← Акыда

Акыда · id 37777

شرح العقيدة الطحاوية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (351 стр.). Показаны 316–351 · переход к 321.

стр. 316

الكلام على القتال بين علي ومعاوية وقد تنازع أهل السنة والحديث في القتال بين علي وأهل الشام، أي: بين معاوية ومن معه، فمنهم من قال: إن الصواب كان مع علي، ومنهم من قال: إن الصواب كان في ترك القتال، وكلا القولين مأثور عن السلف ﵏. وأما من صوب قتال معاوية فإن هذا قولٌ غلط لم يقله أحدٌ من السلف، وكذلك من قال: إن هذا الزمن ليس فيه إمام أو خليفة شرعي، وإنما هو زمنٌ فتن، فهذا قول لطائفة من المتكلمين وبعض الفقهاء؛ وإنما القولان المأثوران عن السلف إما تصويب القتال من جهة علي، وإما تصويب ترك القتال. وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (إن جمهور أهل السنة والحديث يذهبون إلى أن الصواب هو ترك القتال؛ لأن معاوية ومن معه غاية الأمر أن يكونوا بغاةً، ولم يؤمر لا في الكتاب ولا في السنة بقتال الطائفة الباغية ابتداءً، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ..﴾ [الحجرات:٩]، فإن قتال الطائفة الباغية إنما شُرع بعد الصلح، قال: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)، فالمشروع هو الصلح وليس البدء بالقتال. ويستدل لذلك أيضاً بما ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال عن الحسن: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، قال شيخ الإسلام: (ولو كان القتال مشروعاً لما كان من امتنان الله وفضله على المسلمين أن يرفع عنهم ما هو مشروع)، أي: لكانت النعمة في بقاء هذا المشروع واستمراره، فهذان الدليلان هما أخص ما استدل به شيخ الإسلام، وقال: إن هذا هو القول الذي عليه جمهور أهل السنة والحديث، وذكر أنه الراجح في مذهب الإمام أحمد. والحقيقة أن المسألة فيها إشكال، ولا يلزم أن يجزم فيها عند طالب العلم بجزم؛ لأن الاستدلال بالآية مشكل من جهة، وهي أنه وإن كان القتال إنما يشرع بعد الصلح؛ لكن إذا كان الصلح متعذراً أو لم يكن ممكناً، فهل يبقى أن القتال لا يشرع بحال؟ وهل علي رضي الله تعالى عنه أمكنه الصلح وتركه؟ هذه مسألة لا يمكن الجزم بها، أو يجزم بأن علياً ما كان يمكنه الصلح، لكن على أقل تقدير نقول: لا يمكن لأحدٍ أن يقول: إن علياً كان يمكنه الصلح، ولكنه أعرض عنه. وكذلك قوله ﷺ : (إن ابني هذا سيد)، يقال: إن هذا كان في حق الحسن، ومعلوم أن الحسن ليس كأبيه، فلو كان القتال من أبيه مشروعاً لم يلزم أن تكون مواصلة القتال من قبل الحسن مشروعة، فإن مقام علي ليس هو مقام الحسن، فالمسألة ليس فيها شيء بين، وإن كان الرسول ﷺ قال: (تقتل عماراً الفئة البغية)، فهذه مسألة اجتهاد. ومما يدل على أن المسألة مسألة اجتهاد: أن الصحابة ﵃ كانوا مختلفين فيها، ومن ترك القتال لا يلزم أنه لم يكن مع علي، فإن أسامة بن زيد، كما ثبت عنه في الصحيح قال لـ علي: (يا أبا الحسن! لو كنت في شق الأسد، لأحببت أن أكون معك فيه) أي أنه كان موالياً تماماً لـ علي، قال: (ولكن هذا أمرٌ لا أراه) وحتى علي نفسه، فقد كان متبرماً من القتال، وكان يمتدح مقام سعد بن أبي وقاص، وامتداحه له مشهور معروف، فالقصد أن هذه المسألة ليست بينة، بل هي من مسائل الاجتهاد، ومن اجتهد من الصحابة فله أجران ومن أخطأ فله أجر.

стр. 317

شرح العقيدة الطحاوية [٢٩] الأنبياء هم أفضل خلق الله سبحانه، اصطفاهم على خلقه وزكاهم، وأكرم كثيراً ممن اتبعهم بأنواع من الكرامات، فضلاً منه ومنة؛ فكان لزاماً اقتفاء آثارهم واتباع طريقتهم، وحفظ مقامهم والثناء عليهم.

стр. 318

حفظ مقام أئمة السلف والثناء عليهم قال المصنف ﵀: [وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر؛ لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوءٍ فهو على غير السبيل]. بعد أن ذكر المصنف رحمه الله تعالى قول أهل السنة والجماعة في أصحاب النبي ﵌، ذكر مقام أئمة السلف، وأن من الهدي المأثور حسن القول في هؤلاء الأئمة، والمصنف عبر هنا بعبارات فيها سعة، فقال: (وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين)، فإما أن يعني بالسابقين: الصحابة ومن بعدهم ممن اتبع الصحابة، وإما أن يعني بالسابقين: من أخذ عن الصحابة من التابعين ومن بعدهم في طبقة القرون الثلاثة الفاضلة، ولا يعني الصحابة لأنه قد ذكر الصحابة من قبل، ويعني بالتابعين: من اقتدى بأئمة السلف من أهل السنة والجماعة من أصحاب الأئمة، فهذا وهذا كلاهما مما يمكن أن يفسر به كلام المصنف. إلا أن قوله: (ومن بعدهم من التابعين) إلخ، يدل على أن مراده من جاء بعد القرون الثلاثة الفاضلة، وهم أتباع السلف من الفقهاء وأهل الحديث وغيرهم، وهذا التوجيه هو الأظهر في كلام المصنف؛ لأنه قد ذكر الصحابة من قبل.

стр. 319

أهل العلم فقهاء ومحدثون وقوله: (أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر): أما أهل الأثر: فيراد بهم أهل الحديث، الذين يعتبرون الرواية ويستدلون بها ويشتغلون بها علماً. وأما أهل الفقه والنظر فمراده بالفقهاء من يختص بهذا الاسم، وإن كانوا مقتدين مقتفين، إلا أنهم اشتغلوا بالفقه ولم يشتغلوا بالرواية على جهة العلم المختص، وهذا تقسيم شائع معروف، فإن من أهل العلم من غلب عليه الاشتغال بالرواية علماً، ومنهم من غلب عليه التفقه، وإن كان هؤلاء وهؤلاء يقال: إنهم من أهل الحديث باعتبار أنهم مقتفون متبعون، ولفظ الفقه تعبير شرعي مستعمل زمن الأئمة ومستعمل في كلام النبي ﷺ ، وكلام الصحابة.

стр. 320

تسمية العلماء: (أهل النظر) اصطلاح حادث وأما التعبير بلفظ النظر، فالنظر الذي ذكر في القرآن لم يوصف به أهل الإيمان في سائر الموارد، وإنما ذكر الله النظر في مقام الإثبات لبعض مقامات الربوبية أو بعض مقامات الألوهية، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]. وكأن مراد المصنف بلفظ النظر، ليس اللفظ المذكور في القرآن، وإنما مراده بأهل النظر من اشتغل بهذا الوجه من التحصيل والاستدلال، وهذا المصطلح على هذا المعنى أضيف لكثير من علماء الكلام، والمتكلمون يسمون (أهل الكلام) ويسمون (النظار)، وإن كان مصطلح النظار أوسع من مصطلح المتكلمين، ولهذا يضاف إلى النظار كثيرٌ من الفقهاء، وكثيرٌ من الأصوليين إذ هم من اشتغلوا بالدلائل النظرية. بخلاف المتكلمين، فهم من اشتغلوا بالدلائل الكلامية، فسائر المتكلمين يسمون نظاراً ولا يلزم أن سائر النظار يسمون متكلمين، ومع هذا فإن الأصل أن هذا الإطلاق لم يكن معروفاً في كلام الأئمة إلا بعد حدوث الفرق والأهواء ولاسيما بعد ظهور علم الكلام، فإن هذه التسمية لم تكن مضافة لأئمة السنة والجماعة في مرحلةٍ من مراحل التاريخ، إنما كانوا يعرفون بأهل الحديث، أو يعرفون بالفقهاء أو نحو ذلك من الأسماء المأثورة. وأما (أهل النظر) فإنه من الأسماء المحدثة إذا أضيفت على هذا الوجه، ولو قال قائل: إن (أهل النظر) يفسر بما ذُكر على معنى النظر في القرآن، فيقال: حتى على هذا الوجه ليس مأثوراً، وما كان الصحابة يسمون أهل النظر ولا يسمون نظاراً، وإنما غلب هذا الاسم على من اشتغل بعلم الكلام أو انتحل شيئاً من طرقه.

стр. 321

عدم إشارة الطحاوي إلى ذم طريقة متكلمة الصفاتية والمصنف في خاتم رسالته ذكر البراءة من الطرق البدعية، فذكر الطرق البدعية التي نص أئمة السلف على ذمها، كالجهمية والمعتزلة والقدرية والمشبهة كما سيأتي، لكنه لم يشر إلى ذم طريقة متكلمة الصفاتية كطريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي الحسن الأشعري، ومن وافقهم من النظار، وإن كان قد تحقق في جمهور الجمل التي ذكرها المصنف في رسالته أن المصنف ليس على جادة الكلابية أو جادة الأشعرية بل هو في الجملة على الاقتفاء والسنة، وإن كان غلط في بعض المسائل إما لفظاً وإما لفظاً ومعنى. وهذا يشير إلى مسألة نبَّه عليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما ذكر أصحاب الأئمة؛ فقد بين أنهم من جهة الأخذ بعلم الكلام ينقسمون إلى أقسام؛ فأما من اشتغل بعلم الكلام فهذا قسم بيِّن، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ذكر أن بعض الفضلاء من أصحاب الأئمة أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة، كانوا يذمون البدع والأهواء وكانوا معرضين عن علم الكلام، فما كانوا يشتغلون به، وكانوا يرون أن طريق السلف والأئمة أهدى وأقوم، إلا أنهم يرون هذا الطريق الذي انتحله من انتسب إلى السنة والجماعة كـ ابن كلاب والأشعري طريقاً مصححاً في الجملة، وإن كان عندهم ليس راجحاً ولا فاضلاً. ومن هذا ما قرره بعض أصحاب الأئمة من أن السلف إنما ذموا علم الكلام لما فيه من الألفاظ المحدثة، كلفظ الجسم والجوهر والعرض ونحو ذلك، بل بعضهم يقول: ومثل هذا الذم معتبر بالمصلحة، قالوا: فإن المتأخرين لما كثر شقاق أهل البدع وكثر شرهم، كان لا بد لأهل السنة والجماعة من الاشتغال بهذه الطرق من باب دفع صول المخالفين، وعن هذا سوغ أبو حامد الغزالي مثلاً -مع أنه ليس من هذا الصنف بل هو منتحل لعلم الكلام مستعملٌ له- الاشتغال بعلم الكلام من هذا الوجه، قال أبو حامد في الإحياء: (وإن كان السلف ذموه إلا أن ذمهم له لحدوث ألفاظه، ومثل هذا الوجه من الذم قد يزول بالمصلحة)، وضرب مثلاً لذلك بما لو أن الكفار غزوا بلاد المسلمين فما تمكن المسلمون من ردهم إلا أن ينتحل بعض المسلمين ما هو من لباس الكفار أو ما هو من لغتهم إلى غير ذلك، فيرى أن هذا مما يتعلق بمسألة المصلحة. فـ أبو جعفر ﵀ لم يعرف أنه اشتغل بعلم الكلام، ولكن فيما يظهر والله تعالى أعلم، أنه لم يكن ذاك المباين لسائر الطرق الكلامية، أعني أنه لم يكن له نزع بيّن في الرد أو إبطال طرق متكلمة الصفاتية، ولهذا لما ذكر من بعد القرون الثلاثة الفاضلة، قال: (أهل الفقه والنظر)، فجعل النظار يدخلون في هذا الاستعمال. وقد يقول قائل: إن مراده بالنظر هنا ما هو مستعمل في كلام بعض الأصوليين، أي: أهل الفقه وأهل الأصول، وهذا صحيح، فالأصوليون الذين اشتغلوا بعلم أصول الفقه يسمون نظاراً في الجملة، لكن مع هذا فظاهر أن أبا جعفر ﵀ ما كان يقصد إلى إسقاط وإبطال مذهب متكلمة الصفاتية بالتصريح، وإنما يستعمل في ذلك الجمل المجملة غالباً.

стр. 322

تفضيل الأنبياء على الأولياء قال ﵀: [ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحدٍ من الأنبياء ﵈، ونقول: نبيٌ واحد أفضل من جميع الأولياء]. من فضل ولياً على نبي من الأنبياء فقد كفر؛ لأن هذا يخالف صريح القرآن وصريح السنة، ولم يقل ذلك أحدٌ من أهل الإسلام، إلا ما كان من شذاذ وغلاة بعض الصوفية، كبعض الاتحادية كـ ابن عربي مثلاً، فإنه في الفتوحات المكية -فضلاً عن كلامه في الفصوص- يذكر أن مقام الولاية أعظم من مقام النبوة، ولما ذكر حديث النبي ﷺ : (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجلٍ بنى بنياناً ...) جعل النبي على لبنة فضة، وجعله هو على لبنة الذهب، وقال: (إن المراد بلبنة الفضة: من أخذ الأحكام الظاهرة، ومن أخذ العلم المكتوم وعلم السر، فهو لبنة الذهب)، وهلم جرا. فمثل ابن عربي وأتباعه كـ ابن سبعين والتلمساني وأمثال هؤلاء الاتحادية، يطلقون مثل هذا الكلام، وهؤلاء متفلسفة، وليسوا مجرد صوفية عباد انحرفوا في بعض أوجه العبادة، فزادوا أو نقصوا أو غلوا في بعض أوجه الذكر والعبادة أو الصوم وما إلى ذلك، كما يقع فيه كثيرٍ من الصوفية؛ بل هؤلاء متفلسفة، وهم أئمة الباطنية.

стр. 323

أصناف الباطنية والباطنية صنفان: إما باطنية الشيعة، وإما باطنية الصوفية، وهذه الطريقة الباطنية الغالية هي طريقةٌ مخالفة لأصل العلم الذي بُعث به الرسول ﷺ ، وحقائقها مبنية على مفارقة دين الإسلام، وأرباب هذه الطرق الباطنية، انتحلوا في الظاهر أحد المذهبين، إما مذهب التشيع وإما مذهب التصوف، ومع ما في التشيع والتصوف من البدع والضلال إلا أن حالهم هذه هي الأخف، وأما حقيقة مذهبهم في نفس الأمر، فهو شر من ذلك كثيراً، فمن أئمة باطنية الصوفية من تقدم ذكرهم، كـ ابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني وابن الفارض والسهروردي وأمثال هؤلاء، وأما باطنية الشيعة، فجمهورهم من الإسماعيلية، كـ ابن سينا وأمثاله. ولـ ابن عربي كلام حسن في الفتوحات المكية، في ذكر بعض مقامات العبادة، أو ذكر بعض مقامات الإيمان، أو نحو ذلك، وكذلك ابن سينا له كلام حسن في بعض المقامات، ولكنه لا يكتفي به ولا يقف عليه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكنت -يعني بذلك أنه كان في أول عمره- مع إخوة لنا نقرأ في كلام ابن عربي في الفتوحات المكية، ونقرأ في كلامه شيئاً حسناً مما ينفع السالك، حتى نظرنا حقيقة كلامه وما ذكره في الفصوص فتبين مذهبه، وأنه يقول بقول الاتحادية).

стр. 324

أسس نظرية وحدة الوجود وأما حقيقة مذهب ابن عربي وأمثاله فهو القول بوحدة الوجود، وهذا مبناه ليس على نوع من العرفان المحض أو التعبد أو نحو ذلك، إنما هي نظريةٌ فلسفية بناها ابن عربي في كتبه على مقدمتين: الأولى: التفريق بين الوجود والثبوت. الثانية: مسألة العدم، وهل العدم شيء أو ليس بشيء؟ وهذه نظرية فلسفية معروفة قبل أرسطو، بل إن الإمام ابن تيمية ﵀ قال: (وقد وقع لي في كلام لـ أرسطو ما هو من الرد على قوم من الفلاسفة قبله كانوا يقولون بوحدة الوجود).

стр. 325

الفرق بين قول ابن عربي وقول ابن سينا في وحدة الوجود وكذلك ابن سينا لما قال بأن واجب الوجود، هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، أي أنه مجرد عن الأمور الثبوتية، ولا يوصف إلا بالسلوب والإضافات، أو ما ركب من السلب والإضافة، هذه نظرية فلسفية كان أرسطو طاليس يقررها، وابن عربي وأمثاله يقولون: هو الوجود المطلق لا بشرط، أي: أنه ليس متعيناً، فيجعلون الوجود واحداً، ولا يمكن أن نقول: إن ابن عربي إنما كان يسمي الأعيان باسم الله؛ لأنهم يجعلونه هو الوجود المطلق لا بشرط، أي أنه لا يقبل التعيين، وإن كان متوحداً في سائر الوجود، وقد كان أرسطو طاليس وأمثاله مع إلحاده ينكر هذه النظرية ويردها.

стр. 326

المقالات المبتدعة والفلسفية هي نظريات منقولة وينبغي أن يفهم أن كثيراً من البدع المغلظة التي قالها بعض غلاة المتكلمين، فضلاً عن المقالات التي قالها المتفلسفة، إما متفلسفة النظار، وإما المتفلسفة الباطنية، سواء كانوا ممن ينتسبون للتشيع أو ينتسبون للتصوف؛ كثيرٌ من هذه المقالات التي ذكروها في مقام الوجود، أو في القدر، أو في الصفات، أو في أفعال الرب أو في حدوث العالم، ومسألة الصدور أو الفيض التي يذكرها ابن سينا، وأمثال هذه النظريات ينبغي أن يعلم أنها نظريات منقولة، وأنها ليست نتيجة اشتباه اشتبه عليهم في بعض النصوص، فأدى نظرهم في بعض النصوص إلى هذه المقالات. بل هناك موجبات أوجبت عندهم هذه الأقوال، إما من الفلسفة المنقولة، أو ما هو مركب منها ومولد منها، كما هو شأن الغالب من المتكلمين، وإن كان هؤلاء مع هذا يستعملون كلمات من كلمات الشريعة، وينتسبون إلى الإسلام، فنظرية الجبر بصورتها الجبرية الغالية التي كان يقولها الجهم بن صفوان، ونظرية القدر بصورتها الغالية التي كان يقولها غلاة القدرية الذين ينكرون علم الرب بما سيكون؛ هذه نظريات منقولة، وكانت نظريات فلسفية سابقة، والرازي وأمثاله من النظار الذين كتبوا في النظريات المتقدمة كانوا يذكرون هذا عن أقوام من الفلاسفة. بل إن الرازي يقول: (إن فلاسفة فارس كانوا يذهبون إلى مذهب القدرية، حتى إنهم جعلوا الألعاب التي وضعوها -وذكر منها: لعبة الشطرنج- مبنية على مذهب القدر، قال: والفلاسفة من الهند كانوا مشتغلين بنظرية الجبر، قال: حتى أنهم لما وضعوا لعبة النرد وضعوها على طريقة الجبر) ذكر الرازي هذا في بعض كتبه ومنها (المطالب العالية). ويجب أن يُعلم أن كل متشيع وكل متصوف يستعمل مثل هذا، فلا بد أنه متفلسف من وجه، وإن كان ظاهره التشيع أو التصوف، إلا أن ابن عربي لا يعرفه كثير من العامة، بل كثير من الناظرين لا يعرفون إلا أنه مجرد صوفي، كما أنهم يقولون -مثلاً- عن بعض العباد كـ الجنيد بن محمد، أو الفضيل بن عياض: إنه صوفي، فيجعلون مسالك الصوفية بها اشتملت عليه من أنواع من التعبد والعرفان قادتهم إلى مثل هذه الكلمات.

стр. 327

أقسام الفلاسفة قبل الإسلام ويمكن أن نلخص المسألة بطريقة أخرى فنقول: إن الفلاسفة قبل الإسلام كانوا على قسمين: الفلسفة النظرية، والفلسفة العرفانية، بمعنى أن الفلاسفة كانوا يتعاملون مع جهتين، إما جهة العقل، وهذه هي التي تمثلها الفلسفة النظرية العقلية، وإما جهة النفس، وهذه هي التي تمثلها الفلسفة العرفانية، القائمة على الغنوص والتجريد المقامات. فبعض الفلاسفة كـ أفلاطون، حاول أن يركب، بل بدأ هذا التركيب من زمن سقراط، ولهذا إذا قسموا الفلسفة قالوا: الفلسفة قبل السقراطية، والفلسفة بعد السقراطية، وكانت هناك محاولة للجمع أو التركيب بين العقل والنفس، والمقصود أن الفلسفة ليست مقصورة على النظريات العقلية، بل حتى كثير من النظريات العرفانية المقولة في الأحوال والتعبدات، وكيفية سلوك السالك ونحو ذلك، كثير منها إما أن يكون منقولاً وإما أن يكون متأثراً، وليس معنى هذا أن سائر الصوفية كذلك، بل يعلم أن جماهير الصوفية مع ما عندهم من البدع ليسوا على هذا الوجه الفلسفي، وإن كان يقع عندهم بدع وانحراف وغلط؛ لكن الذين يضافون إلى هذه المقامات هم فلاسفة الصوفية كمن ذكرت أسمائهم. فالمقصود أن المصنف قال: (ولا نفضل أحداً من الأولياء) لهذا الموجب.

стр. 328

الإيمان بكرامات الأولياء قال ﵀: [ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم]. قوله: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم)؛ وهذا من أصول أهل السنة والجماعة، فإنهم يؤمنون بكرامات الأولياء، وجمهور المتكلمين لا يثبتون كرامات الأولياء، وموجب ذلك عندهم أنهم جعلوا دليل النبوة هو المعجزة، والمعجزة هي الآيات، ولا شك أنها دليل، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ ..﴾ [الإسراء:١٠١]، فلا شك أن هذه دلائل، لكن دليل النبوة ليس مقصوراً عليها، فلما جعل جمهور المتكلمين دليل النبوة مقصوراً على المعجزات منعوا كرامات الأولياء حتى لا تختلط الكرامة بالمعجزة. ولا شك أن هذا مخالف حتى لنظام العقل؛ لأن الكرامة تكون لولي، ومعلوم أنه يمتنع على الولي أن يدعي النبوة، فلو ادعى النبوة، أو استعمل ما أوتي من الكرامة على نوع من الالتفات إلى شخصه، لكان هذا مسقطاً لولايته، إذ استعمل ما أوتيه من الكرامة على وجه من الغلط المخالف للسنة والشريعة، فمثل هذه الشبهة لا ينبغي الالتفات إليها.

стр. 329

الكرامة ليست من شرط الولاية والكرامة كما هو متقرر ليست ملازمة لمقام الولاية، فليس من شرط الولي أن يؤتى كرامة، وليس من أوتي كرامة من الأولياء يكون أولى وأفضل ممن لم يؤتَ، بل قد تكون الكرامة فضلاً وقد تكون معالجةً، وقد تكون تثبيتاً من الله لهذا الولي، ويكون غيره من الأولياء لما معهم من مقامات الإيمان لا يحتاجون إلى مثل هذه الكرامة، وهذا مما نص عليه بعض أئمة السنة كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قال: (إن بعض الكرامات قد تكون فضلاً ورفعةً، وبعضها قد يكون تثبيتاً لنوع من النقص الذي اقترن بحال الولي، فيثبت بمثل هذا). فالقصد أن الولاية لا تستلزم الكرامة، فليس من شرط الولي أن يؤتى كرامة، بل الجماهير من الصحابة ما أوتوا كرامةً، ومن غلط كثير من أئمة الصوفية حتى بعض الفضلاء منهم، أنهم يلتفتون إلى طلب مقام الكرامة، وهذا الالتفات والتحري لا شك أنه لم يكن من هدي السلف الأول، ولم يكن من هدي الصحابة، وأئمة الإسلام من أهل العلم، بل هو مخالف للسنة والأثر. وهذه الخوارق التي تقع لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام توزن بميزان الشرع، فإن كانت لولي فإنها تسمى كرامةً، وإن كانت لغير ولي فهي من الخوارق الشيطانية.

стр. 330

شرح العقيدة الطحاوية [٣٠] يؤمن أهل السنة والجماعة بما جاء في كتاب ربهم وسنة نبيهم من أشراط الساعة، ومن أصولهم التي يعتقدونها: القصد إلى الجماعة، واجتناب الفرقة والاختلاف؛ فهم يزنون كل شيء بميزان الكتاب والسنة، فهما الميزان العدل الذي لا حيف فيه ولا جور.

стр. 331

الإيمان بأشراط الساعة قال المصنف ﵀: [ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها]. أشراط الساعة: هي مقدماتها التي تقع قبل وقوعها، والمشهور في كلام المتأخرين من أهل العلم أنهم يقسمون هذه الأشراط إلى الكبرى والصغرى، وإن كان بينهم نزاع في تحديد الكبرى، وأكثرهم يقولون: إن الكبرى هي العشر التي ذكرها النبي ﷺ في حديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم وغيره، قال: (اطلع علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نتذاكر، قال: فما تذاكرون؟ قلنا: الساعة. قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر: الدخان والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم)، فهذه الآيات العشر، وقد ذكر المصنف جملة منها، هي المشهورة عند كثير من أهل العلم بالآيات الكبرى، أو بالأشراط الكبرى، وإن كان هذا التقسيم لم يرد في النصوص أصلاً. وهذه الأمة المحمدية جاءت بين يدي الساعة، وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح، أنه قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين) وجاء عند الترمذي أن النبي ﷺ قال: (بعثت أنا والساعة نستبق، كادت أن تسبقني فسبقتها)، فإذا كان كذلك، علم أن هذه الأمة بين يدي الساعة، وعليه؛ فما ذكره النبي ﷺ مقدمة لها فإنه يسمى آية لها، أو شرطاً من اشتراطها، وأما تسميتها بالكبرى والصغرى فهذه من الأسماء الإضافية، فيراد بالكبرى ما بين يدي الساعة قريب منها، وهذا مما لا إشكال فيه، وهذا استنبطه أهل العلم من دلالات النصوص، فالنبي ﷺ مع أنه ذكر أنه بعث بين يدي الساعة، إلا أنه كان يخصص بعض الآيات بنوع من التخصيص، وهذا كمثل حديث حذيفة بن أسيد لما قال: (إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات)، فذكر آيات مقاربة لقيام الساعة. فهذا التقسيم، وهو أن أشراطها تنقسم إلى صغرى وكبرى، لا ينبغي إنكاره، كما فعل بعض الباحثين والمعاصرين، كما لا ينبغي الالتفات إليه كثيراً، فهو نوع من التقسيم العلمي إذا فسر بمراد صحيح فلا إشكال فيه، فمن تركه ولم يستعمله؛ فلأن النصوص لم تستعمله على هذا الوجه، ومن استعمله، فلكونه ظاهراً من طرفٍ من نصوص السنة أن هناك آيات لها اختصاص، كهذه الآيات العشر، ولا شك أن بعض الآيات كنزول عيسى بن مريم، لا يمكن أن يقارن ببعض الآيات التي وقعت من سنوات مضت، وعن هذا قيل بهذا التقسيم بالصغرى والكبرى.

стр. 332

عدم جواز تحديد وقت الساعة وقوله ﷺ : (بعثت أنا والساعة نستبق)، الساعة تعرب على أنها: مفعول معه، وهذا دليل على المعية والمقارنة بين النبوة وبين الساعة، وقد تكلم بعض العلماء على أن الساعة لا يعلم وقتها إلا الله ، وهذا صريح في القرآن وفي كلام النبي ﷺ ، ومع هذا فإن بعض العلماء في القرن التاسع ونحوه تكلم عن قيام الساعة، ولم يحددوها، وإنما تكلموا في قربها، وأنها قد تكون في قرنهم، أو في آخر قرنهم .. إلخ، والحق أن التحديد للمسائل الخبرية، سواء كان تحديداً للساعة، أو ما هو دون ذلك، كبعض الملاحم، والقتال الذي يكون مع اليهود أو غير ذلك؛ تحديد هذه الأمور بوقت معين وزمن معين وسنة معينة، لا شك أنه لا يجوز. ولا شك أنه من الافتيات على الغيب، سواء استعمل لهذا التحديد بعض الاستقراءات من الآثار التي جاءت عن بعض أهل الكتاب أو غيرهم، أو ما يقع فيه بعض الناس -وهو أشد- من اعتبار هذه الأمور بالمنامات، فيفسرون بعض الرؤى بأنها هذه تدل على أنه سيقع القتال بين المسلمين واليهود في تاريخ كذا وكذا، وأن هذه هي الفتنة أو الملحمة التي ذكرها النبي ﷺ ، ولا شك أن هذا بدعةٌ لا أصل لها، بل يجب في هذه الأمور أن يؤمن بما حدث به الرسول ﷺ ، فضلاً عما جاء في كتاب الله، وأما مرسى هذه الأمور ووقتها وزمنها، فإن ذلك إلى الله لا ينبغي التكلف بالبحث عنه.

стр. 333

تحريم تصديق من ادعى علم الغيب قال ﵀: [ولا نصدق كاهناً ولا عرافاً]. الكاهن والعراف: هو من ادعى معرفة شيء من الغيب، وقد تكلم العلماء في الفرق بين العراف والكاهن، إلا أن هذه التقاسيم ليس بالضرورة أن تكون مطردة على كل حال، وقد يقال: إن مثل هذه الأسماء بينها عموم وخصوص، وإنها تقترن في مقام وتفترق في مقام، وأن العراف يسمى كاهناً وأن الكاهن يسمى عرافاً، وهذا هو أجود التحصيلات لها. ويشترك الكاهن والعراف في ادعاء علم الغيب، وقد يختلفون في بعض الطرق والأدوات والوسائل، ومن ذلك الرمال أيضاً. فالمقصود هنا: أن كل من ادعى علم الغيب من جهة نفسه، أو جهة غيره، سواء كان هذا الغير آدمياً أو كان جنياً، فهو كاهن أو عراف أو رمال.

стр. 334

حكم إتيان الكهان والعرافين والنبي ﷺ لما ذكرهم كما في حديث صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي ﷺ ، قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاةٌ أربعين يوماً). وجاء في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهناً أو عرافاً، فسأله عن شيء فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد)، وهذان الحديثان لا تعارض بينهما، فمن أتى كاهناً أو عرافاً فسأله ولم يصدقه، فإن إتيانه يعد محرماً، ووعيده قوله ﷺ : (لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، وأما من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه، فقد كفر، والمراد بالكفر هنا: الكفر الأكبر المخرج من الملة؛ لأن من صدق الكافر في كفره كان كافراً، فإن الكاهن إنما كفر بدعوى علم الغيب، فمن صدقه في كفره فقد شاركه في الكفر.

стр. 335

حكم إتيان الساحر وأما الساحر، فإنه يختلف عن الكاهن والعراف من وجه، ويشاركهم من وجه، أما مشاركته إياهم فبالكفر، والسحر الذي ذكر في القرآن -وهو المقصود عند العرب بالسحر- لا يكون إلا بنوع من الكفر، وهو أنه لا بد أن يصاحبه خضوع لشياطين الجن، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ..﴾ [البقرة:١٠٢]. والغالب على السحرة أنهم كهان وعرافون، ولكن من كان ساحراً فأخبر عن محل سحر المسحور، فإن من سأله وصدقه لا يكون كافراً، والفرق أن من أتى كاهناً أو عرافاً، أو حتى ساحراً فسأله عن شيء من الغيب فصدقه فإنه يكفر؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله، أما محل السحر، فليس هو من الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، فالساحر الأول الذي سحر زيداً يعلم مكان السحر، فيمكن أن بعض بني آدم يعلمون هذا المكان، فهذه مسألة لا بد من التفريق فيها، فالذي يقع من كون السحرة قد يخبرون عن محل السحر، هو كما يقرر الإمام ابن تيمية ﵀ أن الساحر لا بد أن يكون له معين وشيطان من الجن، وهذا الكبير من الجن الذي خضع له الساحر، يكون له جنودٌ وأعوان، ومعلوم أن الجن عندهم من سرعة الانتقال والمراقبة والحركة شيء كثير، ومن ذلك ما ذكر في قصة سليمان قال: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ..﴾ [النمل:٣٩]، فيقع في أعوان هذا الساحر من يراقب ويتابع، فقد يرى سحر أحد السحرة، فيعلم مكانه، فيحدث كبيره من الجن بذلك، وكبيره من الجن يحدث من خضع له من السحرة. فإذا سحر شخص وجاء إلى هذا الساحر يسأله عن مكان السحر لم يكفر؛ لأن السحر ليس من الغيب المطلق، إلا إن كان تصديق زيدٍ لهذا الساحر لاعتقاده أن علمه بهذا علم سرٍ مختص، وأن هذا الساحر يمكن أن يعلم الأشياء الخفية، وأن عنده القدرة على النفوذ والعلم بهذا السر، فإنه يكفر حينئذٍ؛ لأنه اعتقد فيه أنه يعلم الغيب.

стр. 336

حكم النشرة ولهذا فكثير من الفقهاء من الحنابلة وغيرهم رخصوا في مسألة النشرة، وهي فك السحر، ومعلوم أن هذا يتضمن سؤال الساحر عن محل السحر، ولو كان كفراً لما كان من مورد النزاع بين أهل العلم، ومعلوم أن مسألة النشرة فيها خلاف، وإن كان المنسوب إلى جماهير السلف هو النهي عنها. ولا شك أن الأولى والأقوى من قول العلماء هو تركها والبعد عنها؛ لما يقارنها من الفتن والشر إلى غير ذلك، فليس المقصود أن الراجح هو قول من يقول من الحنابلة أو غيرهم بجوازه، بل الراجح هو عدم ذلك، ولكن المقصود أن يعلم من هذا الخلاف أن سؤال الساحر عن محل السحر لا يلزم أن يكون كفراً، بل قد يكون كفراً مخرجاً من الملة، وقد لا يكون كذلك.

стр. 337

تحريم قراءة الكف ومما يجب إنكاره، ما ابتلي به كثير من المسلمين من سؤال بعض الكهان والعرافين عن بعض مستقبلهم وأحوالهم من جهة الرزق، أو الولد أو غير ذلك، ويقرءون لهم الطالع، فيقول ولدت في أي نجم وفي أي برج؟ فيقول: ولدت في برج الأسد مثلاً، وفي طالع كذا، وربما قال له: ارفع يدك، فيقرأ كفه، فمن سأله وصدقه فلا شك أن هذا من الكفر الأكبر، وإن كان كثير من المسلمين يجهلون ذلك، ولا شك أن من ادعى العلم الطالع، أو ادعى العلم بقراءة الكف، أنه كاهن عراف كافر، وهو المقصود بكلامه ﵌، وإن سُمي باسمٍ معاصرٍ قد يزينه كثير من الناس.

стр. 338

وزن المقالات بالكتاب والسنة والإجماع قال ﵀: [ولا من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة، وإجماع الأمة]. يعني: ولا نصدق من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فهذه الأصول الثلاثة هي أصول العلم، وبها توزن مقالات الناس. أما الكتاب فبينٌ، وأما السنة فهي كل ما صح عن النبي ﷺ عند أئمة السنة والحديث، فما تلقاه أئمة السنة والحديث بالقبول، فإنه من اللازم اعتباره، واللازم هنا له جهتان: الجهة الأولى: التصديق، وهذه جهةٌ مطردة. والجهة الثانية: الاستدلال، وهذه بحسب حال الناظر. فقد يكون الحديث عنده صحيحاً لكن لا يستدل به على مسألة ما لكونه يرى أنه ليس دليلاً عليها.

стр. 339

الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد وينبه في هذه المسألة إلى مسألة تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، وسبق الإشارة إلى ذلك، فإن التقسيم المستعمل عند علماء الكلام الذي قالوا به: أن الآحاد لا يستعمل في العقائد، وحقيقة هذا المذهب أن السنة كلها لا تستعمل في العقائد؛ لأنهم قالوا: إنما يستعمل المتواتر. وجمهورهم يعرفون المتواتر بأنه: ما رواه جماعة عن جماعة بإسناد متصل يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس، وصفة المتواتر على هذا الوجه: أن يرويه من الصحابة عشرة، وعن كل واحدٍ من العشرة عشرة، فيكون الرواة عن الصحابة مائة، وعن هؤلاء المائة، عن كل واحدٍ عشرة وهكذا، وهذا قد صرح كثير من الحفاظ كـ ابن الصلاح ونحوه بأنه لا مثال له، وبعضهم يقول: إنه لا ينضبط له إلا حديثٌ أو حديثان. فعلى هذه الطريقة لا يستدل بشيء من السنة إلا في محلٍ أو محلين، هذا إذا سلم هذا المحل أو ذاك، وعليه فحقيقة قول من يقول من المتكلمين وأهل البدع: إنه لا يستدل إلا بالمتواتر؛ أنه لا يستدل بالسنة في العقائد؛ إلا إذا فسر المتواتر بما هو معروف في كلام السلف، وهو ما تلقاه الأئمة بالقبول، فإن هذا إذا التزموا به لزم من ذلك بطلان عقائدهم وبدعهم، كأحاديث الرؤية والشفاعة وغيرها. ولهذا فأهل البدع يقولون عن أحاديث الرؤية: إنها آحاد، ويقولون عن أحاديث الشفاعة: إنها آحاد، مع أنها في الحقيقة متواترة على المعنى المعروف في كلام الشافعي وبعض المتقدمين من أهل العلم، فالقصد أن ما صح عن النبي ﷺ ، وتلقاه العلماء بالقبول، فإنه يجب التزامه. وأما الأحاديث التي تنازع فيها المتقدمون من السلف، من أئمة السنة والحديث، ككثير من الأحاديث المنقولة في الأحكام، فإن هذه مقامها على قدر من الاجتهاد باعتبار صحتها، فمن صححها فإنه يعتبرها، ومن لم يصححها لنوع من النظر والعلم رآه في هذه الرواية أو هذا الإسناد، فإنه لا يجوز أن يضاف إلى مخالفة السنة والجماعة. وكذلك الإجماع، يقول الإمام ابن تيمية ﵀: (والإجماع المنضبط هو إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم)، فإن الإجماع يُذكر في كلام أهل العلم، ويراد به إما الإجماع المنضبط، وهو الحجة اللازمة التي مخالفته بدعة وضلال، وإما أن يراد الإجماع السكوتي، وهو في الجملة حجة ظنية، وإن كان بين الأصوليين نزاع في حجية الإجماع السكوتي.

стр. 340

القصد إلى الجماعة من أصول السنة قال: [ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً]. المراد بالجماعة هنا: الجماعة المقتفية أثر النبوة، وهم المهتدون بهدي رسول الله ﵌، وهذا من مقاصد الشريعة الكلية. ومن أصول السنة، القصد إلى الجماعة، والبعد عما يوجب افتراق القلوب، وهذا من الأدب الواجب، ومن أخلاق النبوة التي يجب على طالب العلم أن يعلمها وأن يفقهها، وأن يربي نفسه عليها. ومع كثير من الأسف، فإن كثيراً من النفوس عندها نوع من الاستعداد للافتراق، وأحياناً قد يكون بعض طلاب العلم عنده هذا الاستعداد أكثر مما عند العامة، أي: ترى في قلوب بعض العوام من الاستقرار أكثر مما في نفوس بعض طلبة العلم، وهذا مما يجب على طالب العلم أن ينظره في نفسه، وليس صحيحاً أن تفسر سائر الواردات التي ترد على النفس بكونها من تتبع الحق، فقد يكون هذا تتبعاً للحق، وقد يعرض لبعض الناس -ولو كان من أولي العلم- ما يفرق به ولا يكون موجب ذلك من الحق اللازم. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما تكلم عن هذه المسألة، قال: (ومعلوم أنه يعرض لكثيرٍ من أهل العلم الكبار، بعض مقامات الغلط حتى ما هو من الهوى الخفي، فمثل هذا يقع لبعض الأكابر من أهل العلم، بل يقع لبعض الصحابة، وقد يعرض لبعض النفوس درجة من درجات الهوى الخفي، ولهذا كان من فقه السلف، أنهم كانوا يسمون من خرج عن السنة والجماعة: أهل الأهواء، مع أن بعضهم قد يكون خروجه في مسألة ما غير صادر عن هوى محض، ولكن لا بد أن يقارن من خالف المتواتر شيء من الهوى، قد يكون هذا الهوى بيناً وهذا يسلم منه طلاب العلم في الجملة؛ لما هم فيه من العلم والتقوى .. إلخ). ولكن الشأن في الهوى الخفي، والنفوس فيها إرادات كثيرة، وفيها متعلقات كثيرة، وليس من الصواب أن يكون طالب العلم ليس له حال إلا الاشتغال بإخوانه من أهل العلم الذين قد يخالفونه في بعض المسائل، مع أن إنكار المنكر -لو كان- فرض كفاية، فتكفي مرة أو مرتان أو ثلاث، بينما تجد أن البعض تمضي عليه سنوات لا يردد في مجالسه إلا قضية أو قضيتين، وهذه القضية قد لا تتعلق إلا بكتاب أو بشخص، أو تكون قضية نسبية أو اجتهاداً سائغاً. ومعلوم أن فروض الكفايات كثيرة، وهناك أيضاً فروض الأعيان التي تجب على المسلم وهي أولى، فينبغي لطالب العلم، أن يكون فقيهاً وأن يكون مهتدياً حقاً ومقتفياً أثر السلف ﵏ فيما كانوا عليه من السعي إلى اجتماع القلوب والنفوس والحرص على السنة، ويعلم أن الناظر لا بد أن يخطئ، وقد يغلط فيقول قولاً يخالف ظواهر الأدلة وإن كان من أهل السنة. ومثل هذا لا شك أنه يجب إنكاره، ويجب تحقيق السنة، وتحقيق سبيل السلف، لكن الإنكار على مثل هذا لا بد أن يكون على قدرٍ من الفقه والحكمة والاعتدال، وأما تخبيب النفوس وتقوية الإرادات النفسية التي تقوم على الانتصار، والاختصاص، والاصطفاء الذي ليس عليه أثر؛ هذا كله مما ينبغي لطالب العلم أن يبتعد عنه، وأن يدرك أن هذا العلم الذي بعث به رسول الله ص، متضمن للرحمة، وهكذا العلم الذي آتاه الله أولياءه، ومن كان علمه لا رحمة معه، فما أوتي العلم الذي رضيه الله ـ لعباده. ولهذا لما ذكر الله الخضر قال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥]، قال شيخ الإسلام: (وعلم الأنبياء والأولياء الذين اقتدوا بهم يجمع هذا المقام وهذا المقام؛ لأن العبد إذا تعطل عن مقام الرحمة قوي في نفسه بعض الإرادات التي تبعثه على الانتصار، فاتخذ العلم بغياً)، والذي يشكل حقيقة هو الاستطالة بالحق، وأول بدعة حدثت في الإسلام وهي بدعة الخوارج استطال أهلها بالحق؛ لأنهم ادعوا الحق دليلاً على بدعتهم -أي جعلوه شعاراً لبدعتهم- فقالوا لـ علي: (حكمت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله)، فالكلمة حق، وعلي نفسه قال: (كلمة حق أُريد بها باطل)، فينبغي لطالب العلم أن ينتبه من كلمة حق أريد بها باطل، بل ينبغي لطالب العلم أن ينتبه من كلمة حق أريد بها حق لكن الكلمة ليست في محلها، فقد تكون الكلمة حقاً والشخص يريد حقاً، لكن المقام ليس هو المقام المشروع.

стр. 341

الإسلام هو دين الله قال ﵀: [فدين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ف﴾ [المائدة:٣]]. الإسلام يطلق ويراد به المعنى الخاص، وهو شريعة محمد ﷺ ، وهذا معنى قوله ﷺ : (بني الإسلام على خمس ..) فالمراد بالإسلام في حديث ابن عمر هذا المتفق عليه الإسلام بمعناه الخاص، وهو شريعة رسول الله ﷺ ، ويذكر الإسلام مطلقاً ويراد به التوحيد، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]، ولهذا نقول: إن نوحاً ولوطاً وموسى ﵈ كانوا على الإسلام، وعن هذا قال الله عن إبراهيم: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧]، أي: موحداً. فدين الله في الأرض والسماء هو الإسلام، ولهذا قال ﵊ كما في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه: (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات وديننا واحد)، وأولاد العلات: هم الأخوة الذين أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفة، فشرائع المرسلين تختلف، ولكن توحيدهم واحد، وهو إفراد الله بالعبادة، وهذه هي أحكم كلمةٍ أرادها الله من عباده، أي: التوحيد. ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يوظف جهده لتقرير هذا الأصل، ولتقرير فقهه، والعناية بأصول الدين، وأخصها توحيد الله والدعوة إليه.

стр. 342

اعتدال دين الإسلام بين الغلو والتقصير قال المصنف ﵀: [وهو بين الغلو والتقصير]. الغلو: هو الزيادة، ثبت عنه ﷺ كما في الصحيح أنه قال: (هلك المتنطعون)، وهذا معنى الغلو، أي التكلف، ومن هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم كثيراً ما يقولون لأقوامهم: ﴿وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، ومن معنى هذه الآية، أنهم لم يأتوا بهذا من جهة أنفسهم، وهذا المعنى وإن كان بيناً إلا أنه ينبغي لطالب العلم أن يفقهه، وأن الأصل، أن الإنسان لا يتكلم ويخاطب غيره بأمرٍ ونهي شرعي، إلا إذا تحقق عنده أن هذا الأمر وهذا النهي قد جاءت به الشريعة. فالمسائل منها ما محل إجماع، وهي مسائل بينة، ومنها ما هو محل نزاع بين السلف، ومسائل النزاع تنقسم إلى قسمين: الأول: مسائل فيها آثار من السنة، ولكن خالف من خالف لموجب من الموجبات، إما لعدم بلوغ النص إليه أو لغير ذلك. الثاني: مسائل هي في أصلها ليس فيها آثار مختصة، وإنما مبناها على مقام من الاجتهاد والفقه ونحو ذلك. فينبغي لطالب العلم أن يعرف قدر كل مسألة، فالأصل يجب أن يكون أصلاً، والخلاف يبقى خلافاً، والاجتهاد يبقى اجتهاداً، وأما أن يتكلف بعض طلاب العلم في المسائل ليحسم في كل مسألة حسماً تاماً فهذا وجه من الغلط في دراسة الفقه، بخلاف مسائل الأصول. مثال ذلك: من يدرس مسألة الرؤية وهي من مسائل أصول الدين، ومن الطريقة السنية الصحيحة اللازمة النظر إلى أدلة المعتزلة، والرد على جميعها وإبطالها؛ لأن إثبات الرؤية هو قول السلف، وهو الحق المطلق، وما ضاد هذا القول أو ناقضه فهو باطل ولا بد، ولا يمكن أن يكون حقاً، بل يقضى بكونه باطلاً وضلالاً. لكن إذا كانت المسألة من مسائل النزاع بين الأئمة الأربعة، تجد أن البعض يذكر الأقوال وأدلتها، ويرى أن الترجيح غير ممكن إلا إذا استطاع أن يقضي قضاءً مبرماً وتاماً على كل دليل في الأقوال الأخرى التي لم يرجحها، فمثلاً: إذا قال: الراجح قول الحنابلة قال: الجواب عن أدلة المالكية، فما يدع دليلاً من أدلتهم إلا ويجعل الاستدلال به متعذراً، وهكذا .. وهذا لا شك أنه غلط؛ لأن هذه مسائل مقولة بالأحرى والأخلق والأظهر والأرجح، ومقام الاستدلال مقام دقيق عند الأئمة، كما قدتقدمت الإشارة لهذا. والمجتهدون ينقسمون إلى أقسام: فهناك المجتهد المطلق، وهناك المجتهد في المذهب، ويريدون بالمجتهد في المذهب من يستدل بأقوال الإمام، وكثير من أصحاب الأئمة الأربعة من هذا القبيل، كما أنهم قد أضافوا إلى مذاهب أئمتهم بعض الأقوال التي ما كانت محققة عن الأئمة الأربعة، وأيضاً فإنهم استدلوا لمذاهب أئمتهم، فالاستدلال الذي يستدل به حنبلي متأخر لقول الإمام أحمد، ليس بالضرورة أن يكون هو الدليل الذي كان الإمام أحمد يعتبره، ولا يقال على هذا: إن ما في كتب الحنابلة ليست هي دليل المذهب الحنبلي، بل لابد أن ما في كتب الحنابلة ينتهي إلى دليل المذهب الحنبلي، وهكذا بقية المذاهب. والذي ينبغي لطالب العلم هو أن يمحص وأن ينظر في كلام الأئمة وفي مسائلهم الأولى وفي كلام كبار أئمتهم ماأمكن، وأما التعجل بهذا الوجه، فليس طريقة مناسبة.

стр. 343

عدم التشديد في مسائل الخلاف والاعتدال فيها المقصود: أن المسائل الخلافية ينبغي ألا يشدد فيها، فالصحابة كانوا يختلفون وما كان يضيق بعضهم على بعض في قوله، إلا إذا قال -ولو كان فقيهاً أو إماماً أو كان مجتهداً- قولاً ظاهر المخالفة للسنة والآثار، كإنكار الصحابة على ابن عباس في مسألة العول مع أن ابن عباس كان يقول: هاتوا دليلاً من كلام الله أو من كلام رسوله، لكن فقه جماهير الصحابة في مسألة العول هو الصواب. فإذا قال إمامٌ متقدم أو معاصر قولاً يخالف صريح الكتاب أو ظاهر الأدلة والمأثور عن عامة الصحابة، فهذا ينكر، وأحياناً بعض طلاب العلم ينكرون أقولاً ويقولون: إنها مخالفة للسنة، مع أن عليها العامة من السلف، مثلاً: الحائض إذا طهرت في وقت العصر، لا شك أنها تصلي العصر، لكن هل تصلي الظهر؟ المسألة فيها نزاع، فمن العدل أن يقال: المسألة فيها نزاع، وتبقى مسألة خلافية، لكن الإشكال أن ترى بعض طلاب العلم أحياناً يقرر أن القول بأنها تقضي الظهر قول لا دليل عليه، مع أن الإمام أحمد يقول: عامة التابعين على هذا القول إلا الحسن، أي أنها تصلي الظهر والعصر، فكيف يقال: بأن هذا القول لا دليل عليه وعامة التابعين على هذا القول؟ ولو كان القائل واحداً لقلنا: إنه اجتهد فأخطأ، ولكن هذا قول الجماهير. - وكذلك مسألة اعتبار طلاق الثلاث واحدة، فكونك تقول بأن الراجح أن طلاق الثلاث واحدة لحديث ابن عباس عند مسلم، هذا لا إشكال فيه، وقد أفتى به شيخ الإسلام، وأفتى به بعض الأكابر من المعاصرين، لكن الإشكال هو أن تقول: إن القول بأن طلاق الثلاث ثلاث لا دليل عليه، فهل يطبق عامة أهل العلم على مسألة ليس فيها دليل؟! وليس المقصود من هذا الكلام أن يقال: إنه ينبغي لطالب العلم أن يتبع الجمهور، بل يجب على طالب العلم أن يتبع الدليل، لكن يجب أن يتأدب، فإذا اختار قولاً فلا يقول عن القول الآخر إنه لا دليل عليه، فهذا إنما يقال في مسائل البدع، أو في مسائل ظاهرة الشذوذ عن السنة والفقه، وأما الأقوال التي عليها أكابر العلماء، فلا شك أنه من غير الممكن ذلك. يقول شيخ الإسلام: (وقد اعتبرت مسائل الشريعة في الجملة، فما وقع عليه النظر، فإن القول الذي يذهب إليه الجمهور من السلف يكون هو الصواب في الجملة)، وعلل ذلك بقوله: (لأنه من المتعذر أن السنة في المسألة تخفى على جمهور أئمة سلف الأمة، ولاسيما إذا اختلفت أمصارهم)، فإذا رأيت العراقيين والحجازيين والشاميين يقولون قولاً، فهنا ينبغي أن تنتبه. كذلك أيضاً إذا رأيت الليث بن سعد في مصر، ومالكاً في المدينة، والثوري في العراق، والأوزاعي في الشام -وهؤلاء الأربعة كما قال شيخ الإسلام وغيره: هم أعلم الأئمة في طبقة تابع التابعين- إذا رأيت مثل هؤلاء الأربعة أجمعوا على قول فيجب ألا تقول عن مثل هذا القول إنه لا دليل عليه.

стр. 344

وسطية أهل السنة في الأسماء والصفات والقدر قال المصنف ﵀: [وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس]. التشبيه: هو تشبيه صفات الله، والذين أحدثوا هذه البدعة هم أئمة الرافضة كـ هشام بن الحكم وهشام بن سالم وداود الجواربي، ثم انتقل الرافضة من بعد ظهور المعتزلة البغدادية في الجملة إلى مذهب المعتزلة، والتعطيل هو تعطيل صفات الله بالتحريف الذي سموه تأويلاً على طريقة الجهمية والمعتزلة، ويدخل في ذلك ما استعمله طائفة من متكلمة الصفاتية في الصفات الفعلية وغيرها. قوله: (وبين الجبر والقدر)، الجبر: هو القول بأن العبد مجبور على فعله، والقدر: هو نفي القدر، والقدرية على قسمين: غلاةٌ، وغير غلاة، وقد تقدم الكلام عليهم. قوله: (وبين الأمن والإياس)، هذا في مسائل الأحوال، وتقدم التعليق على هذه المسألة.

стр. 345

الكلام عن مصطلح الظاهر والباطن قال المصنف ﵀: [فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً باطناً]. قوله: (ظاهراً وباطناً) الدين لا ينقسم إلى ظاهر وباطن، باعتبار أن الشريعة الظاهرة تخالف الحقيقة الباطنة، وأما أن الأعمال منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو باطن، فلا شك أن هذا صحيح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠]، فالذنوب منها ما هو باطن ومنها ما هو ظاهر، والأعمال الصالحة كذلك، فمنها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن، وإنما المنكر جَعْلُ الدين شريعة ظاهرة، وحقيقة باطنة، ثم التفريق بينهما، كقول من يقول: إن العامة يكلفون بالظواهر، وأما الخاصة فيكلفون بالباطن، ونحو ذلك من الطرق التي أحدثها الباطنية من الصوفية أو المتشيعة.

стр. 346

شرح العقيدة الطحاوية [٣١] يتبرأ أهل السنة والجماعة من جميع من خالف ما قطع بمجيء النبي ﷺ به، وهو أصول الدين، كالجهمية والمعتزلة والمشبهة والقدرية، الذين نبذوا الكتاب، واتبعوا الأهواء، وفارقوا جماعة المسلمين، وأصروا على ما هم فيه من الزيغ والضلال.

стр. 347

براءة أهل السنة من المخالفين لهم في الأصول قال المصنف ﵀: [ونحن براءٌ إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية، مثل المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق]. قوله: (ونحن براءَ)، البراءة من المخالف لا تكون إلا فيما علم أن النبي ﷺ جاء به بالقطع فخالفه من خالفه، فهذا المخالف لما علم بالضرورة مجيء الرسول ﷺ به كأصول الدين؛ يتبرأ منه، وأما من خالف فيما هو دون ذلك، ولو كان مخالفاً لظاهر السنة أو لقول العامة من أهل السنة؛ ما دام أن قوله مأثور في كلام المتقدمين كالأقوال المرجوحة، فلا يطلق فيه لفظ البراءة، وإنما البراءة تكون في مسائل الأصول المعلومة من الدين بالضرورة عند أهل السنة.

стр. 348

التعريف بأصول المعتزلة قول المصنف ﵀: (والمذاهب الردية مثل المشبهة والمعتزلة). تقدم التعريف بالمشبهة: تقدم، وأما المعتزلة: فهم أتباع واصل بن عطاء الغزال، وعمرو بن عبيد، وقد تكلموا في أول أمرهم في مسألة الكبائر، ثم صار للمعتزلة من بعد أصولٌ خمسة: الأصل الأول: التوحيد، وأرادوا به نفي الصفات. الأصل الثاني: العدل، وأرادوا به نفي القدر. الأصل الثالث: المنزلة بين المنزلتين، وهي أن مرتكب الكبيرة عديم الإيمان، وهو فاسق بين الكفر والإيمان، وهي منزلة الفسق المطلق. الأصل الرابع: إنفاذ الوعيد، ومعناه عندهم: أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار. الأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعناه عندهم: الخروج على أئمة الجور. والمعتزلة منهم بصرية، ومنهم بغدادية، ومن أخص أعيانهم وأئمة متكلميهم بعد عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، بل هو منظر المذهب في مسائل الصفات: أبو الهذيل العلاف، ومن أصحابه: أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، وإن كان بين العلاف والنظام خلاف واسع في بعض المسائل، ولكنهم يتفقون على جمهور هذه الأصول المعروفة، وقد ذكر الأشعري وغيره الخلاف في مقالات المعتزلة.

стр. 349

نسبة الجهمية والجبرية قوله: (والجهمية والجبرية، والقدرية). الجهمية: إضافة إلى الجهم بن صفوان الترمذي، وكان من الجند والجيش، ولكنه تلقى بدعته عن بعض الفلاسفة، وقررها وأظهرها فنسبت إليه، وقيل: إنه أخذها عن جعد بن درهم، فالله أعلم بذلك. والجبرية: هم القائلون بالجبر، وهذه الألفاظ والمصطلحات التي يستعملها المصنف، بعضها عبارة عن مدارس، كالمعتزلة، فهي عبارة عن تنظيم مدرسي، وبعضها عبارة عن نظريات مضافة، إما إلى الحقيقة النظرية، وإما إلى معينٍ قال بها، كالجبرية، فالجبرية ليست عبارة عن مدرسة منتظمة، إنما هي عبارة عن نظرية الجبر. وكذلك الجهمية: فهي تسمى بهذا نسبة إلى أن الجهم بن صفوان هو المنظر لهذه البدعة، ومراد السلف بالجهمية: معطلة الصفات، مع أن جمهور من عطل الصفات ما كانوا موافقين للجهم في كثيرٍ من أصوله كالمعتزلة.

стр. 350

عدم تعرض المصنف للمتكلمة الصفاتية والمصنف ﵀ لم يذكر متكلمة الصفاتية من الكلابية والأشعرية والماتريدية، مع أنه متأخر، والغالب على المحققين من أهل السنة والجماعة أنهم يذكرون غلط متكلمة الصفاتية، وهذا لا يلزم منه أن أبا جعفر ﵀ كان موافقاً لهم، لكن يفهم منه درجة من عدم الامتياز والمباينة التامة، ولهذا سبقت الإشارة إلى أنه استعمل بعض حروف الأشعرية في بعض المسائل، كمسألة الكسب ونحوها، ومع هذه التعقبات التي قيلت في رسالة أبي جعفر ﵀، سواء كانت تعقبات لفظية، أو لفظية ومعنوية كما في مسألة الإيمان، إلا أن هذه الرسالة رسالة فاضلة في أصول أهل السنة والجماعة، ذكر فيها المصنف ﵀ أصول أهل السنة والجماعة، وقيد جملاً حسنة، وقال قولاً حسناً في مسائل أصول الدين، فينبغي الاعتناء بها، وتفصيلها على طريقة سلف الأمة رحمهم الله تعالى.

стр. 351

الحكم على أهل البدع والضلال قوله: [ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق]. أي: وهم عندنا ضلال؛ لأن أقوالهم بدع، كما قال ﷺ : (وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة)، جاء في الصحيح من حديث جابر، وجاء في سنن أبي داود وغيره: (وكل ضلالة في النار)، وطائفة كـ شيخ الإسلام ابن تيمية يقولون بأن هذا الحرف ليس محفوظاً، ومعتبر شيخ الإسلام ومن يأخذ على طريقته أن الضلالة قد تكون مغفورةً، وأن البدعة قد تكون مغفورةً للعبد، أو قد تسقط عقوبتها بغير العذاب، ومن هنا قال شيخ الإسلام: إن هذا الحرف ليس محفوظاً عن الرسول ﷺ ، يعني قوله: (وكل ضلالة في النار). وهذا المعنى الذي قرره شيخ الإسلام وجعل به هذا الحرف ليس محفوظاً ليس لازماً فيما يظهر، بمعنى أن هذا الحرف إذا لم يكن مشكلاً من جهة الرواية نفسها، فإنه من جهة المتن ليس مشكلاً، وإن كان المعنى الذي قرره شيخ الإسلام صحيحاً، لكن يقال: إن قوله: (كل ضلالة في النار)، يثبت كسائر النصوص التي جاءت في الوعيد، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ [النساء:١٤] مع أنه لا يلزم أن سائر العصاة كذلك، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠]. وقد يقال: إن معتبر شيخ الإسلام ﵀ هو التصريح بالعموم، فإنه قال: (وكل ضلالة في النار)، لكن يقال: إن السياق في قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ الله)، أيضاً هو من سياقات العموم، والسياق في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، هو من سياقات القصر والحصر، فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن إعلال هذا الحرف بهذا الوجه ليس لازماً، وإن كان المعنى الذي قصده شيخ الإسلام من المعاني البينة المحكمة، والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.