Полный текст (351 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الخلاف بين أهل السنة والمتكلمين في دليل النبوة
وإنما المسألة التي تكلم أهل السنة فيها كثيراً وخالف فيها طوائف من المتكلمين، هي مسألة دليل النبوة؛ فإن جماهير طوائف المتكلمين يقولون: إن دليل النبوة هو المعجزة، ويفسرونها بما هو خارق للعادة على جهة التحدي، وقولهم هذا غلط من جهتين:
الأولى: أنهم قصروا دليل النبوة على المعجزة.
الثانية: أنهم فسروا معجزات الأنبياء بالخوارق التي تقع على جهة التحدي.
والذي اتفق عليه السلف ﵏ أن النبوة لا يختص دليلها بالمعجزات، بل تثبت النبوة بالمعجزة التي تذكر في القرآن وتسمى (آية)، وتثبت بغير ذلك، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (ما من الأنبياء نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحى الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة).
والدليل على فساد قول المتكلمين: أن الجماهير من المسلمين آمنوا بالنبي ﷺ ولم يبلغهم عند إيمانهم معجزة له، وإنما آمنوا بما بعث به من الحق، وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ لما كتب النبي ﷺ إلى هرقل كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام، قال ابن عباس: (حدثني أبو سفيان من فيه إلى فيَّ، قال: انطلقت بالمدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ إلى الشام)، وفيه أن هرقل قال: (هل هنا أحد -أي: بالشام- من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فدعيت في نفر من قريش، فأجلسني بين يديه، وأجلس أصحابي خلفي، وقال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا -يعني: أبا سفيان - عن الرجل الذي يزعم فيكم أنه نبي، فإن صدقني فصدقوه، وإن كذبني فكذبوه، فكان في أسئلة هرقل:
هل كان من أبيه ملك؟
فقال أبو سفيان: لا.
فقال هرقل: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
فقال أبو سفيان: لا.
فقال هرقل: هل قال هذا القول أحد قبله؟
فقال أبو سفيان: لا.
قال هرقل: من يتبعه؛ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟
قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.
قال هرقل: يزيدون أم ينقصون؟
قال أبو سفيان: بل يزيدون.
قال هرقل: أيرتد أحدهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟
قال أبو سفيان: لا.
قال هرقل: هل يغدر؟
فقال أبو سفيان: لا يغدر، ونحن منه في مدة -أي: في صلح- لا ندري ما هو صانع فيها.
ثم قال أبو سفيان: فوالله ما أمكنني أن أدخل كلمة إلا هذه -أي: تشكيكاً بالدعوة-.
ثم قال: بم يأمركم؟
قال أبو سفيان: يأمرنا بالصلاة، والصدقة، والصلة، والعفاف).
فهذه الأسئلة ليس فيها سؤال عن المعجزات، وبعدها قال هرقل: (إن يكن ما تقوله فيه حقاً فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه).
ثم بيّن هرقل معنى هذه السؤالات، فقال: (سألتك: هل كان من آبائه ملك؟ فلو كان من آبائه ملك، لقلت: رجلٌ يطلب ملك آبائه، وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فلو قاله أحدٌ قبله فيكم، لقلت: رجلٌ ائتم بقول قيل قبله ..) إلى غير ذلك.
فالمقصود: أن هرقل عرف نبوة النبي ﷺ بدلائل ليس منها المعجزات، مما يدل على أن دليل النبوة ليس مقصوراً على المعجزة.
وكان النبي ﷺ يأتيه الوفود وتأتيه الأعراب، وآمن به من آمن من عبدة الأوثان، ومن اليهود والنصارى، مع أن جمهور من آمن به لم ينظروا معجزة وقت إيمانهم، وإنما صدقوه بما يقوله من الحق، ولهذا فإن أعظم ما بُعث به النبي ﷺ وأخص دلائل النبوة هو القرآن.
والقرآن من حيث الحقائق والنظم، فإن الله تحدى العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن.
стр. 72
إثبات كرامات الأولياء وحقيقة السحر
الوجه الثاني في المسألة: أن جماهير المتكلمين لما قصروا دليل النبوة على المعجزة، نفى طوائف منهم كرامات الأولياء، وكذا حقيقة السحر، لأنهم فسرو المعجزة بأنها الخارق للعادة على جهة التحدي، قالوا: ولو أثبتنا كرامات الأولياء، وخوارق السحرة والكهان، لكان هذا يمكن أن يكون مماثلاً لدليل النبوة.
ولا شك أن كرامات الأولياء ثابتة بإجماع أهل السنة والجماعة، وقد ذكرها الله في كتابه في قصة الفتية أهل الكهف؛ حيث آتاهم الله تلك الكرامة المذكورة في سورة الكهف، وقد ثبتت الكرامة لغير واحد من الأمة، وعلى هذا أجمع السلف.
وكذلك ما يقع من خوارق الكهان والسحرة والعرافين والرمالين، فإن هذا ثابت، ولا يقال: إنه يختلط مع دليل النبوة، فإن ثمة فرقاً بين المقامين، من جهة القائم به، ومن جهة الفعل نفسه.
стр. 73
الفرق بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق المشعوذين
الفرق الأول: أما من جهة القائم به، فإن دليل النبوة إذا كان معجزةً فإن الذي يذكره نبي، وفرق بين النبي والولي، فضلاً عن الكاهن أو الساحر أو العراف، ولهذا قالت خديجة ﵂ للنبي ﷺ لما أتاه الوحي: (أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق).
ومن المعلوم قطعاً أن الولي لا يمكن أن يختلط بالنبي، إذ من شرط الولاية أن لا يكذب بالدعوى، فمن ادعى النبوة فإنه يعلم أنه ليس بولي، بل هو من أعظم الكفار كفراً، وأما الكهان والعرافون والسحرة والرمالون، فإن أحوالهم التي تكتنفهم من الشر والفجور والفسوق والعصيان، تكفي دليلاً على أنهم ليسوا بأنبياء ولا صادقين فيما يدعون، وإن اتصفوا بأحوال هي في نظر الناس تعد من الخوارق.
والفرق الثاني: من جهة الفعل الخارق نفسه، ومن أخص دلائل هذا الفرق ما ذكره الله في قصة موسى وسحرة فرعون، فإن الله أمر موسى أن يلقي عصاه، قال: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [القصص:٣١] والسحرة ألقوا حبالهم وعصيهم، حتى أن الله قال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] ففي نظر الناس تحركت هذه العصي والحبال، وتحركت عصا موسى، ولكن بين الحقيقتين فرق بيِّن، فإن عصا موسى قد انقلبت حيةً على الحقيقة، وهذه قدرة الله ، بخلاف حبال السحرة وعصيهم، فإنها في نفس الأمر لم تزل حبالاً ولم تزل عصياً.
وقد قرر شيخ الإسلام ﵀ أن كرامات الأولياء ليست كخوارق السحرة والكهنة والعرافين، وإذا كان بين كرامات الأولياء وخوارق السحرة والكهنة والعرافين فرق، فمن باب أولى الفرق بين معجزة النبي وخوارق السحرة.
ولهذا فإن الخوارق التي يدعيها الكهان والعرافون والرمالون لا بد أن يصاحبها الكفر؛ فإنها نوع خضوع لشياطين الجن، ومعلوم أن الجن لهم من الاقتدار على الأشياء ما ليس لبني آدم، فيتحركون حركة هي في نظر الجن حركة معتادة، وتكون في نظر الإنس حركة خارقة، وقد قال الله : ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩]، وقال الله عنهم: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ:١٣]، وهذا بخلاف الخارق الذي يقع للولي، فإنه نعمة من الله، ليس تحريكاً من جهة الجن، فضلاً عما يقع لنبي أو رسول.
стр. 74
حكم السحر
ولقد اتفق السلف ﵏ على أن السحر كفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، فإن الساحر إنما كفر لأنه خضع لغير الله بالطاعة والاستسلام والانقياد، وهكذا كفر بإجماع المسلمين، والذي تكلم به بعض أصحاب الإمام الشافعي ونسبوه قولاً له من التفصيل في مسألة السحر، هو خلاف لفظي؛ فإنه منذ زمن متقدم ترجمت العلوم، ومنها علوم الكيمياء والسيمياء ونحوها، وهذا يحدث نوعاً من الحركة الغير معتادة بفعل تركيب ومزج بعض المواد ونحو ذلك، وليس من تأثير الجن، فصار بعض الفقهاء يقولون: لا بد من معرفة صفة السحر، فإن كان مرتبطاً بالجن فهو كفر، لأنه يكون خضوعاً، وإن كان نوع حركة كخفة اليد مثلاً أو وضع بعض المواد على بعض فيتحول إلى مادة أخرى أو نحو ذلك، فهذا لا يعدونه كفراً وهو كذلك، لأنه ليس سحراً، وإن كان ينهى عنه سداً للذريعة وزجراً لهؤلاء حتى لا يفتتن الناس.
وهذا التفصيل ليس مختصاً ببعض فقهاء الشافعية، بل بالإجماع أن مثل هذا لا يسمى كفراً، وكأن الغلط هو في تسميته سحراً.
стр. 75
الفرق بين النبي والرسول
قول المصنف ﵀: (وإن محمداً عبده المصطفى) أي: عبد الله، ولفظ العبودية هنا لفظ تشريف كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩].
وقوله: (ونبيه المجتبى) أي: أن الله اجتبى نبيه، (ورسوله المرتضى) أي: أن الله رضيه رسولاً له ورضي عنه، والمصنف ذكر نبوته ورسالته، وهو ﵊ يسمى نبياً ويسمى رسولاً بالإجماع، وهذا يقود إلى ذكر مسألة الفرق بين النبي والرسول، وهي مسألة تكلم فيها المتأخرون كثيراً، وذكر بعضهم أقوالاً يُعلم أنها من الغلط.
والشائع في كلام أكثر الشراح أن النبي من أُوحي إليه بشرع ولم يُؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، وهذا ليس عليه دليل.
فإن الله قد أخذ الميثاق على أولي العلم الذين لم يأتهم وحي أن يبينوه للناس، فكيف بمن أوحى الله إليه وحياً، فلا معنى لهذا القول، وقد نُسب هذا القول إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولكنه ليس كذلك، بل الصحيح الذي قرره شيخ الإسلام ﵀: أن النبي هو من أوحي إليه اتباع وتجديد شريعة نبي قبله، فهذا التكليف هو النبوة، ويكون الرسول على هذا التعريف هو: من بُعث إلى قوم بأصل التوحيد، وأما من كان المقصود من بعثته إما نسخ الشريعة السابقة، أو التثبيت لها، أو التجديد في بعض مسائلها مع كون القوم الذين بعث فيهم على أصل التوحيد، فإنه يُسمى نبياً، وقد قال النبي ﷺ كما في الصحيح: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي).
وقد قال بعض العلماء: إنه ليس من شرط الرسول على هذا الوجه أن يختص بشريعة، بل قد يبعث بأصل التوحيد، ويكون موافقاً لشريعة رسولٍ قبله، وهذا تحصيل محتمل، والله أعلم به.
ومثلوا لذلك بيوسف ﵊؛ فإن الله قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ الله مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤] فظاهر السياق أنه رسول، وكان على ملة إبراهيم، أي: على شريعته.
وهذا تحصيل محتمل، لأن قوله: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ [يوسف:٣٨]، الظاهر أن المقصود به التوحيد.
стр. 76
ختم النبوة بمحمد ﷺ
وقوله: (وإنه خاتم الأنبياء)؛ هذا صريح في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا لبنة، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: ما أحسن هذا البنيان، قال: فأنا خاتم النبيين وأنا موضع هذه اللبنة).
وقد تواتر عنه ﷺ أنه خاتم النبيين، وهذا محل إجماع بين المسلمين، فكل من ادعى النبوة بعده فإنه يكون كافراً، سواء ادعى أنه نبي على الاختصاص، أي: أتى بشريعة جديدة، أو ادعى أنه نبي يوحى إليه فيما اختلف الناس فيه من أمر شريعة رسول الله ﷺ .
وعليه: فدعوى بعض الطوائف الغالية الوحي، أو بعض مقامات الوحي لبعض الناس، كالقول بعصمة أئمة الشيعة، وأن صاحب هذا المقام لا يمكن أن يخطئ إذا تكلم في شرع الله؛ لا شك أنه كفر بإجماع المسلمين.
стр. 77
تفضيل النبي ﷺ على سائر الأنبياء
وقوله: (وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين):
لا شك أن النبي ﵊ أفضل بني آدم، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (أنا سيد الناس يوم القيامة)، وقال: (أنا سيد ولد آدم)، فلا شك أنه أفضل رسل الله وأنبيائه، وتفضيله ﷺ مجمع عليه.
وقد جاءت بعض النصوص مشكلة على هذه المسألة كقوله ﷺ : (لا تفضلوا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بساق العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور)، وغيره من الأحاديث التي ظاهرها معارضة ما تقدم من تفضيله ﷺ على غيره من الأنبياء.
فهذا الحديث وما في معناه ينبغي الوقوف على معانيها والمقصود منها، فيقال: هو في هذا المقام المختص حين يصعق الناس يوم القيامة أول من يفيق، لكن هل موسى ﵊ يفيق قبله، أم يكون موسى ممن استثنى الله؟ الجواب: الله أعلم؛ لأن النبي ﷺ لما حدث بالحديث قال: (فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله)، فيجب في هذه المسألة الوقوف، ويحمل قوله ﷺ : (لا تفضلوا بين الأنبياء) على ما إذا كان التفضيل على جهة التعدي، أو استلزم التفضيل التنقيص أو الإسقاط لحق نبي من الأنبياء.
ويدل لهذا مناسبة الحديث كما في الصحيح: (أن أحد اليهود قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه أحد الصحابة وقال: أتقول هذا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟! فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: لا تفضلوا بين الأنبياء).
وليس معنى الحديث منع المسلم أن يعتقد أن محمداً ﷺ أفضل من غيره وأن موسى ﵇ أفضل من كثير من الأنبياء، فإن الله قد قال في القرآن: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥]، ولكن من أصول أهل السنة، أنه لا يستطال على أحد من خلق الله لا بحق ولا بغير حق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو يذكر مذهب أهل السنة والجماعة في آخر الرسالة الواسطية قال: (ويرون ترك الاستطالة بحق أو بغير حق).
أما الاستطالة بغير حق: فكالاستطالة بمحض الظلم والكذب أو الخطأ أو الغلط، وهذا بين.
وأما الاستطالة بحق: فأن يكون الأصل الذي انطلق منه حقاً ولكنه زاد فيه، ومن أخوف ما يخاف على هذه الأمة، أن يتخذ العلم بغياً، وهو من أخلاق أهل الكتاب التي لما دخلت وشاعت فيهم، أفسدت ملتهم وجعلتهم شيعاً وأحزاباً.
وهذا مع الأسف يقع كثيراً في الناس اليوم وقبل اليوم، فيستطال على بعض الأعيان، أو بعض الطوائف بما هو من العلم، ولهذا وقع أول الافتراق في هذه الأمة لما استطال الخوارج بالحق، أي: أنهم استدلوا بالقرآن، وقالوا: لا حكم إلا لله، كان من فقه الإمام علي ﵁ أن قال: (كلمة حق أريد بها باطل).
فينبغي لطالب العلم أن يفقه هذه المسألة وأن يعرف أدب أهل السنة، فإن العلم إنما بُعث هدىً ورحمة، ولم يكن العلم الذي أوحاه الله إلى أنبيائه ورسله ليتخذ بغياً واستطالة، فإن طلب العلو في الأرض غاية فرعون وأمثاله الذين ذمهم الله في كتابه.
ولهذا لما ذكر الله العلو المناسب للمؤمنين جعله مطلقاً، فقال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، ولما ذكر فرعون قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٤] فالعلو المناسب للمؤمن هو العلو الإيماني، الذي يقوم على العدل والرحمة، ولهذا لما ذكر الله سبحانه الخضر قال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الرسل بعثوا بالعلم والرحمة، فالرحمة بلا علم جهل، والعلم بلا رحمة ظلم وبغي)، وموجب الخطأ في بني آدم إما الجهل وإما الظلم، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢].
стр. 78
ثبوت الخلة والمحبة للنبي ﷺ
قوله: (وحبيب رب العالمين):
لو أن المصنف ﵀ قال: (وخليل رب العالمين) لكان أجود، لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)، وإن كان اللفظ لا إشكال فيه، وإنما الكلام في الأولى.
قوله: (وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى)، أقول: بل هي كفر مجمع عليه كما تقدم.
стр. 79
عموم بعثة النبي ﷺ للجن والإنس
قال: (وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء):
من خصائصه ﷺ أنه بعث إلى الإنس والجن، قال ﵊ كما في حديث أبي هريرة وجابر ﵄: (فضلت على الأنبياء بست) وفي رواية: (فضلت على الأنبياء بخمس)، ومنها: (بعثت إلى الخلق كافة)، وهذا لكون رسالته ونبوته خاتمة.
وقد قال ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﵁: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار).
فكل من بلغته دعوته ﷺ ولم يؤمن به، سواء كان ترك دعوته اتباعاً لنبوة نبي سابق كعيسى أو موسى ﵉، أو كراهية أو لغير ذلك؛ فإنه من أهل النار وممن كفر بالله .
стр. 80
شرح العقيدة الطحاوية [٦]
من أصول الإيمان: الإيمان بالكتب المنزلة على أنبياء الله ﵈، ومن أخص هذه الكتب: القرآن العظيم، فهو أفضلها وأحكمها والمحفوظ منها -بحفظ رب العالمين- إلى يوم الدين، وهو كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
стр. 81
عقيدة أهل السنة في القرآن
قال المصنف ﵀: [وإن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أن الله تعالى بصفاته ليس كالبشر].
بعدما ذكر المصنف مسألة النبوة ذكر مسألة كلام الله ، ومن المعلوم أن من أصول الإيمان: الإيمان بكتب الله ، وهي الكتب المنزلة على الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأخص هذه الكتب وأعظمها وأحكمها هو القرآن الذي أنزله الله على نبيه ﷺ ، وتعظيمُ القرآن مجمع عليه بين المسلمين ولكن لما عطل الجهمية والمعتزلة الباري عن صفاته، ولم يصفوه بصفات الكمال، كان من تلك الصفات صفة الكلام، فقالوا: إن كلام الله مخلوق، ولما كان صريحاً في القرآن أن القرآن كلام الله قالوا: القرآن مخلوق.
وقد أجمع السلف على أن هذه كلمة كفرية، وقد حكى الإجماع غير واحد كـ شيخ الإسلام وغيره، بل القرآن كلام الله ، حروفه ومعانيه، وهذا التقرير هو فرع عن الأصل المقول في الصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله ، ومن أخص صفاته الثابتة في العقل والشرع: الكلام، فإن الله موصوف بالكلام.
стр. 82
خلاصة مذهب أهل السنة في كلام الله
ومذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الكلام، أن الله موصوف بهذه الصفة أزلاً وأن كلامه متعلق بقدرته ومشيئته، وأنه بحرف وصوت مسموع.
وقد ذكر الله القرآن وسماه تنزيلاً، وذكر القرآن وسماه كلاماً له في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ولهذا قال المصنف: (وإن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولاً) أي أن القرآن بدأ منه قولاً له، بحرف وصوت مسموع.
стр. 83
براءة الطحاوي من مذهب الأشعرية والكلابية في كلام الله
قال ﵀: (وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة) لما استعمل لفظ الحقيقة، كان هذا درءاً لمذهب الأشعري وأمثاله الذين قالوا: إن القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله وليس كلام الله على الحقيقة.
فهذه الجملة من أبي جعفر الطحاوي ﵀ تبين أنه لم يكن على طريقة الأشعرية، وإن كان قد يغلط أو يتأثر أحياناً ببعض السياقات التي يستعملها بعض أئمة الأشعرية، ويكون تأثره بها تأثراً لفظياً.
стр. 84
مذهب الأشعري وابن كلاب في كلام الله
الأشعري وابن كلاب أثبتوا صفة الكلام لله إثباتاً غير متصور في العقل، فقالوا: إن الكلام معنى واحد يقوم في النفس، ليس بحرف ولا بصوت، ولا يتعلق بالقدرة والمشيئة، وهذا مذهب شاذ أحدثه عبد الله بن سعيد بن كلاب وتبعه عليه الأشعري وأمثاله، وليس هو قول أهل السنة ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة، بل كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه قول مخالف للعقل فضلاً عن مخالفته للشرع.
فلما قال ابن كلاب والأشعري: إن الكلام معنى واحد يقوم في النفس ليس بحرف ولا صوت، جعلوا القرآن الذي هو حرف حكايةً أو عبارةً عن كلام الله، وليس كلاماً له، ولا شك أن هذا تناقض؛ فإن من أثبت الكلام لله، لزمه أن يجعله بحرف وصوت؛ لأن الكلام كذلك.
وهذا يقود إلى مسألة، وهي: حقيقة الكلام؛ فإن الذي أجمع عليه أهل السنة أن الكلام يتناول اللفظ والمعنى جميعاً، ليس هو اللفظ وحده ولا المعنى وحده، والمشهور عند النحاة أن الكلام هو اللفظ، وإن كان من يطلق ذلك من النحاة، ليس بالضرورة أنه يلتزم بعض النتائج المقولة في أصول الدين، ومن هنا قال ابن مالك:
كلامنا لفظ مفيد .... ... .
وجعلوا المعنى مدلولاً لهذا اللفظ، ولم يجعلوا لفظ الكلام متناولاً له، وغلط ابن كلاب والأشعري، فقالوا: إن الكلام هو المعنى وحده، وقال طائفة: إنه مشترك بين اللفظ وبين المعنى على الانفكاك، فيكون اللفظ وحده كلاماً ويكون المعنى وحده كلاماً.
والله سبحانه لم يذكر الكلام مطلقاً إلا وأراد به ما كان بحرف وصوت، وأما قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [المجادلة:٨]، فمثل هذا السياق لا يدل على مذهب الأشعري، لأنه سياق مقيد، فضلاً عن كون طائفة من المفسرين قالوا في تفسيرها: أنهم يقولون فيما بينهم كلاماً لا يسمعه غيرهم.
стр. 85
حكم من قال مقالة كفرية
قال: (ليس بمخلوق ككلام البرية)، وفي هذه الجملة مفارقة لمذهب المعتزلة، فإن المعتزلة تقول: إنه مخلوق.
قوله: (فمن سمعه فزعم أنه من كلام البشر فقد كفر ... إلخ).
من قال: القرآن مخلوق فقوله كفر؛ لكن قائل ذلك لا يكفر ابتداءً إلا إذا علم أن الحجة قد قامت عليه، وقد كان في زمن السلف ﵏ أعيان كثيرون من الجهمية والمعتزلة وغيرهم يقولون: إن القرآن مخلوق، وما كان أحدٌ من السلف يطرد تكفير أعيانهم، وذلك أن ثمة أصلين عظيمين شريفين في مسألة: التكفير لمن غلط من أهل القبلة في مسائل أصول الدين، قررهما شيخ الإسلام:
الأصل الأول: أن المقالة التي تكون في حكم الله ورسوله كفراً لا يلزم منها أن يكون كل من قالها من أهل القبلة كافراً، ومن ذلك قولهم: إن القرآن مخلوق.
وتقدم أن شيخ الإسلام يقول: (والإمام أحمد وإن تواتر عنه تكفير الجهمية الذين قالوا بخلق القرآن فإنه لم يشتغل بتكفير أعيانهم، بل قد صلى الإمام أحمد خلف بعض من يقول بخلق القرآن ودعا له واستغفر له)، ويعني بذلك الخليفة المعتصم، فإنه كان يقول بخلق القرآن تبعاً لأئمة المعتزلة، ومع ذلك فقد صلى الإمام أحمد خلفه ودعا له واستغفر له، ولو كان يرى كفره لما فعل ذلك.
وأما من قال: إن الإمام أحمد إنما فعل ذلك خلفه -أي الصلاة والدعاء- لكونه سلطاناً، ولو لم يكن سلطاناً لكفره، فهذا جاهل لا يعرف ما يقول، ومعلوم أن هذه المسائل لا تكفها مسألة السلطنة، بل كان الإمام أحمد لا يرى كفر المعتصم، والمذهب عند متأخري الحنابلة أن الفاسق لا يصلى خلفه، ولو كان الإمام ﵀ يرى أن المعتصم كافراً لما دعا له واستغفر له وصلى خلفه، مع أن المعتصم كان ثابتاً على القول بخلق القرآن، ومع أنه سمع المناظرة، وسمع انقطاع أئمة المعتزلة بين يدي الإمام أحمد.
الأصل الثاني: أن يُعلم أن الواحد من أهل الصلاة والشعائر الظاهرة، لا يكون كافراً في نفس الأمر -أي في الحكم الباطن- إلا إذا كان ما يظهره من الصلاة والشعائر الظاهرة نفاقاً.
ومعلوم أنه لا يلزم من الحكم بكفر شخص ظاهراً أن يكون كافراً باطناً، ولا يلزم من الحكم بإسلامه ظاهراً أن يكون مسلماً باطناً، فالمنافقون عند كثير من المسلمين يحكم لهم بالإسلام مع أنهم عند الله كفار، وكان جماهير الصحابة زمن النبوة لا يعرفون عامتهم، بل إن ظاهر القرآن يدل على أن من المنافقين من كان النبي ﷺ لا يعرفه، قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١] وقد يُكّفر أحد أعيان أهل القبلة من بعض العلماء اجتهاداً، وقد يكون هذا الاجتهاد في نفس الأمر صواباً وقد يكون غلطاً، قد يكون له من العذر الذي لم يطلع عليه ما يدفع عنه الكفر عند الله.
وهذا الأصل ليس مشكلاً كما ادعى بعض المعاصرين، فقال: إن كلام شيخ الإسلام فيه نظر، بل إن أحكم من قرر مسألة التكفير من المتأخرين هو الإمام ابن تيمية ﵀، وقد بناها بناءً شرعياً عقلياً؛ فإنه قال بعدما ذكر هذا الأصل: (وذلك أن النبي ﷺ لما بُعث بمكة كان الناس أحد رجلين، إما مؤمن ظاهراً وباطناً وإما كافر ظاهراً وباطناً، ولما هاجر إلى المدينة ظهر نوع ثالث، وهم من آمن ظاهراً وكفر باطناً.
والمؤمنون ظاهراً وباطناً على ثلاثة أقسام: فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات.
قال: فالذي يُظهِر الصلاة والصوم والحج ويعتمر ويؤذن ويقيم، لا يسمى كافراً ظاهراً وباطناً لأنه في الظاهر مسلم، قال: فدار بين كونه مؤمناً ظاهراً وباطناً وبين كونه مؤمناً ظاهراً كافراً في الباطن، قال: وإذا قلنا عن أهل البدع المخالفين لإجماع السلف: إنهم مؤمنون ظاهراً وباطناً، فإنما يعنى بهذا الإيمان: الأصل الذي يفارق الكفر، قال: وإلا فإن عامتهم ظالمون لأنفسهم، لأن مثل هذه البدع لا تكون إلا عن تقصير في متابعة أمر الله ورسوله، وهذا التقصير في العلم هو من أخص الكبائر والظلم).
ولهذا قال ﵀ -وهذا أصل ثالث-: (إن كل من أراد الحق واجتهد في طلبه من جهة الرسول فأخطأ فإن خطأه مغفور له).
فذكر ثلاثة شروط: الأول: أن يكون أراد الحق، والثاني: أن يكون مجتهداً في طلبه، والثالث: أن يكون طلبه إياه من جهة الرسول ﷺ .
قال: (فمن عدم الإرادة، أو عدم الاجتهاد، أو طلبه من غير جهة النبي ﷺ ، فإنه يكون كافراً، وأما من أراده واجتهد فيه من جهة الرسول فأخطأه: فإنه في الأصول الشائعة بين المسلمين أنه لا يخطئه إلا مقصر إما في مقام الإرادة، أو مقام الاجتهاد، قال: فهذا هو الظالم لنفسه).
قال: (وعامة أهل البدع، مقصرون في مقام الاجتهاد).
стр. 86
شرح العقيدة الطحاوية [٧]
يكرم الله سبحانه عباده برؤيته جل وعلا يوم القيامة وفي الجنة، فلا يجدون لذة تفوق لذة النظر إلى وجهه ، هذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة، تصديقاً منهم لكتاب ربهم، وسنة نبيهم، وإن خالفهم في ذلك بعض فرق المسلمين فأنكروا الرؤية بالكلية، أو انحرفوا فيها فأبطلوا حقيقتها؛ اتباعاً لزبالات الأذهان، وأقوال فلاسفة اليونان.
стр. 87
عقيدة أهل السنة والجماعة في رؤية الله تعالى
قال المصنف ﵀: [والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه].
الرؤية من أخص الصفات التي حصل فيها النزاع، وقد أجمع السلف على أن المؤمنين يرون ربهم عياناً بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، وكما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، في عرصات القيامة، وفي الجنة.
والدليل على ذلك: الكتاب، والمتواتر من حديث النبي ﷺ ، والإجماع.
وقد نفى الرؤية أئمة الجهمية والمعتزلة، وطوائف من الشيعة المقلدة للمعتزلة، وهذا المذهب بدعة بإجماع السلف، بل قال شيخ الإسلام ﵀: (إن من بلغته نصوص الرؤية ولم يقل بها، فإنه يكون كافراً إذا قامت الحجة عليه بها)، وقد جاء عن غير واحدٍ من السلف كـ أحمد ومالك، أنهم سموا الخلاف في هذه المسألة كفراً.
ولا شك أن الأمر كذلك، فإن من خالف صريح النصوص، ومتواتر السنة، وصريح الإجماع، فإن قوله يكون كفراً وإن كان قائله لا يكفر ابتداءً كالمسألة التي تقدمت في قول من قال: إن القرآن مخلوق، فلا فرق بين المسألتين في الحكم.
стр. 88
أدلة إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة
وأما دلائل الرؤية فمن القرآن قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فإن النظر أضيف إلى الوجوه وعدي بـ (إلى)، فدل ذلك على أن المراد به النظر بالأبصار.
وتعلم أن النظر في لسان العرب يأتي بحسب سياقه على غير معناه كقولهم: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] وكقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، فهذه معان مختلفة، وهذه قاعدة من أهم القواعد لطالب العلم في فقهه لمذهب أهل السنة ودلائلهم: وهي أن تفسير الأئمة للآيات والأحاديث النبوية، ليس معتبراً بوضع الكلمة المفردة في اللغة، بل هو معتبر بسياق الكلام نفسه.
وهذا يرد قول من قال: إن النظر في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، بمعنى الانتظار؛ لأن النظر يأتي في كلام العرب على معنى الانتظار، ومنه قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] أو قال: إنه التفكر، لأنه يأتي في كلام العرب كذلك ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ﴾ [الأعراف:١٨٥] أي: نظر تفكر أو نحو ذلك.
ومثله في الصفات الأخرى، كقول من قال إن اليد في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] المراد بها هنا النعمة؛ لأن العرب تذكر اليد وتريد بها النعمة.
ومنه قول عروة بن مسعود لـ أبي بكر ﵁ في الحديبية كما في الصحيح: (لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك).
أي: لولا نعمة لك علي.
فالسياق يوجب أن تفسر اليد بالصفة ويرد تأويلهم؛ فإن قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ذكر لفظ اليد هنا مثنىً مضافاً، وإذا ذكر مثنىً مضافاً، فإنه لا بد أن يفسر بالصفة القائمة بموصوفها ولا يمكن أن يكون المراد به النعمة أو نحو ذلك.
ومن دلائل الرؤية قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فلفظ الزيادة لفظ مجمل، لكنه ﷺ في حديث صهيب الذي رواه مسلم فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله، ومن هنا كان هذا اللفظ مبيناً بالسنة.
ومن دلائلها قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فإن الله نفى الإدراك، والإدراك قدر زائد على أصل الرؤية، فلما خص القدر الزائد بالنفي دل على أن ما دونه ثابت، وإلا فلا معنى لتخصيص القدر الزائد بالنفي، بمعنى أنه لو كان أصل الرؤية ممتنعاً، فلن يكون لتخصيص القدر الزائد بالنفي معنى، ومعلوم في حس بني آدم أن بين الإدراك وأصل الرؤية فرقاً، فإنك إذا رأيت الشيء لا يلزم أن تكون قد أدركته.
وقد قال رجل لـ ابن عباس ﵄: يا ابن عباس إن الله يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] ويقول: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، فقال له ابن عباس ﵄: ألست ترى السماء؟ قال الرجل: بلى؛ قال: أتدركها كلها؟ قال الرجل: لا.
قال فالله أعظم.
وأما قول من قال: إن تفسير قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: لا تراه في الدنيا، فهذا قول قاله طائفة من أهل السنة ولكنه ليس براجح، بل الصحيح أن الآية على عمومها، وأن من خصائصه سبحانه أنه يُرى ولا يدرك، بخلاف غيره؛ فإنه إذا رئي يدرك أو يكون ممكن الإدراك، وهذا معنى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أي في صفاته الثابتة، فهو يرى ولا يدرك، كما أنه يُعْلَم من علمه شيء ولا يحاط به علماً.
ومن دلائل الرؤية عند أهل السنة قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ووجه الدلالة أن موسى ﵊ سأل ربه الرؤية، ولو كان -كما تزعم المعتزلة- من أصل التوحيد أن الله سبحانه تمتنع عنه الرؤية، للزم من ذلك أن يبعث الله رسولاً ويصطفيه برسالته وبتكليمه على الناس، ويكون جاهلاً بأصل من أصول الربوبية!
وقد علق الله رؤيته بأمرٍ ممكن، وهو استقرار الجبل مكانه، فدل على أنها ممكنة.
ومن دليل أهل السنة والجماعة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم: متواتر الحديث؛ فإنه تواتر عن النبي ﷺ من طريق نحو ثلاثين من الصحابة منهم العشرة المبشرون بالجنة، في الصحيحين والسنن والمسانيد، تصريحه ﷺ بين يدي أصحابه مع اختلاف أحوالهم: أن المؤمنين يرون ربهم، كما في قوله ﷺ في حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، لا تضامون في رؤيته) متفق عليه.
ومن ذلك حديث أبي موسى في الصحيحين، وحديث صهيب عند مسلم، وحديث جرير بن عبد الله البجلي إلى غير ذلك.
стр. 89
اعتراض القاضي عبد الجبار على أحاديث الرؤية والرد عليه
ومن جهل علماء المعتزلة بحديث الرسول ﷺ أن أكبر قضاتهم في زمنه، وهو القاضي عبد الجبار بن أحمد صاحب (المغني) و (المحيط بالتكليف) وغيرها، قال: (وأما ما استدلت به العامة -يعني: أهل السنة- من الحديث فهو آحاد، لم يروه إلا جرير بن عبد الله البجلي).
وهذا جهل من جهتين:
الأولى: أن حديث الرؤية رواه نحو ثلاثين من الصحابة، فكيف يقول: إنه لم يروه إلا جرير بن عبد الله البجلي، خاصة أن اللفظ الذي ذكره جرير ذكره غيره من الصحابة.
الثانية: وهي زعمه أن دليل الآحاد لا يُستدل به.
стр. 90
حكم الاحتجاج بالآحاد في العقائد
شاع في كتب طائفة من الأصوليين وعلماء الكلام، وبعض علماء المصطلح؛ تقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر، وهذا التقسيم من حيث هو اصطلاح لا إشكال فيه، وإنما الغلط هو حد من قال: إن المتواتر هو ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس، ثم جعل كل ما خالف المتواتر آحاداً، ورتب المعتزلة وطوائف من الأشاعرة على ذلك نتيجة، وهي أن الآحاد لا يحتج بها في العقائد والأصول.
فهذا الحد للمتواتر غلط على السنة، لأنهم قالوا: ما رواه جماعة عن جماعة، ثم ذكروا خلافاً في حد الجماعة، والذي يستقر عليه كثيرٌ منهم هو: العشرة أو ما يقاربهم فعلى طريقتهم، لا يصير الحديث متواتراً إلا إذا رواه عن الرسول ﵊ من الصحابة عشرة، ورواه عن كل صحابي عشرة، فيكون العدد في التابعين مائة، ورواه عن كل واحد من هؤلاء المائة عشرة، فتكون الطبقة الثالثة ألفاً من الرواة، ومثل هذا لا ترى له مثالاً في السنة، وإن فرض له مثال فهو يسير جداً.
وقد صرح بعض الحفاظ الذين ذكروا هذا الحد أنه لا مثال له على هذا الوجه، فلو صحح رأيهم في المتواتر على هذا الوجه لكان نتيجة ذلك: أن السنة لا يحتج بها في الاعتقاد، لأنه لا يوجد حديث متواتر على هذا الحد.
وأما أن تقسم الرواية إلى متواتر وآحاد على حد يختلف عن ذلك فهذا لا بأس به، وقد ذكر الإمام الشافعي ﵀ وطائفة من المتقدمين لفظ المتواتر في كلامهم، لكنهم لم يوردوا للمتواتر هذا الحد الذي زعمه المتكلمون ودخل على طائفة من الأصوليين وعلماء المصطلح المتأخرين.
стр. 91
دليل نفاة الرؤية
الجهمية والمعتزلة هم نفاة الرؤية، والقاعدة أنه لم ينف جهمي أو معتزلي صفة من الصفات لدليل من القرآن أو السنة، وغاية ما يستدلون به قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذا دليل مجمل لا دلالة فيه، إنما فيه تنزيه الله عن مماثلة غيره، وهذا مما استقر عند سائر المسلمين.
وأما استدلالهم على نفي الرؤية بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فقالوا: (لن) تقتضي التأبيد.
فلو سلم جدلاً أن الآيتين تدلان على مراد المعتزلة، فتكون نتيجة الدليل نفي الرؤية مع إمكانها؛ لكن المعتزلة والجهمية يقولون: إن الرؤية ممتنعة، ومعلوم أن المنفي قد يكون ممكناً وقد يكون ممتنعاً، فإذا قيل لك: هل لك ولد؟ فقلت: لا، فلا يعني هذا أن الولد في حقك ممتنع، بل هو ممكن، لكنه لم يوجد حتى الآن.
فإذاً: الامتناع يستلزم النفي، ولكن النفي لا يستلزم الامتناع، فقد ينفى الشيء وهو ممكن، وقد يُنفى الشيء وهو ممتنع، فلو وقفت المعتزلة عند الدليل الذي زعمت أنها تستدل به، للزمهم أن يقولوا: إن الرؤية منفية ولكن لا نقول: إنها ممتنعة.
لكن لما قرروا أنها ممتنعة بما يسمونه دليل المقابلة، وهو عندهم امتناع الرؤية لامتناع العلو على الله تعالى، ودليل الانطباع، وغيرها من الدلائل الكلامية الفلسفية، وحكموا عليها بالامتناع، ثبت أنهم ليس لهم دليل لا من الكتاب ولا من السنة.
стр. 92
مذهب الأشاعرة في الرؤية
مذهب الأشاعرة في الرؤية، ملفق من مذهب أهل السنة ومذهب المعتزلة؛ فإنهم قالوا: إن الله يرى بلا جهة، وهذا الذي تقلده المتأخرة من الأشاعرة كـ أبي المعالي والرازي؛ لأنهم ينفون العلو، وأرادوا بنفي الجهة نفي العلو، وقد يوجد في كلام بعض شراح الحديث كالنووي عبارة: إن الله يرى بلا جهة، ولكن ليس مقصوده نفي العلو عن الله تعالى كما يقصد هؤلاء.
وقد كان الأشعري وقدماء أصحابه يثبتون الرؤية إثباتاً حسناً.
قول المصنف: (والرؤية حق لأهل الجنة) أراد بأهل الجنة هنا: المؤمنين، وإلا فإنهم يرونه في الجنة ويرونه قبل ذلك في عرصات القيامة.
قوله: (بغير إحاطةٍ) أي: بغير إدراك، كما في قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) [الأنعام:١٠٣]، وقوله: (ولا كيفية) هذه كلمة مجملة، لو لم يعبر بها لكان أجود؛ فإن النبي ﷺ وصف الرؤية فقال: (كما ترون القمر ..) وقال: (وكما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب).
وهذا ليس من أحاديث التشبيه كما زعم بعض علماء المعتزلة، فإن التشبيه هنا تشبيه للرؤية بالرؤية وليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي، كقوله ﵊: (أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر)، ولم يلزم من ذلك أنهم مماثلون في الحقيقة للقمر، وهذا مستقر بأصل العقل، والعرب تارة تذكر التشبيه للصفة، وتارةً تذكر التشبيه للموصوف.
قال: (وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه) هذا حرف مجمل ولا شك أن تفسير كلام الله هو على ما أراده الله وعلمه، كما قال الإمام الشافعي في الصفات: (نؤمن بما جاء في كتاب الله، وجاء في سنة رسول الله، على ما أراد الله)، وهذه جملة مجمع عليها بين السلف؛ ولكن هذا الحرف يستعمل لنوع من التفويض، وقد استعمل التفويض في الرؤية طائفة من علماء الأشاعرة الذين فسروا كلام متكلميهم في قولهم: يرى بلا جهة، فقالوا: هي رؤية علمية، وهذا رجوع لمذهب المعتزلة، حتى قال أبو حامد الغزالي: (إن الفرق بين مذهب أصحابنا ومذهب المعتزلة هو فرق لفظي).
فقوله: (وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه) هذه جملة مجملة، فلا شك أن التفسير هو على مراد الله وعلمه، ولكنه معلوم بتعليم الرسول ﷺ لأصحابه وأمته.
يذكر في كلام كثير من أهل العلم رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، وهذه المسألة ليست من المسائل الأصول، فليست من حيث القدر والشرف كمسألة رؤية المؤمنين لربهم الثابتة في الكتاب، ومتواتر الحديث، والإجماع التام.
أما رؤية النبي ﵊ لربه ليلة المعراج فإن فيها طرفاً من النزاع على طريقة أهل السنة والمتكلمين، وإنما الغلط حصل في طريقة بعض المتأخرين من أهل العلم الذين جعلوا القول بأن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج ببصره قولاً لأكثر أهل السنة، وربما قال من قال منهم بأنه قول أكثر الصحابة، ولم يخالف إلا عائشة وطائفة، وهذا غلط بيِّن؛ فإنه لم يصح هذا القول عن واحد من الصحابة، وإنما الذي صح عن جماعة من الصحابة، هو أن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده، وهذا قاله ابن عباس كما في الصحيح، وطائفة من الصحابة.
ومع هذا فما يستدل به ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في هذه المسألة بعضه مما يصحح، وبعضه مما يخالف فيه، فإنه فسر بعض الآيات برؤية النبي ﷺ لربه بفؤاده، في حين أن عائشة روت مرفوعاً إلى النبي ﷺ أن المراد جبريل ﵇.
إلا أن هذا القول المأثور عن ابن عباس ﵄ هو القول الشائع عند طائفة من السلف، وقد كان الإمام أحمد وجماعة من أئمة السنة والحديث يقيدون فيقولون: إن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده، وتارةً يقولون: إنه رآه، فيطلقون، وأُثر ذلك عن ابن عباس، قال شيخ الإسلام ﵀: (فما صح عن ابن عباس إما مطلقاً وإما مقيداً، فيحمل مطلق كلامه على مقيده، قال: ولم يصح عن ابن عباس ولا عن أحد من الصحابة أنه قال: إن النبي ﷺ رأى ربه ببصره.
قال: وكذلك الإمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة والحديث، فإن قولهم على هذا الوجه، وإن كان طائفة من متأخري أصحابنا يحكون عن أحمد وغيره من متقدمي الأئمة، ما هو من التصريح برؤية البصر، قال: وهذا من فهم كلامهم، وليس هو ما أُثر عنهم على الوجه المحقق).
فالحاصل أنه لم يصح عن صحابي من الصحابة أنه صرح بأن النبي ﷺ رأى ربه ببصره، وعليه فيكون هذا القول كأنه محدث، وإن كان في الجزم بهذا بعض التردد، وقد حكى الدارمي ﵀ وهو من متقدمي المحققين من أئمة السنة إجماع الصحابة على أن النبي ﷺ لم يرَ ربه ببصره.
وهذا الإجماع الذي حكاه الدارمي ليس هناك من الآثار المروية عن الصحابة ما يعارضه، وقد صح عن عائشة ﵂ كما في الصحيحين أنها قالت لـ مسروق: (ومن حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب)، ولم يحفظ عن أحد من الصحابة أنه نازع عائشة رضي الله تعالى عنها في ذلك، وإذا اعتبر الاستدلال بغير دليل الإجماع فإن ظاهر القرآن وصريح السنة، تدل على نفي رؤية النبي ﷺ لربه ببصره.
أما القرآن فلأن الله تعالى لما ذكر معراج نبيه ﵌ قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]، فذكر في الموضعين امتنانه على نبيه برؤية الآيات، ولو كان النبي ﵌ رأى ربه في معراجه ببصره لكان الإشادة والامتنان بذكر رؤيته لربه أظهر وأولى من الإشادة والامتنان بذكر رؤية الآيات.
وأما السنة فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عبد الله بن شقيق أنه قال لـ أبي ذر ﵁: (لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته، فقال له أبو ذر: عمَ كنت تسأل؟ فقال: أسأله: هل رأيت ربك؟ فقال أبو ذر: أما إني سألت رسول الله ﷺ فقال: رأيت نوراً) وفي الوجه الآخر من حديث عبد الله بن شقيق نفسه عن أبي ذر ﵁، أن النبي ﷺ لما سأله أبو ذر قال: (نورٌ أنى أراه).
وقد كان الإمام أحمد وبعض متقدمي أئمة الحديث يتأخرون عن تصحيح هذا الوجه من الرواية، فإن صح هذا فالمعتبر وجه واحد، وإن استقام ما ذهب إليه الإمام مسلم ومن اعتبر رأيه في هذا، فإن كلا الوجهين يكون صحيحاً ولا يكون هناك تعارض، والحق: أن جهة التعارض ليست هي الموجبة للتردد في صحة كلا الوجهين، وإنما الموجب لذلك أن وجه الرواية من حيث السؤال واحد، فإما أن يكون النبي أجاب بهذا أو أجاب بهذا، وإن كان فرض الجمع بين الجوابين ممكن وليس متعذراً؛ فقوله: (رأيت نوراً) ليس مخالفاً من حيث المعنى لقوله: (نورٌ أنى أراه)، أي أن النور حال دون رؤيته، وهذا النور الذي رآه ﷺ فإنه -والله أعلم- هو نور الحجاب، فإنه ثبت في صحيح مسلم ﵁ من حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
وعليه فإن المستقر عند متقدمي السلف من الصحابة ومن بعدهم، أن يُقال: إن النبي رأى ربه بفؤاده ولا يصرح برؤية البصر.
стр. 93
رؤية الكفار لربهم في عرصات القيامة
المسألة الثالثة من مسائل الرؤية -وهي دون المسألة الثانية-: رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة، وهذه مسألة نزاع بين أهل السنة المتأخرين وغيرهم، قال شيخ الإسلام: (ولم يحفظ للصحابة فيها قول بيَّن)، والأقوال التي يذكرها أصحاب السنة والجماعة ثلاثة، وبعضهم يزيد فيها إلى أربعة، وبعضهم يجعلها خمسة، وهي:
القول الأول: أنه لا يراه في عرصات القيامة سائر أجناس الكفار سواء كانوا من المشركين، أو من أهل الكتاب أو من المنافقين، فلا يراه في عرصات القيامة إلا أهل الإيمان.
القول الثاني: أنه يراه سائر الكفار من أهل الكتاب وأهل الشرك وأهل النفاق، ثم يحتجب عنهم.
القول الثالث: أنه لا يراه إلا المنافقون دون بقية الكفار.
القول الرابع: أنه يراه المنافقون وغبرات من أهل الكتاب، أي: بقايا من أهل الكتاب.
القول الخامس: وهو التوقف في المسألة والكف عنها.
وإنما قيل: إن الأقوال ثلاثة؛ لأن من يقول بالقول الثالث لا يعارضون ما يقوله أصحاب القول الرابع، ويفسرون هذا النوع من أهل الكتاب بأنهم متحنفة أهل الكتاب، الذين لم يدركوا دين الإسلام.
وأما مذهب التوقف ففي كلام الأصوليين حينما يحكون المذاهب في المسائل الأصولية أو غيرها، كثيراً ما يذكرون مذهب التوقف، وهم أكثر الأصناف ذكراً للتوقف قولاً.
والصحيح أن التوقف الذي معتبره عدم العلم بالدليل لا يعد قولاً، وأما التوقف الذي يكون عن اشتباه في مورد الأدلة، فإنه يعد قولاً.
وإذا سئل عن الراجح، فإن المسألة ليس فيها قول يجزم به، فبعض ظواهر الحديث المخرجة في الصحيح تدل على أن المنافقين وطوائف من أهل الكتاب يرون ربهم، وإذا اعتبرت ظاهر القرآن، وظاهر كلام المتقدمين من السلف، فإنه يدل على أنه لا أحد من الكفار يرى ربه، وقد كان الشافعي ومالك والإمام أحمد يحتجون بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] على رؤية المؤمنين لربهم، وهذا يعني أنهم يرون أن الكفار لا يرونه.
وهكذا قال شيخ الإسلام: إن ظاهر مذهب المتقدمين من السلف أن الكفار لا يرون ربهم، وهذا هو ظاهر القرآن؛ فكأن هذا القول هو الأولى في المسألة، وإن كان الخلاف في المسألة واسعاً وليست هي -بإجماع أهل العلم- من المسائل الأصول.
стр. 94
شرح العقيدة الطحاوية [٨]
مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم في أسماء الله سبحانه وصفاته هو إثبات المعنى، وتفويض الكيفية، وأن نصوص الشرع توافق العقل الصحيح ولا تعارضه، لا كما يزعم أهل التجهيل، ممن يزعمون أن السلف كانوا لا يفهمون معاني آيات الصفات، أو ما يزعمه أتباع فلاسفة اليونان من تعارض سفاهات عقولهم مع نصوص الكتاب المبين وسنة البشير النذير.
стр. 95
مذهب التفويض مذهب مخالف لطريقة السلف
قال المصنف ﵀: [وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا].
علق المصنف المراد في باب الأسماء والصفات على مراد الله ورسوله، وهو تعليق صحيح؛ فإن المعتقد الذي يجب على كل مسلم هو ما أراده الله ورسوله ﷺ ، ولكن الإجمال لهذا التعليق كأنه يُشعر بأن ثمة قدراً من التفويض في المعنى في بعض الموارد، وهذا لا يُقصد به أن أبا جعفر ﵀ ينزع إلى مذهب التفويض، فإنه ليس كذلك فيما يظهر من كلامه، وإنما المراد أن نبين أن الكلام وإنك ان معتبراً بمراد الله ورسوله لكن ينبغي أن يكون بيناً في تفسير هذا المعنى.
وتفصيل هذا أن يقال: إن مراد الله ومراد رسوله ﷺ بين، سواء كان مراداً علمياً أو مراداً إرادياً، ولما نزل القرآن وتكلم النبي ﷺ بلسان عربي مبين لم يبق شيء مما أنزل على محمد ﷺ لا يُعرف معناه، وقد علم هذا المعنى أمته، وإن كانت الأمة قد تختلف في تحصيل علمه ﵌، إلا أنهم لا يجمعون على الغلط.
وقد شاع في كلام كثير من المتأخرين من متكلمة الأشاعرة ومن تأثر بهم من الفقهاء وغيرهم، أن التفويض مذهب مأثور عن السلف، أي: تفويض المعنى، وتقدم أن المعنى بإجماع السلف في صفات الله معلوم، وأن القول الذي قاله مالك ﵀ لا يختص بصفة الاستواء بل هو مطرد في سائر الصفات، وصفة الرؤية التي ذكر الطحاوي ﵀ عندها هذا التعليق أوضحها النبي ﷺ إيضاحاً تاماً لا يمكن معه أن يقال: إنا لا نعلم المراد من هذا الحديث، وأما مقالة التفويض فهي من شر مقالات أهل البدع والإلحاد، كما قال شيخ الإسلام ﵀.
وطريقة التفويض: طريقة ملفقة استعملها قوم من الأشاعرة للتوفيق بين طريقتهم الكلامية وطريقة السلف، ولم يكن هذا المعنى مقصوداً عند أئمة الجهمية والمعتزلة، لأنه لم يكن من شأن الجهمية والمعتزلة انتحال مذهب السلف وأهل السنة، وهذا هو الفرق الموجب لظهور مسألة التفويض.
بخلاف الأشاعرة فإنهم ينتحلون مذهب أهل السنة ويعظمون طريقة الأئمة ولكنهم يرونها تخالف طريقتهم في نفس الأمر، فإن السلف لم يستعملوا التأويل، فصاروا يجعلون السلف على التفويض.
وصار الواحد من متكلميهم ربما استعمل طريق التأويل وصححه، فإذا بان له في آخر أمره بطلانه، صرح بأنه رجع إلى مذهب السلف وهو التفويض، كما صرح بذلك أبو المعالي الجويني، فإنه كتب (الإرشاد)، وكتب (الشامل) وغيرها من الكتب على طريقة التأويل، وعلى طريقة أبي هاشم الجبائي من المعتزلة، ثم في آخر أمره رجع عن طريق التأويل وغلطها، ونزع إلى مذهب التفويض.
стр. 96
حقيقة التفويض
التفويض ليس له معنى، بل هو ممتنع في الحقيقة؛ فإن كل عاقل يعرف لسان العرب إذا قرأ قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، عرف من هذا أن الله سبحانه موصوف بالعلو، وإذا قرأ قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، عرف أن الله موصوف باليدين، وإذا قرأ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، عرف أن الله متصف بالسمع والبصر، ولا يلزم من ذلك التشبيه، فإن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] كما هو متحقق في الشرع والعقل.
فمذهب التفويض مذهب متعذر، ولهذا قال شيخ الإسلام: (ما وقف واقف على حقيقة مذهب التفويض إلا وهو في نفس الأمر يعتقد مذهب النفاة، قال: فإنه ما صرح بحرف التفويض إلا لما كان الظاهر عنده ممتنعاً، فصار هذا التفويض من الألفاظ التي لا معنى تحتها، فهذا قول متناقض في العقل، ولهذا ترى أن أساطين المعتزلة، ومتقدمي المتكلمين -وهم أدرى بالأصول العقلية ومسالكها- لم يستعملوا هذه الطريقة.
وعليه فعبارات أبي جعفر الطحاوي ﵀ لا بأس بها، فتُفسر على وجه صحيح، ولكن ينتبه لمثل هذا الإطلاق الذي يطلقه كثير من المتأخرين وينسبونه إلى السلف ويريدون به معنى باطلاً، وهو في نفس الأمر كلام مجمل يحتمل حقاً ويحتمل باطلاً.
стр. 97
أصل القانون الكلي
قال المصنف ﵀: [فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه].
التسليم أصل في الإيمان، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]، ولكن التسليم لا يفهم منه أن مذهب السلف -فضلاً عن الدلائل الشرعية النقلية- يقع فيه ما يكون معارضاً للعقل.
وهذا يرد على القانون الكلي الذي ذكره المتكلمون، وأصله من كلام الجهمية وأساطين المعتزلة، فإن هؤلاء استعلموا طائفة من المقدمات الفلسفية المأثورة عن ملاحدة اليونان كـ أرسطو وأمثاله، في مسائل صفات الله، وتحصّل بما جعلوه من الدلائل الكلامية المولّدة من المقدمات الفلسفية نفي الصفات، وصار معتبرهم في نفي الصفات ما يسمى بدليل الأعراض، وهو دليل مركب من مقدمات فلسفية، ومبني على قياس الشمول أو قياس التمثيل، ومعلوم ببداهة العقل والشرع، أن الله منزه عن قياس الشمول، وقياس التمثيل، بل له المثل الأعلى، وهو معنى قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ومعنى قوله: ﴿وَلله الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠].
وجاء من بعدهم من أظهر الفلسفة على التصريح كـ ابن سينا فاستعمل دليل التركيب، وجاء طائفة بعد ذلك من مضطربة الأشعرية أبو المعالي الجويني، فإنه مضطرب الحال، فاستعمل دليل الاختصاص، وصارت هذه الأدلة الثلاثة -دليل الأعراض، ودليل التركيب ودليل الاختصاص- هي الدلائل التي عليها مدار القول عند نفاة الصفات من متكلمين وفلاسفة.
وهي أدلة محدثة مبتدعة مخالفة للعقل والشرع، وأصولها أصول فلسفية، فعارضت هذه الأدلة ظاهر القرآن وظاهر الحديث، وعن هذا التأصيل البدعي المخالف لما بعث به الرسول ﵌ ظهر هذا القانون في كلام المتكلمين وقد ذكره متقدمو أئمة الجهمية والمعتزلة، ثم لما جاء الأشعري، ومع كثرة انتسابه للسنة والجماعة، صار يتباعد عن التصريح بهذا القانون، ويعظم النصوص والآثار، ويكثر من الرد إليها، ولكن لما جاء أصحابه من بعده صرحوا بما صرحت به المعتزلة.
بل إن التصريح بهذا القانون، ليس مقصوراً على متأخري الأشاعرة، فقد استعمله طائفة من متقدميهم كالقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني، ولكن عناية أبي المعالي ومحمد بن عمر الرازي وأمثالهما به أظهر.
стр. 98
معنى القانون الكلي
ومحصل هذا القانون أنهم يقولون: إذا تعارضت الأدلة العقلية والأدلة النقلية فإما أن نقدم العقل، وإما أن نقدم النقل، وإما أن نعملهما معاً، وإما أن نسقطهما معاً.
وهذا ما يُسمى في الطرق الكلامية بطريقة السبر والتقسيم، وهي مستعملة في تحصيل الأقوال، وتحصيل المسائل عند كثير من الأصوليين، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في درء التعارض أنها من أضعف الطرق في العقل، وإن كان كثير من المتأخرين يجعلونها من يقين العقليات، فهذه الطريقة انتظمت هذا القانون، كما يذكره أبو حامد الغزالي، أو أبو المعالي الجويني، أو محمد بن عمر الرازي، كما في كتابه (تأسيس التقديس)، الذي نقده شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه (نقض التأسيس).
قالوا: أما جمعهما فممتنع، لأنه جمع للنقيضين، وأما رفعهما فممتنع؛ لأنه رفع للنقيضين، فسقط الثالث والرابع، قالوا: فلم يبقَ إلا أن يقدم النقل على العقل أو يقدم العقل على النقل، قالوا: وتقديم النقل على العقل ممتنع، لأن أصل قبول النقل هو العقل، فلو قدمناه عليه لطعنَّا فيما ثبت به النقل، وهو العقل، فلما تعذرت الثلاثة لم يبقَ إلا أن يقدم العقل، والنقل إما أن يؤول وإما أن يفوض.
قال الرازي حماقةً: (وإن اشتغلنا بتأويله فعلى سبيل التبرع).
وصحيح أن الرجل قد أفضى إلى ما قدم، ولكن المشكلة في هذه الخرافات التي كتبها، فهو وأمثاله وإن كانوا كباراً في علوم أخرى، ولهم فضائل في أبواب من العلم، لكن أغلاطهم هذه التي قالوها في أصول الدين وفي دلائلها تستعمل من بعدهم، وتقرر من بعدهم، وكأنها أقوال أئمة كبار، ولهذا يسمى الواحد منهم بحجة الإسلام، أو بصدر الدين، إلى غير ذلك من الألقاب التي توحي بإمامتهم في مسائل أصول الدين، والأمر ليس كذلك، لا بشهادة غيرهم عليهم، بل بشهادتهم هم على أنفسهم، فإن الرازي صاحب هذا القانون، قد صنف في آخر حياته كتاباً سماه (أقسام اللذات)، وقال: (إن لذة العقل هي العلم، وهي أشرف اللذات، وإن العقل هو أشرف ماهية في الإنسان، وأشرف لذاته هي العلم، وأشرف العلم هو العلم بالله، ثم قال: والعلم بالله: علم بذاته، وعلم بصفاته، وعلم بأفعاله، ثم قال: وعلى كل واحدة منها عقدة لم تنحل، ثم أنشد أبياته المعروفة:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ثم قال: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن)، فرجع إلى طريقة القرآن، لكن رجوعاً مجملاً وليس رجوعاً مفصلاً.
стр. 99
أوجه رد القانون الكلي وإبطاله
وإبطال هذا القانون شأن واسع، لكن نشير إلى خمسة أوجه في رده.
الوجه الأول: أن يُقال: إن هذا القانون مبني على إمكان تعارض العقل والنقل، فإن القانون يقول: إذا تعارض العقل والنقل.
ومعلوم أن النقل حسب القانون يعد دليلاً، والدليل إذا وردت عليه المعارضة من كل وجه لم يصح أن يكون دليلاً في المقام الذي وردت عليه المعارضة فيه.
وبعبارة أخرى: الدليل هو ما يستدل به على المدلول، فإذا قيل: إنه في هذا المقام ليس دليلاً حيث يقدم العقل عليه، دل على أنه ليس بدليل صحيح؛ لأن الدلائل الصحيحة في نفسها يمتنع أن تكون متعارضة.
ولا شك أن هذا القول لا يلتزم حقيقته إلا خارج عن ملة الإسلام، فإن على هذا لا يكون النقل دليلاً ولا سيما أن النقل باتفاق الطوائف لم يسكت عن ذكر أصول الدين، وذكر الأسماء والصفات، وكتاب الله مليء بذكر أسماء الرب وصفاته، فيلزم من هذا أن ما ذكر في الكتاب يكون معارضاً للحق الذي فرضه العقل، ولهذا قال شيخ الإسلام في نقضه لهذا القانون: (فيلزم من هذا القانون أن يكون ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى؛ لأن الكتاب والسنة أتت بما يخالف الحقيقة العقلية التي يزعم هؤلاء أنها هي المعتبر في مسائل الأصول).
الوجه الثاني: أن كل دليل له جهتان، الجهة الأولى: جهة الثبوت، والجهة الثانية: جهة الدلالة، ومن أراد تقديم دليل على آخر فلا بد أن ينظر في ثبوته وفي دلالته، فيقدم الأقوى ثبوتاً والأقوى دلالة، فيقال: إن الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة يقدم على ما هو ظني الثبوت، أو ظني الدلالة، ومعلوم أن هذا تقديم صحيح عند سائر العقلاء، فيعاد السبر والتقسيم من وجه آخر فيقال: الدليل العقلي والدليل النقلي، إما أن يكونا قطعيين، وإما أن يكونا ظنيين وإما أن يكون أحدهما قطعياً والآخر ظنياً.
أما كونهما قطعيين في الدلالة والثبوت، فهذا ممتنع إلا إذا فرض اتفاقهما، وأما على فرض تعارضهما فهذا ممتنع؛ لأنه يلزم عليه تعارض قطعي الثبوت والدلالة مع قطعي الثبوت والدلالة، وهذا مخالف لأصول الحقائق العقلية، فإن الجمع بين النقيضين ممتنع.
وكون الدليل النقلي والدليل العقلي كل منهما ظني الثبوت ظني الدلالة؛ هذا أيضاً وإن فرض العقل جوازه ممتنع، لأنه يلزم عليه أن تكون المعرفة والتوحيد لا تتعدى ولا تتجاوز الظن، وأن لا يكون هناك علم في أصول الدين، ولا شك أن هذا ممتنع عقلاً وشرعاً، فلم يبقَ إلا أن يكون الدليل العقلي والنقلي أحدهما قطعي الثبوت والدلالة والآخر ظنياً، ومعلوم أن القرآن قطعي الثبوت بإجماع المسلمين، ومن نازع في قطعية ثبوته فقد كفر وخرج من ملة الإسلام، لا يقبل منه صرف ولا عدل.
ومعلوم أن القرآن قطعي الدلالة، ووجه كونه قطعي الدلالة: لأنه لا أفصح عند العرب من الإسناد في ذكر الصفة أو ذكر الفعل، فإنك إذا أردت -ولله المثل الأعلى- أن تخبر بأنك قمت، أو بأن زيداً قد قام، فإنه ليس هناك أفصح في لسان العرب من أن تقول: إن زيداً قد قام، وإن زيداً يتكلم، وإن زيداً انصرف .. إلخ ذلك من إسناد الفعل أو إسناد الحال.
ومعلوم أن أسماء الرب وصفاته جاءت مسندةً صريحة، وليس هناك موجب لدعوى أن الدلالة في اللسان ظنية، ويمكن أن يلخص هذا المعنى بطريقة أخرى فيقال: من زعم أن دلالة القرآن ظنية، فإنه يقال له: إذا أردنا الدلالة القطعية فبماذا يعبر عنها باللسان؟ فإذا كان قول الله تعالى: ﴿﵃﴾ [المجادلة:٢٢] ظني الدلالة على إثبات صفة الرضا، فما هو التعبير الذي يكون به قطعي الدلالة؟
لا يوجد في لسان العرب أفصح وأصرح في إثبات الصفة من إسنادها إلى موصوفها.
فإذا ثبت أن القرآن قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فيلزم من ذلك أن غيره مما يسميه هؤلاء عقلاً ليس كذلك، وأحسن أحواله أن يكون ظناً، ولا شك أنه في نفس الأمر ليس ظناً بل هو وهم، وحقيقة الوهم كذب كما هو مجمع عليه، وكما نص عليه أئمة هؤلاء، كـ ابن سينا في (الإشارات)، فإنه قال: (أجمعت الحكماء على أن حقيقة الوهم كاذبة)، أي: لا حقيقة لها.
الوجه الثالث: أن يقال: إن معارضة الدليل النقلي لما يسمى عقلياً يدل على أن النقل مجرد عن الحكم والدلالة العقلية، والأمر ليس كذلك، قال شيخ الإسلام ﵀: (وأئمة هؤلاء يلتزمون هذا المعنى فيقولون: إن الدليل النقلي دليل خبري مبني على صدق المخبر)، أي: ليس فيه ما يفيد الحكم العقلي، إنما هو مجرد تصديقات، وليس مخاطبةً للعقول، ولا شك أن هذا غلط، بل الدليل النقلي منه ما هو خبري محض، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وكقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف:٥٩].
ومنه ما هو خبري باعتباره قرآناً منزلاً على الرسول ﵊، وعقلي باعتباره مخاطباً لأصل العقل، ولهذا يصححه من آمن بالقرآن ومن لم يؤمن، كقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] وكقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ الله مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، وكقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]، فكان الجواب: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩]، وهذا رد عقلي، ولهذا قال شيخ الإسلام: (والقرآن مملوء بذكر الدلائل العقلية الموجبة لصحة الإيمان واستقامته).
قال: (والدليل الذي تسميه الفلاسفة بالدليل البرهاني، وهو الذي يزعمون أن نتيجته يقينية؛ الصواب منه مذكور في القرآن، وهو ما يسمى في القرآن بالأمثال المضروبة، كقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ [يس:٧٨] وقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم:٢٨] في تقرير التوحيد إلى غير ذلك.
فالأمثال المضروبة في القرآن هي الدلائل العقلية اليقينية، مع أنه يعلم أنه ليس كل ما زعمه المتفلسفة دليلاً عقلياً يقينياً -وهو القياس البرهاني- يكون كذلك، لأن المتفلسفة كـ ابن سينا وابن رشد وأمثالهم ممن هم على طريقة أرسطو في منطقه، زعموا أن القياسات خمسة: القياس البرهاني، والقياس الجدلي، والقياس الخطابي، والقياس الشعري، والسفسطي.
وزعموا أن الحكماء -أي: الفلاسفة- هم المختصون وحدهم بالدلائل البرهانية المفيدة لليقين.
ولا شك أن المتكلمين خير منهم؛ فإن كل من كان إلى الكتاب والسنة أقرب كان قوله ودليله أقوم وأصدق.
فكان الصواب أن يقال: الدليل النقلي إذا عارضه دليل بدعي؛ لأن النقل يراد به الشرع، ومعلوم أن الذي يعارض ذلك يسمى في حكم الله ورسوله دليلاً بدعياً.
وأما أن يقال: الدليل النقلي إذا عارضه دليل عقلي، فهذا مبني على مقدمة كاذبة وهي: أن النقل بريء من الأحكام العقلية؛ وهذا لم يقله إلا أئمة الجهمية الغالية، ولا يلتزمه عارف بأدلة القرآن وبيانه وأحكامه، فإن الله ذكر من الحجج العقلية ما يصحح الإيمان ويهدي العقول.
الجواب الرابع: أن يقال لهم: ماذا تقصدون بالدليل العقلي؟ إن زعموا أن المراد بالدليل العقلي هو نظر كل عاقل وحده -أي: نظر زيد وحده ونظر عمرو وحده- فهو على كل تقدير: الدليل الذي عارض عندهم نصوص الأسماء والصفات.
стр. 100
التعبير الأحكم أنه لا تعارض بين النقل والعقل
وهذا قانون يطول البحث فيه، والصواب أن يقال: إن العقل ليس معارضاً للنقل، ولا يقال: إن مذهب السلف هو تقديم النقل على العقل، فهذه الجملة وإن أطلقها بعض أصحاب السنة والجماعة على مراد أن من خالف عقله شيئاً من الوحي فإنه يقدم الوحي على عقله، وهو تعبير لا بأس به على هذا التفسير، إلا أن التعبير الأحكم أن يقال: إنه ليس ثمة تعارض بين العقل والنقل، وكل من زعم أن العقل عارض شيئاً من النقل فإن العقل الذي زعمه وهمٌ ليس بصحيح، والله سمَّى مثل ذلك ظناً، وسماه خرصاً، إلى غير ذلك من الأسماء التي ذكرها الله في كتابه عن مثل ذلك، وإلا فالعقل ذُكر في الشرع على مقام شريف، وذكر موجباً للإيمان ومصححاً له، كما في قول الكفار في آخر أمرهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩].
стр. 101
التسليم لا يكون إلا بعلم ويقين
قول أبي جعفر ﵀: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام).
لا يفهم منه أن طريقة السلف مبنية على التسليم الذي ليس تحته علم، وأنه تسليم بمعنى التفويض، بل التسليم لا يكون إلا عن علم، والتسليم الحق هو التسليم الذي يكون مبنياً على اليقين؛ ولهذا جمع الله بين ذلك وبين العلم في قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥] وهذا رد إلى العلم ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
وبعبارة أخرى: فإنه يمتنع في الوجود أن يتحقق التسليم مع الجهل أو مع المعارضة؛ لأن المعرفة والعلم اليقين مقدمةٌ للتسليم، والتسليم نتيجة، ومعلوم أن عدم المقدمة الموجبة يستلزم عدم النتيجة، فعدم المعرفة والعلم اليقيني يستلزم عدم التسليم؛ ولهذا قال هرقل في سؤالاته عن نبوة النبي ﷺ : (ومن يتبعه؛ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟
ثم قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطةً له؟ فقال أبو سفيان: لا.
فقال هرقل فيما بعد: وسألتك هل يرتد أحد منهم فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب).
ولهذا لا نجد مؤمناً ثبت على الإيمان والإسلام فيزيغ إلا بسبب من الضلال انتحله إلى نفسه، ولهذا قال الله : ﴿وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:٢٧] بمعنى: أن الضلال الذي يعقب الهدى لا يكون إلا بجهة من العدل، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥].
стр. 102
اضطراب منهج المتكلمين وبعده عن السنة
قال المصنف ﵀: [فمن رام علم ما حُظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة].
الأمر كذلك؛ فإن أهل السنة من الصحابة وأئمة السلف هم أصدق هذه الأمة علماً وإيماناً، وهم المحققون للتوحيد -توحيد المعرفة وتوحيد العبادة- بخلاف الذين كثر فيهم الخرص من المتكلمين ومن طاف على مذهبهم أو قاربه، أو طوائف من أرباب الأحوال المخالفة من المتصوفة، فهم في أمر مريج، وكما قال الله تعالى: ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٨ - ٩]، وهذا شائع في كلامهم وتحصيلاتهم، فهم من أكثر الناس جهلاً بالسنن والآثار، ولا أدل على ذلك من أن بعض فضلائهم المقاربين والمعظمين لطريقة السلف كـ أبي حامد الغزالي يذكر هو عن نفسه أنه مزجي البضاعة في الحديث، وترى أنه في إحيائه -مع أن كتاب (الإحياء) بالنسبة لكتب أبي حامد يعد من أجودها- يستدل فيه بالموضوع، ويستدل بما في صحيح البخاري، ولا يفرق بين هذا الدليل وهذا الدليل.
فهم قد ابتعدوا عن السنن والآثار، واشتغلوا بهذه العلوم التي زعموها علوماً عقلية، وكان من فقه السلف ﵏ أنهم كانوا لا يسمون علم الكلام علماً عقلياً، ولا يجعلون دليله دليلاً عقلياً، بل يسمونه علم الكلام، وتواتر عن السلف ذم هذا العلم ولم ينقل عنهم ذم العقل، فإن العقل لا يذم مطلقاً، وإن كان يصح أن يذم شيء منه إذا كان مقيداً، فإن المقيد يختلف حكمه عن المطلق، والله في كتابه لم يذم العقل.
فأولى المذاهب بالجمع بين العقل والنقل هو مذهب السلف، ومن فقه شيخ الإسلام أن سمَّى كتابه: (درء تعارض العقل والنقل)، أي: أنه لا تعارض بين العقل والنقل، وكل عقل زعم صاحبه أنه عارض النقل فالشأن في عقله، إلا إذا فرض أن النقل ليس صحيحاً، كحديث يروى ولا يصح عن الرسول ﵌.
стр. 103
الجمع بين النفي والإثبات في مذهب السلف
قال المؤلف عليه رحمة الله: [ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلَّ ولم يصب التنزيه، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية].
هذه الجملة التي ساقها الطحاوي ﵀ هي استتمام لتعليقه على توحيد الأسماء والصفات.
وقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه)، إشارة إلى أن مذهب سلف الأمة مبني على الجمع بين الإثبات والنفي، ولهذا ذكر الله في كتابه الأسماء والصفات على جهة الإثبات المفصل والمجمل، وذكر تنزهه عن مشابهة غيره أياً كان هذا الغير.
وإن كان المصنف ﵀ استعمل لفظ النفي مقارباً للفظ التشبيه، إلا أن لفظ النفي أشرف من لفظ التشبيه؛ فإن لفظ التشبيه منفي على الإطلاق وإن لم يصرح بنفيه في القرآن، وإنما صرح في القرآن بنفي التمثيل، ولكن نفي لفظ التشبيه مستعمل في كلام السلف.
وأما النفي فإنه معنىً يقابل الإثبات في العربية، ويراد به هنا نفي الصفة، ونفي الصفة مجملاً أو مفصلاً مستعمل في القرآن، فالمجمل كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] والمفصل كقوله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩].
ولا شك أن مراد أبي جعفر ﵀ بالنفي هنا النفي الذي تستعمله الجهمية والمعتزلة ومن شاركهم في طريقتهم من متكلمة الصفاتية، فإن هذا النفي هو النفي المذموم عند السلف، والأولى ألا يعبر بالنفي مقابلاً للتشبيه، فإن السلف برآء من طريقة التعطيل والتشبيه والتمثيل، فيكون المقابل على التحقيق لطريقة المشبهة والممثلة هي طريقة المعطلة، إلا أن النفي لصفات النقص مجمع عليه بين السلف، وهم يستعملون في ذلك طريقة القرآن، فلا يفصلون في صفات النفي؛ لأن كل إثبات مفصل في القرآن فإنه يستلزم بضرورة العقل نفي ما يقابله.
ولو أن الطحاوي ﵀ لم يستعمل لفظ النفي واستعمل لفظ التعطيل أو ما يقاربه مما ذم السلف لكان أولى.
стр. 104
الكلام عن الفرق بين صفات الله تعالى وصفات مخلوقاته
قال: (فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية).
هذه جمل مجملة يتفق المسلمون عليها، فليس أحد من المسلمين ينازع في جمل التوحيد الأولى، ومن نازع فيما هو من جمل التوحيد الكلية فإنه لا يكون مسلماً؛ لأنها من شرط عقد الإسلام، وإن كان لا يلزم من ذلك أن يكون مناط هذه الجمل محققاً عند سائر أهل القبلة، فمن هذه الجمل المتفق عليها: أن الله موصوف بالكمال منزه عن النقص، وعن مشاركة أحد له في كماله.
ولكن لا يلزم من هذا الاتفاق المجمل أن يكون هناك تحقيق عند سائر الطوائف للمناط الصحيح لهذه الجملة، فالمعتزلة مثلاً سمت نفي الصفات توحيداً، وصار من أخص أصولهم ومقدمها التوحيد، ويريدون به نفي الصفات.
وأيضاً: عدم مشاركة أحد له تعالى في صفات كماله، جملة يتفق المسلمون عليها، وإن كان غلط من غلط من طوائف المشبهة في بعض أحرف هذه المسألة، وقابلهم أهل التعطيل الذين بالغوا في التفريق بين صفاته وصفات خلقه إلى حد التعطيل، وإلا فإن التفريق ثابت بالإجماع.
стр. 105
الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم المماثلة
صار لفظ المشاركة بين الصفات اللائقة بالخالق واللائقة بالمخلوق لفظاً يقع فيه إجمال عند المتأخرين، حيث صار يستعمل فيما هو من المعاني الحقة التي صحت بالكتاب والسنة والإجماع، فيكون المعنى حقاً لكن لا يصح تسميته مشاركةً، والغلط الذي انتظم عند عامة طوائف المتكلمين من النفاة المحضة أو من يقاربهم وأخذه عنهم متكلمة الصفاتية، هو ظنهم أن الاشتراك في الاسم المطلق يستلزم التماثل عند الإضافة والتخصيص.
وبعبارة أخرى: هو ظنهم أن الاشتراك في الاسم المطلق هو التشبيه الذي نفته النصوص، فيمتنع أن يوصف الله عندهم بصفة الرضا؛ لأن المخلوق يتصف بذلك، ويمتنع أن يوصف بالمحبة -على طريقة الأشعري وأصحابه- لأن المخلوق يتصف بذلك.
إلا أن الأشعري لا يطرد هذا المذهب، بل يتناقض هو وأصحابه فيثبتون الإرادة والعلم والقدرة، إلى غير ذلك، وأما الذين ثبتوا على طريقة التعطيل فينفون سائر الصفات.
ومعلوم بضرورة العقل فضلاً عن الشرع أن التشبيه الذي نفته النصوص ليس هو الاشتراك في الاسم المطلق؛ لأنه لو كان كذلك للزم تعطيل الباري حتى عن صفة العلم، فإن المخلوق موصوف بالعلم، بل للزم تعطيل الباري حتى عن الوجود، فإن المخلوق ببديهة العقل والشرع والحس والفطرة له وجود، فهذا يستلزم تعطيل الباري عن صفة الوجود.
стр. 106
سبب اعتناء شيخ الإسلام بتقرير مسألة وجود الله تعالى
ومن هنا عُني شيخ الإسلام ﵀ بتقرير مسألة الوجود، وتكلم بعض المعاصرين فقالوا: إن عناية شيخ الإسلام بمسألة الوجود كأنه أثر من أثر متكلمة الصفاتية عليه، وإن السلف ما كانوا ينتظمون التوحيد على تقرير مسألة الوجود؛ لأنها مسألة فطرية، ولم يكن من هدي السلف الاستدلال النظري على الفطريات، أي: الأشياء المعلومة بأصل الفطرة.
ولا شك أن أقل أحوال هذا الكلام أنه عدم فقه لطريقة شيخ الإسلام ﵀، لأنه إنما عُني بمسألة الوجود؛ لأن مبنى تقرير هذا الباب عند سائر الطوائف هو على هذه الصفة، ولأن طريقتهم تستلزم تعطيل هذه الصفة.
стр. 107
الاشتراك في الاسم المطلق بين الخالق والمخلوق ليس اشتراكاً لفظياً
وبهذا يعلم أن صفاته ليست مقولةً بالاشتراك اللفظي في الاسم المستعمل بين الخالق والمخلوق؛ لأن المشترك اللفظي لا يقع به جزء من الاشتراك في المدلول بوجهٍ من الوجوه، سواء كان هذا المدلول مدلولاً مطلقاً أو مدلولاً إضافياً مقيداً، مثال ذلك: أنك إذا قلت: سهيل بن عمرو، وسهيل النجم، فهذا اسم للنجم وهذا اسم لابن عمرو، فهذا يعده كثير من أهل المنطق مثالاً للمشترك اللفظي، بمعنى: أن يكون الاسم المطلق واحداً ولا يكون هناك اشتراك لا في الإطلاق ولا في التعيين من جهة المدلول.
يقول شيخ الإسلام ﵀: (ويمتنع أن يكون باب الصفات من هذا الوجه؛ لأنه لو كان كذلك لامتنع فهم الخطاب، فالله قال في كتابه: ﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] ﴿إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨]، فيفهم المسلمون وكل من يقرأ القرآن أو يسمعه أن الله موصوف بالسمع، فيفرقون بين معنى السمع ومعنى البصر، وبين معنى العلم ومعنى الكلام، وبين الرحمة وبين الغضب، وهذا مبني على قدر من التواطؤ، وليس هو التشبيه الذي نفته النصوص وأجمع على نفيه السلف؛ لأنه قدر كلي لا وجود له في الخارج مختصاً إلا مضافاً لموصوف، وإنما هذا قدر كلي يُفهم به الخطاب).
ولهذا لما ناظر شيخ الإسلام ﵀ في مسألة الوجود على هذا الوجه قال: (إن من عطَّل صفةً من الصفات لزمه التسلسل في التعطيل حتى يعطل الباري عن العلم، ومن التزم نفي صفة العلم -كما التزمه غلاة المعطلة- فإنه يلزمه أن يعطل الباري حتى عن الوجود؛ لأن المخلوق موجود، وقد لزم هذا السؤال سائر مذاهب التعطيل، فكان لهم جوابات متناقضة في العقل فضلاً عن بطلانها في الشرع.
ومن إجاباتهم قول من يقول بأن لفظ الوجود بين الخالق والمخلوق مقول بالاشتراك اللفظي.
وهذا الجواب الذي زعم الرازي في كتبه أنه منتهى الأجوبة العقلية الصحيحة على هذه المسألة، لا شك أنه أفسد الأجوبة، لهذا أعرض عنه حذاق المعتزلة المتقدمين، وأعرض عنه متقدمو الأشاعرة؛ لأنه إن قال: إن لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي لزم من ذلك عدم العلم بوجوده سبحانه، وما من دليل يُذكر في الوجود إلا ويراد به الوجود المعروف عند العقلاء وهو قيام الشيء في الخارج.
فإذا ما قيل: إن لفظ الوجود في حقه مقول بالاشتراك اللفظي صار هذا تعطيلاً للوجود من وجه أخص.
стр. 108
كل ممثل معطل وكل معطل ممثل
فهذه المذاهب تستلزم التعطيل المطلق؛ وكذلك تستلزم التشبيه، وعن هذا قال من قال من أهل السنة: إن كل ممثل معطل، وكل معطل ممثل، وبهذه الطريقة قرر شيخ الإسلام ﵀ بأن مذهب هؤلاء ينتهي إلى تعطيل الباري عن صفات الكمال وهو السلب المحض، والسلب المحض تشبيه له بالمعدومات، بل إن المعدوم منه ما يقبل الوجود، ومنه ما لا يقبل الوجود وهو الممتنع لذاته، وهم يلتزمون أن صفات الإثبات ممتنعة، فيلزم من ذلك تشبيهه بالممتنعات، وهذا الإلزام الذي استعمله حذَّاق أهل السنة في جوابهم وردهم لطرق المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن شاركهم من متكلمة الصفاتية كـ ابن كلاب وأتباعه، والأشعري وأتباعه، وأبي منصور الماتريدي وأتباعه، إلزام محكم في العقل.
стр. 109
تعطيل الصفات فرع عن مذهب الفلاسفة الملحدين
قد يقول قائل: إن هذا من باب لازم المذهب، وإن لازم المذهب ليس مذهباً.
فيقال: أما من جهة الأحكام المعادية فإن هذا من لازم المذهب، بمعنى: أنه لا يُحكم على أحد حكماً معادياً من جهة لازم مذهبه، ولكن عند التحقيق العلمي فإن هذا المعنى هو حقيقة مذهب هؤلاء، فإن تعطيل الصفات لم يكن معروفاً حتى في مشركي العرب، فليس هو فرعاً عن سائر أنواع الكفر، وإنما هو فرع عن كفر ملاحدة الفلاسفة كـ أرسطو وأمثاله الذين ما كانوا يثبتون رباً خالقاً للعالم، وإنما كانوا يثبتون ما يسمونه علة غائية يقارنها معلولها، وتقدم العلة على المعلول عندهم إنما هو في الشرف والعلية وليس بالزمان، وهو مذهب إلحادي، ولم يكن أرسطو على دين سماوي بل ولا حتى على دين محرَّف، فإنه كان قبل المسيح ابن مريم ﵊ بثلاثمائة سنة، وكان رجلاً ملحداً كافراً متفلسفاً خرج عن طريقة أستاذه أفلاطون المثالية إلى طريقة زعم أنها طريقة عقلية تقوم على التجريد العقلي، وتقوم على تعطيل الباري عن خلقه ووجوده وصفاته.
стр. 110
الاعتراض على الطحاوي في استعماله ألفاظ المتكلمين
قال ﵀: [وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان الأعضاء والأدوات، ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات].
هذه العبارات التي استعملها أبو جعفر الطحاوي ﵀ ليست جملاً حسنة، وإن كنت إذا نظرت فيها قلت: إنه سبحانه منزه عن الأعضاء على إرادة أن الأعضاء هي التركيب الذي يقع للمخلوق، وهو افتقار كل جزء منها للآخر وأنه لا قيام له من جهة نفسه، لكن ليته لم يعبِّر بها لوجهين:
الأول: أن الله وإن كان متعالياً ومنزَّهاً عن سائر صفات النقص، ومتعالياً ومنزَّهاً عن الصفات التي تستلزم مشابهته أو مماثلته لخلقه، فإن هذه الأحرف ما كان أحد من السلف يعبر بنفيها، وإنما كانوا يستعملون طريقة القرآن في ذلك.
الوجه الثاني: -وهو الأخص- أن كثيراً من أئمة التعطيل من المتفلسفة كـ ابن سينا في كتبه (كالإشارات والتنبيهات أو التعليقات)، وكذلك في كتب المعتزلة وكتب متأخري الأشاعرة كـ أبي المعالي في (الإرشاد والشامل)، والشهرستاني في (نهاية الإقدام)، ومحمد بن عمر الرازي في (المطالب العالية) وغيره من كتبه، إذا تكلموا في مسألة العلو وغيرها من الصفات، عبروا عنها بما عبر به الإمام الطحاوي ﵀.
ومعنى الصفات الخبرية: هي الصفات التي اتصف الله بها.
وقد قال بعض المتأخرين في تعريفها: ما هي بالنسبة للمخلوقين أجزاء وأبعاض كاليدين والوجه.
وهذا التعريف فيما يظهر ليس مناسباً، ولا محتاجاً إليه، وإنما يُعبر عنها بأنها الصفات التي دل عليها الخبر، فإذا قيل: إن هذا التعريف ليس جامعاً مانعاً.
قيل: أصل التقسيم للصفات إلى خبرية وغير خبرية تقسيم مُحدث، فإذا انغلق تعريفه رُدَّ التقسيم من أصله، فإنه يصح بإجماع السلف أن تقول: إن سائر صفات الله خبرية؛ لأن صفاته معلومة بالخبر, وإن كان منها ما يكون معلوماً مع ذلك بالعقل كالعلم والقدرة والعلو وغير ذلك.
فمثل هذه التقاسيم -كما أشار شيخ الإسلام - لا تلزم من كل وجه، ولما ذكر شيخ الإسلام مصطلح الصفات الاختيارية قال: (إنه قد يُشكل عند بعض الناظرين فيه، فيرى أن بعض الصفات كأنه خبري أو نحو ذلك.
قال: فكل لفظ وقع فيه إشكال فإنه لا يلزم طرده واستعماله).
فالمعطلة إذا تكلموا عن هذه الصفات عبروا عن نفيها بما هو من جنس هذه الأحرف التي ذكرها أبو جعفر، ولا يعني هذا إثبات ما نفاه أبو جعفر من الألفاظ، فلا يقال: إن الله موصوف بالحد، أو بكونه في جهة، أو بأنه تحويه الجهات، بل الإثبات هنا أشد غلطاً من النفي، وإنما المقصود هنا أن ما كان من الحق فإنه يعبر عنه بما هو من الحق.
فهذه الأحرف أحرف مجملة تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً وهي محدثة.
следующие страницы →