Полный текст (110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الناظر
الناظر: هو من يملك القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها.
وهذا حال كثير من الباحثين المختصين بأبواب من الفقه، وحال كثير من طلبة العلم الذين جالسوا الشيوخ والعلماء، فهؤلاء لا يسمون مقلدين بمعنى التقليد المحض؛ لأن الواحد منهم عنده قدرة على أن ينظر في كتب الفقهاء؛ ككتب الفقه المقارن، وكتب المذاهب، ويرجع إلى بعض الكتب في السنن والآثار كالمصنفات مثلاً، فعنده قدرة على هذا الجمع العلمي، ثم يستنتج أن المسألة مثلاً فيها ثلاثة أقوال، ويذكر أقوال الفقهاء مع أدلتهم، ثم يصل إلى نتيجة يراها أقرب إلى الشريعة، فيقول: الأقرب عندي هذا القول؛ كمن يصل إلى نتيجة فيرى أن ما قرره ابن تيمية في مسألة تحية المسجد أقوى من حيث الدليل، ومن حيث تطبيق القواعد الأصولية، وهذا الأمر -كما ذكرنا- يحصل لكثير من الباحثين الذين ينصرف أحدهم في بحث ما إلى دراسة كتاب الطهارة أو كتاب الجنايات من الفقه، لكن لا يوجد عنده اطلاع واسع في أبواب الفقه الأخرى، إنما قصد إلى مبحثٍ معينٍ خاص.
ويحصل كذلك لكثير من طلاب العلم الذين جالسوا العلماء والشيوخ، فتجد أن عندهم هذه القدرة، لكنهم ليسوا على أكثر من ذلك.
إذاً: هذا يسمى: ناظراً في أقوال الفقهاء، وليس هو مجتهداً ولا فقيهاً، وسيأتي الفرق بينه وبين الفقيه، وليس هو أيضاً كالعامي المقلد؛ لأنه -كما ذكرنا- يستطيع أن ينظر في أقوال الفقهاء، ثم يصل إلى اختيار يراه، وليس بالضرورة أن يكون هذا الاختيار اجتهاداً مطلقاً؛ بل هو اختيار حسب ما يقارب من الأدلة عنده.
стр. 37
الفقيه
الفقيه على مرتبتين:
المرتبة الأولى: من اجتمع له القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها، أي: استكمل رتبة الناظر، مع معرفته بجمهور الأقوال في مذهب ما، كمذهب الشافعية مثلاً، فنجد أنه قد حفظ جمهور فروع الشافعية، وعرف أقوالهم، فإذا عرضت له مسألة من المسائل؛ سواء كانت في العبادات أو في المعاملات؛ نجد أنه يعرف أقوالهم فيها؛ إما لكونه قد حفظ متوناً في المذهب فعرف فروعهم، أو لأوجه أخرى من التحصيل العلمي، ولذلك لا يسأل عن مسألة -في الجملة- في فروع مذهب الشافعي إلا وأجاب عنها.
وهذا حال كثير من الفقهاء أتباع المذاهب الأربعة الذين جاءوا في عرض التاريخ، فهم يملكون القدرة العلمية، أي: يعرفون مصطلحات العلماء وعباراتهم، والمصطلحات الأساسية التي هي التأصيل العلمي الأول، وهي أصول علوم الآلة، فيعرفون التأصيل العلمي في علوم اللغة مثلاً، وفي أصول الفقه، وفي علم المصطلح، ونحوها من علوم الآلة.
المرتبة الثانية -وهي الأعلى-: من اجتمع له القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها، مع معرفته بجمهور الأقوال في مذاهب الفقهاء، فهو ليس مختصاً بمذهب معين، كمذهب الحنفية أو الشافعية أو الحنابلة أو المالكية؛ بل إنه يعرف في أكثر المسائل أقوال الحنفية والشافعة والمالكية والحنابلة، ولا يلزم بالضرورة أن يسند الأقوال على التعيين، لكنه يعرف أن في المسألة ثلاثة أقوال أو نحو ذلك.
стр. 38
المجتهد
المجتهد: هو من استكمل رتبة الفقيه العالية - وهي الثانية- أي: أنه يملك القدرة على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها، مع معرفته بجمهور الأقوال في مذاهب الفقهاء، مع امتيازه -وهذا هو الفرق بينه وبين الفقيه- بملكةٍ فقه بها مفصل مقاصد الشريعة.
فهو لم يقتصر على مجرد القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء، بل ويعرف أيضاً جمهور أقوال الفقهاء، وكذلك يمتاز بملكة فقه بها مفصل مقاصد الشريعة؛ لأن أخص امتياز في الاجتهاد هو فقه مفصل مقاصد الشريعة، وليس فقط معرفة مجمل القواعد، مثل: اليقين لا يزول بالشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، فإن هذه -كمعلومات- جمل تحفظ في مجلس.
وهذا الفقه بمفصل مقاصد الشريعة يتحصل من سعة المجموع العلمي عنده، ومن نظره في سائر العلوم، ويتحصل بدرجة أخص من طبيعته التي خلقه الله عليها، فإن بعض الناس لا توجد عنده ملكة على فهم المقاصد، إنما هو حامل فقه، وليس بفقيه فيه، والفقيه في لسان الشارع هو صاحب الاجتهاد، قال ﵊: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، فالفقيه هنا من يحمل الفقه، لكن إذا كان فقيهاً فيه سمي في الاصطلاح: مجتهداً.
إذاً: المجتهد من استكمل رتبة الفقيه الثانية -العالية- مع امتيازه بملكة فقه بها مفصل مقاصد الشريعة، وهذه الملكة تتحصل بالمجموع العلمي، وبالطبع الذي خلقه الله عليه من القدرة.
ومن المعلوم أن الصحابة تفاضلوا في فقههم وهم صحابة، فـ معاذ بن جبل كان فقيهاً في الحلال والحرام، وقد جاء عن النبي ﷺ ما يدل على امتياز معاذ في هذا الباب، وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه حافظاً، لكنه لم يشتهر كاشتهار معاذ في الفقه، وابن مسعود ﵁ كان فقيهاً في القرآن، وقد كان ﵁ يقول -كما في الصحيح-: (لو أعلم أن أحداً أعلم مني بكتاب الله أو قال: أفقه مني في كتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه)، وهذا من الثقة التي وصل إليها ابن مسعود في إدراكه لفقه القرآن وسعة علمه بذلك ..
وهكذا غيرهم من الصحابة ﵃.
ومن هنا يتبين أن الاجتهاد ليس كلأً مباحاً، كل من تعلم شيئاً من العلم وأراد أن يكون مجتهداً، أو دفعه الجمهور إلى الاجتهاد تحول إلى مجتهد، وهذه هي المشكلة الواقعة اليوم في الأمة، ليس في مصر معين فقط؛ بل في عامة الأمصار، وفي أبواب أيضاً مختلفة، وهذا أمر ينبغي أن يتفطن له طلبة العلم، فلا يتقدم طالب العلم أكثر من المرحلة التي وصل إليها.
فمثلاً: الناظر ليس هو الفقيه، والفقيه: هو الذي ينتصب للناس ليفتي في الحلال والحرام، والناظر ليس من حقه أن يفتي الناس ويجيب عن أسئلتهم وقضاياهم الدينية؛ لأن الإفتاء هو من اختصاص الفقيه، لكن ليس بالضرورة أنه هو الذي يفصل في النوازل، إنما يُسأل عن مسائل فقهية، فإن كان على مذهب معين أجاب بما قال فقهاء المذهب، وإن كان عالماً بجميع المذاهب أجاب بما يراه، وهذا يسمى فقيهاً برتبتيه، أما الناظر فهو الذي ينظر في مسائل معينة، وقد يعطي حكماً جيداً فيها، كما يحصل من بعض الباحثين الذين لديهم تحصيل علمي متميز في بحث معين، فهذا يسمى ناظراً، وله قدر من الاعتبار والاختصاص والامتياز كما هو الواقع اليوم.
إذاً: الاجتهاد ليس كلأً مباحاً لكل من رأى من نفسه القدرة العلمية، أو رأى ذلك له غيره، وبالمقابل فليس الاجتهاد نظرية مثالية متعالية، فأهل السنة والجماعة بل وجمهور المسلمين ليس عندهم مثاليات مطلقة تحت شروط شبه غائبة، أو شروط مثالية متعذرة التطبيق؛ لأن الأمة لا بد لها من إمام مجتهد على الأقل، فمن استكمل رتبة الفقيه الثانية، فكان عنده قدرة علمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها، مع علمه بجمهور الأقوال في المذاهب، وآتاه الله ملكة بمجموع علمي طلبه، وبطبع خلقه الله عليه من الفقه، فهذا هو المجتهد.
وهل من شروط المجتهد أن يكون ممن يمكنه الاجتهاد في كل المسائل؟
الجواب: من قال من الأصوليين: إن من شرطه أن يكون قديراً على الاجتهاد في كل المسائل، فهذا واهم؛ لأنه لم يوجد أحد في التاريخ كذلك، فكل إمام قد توقف في بعض المسائل، حتى أبو بكر وعمر ﵄ قد توقفا في بعض المسائل، فليس هذا -إذاً- من شروط المجتهد، فإنه من المعلوم أنه إذا جاء المجتهد إلى المسألة التي يجتهد فيها فقد يتلكأ عن الاجتهاد فيها لسبب؛ إما لنقص في تصور المسألة، أو لأسباب أخرى.
أيضاً: المسألة التي يريد المجتهد الاجتهاد فيها لا شك أن من شرط اجتهاده فيها: أن يكون محيطاً بعلم هذه المسألة في الجملة، أما الإحاطة المطلقة فلا تشترط هنا، فمثلاً: إذا أراد أن يجتهد في مسألة في الحج فلابد أن يكون فقيهاً في أدلة الحج وأحاديثه وأحكامه؛ لأنه سيجتهد في بابه، فالمسألة التي يجتهد فيها لا بد أن يكون عالماً في الجملة بمفصل أدلتها، وهذا الشرط إنما يشترط في المسألة التي يراد أن يجتهد فيها، أما مسألة قد كفاه الفقهاء أمرها من قبل، وليست من النوازل ولا من عوارض الاجتهاد، فهذه مسألة يدرج فيها على طريقة من سبقه.
стр. 39
الجهة الرابعة: المسألة المستدل عليها
هذه هي الجهة الرابعة أو المكون الرابع من مكونات الاختلاف، وهي: المسألة المستدل عليها، وفيها ثلاثة معتبرات:
стр. 40
التصور للمسألة المستدل عليها
- المعتبر الأول: التصور للمسألة:
وأعني بالتصور هنا: التصور التطبيقي للمسألة، وفقه التطبيق يعتبر من أخص أبواب الفقه، فلابد من معرفة التطبيق الفعلي للمسألة المستدل عليها، ومن الأمثلة على ذلك: معرفة المصطلحات المعاصرة في المعاملات، كمصطلح: الإجار المنتهي بالتمليك ونحوه.
ولذلك نجد أن من أسباب اختلاف الفتوى: الاختلاف في التصور التطبيقي، أي: تصور الواقع، فمثلاً: قد يسأل بعض الناس الآن عبر نظم الاتصال عن حكم المساهمة في شركة من الشركات، فيقال له: ما طريقة هذه الشركة؟ أو يسأل ويقول: أريد أن أشتري من بنك معين بطريقة كذا، فيقال له: ما هي الطريقة؟ فيذكر طريقة معينة لو صدق تصوره فيها لقيل: إن هذا العقد أو هذه المعاملة جائزة بلا جدال، وقد يذكر شخص آخر تصوراً لو صدق تصوره لقيل: إن هذا من الحرام البين، وربما شخص ثالث يذكر تصوراً لو صدق تصوره لقيل: إن المسألة مما يقبل التردد والاجتهاد، فهي ليست بينة التحريم وليست بينة الإباحة.
ولذلك أنبه طلاب العلم الذين قد يجيبون عن بعض الفتاوى إلى أن لا يستعجلوا في إعطاء أحكام مطلقة بناءً على تصور من آحاد الناس، إلا إذا كان السائل أو المتكلم يتكلم عن معرفة، فإذا سأل عن حكم المساهمة في شركة ما، وقيل له: ما هي طريقتها؟ فيذكر ذلك بالتفصيل، ومن ثم يعطى حكماً معيناً، فإذا كان الواقع الفعلي يقود إلى التحريم حرم المجيب بناءً على التصور.
إذاً: التصور التطبيقي أمر مهم جداً، وهو يتعلق كثيراً بموضوع المعاملات.
ومن أهم ما يكون التصور فيه دقيقاً ومطلوباً: القضايا المتعلقة بالأقليات غير المسلمة، كمسألة كنيسة تباع أو تحول إلى مسجد، فهل يجوز أن تشترى الكنيسة وتبقى كما هي وتحول إلى مسجد، أم لا بد من إجراء تعديلات في بنائها وشكلها ونحو ذلك؟ وأحياناً تحتك بالقضية أمور معينة، كأن يقال: ما حكم منع إقامة مسجد في هذا المكان مثلاً؟ أو يسأل عن بنك أريد أن يحول إلى مسجد مع الإبقاء على جزء من البناية كبنك، فهل يجوز أن يكون هذا مجاوراً لهذا أم لا يجوز؟ ونحو ذلك من المسائل التي تحتاج إلى تصور دقيق.
ومما ينبه إليه في الأمور التطبيقية في التصورات -ولا سيما التصورات المستجدة-: أنه ينبغي أن يكتب التصور كتابة دقيقة من عارف به، حتى تكون الأحكام مناسبة للتصورات، لكن مشكلة كثير من الناس اليوم أن تصوراتهم تأتي تصورات ظنية، مع أن الواجب أن يكون التصور يقينياً، والحكم هو الذي قد نقول عنه: إنه حكم ظني، أما التصور فإنه ينبغي أن لا يختلف فيه كثيراً؛ لأنه شيء معين واقع، إلا إذا تعذر ذلك، وهذا باب آخر.
стр. 41
رتبة المسألة المستدل عليها من الشريعة
- المعتبر الثاني: رتبة المسألة من الشريعة:
والمقصود هنا: نظر المستدل إلى رتبة المسألة من الشريعة.
فمثلاً: مسألة وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع ما رتبتها من الشريعة؟ نقول: هذه المسألة ليست من بيّن الفروع التي انضبط عن النبي ﷺ فيها هدي بيّن، فهي من فروع الشريعة غير البيّنة عند الأئمة بحكم معين، فإذا كان كذلك فينبغي أن تعطى هذه الرتبة في الحكم، وطريقة الخلاف، والنظر إليها، وإمضاء الوقت فيها، واستعمال الأدلة عليها، وأن لا تكون مسألة عزماً فينصب الخلاف فيها نصباً، ويقطع القول فيها قطعاً، فتعطى من الرتبة ما هو أعلى من ترتبها.
وبالمقابل فكما أنه قد يعرض لبعض طلبة العلم أنهم يعلون الرتبة، فيتعثر الخلاف بين المسلمين بهذه الرتبة التي لم تكن عزماً عند المتقدمين من السلف إلى هذه الدرجة، فكذلك قد ينزل البعض أحياناً رتبة بعض المسائل الشرعية.
ولعل من المثال المناسب له في نظري: تساهل بعض طلاب العلم في قضايا الحج، فيرون أن من ترك واجباً ولو عمداً فيتوب ويستغفر وحجه صحيح! كذلك يقولون: لا يلزم الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس؛ فإنه سنة وليس بواجب، كذلك مسألة المبيت يرون أنه لا يلزم؛ لأن الناس في ضيق ومشقة، وكذلك يرون أن الرمي فيه سعة، فلو وكل غيره ليرمي عنه فلا بأس ..
وهكذا!
وبهذه الإسقاطات قد ينتهي الحج خلال ثلاث ساعات أحياناً! وقد يقولون: إن هذا من باب التيسير على الناس، فيقال: إن التيسير ليس أمراً عقلياً محضاً؛ بل إذا ثبتت المشقة ثبت التيسير، وهذه المبادرات أحياناً تشتت الناس، وليس عليها أدلة بينة، فكيف يقال: إنه يحج ويترك ما شاء من الواجبات ثم يتوب ويستغفر وحجه صحيح، ولا إثم عليه ولا مؤاخذة ولا نقص في حجه؟! مع أنه كقاعدة شرعية: لا يوجد عبادة في الإسلام يسوغ فيها ترك العمد إلا بجبرانه.
ومن المعلوم أن الله أجرى مسألة الجبران في المناسك بالدماء، وإذا كان الدم يشرع في المحظور الخارج عن ماهية العبادة، فمن باب أولى فيما هو من ماهية العبادة، وهذا هو التأصيل الذي ذكره بعض كبار الأئمة كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض كتبه.
стр. 42
فقه المسألة المستدل عليها من حيث الأصل
- المعتبر الثالث: فقه المسألة من حيث الأصل:
فلابد من فقه المسألة المستدل عليها من حيث الأصل، والأصل قد يكون أصلاً عاماً، مثل: الأصل في المعاملات الإباحة أو الحل، وقد يكون أصلاً خاصاً.
فإذا أخذت المسألة فينبغي أن يعرف الأصل في دائرة هذه المسألة، فإن كانت معاملة فيقال: الأصل العام هو الحل، وهناك أصل أخص من الأصل العام، فمثلاً: مسألة زكاة حلي النساء لها أصل في باب الزكاة، وهو: أن أموال القنية والارتفاق الشخصي لا زكاة فيها، كالسيارة المركوبة، والبيت المسكون، فمهما كانت قيمتها لا زكاة فيها بالإجماع، كما قال ﵊: (ليس على المسلم في داره ولا فرسه صدقة)، فهذا أصل في هذا الباب، ولا يمنع أن نخرج عن هذا الأصل، لكن مع استصحاب الأصل العام والأصل الخاص في الباب، وهذا يعتبر من أجود الفقه، ولا سيما فقه الأصول الخاصة؛ لأن فقه الأصول العامة قد يكون بيناً وينتهي بكلمات محدودة، لكن الأصول الخاصة في الأبواب تعتبر من أهم الأمور.
ولذلك فإن من التصور التطبيقي اعتبار البيئة، واعتبار عموم البلوى، والضرورات، والحاجيات، وأحياناً الأحكام التي تقبل العوارض في الإسلام وهي مبنية على شروط قد تتغير لسبب ما، كالجهاد مثلاً، فإنه يكون في حال مأذوناً فيه، ويكون في حال موقفاً بناءً على أحوال خاصة طارئة تحدث عند المسلمين، وما إلى ذلك.
стр. 43
شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [٦]
للقول الفقهي الصادر عن الأئمة والفقهاء في مسألة من المسائل الفقهية ست مراتب، لا تخرج الأقوال الفقهية عن هذه المراتب أبداً، وفائدة معرفتها، معرفة درجة القول الفقهي من حيث القوة والضعف، ومن ثم درجة المسألة من حيث العمل بها أو عدمه.
стр. 44
مراتب القول الفقهي
تكلمنا فيما سبق عن مكونات الخلاف الفقهي وتعلقها بالجهات الأربع، وهذه المكونات للخلاف قد جعلت القول الفقهي يأتي على ست مراتب باعتبار القائلين بها.
ولقائل أن يقول: ما أهمية القول باعتبار القائلين مع أننا لم نتعبد بالقائلين؟! والجواب: أن ملاحظة حال القائلين يعتبر من أهم الأمور، والله قد عظم في القرآن الكريم اتباع سبيل المؤمنين، وليس هناك انفكاك بين الحق وبين أهله، ومما يؤكد ذلك قولنا: أهل السنة والجماعة، فالجماعة تتعلق بالأعيان، والسنة تتعلق بالأثر والوحي.
стр. 45
ما انضبط فيه الإجماع
المرتبة الأولى: ما انضبط فيه الإجماع:
كإجماع فقهاء المسلمين بل إجماع المسلمين على وجوب الصلوات الخمس، وعلى أن الزكاة والصيام والحج فروض ومن أركان الإسلام، وإجماعهم على استقبال القبلة، وعلى أمور متعددة هي أكثر من ذلك بكثير، وهذه لا ينبغي أن يكون فيها مجال للتردد أصلاً؛ لأنها بينة بدهية قطعية.
стр. 46
ما سمي فيه الإجماع من بعض الفقهاء ولم ينضبط إثباتاً ولا نفياً
المرتبة الثانية: ما سمي فيه الإجماع من بعض الفقهاء ولم ينضبط إثباتاً ولا نفياً:
كقول بعض الفقهاء: (إجماعاً) أو (اتفاقاً)، أو (لا نعلم فيه خلافاً)، مع أن العلماء يفرقون بين هذه الصيغ الثلاث، لكن الذي يهم هو مقصود المعاني، وقولنا: (من بعض الفقهاء)؛ لأنه لو استفيد من سائر الفقهاء لكان الإجماع المنضبط، وقولنا: (ولم ينضبط إثباتاً ولا نفياً)، الدليل على عدم انضباطه: عدم الاستفاضة لسائر الفقهاء، وكون المسألة ليست من الأصول البينة التي يعلم أن الإجماع فيها إجماع منضبط، وإن لم يصرح به فلان وفلان من الناس، فالانضباط يكون إما بالاستفاضة والتصريح من الأئمة والفقهاء، أو بأن تكون المسألة بينة، وإن كان الإجماع ربما صرح به فلان أو فلان ولم يصرح به الآخرون؛ لأنه بدهي من الدين.
ولا ينبغي التكثر في التردد في قبول القول المستفيض، فما دام أنه استفاض فإن المستفيض هو الصحيح حتى حكي فيه الإجماع.
وقولنا: (ولا نفياً)، أي: أنه لم يحفظ الخلاف ولم يحفظ الاتفاق، وهناك فرق بين حكاية الاتفاق، وبين حفظ الاتفاق وانضباطه، وهذا ما سنبينه لاحقاً إن شاء الله تعالى.
стр. 47
ما حفظ فيه قول لآحاد لكنه شاذ عن قول العامة من الأئمة
المرتبة الثالثة: ما حفظ فيه قولٌ لآحاد لكنه شاذٌ عن قول العامة من أئمة الأمصار:
(لآحاد) أي: لأعيان، كواحد أو اثنين أو ثلاثة ونحو ذلك، وقولنا: (ما حفظ)، أي: ما عرف وثبت فيه قول لآحاد، لكنه شاذٌ عن قول العامة من أئمة الأمصار، حتى إن بعض هؤلاء الأئمة قد يحكون الإجماع، وهذا ليس من شرط هذه المرتبة، فسواء حكي فيه الإجماع أو لم يحك فيه الإجماع، فإن المقصود هو أن قول عامة أئمة الأمصار على شيء وذهب واحد من العلماء إلى قول آخر، كقولهم مثلاً: لم يخالف في هذه المسألة إلا القاسم، أو لم يخالف إلا داود بن علي، أو لم ينقل الخلاف إلا عن عطاء أو النخعي، فإذا كان أئمة الأمصار -أعني أئمة الحجاز ومكة والمدينة وأئمة الشام وأئمة أمصار العراق البغداديين والكوفيين والبصريين وأئمة خراسان- إذا كان قد استفاض القول عنهم بمذهب واحد، ولكن حفظ عن بعض الآحاد -كالقاسم أو عروة أو داود بن علي - فيما بعد قول، فهذا القول يسمى قولاً شاذاً، وهذا هو الشاذ من أقوال الفقهاء.
ومما ينبه إليه: أنه لا ينبغي في أكثر المجالس كمجالس الإفتاء وما إلى ذلك -وأقول: في أكثر المجالس وليس بالضرورة في كل المجالس- لا ينبغي في أكثر المجالس البعث للأقوال الشاذة، بل إن هجرها هو أولى، لكن أحياناً تحت نظام علمي عالٍ يقال: إن المسألة فيها قول لبعض الناس؛ وذلك لأجل أن يعذر في قول ذلك، وفي باب العذر هل مخالف الإجماع المنضبط كمخالف الإجماع غير المنضبط؟
الجواب: لا، ولذلك فإن الإجماع المنضبط، والإجماع غير المنضبط، وقول العامة الذي خالفه شاذ، الفرق بينها مهم من جهة المخالف، فإن مخالف الإجماع المنضبط حكمه شديد، ومخالفة الذي تحته دونه، ومخالفة قول العامة لقول شاذ هذا أقل، وهذا من الفقه البين.
ولذلك يقول ابن المبارك ﵀ -وهذا من فقهه-: إني لأسمع الحديث فأكتبه وما بي أن أعمل به، ولا أن أحدث به، ولكن أجعله عدة إن عمل به أحد من أصحابي قلت: عمل بحديث.
فنظام العذر يعتبر نظاماً فقهياً في الإسلام.
стр. 48
ما حفظ فيه قول بين يخالف قول الجماهير
- المرتبة الرابعة: ما حفظ فيه قول بين، إما لمذهب أو لمصر، يخالف قول الجماهير من الأئمة:
كأن يختص الحنفية عن جمهور الفقهاء والأئمة بمذهب، وهذا له أمثلة كثيرة، أو يختص الحنابلة بقول عن جماهير الفقهاء ونحو ذلك، أو يختص أهل مصر، كأن يقال: مذهب جماهير أئمة الأمصار على كذا إلا أئمة المدينة فلم يكونوا يستحبون هذا الفعل، أو لم يكونوا يرون لزوم ذلك، أو كانوا يحرمون ذلك الفعل، ونحو ذلك، وهذا أيضاً له أمثلته.
وقولنا: (يخالف الجماهير) قد يقول قائل: لماذا لا نقول: خالف الأئمة الأربعة أو جمهور الأئمة الأربعة؟
والجواب: أننا نتكلم عن مراتب القول الفقهي عند المتقدمين قبل أن يتعين أربعة دون غيرهم بمذاهب فقهية، أيضاً هؤلاء الأئمة الأربعة مع علو درجتهم لكن كان هناك مثلهم من أصحابهم كثير، بل وممن قبلهم، كأئمة الصحابة ﵃ وغيرهم، وهذا هو ما يجعلنا نقول: يخالف الجماهير من أئمة الأمصار، فهذا ما حكمه؟ وكيف يتعامل معه؟
يقال: الأصل فقهاً أن يعظم قول الجمهور، فإن الجماهير من أئمة الأمصار إذا تواردوا على قول فهذا القول إن لم يكن راجحاً رجحاناً بيناً فهو قول قوي لا يجوز تضعيفه في أكثر الموارد، وأعني بالتضعيف هنا الإسقاط، والتعبير بكلماتٍ توحي بإسقاطه، كقول البعض: وأما القول الثاني فهو قول الجماهير من أئمة الأمصار، وهو قول لا دليل عليه، والتضعيف بهذا النظام يدل على وجود خلل في الحصيلة الفقهية عند بعض الناس.
فإذا توارد أئمة الأمصار ككبار المحدثين، وكبار أئمة الكوفة، وأئمة المدينة كـ مالك ومن قبل مالك كـ ابن المسيب، وأئمة مكة كـ عطاء وأمثاله -إذا توارد هؤلاء الأئمة على حكم، فهذا كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إني استقرأت مسائل الشريعة فإذا القول الذي عليه جمهور الأئمة هو الصواب في الجملة.
وهذا هو فقه الاستقراء، ثم علله بتعليل شرعي وهو عقلي من جهة فقال: لأنه يتعذر في الجملة أن يخفى الصواب من السنة والهدي على جمهور أئمة الأمصار ما بين فقهاء ومحدثين.
فإذا رأيت جمهورهم قد تواردوا على قول فلابد أن يكون له إكبار وإجلال، ولا ينبغي أن تتخطى رقاب الأئمة إلا إلى فرجة بينة، وهذه الفرجة البينة لا يشاهدها الآحاد من المبتدئين في طلب العلم، بل لا يصل إليها إلا من وصل إلى درجة من العلم والفقه والسعة في النظر والتتبع.
وإنما ذكرنا هذا حتى لا نلتزم بنظرية مقابلة وهي نظرية الإلزام بقول الجمهور، فإن الإلزام بقول الجمهور ليس عليه دليل، فليس هناك دليل لا من الكتاب ولا من السنة أنه يلزم العمل بقول الجمهور، والدليل على هذا: أن بعض الصحابة خالف جمهور الصحابة ولم يُنكر عليه، وكذلك بعض الأئمة خالف قول الجمهور، ولو كانت مخالفة الجماهير ممنوعةً لأنكروا عليه، ولم ينقل أنهم أنكروا على فلان أو فلان لأنه خالف الجماهير، بل كانوا يحفظون أقوالهم لكنهم قد لا يعملون بها.
فمثلاً: الإمام أحمد سئل عن الحائض إذا طهرت في وقت العصر أتصلي الظهر، أما أنها تصلي العصر فقط؟ فقال أحمد: تصلي الظهر، أي: تصلي العصر وتصلي الظهر، قيل: فما وجهه يا أبا عبد الله؟ لأنه ليس هناك دليل صريح من السنة على هذا القول، فقال الإمام أحمد: عامة التابعين على هذا القول إلا الحسن.
فلم يحكم على قول الحسن بالشذوذ، ولم يطعن في الحسن، لكن قال ذلك باستقرائه، وفقه الاستقراء اليوم شبه غائب، ولذلك لا ينبغي أن يتعجل الإنسان في الركض بين الأئمة، قال الإمام أحمد: عامة التابعين على هذا القول إلا الحسن، وما دام أن عامة التابعين يقولون به فأنا أقول به، وليس معنى هذا أن الإمام أحمد يريد أن يقول: لا أجد على هذا دليلاً؛ بل إن هناك دليلاً على هذه المسألة، فلو رجعنا إلى فقه النصوص لوجدنا أن الحائض من أهل الأعذار، والقاعدة الشرعية: أن الوقت في حق أهل الأعذار يتحد، وهذا له صور منصوصة في الشريعة، ومنها: جمع المسافر بين الصلوات، ونحو ذلك، وليس هذا من الأعذار التي يقصد منها التوسع الشرعي كما في الحج، فإنه يجمع بين الصلوات لحفظ الاشتغال بالذكر في المناسك، مع أن الصلاة عبادة حتى لو اشتغل بها في وقتها، ومع ذلك جمع النبي ﷺ ليتفرغ للمنسك الخاص.
فمثل هذا التحصيل هو الدليل الذي كان التابعون يتواردون عليه، وهو أنهم فقهوا من الشريعة أن الوقت في حق أهل الأعذار يأتي على هذا الوجه.
بقيت هنا مسألة وهي: هل معنى ذلك أن قول الجمهور ملزم؟
والجواب: أن قول الجمهور ليس بملزم، فقد يجتهد مجتهد ويقول بغير قول الجمهور، كما حصل عند الصحابة، فقد اجتهد بعضهم بما خالف جمهورهم في بعض المسائل، وكما حصل من بعض الأئمة، ولو كان هذا ممنوعاً لما وجدت هذه الصورة؛ بل لأنكرت عند السلف وأصبحت من البدع والمحدثات التي ترد.
والمخالفة تكون بأحد وجهين:
الوجه الأول: أن يكون المخالف من أهل العلم والاعتبار في العلم، فيجتهد بخلاف قول الجمهور، كأن يأخذ بالقول البين لمذهب أو لمصر، وهذا لا جدال فيه، وهو شأن واسع، فإننا نجد أن فروع الحنفية خلاف قول الجمهور، وبعض فروع الحنابلة خلاف قول الجمهور، وبعض فروع المالكية وكذلك الشافعية خلاف قول الجمهور، ومع ذلك فهناك كثير من الفقهاء يأخذون بهذه الفروع التي تخالف الجماهير، فهذا فيه سعة على مثل هذا التقدير.
الوجه الثاني: أن يكون بعض العامة أو المبتدئين ربما قلد شيخه الذي هو بين يديه فسأله عن مسألةٍ فأفتاه بخلاف قول الجمهور، لكن إذا جئنا إلى نظام الإفتاء العام، بمعنى إفتاء العوام من الناس، أو إلى مسألة البحث العلمي، فيجب على المتكلم أن يترفق في اللغة والتعبير وأشياء كثيرة إذا خالف قول الجمهور.
стр. 49
ما تكافأ فيه الخلاف بين أئمة الأمصار
المرتبة الخامسة: ما تكافأ فيه الخلاف بين أئمة الأمصار:
والعلم بالتكافؤ هنا ليس علماً يقينياً، ولكن المقصود بالتكافؤ أنه لا يوجد فيه قول للجمهور فضلاً عما هو فوق ذلك، فنجد أن المحدثين مختلفون، وأن أئمة العراق مختلفون، وأن أئمة الأمصار مختلفون، فيكون الخلاف قد شاع واشتهر ولم ينضبط فيه مذهب للجمهور فضلاً عما هو فوق ذلك.
ومن الأمثلة على ذلك: مسألة: أيفطر الصائم بالحجامة أم لا يفطر؟ فإذا استقرأنا المسألة وجدنا أن هناك تكافؤاً بين أئمة الأمصار المختلفين فيها، وإذا رجعنا لبعض المصنفات وجدنا أن الخلاف شائع في العراق والحجاز والشام وما إلى ذلك في هذه المسألة، ووجدنا أن ظواهر الأدلة في هذه المسألة كحديث شداد بن أوس: (أفطر الحاجم والمحجوم) -وهو أقوى ما يعتمد عليه من يجعل الحجامة مفطرة للصائم- وجدنا عليه بعض الإشكالات في الثبوت أو في فقه المتن، فما معنى أن الحاجم يفطر إذا كان المحجوم مفطراً للضعف والعلة؟ وهل هذا من باب التعبد؟ وهل يقطع الصوم بمحض علةٍ تعبدية لمثل هذا الوجه؟ وأليس الأصل في المفطرات أنها مبينة كالعلة؟ فترد مثل هذه السؤالات، وإذا جئنا إلى الدليل المقابل وجدنا أن المسالة فيها تكافؤ.
مثال آخر: حكم صلاة تحية المسجد في وقت النهي، فإن هذه المسألة فيها تكافؤ في أدلتها، حتى إن ابن تيمية كان على المذهب، ثم رجع إلى مذهب الشافعي في آخر عمره، وذكر نظرية العام المخصوص والعام المحفوظ في تطبيق الاستدلال، وحتى إن الشوكاني يقول: إنه تردد في هذه المسألة، في جزء له تكلم فيه عن المشتبه من العلم، حتى قال كلمة غريبة، قال: لعله قد يكون من الأنسب أن الإنسان لا يحرص على دخول المسجد في وقت النهي! وهذا الأمر ليس حلاً، لكن هذا مما يبين أحياناً درجة التردد في المسألة، وليس القصد هنا أن نجزم أن هذه المسألة أو تلك من المتكافئ، بل إن مسألة التكافؤ مسألة نسبية في الغالب.
والترجيح فيما تكافأت فيه أقوال الأئمة يكون بالتقريب، ولا يجزم بترجيح قول على آخر، وإنما يقال مثلاً: وفي المسألة قولان لأهل العلم والأظهر كذا، أو والأقرب كذا، هذا إن كنت ناظراً في أدلتهم، وإن لم تكن ناظراً في أدلتهم وأنت على مذهب فقل: والمذهب عند الحنابلة كذا، وإن كنت من أهل الشافعية فقل: والمسألة فيها قولان والمذهب عند الشافعية كذا، ويوسع فيها على المسلمين، وقد كان مثل هذا الخلاف محل توسعة عند المتقدمين من الأئمة، والتوسعة الفقهية إذا كانت مضبوطة بقواعد الشريعة فإنها رحمة بالأمة، وليس معنى هذا أن المتكافئ من الخلاف يتخير فيه الناظرون فيه أو المقلدون بحسب الهوى، فليس في الإسلام تخير بمحض هوى النفس، بل إما تقليد للكبار، وإما اتباع للدليل.
وهذان الوجهان هما الممكنان دون غيرهما.
وقد يقول قائل: أليس من فقه التيسير أن يتخير الناس ما شاءوا؟
فيقال: هناك فرق بين التيسير وبين هوى النفس، فإن الله جعل اليسر في الشريعة وجعل هوى النفس في الجاهلية، قال تعالى عن أهل الجاهلية: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣]، أما التيسير فهو حال الشريعة الإسلامية.
ومن هنا فقد يسيء البعض أحياناً الفهم ولا يفرق بين هوى النفس وبين التيسير، والقاعدة الشرعية نقول: المشقة تجلب التيسير، فإذا أشكل على المسلمين مسألة وفيها خلاف محفوظ، أي: مشتهر ومعروف، فلا ينبغي أن يضيق فيها؛ بل ينبغي أن يوسع على المسلمين فيها بأقوال الجماهير، وبالأقوال المتكافئة، وهذا ليس على إطلاقه، فإن العلم دائماً محكوم بقواعد؛ لأن الذي يوسع على المسلمين بأقوال الجماهير وبالمتكافئ من الأقوال هو فقيه، والفقيه لابد أن يكون عارفاً بالمصالح والمفاسد، فإذا اقتضت التوسعة بقول متكافئ في بيئة معينة فلا ينبغي أن يوسع في تلك المسألة.
مثال ذلك: المجتمع هنا -في السعودية- محافظ على ستر الوجه، ويرى أن ستر الوجه واجب، وهذا من حيث الأدلة هو الراجح الصحيح، فهل من الحكمة أن يأتي بعض الناس في هذا المجتمع ويقول: المسألة فيها خلاف، ويردد هذا في آذان العامة، ويقول: من باب التوسعة على المسلمين بالقول المتكافئ أو ما إلى ذلك؟ الجواب: لا؛ بل إن المصلحة الشرعية تقتضي أن لا يفتن العامة؛ لأن كثيراً من العوام ربما يتحرك تحت تأثير شيء من الهوى، وليس المقصود بذلك أهل البدع وأهل التيارات الفكرية الخطيرة، بل المقصود الآحاد من العامة الذي قد يتحرك تحت رغبة شخصية وهوى في النفس، إذاً: فقه المصالح والمفاسد يمنع بعض الناس عن التحديث ببعض الخلاف، وهذا هو ما جعل علياً ﵁ يقول: "حدثوا الناس بما يعرفون"، وكما قال ابن مسعود: "ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"، فحيث أدى التحديث بالخلاف إلى فتنة في مجتمع ما فلا ينبغي التحديث به.
إذاً: يوسع على العامة من المسلمين في أمصار الإسلام، وأينما وجد المسلمون حتى في غير أمصارهم يوسع عليهم، بأقوال الجماهير، وبالمتكافئ، ما لم يستلزم مفسدة, فإن الشريعة جاءت بدرء المفاسد وتحصيل المصالح.
وقد يقول قائل: إن التحديث بالخلاف فيه مصلحة.
فيقال: نعم، قد يسمى مصلحة لكنها مصلحةٌ أحياناً تكون راجحة، وأحياناً تكون مرجوحة، فحيث كانت راجحة فحدث به، وحيث كانت مرجوحة لوجود مفسدةٍ أعلى فالفقه أن لا تحدث به.
وقد ذكرنا سابقاً قول الإمام مالك لما سأله رجل من أهل العراق عن مسألة وقال إنه على قول زيد بن ثابت، فيقال له: يا هذا! إن أهل المدينة لا يعرفون إلا هذا القول فأين خلفت الأدب؟! وذلك حينما قال: إني من أهل العراق، وكذلك الإمام أحمد ﵀ على ما عرف عنه من الزهد والعبادة والورع وما إلى ذلك، لما سأله سائل عن مسألةٍ في الطلاق، فانصدم الرجل وما ظن أن الأمر يصل إلى أن زوجته تطلق منه، وشق عليه الأمر كثيراً، فراجع الإمام أحمد، فلما اشتد في المراجعة قال له الإمام أحمد: يا هذا! هذه حلقة المدنيين.
أي: من يتفقهون على بعض كلام أهل المدينة وهم في العراق، يعني أن هؤلاء سينقلون لك رأي أهل المدينة، ورأي أهل المدينة أنها لا تطلق، فالإمام أحمد لا يدين الله بهذا القول، فما أحب أن يفتيه به، فقال: يا هذا! هذه حلقة المدنيين.
يعني اذهب إليهم وسيفتونك.
ودخل الإمام أحمد ذات يوم إلى دار بعض أصحابه، فوجد النبيذ في طرف الدار، فقال له بعض التلاميذ الذين كانوا معه: يا أبا عبد الله! هذا النبيذ، أي: أنكر على الرجل، فقال: الرجل سلطان في داره، الكوفيون يفعلونه تديناً.
أي: أن فقهاء الكوفة أحلوا النبيذ وأحلوا شربه، ويرون أنه مما أحل الله، فالدين أحله عندهم، ولاحظ قوله: الرجل سلطان في داره، فإن هذه مقدمة أساسية في الأخلاق العلمية.
إذاً: هذا الفقه هو الذي نقصده، وهو أنه لا يوسع على المسلمين لا بالشاذ ولا بالمنكر من الأقوال، وإنما بالأقوال المعروفة تحت قاعدة المصلحة.
стр. 50
ما لم ينضبط فيه وجه مما سبق
المرتبة السادسة: ما لم ينضبط فيه وجه مما سبق من فروع الفقهاء المتأخرين، التي جمهورها لضبط رأي المذهب:
وهذا مورده عند الفقهاء المتأخرين، وجمهوره لضبط رأي المذهب، وليس المراد هنا أن كل ما في كتب الفقهاء المتأخرين من هذه المرتبة، بل إن ما في كتب الفقهاء المتأخرين منه مسائل من المرتبة الأولى، ومن الثانية والثالثة والرابعة والخامسة، لكن نجد أنه يكثر في كتب الفقهاء المتأخرين وخاصة الكتب التي عنيت بتحرير المذهب، وهذا في جميع المذاهب الأربعة، نجد أنه يكثر فيها ما هو من المرتبة السادسة.
فمثلاً: كتاب المغني لـ أبي محمد ابن قدامة ﵀، نجد أنه يذكر الخلاف، ويذكر أن في المسألة مثلاً ثلاثة أقوال، ويذكر استدلال المذهب، وهنا نأخذ منه أموراً تتعلق إما بالقسم الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع أو الخامس، لكن إذا أخذنا الكتب التي عنيت بتحرير المذاهب مثل الفروع لـ ابن مفلح ﵀، نجد أنه يذكر المذاهب، وإن كان له طريقة رمزية بحروف معينة يرمز بها إلى الخلاف وإلى المذاهب الأربعة، فهو يذكر ذلك، لكن أحياناً ينصرف إلى تنبيهات يعين بها التحرير للمذهب، وقد نجد ذلك في متون بعض المذاهب التي وضعها المتأخرون.
فمثلاً: نجد في بعض متون الفقه عند المتأخرين قولهم: "ولا يرفع حدث رجل طهور يسيرٌ خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث"، فهذه التقييدات لتحرير القول، فخرج بكلمة (رجل) المرأة، وخرج باليسير الكثير، وخرج بكلمة (خلت) إذا لم تخلُ، وإذا خلت في بعضه دون بعضه، كما لو خلت في نصف الطهارة دون النصف الآخر، فهل يقال: خلت أم لا؟ وقولهم: خلت به امرأة لطهارة كاملة، بخلاف الطهارة غير الكاملة، وهذا ما يتعلق بكمال اختلائها به أو عدم ذلك، وخرج بقولهم: عن حدث، ما لو كان ذلك ليس عن حدث، كتجديد الطهارة، ونحو ذلك.
وهذه القيود في هذه الجملة بعضها لتعيين القول؛ لأنه من المعلوم أن مسألة: المرأة إذا خلت بالماء لطهارة فهل يتطهر به الرجل أو لا يتطهر؟ هذه المسألة مسألة خلافية موجودة، وهي من المراتب الأولى، لكن المقصود هنا: أن بعض هذه القيود ذكرها الماتن لتمييز القول عن القول الآخر، لكن بعض القيود تذكر من باب تحرير المذهب تحت اجتهاد معين، مثل الطهارة الكاملة والطهارة غير الكاملة، فلو خلت به لطهارة غير كاملة فإن هذا فيه تردد في المذهب، هذا هو المقصود من ذكر المسألة، وإلا فإن الأصل أن المسألة مسألة فقهية معروفة عند السلف.
أيضاً يقصد بما لم ينضبط فيه وجه مما سبق: ما يتعلق بتحرير المذهب المعين، كاختلاف المتأخرين في رأي الإمام أحمد وتحريره، فنجد روايات متعددة في تحرير المذهب، ونحو ذلك، وهذا الاختلاف في تحرير المذهب هو من الفقه الافتراضي الذي ليس وافقاً، وهو ما قد يعبر عنه بعض الأصحاب بالمحتمل، فيقول: فإن فعل كذا فيحتمل كذا.
ولابد أن يعلم أنه لا تنبغي العناية بهذه التقييدات والتحريرات أكثر من اللازم، وليس هذا من باب التنقص من هذا الأمر، ولكن العناية بالرتب الأولى أولى، فلابد أن يعنى طالب العلم بالإجماع، وبما قارب الإجماع، وبما عليه العامة والجماهير، وبما اشتهر من الخلاف، أما أن تكون أكثر العناية منصبة على القسم السادس فهذا هو الذي لا يفضل شأنه، وأما أنه يحتاج إليه في بعض المسائل لتحريرات مقصودة فهذا باب آخر.
ومن المعلوم أنه ليست المشكلة أن يعلم ما هو بالضبط المذهب الحنبلي عند الحنابلة، أو ما هو بالضبط المذهب الشافعي عند الشافعية، فإن هذا الشأن فيه كثير من السعة، بمعنى أنه لو قيل: إن ما انضبط من أقوال الإمام أحمد تنسب إليه، وما لم ينضبط تقال عنه روايات في المسألة، والعبرة بدراسة المسألة كأقوال فقهية وأدلة عامة؛ لكان هذا المسلك أكثر سعةً وأكثر رحابةً وأكثر يقينية؛ لأنه مهما رجحت داخل المذهب وفي المسألة خلاف قوي في ضبط المذهب فلن تنتهي إلى شيء قاطع، لكن إذا قلت: إن مع الإمام أحمد أكثر من رواية، فإن هذا حكم أكثر يقينية، وأكثر اتساعاً وقبولاً.
ومما يدخل في ذلك: التفريع للمسألة بالعوارض، كمسألة غسل الجمعة أهو واجب أم مستحب؟ فنجد أن بعض أهل العلم يقول: غسل الجمعة فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه واجب، الثاني: أنه مستحب، والقول الثالث وهو الصحيح الذي عليه المحققون وهو القول الوسط، وهو أنه إذا كانت فيه رائحة شديدة يتأذى منه الناس وما إلى ذلك فيجب عليه الغسل، وإلا فلا يجب، وقولهم: وسط، أي: بين قولين، وهذه ليست هي الوسطية الشرعية، وهذا القول الوسط في الحقيقة هو قول الجمهور، فإن الجمهور لما قالوا: إن غسل الجمعة ليس واجباً، لم يريدوا غسل الجمعة في حق من به رائحة يتأذى منه المسلمون حتى إنهم يكرهون مجالسته؛ بل إنهم يتكلمون عن أصل الحكم، فمثلاً: الإمام أحمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة لما قالوا: غسل الجمعة ليس واجباً، إذا سئلوا عن رجل به رائحة كريهة هل سيقولون: إنه ليس واجباً عليه؟! الجواب: لا، إذاً قول البعض بالقول الثالث وأنه هو الوسط إنما قيدوا ذلك بعارض فقط، وهذا فقه يستعمله البعض كتنبيه حتى لا يفهم قول الجمهور فهماً خطأً، وإذا كان الأمر كذلك فلا بأس به، لكن أن تتحول هذه إلى أقوال ثالثة وتكون هي الأقوال الوسط، وهي الأقوال التي عليها المحققون، فإن هذا لا ينبغي ..
نعم.
هذا قد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذكره بعض المحققين، لكنهم يذكرونه من باب التنبيه فقط.
стр. 51
شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [٧]
وضع علماء الأصول شروطاً مثالية للاجتهاد، لا تكاد تتوفر في أحد مهما بلغ من العلم، بل إن ذلك يعتبر إغلاقاً نظرياً للاجتهاد، وإلا فإن الاجتهاد لم يغلق في الواقع؛ لأنه لابد للأمة من مجتهد ينظر في قضاياها ونوازلها المستجدة، ومن هنا فإن الاجتهاد ممكن ومتيسر لمن استكمل رتبة الفقيه الثانية مع ملكة يفقه بها مفصل مقاصد الشريعة.
стр. 52
إيضاحات لما سبق الكلام عنه
قال المصنف ﵀: [فصل: وفي كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع نحن عليها، فإن مدارك العلم واسعة، ولم نطلع نحن على جميع ما في بواطن العلماء، والعالم قد يبدي حجته وقد لا يبديها، وإذا أبداها فقد تبلغنا وقد لا تبلغنا، وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه، سواء كانت الحجة صواباً في نفس الأمر أم لا، لكن نحن وإن جوزنا هذا فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة وإن كان أعلم، إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده، بخلاف رأي العالم].
فيما سبق تكلمنا عن مكونات الخلاف وأنها أربع جهات، وذكرنا بعد ذلك ما يتعلق بمراتب القول الفقهي، وفي هذا المجلس بإذن الله تعالى سيكون الكلام في التمذهب، ولكن قبل أن ندخل في هذا الموضوع وما أشار إليه المصنف في الكلام الذي قرئ، هناك بعض الإيضاحات لبعض ما سبقت الإشارة إليه.
стр. 53
مخالفة المتقدمين في الإصطلاحات
ففيما يتعلق بمكونات الخلاف وأنها الدليل التي يقع الاختلاف في تعيينه أو درجته أو ثبوته، والدلالة، والمستدل، وذكرنا أن المستدل إما أن يسمى ناظراً، وإما أن يسمى فقيهاً، وإما أن يسمى مجتهداً.
وهذا التقسيم قد لا يكون كاصطلاح منتظم نطق به فلان أو فلان من أهل العلم، والاعتبار بالنطق العلمي السابق ليس بالمصطلحات، وإنما الاعتبار بالحقائق العلمية، فإنه لا يلزم فلاناً من الناس الذي عرض في القرن العاشر مثلاً أن لا ينطق بمصطلح إلا وقد نطق به أهل القرن السادس مثلاً، ولكن المعنى الذي ينبغي أن لا يكون إحداثاً في العلم أو ما إلى ذلك هي المعاني، وأما التعبير عن المعاني الصحيحة المعروفة بالاستقراء، فهذا إذا اصطلح عليه بمصطلح ما حتى لو كان المصطلح متأخراً أو معاصراً فهذا ليس محل جدل، وإلا للزم أن يكون السؤال مطروحاً على مصطلحات القرن العاشر التي لم ينطق بها في القرن الثامن مثلاً، ومصطلحات القرن السادس التي ما نطق بها في القرن الرابع، ومصطلحات الرابع التي ما نطق بها أهل القرن الثاني، وهكذا، وهذا يستلزم منع كل هذه المصطلحات، لكن المعنى الذي يهم هو أن لا يتكلم تحت هذا المصطلح المأذون به، دعك من المصطلحات المخالفة لمقاصد الشرع، فهذه مصطلحات منتقدة، ولذلك سبق أن نبهنا على أنه حتى مصطلح التكليف عند الأصوليين لا يقال: إنه غلط، ولكن يقال: ليس هو مصطلحاً فاضلاً؛ بل ينبغي أن يسمى: التشريع؛ لأنهم يقولون: التكليف خمسة: الواجب، والمستحب، والمحرم، والمكروه، والمباح، ثم يختلفون هل المباح من الأحكام التكليفية أم لا؟ فلما لم يروا فيه جهة التكليف والعزم قال من قال منهم: إنه ليس من الأحكام التكليفية، وهذا غلط؛ لأنه يتضمن أنه ليس حكماً شرعياً، والصواب أن المباح عند أهل السنة والجماعة بل عند جمهور الطوائف الإسلامية حكم شرعي؛ لأن الله أثبته في القرآن في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١] وقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل:١١٦].
إذاً: مما ينبه إليه أن دعوى المخالفة للسابق لا بد أن تضبط بالمعاني الصحيحة، فمن خالف المعاني الصحيحة أو أحدث معنى ليس على الأصل المعروف عند القرون المفضلة، فهذا هو الذي يجب رده، وأما باب المصطلحات فهو باب لا يزال غير متناهٍ في التاريخ.
стр. 54
الطرق التي يعرف بها صحة المعنى عند المتقدمين
ما هي الطريقة الذي يعرف بها أن هذا المعنى صحيح عند من تقدم أو ليس صحيحاً؟ هناك طريقتان:
الطريقة الأولى: طريقة التنصيص: كأن يقال: هذا المعنى من العلم نص عليه الإمام ابن عبد البر، أو نص عليه ابن رجب، أو نص عليه ابن تيمية، أو نص عليه من قبل هؤلاء من الأئمة كـ مالك أو الشافعي أو أحمد، أو غيرهم، فهذا هو التنصيص المعين، ولا شك أنه يعرف به تقدم القول.
الطريقة الثانية: فقه الاستقراء: وهذه الطريقة هي منشأ كثير من الأقوال التي لا يوجد تنصيص عليها عند السابقين، كتنصيص كثير من الفقهاء على كلمات ما نطق بها بنصوصها أعيان من السابقين، لكن معانيها متضمنة وهذه هي درجة المحققين من أهل العلم، أنهم إذا استقرءوا تحصل لهم قدر من المعاني في أبواب من الشريعة، في الفقه وفي قواعد الشريعة ومقاصدها وما إلى ذلك، فهذا الاستقراء ينظمون به هذا المعنى الذي استقرءوه.
وننبه هذا إلى أن كتب الأصوليين فيها علم كثير، لكن بعد ظهور علم الكلام، ولما كتب المتكلمون في أصول الفقه على الطرق الكلامية، ظهر أثر علم الكلام على أصول الفقه، وإن كانوا في الاصطلاح يقولون طريقة الفقهاء عند الشافعية، وطريقة المتكلمين عند الحنفية، هذا نوع من التفريق، لكن الحقيقة أنه حتى كتب الشافعية متأثرة بعلم الكلام، والغزالي ممن أدخل علم الكلام إدخالاً بيناً على نظم أصول الفقه في كتابه المستصفى، وهذا لا يعني أن ما كتبه هؤلاء الأصوليون الذين يوصفون بأنهم من علماء الكلام -لا يعني أن جميعه ليس صحيحاً، أو أنه ليس نظرية ممكنة صحيحة في موارد كثيرة في مسائل تطبيق قواعد التشريع، هذا ليس كذلك، بل إن هذه الكتب تعد من أخص كتب الإسلام أو تاريخ الإسلام الذي كتب، فهي كتب علمية، لكن مع ذلك لا بد من بعض المراجعات لبعض هذه المسائل أو التراتيب التي اجتهد فيه من اجتهد من أهل الأصول المتأخرين -أعني المتكلمين منهم.
فالمقصود: أن هذه النظم لأصول الشافعي أو أصول أبي حنيفة أو أصول الإمام أحمد في نظم الأصول فيما كتب في كتب أصول الفقه، هل أكثرها منصوص عليه في كلام الأئمة كنظم قواعد؟ الجواب: منه ما هو منصوص عليه، ومنه ما حصله أصحابهم الأصوليون تحت فقه الاستقراء، وفقه الاستقراء يعد من أشرف الفقه، وإن كان كما قلت لا يستطيعه إلا فقيه محقق.
ولذلك نجد أنه يعوّل على كثير من هؤلاء المستقرئين فينقل عنهم، ونجد التعويل في بعض كتب أصول الفقه على كتب محددة وإلا فكثير منهم نقله، لكن المستقرئ الأول هو صاحب الامتياز، ففقه الاستقراء فقه صحيح.
стр. 55
الاجتهاد
إذا كان كذلك فيقال: إنه عند استقراء فقه القرون الثلاثة الفاضلة نجد أن الناس لا يخرجون عن هذه الأصناف الأربعة: إما مقلد محض حقه السؤال فيجاب بالحكم، ولا يلزمه أن يعرف الدليل؛ بل يجيبه العالم الموثوق بعلمه فيستجيب لجوابه، وهذا معنى قول الله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فهؤلاء موصوفون بعدم العلم.
أو ناظر، وهو من يملك القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها، أو فقيه وهو رتبتان: الأولى: من يملك القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها مع معرفته بجمهور الأقوال في مذهب، الرتبة الثانية -وهي العالية-: مع معرفته بجمهور الأقوال في المذاهب.
والصنف الرابع هو المجتهد، وقد ذكرت سابقاًَ أن كثيراً من كتب أصول الفقه المتأخرة وضعت شروطاً للاجتهاد ربما تكون أحياناً مثالية، وهذا يعتبر إغلاقاً نظرياً للاجتهاد، لكن في الواقع لم يغلق الاجتهاد؛ لأن الأمة يتعذر عقلاً أن تعيش بلا اجتهاد، وإذا ما وجد مجتهد فسيجتهد من في الطبقة التي هي أقل، وإذا ما وضع نظام ممكن للاجتهاد فسيأتي الأناس الذين عندهم إرادة للاجتهاد وليس أهلية للاجتهاد، وإلا فإن الأمة ستتحرك، ومن الملاحظ أنه في هذا العصر عندما تنزل نوازل كلية فإن الناس لا يسكتون عنها، فلما أصبحت نظرية الاجتهاد العلمية في كلام المتأخرين -وأقول: المتأخرين من الأصوليين- مثالية لم يقل الناس: إن فلاناً فقط هو المجتهد، وفلان يقبل الاجتهاد أو يتأهل للاجتهاد، بل تحرك آحاد من طلبة العلم أحياناً لنوازل كبرى ليس عندهم إلا إرادة، وقد يسميها البعض شجاعة مع أنها قد لا تسمى شجاعة، إنما هي إرادة من النفس، فتحرك تحت تأثير الجماهير أحياناً أو لسبب آخر، أو تحت ضغط واقع معين أو ما إلى ذلك.
فالمشكلة أنه بهذه الطريقة لا يغلق الاجتهاد؛ لأنه يستحيل أن يغلق الاجتهاد، وإلا فماذا تفعل الأمة في نوازلها الكلية التي ما تكلم عنها الفقهاء الأربعة أو من كان قبلهم؟
стр. 56
من هو المجتهد ؟
ومن هنا إذا قرأت مفهوم المجتهد في القرون الثلاثة الفاضلة الذين كانوا يقولون في النوازل ويقولون في الآراء الفقهية الأولى؛ وجدت أنهم ليسوا على رتبة الفقيه الجامع للفقه أو لدليل الفقه، بل لابد لهم من تفقه في الدين، ومن هنا قلنا: إن المجتهد من استكمل رتبة الفقيه الثانية العالية مع امتيازه بملكة فقه بها مفصل مقاصد الشريعة، وهذه الملكة مركبة من أمرين:
الأمر الأول: المجموع العلمي، والمجموع العلمي يزيد عن القدرة الأولى التي يتمتع بها الناظر، فالمجموع العلمي هذا أرقى؛ فتجد أنه مطلع على التفاسير، مطلع على الموسوعات العلمية، مطلع على الآثار، فعنده اطلاع عام، لكن أن تقول: إنه جامع حافظ عالم متقن في سائر هذه الأبواب، فهذا هو الشرط الذي قد يكون فيه مثالية، لكن لديه مجموعة علمية واسعة أعلى من القدرة الأولى التي تمتع بها الناظر.
الأمر الثاني -وهو الأهم-: التكوين الطبيعي الذي خلقه الله عليه، فإن الله خلق الناس منهم الأحمق، ومنهم الذي ليس بأحمق، ومنهم الذكي ومنهم من دون ذلك، ومنهم الحكيم ومنهم الحليم، ومنهم قليل الصبر ومنهم واسع الصدر، فهذه أمور من أهم ما يؤثر في الفقه كما نبه على ذلك بعض المحققين، كـ ابن حزم وابن تيمية وابن عبد البر ونحوهم، بل للأئمة المتقدمين من الكلام ما يشير إلى ذلك، ولولا استغلال الوقت في الأهم لدخلنا في مثل هذه الآثار.
стр. 57
الأهلية العامة والخاصة للمجتهد
قد يقول قائل: هل يكفي لكون الشخص من أهل الاجتهاد أن يستكمل رتبة الفقيه الثانية فيعرف جمهور الأقوال في المذاهب، مع القدرة العلمية ومع الملكة التي فقه بها مفصل مقاصد الشريعة؟ أم لابد أن يعلم كذلك بمفصل أدلة المسألة التي يجتهد فيها؟
فنقول: إن الحد الذي ذكرناه سابقاً هو شرط الأهلية العامة التي يثبت بها كونه من أهل الاجتهاد، والأهلية تنقسم إلى قسمين: أهلية عامة وأهلية خاصة.
فالأهلية العامة التي من حققها صح أن يعتبر ممن يمكنه الاجتهاد هي: أن يستكمل رتبة الفقيه الثانية العالية مع ملكةٍ فقه بها مفصل مقاصد الشريعة، هذا نسميه حد الأهلية العامة التي بها يثبت كونه مجتهداً.
والأهلية الخاصة كما إذا أراد أن يجتهد في مسألة معينة، ولتكن من المسائل التي هي من النوازل عند المسلمين ولم تكن موجودة زمن السابقين، كما لو أراد أن ينظر في حكم تجنس المسلم بجنسية غير إسلامية، ومفهوم معنى الجنسية في بعض الدول أو في أكثر الدول أنها تعني نوعاً من الالتزامات المدنية، والالتزامات المدنية خارطتها تبدأ من أشياء أحياناً تتقاطع مع مبادئ وقيم الإسلام.
فمسألة تجنس غير المسلم بجنسية غير إسلامية هذه نازلة، والآن يعيش في العالم الغربي في الدول الغير الإسلامية في أوروبا أو في أمريكا، يعيش الملايين من المسلمين، أو أراد أن يجتهد في مسائل في الاقتصاد مثلاً، أو في تنظيم بعض طرق المشاعر في الحج، كما لو رأى أن منى لا يبنى فيها لو حصلت اضطرارات إلى مسألة البناء، فهذه تعتبر نازلة إذا أرادوا أن يدرسوا البناية أو يدرس المجتهد البناية في منى مثلاً، فهذه قضايا لها نوع من الأصول الكلية.
فنقول: الأهلية الخاصة مفهومها: تأهل المجتهد الذي تمتع بالأهلية العامة للنظر في المسألة المعينة، وهذا له شرط به تتحقق الأهلية الخاصة، فمتى تتحقق الأهلية الخاصة التي بها يجتهد في المسألة المعينة؟ نقول: أن يكون عليماً بتصورها ومفصل دليلها، أي: أن يجمع الأدلة بتفاصيلها في هذه المسألة المعينة في في نازلةٍ كلية من النوازل، فإذا ما جمع مفصل الدليل، مع مفصل التصور عن المسالة، فهذا نقول عنه: إنه حصَّل الأهلية الخاصة، بحكم كونه في الأصل من أهل الأهلية العامة، وهنا له أن يجتهد.
وهب أنه من أهل الأهلية العامة لكنه ما استطاع أن يصل إلى تصور مفصل، فهل له الحق أن يجتهد؟
الجواب: ليس له الحق أن يجتهد، وهب أنه من أهل الأهلية العامة، فهل له أن يجتهد في نازلة كلية بحكم أهليته العامة فقط دون أن يعرف مفصل الدليل في النازلة الخاصة؟ الجواب: لا.
ومن هنا نجد أن كثيراً من الأصوليين المتأخرين لما وضعوا شروط الاجتهاد مع أنها في حقيقتها شروط مشرقة، لكن مثاليتها ربما أنها جاءت من أن هؤلاء أو كثيراً منهم لم يفرقوا بين شرط الأهلية العامة والخاصة، فاشترطوا شرط الأهلية الخاصة في العامة، فاشترطوا أن يكون عالماً بمفصل الأدلة، وعلى هذا لن يوجد أحد يصح أن نقول: إنه تأهل هذا التأهل؛ كبعض فقهاء الكوفة الذين ما عرفوا عند المحدثين كمحدثين، هل كانوا عالمين بالصحيح والضعيف والطرق وما إلى ذلك من هذه الشروط؟ الجواب: لا، ومع ذلك كانوا مجتهدين، ولا أحد يشك أنهم مجتهدون، لكن في الأهلية الخاصة يتحقق هذا الشرط.
وقد يقول قائل: إذا قلنا: إن المجتهد هو من استكمل رتبة الفقيه الثانية، مع امتيازه بملكة فقه بها مفصل مقاصد الشريعة، فكيف يجتهد في المسألة وهو لا يعرف مفصل؟ نقول: هذا هو شرط الأهلية العامة، أما الأهلية الخاصة وهي إذا أراد أن ينظر في نازلةٍ كلية أو في المسألة التي يقصد الاجتهاد فيها، فإن من شرط الأهلية الخاصة لفعل الاجتهاد الخاص: أن يكون عليماً بتصور المسألة وبمفصل دليلها، فإذا اجتمع له مفصل التصور مع مفصل الدليل، مع أهليته السابقة اجتهد، وإذا لم يحصل له ذلك تأخر عن الاجتهاد.
وكأن هذا التفريق بين الأهلية الخاصة والأهلية العامة هو المجيب الوسط عن سؤال: هل الاجتهاد يتجزأ أو لا يتجزأ؟ يتجزأ بمعنى أنه قد يمكنه الاجتهاد في مسألة ولا يمكنه في غيرها، فالاجتهاد يتجزأ، ولا يوجد في التاريخ أنه كلما تعرض نازلة يفصل فيها مباشرة، حتى الصحابة ﵃ توقفوا في مسائل، فقد توقف عمر في مسائل، واستشار غيره، واختلف اجتهاده مع اجتهاد أبي بكر، ورجع من اجتهاده إلى اجتهاد أبي بكر، فهذه العوارض من طبيعة المكلفين والعلماء؛ لأنه لا يفصل في كل ما نزل بالقطع واليقين وعدم التردد إلا من اصطفي بالوحي، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ولعل هذا التفصيل لهذا التقييد قد أبان الفرق بين الأهلية الخاصة والأهلية العامة، وأنه لا يجوز الاجتهاد بالفعل في المسألة الخاصة إلا إذا تحققت الأهلية الخاصة والأهلية العامة، ومن هنا تصبح نظرية الاجتهاد ليست كلأً مباحاً، ولكنها في الوقت نفسه نظرية ممكنة.
ولعل من التمام هنا أن الاجتهاد كما يقع من المجتهد الواحد فمن الفاضل -وهذه سنة ماضية عند المسلمين- أنه في النوازل الكلية يجتمع جملة من أهل الاجتهاد لتحصيل رأي متوافق، وهذه سنة قائمة اليوم بأشكال لا بأس بها في بعض المجامع الفقهية، ولكن ينبغي أن تقوم أكثر، وقد كانت قائمة في زمن السلف، كفعل عمر ﵁ في مسائل كثيرة لما جمع المهاجرين ثم الأنصار ثم مسلمة الفتح في نزول الطاعون وقدوم الشام، وفي مسائل كثيرة يجتمع المجتهدون، فهذا وجه فاضل.
стр. 58
من خاصية المجتهد النظر في النوازل
أيضاً ينبه في هذا الباب إلى أن المجتهد الذي يسمى مجتهداً من خاصيته النظر في النوازل، وهذا هو الأمر الأعلى للاجتهاد؛ لأن المسائل إما نوازل أو مسائل مسبوقة بقول الفقهاء كالأئمة الأربعة أو غيرهم، فغير النوازل شأنها مقارب، ومهما رجحت فإنك ترجح بالأقرب، لكن خاصية المجتهد هي مسألة النوازل.
ومصطلح النوازل قد يكون مصطلحاً معاصراً، إلا أنه ليس معاصراً على الإطلاق؛ لأنه من المعلوم أن الفقهاء يذكرون مثلاً القنوت في النوازل، لكن المقصود بالمصطلح المعاصر قول بعض الباحثين والناظرين: إن النوازل هي القضايا المستجدة الكلية، فيجعل لها وصف أنها كلية وأنها مستجدة، وبعضهم يأخذها من اشتقاق الكلمة فيقول: النازل كل جديد، فكل جديد أسمية نازلة، ولا مشاحة في الاصطلاح، وسواء قلت: إن النوازل تنقسم إلى جزئية وكلية، فالجزئي من النوازل يمكن أن ينظر فيه فقيه أو ناظر متمكن، مثل بعض الباحثين من الأساتذة الآن وطلاب العلم الباحثين الذي لا يتمتع بشروط المجتهد، ولا يتمتع بشروط الفقيه من سعة العلم بالأقوال، لكنه يمكن أن يبحث في مسألة معينة، فهذا يبحث حتى الجزئي الجديد أو الجزئي النازل، فهذا أمر سهل ولا بأس أن يختلف الأمر عليه ويتردد القول فيه.
لكن النازلة مثل مسألة: الإيجار المنتهي بالتمليك في صورته القائمة في الشركات، هذه ليست نازلة كلية، ولذلك يختلف أهل البحث فيها، فبعضهم يجوزها، وبعضهم يمنعها، وبعضهم يجوزها بشروط، وهذه في نظري أنها من النوازل الجزئية، ولذلك يسوغ حتى للباحثين النظر فيها، ومنهم من أهل الفقه دون رتبة المجتهد، وأمرها سهل، وهي مثل التورق المصرفي التورق، فإن كمسألة موجودة عند الفقهاء، لكن لما دخل في النظم المصرفية اليوم صار له بعض الصور التي يتجاذب الباحثون فيها، وقد يتنازعون فيها، فهذه تعتبر من المسائل النازلة، مع أنني أميل في النازلة إلى مصطلح أعلى، وهو أن النازلة هي الكلية، لكن على هذا الاصطلاح الذي يراه البعض -ولا مشاحة في الاصطلاح- تعتبر من الجزئي، إذا سميته نازلاً فهو من الجزئي من النوازل الذي أمره مقارب، ويقع النظر فيه للباحث المتأهل فضلاً عن المجتهد، إنما خاصية المجتهد هي النظر في النوازل الكلية.
وهذه حقيقة في نظري أنه لا يجوز شرعاً لآحاد طلبة العلم أن يتخوضوا في الأمة بقرارات أو بآراء تجزم بالفعل أو بالترك في نوازل كلية، فإن هذه حق الكبار من أهل العلم الذين لهم وصف الاجتهاد في الجملة، ولا سيما إذا حصلت المجامع وتبادلوا الرأي وما إلى ذلك، فهذا ينبغي أن يكون من فقه هذه الأمة وسنتها، وأن لا نحرك الأدنى من فوقه وهو لم يتأهل إلى الاجتهاد في النوازل الكلية، فإن القول في النوازل الكلية من خاصية المجتهد.
وحينما نقول: إن الناس مقلد وناظر وفقيه ومجتهد، فمن البدهي أن ينبه إلى أنهم يتفاضلون، فالمقلدون ليسوا وجهاً واحداً، فالأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب مثل الأعرابي ليس مثل الإنسان المدني، والناظرون ليسوا درجة واحدة، بل إنه يتفاضل هذا عن هذا، كذلك الفقيه في رتبته الأولى والفقيه في رتبته الثانية، وكذلك المجتهد، فإن المجتهدين ليسوا وجهاً واحداً.
ولكن إذا رجعت إلى فقه الاجتهاد الأول عند السلف أو عند القرون الثلاثة الفاضلة؛ وجدت أن هذا هو مفهوم الاجتهاد: أن من توفرت فيه الأهلية العامة والأهلية الخاصة عند الفعل فهو المجتهد، وأنه ليس في كل المسائل يجتهد، فربما اجتهد في مسائل، وترك الاجتهاد في مسائل أخرى، فمثلاً: سعد بن أبي وقاص ﵁ يعتبر من المجتهدين، لكن لما وقعت الفتنة رأى أن اجتهاده يقوده إلى الترك، فاعتزل في إبله، وهذا وجه من الاجتهاد، وكذلك تجد أن بعض الصحابة صار إلى شيء وبعضهم صار إلى شيء آخر.
وليس بالضرورة أن المجتهد هو من توفرت فيه شروط الاجتهاد لكل نازلةٍ في لحظتها أو في زمنها، هذا لا يلزم حصوله، وكأن فيه تعذراً في غالب الأحوال.
стр. 59
هل من لازم الترجيح الرد على القول الآخر أو الجواب عن أدلته ؟
هذه مسألة فيها قدر من النسبية، لكن الذي انتظم لدى البعض أنه إذا رجح مذهب الحنفية أو مذهب الحنابلة مثلاً في مسألة، وربما رجح أحياناً خلاف قول الجمهور، كان من شرط الترجيح عنده: أنه لا بد أن يجيب إجابة تفصيلية تلغي وتمنع أدلة الأقوال الأخرى، فيقول مثلاً: استدل الحنفية بكذا، وهو الراجح، وأما القول الثاني وهو قول للحنفية والشافعية والماليكة والحنبيلة فهو مرجوح، والجواب عن أدلته كذا وكذا.
مع أنه إذا أردنا أن نجيب عن الدليل بمعنى منع الدليل فلابد في الغالب من التكلف؛ لأن المنع إنما يكون في الأقوال البينة المخالفة، كالشاذ مثلاً، أو في الأقوال العقدية، هذا هو الذي يأتي تحت نظام الإثبات والنفي وما إلى ذلك؛ وذلك لأن القطعي لا يعارض قطعياً، لكن الظني قد يعارض ظنياًَ، وما دام أنك تسلم بهذا المبدأ العقلي الشرعي وهو أن الظن يتعارض مع الظن، فإذا رجحت الظن الأول فإن الذي يلزمك للترجيح هو تأخير الظن الثاني فقط؛ لأنه في النتيجة ستقول: اجتمع ظنيان، ويكفي في الترجيح أن أحدهما أقوى من الآخر، لكن لا يقال: اجتمع دليلان قطعيان متضادان أحدهما أقوى من الآخر، فإن هذا لا يوجد.
إذاً: نظام المنع المطلق والإلغاء هو في الإجماعات والعقائد، أما في الأقوال التي شاعت واشتهرت عند الفقهاء فتعتبر على مبدأ تقديم الأقوى، فيقال مثلاً: إن قول أبي حنيفة أقوى من قول الشافعي، ولا يقال: إن قول الشافعي باطل، بل يقال: إنه قول مرجوح، فإذا كان قول أبي حنيفة في مسألة ما أقوى من قول الشافعي فمعناه: أن دليل أبي حنيفة أقوى من دليل الشافعي، ولا يلزم على هذا لازم فاسد، وهو أن الأدلة متعارضة؛ لأن المقصود هو دراسة هل هذا دليل أو ليس بدليل؟ أما إذا عين أنه دليل بالقطع فيمتنع التعارض كما في الإجماع والعقائد.
وهذه المسألة -وهي مسألة الإجابة عن أدلة الأقوال الأخرى- صار فيها اليوم تشديد وتضييق، ففي بعض الطرق الأكاديمية يشدد في أنه لابد أن يجاب عن كل دليل إجابة مانعة بمعنى الكلمة، مع أن هذا ليس هو شرط الترجيح، هذا شرط السنة والبدعة، والصواب والخطأ، وما خالف الإجماع، أو الشاذ من الأقوال وما إلى ذلك، أما أقوال الأئمة فمن الخطأ أن توضع تحت مثل هذه النظريات الغالية.
وبهذا نكون قد عرفنا منهج عرض الخلاف، وبينا أن التجاهل للأقوال المعتبرة كأقوال الجماهير والأقوال المتكافئة ليس محموداً، وبالمقابل فإن بعث الأقوال الشاذة أو التحديث بالخلاف حيث لا تقتضي المصلحة التحديث به هذا أيضاً ليس حكيماً.
стр. 60
شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [٨]
عرف مصطلح التمذهب بعد وجود المذاهب الفقهية، وأخصها المذاهب الأربعة، والتمذهب منه ما هو جائز ومحمود، ومنه ما هو ممنوع ومذموم، فإذا كان من باب التراتيب العلمية فهو الجائز المحمود، وإذا كان من باب التعصب والتدين وما إلى ذلك فهو المذموم الذي ينبغي أن يحذر منه، وأن لا يلتزم به على وجه التدين أو التعصب المذموم.
стр. 61
التمذهب
لقد عرف هذا المصطلح -أي: مصطلح التمذهب- بعد وجود المذاهب الفقهية، وأخصها المذاهب الأربعة: مذهب الإمام أبي حنيفة، ومذهب الإمام مالك، ومذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام أحمد.
والقول في التمذهب يقع في مقامين:
стр. 62
التمذهب الجائز المحمود
المقام الأول: التمذهب الجائز المحمود: وهو اعتبار التمذهب من التراتيب العلمية، فيقصد إليه في مقام التدريس والتعلم، والتدريس حق الشيخ، والتعلم حق الطالب، فالنظر في التمذهب باعتباره من عوارض التراتيب العلمية أمر حسن وسائغ، وإن لم يكن لازماً على الإطلاق، وفائدته ترتيب المسائل العلمية، ومعرفة مبتدأ الأقوال في الكتب ومنتهاها، فيحفظ به المتمذهب ويعرف أصول المسائل، ومبتدأ الأقوال، وما إلى ذلك.
ومن فوائده: أنه يقع ضد الفوضى العلمية، ولعل من الحكمة أن نقول: ضد الفوضى، وليس نقيض الفوضى؛ لأن الضد قد يعني أنه إذا ارتفع الضدان فيمكن أن توجد صورة ثالثة، فلا يقال: إنه لا يمكن في الوجود إلا التمذهب أو الفوضى، ومن لم يتمذهب فهو من أهل الفوضى، فإن هذا إغلاق؛ لأنه أولاً لم يقع عند السابقين بهذه الصورة، ثم إنه حتى بعد أن ظهرت المذاهب الأربعة كان هناك اختصاصات، كاختصاصات بعض أهل الحديث بفقه الحديث والتتبع لفقه المحدثين، والعناية به، وكذلك بعض المتمذهبين كثر خروجهم عن رأي المذهب في بعض المسائل، وكثر أخذهم بخلاف المعروف من المذهب في المصطلح.
إذاً: القول بأن من لم يتمذهب فهو من أهل الفوضى قول غير صحيح، لكن في أحيان كثيرة يكون التمذهب بديلاً عن الفوضى، وفي كثير من الأحوال تركه يؤدي إلى الفوضى، أما أنه يلزم من تركه الفوضى فهذا ليس شرطاً لازماً على الإطلاق.
стр. 63
اختيار التمذهب بمذهب معين
إذا قلنا: إن المذاهب التي اشتهرت وانتشرت وبقيت هي المذاهب الأربعة، فبماذا يتمذهب طالب العلم ابتداءً؟
نقول: الأصل شرعاً وعقلاً أن يُختار الأفضل والأقرب للسنة والأقرب للصواب ..
وهذا متعذر، ولما كان متعذراً كان التعليق به وجهاً من التعصب، ومعنى ذلك: أن من يقول: إن مذهب الإمام أحمد أو مذهب الحنابلة هو أصح المذاهب بإطلاق، فإن هذا فيه تعصب، ومثله من يقول: مذهب الحنفية أو مذهب الشافعية أو المالكية أصح المذاهب، إذاًَ التفضيل المطلق لمذهب واحد من المذاهب الأربعة على غيره عند التحقيق أمر غير ممكن، ومن قال بذلك فهو اجتهاد عنده، وكما أن بعض الحنابلة يقدم مذهب الإمام أحمد، فإن الشافعية يوجد فيهم من يرجح بالجملة مذهب الشافعي، وهكذا في سائر المذاهب؛ بل إن الأصل في المتمذهبين أنهم ما تمذهبوا إلا لكونهم يرجحون المذهب على غيره.
إذاً: ليس هناك تفضيل مطلق منضبط علمياً عند سائر الفقهاء، أو كقواعد علمية صريحة منضبطة، إنما المحققون يعرفون التفضيل في أبواب معينة، فمثلاً: الإمام ابن تيمية من المحققين، مع أنه حنبلي إلا أنه يقول: وأصول مالك في البيوع والمعاملات أجود من غيره؛ لأنه أخذ فقه ذلك عن أعلم الناس بهذه المسائل في زمنه وهو سعيد بن المسيب.
وإذا رجعنا إلى من قبل الأئمة الأربعة فسنجد أنهم يفضلون عطاء في المناسك، فإن فقه عطاء في المناسك من أجود الفقه، كذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام:١٤٥]، نجد أن المذاهب اختلفت فيها، فالحنابلة في المشهور من مذهبهم يحرمون ما استخبثته العرب، والشافعية في المشهور من مذهبهم يجعلون المناط على الضرر، والإمام مالك توسع في ذلك حتى إنه في مذهبه أحلت كثير من الحيوانات التي حرمت في جمهور المذاهب.
إذاً: التفضيل الممكن يكون في أبواب معينة، كأن يقال مثلاً: في باب المياه مذهب فلان أجود من مذهب فلان، وهذا يصل إليه المحققون، كـ ابن تيمية ﵀ فإنه يستعمل هذا كثيراً، ومن قبله الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام يشير في بعض كلامه -كما في كتاب الأموال- إلى شيء من هذا.
ولما تعذر التفضيل المطلق فإن معيار الاختيار من أخصه قصد ما عليه أهل البلد، فمن نشأ في بيئةٍ حنبلية فالأولى له أن يتمذهب بمذهب الحنابلة، وفي البيئة الشافعية أو المالكية أو الحنفية كذلك؛ وذلك لمصالح شرعية بينة، من أخصها: أنه أضبط لعلمه؛ لأن ذلك المذهب كتبه منتشرة في ذلك المصر، والشيوخ الذين يدرسونه موجودون، وطرق التدريس له فيما بعد لحفظ العلم متاحة، وإذا أفتى به فإنه لا يفرق العامة ولا يلبس عليهم، وهكذا درج المتقدمون قبل هذه التمذهبات، فقد كان الإمام مالك ﵀ في المدينة يحرص على فقه المدنيين، حتى إنه قدم عمل أهل المدينة وجعله حجة في بعض المسائل، فهذا من الفقه الفاضل، وهو نوع من الاقتداء الحسن، وما زال المسلمون سائرين عليه.
стр. 64
حكم التمذهب كترتيب علمي
ما حكم التمذهب كترتيب علمي؟
الترتيب العملي له وجهان:
الوجه الأول: إذا جاء من عارف فقيه فإن الترتيب بمعنى أنه يفقه أصول المذهب، فيفقه الحنفي درجة القياس في مذهب أبي حنيفة وأين يستعمل، كما أن الحنبلي يفقه درجة قول الصحابي وأين يستعمل، ويفقه المنطوق والمفهوم، وهل يعمل المذهب بالمفهوم أم لا؟ والمقصود: أنه يدرس أصول فقه المذهب، وذلك مثل تمذهب ابن عبد البر على مذهب الإمام مالك، فليس تمذهبه مجرد أنه قرأ فروعاً متنية على فقيه مالكي؛ بل إنه يعرف أصول مذهب الإمام مالك، فهذه الدرجة العالية في الترتيب العلمي للتمذهب أنه يقصد إلى فقه أصول المذهب، ومن باب أولى أن يأخذ بعد ذلك الفروع.
الوجه الثاني -وهو الشائع الآن عند كثير من المجالسين لفقهاء المذاهب في أمصار المسلمين-: أن بعض طلاب العلم لا يصل إلى أنه يعرف أصول المذهب بقدر ما هو يحفظ فروع المذهب على طريقةٍ معينة، فهذا أيضاً وجه من الترتيب العلمي.
فالترتيب العلمي قد يكون ترتيباً باعتبار أصول المذهب، وهذه حال الكبار من المتمذهبين، وقد يكون ترتيباً باعتبار الأخذ بفروع المذهب وإن لم يدخل في تفاصيل أصول المذهب.
فإذا أخذ التمذهب كترتيب علمي يبنى عليه ولا يترك بيّن الدليل من أجله، إنما كترتيب علمي ليعرف نظم المسائل ولينضبط قوله، فهذا كترتيب علمي لا يجوز إنكاره.
ولقائل أن يقول: ما هو الدليل على ذلك؟ وهنا نرجع إلى قضية الدليل النصي والدليل الاستقرائي، ومن الدليل الاستقرائي: أن هذه المذاهب استقرت في القرن الرابع الهجري، وهذا لا يجادل فيه أحد، فمتى نقل أن أعياناً من العلماء المعتبرين قد صرحوا بتحريم التمذهب كترتيب علمي؟ أما كتقليد وتعصب وترك لظاهر الأدلة فهذا معلوم من الدين بالضرورة تحريمه، ولا يحتاج أن ينقل عن فلان أو فلان من الناس، ولذلك فإن بعض من يحرمون التمذهب يقولون: قال ابن القيم كذا، مع أن ابن القيم حنبلي فما الذي كان ينكره وهو حنبلي؟ أو يقولون: قال شيخ الإسلام ابن تيمية أو ابن رجب كذا، مع أنهما حنبليان، فالتمذهب بمعنى التقليد والتدين والالتزام والاختصاصات والتعصبات، هذا المفهوم هو المخالف لهدي النبي ﷺ وسنته، أما التمذهب كترتيب علمي مع عدم الإلزام به إلا من باب ترك الفوضى العلمية وما إلى ذلك، فهذا إلى القرن العاشر -فيما أعلم- لم يحفظ عن إمام معتبر أنه منع منه، إنما الذي صرح المتقدمون كالأئمة الأربعة أنفسهم والفقهاء من أصحابهم المحققين، كبعض الذين ذكروا في المصنفات التي ذمت التقليد والمقلدين وما إلى ذلك -الذي صرحوا بمنعه والتحذير منه هو التمذهب بمعنى التقليد والتعصب وتقديم المذهب على الدليل ..
ونحو ذلك.
أما التمذهب كترتيب علمي فلم ينكر على هذا الوجه، بل إن جماهير علماء المسلمين في سائر بيئاتهم كانوا يتمذهبون على هذه المذاهب، مع أنهم درجات، فمنهم المحققون الذين انتظموا على فقه المذاهب بشكل صحيح، ومنهم دون ذلك.
стр. 65
التمذهب المذموم
المقام الثاني: التمذهب المذموم: وهو التمذهب على معنى التدين، أي: أنه يلتزم التمذهب على وجه الاختصاص بقول أحد، فيجعل هذا أخص تديناً من غيره، ويتعصب له حتى إنه يترك ظاهر الدليل من أجل قوله ونحو ذلك، فهذا الاستمساك المحض، والمغالبة المحضة بالمذهب، أو ذم المذاهب الأخرى، أو تشتيت المسلمين بالتمذهب ..
ونحو ذلك من العوارض البينة، هذا لا شك أنه مذموم شرعاً وعقلاً، وليس هو من باب التوسعة على المسلمين كالمقام الأول، بل إنه يدخل في باب التضييق عليهم.
ولذلك إذا ورد سؤال: هل التمذهب توسعة على المسلمين أم أنه تضييق عليهم؟ فيقال: فيه تفصيل: فإن اعتبر بالمفهوم الأول الشرعي المتعقل فهو توسعة على المسلمين، وإن اعتبر بالمفهوم الثاني التعصبي المضيق الذي يتجاهل القول الآخر مطلقاً، ويتجاهل ظاهر الدليل أحياناً إلى غيره، ويتكلف في إبعاد القول الثاني، وغير ذلك من أوجه الغلو التي حدثت في التاريخ، حتى كان بعض الشافعية لا يزوجون الحنفي -وإن كانوا يتمسكون بأن الحنفية لا يشترطون الولي في النكاح وما إلى ذلك، لكن هذه تعصبات زائدة- وحتى صار بعضهم يسأل: هل نصلي خلف الشافعي وهو يقنت في الصبح أم لا نصلي خلفه؟! فهذه التكلفات هي تضييق وليست توسعة على المسلمين.
стр. 66
الخروج على المذهب
من كان متذهباً على مذهب معين، كأن يكون حنفياً أو حنبلياً أو شافعياً أو مالكياً، فهل له الخروج على مذهبه أم لا؟ سواء كان فقيهاً في أصول المذهب، أو كان عارفاً بفروع المذهب فقط؟
هذه المسألة لها أربع صور:
стр. 67
الخروج إلى قول واحد من الأئمة الأربعة
الصورة الأولى: الخروج إلى قول واحد من الأئمة الأربعة:
فإذا كان حنفياً مثلاً فيخرج عن قول أبي حنيفة إلى قول أحد الأئمة الثلاثة مالك أو الشافعي أو أحمد ..
وهكذا، فهذا الخروج يعتبر خروجاً لا بأس به، لكنه ليس مشتهراً عند الفقهاء المتمذهبين، والغالب عليهم أنهم يخرجون إلى أقوالٍ في مذاهبهم، فتجد أن المحققين من الحنابلة إذا رجحوا خلاف المشهور فإنهم يذكرون أن ما رجحوه هو رواية عن الإمام أحمد، ولذلك يقول ابن تيمية -وهو من محققي الحنابلة-: إني تأملت المسائل التي ظاهر المذهب فيها عند الأصحاب يخالف الدليل فإذا عامتها يكون فيه عن أحمد رواية توافق ما عليه ظاهر الدليل.
وهذا من باب الجمع في هذا المقام، وهو الخروج عن المذهب المعين إلى قول أحد الأئمة الأربعة، وهذا فيه سعة.
стр. 68
الخروج إلى قول أحد الأئمة المتقدمين ممن هم في درجة الأئمة الأربعة
الصورة الثانية: الخروج إلى قول من هو في درجة الأئمة الأربعة العلمية من الأئمة المتقدمين ممن حُفظ قولهم، كـ الثوري، ومن قبله النخعي، أو أئمة التابعين، أو بعض الأقوال المتقدمة.
فإذا وجد في مسألة ما أن بعض المتقدمين من أئمة السلف ممن هم في درجة الأئمة الأربعة علماً وفقهاً واستفاضةً عند الأمة، كـ الثوري مثلاً أو بعض أئمة الأمصار، بل بعضهم كان لهم مذاهب كـ الليث بن سعد والأوزاعي ونحوهم، أو من قبل هؤلاء من التابعين -إذا وجد أن لهم قولاً يخالف أقوال الأئمة الأربعة، فهل الخروج عن المذاهب الأربعة إلى هذا القول جائز بشرطه أم أنه ممنوع من أصله؟
الجواب: هو جائز بشرطه؛ لأنه إذا قيل: إنه ممنوع، فيرد سؤال وهو: إذا اتفق الأئمة الأربعة على قول فهل يكون إجماعاً؟ إذا قيل: إنه إجماع، فسيكون لزوم قولهم من جهة كونه إجماعاً لا من جهة كونه قول الأئمة الأربعة، فتخصيصه بالأئمة الأربعة حقيقته وهم في الذهن؛ لأنه لا يقال في كل أقوال الأئمة الأربعة أنها مسائل إجماع، بل بعضها مسائل فيها إجماع وبعضها ليس فيه إجماع؛ فلا يسوغ أن تخص مسائل الإجماع باسم الأئمة الأربعة؛ لأنه لو ساغ ذلك لخصت بالأربعة الراشدين من الصحابة ﵃.
أما إذا قيل: إنه لا يلزم أن يكون إجماعاً، فإذا لم يكن إجماعاً، والقول الآخر قول بين معروف لأئمة معتبرين من التابعين والأئمة الذين هم في درجة هؤلاء، فما الذي يمنع شرعاً وعقلاً أن يكون الصحيح -إمكاناً وليس جزماً- في هذا القول؟ ليس هناك شيءٌ يمنع من ذلك، لا من جهة الشرع ولا من جهة العقل، ومن المعلوم أن المتقدمين لم يكونوا يثربون على من خرج عن أقوال الأئمة الأربعة، أعني الخروج الذي هو بشرطه، وكذلك لم يكونوا ينتقدون الأقوال البينة غير الشاذة، فكذلك من خرج إلى تقليد ما لم ينتقد فلا ينتقد؛ لأنه لو كان منتقداً لكان الأولى بالانتقاد ذلك الذي قلده.
وقد حاول بعض الفقهاء كـ ابن رجب ﵀ أن يجمع جملة الأقوال إلى أقوال الأئمة الأربعة، ولو وجد ما يخالف قول الأئمة الأربعة من الأقوال فهو من جنس جمع الصحابة للقرآن على مصحف واحد وترك ما عداه.
والخلاصة: أن الخروج عن أقوال الأئمة الأربعة لقول معتبر -وليس لقول شاذ- عليه بعض فقهاء التابعين، أو بعض الأئمة المتبوعين كـ الأوزاعي والليث والثوري ونحوهم، فهذا جائز شرعاً وعقلاً، ولا يمنعه إلا من فرض أحد أمرين:
الأول: أن الحق محصور في غير الإجماع، والثاني: أن الحق الذي في غير قول الأئمة الأربعة لا يجوز اتباعه.
تنبيه: نحن هنا لا نتكلم عمن يفتي بالمذاهب الأربعة، ويقول: أنا لا أفتي إلا بالمذاهب الأربعة، فإن هذا لا يمنع، ولا ينكر عليه، وقد درج كثير من الفقهاء على هذا المنهج، كـ ابن رجب وغيره، فقد كانوا لا يفتون بما خرج عن المذاهب الأربعة، لكن هناك فرق بين كونه لا يفتي بما خرج عن المذاهب الأربعة، وبين كونه يجعل هذا ديناً لازماً على المسلمين، فمن خرج عن قول الأئمة الأربعة أنكر عليه إنكاراً شديداً، فهذا يلزم عليه إما أن الحق محصور في معين من الأقوال، وهذا غير صحيح، وإما أن أقوالهم فقط هي الإجماع، وهذا أيضاً غير صحيح.
إذاً: الصواب أن الخروج عن المذاهب الأربعة إلى قول إمام متقدم يسوغ بشرطه، وقولنا: (يسوغ) أي: أنه جائز وليس بلازم، ولذلك فقد ذكرت أنه من التزم أنه لا يفتي بخلاف المذاهب الأربعة فهذا التزام لا بأس به، وإذا كنا نسوغ أن يفتي البعض بالمذهب الحنفي أو الحنبلي وحده، فمن باب أولى أن من التزم أن لا يخرج عن المذاهب الأربعة أنه لا بأس به، وأرى أنه منهج يصلح لكثيرين وأولى لكثيرين، لكن من وصل إلى درجة كبيرة من التحقيق والعلم، وفقه الأقوال المتقدمة، والتفريق بين الشاذ وخلافه، والخلاف المحفوظ وعدمه، وما هو على وفق الأدلة وما هو على خلاف الأدلة، فخرج في بعض المسائل عن قول الأئمة الأربعة إلى قول أئمة متبوعين كـ الليث والأوزاعي أو من قبلهم من التابعين؛ فهذا مما يسوغ شرعاً وعقلاً، وقد درج عليه الكبار من المتقدمين فما أنكر عليهم، ولو أنكر عليهم لنقل.
وإذا كان لم ينكر على الفاعلين، فمن باب أولى أن لا ينكر على المقلدين، والمقلدون لم يوجدوا في هذا الزمن فقط، فإن الإمام الثوري مثلاً لما كان له رأي خالف فيه الجمهور، كان هناك أناس يقلدونه، فحيثما وجد القول يوجد من يقلده.
وقد يقول قائل: إن السبب في المنع أن أقوال الأئمة الأربعة تحررت فضبطت أصولهم الفقهية ونظم مذهبهم من أول الفقه إلى آخره.
فيقال: هل من شرط الأخذ بقول فقيه أن يعرف قوله في سائر المسائل؟ الجواب: لا، ولو شرط هذا الشرط لتعذر العمل بفقه الصحابة، فإنه لا يعرف كل فقه أبي بكر وعمر ﵄، فلم يبلغنا إلا بعض فقههم، وكذلك الصحابة بلغ بعضهم عن بعض شيء ولم يبلغ البعض الآخر، فما يفقهه ابن عباس من فقه عمر أكثر مما يفقهه معاوية مثلاً، وما يفقهه الحسن بن علي من فقه أبيه علي أكثر مما يفقهه غيره من فقه علي، فالتفاضل هنا موجود، فلا يشترط إذاً أنه لا يخرج إلا إلى مذهب قد انتظم من أوله إلى آخره.
ثم إننا نجد أن الأصول غير متفق عليها كأصول منضبطة عند الأئمة، فإذا نظرنا في أصول فقه الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وجدنا خلافاً في كثير من المسائل، وإذا جئنا إلى الفروع وقرأنا الإنصاف أو الفروع أو كتب المذاهب الأخرى؛ وجدنا أنهم يختلفون كثيراً في تحرير المذهب والجزم حينما تتعدد الروايات، وليس معنى هذا أننا نشكك في استقرار المذاهب أو وجودها، لكن المقصود أنه لا يلزم أننا لا نعمل إلا بقول إمام له مذهب متكامل من أوله إلى آخره أصولاً وفروعاً، فإن هذا الشرط لا أصل له عند السلف، ولا أصل له عند الخلف كلزوم أو وجوب.
ومن الأمثلة على ذلك: أن مذهب الثوري لم يضبط كله، فإذا قال الثوري: إن بعض جلود السباع طاهرة، فهذا قول محدد، فإذا وافقه ظاهر دليل فإنه يجوز العمل به، كذلك لما ظهر لـ ابن تيمية أن طلاق الثلاث بلفظ واحد يعتبر طلقة واحدة على ظاهر حديث ابن عباس، مع أنه خلاف الأئمة الأربعة، فإنه يجوز العمل به.
стр. 69
الخروج إلى قول متأخر عن الأئمة الأربعة
الصورة الثالثة: الخروج إلى قول غير الأئمة الأربعة، ولكنه قول متأخر، ذكره بعض المتأخرين من الحنفية مثلاً خلافاً لمذهب جمهورهم، أو ذكره بعض المتأخرين من الظاهرية أو من أصحاب الحديث خلافاً لمذهب جمهورهم، فإذا كان القول متأخراً -أي: جاء في القرون المتأخرة- ولم يعرف هذا القول عند أحدٍ من المتقدمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، فهذا الأصل منعه.
стр. 70
الخروج إلى قول تفقه به الناظر
الصورة الرابعة: الخروج إلى قول تفقه به الناظر، وهذا يعرض لمن يشتغل بالحديث أحياناً، كما لو جاء متأخر في هذا القرن مثلاً أو في قرن مقارب، فربما رأى رأياً من ظاهر دليل عنده من السنة، وهذا الرأي لا يوجد قائل به من المتقدمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، فإن قيل له: من قال به من المتقدمين؟ قال: لا أعلم، ولكن هذا ما ظهر لي، فإذا نظرت في كتب المتقدمين وجدت أنهم لا يذكرون هذا القول أصلاً، وكأن الإجماع على خلافه، فهذا القول الذي تفقه به الناظر قول غير صحيح، وهذا قد يعرض أحياناً لبعض طلبة العلم المشتغلين بالحديث، أنه إذا رأى أراءً لم يقل بها أحد من المتقدمين، فإن قيل له في ذلك قال: هذا ظاهر السنة، وهذا فيه تمانع في الشرع والعقل، فإنه يتعذر أن يدل ظاهر السنة على مسألة لم يذكرها المتقدمون، وإذا كان هناك مسألة نطق بها المتقدمون واشتهر الخلاف بينهم، وذكروا فيها أربعة أقوال لا يذكرون بينها ما وصلت إليه أنه هو ظاهر السنة؛ فإن هذا يدل على أن ما وصلت إليه ليس صحيحاً معتداً به.
إذاً: الخروج إلى قول المتفقه المتأخر بنظره الخاص ولم يسبقه إلى ذلك إمام، هذا أيضاً يمنع.
стр. 71
خلاف العلماء في حكم الخروج عن المذاهب الأربعة
الخروج عن مذاهب الأئمة الأربعة إلى قول إمام، أو إلى قول محفوظ عن متقدمين من الأئمة بهذا القيد، فيه ثلاثة مذاهب للمتأخرين:
المذهب الأول: لزوم الخروج عن مذاهب الأئمة الأربعة إذا عرض ظاهر دليل يقتضي المخالفة، وهذا الذي عرض به ظاهر الدليل قول محفوظ أو قول ثابت عن إمام متقدم، ومن أخص من انتصر لهذا المذهب الإمام أبو محمد ابن حزم، بل إنه ربما خرج إلى ما هو أوسع من ذلك أحياناً، فإن ابن حزم يرى لزوم الخروج عن المذاهب.
وقد يقول قائل: إن ابن حزم لا يعتبر المذاهب أصلاً.
فنقول: إن هذا الكلام ليس على إطلاقه، صحيح أنه قد تند من ابن حزم بعض الحروف والكلمات عند اشتداده في مقام الاحتجاج أو الرد على بعض الفقهاء، لكن هذه الكلمات إذا ندت منه فلا يلزم أنها تمثل منهجاً مطرداً فيحاكم قوله إليها، فإنه ربما ندت منه بعض الكلمات التي قد تشير إلى مثل هذا -أعني ترك الاعتبار المطلق- وهذا ليس وجهاً معروفاً له، إنما المقصود أنه ممن يرى لزوم الخروج عن المذاهب الأربعة إذا قضى ظاهر الدليل بذلك، والقول محفوظ عن إمام متقدم، إما أن يكون حفظه عن بعض المتقدمين، كأن يخرِّج بعض المسائل على فقه الصحابة -وهذا له أمثلة عنده- فإنه قد يخالف الأئمة الأربعة ثم يقول: وهذا الذي ذكرناه هو قول أبي بكر وعمر مثلاً، أو قول ابن مسعود، أو غيرهم، فإنه كثير العناية بآثار الصحابة كما هو معروف في منهجه، وهذا في الجملة مما يحمد لـ ابن حزم -أعني العناية بآثار الصحابة- وإن كان فقهه لآثار الصحابة قد يتأخر في كثير من الموارد، فإنه ربما رأى آراءً ليست من مقتضى قولهم المعين.
المذهب الثاني: المنع، فأصحاب هذا المذهب يمنعون الخروج عن المذاهب الأربعة مطلقاً، ويرون أنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، بل يكون مدار الأقوال على هذه المذاهب، ومن أخص من تكلم عن هذا وضبطه ومال إليه الحافظ ابن رجب في رسالة له، مع أن الحافظ ابن رجب هو من أوسع المتأخرين علماً وأكثرهم عناية بآثار السلف، وهذا بين في الجزء الموجود من شرحه لصحيح البخاري المسمى: فتح الباري على صحيح البخاري، ففيه تظهر عناية الحافظ ابن رجب بآثار السلف، ومقالات أئمة الحديث بخاصة، فهو كثير العناية كثير الفطنة كثير الضبط لمثل ذلك، ولكن له كلام في بعض رسائله أكد فيه هذا المعنى وهو: منع الخروج عن المذاهب الأربعة في القول الفقهي.
فهذان الإمامان -أعني الإمام أبا محمد ابن حزم صاحب طريقة الإلزام، والحافظ ابن رجب صاحب طريقة المنع- كلاهما من المحققين المتأخرين، وإن كان ابن رجب أجود منهجاً؛ لأنه اعتبر منهج الإمام أحمد على طريقة المحققين من أصحابه، فضلاً عن عنايته بالآثار، أما أبو محمد ابن حزم فهو وإن كان كثير العلم حسن الفقه، إلا أنه انتحل مذهب الظاهرية، ومذهب الظاهرية يتأخر في الرتبة عن مذاهب أئمة الفقهاء كالإمام أحمد والشافعي وأمثالهما.
ولكن مع ذلك فإن هذين الإمامين -أعني أبا محمد ابن حزم وابن رجب - هما من أكثر المتأخرين علماً وتحقيقاً، وإن كان هذا له طريقة وهذا له طريقة، ونجد أن أبا محمد ابن حزم واسع العلم بآثار النبي ﷺ وبآثار الصحابة، وبمقالات الفقهاء، كثير العناية والأخذ بالسنة والهدي، وكذلك الحافظ ابن رجب واسع العلم بالآثار، فهما من الأئمة الكبار المتأخرين، ولـ شيخ الإسلام ابن تيمية ثناء كبير على أبي محمد ابن حزم، حتى إنه قال: إنه إذا كان في المسألة نزاع والراجح فيها مرتبط بصحة الحديث، أو بورود الحديث، فإن القول الذي يذهب إليه ابن حزم في الجملة أو في كثير من الموارد يكون هو الصواب.
وعليه نقول: إنه مع أن هذين الإمامين لكل منهما قول في هذه المسألة يخالف الآخر، فإن هذا لا يعني تأخراً في فقههما؛ بل يقال: إن طالب العلم لا ينبغي له أن يستغني عن كتب ابن حزم وكتب ابن رجب، فهي من أجود كتب المتأخرين، وإن كانت كتب ابن حزم ينبغي أن لا يبتدئ فيها، وإنما يستعمل النظر فيها بعد أن تتبين له أصول العلوم وأصول القواعد العلمية، أما كتب ابن رجب فإنها أقرب إلى التأصيل.
ومذهب ابن حزم هذا يتابعه عليه جماعة، ولا سيما بعض من جاء في القرون المتأخرة من أصحاب الحديث، فإن بعضهم يستعملون هذه الطريقة، وهذا بين في طريقة بعض شيوخ الحديث المتأخرين.
ومذهب ابن رجب يسير عليه كثير من الفقهاء، وبعض المعاصرين يميلون إليه، أو يصححونه ويرجحونه.
وأنبه إلى أن القول بالإلزام أو بالمنع هو في الحقيقة يدور على أشخاص وليس رأياً عاماً، وإلا فإن من يريد أن يؤصل الأمور ببعض أوجه التأصيل الممكنة، ربما تطرق إلى ذهنه نتيجة أن الإلزام بالخروج هو مذهب العامة من أهل العلم؛ لأنه خروج إلى الدليل، وكذلك من يمنع ربما تحصل له بطريقة في نظره أن المنع هو مذهب الجمهور من الفقهاء، وقد يذكر أن العلماء أنكروا على فلان من أهل العلم لأنه خرج عن المذاهب في مسألة معينة.
فأقول: هذا لا ينبغي التسرع فيه، فالإلزام ليس منضبطاً كمذهب للجمهور من أهل العلم، كما أن المنع ليس منضبطاً، ولا يقال: هذا هو الذي درج عليه الفقهاء، وهذا هو المعروف عندهم، حتى إنهم شذذوا من خالفه؛ فإن هذا أيضاً فيه زيادة، نعم ..
ربما يشذذون في مسائل معينة لأن هذه المسائل لها أحوال معينة عندهم، أما التنظير الذي نتكلم عنه الآن فهو كالتأصيل لهذه المسألة.
مثال ذلك: مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، فربما قال بعضهم: إن العلماء أنكروا على شيخ الإسلام في هذه المسألة، فنقول: الإنكار ليس بالضرورة أنه فرع عن هذا الأصل، وبعض من تكلم في هذه المسألة -كـ ابن رجب - يقول: اعلم أنه لم يصح عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا الأئمة المتبوعين أنه جعل طلاق الثلاث واحدة.
فهو يرى أن هذا القول لا أصل له، وهذا اجتهاده، لكن الذي نتكلم عنه هو الخروج إلى قول معروف وليس إلى قول شاذ، فإنه إذا كان القول شاذاً أو لا أصل له؛ فهذا لا جدال في أنه لا يخرج إليه، إنما الكلام هنا عن مذهب معروف، إذا استقرأت في مصنفات الآثار وجدت له أصلاً معروفاً.
المذهب الثالث: أن الخروج عن المذاهب الأربعة سائغ، فليس لازماً وليس ممنوعاً؛ بل هو سائغ، ولكن بضوابط:
الضابط الأول: أن يكون الخروج إلى قول محفوظ بين وليس شاذاً، كأن يكون قول جماعة من التابعين أو قول بعض أئمة الشام، أو قول بعض كبار المحدثين، ونحو ذلك، وهذا من طرق العلم به النظر في المصنفات، كمصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، أو بعض كتب الخلاف المتقدمة؛ كاختلاف الفقهاء لـ محمد بن نصر المروزي، ونحو ذلك، وقد يقول الإمام الترمذي أحياناً: هذا المذهب عليه أكثر أهل العلم ..
وذهب طائفةٌ من أهل الحديث إلى كذا ..
ثم تجد أن القول الذي وصفه بأن عليه أكثر أهل العلم هو مذهب الأئمة الأربعة فيما بعد، فمعناه أن الترمذي حفظ القول الآخر.
الضابط الثاني: أن يكون الخروج إلى قول إمام متقدم، ويخرج بهذا الضابط الخروج إلى قول فقيه متأخر أو معاصر خالف الأئمة، أو ليس له إمام في قول تكلم به والمسألة قد تكلم فيها، أما إذا كانت المسألة لم يُتكلم فيها فهذا له كلام آخر فيما يسمى: مسائل النوازل.
الضابط الثالث: أن يكون الذي يرى الخروج عن المذاهب عنده ظاهر الدليل.
الضابط الرابع: أن يكون الخروج عن المذاهب من فقيه عارف، فلا يجوز أن يتقحم فيه المبتدئ في طلب العلم ونحوه ممن لم يبلغ درجة الفقيه العارف.
стр. 72
الأخذ بظاهر الدليل
وهنا قد يقول قائل: لماذا لا يكون الخروج لازماً لظاهر الدليل؟ أليس الأصل أننا متعبدون بالكتاب والسنة، وما ظهر من الدليل فإن الأخذ به واجب كما يؤصله الكثير من الكبار؟
فنقول: إن الأخذ بظاهر الدليل كأصل أمر لازم عند عامة الأئمة، وليس هناك خلاف معتبر في هذا الأصل كأصل مختص وحده، وهو أن الأخذ بظاهر الدليل لازم على جميع المكلفين، فإن هذا لا جدال فيه بين المتقدمين، إنما يقال: لما انتظمت المذاهب الأربعة بقول، مع ثبوت هذه المذاهب واستقرار طريقتها في الأمة قروناً متوالية، فإن الذي أسقط الإلزام هو اعتبار ممكن وليس اعتباراً لازماً؛ لأنه لو كان هذا الاعتبار لازماً لقلنا بالمنع، وهذا الاعتبار هو: أن تعيين ظاهر الدليل لا يخفى على الجمهور، وهذا كلام ممكن، ومن هنا قيل: إن الخروج ليس بلازم، وقيل: إنه ليس ممتنعاً.
وكما ذكر ابن تيمية ﵀: أنه استقرأ مسائل الشريعة فإذا القول الذي عليه الجمهور في الجملة هو الصواب، وهذا هو مقتضى الشرع والعقل، فإنه يمتنع شرعاً وعقلاً أن يتوارد أئمة الأمصار على ترك ظاهر الدليل، فإذا عرض ما ترك الجماهير ظاهره، فهذا يمكن أن يكون دليلاً على كونه غير مراد لحجةٍ عندهم.
وقد يقول البعض ولا سيما من يرون الإلزام كـ ابن حزم، أو أصحاب الحديث المعاصرين، أو ممن قبلهم الذين يميلون إلى طريقة أهل الحديث -قد يقولون: إن القول بأن الظاهر لا يخفى على الجمهور هو إمكان وليس إلزاماً، ومجرد الإمكان لا يسلم، قالوا: لأن عندنا أمثلة ظاهر الدليل فيها يدل على حكم، ومذهب الأئمة الأربعة على حكم آخر، فيقال: فإذا عرض ما ترك الجماهير ظاهره فهذا يمكن أن يكون دليلاً على كونه- أي: هذا الظاهر المعين- غير مراد لحجةٍ عندهم.
وقد يقول قائل: هل معنى هذا أننا نترك بعض الظاهر لمحض قول الجمهور؟ والجواب: أن هذا ليس هو المقصود، فنحن هنا نتكلم عن مسألة الإمكان، والذي يحقق ذلك هو الإجابة عن سؤال، وهو: هل الظاهر الذي يوجب الحكم هو النظر في معين أم النظر في المجموع؟ بمعنى: هل تعيين الظاهر يكون بالنظر في دليل واحد أم بالنظر في مجموع أدلة؟
نقول: يتعين بالنظر في مجموع أدلة، فإذا نظرت في دليل معين قلت: إن الظاهر خلاف قول الجمهور، ولكن إذا جمعت مجموع الأدلة تبين أن الجزم بأن قول الجمهور يخالف الظاهر فيه تأخر في الجملة، وذلك لأن الظاهر هو مجموع النظر في الدليل، وليس النظر المعين, وإلا فثمة اتفاق على الأخذ بالظاهر وترك أقوال الرجال، فإن السلف متفقون أن ظاهر كلام النبي ﷺ يقدم على أقوال الرجال، إلا أن يكون في المسألة إجماع، فيعلم حينئذ أن هذا ليس ظاهراً.
فيقال إذاًَ: إن تعيين الظاهر لا يخفى على الجمهور، فإذا عرض ما ترك الجماهير ظاهره فهذا يمكن أن يكون دليلاً على كونه غير مراد؛ وذلك لأن الظاهر هو مجموع النظر وليس النظر المعين.
وهذا نؤصل به لعدم القول بالإلزام التي هي طريقة ابن حزم، بمعنى: هل يسوغ لبعض أهل العلم أن يلتزم المذاهب ويقول: أنا لا أخرج في الفتوى والقول عن المذاهب الأربعة؟ نقول: إن ذلك يسوغ، فإذا اعترض عليه وقيل: كيف يسوغ وقد يترك لذلك ظاهراً؟ قيل: هو بنى على هذه الحجة وهي أن الجمهور لا يخفى عليهم الظاهر في الجملة، فإن عرض ما ظاهره الخفاء فإن مرده عنده يمكن أن يفسر بأن هذا الظاهر ليس مراداً؛ لأن الظاهر هو مجموع النظر وليس النظر المعين، وهذا المنهج لا أقول: إنه منهج لازم، ولكن أقول: إنه منهج ممكن.
ومن الأمثلة على ذلك: قول ابن عباس ﵄ كما في الصحيحين: (جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر)، فربما قال قائل: إن ظاهر الحديث يدل على جواز الجمع بدون عذر، وهذا حديث متفق على صحته، ولكن نقول: إن هذا التفسير للحديث ليس مراداً، ولذلك يقول الإمام الترمذي في الجامع: إن هناك أحاديث ترك العلماء العمل بها، وذكر منها حديث الجمع هذا، وحديث أن شارب الخمر يقتل في المرة الرابعة، والصواب أنه لا يقتل، وإن كان ابن تيمية يذهب إلى أنه هذا القتل راجع إلى تعزير الإمام، والصحيح أن الشرب لذاته لا يجوز فيه القتل، أما إذا تعلق بالشرب فساد في الأرض، مثل المتاجرات والترويجات وما إلى ذلك، فهذه مناطات أخرى، وأيضاً الأمر هنا يتعلق بالخمر، وأما هذه التي هي نوع من الخمر لكنها أصبحت نوع من الضرر السريع القاتل؛ كالمخدرات الحادة التي بدأت تنتشر ووفدت إلى بعض البلاد من بعض العوالم التي عدم فيها الانضباط، مثل الكوكايين والهروين ونحوها، فهذه أعلى حكماً في التقدير الشرعي من خمر النبيذ وخمر العنب وخمر التمر وما إلى ذلك، وهناك فروقات طبية وفروقات من جهات شتى مصنفة علمياً تثبت الفرق بين هذه وهذه، فلا يتساويان في الحكم.
إذاً: هذا مثال للظاهر الذي ترك العمل به، وأحياناً قد يكون هناك ظاهر لم يترك العمل به لكنه فسر بفقه معين، فقد يرى البعض أن الظاهر يقتضي فقهاً آخر، مثل حديث الخوارج المتفق عليه، وهو قوله ﵊ في الخوارج: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، فلم يفقه الصحابة من هذا الحديث أن المقصود به أنهم كفار، مع أنه قد قال بعض العلماء: إن هذا دليل على أن الخوارج كفار، وبعضهم يقول: الخوارج كفار بصريح السنة، ولكن يقال لهم: كيف تقولون ذلك مع أن الصحابة لم يفهموا هذا الفهم؟! ولا يقال: إن ذلك من باب درء الفتنة، فإنهم قد قاتلوهم وحصل القتال، فالحديث إذاً لا يدل على أنهم كفار.
ولذلك يقول ابن تيمية: إن هذا الحرف لا يفقه منه ذلك، ولو كان يفقه منه ذلك لفقهه الصحابة، فإن ظاهر مذهب الصحابة أنهم ليسوا كفاراً.
إذاً: هذا مما يبين أن الظاهر هو مجموع النظر، فإن الصحابة لم يكفروهم بهذا الحرف؛ ولأنهم نظروا إلى ظاهر السنة في هذه المناطات.
стр. 73
جواز الخروج عن المذاهب بضوابطه هو قول أكثر العلماء
إذاً: هذه حجة ممكنة، لكن هل هي حجة لازمة فيقال: من خالفها فقد خرج عن السنة إلى البدعة والضلالة، أو إلى الغلط العلمي البين، وفارق جماعة أهل العلم وما إلى ذلك؟
نقول: هذا المنع فيه تكلف وزيادة، ولا أصل له، ولعله من نافلة القول أن نقول: إن المجوزين هم الأكثر من أهل العلم، ومن أخص المجوزين تقريراً وفعلاً شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فهذا القول هو الأصل، وهو المقتضي إذا حقق بضوابطه، وأما القول بالمنع فكما سبق أنه يلزم عليه سؤال سبقت الإشارة إليه؛ وهو: هل اتفاق المذاهب الأربعة -حتى ولو فسر المذهب بالمذهب الاصطلاحي وليس المذهب المنصوص عن الإمام- هل اتفاقها هو الإجماع أم لا؟ إذا قيل: إن اتفاقها هو الإجماع، فستكون الحجة في منع الخروج عنها لكونها إجماعاً، وهذا لا جدال فيه، ولكن إثبات أن اتفاق هذه المذاهب الأربعة في آحاد المسائل باطراد هو الإجماع المتقدم عند السلف -هذا الإثبات دونه (خرط القتاد) كما يقال.
قد يجتهد مجتهد في مسائل معينة، كما اجتهد ابن رجب في مسألة أن طلاق الثلاث طلقة واحدة، وقال: إنها لا أصل لها، فهذا لا بأس به، لكن أن يقال ذلك في كل المسائل فهذا دونه خرط القتاد؛ بل إنه من الممكن، وقد وجد بالفعل أن هناك أقوالاً معروفة في المصنفات -كما أشرت إليه- وفي بعض كتب الخلاف المتقدم وبعض كتب المحدثين أقوال الأئمة معتبرين، وليست معروفة عند المذاهب الأربعة، لا يلزم أنها راجحة، ولكن تبقى أقوالاً محفوظة لا ينكر على من أخذ بها تحت الضوابط المتقدمة.
وإذا قيل: إن ذلك ليس إجماعاً، بل هو قول الجمهور، ولكن يلزم عدم الخروج عنه، فهذا إلزام لا دليل عليه من الشريعة، وما هو الذي جعله لازماً؟ إن التعليل بتعليلات ليست لازمة في الحقائق العلمية الكاملة كأن يقال: إن هذا يقود إلى الفوضى وما إلى ذلك، هذا نوع -إن صح التعبير- من الضبط الأخلاقي للعلم، ولذلك قلنا: إن الخروج لا بد له من ضوابط، فإذا قيل: إذا فتحنا هذا الباب خرج الناس إلى الشاذ وتخبطوا وما إلى ذلك، فيقال: هذا له ضوابط، ولا يجوز أن تصادر الحقائق العلمية لتخبط مجموعة من الناس ضدها.
فنظرية الإغلاق لوجود متخبطين هذه لا تتناها، وحتى لو أغلقت سيتخبط أناس ..
وهكذا، فتحقيق الحقائق العلمية يكون من هذا الوجه، فإذا قيل: إنها ليست إجماعاً، فما هو الدليل على المنع من الخروج إلى قول معتبرين من المتقدمين وظاهر الدليل يوافقه؟ لا يوجد دليل، لا شرعي ولا عقلي، وأما فرض أنه لو كان هذا القول صحيحاً لعرفه الجمهور، فنقول: هذا فرض ممكن لكنه ليس بلازم؛ لأنه لو كان لازماً لوجد من طريقة المتقدمين أنهم يقصدون إلى أقوال الجماهير ولا يجتهدون بخلافها، ولوجد أن من طريقة المتقدمين التحذير مما خالف قول الجمهور، وهذا لا يحذرون منه على الإطلاق، وأما من يقول: إنهم قد حذروا من مخالفة قول الجمهور، ويذكر لذلك أمثلة، فالأمثلة حقيقتها ليست من هذا، فالإمام مالك أحياناً يحذر من قول الجمهور لأنه لم يبلغه إلا هذا القول مثلاً، ومن الأمثلة على ذلك: صيام الست من شوال، فإنه لم يحذر منه حقيقة، لكنه شبه أنكره، مع أن الجمهور على أن صيام الست من شوال مستحب.
стр. 74
المذهب الشخصي والمذهب الاصطلاحي
المذهب الشخصي: هو منصوص الإمام أو ما يقرب منه، أما المذهب الاصطلاحي فالمقصود به: ما درسه فقهاء المذاهب الأربعة لتحرير مذهبهم، وهذا يختلفون فيه كثيراً.
وبطبيعة الحال فإن المذهب الشخصي قد يكون من جهة أوسع، كاختلاف الرواية عن الإمام أحمد بثلاث روايات كلها محفوظة، مع أن المذهب الاصطلاحي معتبر برواية واحدة، فمن هذا الوجه كان المذهب الشخصي أوسع، وباعتبار آخر نجد أن المذهب الشخصي يكون أضيق من المذهب الاصطلاحي، كتكميل المسألة وتكميل دليلها، وذكر الضوابط عليها، وما إلى ذلك، فهذا يحصله الأصحاب تارةً بالتخريج على أصول الإمام، وتارةً بالتخريج على فروعه ..
ونحو ذلك.
إذاً: هناك فرق بين المذهب الاصطلاحي والمذهب الشخصي كما بيناه هنا.
стр. 75
علاقة التمذهب بالآراء العقدية
هذا مما ينبه إليه طلبة العلم، ولا سميا إذا قرءوا في بعض الأبواب؛ كباب أحكام المرتدين، أو بعض المسائل المتعلقة بالأصول أو بالعقائد من بعض الجهات، كمسألة الزيارة لقبر النبي ﷺ ، فمسألة الزيارة لها طرف فقهي من جهة، مثل حكم الزيارة للرجال والنساء، لكن لها طرف آخر يتعلق بالعقائد، مثل حكم شد الرحال لزيارة القبور، فربما دخل على بعض الفقهاء -ولا سيما المتأخرين- بعض هذه الكلمات، حتى ربما جانبوا المذهب الذي عليه الجماهير والعامة من السلف.
كذلك مسألة الردة وأحكام المرتدين، وبعض ما يذكرونه في مسائل التطبيقات على مسائل الردة، فهذه تعتبر بالأصول العقدية، ولا يكفي فيها النظر في آحاد كلام الفقهاء المتأخرين.
следующие страницы →