Полный текст (110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
خلاف العلماء في حكم الخروج عن المذاهب الأربعة
الخروج عن مذاهب الأئمة الأربعة إلى قول إمام، أو إلى قول محفوظ عن متقدمين من الأئمة بهذا القيد، فيه ثلاثة مذاهب للمتأخرين:
المذهب الأول: لزوم الخروج عن مذاهب الأئمة الأربعة إذا عرض ظاهر دليل يقتضي المخالفة، وهذا الذي عرض به ظاهر الدليل قول محفوظ أو قول ثابت عن إمام متقدم، ومن أخص من انتصر لهذا المذهب الإمام أبو محمد ابن حزم، بل إنه ربما خرج إلى ما هو أوسع من ذلك أحياناً، فإن ابن حزم يرى لزوم الخروج عن المذاهب.
وقد يقول قائل: إن ابن حزم لا يعتبر المذاهب أصلاً.
فنقول: إن هذا الكلام ليس على إطلاقه، صحيح أنه قد تند من ابن حزم بعض الحروف والكلمات عند اشتداده في مقام الاحتجاج أو الرد على بعض الفقهاء، لكن هذه الكلمات إذا ندت منه فلا يلزم أنها تمثل منهجاً مطرداً فيحاكم قوله إليها، فإنه ربما ندت منه بعض الكلمات التي قد تشير إلى مثل هذا -أعني ترك الاعتبار المطلق- وهذا ليس وجهاً معروفاً له، إنما المقصود أنه ممن يرى لزوم الخروج عن المذاهب الأربعة إذا قضى ظاهر الدليل بذلك، والقول محفوظ عن إمام متقدم، إما أن يكون حفظه عن بعض المتقدمين، كأن يخرِّج بعض المسائل على فقه الصحابة -وهذا له أمثلة عنده- فإنه قد يخالف الأئمة الأربعة ثم يقول: وهذا الذي ذكرناه هو قول أبي بكر وعمر مثلاً، أو قول ابن مسعود، أو غيرهم، فإنه كثير العناية بآثار الصحابة كما هو معروف في منهجه، وهذا في الجملة مما يحمد لـ ابن حزم -أعني العناية بآثار الصحابة- وإن كان فقهه لآثار الصحابة قد يتأخر في كثير من الموارد، فإنه ربما رأى آراءً ليست من مقتضى قولهم المعين.
المذهب الثاني: المنع، فأصحاب هذا المذهب يمنعون الخروج عن المذاهب الأربعة مطلقاً، ويرون أنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، بل يكون مدار الأقوال على هذه المذاهب، ومن أخص من تكلم عن هذا وضبطه ومال إليه الحافظ ابن رجب في رسالة له، مع أن الحافظ ابن رجب هو من أوسع المتأخرين علماً وأكثرهم عناية بآثار السلف، وهذا بين في الجزء الموجود من شرحه لصحيح البخاري المسمى: فتح الباري على صحيح البخاري، ففيه تظهر عناية الحافظ ابن رجب بآثار السلف، ومقالات أئمة الحديث بخاصة، فهو كثير العناية كثير الفطنة كثير الضبط لمثل ذلك، ولكن له كلام في بعض رسائله أكد فيه هذا المعنى وهو: منع الخروج عن المذاهب الأربعة في القول الفقهي.
فهذان الإمامان -أعني الإمام أبا محمد ابن حزم صاحب طريقة الإلزام، والحافظ ابن رجب صاحب طريقة المنع- كلاهما من المحققين المتأخرين، وإن كان ابن رجب أجود منهجاً؛ لأنه اعتبر منهج الإمام أحمد على طريقة المحققين من أصحابه، فضلاً عن عنايته بالآثار، أما أبو محمد ابن حزم فهو وإن كان كثير العلم حسن الفقه، إلا أنه انتحل مذهب الظاهرية، ومذهب الظاهرية يتأخر في الرتبة عن مذاهب أئمة الفقهاء كالإمام أحمد والشافعي وأمثالهما.
ولكن مع ذلك فإن هذين الإمامين -أعني أبا محمد ابن حزم وابن رجب - هما من أكثر المتأخرين علماً وتحقيقاً، وإن كان هذا له طريقة وهذا له طريقة، ونجد أن أبا محمد ابن حزم واسع العلم بآثار النبي ﷺ وبآثار الصحابة، وبمقالات الفقهاء، كثير العناية والأخذ بالسنة والهدي، وكذلك الحافظ ابن رجب واسع العلم بالآثار، فهما من الأئمة الكبار المتأخرين، ولـ شيخ الإسلام ابن تيمية ثناء كبير على أبي محمد ابن حزم، حتى إنه قال: إنه إذا كان في المسألة نزاع والراجح فيها مرتبط بصحة الحديث، أو بورود الحديث، فإن القول الذي يذهب إليه ابن حزم في الجملة أو في كثير من الموارد يكون هو الصواب.
وعليه نقول: إنه مع أن هذين الإمامين لكل منهما قول في هذه المسألة يخالف الآخر، فإن هذا لا يعني تأخراً في فقههما؛ بل يقال: إن طالب العلم لا ينبغي له أن يستغني عن كتب ابن حزم وكتب ابن رجب، فهي من أجود كتب المتأخرين، وإن كانت كتب ابن حزم ينبغي أن لا يبتدئ فيها، وإنما يستعمل النظر فيها بعد أن تتبين له أصول العلوم وأصول القواعد العلمية، أما كتب ابن رجب فإنها أقرب إلى التأصيل.
ومذهب ابن حزم هذا يتابعه عليه جماعة، ولا سيما بعض من جاء في القرون المتأخرة من أصحاب الحديث، فإن بعضهم يستعملون هذه الطريقة، وهذا بين في طريقة بعض شيوخ الحديث المتأخرين.
ومذهب ابن رجب يسير عليه كثير من الفقهاء، وبعض المعاصرين يميلون إليه، أو يصححونه ويرجحونه.
وأنبه إلى أن القول بالإلزام أو بالمنع هو في الحقيقة يدور على أشخاص وليس رأياً عاماً، وإلا فإن من يريد أن يؤصل الأمور ببعض أوجه التأصيل الممكنة، ربما تطرق إلى ذهنه نتيجة أن الإلزام بالخروج هو مذهب العامة من أهل العلم؛ لأنه خروج إلى الدليل، وكذلك من يمنع ربما تحصل له بطريقة في نظره أن المنع هو مذهب الجمهور من الفقهاء، وقد يذكر أن العلماء أنكروا على فلان من أهل العلم لأنه خرج عن المذاهب في مسألة معينة.
فأقول: هذا لا ينبغي التسرع فيه، فالإلزام ليس منضبطاً كمذهب للجمهور من أهل العلم، كما أن المنع ليس منضبطاً، ولا يقال: هذا هو الذي درج عليه الفقهاء، وهذا هو المعروف عندهم، حتى إنهم شذذوا من خالفه؛ فإن هذا أيضاً فيه زيادة، نعم ..
ربما يشذذون في مسائل معينة لأن هذه المسائل لها أحوال معينة عندهم، أما التنظير الذي نتكلم عنه الآن فهو كالتأصيل لهذه المسألة.
مثال ذلك: مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، فربما قال بعضهم: إن العلماء أنكروا على شيخ الإسلام في هذه المسألة، فنقول: الإنكار ليس بالضرورة أنه فرع عن هذا الأصل، وبعض من تكلم في هذه المسألة -كـ ابن رجب - يقول: اعلم أنه لم يصح عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا الأئمة المتبوعين أنه جعل طلاق الثلاث واحدة.
فهو يرى أن هذا القول لا أصل له، وهذا اجتهاده، لكن الذي نتكلم عنه هو الخروج إلى قول معروف وليس إلى قول شاذ، فإنه إذا كان القول شاذاً أو لا أصل له؛ فهذا لا جدال في أنه لا يخرج إليه، إنما الكلام هنا عن مذهب معروف، إذا استقرأت في مصنفات الآثار وجدت له أصلاً معروفاً.
المذهب الثالث: أن الخروج عن المذاهب الأربعة سائغ، فليس لازماً وليس ممنوعاً؛ بل هو سائغ، ولكن بضوابط:
الضابط الأول: أن يكون الخروج إلى قول محفوظ بين وليس شاذاً، كأن يكون قول جماعة من التابعين أو قول بعض أئمة الشام، أو قول بعض كبار المحدثين، ونحو ذلك، وهذا من طرق العلم به النظر في المصنفات، كمصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، أو بعض كتب الخلاف المتقدمة؛ كاختلاف الفقهاء لـ محمد بن نصر المروزي، ونحو ذلك، وقد يقول الإمام الترمذي أحياناً: هذا المذهب عليه أكثر أهل العلم ..
وذهب طائفةٌ من أهل الحديث إلى كذا ..
ثم تجد أن القول الذي وصفه بأن عليه أكثر أهل العلم هو مذهب الأئمة الأربعة فيما بعد، فمعناه أن الترمذي حفظ القول الآخر.
الضابط الثاني: أن يكون الخروج إلى قول إمام متقدم، ويخرج بهذا الضابط الخروج إلى قول فقيه متأخر أو معاصر خالف الأئمة، أو ليس له إمام في قول تكلم به والمسألة قد تكلم فيها، أما إذا كانت المسألة لم يُتكلم فيها فهذا له كلام آخر فيما يسمى: مسائل النوازل.
الضابط الثالث: أن يكون الذي يرى الخروج عن المذاهب عنده ظاهر الدليل.
الضابط الرابع: أن يكون الخروج عن المذاهب من فقيه عارف، فلا يجوز أن يتقحم فيه المبتدئ في طلب العلم ونحوه ممن لم يبلغ درجة الفقيه العارف.
стр. 72
الأخذ بظاهر الدليل
وهنا قد يقول قائل: لماذا لا يكون الخروج لازماً لظاهر الدليل؟ أليس الأصل أننا متعبدون بالكتاب والسنة، وما ظهر من الدليل فإن الأخذ به واجب كما يؤصله الكثير من الكبار؟
فنقول: إن الأخذ بظاهر الدليل كأصل أمر لازم عند عامة الأئمة، وليس هناك خلاف معتبر في هذا الأصل كأصل مختص وحده، وهو أن الأخذ بظاهر الدليل لازم على جميع المكلفين، فإن هذا لا جدال فيه بين المتقدمين، إنما يقال: لما انتظمت المذاهب الأربعة بقول، مع ثبوت هذه المذاهب واستقرار طريقتها في الأمة قروناً متوالية، فإن الذي أسقط الإلزام هو اعتبار ممكن وليس اعتباراً لازماً؛ لأنه لو كان هذا الاعتبار لازماً لقلنا بالمنع، وهذا الاعتبار هو: أن تعيين ظاهر الدليل لا يخفى على الجمهور، وهذا كلام ممكن، ومن هنا قيل: إن الخروج ليس بلازم، وقيل: إنه ليس ممتنعاً.
وكما ذكر ابن تيمية ﵀: أنه استقرأ مسائل الشريعة فإذا القول الذي عليه الجمهور في الجملة هو الصواب، وهذا هو مقتضى الشرع والعقل، فإنه يمتنع شرعاً وعقلاً أن يتوارد أئمة الأمصار على ترك ظاهر الدليل، فإذا عرض ما ترك الجماهير ظاهره، فهذا يمكن أن يكون دليلاً على كونه غير مراد لحجةٍ عندهم.
وقد يقول البعض ولا سيما من يرون الإلزام كـ ابن حزم، أو أصحاب الحديث المعاصرين، أو ممن قبلهم الذين يميلون إلى طريقة أهل الحديث -قد يقولون: إن القول بأن الظاهر لا يخفى على الجمهور هو إمكان وليس إلزاماً، ومجرد الإمكان لا يسلم، قالوا: لأن عندنا أمثلة ظاهر الدليل فيها يدل على حكم، ومذهب الأئمة الأربعة على حكم آخر، فيقال: فإذا عرض ما ترك الجماهير ظاهره فهذا يمكن أن يكون دليلاً على كونه- أي: هذا الظاهر المعين- غير مراد لحجةٍ عندهم.
وقد يقول قائل: هل معنى هذا أننا نترك بعض الظاهر لمحض قول الجمهور؟ والجواب: أن هذا ليس هو المقصود، فنحن هنا نتكلم عن مسألة الإمكان، والذي يحقق ذلك هو الإجابة عن سؤال، وهو: هل الظاهر الذي يوجب الحكم هو النظر في معين أم النظر في المجموع؟ بمعنى: هل تعيين الظاهر يكون بالنظر في دليل واحد أم بالنظر في مجموع أدلة؟
نقول: يتعين بالنظر في مجموع أدلة، فإذا نظرت في دليل معين قلت: إن الظاهر خلاف قول الجمهور، ولكن إذا جمعت مجموع الأدلة تبين أن الجزم بأن قول الجمهور يخالف الظاهر فيه تأخر في الجملة، وذلك لأن الظاهر هو مجموع النظر في الدليل، وليس النظر المعين, وإلا فثمة اتفاق على الأخذ بالظاهر وترك أقوال الرجال، فإن السلف متفقون أن ظاهر كلام النبي ﷺ يقدم على أقوال الرجال، إلا أن يكون في المسألة إجماع، فيعلم حينئذ أن هذا ليس ظاهراً.
فيقال إذاًَ: إن تعيين الظاهر لا يخفى على الجمهور، فإذا عرض ما ترك الجماهير ظاهره فهذا يمكن أن يكون دليلاً على كونه غير مراد؛ وذلك لأن الظاهر هو مجموع النظر وليس النظر المعين.
وهذا نؤصل به لعدم القول بالإلزام التي هي طريقة ابن حزم، بمعنى: هل يسوغ لبعض أهل العلم أن يلتزم المذاهب ويقول: أنا لا أخرج في الفتوى والقول عن المذاهب الأربعة؟ نقول: إن ذلك يسوغ، فإذا اعترض عليه وقيل: كيف يسوغ وقد يترك لذلك ظاهراً؟ قيل: هو بنى على هذه الحجة وهي أن الجمهور لا يخفى عليهم الظاهر في الجملة، فإن عرض ما ظاهره الخفاء فإن مرده عنده يمكن أن يفسر بأن هذا الظاهر ليس مراداً؛ لأن الظاهر هو مجموع النظر وليس النظر المعين، وهذا المنهج لا أقول: إنه منهج لازم، ولكن أقول: إنه منهج ممكن.
ومن الأمثلة على ذلك: قول ابن عباس ﵄ كما في الصحيحين: (جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر)، فربما قال قائل: إن ظاهر الحديث يدل على جواز الجمع بدون عذر، وهذا حديث متفق على صحته، ولكن نقول: إن هذا التفسير للحديث ليس مراداً، ولذلك يقول الإمام الترمذي في الجامع: إن هناك أحاديث ترك العلماء العمل بها، وذكر منها حديث الجمع هذا، وحديث أن شارب الخمر يقتل في المرة الرابعة، والصواب أنه لا يقتل، وإن كان ابن تيمية يذهب إلى أنه هذا القتل راجع إلى تعزير الإمام، والصحيح أن الشرب لذاته لا يجوز فيه القتل، أما إذا تعلق بالشرب فساد في الأرض، مثل المتاجرات والترويجات وما إلى ذلك، فهذه مناطات أخرى، وأيضاً الأمر هنا يتعلق بالخمر، وأما هذه التي هي نوع من الخمر لكنها أصبحت نوع من الضرر السريع القاتل؛ كالمخدرات الحادة التي بدأت تنتشر ووفدت إلى بعض البلاد من بعض العوالم التي عدم فيها الانضباط، مثل الكوكايين والهروين ونحوها، فهذه أعلى حكماً في التقدير الشرعي من خمر النبيذ وخمر العنب وخمر التمر وما إلى ذلك، وهناك فروقات طبية وفروقات من جهات شتى مصنفة علمياً تثبت الفرق بين هذه وهذه، فلا يتساويان في الحكم.
إذاً: هذا مثال للظاهر الذي ترك العمل به، وأحياناً قد يكون هناك ظاهر لم يترك العمل به لكنه فسر بفقه معين، فقد يرى البعض أن الظاهر يقتضي فقهاً آخر، مثل حديث الخوارج المتفق عليه، وهو قوله ﵊ في الخوارج: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، فلم يفقه الصحابة من هذا الحديث أن المقصود به أنهم كفار، مع أنه قد قال بعض العلماء: إن هذا دليل على أن الخوارج كفار، وبعضهم يقول: الخوارج كفار بصريح السنة، ولكن يقال لهم: كيف تقولون ذلك مع أن الصحابة لم يفهموا هذا الفهم؟! ولا يقال: إن ذلك من باب درء الفتنة، فإنهم قد قاتلوهم وحصل القتال، فالحديث إذاً لا يدل على أنهم كفار.
ولذلك يقول ابن تيمية: إن هذا الحرف لا يفقه منه ذلك، ولو كان يفقه منه ذلك لفقهه الصحابة، فإن ظاهر مذهب الصحابة أنهم ليسوا كفاراً.
إذاً: هذا مما يبين أن الظاهر هو مجموع النظر، فإن الصحابة لم يكفروهم بهذا الحرف؛ ولأنهم نظروا إلى ظاهر السنة في هذه المناطات.
стр. 73
جواز الخروج عن المذاهب بضوابطه هو قول أكثر العلماء
إذاً: هذه حجة ممكنة، لكن هل هي حجة لازمة فيقال: من خالفها فقد خرج عن السنة إلى البدعة والضلالة، أو إلى الغلط العلمي البين، وفارق جماعة أهل العلم وما إلى ذلك؟
نقول: هذا المنع فيه تكلف وزيادة، ولا أصل له، ولعله من نافلة القول أن نقول: إن المجوزين هم الأكثر من أهل العلم، ومن أخص المجوزين تقريراً وفعلاً شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فهذا القول هو الأصل، وهو المقتضي إذا حقق بضوابطه، وأما القول بالمنع فكما سبق أنه يلزم عليه سؤال سبقت الإشارة إليه؛ وهو: هل اتفاق المذاهب الأربعة -حتى ولو فسر المذهب بالمذهب الاصطلاحي وليس المذهب المنصوص عن الإمام- هل اتفاقها هو الإجماع أم لا؟ إذا قيل: إن اتفاقها هو الإجماع، فستكون الحجة في منع الخروج عنها لكونها إجماعاً، وهذا لا جدال فيه، ولكن إثبات أن اتفاق هذه المذاهب الأربعة في آحاد المسائل باطراد هو الإجماع المتقدم عند السلف -هذا الإثبات دونه (خرط القتاد) كما يقال.
قد يجتهد مجتهد في مسائل معينة، كما اجتهد ابن رجب في مسألة أن طلاق الثلاث طلقة واحدة، وقال: إنها لا أصل لها، فهذا لا بأس به، لكن أن يقال ذلك في كل المسائل فهذا دونه خرط القتاد؛ بل إنه من الممكن، وقد وجد بالفعل أن هناك أقوالاً معروفة في المصنفات -كما أشرت إليه- وفي بعض كتب الخلاف المتقدم وبعض كتب المحدثين أقوال الأئمة معتبرين، وليست معروفة عند المذاهب الأربعة، لا يلزم أنها راجحة، ولكن تبقى أقوالاً محفوظة لا ينكر على من أخذ بها تحت الضوابط المتقدمة.
وإذا قيل: إن ذلك ليس إجماعاً، بل هو قول الجمهور، ولكن يلزم عدم الخروج عنه، فهذا إلزام لا دليل عليه من الشريعة، وما هو الذي جعله لازماً؟ إن التعليل بتعليلات ليست لازمة في الحقائق العلمية الكاملة كأن يقال: إن هذا يقود إلى الفوضى وما إلى ذلك، هذا نوع -إن صح التعبير- من الضبط الأخلاقي للعلم، ولذلك قلنا: إن الخروج لا بد له من ضوابط، فإذا قيل: إذا فتحنا هذا الباب خرج الناس إلى الشاذ وتخبطوا وما إلى ذلك، فيقال: هذا له ضوابط، ولا يجوز أن تصادر الحقائق العلمية لتخبط مجموعة من الناس ضدها.
فنظرية الإغلاق لوجود متخبطين هذه لا تتناها، وحتى لو أغلقت سيتخبط أناس ..
وهكذا، فتحقيق الحقائق العلمية يكون من هذا الوجه، فإذا قيل: إنها ليست إجماعاً، فما هو الدليل على المنع من الخروج إلى قول معتبرين من المتقدمين وظاهر الدليل يوافقه؟ لا يوجد دليل، لا شرعي ولا عقلي، وأما فرض أنه لو كان هذا القول صحيحاً لعرفه الجمهور، فنقول: هذا فرض ممكن لكنه ليس بلازم؛ لأنه لو كان لازماً لوجد من طريقة المتقدمين أنهم يقصدون إلى أقوال الجماهير ولا يجتهدون بخلافها، ولوجد أن من طريقة المتقدمين التحذير مما خالف قول الجمهور، وهذا لا يحذرون منه على الإطلاق، وأما من يقول: إنهم قد حذروا من مخالفة قول الجمهور، ويذكر لذلك أمثلة، فالأمثلة حقيقتها ليست من هذا، فالإمام مالك أحياناً يحذر من قول الجمهور لأنه لم يبلغه إلا هذا القول مثلاً، ومن الأمثلة على ذلك: صيام الست من شوال، فإنه لم يحذر منه حقيقة، لكنه شبه أنكره، مع أن الجمهور على أن صيام الست من شوال مستحب.
стр. 74
المذهب الشخصي والمذهب الاصطلاحي
المذهب الشخصي: هو منصوص الإمام أو ما يقرب منه، أما المذهب الاصطلاحي فالمقصود به: ما درسه فقهاء المذاهب الأربعة لتحرير مذهبهم، وهذا يختلفون فيه كثيراً.
وبطبيعة الحال فإن المذهب الشخصي قد يكون من جهة أوسع، كاختلاف الرواية عن الإمام أحمد بثلاث روايات كلها محفوظة، مع أن المذهب الاصطلاحي معتبر برواية واحدة، فمن هذا الوجه كان المذهب الشخصي أوسع، وباعتبار آخر نجد أن المذهب الشخصي يكون أضيق من المذهب الاصطلاحي، كتكميل المسألة وتكميل دليلها، وذكر الضوابط عليها، وما إلى ذلك، فهذا يحصله الأصحاب تارةً بالتخريج على أصول الإمام، وتارةً بالتخريج على فروعه ..
ونحو ذلك.
إذاً: هناك فرق بين المذهب الاصطلاحي والمذهب الشخصي كما بيناه هنا.
стр. 75
علاقة التمذهب بالآراء العقدية
هذا مما ينبه إليه طلبة العلم، ولا سميا إذا قرءوا في بعض الأبواب؛ كباب أحكام المرتدين، أو بعض المسائل المتعلقة بالأصول أو بالعقائد من بعض الجهات، كمسألة الزيارة لقبر النبي ﷺ ، فمسألة الزيارة لها طرف فقهي من جهة، مثل حكم الزيارة للرجال والنساء، لكن لها طرف آخر يتعلق بالعقائد، مثل حكم شد الرحال لزيارة القبور، فربما دخل على بعض الفقهاء -ولا سيما المتأخرين- بعض هذه الكلمات، حتى ربما جانبوا المذهب الذي عليه الجماهير والعامة من السلف.
كذلك مسألة الردة وأحكام المرتدين، وبعض ما يذكرونه في مسائل التطبيقات على مسائل الردة، فهذه تعتبر بالأصول العقدية، ولا يكفي فيها النظر في آحاد كلام الفقهاء المتأخرين.
стр. 76
التمذهب على الفقيه وصاحب الحديث
ربما كان التمذهب -وهو الأصل- على طريقة الفقهاء؛ كالأئمة الأربعة ومن جاء بعدهم من أصحابهم، وربما تمذهب البعض بمذهب بعض أصحاب الحديث، وهذا يقع، ولا يجوز أن يمنع منعاً مطلقاً، ولكنه يدار فيه القول على الضبط والتحقيق، وهذا لما حصل عند المتقدمين وانتظم قولهم كقول بعض الفقهاء لم يكن مرتضياً لذلك، وهذا يوجد عند من لم يكن مرتضياً لجعل مذهب أحمد في مذاهب الفقهاء، وهذا تكلف، فإن الإمام أحمد يعد من المحدثين ومن الفقهاء، ولا يلزم أن يكون الإنسان إما محدثاً غير فقيه، وإما فقيهاً غير محدث، بل قد يكون محدثاً وفقهياً في نفس الوقت، فمثلاً: الإمام الشافعي فقهه أغلب من حديثه، فكأنه من محدثي الفقهاء، والإمام أحمد حديثه أوسع، أي: عنايته بالحديث أوسع من عنايته بالرأي، فهو من فقهاء المحدثين، فهذا أمر لا يتكلف فيه، لكن فيما بعد -أي: بعد المذاهب الاربعة- وجد مثل ذلك، وهذا له وجود في هذا العصر - أي: التمذهب على طريقة أصحاب الحديث- فلا ينبغي أن يضيق على طريقة المنع المطلقة، ولكن يؤكد شرطه وهو: أن لا يخرج عن أصول الفقهاء، كالتكلف بالآراء الشاذة تحت اسم الاستدلال بالدليل أو بالحديث، فهذا نوع من التكلف، فإذا ما ضبط على أصول الفقهاء فهذا وجه مقارب للقبول، ولا يجوز تضييقه، وهو موجود في بعض أمصار المسلمين في هذا العصر وقبل هذا العصر، فإذا كان المعتبر فيه يعرف مسائل الإجماع، فلا يخرج عن الإجماع، ولا يأخذ بالشاذ، وإنما يسير إلى قول إمام متقدم، فهذا ما سبق التنبيه إليه في المسائل السابقة.
стр. 77
خلاف الظاهرية
هل خلاف الظاهرية معتبر أو ليس معتبراً؟
لقد تكلم العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسألة، وربما غلا بعض الفقهاء كـ أبي المعالي الجويني وأمثاله في إبطال قول الظاهرية، وأنهم لا يعدون من العلماء ولا من الفقهاء، وهذا فيه غلو وتكلف، بل الأصل أن قول داود بن علي قول معتبر، وأما آحاد مقالات الظاهرية فهل هي خلاف معتبر أو ليس معتبراً؟
يقال: كل مسألة من حيث الآحاد ينظر في مورد الإجماع المتقدم، وعلاقة هذه المسألة بالإجماع المتقدم، فإذا انفرد ابن حزم ببعض الرأي الذي ليس له فيه سلف، فيمكن أن يقال هنا: إنه لا يعتبر قوله، وأما إذا كان قول الظاهرية على أصل أو قول معروف عند المتقدمين، فهذا لا يسوغ إنكاره، والأئمة المتقدمون لم ينكروا جميعاً فقه داود بن علي، إنما أخذوا عليه، وإن كانوا أخذوا عليه فقد أخذوا على غيره، فقد أخذوا على أهل الرأي كثيراً؛ بل إن الإمام أحمد ترك بعض كلام إسحاق بن إبراهيم، مع أن الإمام أحمد من أقرب الناس إلى طريقة إسحاق، ومع ذلك قال: إنا نترك بعض الرأي من كلام إسحاق.
بل إن أبا عبيد ربما أثنى على بعض هذه الأقوال بشيء أكثر من ذلك، أي: الأقوال التي ذمها من ذمها.
فالمقصود: أنه لا يوجد عند المتقدمين إجماع على ترك فقه داود بن علي، فما تفرع عن الأصول المعتبرة التي لا تخالف الإجماع ولا الأصول فهو مقبول، وما كان شاذاً أو خالف الإجماع فيترك ويرد.
стр. 78
هل الأمة بحاجة إلى التمذهب أم لا ؟
إذا كان التمذهب من باب التراتيب العلمية، فهذا يحفظ المسلمين، ويحفظ أنصار المسلمين وعوام المسلمين من الاضطراب، فإن الناس إذا انتظم لهم مذهب وصار فقهاؤهم وشيوخهم يفتون به، انفك العوام عن الاضطراب، وتركوا التحليل والتحريم والخوض في دين الله بغير علم، فهو من هذا الوجه فيه مصلحة.
وإما إذا فسر التمذهب بالتدين والتعصب، وترك العناية والأخذ بالسنن والآثار وما إلى ذلك، فهذا لا شك أن المسلمين لا يحتاجونه؛ لأن المسلمين يحتاجون إلى سنة نبيهم وليس إلى رأي فقيه بعينه، ولا نقول: إلى آراء الفقهاء، حتى لا نجعل تقابلاً بين السنة وآراء الفقهاء، وإنما نقول: وليس إلى رأي فقيه بعينه، فإذا كان التمذهب تعصباً فهو مذموم.
стр. 79
فقه الدليل
القول في فقه الدليل من جهتين: من جهة ماهيته ومن جهة تفسيره.
стр. 80
ماهية الدليل
يعرف الأصوليون الدليل بقولهم: هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
وكلامنا هنا إنما هو في ماهية الدليل وليس في حده الأصولي المعين، فنقول: الدليل في منهج المتقدمين والمحققين من المتأخرين -لأنه لا ينبغي الفصل المطلق بين المتقدمين والمتأخرين، وكأن المتأخرين انقلبوا انقلاباً كلياً على المتقدمين؛ بل لقد بقي في المتأخرين محققون، ولا يعني ذلك أنهم يبلغون إلى درجة المتقدمين، فمثلاً: شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن عبد البر والحافظ المزي ..
هؤلاء محققون، لكن لا يعني ذلك أنهم صاروا كدرجة أئمتهم، لكنهم محققون في هذا الباب- فيقال: المنهج الذي عليه المتقدمون والمحققون من المتأخرين أن الدليل وجهان:
أحدهما: الدليل اللفظي المعين، وهو ما يقضي بالحكم على المسألة إذا نظرت فيه، كحديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فهذا الحديث قضى بحكم هذه المسألة المعنية ..
ونحو ذلك.
ثانيهما: الدليل الاستقرائي، ومن خاصيته أنه دليل مركب، وهو محصل النظر في المقاصد والأصول -أي: مقاصد وأصول الشريعة- الخاصة والعامة.
стр. 81
مدارك فقه الدليل اللفظي
والدليل اللفظي المعين يفقه تفسيره بمجموع مدارك:
стр. 82
الفقه في لسان العرب
المدرك الأول: الفقه في لسان العرب، ومما ينبه إليه في هذا المدرك أن الاعتبار بالسياق وليس بمجرد اللفظ المفرد المطلق، فمثلاً: حديث: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه)، فمن اعتبر الكلمة المفردة لم يأخذ إلا كلمة (واجب)، لكن من اعتبر السياق فقرأ الحديث من حيث هو -وهذا قبل النظر في مقاصد الشريعة- ففيه قوله: (وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه)، فالسواك والطيب معطوفان على الغسل، فسيكون التقدير: وسواك واجب على كل محتلم، ولا يوجد أحد يقول بأن السواك والطيب واجب، ومن هنا نعلم بذكر السياق للسواك والطيب أن الوجوب هنا ليس المقصود به الإلزام، فهذا ما نسميه بفقه السياق، وهذا مثال عليه.
إذاً: الاعتبار يكون بالسياق المركب وليس باللفظ المفرد المجرد، ونحن هنا لا نريد أن ننفي أهمية فقه الكلمات المجردة والمصطلحات المفردة، لكنها ليست وحدها هي التي تحكم، بل الذي يحكم هو السياق المركب.
ومما ينبه إليه هنا: أن السياق ليس نظماً رياضياً؛ لأنه من المعلوم أن الأصوليين كتبوا مسائل في فقه الألفاظ، فجعلوا للعموم صيغاً، وجعلوا قواعد فيما هو أكثر تردداً من ذلك، مثل قاعدة: الأمر للوجوب إلا إذا صرفه صارف، فلا ينبغي أن تؤخذ مثل هذه القاعدة أخذاً رياضياً تجريدياً، فإذا ورد أمر قيل مباشرة: واجب؛ لعدم وجود صارف نصي صريح في الصرف؛ لأن البعض لا بد أن يكون الصارف عنده دليلاً معيناً للصرف، وكذلك قاعدة: الأصل في النهي التحريم إلا بصارف.
ومن هنا فمن يأخذ هذه القواعد أخذاً تجريدياً نجد أنه يخرج أحياناً إلى أقوالٍ شاذة، وقد يخالف الإجماع وهو لا يدري، وليس معنى هذا أنه لا يقال: الأصل في الأمر الوجوب؛ فإن هذه القاعدة قد ذكرها المتقدمون كـ الشافعي ﵀، فضلاً عمن جاء بعده، فلا بأس أن يقال -بل هو الصحيح-: أن الأصل في الأمر الوجوب، فهذه قاعدة لا جدال فيها ولا تردد، وإنما المقصود الفقه في مثل هذه القاعدة، فإذا قيل: الأصل في الأمر الوجوب إلا بصارف، فيقال: هذه القاعدة صحيحة إذا فقه الصارف.
مثال ذلك: قول النبي ﷺ -كما في الصحيح- عن صبغ الشيب وتغييره: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)، فقوله: (فخالفوهم) أمر، وليس في سياق مفرد فقط، بل أمر في ذكر مسألة ترك التشبه، فكأن هذه قد تكون قرينة تؤكد أن الأمر للوجوب، ومع ذلك فقد حكي الإجماع على أن تغيير الشيب ليس واجباً.
كذلك حديث: (صلوا في نعالكم فإن أهل الكتاب لا يصلون في نعالهم)، ومع ذلك لم يكن ذلك على الوجوب، كذلك السحور، قال ﵊ -كما في الصحيح-: (تسحروا فإن في السحور بركة)، وذكر أيضاً أنه فرق بين المسلمين وبين غير المسلمين فقال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر)، ومع ذلك حكي الإجماع على أن السحور ليس واجباً.
وقد يقول قائل: ما هو الصارف هنا؟ فنقول: هنا يأتي فقه الاستقراء، ولذلك من أخذ هذه القاعدة وأراد طردها إلا أن يبين له صارف يراه ببصره معيناً على حدود علمه، أن يكون الصارف نصاً معيناً حرفاً صريحاً بالصرف، فهذا يقصر فقهه كثيراً.
هذا هو المدرك الأول، وهو: الفقه في لسان العرب، سواء في باب الخبريات، أو في باب الطلب، فالنصوص الخبرية مثل حديث: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، فهذا نص خبري، فلأجل أن الصحابة يفقهون لسان العرب لم يفقهوا منه التكفير، والعرب قد تعبر بمثل هذه العبارات المغلظة لوجه ما، ولذلك لما فسد الذوق في فقه لسان العرب حصل الضلال في بعض مسائل أصول الدين.
стр. 83
الفقه في المقاصد العامة
المدرك الثاني: الفقه في المقاصد العامة:
والمقاصد العامة يسميها البعض: المقاصد الكلية، مثل المقاصد الشرعية الخمس التي جاءت الشرائع بحفظها وهي: حفظ النفس والدين والمال والعرض والعقل، هذه لابد للنظر في الدليل المعين الذي سميناه (الدليل اللفظي) أن يستصحب الناظر الفقه في لسان العرب، وأن يستصحب الفقه في المقاصد الكلية.
стр. 84
الفقه في المقاصد الخاصة
المدرك الثالث: الفقه في المقاصد الخاصة، أي: الخاصة بباب معين، فمثلاً: الفقهاء لما تكلموا عن تغسيل الميت ذكروا في طريقة تغسيله وتكفينه ودفنه آداباً ليس عليها نصوص معينة، ولا سيما في حال التغسيل والتكفين، مع أنه ليس هناك نصوص معينة صرحت بهذه التفاصيل الجزئية على التعيين، لكن مقصد الشارع بين أن المقصود هنا حفظ حرمة الميت المسلم، فلما كان هذا مقصداً بيناً في هذا المقام نجد أنهم تكلموا في الآداب العرفية أحياناً في الحفظ التي هي من كريم الأخلاق؛ لأن هذا تحقيق لمقصد الشارع في حفظ كرامة الميت، ولذلك فمن يقول: إن هذا الذي استحبه الفقهاء لا دليل عليه، والمغسل لا يستحب له أن يفعل ذلك، كأنه يعاند فطرته الصحيحة التي تدله على أن هذا أمر حسن، وأنه من مكارم الأخلاق.
ومن مقاصد الشارع الخاصة في هذا الباب: العفو عما يشق التحرز منه في باب الطهارة، ونحو ذلك.
стр. 85
استصحاب الأصل العام
المدرك الرابع من مجموع المدارك التي يستصحبها من ينظر في الدليل اللفظي: استصحاب الأصل العام، وهناك فرق بين الأصل وبين مقصد الشارع، فإن مقصد الشارع يعود إلى باب العلل والمقاصد، أما الأصل فإنه حكم له وجه من الكلية، إما الكلية العامة، وإما الكلية الخاصة، وليس علة سابقة مثل المقاصد، فلابد من استصحاب الأصل العام عند النظر، حتى نفرق بين المقاصد والأصول في هذا السياق.
فمثلاً: حفظ المال مقصد شرعي، وقاعدة: الأصل في المعاملات الحل أصل شرعي.
فهذا نسميه مقصداً وهذا نسميه أصلاً.
стр. 86
استصحاب الأصل الخاص
المدرك الخامس: استصحاب الأصل الخاص، فمثلاً: قول الفقهاء: إن الأصل في أموال القنية والارتفاق أنه لا زكاة فيها، فحين تنظر في حديث المرأة اليمانية التي جاءت ومعها بنتها، وكان في يديها مسكتان من ذهب، فقال لها النبي ﷺ : (أتؤدين زكاة هذا ..) الحديث، وقد جاء هذا الحديث من رواية عبد الله بن عمرو، وهو أجود حديث في الباب، مع أنه عند الجمهور متروك العمل به إلا عند أبي حنيفة، ومع ذلك يقال: حين تنظر فيه تستصحب أن الأصل أن أموال القنية والارتفاق لا زكاة فيها، بمعنى أن هذا يؤثر في فقهك، فلن تترك هذا الأصل المحقق بصريح السنة كحديث: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) إلا بحديث بين يخرج عنه.
стр. 87
دليل الاستقراء
إن فقه الدليل بمجموع هذه المدارك هو منهج المتقدمين والمحققين من المتأخرين، وهذا يبين أن دليل الشريعة مستوعب للمسائل الشرعية، وهذا هو الأصل الشرعي: أن دليل الشريعة مستوعب للمسائل مهما طرأت إلى أن تقوم الساعة، فإنه لابد أن لها حكماً في كلام الله ورسوله، وهذا يكون إذا فقه الدليل بمجموع المدارك الخمسة، واعتبر كذلك دليل الاستقراء.
ولما فات دليل الاستقراء أو كثير منه كثيراً من المتأخرين عرض لهم أحد مقامين:
المقام الأول: التجوز في إثبات التكليف بالتعليل الفقهي الذي ليس على أصل محقق محفوظ، وكأنه تعليل متكلف، مثل بعض تعليلات الفقهاء المتأخرين -ولا أقول جميع تعليلات الفقهاء المتأخرين- لكن أحياناً نجد أنهم يحرمون أو يغلقون بتعليل، وهذا التعليل ليس على أصل محقق حتى عند إمام المذهب، فإذا لم يجد ذلك الفقيه دليلاً لفظياً على حسب مصطلح الدليل اللفظي الذي ذكرناه، وليس هو من أهل فقه الاستقراء، فأحياناً يحرم أو يغلق بالتعليل.
وأنبه هنا إلى أن الإشكال ربما يتضح أكثر إذا كان هذا الفقيه يريد أن يستدل بقول إمام نقل قوله ولم ينقل دليله، فربما تكلف في الدليل له فجعل مبنى الحجة في قول الإمام تعليلاً، مع أن هذا التعليل قابل للإسقاط.
وربما احتجوا بحديث ضعيف عند الإمام نفسه، أو بحديث بين الترك عند المحدثين، فمن ينظر في هذا الحديث أو تلك العلة يقول: إن مذهب الإمام أحمد والإمام الشافعي ضعيف؛ لأنه بني على حديث ضعيف أو على علة لا تقبل الاحتجاج، مع أنه من المعلوم أنه ليس كل ما قاله أحمد ذكر له دليلاً، فإن أقواله المنقولة أكثر من الأقوال التي نص فيها على الدليل، فضلاً عما خرج عن مذهبه إذا دخلنا في مصطلح المذهب الاصطلاحي.
إذاً: هذا التجوز في إثبات التكليف بالتعليل الفقهي يعرض إما في بعض الأقوال، أو في الاستدلال لقول الإمام، وهذا حال كثير من الفقهاء المتمذهبين، وهذا المنهج ليس منهجاً حكيماً وليس صواباً.
المقام الثاني: الإسقاط للتكليف باستصحاب أصل، فإن كان في العبادات قالوا: الأصل براءة الذمة، فلا يكلف الإنسان بوجوب واستحباب، وإن كان في المعاملات قالوا: الأصل الحل، وهذه الطريقة يميل إليها بعض أصحاب الحديث المتأخرين حين لا يجدون الدليل اللفظي، وليسوا من أهل فقه الاستقراء، فيصيرون إلى الإبراء خلافاً لبعض المتمذهبين من الفقهاء، وكيف يصيرون إلى الإبراء؟ كما إن أولئك يصيرون إلى التكليف بالتعليل القاصر، فهؤلاء يصيرون إلى الإبراء باستصحاب أصل، فإن كان المورد العبادات قيل: الأصل براءة الذمة.
ومن الأمثلة التي يمثل بها في نظر البعض: قول بعضهم: إن من ترك واجباً في الحج فليس عليه شيء؛ بل يتوب ويستغفر، فإن قيل له: لماذا؟ قال: الدليل عدم الدليل، فإن قيل له: فأثر ابن عباس: (من ترك نسكاً فليهرق دماً)؟ قال: هذا قول صحابي، وهو مما يمكن أن يقال بالرأي والقياس، وربما قال بعضهم: إن الصحابة قد اختلفوا، فقد سئل عمر بن الخطاب عمن ترك المبيت في مزدلفة فقال: (يمضي)، وهذا يدل على أن الصحابة لم يتفقوا على أن الواجب فيه دم.
وأقول: إن هذه طريقة ناقصة؛ لأنه ثبت أن عمر يذهب إلى أن المبيت بمزدلفة واجب، فربما أن هذا لا يراه واجباً وغيره يراه واجباً، والخلاف ليس على الأشياء المعينة في الحج، إنما الخلاف على الأصل، فإنه من المعلوم أن الفقهاء بل والصحابة اختلفوا في تعيين الواجبات، وإنما إذا تحقق أن هذا واجب فلم ينضبط عن الصحابة أو الأئمة التصريح بأنه لا شيء عليه.
والذي أقصده بهذا المثال هنا أن قول من يقول: من ترك واجباً فلا شيء عليه؛ لأن الأصل براءة الذمة، فما دام أنه ليس هناك دليل لفظي مبين من السنة فالأصل براءة الذمة، وإذا كانت معاملات قيل: ليس هناك دليل بين هنا فالأصل الحل في المعاملات ..
وهكذا، هذا المنهج أيضاًَ ليس منهجاً حكيماً مستتماً، وكما أسلفت أنه يعرض لبعض من أراد ترك المذاهب والاختصاص بالسنن والحديث، والعناية بالسنن والحديث وجه فاضل، لكن هذه التطبيقات تتأخر عن مطابقة منهج المتقدمين.
стр. 88
العناية بالدليل اللفظي ودليل الاستقراء
ومن هنا فالذي نوصي به طلاب العلم هو العناية بالدليل اللفظي من حيث التحصيل، وهذا يقع بتتبع السنن والآثار، ومن حيث الفقه، وهذا يأتي من العناية بمجموع المدارك الخمسة، أما العناية بالدليل اللفظي من حيث التحصيل إثباتاً دون فقه التحصيل لحكمه وهو مجموع المدارك الخمسة؛ فإن هذه حال قاصرة.
وكذلك مما ينبه إليه: العناية بدليل الاستقراء، ومن أكثر الأئمة عناية بدليل الاستقراء الإمام الشافعي ﵀، فمن يقرأ في كتبه ككتاب الرسالة، أو في تطبيقاته في كتاب الأم بخاصة كتطبيقات على الفروع؛ يجد التحقق البين، وعناية الشافعي بالدليل اللفظي، ثم عنايته بطريقة التفسير، التفسير له بالمدارك، حتى إنه يصرح بذلك فيقول: وإنا إذا استقرأنا لسان العرب فإن العرب إذا قالت كذا وكذا فالمقصود كذا وكذا .. ، ويقول: من مقصد الشارع كذا، وجاءت أصول الشريعة بكذا ..
وإنما ذكرت الشافعي ليس لاختصاصه عن مالك وأحمد وغيرهم؛ وإنما لأن الشافعي كتب كتابة بينة مفصلة في هذا، فتكون المشاهدة بينة أو ممكنة، فيتبين لك كيف كان الشافعي وأمثاله من المتقدمين يفقهون ذلك من حيث التطبيق، أما من حيث دليل الاستقراء فهذا أيضاً بين في طريقة حكم الأئمة على المسائل.
ولذلك ذكرنا سابقاً أنهم ربما تركوا العمل بظاهر حديث لاستقراء عندهم، وربما أخذوا ببعض الأصول أو أخذوا ببعض الحديث الفرد في مقام وتركوه في مقام آخر، هذا لكونه وافق الأصل فأخذوا به، وهذا لكونه عارض الأصل وليس إسناده بيناً فتركوه ..
وهكذا.
стр. 89
شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [٩]
الترجيح هو تقديم المحتمل الأقوى في نظر المستدل، وإنما يصار إليه إذا كان في المسألة خلاف معتبر، أما إذا كان الخلاف شاذاً، أو مخالفاً لإجماع العلماء ونحو ذلك، فإنه لا يصار هنا إلى الترجيح؛ لأن القول الشاذ لا عبرة به ولا التفات إليه.
стр. 90
الترجيح
قال المصنف ﵀:
[وبهذا الدليل رجح عامة العلماء الدليل الحاضر على الدليل المبيح، وسلك كثير من الفقهاء دليل الاحتياط في كثير من الأحكام بناءً على هذا، وأما الاحتياط في الفعل فكالمجمع على حسنه بين العقلاء في الجملة، فإذا كان خوفه من الخطأ بنفي اعتقاد الوعيد مقابلاً لخوفه من الخطأ في عدم اعتقاد هذا، بقي الدليل الموجب لاعتقاده والنجاة الحاصلة في اعتقاده دليلين سالمين عن المعارض].
يشير المصنف ﵀ في هذا السياق من كلامه مع كلام سبق ولحق في تقريره إلى مسألة الترجيح، وهذه هي المسألة التي سنتكلم عنها الآن، ولقد أشار المصنف في هذا السياق إلى شيء من مناط الترجيح عند كثير من أهل العلم، وإذا تكلمت عن هذا المعنى من فقه الخلاف أو فقه الفقه -إن صح التعبير- فإن مسألة الترجيح يمكن أن يقال إن القول فيها يقع في أربع جهات:
الجهة الأولى: ماهية الترجيح.
الجهة الثانية: محل الترجيح.
الجهة الثالثة: لغة الترجيح.
الجهة الرابعة: مناطات الترجيح.
стр. 91
ماهية الترجيح
الجهة الأولى: ماهية الترجيح:
إن ماهية الترجيح -أي حقيقة الترجيح- هي: تقديم المحتمل الأقوى في النظر، أي: في نظر المستدل، ويقابل الراجح: المرجوح، وحينما يقال: إنه تقديم للمحتمل الأقوى، أو تقديم للظني الأقوى؛ فإنه من المعلوم أنه في نفس الأمر عند عامة أهل النظر والفقه - بل حكي الإجماع عليه عند السلف -أن حكم الله في المسألة واحد، هذا أصل معروف عند السلف، ومع ذلك فإن الفقهاء إذا تردد قولهم على أكثر من قول فإن هذا الاحتمال يتعلق بهذه الجهة، لا بجهة الحكم في نفس الأمر، فإن الحكم في نفس الأمر واحد.
وهل هذه الدرجة من الاحتمال تجعل عمل الناظر بالقول الذي رجحه ليس عزماً في التدين؟
الجواب: لا؛ بل يعزم بالفعل عند تدينه لله ؛ ولذلك فإن من يذهب إلى فعل من الأفعال فإنه يعزم به، ومن لا يذهب إلى هذا الفعل من الفقهاء فإنه لا يعزم به، فعند الفعل - أي: التعبد لله بالعمل - فإن المستدل هنا يعزم بفعله، لكن إذا تعلق الأمر بجهة القطع بقوله دون قول غيره من أهل العلم، فإن هذا لا يحصل فيه عزم.
ولهذا فإن الماهية تتجاذبها بعض الترددات، فالماهية التي نتكلم عنها هنا هي الترجيح بين أقوال المختلفين، ولسنا نتكلم عن ماهية الحكم في نفس الأمر، ومن هنا قيل: إن ماهية الترجيح تقديم الأقوى، وإلا فإن الحكم في نفس الأمر واحد، وحتى من جهة الفعل، فإن المكلفين يعزمون بفعلهم الذي رأوا أنه الظاهر بحسب اختلاف أئمتهم ونحو ذلك.
وقولنا: الترجيح، أفصح من قولنا الراجح؛ لأن الترجيح هو فعل المفاضلة بين الأقوال المختلفة، فماهية الترجيح: هي تقديم الأقوى في النظر، أي: في النظر الشرعي بمجموع الأدلة، والذي يقابل الراجح هو المرجوح فالمقدم هو الراجح ويقابله المرجوح، وقولنا: إنه تقديم للأقوى، لا ينافي أن حكم الله في المسألة واحد، ولا ينافي أن المكلف يعزم بالفعل، بل يعزم به؛ لأنه قد اختاره وذهب إليه.
стр. 92
محل الترجيح
الجهة الثانية: محل الترجيح:
وهذه الجهة تفسر لماذا قيل في ماهيته: إنه تقديم الأقوى، فإن محل الترجيح هو الخلاف المعتبر، فخرج بقولنا: (الخلاف المعتبر) ما ليس معتبراً؛ كمخالفة الإجماع، فهذا لا يعد خلافاً معتبراً لو خالف به مخالف، وخرج بذلك أيضاً الخلاف الشاذ، فإذا خالف مخالف الإجماع لسبب طرأ عنده؛ إما لأنه لم يعرف الإجماع، أو لأنه لم يبلغه، أو ما إلى ذلك، فهذا لا يقال فيه: الترجيح بين الإجماع وبين قول فلان، وكذلك إذا كان الخلاف ليس خلافاً للإجماع ولكنه خلاف للعامة من أهل العلم، بمعنى: أن رتبة القول المتروك تسمى شاذة.
فالقول الشاذ ليس داخلاً في باب الترجيح، صحيح أنه يقدم القول الذي عليه العامة من أهل العلم، لكن كلمة الترجيح تعني راجحاً ومرجوحاً، تعني وجود أكثر من محتمل، أما في باب الخلاف الشاذ الذي تقدمت الإشارة إلى مفهومه، فإن الخلاف الشاذ ينبغي أن يكون من باب المتروك، وهو ما خالف ظواهر الأدلة والعامة من الأئمة، فما اجتمع فيه هذان الأمران: أنه مخالف للعامة من الأئمة، ومخالف في نفس الوقت لظواهر النصوص، فهذا يسمى: الخلاف الشاذ وهذا ليس محلاً للترجيح؛ لأن ما خالف الإجماع محله الإبطال، وما خالف العامة -وهو الشاذ- فمحله الترك والهجر، ولا يوازن في مسائل الترجيح، ولا ينبغي الاشتغال بموازنته في مسائل الترجيح.
ومن هنا يكون الترجيح متعلقاً بالخلاف المعتبر، وهذا هو الذي يصطلح عليه بكلمة الترجيح، ولما كان محله الخلاف المعتبر صار مناسباً أن يقال في ماهيته: إنه تقديم الأقوى.
стр. 93
لغة الترجيح
الجهة الثالثة: لغة الترجيح
ليس للترجيح مصطلح معين يلزم في التعبير، فإن هذا باب يختلف الناس فيه، ولا مشاحة في التعبير والاصطلاح الصحيح، ولكن يقال تستعمل في الترجيح لغة تحفظ مقام الأدب مع الأئمة والضبط في المسألة، كقولك مثلاً: الراجح هو مذهب الشافعي، فأنت قد حفظت الأدب مع مخالف الشافعي كـ مالك مثلاً، وأيضاً حفظت الضبط في المسألة، فما جعلت المسألة مسألة يقينية في حقيقتها؛ بل جعلت للمخالف اعتباراً ولمخالفته كذلك، فينبغي أن لا تخرج المسألة عن كونها مسألة فيها تردد عند الفقهاء إلى مسألة فيها يقين وجزم، وما إلى ذلك.
ومن الكلمات التي ينبغي أن يعبر بها في الترجيح: أن يقال: الراجح، والأرجح، والأظهر، والأقرب، والأقوى، والأصح، ونحوها، وتدرأ لغة الترجيح عن طرد الاستعمال - ونقول: طرد الاستعمال حتى يكون هذا منهجاً في لغة الترجيح، فإن الطرد معناه التتابع - وتدرأ عن طرد الاستعمال لكلمات تنافي مقام الأدب مع الأئمة، أو تنافي الضبط للمسألة.
وتدرأ لغته أيضاً عن طرد الاستعمال لكلمات تنافي ذلك، إما بوصف الراجح عند الناظر بأنه هو الصواب المقطوع به، أو بوصف المرجوح بأنه خطأ مقطوع به - وهذا بعد أن اتفقنا على أن محل الترجيح هو الخلاف المعتبر - كقول بعضهم إذا رجح قولاً بعد أن يذكر الخلاف: وهذا هو الصواب المقطوع به، أو يقول: وفصل الخطاب في هذه المسألة كذا، فهذه لغة عزم، فإن فصل الخطاب هو الحكم الصريح القاطع، ولذلك إنما جاء ذكره في القرآن على مثل هذا المعنى.
ومن ذلك أن يقال عما يرجَّح: وهذا هو السنة السلفية، فيفهم من ذلك أن ما قابله ليس سنةً سلفية، مع أنه قد يكون قولاً للشافعي أو لـ مالك؛ بل ربما كان قولاً للجمهور، وقد يكون القول الذي وصف بأنه السنة السلفية قال به البعض كالظاهرية مثلاً، بخلاف قول الأئمة الأربعة فإنه لا يوصف بذلك، وهذا فيه إشكال؛ لأن هؤلاء من أئمة السلف، فهذه الأوصاف ينبغي أن تدرأ عن لغة الترجيح، ولا سيما باعتبار الطرد.
ويدخل في هذا أيضاً وصف المقابل - الذي هو المرجوح - بألفاظ تدل على بطلانه، كقول الناظر عن القول المرجوح في الخلاف المعتبر: وهذا القول بدعة، أو محدث، أو لا أصل له، أو لا دليل عليه، مع أنه قد يكون قولاً لأئمة، وعليه ظواهر من نصوص ودلائل معتبرة ونحو ذلك، وهذه الكلمات يستعملها بعض طلاب العلم أحياناً في غير موردها، وكما أسلفت أنها قد تقال عن أقوال معروفة للجماهير من الأئمة فيقال: وهذا القول لا دليل عليه، وهذا ممتنع شرعاً وعقلاً: أن يتضافر الجماهير من أئمة الأمصار على قول ويكون هذا القول ليس عليه دليل.
ولذلك من قل فقهه بأقوال الفقهاء، وقل فقهه بمفهوم الدليل، نجد أنه ينغلق عليه الأمر فيقول: إن هناك أقوالاً ليس عليها أدلة، وهذا يصاب به من قل فقهه لمفهوم الدليل، ولاسيما من يقصر وجه الدليل على الدليل اللفظي، ولا يكون له فقه في دليل الاستقراء المعروف عند المتقدمين.
وإنما قلنا: ويدرأ عن طرد الاستعمال فاستعملنا كلمة (طرد) لأنك إذا نظرت في كلام المتقدمين من الأئمة كـ مالك وأحمد وغيرهم - وهذه قد يحتج بها البعض أحياناً - تجد أنهم قد يعبرون فيما هو من الخلاف المعتبر عن القول الآخر بعبارة أو بكلمة تأتي على مثل ذلك، كقول الإمام أحمد في بعض مسائله عن بعض الآراء التي انضبط أنها لأئمة: إن هذا القول محدث، كما سئل مثلاً عن مسألة القنوت في الفجر فقال: إن المحافظة على القنوت في صلاة الفجر أمر محدث.
وكذلك يقول الإمام مالك عن صيام الست من شوال: إنه محدث، فأحياناً نجد أن بعض الأئمة قد يستعملون ذلك في بعض المسائل فيأخذونها بقدر من العزم والقوة، فهل هذا منهج مطرد عندهم؟ هذه روايات موجودة ولا جدال فيها، لكن الذي نبحثه الآن هو فقه هذا الاستعمال.
وهنا أحد فرضين: هل هذا يقع تحت أن كل ما رجحه الإمام وظهر له أنه هو الأقرب من الأدلة فيجعل ما خالفه من أقوال الأئمة التي بلغته عنهم على هذا الوصف؟
الجواب: قطعاً هذا ليس موجوداً، ولذلك نجد في جمهور الأقوال عند أحمد أو مالك أو غيرهم أنهم لا يغلقون هذا الإغلاق ويستعملون هذا التعبير، فهم -إذاً- يستعملونه في آحاد من المسائل قد يوافقهم عليها غيرهم من الأئمة، وقد يخالفونهم، كقول مالك مثلاً عن صيام الست من شوال: إنه محدث، فهل هذا مما يرجح قوله فيه؟ الجواب: لا؛ لأن الحديث الدال على استحباب صيام الست من شوال جاء في الصحيح، والجمهور على استحبابه.
إذاً: يقال هنا: إنما كان كثير من الأئمة المتقدمين في بعض المسائل الفقهية المعتبرة في الخلاف يغلقون القول بمثل هذه الكلمات أحياناً لقصد حماية جناب السنة؛ لأن البدع عند ذلك تظهر، ولذلك إذا استقرأنا هذه الأمثلة نجد أنها تأتي على هذا الوجه، فلما كان الإمام مالك ﵀ يريد إغلاق باب مجانبة الهدي النبوي، والهدي المحفوظ المأثور، وبدأت البدع تظهر، صار يغلق كل ما لم ينضبط عنده عن الأئمة القول به، مع أننا إذا رجعنا إلى مصر من الأمصار وجدنا أنهم يعرفون هذا القول الذي أغلقه مالك، ولذلك إذا قرأنا تمام قوله في مسألة صيام الست من شوال نجد أن من كلامه في الموطأ: أدركنا أهل العلم لا يعرفونه.
فهو لم يغلق لتقوية رأيه على رأي غيره من نظرائه، إنما يغلق لقصد حفظ الهدي النبوي، وكذلك الإمام أحمد وغيرهم من الأئمة.
والخلاصة: أن ما نقل عن الأئمة من الإغلاق فيما هو عند التبين من الخلاف المعتبر، أي: باستقراء أقوال أئمة الأمصار، فهذا ليس مقصودهم فيه الانتصار المحض لآحاد أقوالهم بهذه اللغة التي تغلق الخلاف أحياناً، وإنما مقصودهم حماية جناب الهدي والسنة النبوية، وهذا باب من حيث الأصل متفق على قصده، أما من حيث آحاد المسائل المنقولة عن مالك أو عن أحمد أو عن غيرهم، فهذه مسائل مترددة، فـ مالك لما أغلق هذه المسألة وجعل القول بها قولاً محدثاً، لا يلزم أن يكون هذا هو الذي يقال به في هذه المسألة؛ لأنه إذا نظرنا فيما خالف قول الإمام مالك وجدنا أنه قول عليه الجماهير من الأئمة.
إذاً: مقصودهم هنا أصل شريف، وهو من مناطات فقههم واجتهادهم، ومن هنا يكون العذر من كلام الأئمة بيناً، وإن كان هذا لا يفهم منه أن هذه هي لغة الترجيح عندهم فيما اشتهر من الخلاف.
فهنا أحد فرضين: إما أنهم يتكلمون بهذا المصطلح لأنه لغة الترجيح عندهم لأقوالهم فيما يعرفونه من مشهور الخلاف، وهذا ليس بصحيح وغير مطرد في جمهور كلامهم، وإما أنهم في أمثلة معينة رأوا أن خلاف المخالف من مخالفة بيّن السنة؛ إما لأن الأقوال لم تبلغهم، أو لأسباب أخرى، فمثلاً: الإمام أحمد في مسألة القنوت في صلاة الفجر لما رأى كثرة من يقول به - وهذا المقام يصلح لمثل الإمام أحمد، لعلو منزلته في الإمامة والاجتهاد وسعة العلم بالآثار - ورأى أنه لا أصل له في الآثار النبوية؛ أوصله إلى هذه الرتبة.
وهذه المسألة لها مثالات لكن ليست منهجاً يطبق فيما هو من مشهور الخلاف، فنجد أن الإمام أحمد تارةً يقول: يا بني! هذا محدث، وتارةً يقول: لا أعرفه، فيتجاهل القول أحياناً، وهذا نوع من الفقه في حماية جناب السنة والهدي، أو ترك الأقوال التي قد يرى البعض أنها شاذة ويرى البعض الآخر أنها من باب الخلاف المحفوظ؛ لأن الأقوال إذ ذاك كانت تبلغ البعض ولا تبلغ البعض الآخر أحياناً.
وعليه: فلا ينبغي لمتأخر ومعاصر أن يستعمل في ترجيحه في الخلاف المعتبر لغة: أن المرجوح بدعة، أو لا أصل له، أو لا دليل عليه، ويقول: إن حجته في ذلك أن من الأئمة من استعمل ذلك، فينبغي أن يفقه استعمالهم، ومن وصل إلى رتبة عالية في الاجتهاد فله أن يستعمل ما استعمله الأئمة المتقدمون على منهجهم وطريقتهم وفقههم، أما أن يكون ذلك منهجاً مطرداً كلغة، وكأن الإنسان لا ترضى نفسه بترجيحه إلا أن يرمي القول الآخر المعروف المعتبر بكلمة توهنه عند سامعيه، فيقول: وأما القول الآخر فلا دليل عليه؛ فإن هذا من تضييق الفقه، وتضييق المدارك، وتضييق العقل.
стр. 94
مناطات الترجيح
الجهة الرابعة: مناطات الترجيح:
إن أوجه الترجيح التي ذكرها أهل الأصول والقواعد أوجه كثيرة، وبعضها يكون على باب التفصيل، وكأن المصنف ﵀ أشار هنا إلى بعض المناطات، ولذلك قال: (وبهذا الدليل رجح عامة العلماء الدليل الحاضر على الدليل المبيح)، وهذه مناطات بعضها كلي وبعضها تفصيلي، وليس المقصود هنا هو الاستقراء التفصيلي لما قاله أهل الأصول والقواعد فيما حصلوه من مناطات الترجيح، إنما سيكون الكلام على سبيل فقه المنهج للمناطات، فلسنا هنا نطرح جمعاً لهذه المناطات من كتب أهل العلم، سنذكر أمثلةً، لكن المهم من ذكر الأمثلة التي قد تكون غير منتظمة أحياناً هو الكلام على منهج فقه المناطات، وهل يرجح بالمناط الواحد أم لا؟ ونحو ذلك.
فهنا مجموعة من المناطات نجد أنها تدور في ذهنية المرجح في هذا العصر وقبل هذا العصر، وهل هذه المناطات التي سنذكرها من الصواب أو من الغلط؟ ليس بالضرورة أن يكون هذا أو ذاك.
стр. 95
الترجيح بالأحوط
من مناطات الترجيح: الترجيح بالأحوط، وهذه الطريقة كانت لبعض الفقهاء، وقد ذكر ابن تيمية ﵀ عليها تعليقاًَ حسناً، وقال: إن هذا ليس من الأصول التي يصح طردها، فنجد أن البعض في الخلاف يرجح بالأحوط، مع أن الأحوط في كثير من الموارد أو في أكثرها يكون هو الأشد.
فمثلاً: إذا سألته امرأة - ومناطات الترجيح تؤكد على من هو محل الفقيه الذي يفتي الناس في أبواب ومسائل الفقه - فإذا سألته امرأة عن زكاة الحلي، وأن عندها حلياً فهل تزكيه أو لا تزكيه؟ ثم تذكر أن زوجها مثلاً - وهكذا تأتي أسئلة العامة - يقول: لا تزكي، ولا يمكنها من الزكاة، وإذا أرادت أن تزكي فليس عندها مال، فتضطر إلى أن تبيع بعض هذا الذهب برخص فتنزل قيمته
إلخ، ولسنا بهذا نريد أن نقول: إن من كانت صورته كذلك فإنه لا يزكي؛ فإن الزكاة حكم شرعي، لكن الذي أقصده أن كثيراً من حالات العامة تحتف بهذه الأمور، فإذا كان المجيب يرجح أن حلي النساء المستعمل فيه زكاة، فقال: يجب عليك أن تؤدي الزكاة؛ فهذه إجابة صحيحة، وهذا منطق لا إشكال عليه، لكن أحياناً لا يكون عنده وضوح في المسألة، وربما أنه قد يميل إلى قول الجمهور، لكن يقول: من طريقتي أنني إذا سئلت عن زكاة الحلي فأقول: زكي، فإن كان عليكِ زكاة فقد أديتِ الزكاة، وإن لم يكن عليكِ زكاة فهي صدقة في هذا اليوم المبارك أو في هذا الشهر المبارك.
فالترجيح بمثل هذه الطريقة فيه تضييق على الناس، وإذا كان الإنسان هنا لم يستتم له فقه فهو مخير بين أحد أمرين: إما أن يحكي الخلاف باختصار، فيقول: قال بعض العلماء: إن فيه زكاة، وقال بعض العلماء: إنه ليس فيه زكاة، وإما أن يتوقف عن الجواب.
وقد يقول قائل: ألم يكن بعض الفقهاء يذكرون الأحوط؟ فيقال: كثير من العوام لا يعرف الفرق بين قولك: الصحيح، وبين قولك: الأحوط، بل هو يفهم في الأخير أنك أمرته بالزكاة، ولذلك لو قيل لهذا العامي أو لهذه المرأة: هل تزكين؟ لقالت: نعم، ولو قيل لها: هل ذلك لازم بإجماع العلماء؟ لقالت: لا أدري عن هذا الموضوع، المهم أنهم يقولون: إن فيه زكاة، وهذا الحكم هو الذي يريده العامي أن تقوله له، وعليه فلابد أن يكون هذا على محل المراعاة.
وهل معنى هذا أن الترجيح بالأحوط دائماً يكون متروكاً؟
الجواب: لا؛ بل ربما استعمل ذلك في مسائل ليس فيها مشقة على الناس أحياناً، فيكون أضبط لدينهم أو لحرماتهم ونحو ذلك، وكذلك الترجيح بالأحوط في حق النفس، فهذا أيضاً باب لا بأس أن الإنسان يستعمله مع نفسه فيأخذ هو بالأحوط، لكن أن يكون منهجه أن يدين الناس بقصد الأحوط من الأقوال، وليس بقصد الأقوى والأظهر في السنة، فهذا منهج ليس حكيماً.
стр. 96
الترجيح بالأكثر
أي: بما عليه جمهور الأئمة الأربعة، أو بما عليه الجمهور من أئمة السلف، أو بما عليه أكثر أهل العلم، كما قد يذكره الترمذي أحياناً أن أكثر أهل العلم على تلك المسألة، فهذه جهة حسنة ولكنها لا تستقل وحدها بالترجيح، بمعنى أن استصحابها في الترجيح استصحاب حسن، ولكنها لا تستقل وحدها بالترجيح، فمن رأى في ترجيحه أن هذا القول عليه الجماهير من الأئمة، ولم يجعل ذلك هو الموجب المستقل بالترجيح، فهذا استصحاب حسن، والعناية بأقوال الجماهير عناية حسنة إذا أخذت بفقه.
إذاً: استصحاب هذا المناط استصحاب حسن، وإن كان لا يستقل وحده بالترجيح كمنهج، أما في بعض آحاد المسائل مثل بعض الناظرين إذا انغلق عليه الخلاف في مسألة فجعل منهجه أنه يذهب إلى قول الجمهور، فهذا أمر سائغ، حتى ولو اختص الأكثر بهذه الجهة، أي: جعل المرجح عنده قول الأكثر، أما إذا كان على طريقة المنهج فيستصحب هذا ولكنه لا يستقل وحده.
стр. 97
الترجيح بما عليه العمل
وهذا من الفقه الذي يذكره بعض المتقدمين، كأن يقول الترمذي مثلاً: وهذا عليه العمل عند أكثر أهل العلم، أو ينقل أن أكثر الصحابة كانوا يعملون كذا، ومن الأمثلة على ذلك - مع أن الأمثلة قد تكون قابلة للمراجعات -: المسح على الجوارب - أي: الشراب - فليس فيه نص صحيح من السنة، وإن كان قد ورد فيه حديث لكنه لا يصح، لكن الإمام أحمد يذهب إلى جواز المسح على الجوارب، مع أن المسح على الخفين قد أجمع الفقهاء عليه، ودليله يعتبر من الدليل المتواتر، فباب المسح على الخفين ليس فيه جدال، إنما المقصود هنا هو المسح على الجوربين، فمذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي أنه لا يمسح على الجوارب، وهذه المسألة تعتبر من فرائد مذهب الإمام أحمد، فالإمام أحمد لما رأى جواز المسح على الجوارب وسئل عن ذلك قال: قد جاء ذلك عن تسعةٍ من أصحاب النبي ﷺ ، فهو قد عامل المسح على الجوارب بأنه عمل بعض الصحابة، فلما ورد عن تسعة من الصحابة أوصله الإمام أحمد إلى رتبة الأخذ به والاعتبار، فقواه بجهة العمل.
وكذلك مسألة زكاة الحلي، فالإمام أحمد ومالك والشافعي يذهبون إلى أن حلي النساء المستعمل لا زكاة فيه، وإنما قال بوجوب الزكاة فيه الإمام أبو حنيفة ﵀، ولما سئل الإمام أحمد عن ذلك قال: ورد عن خمسة من الصحابة أنه لا زكاة فيه.
ومن منهج الإمام أحمد وكثير من المتقدمين أنهم يلاحظون جهات أقوى في الاعتبار، فإن من هؤلاء الخمسة عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو راوي أقوى حديث في الباب، وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن امرأة يمانية أتت النبي ﷺ ومعها ابنتها وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب ...) الحديث، ولما كان عبد الله بن عمرو يفتي بأن حلي النساء لا زكاة فيه؛ فإن هذا إشارة إلى الطعن في صحة الحديث.
وهناك قاعدة ذكرها كثير من المتأخرين وهي: إذا تعارض رأي الراوي مع روايته، فالجمهور على أنه تقدم روايته على رأيه.
وهذه القاعدة كقاعدة منضبطة ليست على هذا الإطلاق، بل هناك أمثلة كثيرة عند المتقدمين ليست من باب أنهم يقدمون رأي عبد الله بن عمرو على ما صح من روايته، ونحن إذا بنينا على هذا النظام فبدهي أن ما صح إلى النبي ﵊ هو المقدم، لكنهم يجعلون هذا من باب الإعلال أحياناً وليس دائماً، فإذا انضبط للراوي رأي يخالف صريح ما روى، فلا بد أن ينظر في صحة روايته، فهذه القاعدة على هذا الإطلاق هي من تبسيط الحقائق، وقد تكلم فيها فقهاء قد لا يكون لهم سعة علم بالعلل المعروفة عند المحدثين.
ومن الأمثلة على ذلك: لما سئل الإمام أحمد عن الحائض - وقد سبق المثال -: أتصلي الظهر إن طهرت وقت العصر؟ فقال عامة التابعين على هذا القول، فهنا اعتبر عمل عامة التابعين، وجعله مرجحاً لما يقول به.
وهناك أمثلة كثيرة على هذا المناط -وهو الترجيح بما عليه العمل- ليس هذا موضع بسطها.
ومما ينبه إليه: أن هذه المناطات تتداخل فيما بينها، فهناك تداخل بين هذا المناط - وهو الترجيح بما عليه العمل - وبين المناط السابق، وهو الترجيح بالأكثر.
стр. 98
الترجيح بالأظهر في السنة
فيرجح قول من الأقوال لأنه هو الأظهر في نصوص السنة وإن خالف الجماهير، فمثلاً: الإمام أحمد ﵀ ظهر له في حكم صلاة الجماعة أن ظاهر نصوص النبي ﷺ وظاهر السنة العزم في صلاة الجماعة، فجعل صلاة الجماعة فرض عين، وهذا أمر تختلف فيه مدارك الناظرين، فتكون عنايته بالترجيح بالسنة وإن خالف الأكثر عنده أو خالف الأحوط أو غير ذلك، وهذه جهة فاضلة لمن كان أهلاً لها، وإلا فهي من الأصول المعتبرة كما هو معلوم.
стр. 99
الترجيح باستصحاب أصل أو قاعدة
إنما يصار إلى الترجيح باستصحاب قاعدة حينما لا يكون في المسألة ما هو من الدليل اللفظي البين، فحينئذ يرجح باستصحاب قاعدة، وهنا النفس والبيئة وبعض المعطيات قد تؤثر في اختيار القواعد؛ لأن بعض القواعد أحياناً تكون مؤثرة في إغلاق المسألة، وبعض القواعد تؤثر في التوسعة في المسألة.
فمثلاً: استصحاب قاعدة (سد الذرائع) فحينما لا يكون هناك دليل بين من الأدلة اللفظية نجد أن الإمام أو الفقيه قد يذهب إلى قول ويقول: سداً للذريعة، وإذا سئل عن شيء هل يجوز أم لا يجوز؟ قال: لا يجوز سداً للذريعة.
كذلك استصحاب قاعدة (المشقة تجلب التيسير)، أو قاعدة (الأصل الجواز)، فهذا يجيز بحجة أن الأصل الجواز، والآخر يمنع بحجة سد الذريعة، فليس عنده نص بين ليمنع به ولكنه منع بقاعدة سد الذريعة، والآخر أجاز بحجة أن الأصل الجواز أو براءة الذمة، أو ما إلى ذلك.
ومن الأمثلة على ذلك: مسألة الأسهم، نجد أن بعض طلاب العلم إذا سئل عن حكم الأسهم يقول: ليس فيها خير ولا فائدة، فهي إما محرمة أو مشتبهة، وسداً لذريعة الربا أمنع الأسهم، مع أن المنع بهذا النظام ليس تطبيقاً حكيماً لقاعدة سد الذرائع، نعم ..
هي قاعدة صحيحة، لكن الخطأ هو في تطبيقها.
كذلك قد يُسأل البعض عن كثير من الأسهم والمعاملات فيقول: افعل ولا حرج، ولا بأس بذلك، لأن هذه معاملات، وما دام أنه ليس هناك شيء صريح واضح عندي الآن فالأصل في المعاملات الحل.
والإشكال هو أنه لم يتصور المسألة تصوراً صحيحاً، فالوسطية هنا في تطبيق هذه القواعد هي المقصودة.
وليس المقصود من هذا أن تلغى قاعدة سد الذرائع أو استصحاب الأصول، بل الفقيه هو من يستعمل هذا وهذا.
ومما يدل على عدم حسن الفقه في تطبيق هذه الأصول والقواعد: اطراد بعض الفقهاء أو طلاب العلم على تطبيق قاعدة واحدة وترك القواعد الأخرى، فبعض الناس دائماً عنده سد الذرائع، أما قاعدة الأصل الإباحة، أو المشقة تجلب التيسير ..
ونحوها، فلا يلتفت إليها، وبالمقابل من تميل نفسه إلى التيسير - مع أن كلمة (التيسير) في أصلها كلمة شرعية، لكن قد تستعمل كاصطلاح بما هو مخالف أحياناً لحقيقتها الشرعية - فتجد أنه ربما قلَّّل من شأن تلك القواعد أحياناً بحرف أو بآخر.
إذاً: الترجيح باستصحاب أصل أو قاعدة من حيث الأصل مناط للترجيح، لكنه يحتاج إلى فقه، وإلى ضبط وتوسط، ومعرفة متى تطبق هذه القاعدة أو تلك، فقاعدة سد الذرائع تطبق في مسائل لها قدرها، كالمسائل المتعلقة بتوحيد العبادة، مثل شد الرحال لزيارة قبور الأولياء، أو زيارة قبور الأعيان، فهذا يبين أن هذا لا أصل له، فإذا تعلق الأمر بجناب التوحيد فإن هذه القاعدة تكون من أخص القواعد في التطبيق، وأما في مسائل أخرى مبناها عند الشارع على التوسعة والتخفيف فلا تمنع بحجة سد الذرائع.
стр. 100
الترجيح بآحاد الأعيان
وهذا يقع فيه في أكثر الأحيان المبتدئ من طلاب العلم، وهو أن يرجح بقول شيخه، إما شيخه المعاصر، أو من أشاد به شيخه المعاصر، فتنطبع في ذهنه أسماء معينة، وفي الغالب أنها أسماء متأخرة، وكأن الترجيح يكون بآحاد الأعيان.
وهذا -في الجملة- ليس من المناطات المعتبرة، وليس هو من المناطات الشريفة، وينبغي أن لا يعود الناس عليه، وإنما إذا اعتبر شأن الأعيان فإنه يعتبر بقول الأكثر من الأئمة، كأن يقدم قول الأكثر من الأئمة، فهذا معتبر حسن إذا انضبط، وأما آحاد الأعيان فينبغي أن لا يرسم كمنهج، بمعنى أن يلتزم ويصبح له وجه من التعصب، فالمبالغة في الانتصار لأقوال آحاد الأعيان إذا وصلت إلى هذه الدرجة فليست من الحكمة الشرعية في شيء.
стр. 101
الترجيح بالملائم الخاص
المقصود بالملائم الخاص: الملائم لحال المستفتي، وفقه الملائمة فقه حسن، ولكنه فقه دقيق يقع فيه كثير من الغلط.
ومن أمثلة الملائم الخاص: طلاق السكران، ففي وقوع هذا الطلاق خلاف بين العلماء، فالبعض قد يقول: أنا أنظر في حال الزوجة، فإذا كان قد انضبط عنده قول، أي: ترجح عنده قول ترجحاً بيناً، فإن اعتباره بالملائم هنا ليس اعتباراً صحيحاً، بمعنى: إذا استقر عنده قول بالظهور من جهة الدليل، وتبين له ذلك تبيناً ظاهراً، فاعتباره هنا بجهة الملائم الخاص ليس صحيحاً؛ لأنه إذا كان قد استقر عنده وتبين له بظاهر الأدلة من السنة أن السكران يقع طلاقه أو أنه لا يقع طلاقه، فينبغي أن يكون إفتاؤه على هذا الوجه، وقد يسأل بعض الناس من الشخصيات الاجتماعية أحد العلماء عن طلاق السكران فيجيبه بأنه يقع طلاق السكران، أو بأنه لا يقع، مع أنه قد لا يكون من أهل العلم، وليس في ذهنه أن الطلاق يقع أو لا يقع، لكن كتطبيق اجتماعي يقول: نسأل الزوجة عن زوجها هذا الذي طلقها وهو سكران: كيف معاملته معهم؟ وهل هذه هي المرة الأولى التي سكر فيها أم لا؟ ونحو ذلك من الأسئلة، يقول: فإن رأينا حالهم تحتاج إلى أن نبقيهم أبقيناهم، وإن كانت الحالة تحتاج إلى أن تنفصل عنه أمضينا الطلاق.
وهذا التردد غير صحيح؛ لأن هذه المسألة تتعلق بمسألة حل المرأة لزوجها أو لا، فإذا كانت قد طلقت فتكون قد خرجت منه، وقد يكون الطلاق بائناً وقد يكون غير بائن، وأنت تعتقد شرعاً وديناً أنها لا تزال حلالاً له، وأن ذلك من باب المصلحة.
مع أن الطلاق لا تراعى فيه قضية المصلحة، فإذا رأيت أو بان لك أن طلاق السكران يقع - مع أن الأولى أن يكون مرجع مسائل الطلاق إلى القضاء - فإذا بان لفقيه أو لناظر أو لطالب علم له كعب في الفتوى مع الناس أن طلاق السكران يقع، فهنا لا يجوز له أن يصرح بفتوى خاصة على خلاف ما يعتقد، يمكن أن يرد السائل إلى عالم آخر أو نحو ذلك، وأما أن يفتي بحسب الملائم الخاص وقد تبين، فإن ذلك اعتبار غير صحيح.
وقد يقول قائل: إنها فرصة للمرأة أنها تطلق من زوجها.
فنقول: إذا كنت تعتقد أنها لا تطلق، أو أن طلاق السكران لا يقع، حتى لو رأيت من شكوى المرأة أن الأولى لها المفارقة، فهنا ترشدها إلى ما قد تكون جاهلة له، وهو طلب الفسخ منه.
ومن المعلوم أن من النظريات التي تطعن في الإسلام: أن القرار في الزوجية بيد الرجل، مع أنه في الحقيقة ليس بيد الرجل وحده، فمن حيث البداية القرار بيد الاثنين؛ لأنه لابد من قبول المرأة وقبول الرجل، ولاسيما إذا قلنا -كما هو على مذهب كثير من أهل العلم - أن البكر تستأذن، فقد دخلوا في عالم الزواج برأي مشترك، والخروج منه يقولون: إنه بيد الرجل فقط بالطلاق، وهذا غير صحيح؛ لأنه يوجد في الفقه ثلاثة مصطلحات: الطلاق، والفسخ، والخلع، فالطلاق بيد الرجل، والخلع بيد المرأة، فإذا قام موجب الخلع الشرعي فإنها تخالع زوجها وتعطيه إما المهر فقط أو أكثر منه، على خلاف هل يجوز أن يزيد على المهر أم لا يجوز؟ والفسخ هو نوع من التدخل القضائي، فإذا كانت المرأة لا تستطيع أن تخالع، أو وصلت الأمور إلى مفاسد كبيرة بينهما، فطلبت الفسخ من هذا الزوج لكونه مثلاً اشتد في ضربها وأذاها، أو في جرها إلى أمر محرم؛ فإنها هنا تطلب الفسخ، ويتدخل القضاء الشرعي هنا بغير اختيار الرجل، فأصبح القرار شبه مناصفة - إن صح التعبير - بين الرجل والمرأة، فليس صحيحاً أن كل القرار بيد الرجل، وأن هذا يتيح له التسلط والظلم وما إلى ذلك.
إذاً: الترجيح بالملائم الخاص يكون صحيحاً معتبراً في بعض المسائل، ويكون غير صحيح ولا معتبر في البعض الآخر.
стр. 102
الترجيح بالملائم العام
الملائم العام هو الملائم للمجتمع، فما كانت الفتوى والعمل عليه في هذا المجتمع فهو الملائم العام لهم، وقد يكون الملائم العام هو الأرفق بالمسلمين بشكل عام في سائر أمصارهم، والمقصود هنا: النظر في الملائم للمستفتين أو لمن تتعلق الفتوى بهم من المكلفين؛ كأهل مصر من الأمصار، أو أهل بلد من البلدان، وقد لا يكون بلداً إسلامياً، وإنما يقيم فيه بعض المسلمين، فتعتبر حالهم، وهو نوع من مراعاة البيئة العامة في الفتوى.
وهذه الجهة لا تستقل بنفسها في الترجيح، لكنها أحد المستصحبات في فقه الترجيح، فكما تستصحب جهة الأكثر من أهل العلم؛ فإنه مما ينبغي أن يستصحب جهة الملائم العام، وإن كان هذا لا يستقل في الترجيح.
هذه هي مناطات الترجيح، وهي مناطات معتبرة - في الجملة - باستثناء مسألة آحاد الأعيان.
ومما ينبه إليه: أن الأصل في الترجيح هو استصحاب الدليل النصي القاضي بالحكم، ولكن استصحاب الدليل لا يمنع من استصحاب هذه المناطات، مع مراعاة عدم الاختصاص بمستصحب واحد وكأن بين هذه المستصحبات تعارضاً، فإن من فرض التمانع بين هذه المستصحبات فهذا تضييق في الفقه، وليس هنا واحد من هذه المستصحبات يطرد في سائر المسائل إلا أن يكون الدليل.
стр. 103
فقه المتقدمين وفقه المتأخرين
إن الفصل المطلق بين فقه المتقدمين وفقه المتأخرين ليس فصلاً حكيماً، ولا شك أن هذا لا يستلزم التسوية بين المتقدمين وبين المتأخرين، فإن فقه المتقدمين من حيث الأصل أجود من فقه المتأخرين، وهم - أي المتقدمون - أئمة الاجتهاد، وأئمة الرواية، وأئمة الفقه، وهذا لا أحد يجادل فيه، فليس المقصود هو أن نسوي بين المتقدمين والمتأخرين في الرتبة، بل المقصود هو أن ما يذكره المتأخرون بسائر طبقاتهم ودرجاتهم العلمية من محققين وغيرهم كأنه فقه منفك في الاتصال عن فقه المتقدمين، فهذا الانفكاك المبالغ فيه لا يصح فرضه، وإلا فإن العناية بكتب المتقدمين، ومعرفة أن لهم امتيازاً عن المتأخرين في فقه الدليل ونحو ذلك، هذا لا أحد يجادل فيه، وقد سبق أن ذكرنا أن أخص ما امتاز به المتقدمون في الدليل هو فقه دليل الاستقراء، فلا شك أن هناك امتيازات امتاز بها المتقدمون عن المتأخرين، لكن المبالغة في الفصل لا يصح.
فالامتياز أمر موجود، لكن الامتياز الذي يصحح وجوده ينبغي أن يحصل بعقل وحكمة وليس بتكلف.
أحياناً يطلق بعض طلاب العلم كلمات مثل قولهم: هذه طريقة المتقدمين، وهذه طريقة المتأخرين، ويكون ذلك بنوع تكلف، وأحياناً بشيء غير منضبط في البحث، إنما قد يعرض له مثال فيقول: هذه طريقة المتقدمين، فمثلاً: يجد قول الإمام أحمد: يا بني! هذا محدث، فيقول: طريقة المتقدمين أن ما خالف الراجح عندهم فهو محدث، ويستدل بقول الإمام أحمد، وهو قول صحيح، لكن ذلك يحتاج إلى فقه وإلى منهج منضبط.
فالتكلف والتسرع في تحديد الامتيازات بين المتقدمين والمتأخرين مرتقى صعب، لا ينبغي أن يكون فيه تكلف ولا أن يكون فيه تسرع.
стр. 104
فقه النوازل
ذكرنا سابقاً أن النازلة إما أن يقصد بها النازلة الكلية، وإما أن يقصد بها على اصطلاح البعض الجديد أو المستجد من المسائل، والمقصود هنا: النازلة الكلية، والفتوى فيها من خاصية المجتهد، وإذا قلنا: إن ذلك من خاصية المجتهد، فمعنى هذا أنه ينبغي ويؤكد على طالب العلم أن لا يتكلم في النوازل الكلية وهو ليس من أهل الاجتهاد، هذه جهة في نفسه وربما أن الجهة المتعلقة بالنفس يستطيعها الإنسان بشكل سريع إن صح التعبير.
وأيضاً ينبغي أن لا يقبل القول في النوازل الكلية ممن هو ليس من أهل الاجتهاد، وينبغي أن يفقه العوام من المسلمين أن النوازل الكلية لا يصدر فيها إلا عن أهل الاجتهاد، بخلاف الفتوى في المسائل العادية، فهذه لا يقال فيها: لا يفتي الناس إلا مجتهد؛ لأن كثيراً من المسائل المنضبطة المحفوظة بينة، وهذا تضييق على المسلمين وعلى فتواهم وعلى إجابة أسئلتهم، ولا شك أن كثيراً من طلاب العلم والناظرين والباحثين والمتفقهين على المذاهب يجيبون الناس عن أكثر أسئلتهم التي قد تعرض لهم في عباداتهم ومعاملاتهم، فهذه المسائل لابد أن يوسع فيمن يجيب فيها، ولا يقال: لا يجيب فيها إلا الأئمة الكبار أهل التحقيق والاجتهاد؛ لأنها مسائل بينة ومحددة وواضحة، ولو أفتي الناس فيها بقول مذهب فإن هذا فيه سعة في الجملة، وإن كان ليس هو الفاضل على الاطراد.
لكن في النوازل ينبغي على طالب العلم أن لا يتخوض فيها، حتى ولو كان من أهل النظر والفقه في كثير من المسائل، وينبغي أن يربى العامة على أن المسائل منها ما هو من الفروع المقولة سابقاً، فهذه يأخذونها عن آحاد الشيوخ أو طلاب العلم، وأما النوازل فيعرف العوام أن النوازل لا يقبل فيها إلا قول أئمة الاجتهاد.
والنازلة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: النازلة الكلية في قدرها - أي: غير الجزئية - ولكنها من حيث التعلق بالمكلفين خاصة ببعض المكلفين، فهذه يوسع فيها بقبول اجتهاد الواحد من المجتهدين.
القسم الثاني: النازلة الكلية في قدرها من الشريعة، من حيث التعلق بالمكلفين، أو بعامة المسلمين، أو بأهل الأمصار، فهذه لا ينبغي أن يصدر فيها عن اجتهاد واحد، حتى لو كان مجتهداً، وأقول: لا ينبغي، وإلا فالعزم هنا يحتاج إلى تأمل، فلا ينبغي أن يصدر فيها عن اجتهاد واحد؛ بل لا بد أن يجتمع جملة من مجتهدي الأمة، بحسب الطاقات والإمكانيات المتاحة في الأمة في عصرها، فينظرون في تلك المسألة، أما أن يصدر فيها عن قول مجتهد واحد وهي كلية التعلق، فهذا لا ينبغي، ومن باب أولى أنه لا يجوز أن يصدر فيها عن قول واحد ليس من أهل الاجتهاد.
стр. 105
شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [١٠]
ينبغي على طلاب العلم أن يراعوا جملة أمور فيما يتعلق بفقه الخلاف بين العلماء، منها: تعظيم نصوص الكتاب والسنة، وتوقير كلام الأئمة في الخلاف المعتبر، ومن ثم التوسعة على المسلمين تحت قاعدة الخلاف المعتبر، وهناك أمور في مقام التحصيل العلمي ينبغي لطالب العلم أن يقف عليها ويعمل بها.
стр. 106
وصايا لطلاب العلم في فقه الخلاف
بعد هذا الوقوف مع هذه المسائل المتعلقة بفقه الخلاف الفقهي، يوصى طلاب العلم بجملة من الوصايا:
стр. 107
تعظيم النصوص
الوصية الأولى: التعظيم للنصوص، نصوص القرآن ونصوص السنة، فهذه هي أجل الوصايا: أن يكون الفقيه والناظر في كلام الفقهاء أعلى رتبة في عقله ونظره واستصحابه هي التعظيم للقرآن ولسنة النبي ﷺ ولهديه، وأن يكون هذا الاستصحاب استصحاباً علمياً وإرادياً، أي: أن يقصد في كل قول يصير إليه أو يعمل به أنه هو الموافق والأقرب إلى السنة والهدي، وليس كمعرفةٍ مجردة.
стр. 108
توقير كلام الأئمة في الخلاف المعتبر
الوصية الثانية: التوقير لكلام الأئمة في مقام الخلاف المعتبر، حتى لو رجحت قول فلان من الأئمة فلابد أن يكون لمن قوله مرجوح عندك قدر من التوقير، وكلمة (التوقير) أخف من كلمة (التعظيم)، ولذلك قيل في النصوص: التعظيم، وأما في الأئمة فيقال: التوقير، ومن قلة الفقه عند البعض أن يجعل هناك قدراً من التمانع بين توقير الأئمة وبين تعظيم النصوص، والأمر ليس كذلك لمن كان فقهه حسناً منضبطاً.
стр. 109
وصايا لطالب العلم فيما يتعلق بالتحصيل العلمي
الوصية الثالثة: فيما يتعلق بالتحصيل العلمي، والتحصيل العلمي له مقامان:
المقام الأول: مقام التأصيل، والتأصيل العلمي يكون بالمختصرات العلمية في العلوم الشرعية، كالفقه، والحديث، والاعتقاد، والتفسير، والأصول، أعني: أصول الفقه والقواعد، وما إلى ذلك، وهذه المختصرات متاحة وشائعة وإن كانت قد تختلف من بعض الوجوه، كبعض المتون المختصرة في الفقه في مصر حنبلي تختلف عن غيرها في مصر شافعي
إلخ، وفي باب المصطلح كالنخبة مثلاً، وبعد ذلك المقدمة لـ ابن الصلاح، وفي النحو الآجرومية المشهورة عند الكثير اليوم، وبعد ذلك ألفيه ابن مالك، وفي باب الاعتقاد كبعض المتون لـ شيخ الإسلام ابن تيمية أو لغيره من الأئمة، وغير ذلك، فهذا مقام التأصيل، والكتب المسماة فيه مشهورة.
المقام الثاني: النظر والفقه بعد التأصيل، فبعد أن يتأصل الطالب في مقدمات هذه العلوم وأوئلها يترقى إلى التفقه والنظر، وليس إلى الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد رتبة متأخرة.
والمنهج الذي أراه في هذا الباب إذا انتهى من التأصيل: أن يعنى أولاً بحفظ القرآن، وقد جرت سنة أهل العلم أنهم يبتدئون بحفظ القرآن مع معالجتهم لمسائل التأصيل، فإذا تيسر له أن لا ينتهي من التأصيل إلا وقد حفظ القرآن فهذا هو الأصل، لكن إذا لم يستتم حفظ القرآن في مرحلة التأصيل، فأول ما يبدأ به في مرحلة التفقه والنظر أن يستكمل حفظ القرآن.
ثانياً: أن يكثر من النظر في كتب السنن والآثار، فمن تيسر له قدر من الحفظ وكان يعرف من نفسه أن الله آتاه حفظاً فليجتهد في الحفظ، وإذا كان الله قد أعطاه ذهناً يستوعب إستيعاباً عاماً، فالكتب التي يقصد فيها إلى الاستيعاب هي الكتب التسعة، مع مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة، فيقرأ طالب العلم قراءة مستوعبة متأملة، يقرأ صحيح البخاري وصحيح مسلم، ثم يقرأ السنن الأربع، ويعنى بسنن أبي داود كثيراً؛ لكثرة ما فيها من الأحكام، ويقرأ موطأ الإمام مالك، وسنن الدارمي، ويقرأ مسند الإمام أحمد، فيقرأ هذه الكتب كلها، ولتأخذ عليه وقتاً من التأمل وكثرة القراءة لها، بحيث يكون لديه قاعدة واسعة في سماع السنة ونصوصها.
وعند قراءته لا يقرأ فقط ليحاول أن يحفظ بعض الكلمات، وإنما يحاول أن يقرأ بعقلية استيعاب وملاحظة للنظير مع نظيره، فإذا مر بأثر أشار إلى معنى، وإذا لفت نظره حديث أشار إلى معنى، فيبقى هذا المعنى في ذهنه، وهذه قدرات يعطيها الله تعالى لمن يشاء، وكلما كان الإنسان لديه قدرة أو ملكة أوسع استطاع أن يستفيد بها أكثر، فتجد أنه يرتب على هذا المعنى آثاراً، فيقول: وفي الباب - أحياناً في الباب الفقهي، وأحياناً في الباب المنهجي، وأحياناً في باب قاعدة من القواعد - وردت أحاديث
وهكذا.
ومما ينبه إليه هنا: أن العلماء يقولون: فقه البخاري في تراجمه، والإمام مسلم لم يترجم كما هو معلوم، ولكنك إذا نظرت في ترتيب الإمام مسلم للروايات؛ تحد أنه يذكر العام ويذكر بعده الخاص، وإذا ذكر المطلق فإن كان في صحيحه في روايته ما يقيده ذكره، وكذلك يذكر المجمل والمفصل وهكذا.
فإذا كان قد قيل: إن فقه البخاري في تراجمه، فإننا نقول: إن فقه مسلم في ترتيبه، وهذا إذا تؤمل وجد أنه من أجود الفقه، فإذا تأملت بعض كتب مسلم في صحيحه -وبخاصة كتاب الإيمان مثلاً - تجد أنه مرتب في طريقة الرد وطريقة التأصيل، وفي ذكر مسائل التوحيد الأولى، ثم ذكر ما طرأ من المخالفة لمسائل التوحيد، ونحو ذلك فيما كتبه في كتاب الإيمان، وفي غيره من كتب العبادات ونحوها، وإذا ذكر مسائل الأدب فإنه يترقى من الأدب العالي إلى ما دونه ..
وهكذا.
هذا هو الفقه في الترتيب، وهو مما ينبغي تأمله، فلا ينبغي أن تكون القراءة قراءة لمجرد الجرد كما يقولون، بل لا بد أن تكون القراءة قراءة تأمل، ومحاولة في الاستيعاب، ومحاولة ضم النظير إلى نظيره، والالتفات إلى كلمات المعلقين وأهل العلم على الترمذي مثلاً، ومعرفة تفسيرهم لكلام الترمذي، كقوله مثلاً: وهذا عليه أكثر أهل العلم، أو وفي الباب كذا، وكذلك كلمات الإمام مالك في موطئه وغيرهم من الأئمة.
ثم بعد ذلك يقرأ قراءة استيعاب وتأمل مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة، ليعرف آثار السلف وآثار الصحابة، وآثار المتقدمين الذين وجدت آثارهم في هذه المصنفات.
ثم ينتقل بعد ذلك إلى القراءة في فقه المتقدمين، بحسب ما تيسر مما وصل إلينا من فقههم، فيقرأ في مسائل الإمام أحمد، ومعروف أن ثمة أجزاءً في مسائل الإمام أحمد، فيقرأ في هذه الأجزاء، وقد يقول قائل: ليس فيها كل الفقه، ولم تنظم تنظيماً متكاملاً، وما إلى ذلك، وهذا صحيح، ولكن المقصود من القراءة ليس أن يجمع آحاد الفروع، إنما المقصود أن ينظر في طريقة الأئمة في الاستدلال، وفي الحكم على المسألة، وفي المنهج الذي ساروا عليه
إلخ، فيقرأ قراءة فقه تطبيقي يقصد منه أن تكون عنده ملكة علمية، فإنه بمثل هذا تصنع الملكة العلمية، فيقرأ في مسائل الإمام أحمد، ويقرأ في المدونة، وفي جوابات الإمام مالك، ويقرأ كتاب الأم للإمام الشافعي، ويتأمل في قراءته للأم ليتذوق لا ليحفظ الفروع التي قال فيها الشافعي رأياً، هذا مهم لكنه ليس الأهم، فإن الأهم في قراءة الأم - كمثال - أن يحاول أن يتذوق التطبيق الفقهي عند الشافعي، وتطبيق الدليل على المستدل عليه، وكيف يكون تطبيق الدليل اللفظي، وكيف يكون تطبيق الدليل من المقاصد والقواعد العامة، كذلك يعرف طريقته في محاجة الخلاف، وما إلى ذلك.
وكذلك يقرأ في كتب بعض المتقدمين من الحنفية، ومن ذلك كتاب الحجة على أهل المدينة، لـ محمد بن الحسن الشيباني، فإن فيه نوعاً من المجادلة العلمية الرفيعة العاقلة بين الحنفية وبين المتقدمين من المالكية، وكذلك كتاب اختلاف الفقهاء لـ محمد بن نصر المروزي، فإنه يعتبر من أوسع الناس معرفة بخلاف المتقدمين، وأضبطهم في هذا، فينبغي أن لا يستغني عنه طالب العلم.
وهناك بعض كتب الأجزاء في بعض الأبواب، ككتاب الأموال لـ أبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب القراءة خلف الإمام، وهو جزء للإمام البخاري، فيقرؤها ليعرف طريقة تعامل المحدثين في تطبيقات الفقه، ويقرأ كذلك ما يؤصل في هذا الباب كرسالة الإمام الشافعي ﵀.
وننبه إلى أننا لا نتكلم عن منهج علمي شمولي، إنما نتكلم عن منهج يتعلق بالفقه، حتى لا يقول قائل: أين كتب التفسير وكتب اللغة وكتب أصول الفقه وغيرها.
ومع أننا نتكلم عن منهج فقهي إلا أن لدي قناعة بأن هناك أشياء في المصطلح العلمي ليست من الفقه، ولكن لا بد أن تقرأ من أجل الفقه، وهذا ستأتي له أمثلة قريباً إن شاء الله.
وبعد أن يقرأ كتب الحديث والأثر، وكتب المتقدمين من الفقهاء، يقرأ كتب الفقه للمتأخرين، أي: الكتب التي كتبها محققون كبار، من الجوامع الفقهية العالية، كالمغني للموفق ابن قدامة الحنبلي، فهذا كتاب جامع على مختصر أبي القاسم الخرقي، فإن كتاب المغني - في الجملة - كتاب خلاف مقارن، وفيه ذكر للتطبيق الفقهي، ولاسيما أن الموفق من أفقه العلماء المتأخرين، حتى إنه نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: "ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من أبي محمد "، فهو ممن علا كعبه في الفقه، وقد نقل عن أحد الحنابلة أنه قرأ المغني ثلاثاً وعشرين مرة.
والمقصود من هذا كله أن يكون طالب العلم مستوعباً للخلاف الفقهي، وهذا هو الأولى والأفضل؛ لأنه في نظري أن نصف الفقه هو معرفة الخلاف، فكل من كان أعلم بالخلاف - أعني خلاف المتقدمين - وأكثر استيعاباً له، فقد حصل - إن أمكن التعبير - ما يقارب نصف الفقه، وذلك إذا ضبط الأقوال، وعرف رتب الأقوال، وعرف ما هو الشاذ، وما هو الذي عليه الأكثر، وليس أن يعرف مجرد أن هناك خلافاً؛ بل إذا ضبط الخلاف مع مراتبه فهذا نصف الفقه، وقليل من يحفظه اليوم، أو يحاول السلوك إليه.
وهناك كتاب المجموع في شرح المهذب عند الشافعية، ولكن المغني أوسع، وإن كان من حيث الترجيح في الجملة على المذهب الحنبلي.
ثم عليه أن يعنى بكتب التفسير، ولسنا نتكلم هنا عن التفسير كتخصص، لكن حتى صاحب الفقه لا بد له من فقه التفسير؛ لأن الأحكام الفقهية الشرعية محصلة من الكتاب والسنة، ويقرأ في التفسير - تحت هذا المعنى الذي هو المقصود الفقهي - يقرأ تفسير ابن جرير، فقد جمع أثار السلف وأقوالهم في تفسير القرآن، ويقرأ في التنصيص على الأحكام من التفسير كتاب الجامع للإمام القرطبي.
ولا بد أن يعرف أثر اللغة وأثر الملكة العلمية في تحصيل الاستدلال من القرآن، ومن أجود ما يقرأ في ذلك تفسير الطاهر ابن عاشور، أو تفسير أبي حيان، مع أن تفسير الطاهر ابن عاشور أجمع وأجود.
ثم بعد ذلك ينظر في الموسوعات العلمية، وليس بالضرورة أن يكون هذا المصطلح مصطلحاً شائعاً، والجوامع العلمية قد تكون في حقيقتها شرحاً لكتاب، لكنها لثرائها العلمي أصبحت مليئة بالفوائد، ولذلك فهي أعلى من كونها مجرد شرح، فمثلاً: صحيح البخاري له كثير من الشروح العلمية، فبعضها على قدر من الاختصار، فهذا يسمى شرحاً، لكن كتاب فتح الباري يعتبر أشبه بالموسوعة العلمية، فهذا هو ما أقصده بالجوامع العلمية التي كتبها محققون في أبواب، ومن أخص مثالاتها: فتح الباري للحافظ ابن حجر، والجزء الموجود في فتح الباري لـ
стр. 110
التوسعة على المسلمين تحت قاعدة الخلاف المعتبر
الوصية الرابعة والخاتمة: بعد أن ذكرنا تعظيم النصوص، وتوقير الأئمة، فآخر ما يذكر في الوصايا: هو قصد التوسعة على المسلمين في الفقه تحت قاعدة: الخلاف المعتبر، والتوازن بين مراعاة الدليل وفقه المصالح، فقصد التوسعة قصد شريف إذا ضبط بمراعاة الدليل ومراعاة المصلحة، وقد سبق أن ذكرنا أن إشاعة بعض الأقوال فيه مفسدة وفتنة على كثير من العامة، فلا يوسع على الناس فيما يقتضي الفتنة أو الفساد، وإنما يوسع عليهم بما كان من الخلاف معتبراً، ولا ينافي ظواهر السنن، وليس فيه مفسدة أو فتنة، فما كان من الخلاف لا يتأثر بذلك فإن التوسعة فيه هي الأصل الذي ينبغي أن يعمل به في الفتوى والاجتهاد.
هذا ونسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه تسليماً كثيراً.