الصغائر، فإن هذا خلاف كثير من النصوص وخلاف الإجماع، وبين قول من يقول: إنها لا تكفر إلا الصغائر ولا يمكن أن تكفر الكبائر، ويجزم بذلك، فهذا غلط أيضاً ولا يقوله أحد من السلف، وإن نقل بعض المتأخرين في هذا الإجماع فهو إجماع غلط كما يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 254

الدليل على تكفير الحسنات للكبائر والدلائل النبوية صريحة في هذا، ففي حديث عمرو بن العاص الذي أخرجه مسلم وغيره من طريق عبد الرحمن بن شماسة المهري المصري عن عبد الله بن عمرو عن أبيه عمرو بن العاص، وفيه قول عمرو لما أتى النبي ﷺ ليبايعه على الإسلام، قال: (فبسط النبي ﷺ يده لأبايعه، قال: فقبضت يدي فقال: ما لك يا عمرو؟! قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت أشترط أن يغفر لي، أما علمت يا عمرو! أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبل) فتأمل قوله: (يهدم ما كان قبله) فإنه من سياق العموم، ولا شك أن هذا يمتنع معه أن يقال: إن الحج لا يمكن أن يكفر ما هو كبيرة. ومثله قوله ﷺ : (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم ..) وقوله: (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ..)، ولا يمكن أن يجتمع السلف على أن من أتى هذا البيت فقام قيام السنة، واقتدى برسول الله ﷺ فما رفث ولا فسق وتعبد لله، ووجل قلبه، وأدى الأركان على سنة رسول الله ﷺ مع تمام الإخلاص وتمام المتابعة، ولكن عنده بعض الكبائر السالفة أن كبائره لا تغفر، فهذا تضييق لرحمة الله ، ولا يمكن أن فقه السلف يقف مع هذا، والرسول ﷺ يقول: (رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).

стр. 255

الجواب على إشكال المانعين من تكفير الحسنات للكبائر والذي أشكل على أكثر المتأخرين هو الذي جاء في حديث أبي هريرة ﵁ وغيره: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، قالوا: فهذا يدل على أن الكبائر لا تغفر، ولا شك أن هذا الاستدلال ليس استدلالاً صحيحاً، فإن الصلاة وسائر الأعمال الظاهرة، وحتى الأعمال الباطنة يقع فيها تفاضل، وليست صلاة النبي ﷺ ، كصلاة أصحابه مع أنهم كانوا يصلون معه، وليست صلاة أبي بكر كصلاة آحاد الصحابة، وليست صلاة الصحابة كصلاة من بعدهم. فتكون الصلاة باعتبار أصل القيام بها مكفرة للصغائر إذا اجتنبت الكبائر؛ أما الكبائر فلا يتعلق تكفيرها بإقامة الصلاة حتى ولو لم تكن الإقامة التامة الموافقة لهدي النبوة من كل جهة، والتي ذكر الله عن أهلها أنهم في صلاتهم خاشعون، فلا يلزم أن كل عمل ذكره الشارع واجباً كان أو مستحباً يكفر الكبائر باطراد كما يكفر الصغائر. فإنه لو قيل إن التكفير يقع بمجرد إقامة الصلاة ولو غير تامة، لصح الاعتراض عليه بهذا الحديث، فإن الحديث معارض لهذا الفهم تماماً. ولكن إذا قيل إن الأعمال المكفرة يقع بها تكفير بعض الكبائر في بعض الأحوال، فإن هذا لا يكون معارضاً، ويمكن أن يقال: إن هذه الأعمال باعتبار أصولها، تكفر الصغائر، ولكن من حققها على وجه التمام، وكانت حالته في الجملة على قدر من الاستقامة والانقياد، ولكن كان معه يسير من الذنب والكبيرة، فإن هذه الأعمال تكون سبباً للتكفير. ومن إجماع السلف أن الله قد يغفر لأهل الكبائر بغير سبب من العبد، فمن باب أولى أن يكفر عنه وأن يغفر له بسبب منه وهو الحسنة، فإن الله قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] وقال النبي ﷺ : (وأتبع السيئة الحسنة تمحها). وإذا كان الله يغفر لبعض أهل الكبائر بسبب من غيرهم وهو دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب، أو بشفاعة الشافعين، فيمكن أيضاً أن يغفر له بسبب من أعماله الصالحة، ومن عرف مقام الصلاة ومقام الحج، ومقام الجهاد، ومقام الصيام عند الله ، عرف أنه يمكن أن يغفر بها ما هو من الكبائر، ألم يقل الله سبحانه كما في الحديث القدسي: (الصوم لي وأنا أجزي به). فتعليق هذه الأمور على التوبة لا شك أنه تعليق ضيق، بل يقال: إن هذه الأعمال كفارات للصغائر، وقد يقع في هذه الأعمال كأصول الواجبات من الحج والجهاد والصيام والصلاة، ما هو مكفر لبعض الكبائر، وهذه أحوال لا تطرد، وإنما يختص الله برحمته وتوفيقه من يشاء من عباده.

стр. 256

حكم الصلاة خلف البر والفاجر من أهل القبلة قال المصنف ﵀: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم، ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً]. قوله: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم): أما من مات منهم فقد أجمع السلف على أن من مات من الأبرار أو الفجار فإنه يصلى عليه، مهما كان فسقه، وإن كان الإمام ابن تيمية ﵀ ذكر مقاماً -إنما أذكره ليفقه- قال: (ومن استفاض شره وظلمه وبغيه وعدوانه، فلو تخلف عن الصلاة عليه بعض الأعيان من الأئمة أو الأكابر حتى ينزجر الناس عن مثل هذا الظلم ويكفوا عنه، وحتى لا تكون حالته سنة لمن بعده، لكان هذا من الفقه الذي يقع في قدر من الاجتهاد المأذون فيه). وهذه العبارة بينة في أن هذا لا يفعله الآحاد من الناس، وإنما قد يجتهد في مثل هذا المقام واحدٌ من الأكابر من أهل العلم والفقه، ومع هذا فإن مقام الموت ينبغي ألا يعزر الناس أو يؤدبوا في مثله، بل ينبغي أن تكون هذه المقامات محلاً لاجتماع قلوب المسلمين، والظلم قد يكف بغير هذا الوجه، وإنما ذكرت ذلك لأن البعض قد ينقل عن شيخ الإسلام أنه يجوز ترك الصلاة على من استحكم فسقه، ولم يكن هذا من رأيه البتة، بل يرى أن ترك الصلاة عليه من آحاد الناس من الفسق والتكلف الذي لم يأذن به الله، وفيه شبه بطريقة الخوارج والوعيدية.

стр. 257

التفصيل في الصلاة خلف الفاجر وأما الصلاة خلفهم، والاقتداء بهم في الصلاة، فهذا له وجهان: أما إن كان هذا الفاجر ولياً للأمر: فإن الإجماع منعقد على أنه يصلى خلفه ولو كان فاسقاً، وأما إن كان من الآحاد فقد كره كثير من السلف الائتمام بالفاسق، وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد، والمشهور عند متأخرة الحنابلة، وهو الذي يقررونه في كتب المذهب أن الصلاة خلف الفاسق لا تصح، وهذا لا يصح في مذهب أحمد، بل المحقق في مذهبه عند متقدمي أصحابه أنه كان يكره الصلاة خلف الفاسق، إلا إن كان ولياً للمسلمين. ولهذا صلى الإمام أحمد خلف المعتصم، مع أن المعتصم أقل أحواله أنه فاسق، فإنه كان مظهراً لنشر البدعة والانتصار لها، وإن كان مقتدياً بأخيه، فإن أخاه ليس صاحب سنة حتى يقتدى به، وتعليله: حتى لا تسقط هيبة الخلافة .. إلخ، ليس مسوغاً من جهة الشريعة، فمع فسق المعتصم إلا أن الإمام كان يرى الصلاة خلفه. وعليه فإن الصلاة خلف الفاسق: إن كان ولياً للأمر كأمير العامة ونحوه، فإن الصلاة خلفه تكون مشروعة، ومن الاقتداء الذي كان عليه السلف جمعاً للكلمة، وأما إن كان من آحاد الناس، فإن الصلاة خلفه صحيحة عند عامة السلف، ولكن كره بعض أئمة أهل الحديث الصلاة خلف الفاسق ولا سيما إذا كان إمام الحي، أي: إماماً راتباً، مع هذا كله فإنه إذا دخل المسجد، لا سيما بعد انقضاء جماعة الإمام الراتب، فوجد من عليه أمارة الفسق يصلي بقوم ممن لم تدركوا صلاة الإمام، فلا يجوز هنا بحال أن يتخلف عن الاقتداء به لما ظهر عليه من الفسق، بل يصلي خلفه، فإنه في هذه الحال ليس مختاراً لإمامته، ولا يصلي وحده، إلا إذا اجتهد على معنى آخر من الفقه، فإن الأئمة الثلاثة - مالكاً والشافعي وأبا حنيفة - لا يرون إعادة الصلاة في المسجد، بل المشهور في مذاهب الأئمة الثلاثة، أنه إذا صلى إمام الحي ودخل من دخل فإنهم يصلون فرادى. بل حتى الحنابلة مع أنهم يرون إعادة الجماعة في المسجد إلا أن متأخريهم يقولون: إن مذهب أحمد أن ذلك مأذون فيه إلا مسجد مكة والمدينة، أي المسجد الحرام والمسجد النبوي قالوا: فإن إعادة الصلاة فيه جماعة مكروهة، ولهذا قالوا في مختصراتهم: (ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجد مكة والمدينة)، ولا شك أن هذا مذهب مرجوح، وأن الراجح هو أن صلاة الجماعة تعاد في أي مكان وتشرع في أي مكان، ولو صلى إمام الحي، وإن كان حديث: (من يتصدق على هذا) فيه كلام، فإن الاعتبار في هذه المسألة ليس بهذا الحديث، وإنما الاعتبار بعموم الأدلة التي شرعت صلاة الجماعة، فإنها أدلة ليس لها مخصص، وقد تتفق المذاهب الأربعة على قول ليس هو قول الجمهور من فقهاء السلف وأئمتهم، وهنا في مسألتنا هذه ظاهر مذهب أكثر السلف أنهم يرون إعادة الصلاة، وقد كانوا يصلون في رحالهم، ويصلون حيث أدركتهم الصلاة، وصلاة الجماعة مشروعة، بإجماع المسلمين، فلا يخص منها حال.

стр. 258

عدم الشهادة لأحد من أهل القبلة بجنة ولا بنار إلا بنص قال: (ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً). أي: لا نشهد لأحد من أهل القبلة بجنة أو نار، إلا لمن شهد له الرسول ﷺ بالجنة، وتقدم أن هذا إجماع، وقال بعض أهل العلم من المتقدمين: يشهد لمن استفاض ذكره، وهذا مرجوح، والراجح أن هذا مقصورٌ على شهادته ﷺ .

стр. 259

الشرك الأكبر والشرك الأصغر قال: [ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى]. الشرك والكفر والنفاق، مستعملة في النصوص ويراد بها الأكبر، ويستعمل الكفر أو الشرك أو النفاق ويراد به ما دون ذلك مما يجتمع مع أصل الإيمان، ولهذا فإن السلف أجمعوا على أنه يجتمع في العبد طاعة ومعصية، خلافاً للخوارج والمعتزلة، وأجمع السلف خلافاً لجماهير المخالفين من المرجئة وغيرهم أنه يجتمع في العبد كفر وإيمان، ومرادهم بالكفر هنا الكفر الذي سماه الشارع كفراً وليس هو الكفر المخرج من الملة، كقوله ﷺ في حديث أبي هريرة كما في الصحيح: (اثنتان بالناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)، وقوله ﷺ في حديث ابن مسعود: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) ومثل هذا ليس كفراً أكبر بإجماع أهل العلم. وأيضاً الشرك، كقوله ﷺ مثلاً: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، فإن الحلف بغير الله لا يلزم أن يكون شركاً أكبر، فقد يكون شركاً أكبر، كحال الجاهليين عندما كانوا يحلفون باللات والعزى؛ لأنهم كانوا يعظمونها التعظيم الذي لا يجب إلا لله ، وأما أهل القبلة والإسلام إذا حلف الواحد منهم بغير الله، فإنهم في الجملة يقعون في الشرك الأصغر، وأنهم لا يقصدون بذلك أن يعظموا غير الله كتعظيمهم لله.

стр. 260

هل يقال: الشرك الأصغر ؟ والشرك الأصغر هكذا يسمى عند المتأخرين، والأولى أن يقال: الشرك الذي ليس هو الشرك بالله، والكفر الذين دون كفر، وهذه العبارات هي المأثورة عن السلف، ومثله النفاق الذي ليس هو النفاق المخرج من الملة، وقد سمى له الشارع أعمالاً كقوله في حديث عبد الله بن عمرو: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً)، وقوله في حديث أبي هريرة: (آية المنافق ثلاث) فما حدها؟

стр. 261

لا يطلق الشرك إلا على ما أطلق الشرع عليه ذلك توسع بعض المتأخرين من أهل العلم فصاروا يسمون كثيراً من الكبائر شركاً؛ لأن الكبيرة تنقص تمام التوحيد، ولا شك أن هذه التسمية فيها نظر، والصواب أنه لا يسمى عمل أو قول كفراً أو شركاً أو نفاقاً إلا إذا كان الشارع قد سماه كذلك؛ لأن هذه التسمية معتبرة بالقدر والصفة، فليست معتبرة بالقدر وحده؛ لأنها لو كانت معتبرة بالقدر وحده للزم من ذلك أن العمل الذي دلت الدلائل الشرعية على أنه أعظم من هذا العمل الذي سماه الشارع نفاقاً أنه من باب أولى أن يسمى نفاقاً. مثلاً: سمى الشارع الكذب نفاقاً: (إذا حدث كذب)، ولم يُسَمِّ قتل النفس نفاقاً، مع أن قتل النفس أعظم من الكذب، فلو اعتبرنا مسألة القدر، لقلنا من باب أولى أن يسمى قتل النفس نفاقاً، إلا أن الصفة قضاء شرعي لا يجوز الاجتهاد فيه، ولهذا لما ذكر ﷺ النفاق، ذكر من الأعمال المخالفة ما هو مناسب لماهية النفاق، كالكذب والغدر والفجور في الخصومة، ونحو ذلك. وأيضاً سمى إباق العبد كفراً، لكن لو أن العبد قتل نفسه ما سماه الشارع كفراً، مع أنه سمى مقاتلة المسلمين بعضهم لبعض كفراً كما قال في حديث أبي بكر وعمر: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، ومن حديث ابن مسعود: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، وقتل النفس أعظم من قتل الغير، فقد قال ﵊ فيمن قتل نفسه: (خالداً مخلداً فيها أبداً)، وإن كان هذا الحرف -أبداً- ليس محفوظاً كما ذكره الإمام الترمذي، وإن أخرجه الشيخان.

стр. 262

الشرك الأصغر أعظم من كبائر الذنوب بالجنس لا بالآحاد يشكل على بعض طلاب العلم أحياناً أن يقع في كلام بعض أهل العلم من أهل السنة، أن يقولوا: إن الشرك الأصغر أعظم من كبائر الذنوب، وإنما سماه الشارع كفراً لكونه أعظم من غيره مما لم يسمه كفراً، وهذا باعتبار الجنس، وليس باعتبار الآحاد، فإنك لا تستطيع أن تقول: إن إباق العبد أعظم عند الله من قتل النفس، أو إن إباق العبد، أعظم من زنا هذا العبد بموليته، أو بحليلة جاره أو نحو ذلك، فإن غاية الإباق أنه فوات لشيء من المال وإن سعي كفراً، والقصد أنه لا يلزم أن الذنب إذا سماه الشارع كفراً أن يكون أعظم من سائر الذنوب، وإنما هذه الجملة إذا عبر بها بعض من أهل السنة فمرادهم الجنس، وقول ابن مسعود: (لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أحلف بغيره صادقاً)، صحيح، لكن لا يلزم أن يكون هذا مطرداً في كل ما سماه الشارع نفاقاً، فتقول: إن الكذب أعظم من الزنا، وإنما يعتبر الأمر إذا أمكن بالجنس وليس بسائر الآحاد على الإطلاق.

стр. 263

شرح العقيدة الطحاوية [٢٤] من عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهم لا يرون القتل والسيف على أحد من الأمة إلا من وجب عليه ذلك، كإقامة الحدود ونحوها. ومن عقيدتهم: عدم جواز الخروج على الأئمة والولاة وإن كانوا ظالمين. ومن عقيدتهم: اتباع السنة والجماعة، ونبذ الخلاف والشقاق والفرقة، ومحبة أهل العدل والدين والإيمان، وبغض أهل الفسوق والعصيان، ويرون الحج والجهاد مع ولاة الأمور برهم وفاجرهم، خلافاً للرافضة الذين لا يرون الجهاد إلا مع غائبهم المنتظر المزعوم.

стр. 264

السيف مرفوع عن أمة محمد إلا بحق قال المصنف ﵀: [ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ ، إلا من وجب عليه السيف]. من وجب عليه السيف قد يكون معيناً وقد يكون جماعةً، أما المعين فإنه يجب عليه السيف فيه أحوال: منها: من بدل دينه كما في حديث ابن عباس: (من بدل دينه فاقتلوه)، ومنها الثلاث المذكورة في حديث: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) فهذه من موجبات السيف، وهي من الحدود الشرعية، أو يكون السيف موجبه الكفر.

стр. 265

لا يلزم من القتال التكفير ولكن ينبه إلى مسألة أن القتل والمقاتلة لا يستلزمان الكفر، فقد يلزم السيف في حق جماعة أو فرد لا يكون كافراً، كقتال البغاة، فإن البغاة مسلمون، وكقتل القاتل، فإن القاتل مسلم كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] ومع ذلك يقتل. وقد يكون كافراً معيناً أو جماعة يحرم في حقها السيف، كأهل الكتاب إذا دفعوا الجزية، فإنهم حال قيامهم بالجزية وشروطها تحرم مقاتلتهم، وكالمعاهد وكالمستأمن ونحو ذلك، فلا تلازم بين السيف وبين الكفر.

стр. 266

عدم جواز الخروج على ولاة الأمور واجتناب الفرقة والشقاق قال: [ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة]. قوله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا)، أي: على أئمة المسلمين، وهم سلاطينهم الذين أقاموا أصل الإسلام. (وإن جاروا) أي: وإن ظلموا، فسواء كان هذا السلطان مؤمناً براً راشداً قائماً بالعدل والقسط، أو كان مسلماً ولكنه ظالم ومقصر، وسواء كان التقصير من جهة نفسه، أو من جهة رعيته، فإن تقصيره وظلمه لا يكون مسوغاً للخروج عليه، بل الأصل طاعته بالمعروف. وهذه جملة يعبر بها أهل السنة كثيراً وهي: أنه لا يجوز الخروج على أئمة الجور، ومن باب أولى على أئمة العدل، وهذه الفتنة تعرض للمسلمين في بعض أحوالهم، وقد سبق في التاريخ أن خرج البعض على نوع من الاجتهاد، لدفع ظلم فصار بهذا من الخروج من الشر والفساد ما هو أكثر من ذلك، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يعظم هذه المسألة كثيراً ويجزم بأن من أصول أهل السنة والجماعة، أنهم يرون وجوب السمع والطاعة لأولي الأمر سواء كانوا أبراراً أو كانوا فجاراً. والطاعة كما هو معلوم مقيدة بالمعروف، وهذه المسألة ينبغي لطالب العلم أن يفقهها، وهي مقام من مقامات الديانة التي يجب على المسلم أن يتدين بها، فإنه إذا كان ولي الأمر مسلماً محققاً لأصل الإسلام قائماً به، لزم طاعته وحرم الخروج عليه بالسيف، أو حتى بالقول.

стр. 267

الدعاء لولاة الأمور قوله: (ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية). ونرى طاعتهم بالمعروف من طاعة الله، لقوله ﷺ : (من يطع أميري فقط أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني) كما في حديث أبي هريرة في الصحيح. قوله: (وندعو لهم بالصلاح والمعافاة). أي: وندعو لهم بالصلاح والاستقامة والمعافاة والهداية، ونحو ذلك مما هو موجب لمصلحتهم ومصلحة الرعية.

стр. 268

اجتناب الفرقة والاختلاف من أصول السنة قال المصنف ﵀: [ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة]. وهذا من أصول أهل السنة وأئمة السلف، وهو أصل ذكره الله في كتابه كثيراً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، ولهذا يجب حسم مادة الافتراق والتنازع، ولاسيما إذا كان الافتراق على مسائل ما كان السلف يجعلونها أصلاً. هذا وقد شاع كثير من الافتراق بين أهل السنة والجماعة اليوم لمسائل ما كان السلف يعدونها أصلاً، ومن هدي السلف والاقتداء بهم أن يكون الإجماع إجماعاً، وأن يكون الخلاف خلافاً، وأن يبقى الاجتهاد اجتهاداً، وأما أن تحول مسألة هي محل نزاع بين السلف، إلى أصل يجب فيه اختيار أحد القولين، ويعد هذا هو مذهب السلف، فلا شك أن هذا من المخالفة لمذهب السلف. وعليه فلا يجوز بحال أن يقال: إن هذا لا يصلي الصلاة السلفية، لأنه إذا رفع من الركوع وضع يده على الصدر والسلفيون لا يفعلون ذلك؛ فهذا غلط، لإن كثيراً من أئمة السلف ومنهم الإمام أحمد كانوا يرون وضع اليدين على الصدر بعد الركوع، وأكثر الفقهاء وكثير من السلف لا يرون وضع اليدين على الصدر بعد الركوع، بل يرون الإسدال. وليس المقصود هنا الانتصار لهذا القول أو الانتصار لهذا القول، لكن مثل هذه المسألة لا يجوز أن يميز بها السلفي من غير السلفي، فهذا التمييز لا شك أنه غلط، وما كان الأئمة يميزون أهل السنة باجتهاداتهم واختياراتهم، مع أنهم أفقه للدليل من المتأخرين، وإن كان البعض قد يتأول فيقول: إن هذا مخالفة للسنة والسلفي لا يخالف السنة، فنقول: هذه كلمة مجملة، وتحقيق أن وضع اليدين على الصدر أو خلاف ذلك مخالفة للسنة؛ هذا دونه خرط القتاد.

стр. 269

دقة الاستدلال عند السلف ومقام الاستدلال عند السلف مقام دقيق. نضرب مثلاً في مسألتين على الاختصار: العامة من أئمة السلف من الفقهاء والمحدثين يذهبون إلى أن طلاق الثلاث ثلاث، مع أنه جاء في صحيح مسلم من حديث طاوس عن ابن عباس أنه قال: (كان الطلاق على عهد رسول الله وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم). فحديث ابن عباس هذا الذي رواه مسلم من رواية طاوس، صحيح في أن طلاق الثلاث في زمن النبوة وأبي بكر وفي صدر من خلافة عمر واحدة، فإذا أردنا الأخذ بالمقدمات الذهنية المبدئية للسيرة قلنا: السنة صريحة بأن طلاق الثلاث واحدة، مع أن العامة من السلف يرون أن طلاق الثلاث ثلاث، حتى قال ابن رجب: (واعلم أنه لم يصح عن أحد من الصحابة أو التابعين أو الأئمة المتبوعين، أنه جعل طلاق الثلاث واحدة)، مع أن هذا الإجماع الذي ذكره ابن رجب يخالف فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ويذكر أن هذا قول طائفة من السلف، وليس المقصود بسط المسألة هنا. وروى أبو داود وغيره عن ابن عباس في مسألة المناسك أنه قال: (من ترك نسكاً فليهرق دماً)، فهذه اللفظة مجملة في مراد ابن عباس بالنسك. استقر عند عامة السلف من الفقهاء وأهل الحديث، أنهم يرون أن من ترك واجباً في الحج وجب عليه دم، وهذا مستقر عند المذاهب الأربعة وغيرهم، وإن كان البعض يقول: خالف في ذلك عمر لأنه سُئل عن المبيت في المزدلفة قال: (افعله ولا حرج)، أو قال: (لا شيء عليك)، أو قال: (استغفر الله)، وهذا ليس تحصيلاً للمخالفة؛ لأن واجبات الحج فيها خلاف كثير، فالمبيت بمزدلفة فيه خلاف، منهم من قال: هو ركن، ومنهم من قال: هو واجب، ومنهم من قال: هو سنة، فمثل جوابات عمر وغيره لا يلزم أن تكون دليلاً على أن عمر كان يرى أن ترك الواجب لا شيء فيه. فالمقصود أن العامة من السلف استقر عندهم أن من ترك واجباً فعليه دم وإن اختلفوا في تعيين الواجبات، ودليلهم قول ابن عباس: (من ترك نسكاً فليهرق دماً). السؤال: لماذا يستدلون بهذا الأثر هنا وقد تركوا قوله الذي قاله في الطلاق، مع أن قوله في الطلاق أضافه إلى النبوة، فقال: (على عهد رسول الله)، وهذا كأنه قاله اجتهاداً؟ فيمكننا أن نقول: إنه هنا أضافه إلى السنة فنقتدي به، وهذا اجتهاد من ابن عباس، والأصل عدم الوجوب وبراءة الذمة، وابن عباس مأجور على اجتهاده، ولكن لا يجب اتباعه؛ لأنه ليس مشرعاً، والشرع قال الله قال رسوله، وننتهي من المسألتين بطريقة مختصرة. لكن يبقى السؤال: لماذا أئمة السلف، والجماهير من الفقهاء المتقدمين ما انتهوا بنفس النمط؟ والجواب: أن هذا يدل على أن مسألة الاستدلال، ومسألة فقه الدليل مسألة مطولة ولا يكفي أن تحسن إسناد قد حكم بشذوذه عامة أهل العلم، ثم تلزم الناس بما دل عليه، وتجعل ذلك هي الطريقة اللازمة، وأن من خالفها فقد ترك السنة وأعرض عنها. أيضاً مثلاً: من مذهب الحنابلة أن القود لا يكون إلا بالسيف، واستدلوا بحديث: (لا قود إلا بالسيف)، وذهب مالك إلى أنه يكون بغير السيف على تقييد مشهور في مذهب الإمام مالك، والراجح مذهب مالك؛ لأنه هو المعتبر بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، وأما دليل الحنابلة فهو حديث ضعيف، فيقال: إن الإمام أحمد لما قال: القود بالسيف ليس هذا هو دليله فقط، فإن الإمام أحمد نفسه رد هذا الحديث.

стр. 270

موالاة المؤمنين والبراءة من الفاجرين قال: [ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة]. ومن الإيمان محبة أهل الإيمان لحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وحديث: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا)، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥] إلى غير ذلك، فهذا من أصول الإيمان، وهو الولاء للمؤمنين والبراءة من أهل الشرك والكفر والنفاق والإلحاد.

стр. 271

ردُّ العلم إلى الله فيما اشتبه علينا علمه قال: [ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه]. وهذه كلمة يجمع عليها أهل الإسلام، ولكن الكثير منهم لا يفقهونها، فكم تكلم من تكلم فيما لم يحكم علمه، بل قال بالجهل، أو قال بالظن، وقد قال الله : ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]، ولاسيما إذا كان المقام مقام حكم على الأعيان، أو حكم على الطوائف أو الجماعات أو غيرها، فإنه يجب هنا القيام بالعدل، والقيام بالعلم.

стр. 272

الكلام على تقسيم الدين إلى أصول وفروع قال المؤلف عليه رحمة الله ﵎: [ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر]. قوله: (ونرى المسح على الخفين) مسألة المسح على الخفين هي من مسائل الفروع في الأصل، وإن كان هذا التقسيم وهو تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وقد تكلم فيه غير واحد، ومن أخص من تكلم فيه الإمام ابن تيمية ﵀. ولكن ينبَّه إلى أنه إذا ذُكر هذا التقسيم على معنى أن الدين منه ما هو أصل ومنه ما هو دون ذلك، فإن هذا صحيح ومجمع عليه ولا خلاف فيه، حتى ولو سمي الذي دون ذلك فرعاً فإن هذا مما يسوغ، وقد كان شائعاً في كلام أهل العلم من المتأخرين، وإنما الذي ينتقده شيخ الإسلام ﵀ الطريقة الكلامية التي دخلت على بعض الأصوليين والفقهاء حين يقسمون الدين إلى أصول وفروع، فيرتبون على ذلك كثيراً من النتائج، فيقول كثير منهم: إن الأصول هي المسائل العلمية، والفروع هي المسائل العملية، أو يقول بعضهم: إن الأصول هي ما يعلم بالسمع والعقل، والفروع هي ما يعلم بالسمع وحده. ثم يرتب على ذلك نتائج، منها: أن المخالف في الأصول يبدع، وربما يقول بعضهم: المخالف في الأصول يكفر، والمخالف في الفروع لا يكون كذلك .. إلخ. مع أن هذه الحدود ليست مناسبة وليست موافقة لهدي السلف ﵏؛ بل ولا لآحاد النصوص وصريحها، فإن قلنا: إن الأصول هي العلميات، فهناك من المسائل العلمية مسائل لا تعد أصلاً، وقد تنازع أهل السنة في رؤية الكفار والمنافقين لربهم ، وهذه المسألة بإجماع السلف وأهل العلم ليست من الأصول التي يبدع ويضلل فيها المخالف، وتنازع الصحابة رضي الله تعالى عنهم في سماع الميت صوت الحي، وتنازع الصحابة ﵃ كـ ابن عمر مع عائشة وعمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، مع أن هذه المسائل تعد من العلميات. وبالمقابل فإن ثمة مسائل من العمليات هي بإجماع المسلمين من الأصول: كالصلوات الخمس، فإنها فعل وعمل ومع ذلك هي أصل في الإسلام بإجماع المسلمين. ومثله حين يقول بعضهم: الأصول هي ما علم بالسمع والعقل، والفروع ما علم بالسمع وحده، فهناك مسائل كثيرة، هي بإجماع السلف من الأصول، بل ربما بإجماع المسلمين، وهي مع ذلك لم تعلم إلا بالسمع وحده ولم تعلم بالعقل، فمثل هذه لا يجوز أن تسمى فرعاً. وهذا الحد وما يترتب عليه من النتائج مشكل، ولهذا قرر شيخ الإسلام الإعراض عن هذا التقسيم من أصله، ولا يفهم من هذا أن شيخ الإسلام يمنع أن تسمي مسألة القدر أو مسألة الشفاعة أو مسألة الصفات ونحوها مسائل أصول، فإن هذا لا شك أنه غلط في فهم كلامه، فهو في كتبه يسمي هذه المسائل أصولاً، ولا شك أن في الدين ما هو أصل وما هو دونه، وإنما الإشكال طرد هذا التقسيم وما يستعمل فيه من الحد. والقصد أن مثل هذه المسألة لم يكن محلها في الأصل مثل هذه المختصرات المقولة في الاعتقاد وأصول الدين، وإنما ذكرها من ذكرها من أهل السنة لكون الخوارج وطوائف من أهل البدع لا يرون المسح على الخفين، ولكونه حصل وانعقد إجماع السلف على أن المسح على الخفين سائغ بل سنة، أي مضت به السنة النبوية، وإن لم يكن مستحباً على الإطلاق، لهذا الموجب ذكروا هذه المسألة في كتبهم أو في بعض كتبهم. ومن هنا ذهب بعض الفقهاء إلى أن المسح على الخفين أولى من غسل القدمين، وهذا القول قاله طائفة ولكنه ليس راجحاً والذي عليه الجماهير من السلف والخلف أن هذا ليس مشروعاً على الإطلاق، بل المشروع هو الحال المناسبة للإنسان، فلا يتكلف لبس الخفين ولا يتكلف أن يكون بضد ذلك، بل تكون حاله على المناسبة.

стр. 273

الخلاف في جواز المسح على الجوارب وهنا تنبيه إلى مسألة: وهي أن الذي أجمعوا عليه هو المسح على الخفين، وكما قال الإمام أحمد: (فيه أربعون حديثاً عن الرسول ﷺ وأما الجوارب التي تسمى عند الناس اليوم بالشراب ونحوها فإن الإجماع لم ينعقد عليها، بل إن الأئمة الثلاثة: الشافعي ومالكاً وأبا حنيفة، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد، لا يرون المسح عليها، وإن كان الصحيح وهو المحفوظ في مذهب الإمام أحمد أنه يمسح على الجوارب كما يمسح على الخفين، لأن هذا جاء عن تسعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفيه حديث متكلم فيه، والراجح ضعفه ولكن الحجة في ذلك هو عمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولم يحفظ لهم مخالف كما قال الإمام أحمد في جواباته.

стр. 274

الحج والجهاد مع ولاة الأمور قال: [والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم، إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما]. مراده بذلك الرد على الرافضة الذين يرون أن الحج والجهاد أو الجهاد بوجهٍ خاص يكون مع الإمام، وهذه من أصولهم وأغلاطهم المعروفة، ومعلوم أن هذا الإمام الذي يتكلمون عنه قد غاب أو لم يوجد، بل قد مات من سنوات وهو في حال صباه، ويزعمون أنه منتظر، ومثل هذه المسائل قد عفا الزمن والعقل على الوقوف عندها، وإنما هذا نوع من الجهل والجاهلية التي ابتلي من ابتلي بها من الجهال.

стр. 275

شرح العقيدة الطحاوية [٢٥] من عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بالموت وبما بعده، فيؤمنون بملك الموت وأنه موكل بقبض الأرواح، ويؤمنون بعذاب القبر ونعيمه، وأن القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، وأن العذاب في القبر يكون على الروح والجسد ... وغير ذلك مما بينه ربنا ﵎ ورسوله ﷺ .

стр. 276

الإيمان بما بعد الموت قال المؤلف عليه رحمة الله ﵎: [ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين]. الكرام الكاتبون هم الملائكة الموكلون بكتابة أعمال العباد، وهم المذكورون في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]، وقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ومثل قوله ﷺ في الصحيح عن أبي هريرة: (يتعاقبون عليكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، فهؤلاء الكرام الكاتبون، يكتبون أعمال العباد حسنها وسيئها.

стр. 277

النزاع في المباحات هل تكتبها الملائكة أم لا ؟ وقد تنازع أهل العلم في المباحات من الأقوال هل تكتب أو لا تكتب، على قولين مأثورين عن طائفة من الصحابة والأئمة: فمنهم من قال: إن كل شيء يكتب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق:١٨]. ومنهم من قال: لا يكتب إلا ما كان من الحسنات والسيئات؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، فهذان قولان مأثوران والمسألة فيها سعة.

стр. 278

الإيمان بملك الموت قال: [ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين]. الله أعلم بماهية قبضه للأرواح، وإنما يؤمن أهل السنة والجماعة والجماهير من المسلمين بأن الله سبحانه قد وكل بالموت ملكاً يقبض أرواح العباد، وقد ثبت ذكر ملك الموت في السنة المتواترة عن النبي ﵌.

стр. 279

الإيمان بعذاب القبر وفتنته قال: [وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً، وسؤال منكرٍ ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم]. قوله: (على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم): عذاب القبر مذكور في القرآن، ولكنه ذكر في القرآن مجملاً، وهو المذكور في مثل قوله تعالى إخباراً عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦]، وكأن مراد الطحاوي ﵀ بقوله: (على ما جاء عن رسول الله) أي: مفصلاً، فإن النبي ﷺ فصل عذاب القبر. والأحاديث في عذاب القبر متواترة عن النبي ﷺ في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، ومن ذلك حديث أنس المتفق عليه: (إن أحدكم إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، قال: فيأتيه ملكان ..). وجاء عند ابن حبان: (أن أحدهما منكر والآخر نكير ..) ولهذا ذكر المصنف ذلك بقوله: (وسؤال منكر ونكير) وهذان اسمان للملكين، ولم يخرج في الصحيح تسميتهما، ولكن الأئمة ذكروا ذلك، وممن ذكر ذلك الإمام أحمد ﵀، واحتج على هذه التسمية بهذا الحديث، فهذا الحديث مستعمل في كلام الأئمة ﵏ ومحتجٌ به. ومن ذلك أيضاً ما جاء في حديث زيد بن ثابت الثابت في الصحيح قال: (كنا مع رسول الله ﷺ ، ونحن بضعة نفر، وهو على بغلة إذ جالت به وكادت أن تلقيه، وإذا أقبر خمسة أو ستة أو أربعة فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، قال: من هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، ثم قال ﷺ : إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع به). وأيضاً في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)، وفي روايةٍ في الصحيح: (وإنه لكبير) .. إلخ. وأيضاً جاء من حديث ابن عمر ﵄ في الصحيح: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة ومقعده بالعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار)، فأحاديث عذاب القبر وكذا نعيمه متواترة عن النبي ﵌، وقد أجمع عليها السلف، وخالف في ذلك طوائف من المعتزلة، فأنكروا عذاب القبر أو أنكروا بعض تفاصيله.

стр. 280

عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد وعند أهل السنة والجماعة أن عذاب القبر ونعيمه يكون على الروح والجسد، وأما قول من يقول: بأنه على الروح فقط، فإن هذا قول منكر مخالف لإجماع السلف، بل تعذب الروح متصلة بالجسد، ويقع العذاب عليهما معاً. والروح لها أحوال مختلفة، ولهذا ذكر النبي ﷺ أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تطير في الجنة، وأن أرواح الأنبياء في عليين .. ولكنها وإن كانت تنعم في الدرجات العليا فإنها تكون متصلة بالجسد نوع اتصال، وهذا هو المقصود من قولهم: إن العذاب يقع على الروح والجسد، فالمقصود بذلك ما يقع بالاتصال، وإن كانت الروح قد تفارق مفارقة ما، إما إلى نعيم وإما إلى عذاب. وقد يكون العذاب أو النعيم على الروح والجسد مع أنهما في القبر، أي أن الروح تكون في القبر، فهذه أحوالٌ تختلف بحسب حال العبد، وذكر النبي ﷺ عن أهل الإيمان: أنه يفسح لهم في قبورهم، وما إلى ذلك، ولهذا قال في دعائه للموتى: (اللهم افسح لهم في قبورهم، ونور لهم فيها)، فالقصد أن أهل السنة أجمعوا على أن العذاب يكون على الروح والجسد، وقول من يقول: بأن الجسد لا علاقة له البتة، وإنما النعيم أو العذاب على الروح فقط، قول مبتدع وإن ذكره بعض المتأخرين من أهل السنة.

стр. 281

القبر روضة من الجنة أو حفرة من النار قال: [والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران]. القبر إما أن يكون روضة من رياض الجنة، وذلك في حق أهل الإيمان والإسلام، وإما أن يكون حفرة من حفر النار، وذلك في حق أهل الكفر، وأما فساق أهل الملة فقد يعرض لهم في قبورهم ما هو من العذاب، ولكن لا يلزم أن يستمر هذا العذاب أو التضييق، بل يكون مآلهم إلى خيرٍ ورحمة من الله سبحانه.

стр. 282

الإيمان بالسمعيات قال: [ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان]. جمهور الأصول السمعية متفق عليها بين عامة طوائف المسلمين، وإن كانت هناك مخالفات عند المبالغين في التأويل كبعض الغلاة من المعتزلة، أو من تأثر بالفلسفة من الأشاعرة، أو دخل في شيء من ذلك، أو في التصوف الإشراقي كـ أبي حامد الغزالي، حيث يعرض له في كلامه ما هو من التأويل لبعض هذه المسائل كمسألة الميزان ونحوه، وإلا فإن الأصل عند جماهير أهل القبلة -فضلاً عن إجماع أهل السنة والجماعة- هو الإيمان بهذه المسائل وأنها حقائق وماهيات الله أعلم بكيفيتها وماهيتها.

стр. 283

شرح العقيدة الطحاوية [٢٦] الإيمان باليوم الآخر من أصول الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فهم يؤمنون به وبما يجري فيه من الأحوال والمشاهد والمواقف والحساب والعرض مما أخبر به الله سبحانه في كتابه، أو رسوله ﷺ في سنته، ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وأنهما لا تفنيان ولا تبيدان.

стр. 284

الإيمان بالبعث قال المصنف ﵀: [ونؤمن بالبعث]. وهو بعث الناس من قبورهم، فإن الناس يبعثون من قبورهم، ويصيرون إلى الحساب يوم القيامة، وهذا أصلٌ من أصول الإيمان مجمع عليه بين المرسلين، وقد كان البعث مذكوراً في كلام الأنبياء وسائر المرسلين، وجميع أهل القبلة يقرون بهذا، فإن من أنكر هذا لا يكون إلا كافراً. وزعمت المتفلسفة الذين ينتسبون إلى الإسلام كـ ابن سينا وغيره، أن البعث إنما هو للأرواح دون الأبدان، وهذا من كلام الفلاسفة، وليس عليه أثر الأنبياء أو هديهم.

стр. 285

حساب الكفار يوم الحساب وكذلك الحساب: فإن الناس يحاسبون، وقد تنازع المتأخرون من أهل السنة، في محاسبة الكفار، هل يحاسبون أو لا يحاسبون؟ والصواب التفصيل فإن أريد بمحاسبتهم الموازنة بين الحسنة والسيئة فإن الأمر لا يكون كذلك؛ لأن الكفار لا يوافون ربهم بحسنة، وإن أريد بالمحاسبة الإقرار والإشهاد وما إلى ذلك من المقاصد والمعاني، فإن هذا لا شك أنه يقع، وقد ذكره الله في كتابه وذكره الرسول ﵌ في سنته. والكافر قد يقع منه ما هو من عمل الخير، ولكنه إذا لم يبتغ به وجه الله ، فإنه لا يوافي ربه به بحسنة، بل يجزى بها في الدنيا، ولهذا جاء قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] فسماه خيراً، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]، وفي الصحيح عن أنس أن النبي ﵌ قال: (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا)، فسماها حسنات، وهي أعماله من الخير، كالصدقة أو العتق، أو صلة الرحم، أو نحو ذلك. قال: (وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنةٌ يُجزى بها)، فلا يوافي الكافر ربه بحسنة يثاب عليها، بل ما يقع له من الخير والحسنة فإنه يطعم بها في الدنيا، كما ذكر رسول الله ﷺ .
следующие страницы →