← Акыда

Акыда · id 37779

شرح الوصية الكبرى

يوسف الغفيص

Полный текст (95 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الانتساب إلى الإسلام لا إلى الأشخاص قال المصنف ﵀: [فصل: وأنتم -أصلحكم الله- قد مَنَّ الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذي هو دين الله، وعافاكم الله مما ابتلى به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب. والإسلام أعظم النعم وأجلها؛ فإن الله لا يقبل من أحد دينًا سواه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]]. الدعوة والتشخيص في مسائل التعبد ينبغي أن يقرب المسلمون إلى الحق باسم الإسلام، وليس من العقل ولا من الذكاء ولا من الحكمة أن تكون الدعوة إلى أسماء، حتى ولو كان من العلماء؛ لأنه -أحياناً- بعض العوام المغاربة لا يعرفون أكثر أئمة المشارقة، وعوام المشارقة لا يعرفون بعض أئمة المغاربة، بل أكثر من ذلك فبعض علماء المغاربة ما وصلوا إلى بعض علماء المشرق والعكس، وأحياناً بعض الأسماء عند قوم تكون أكثر قبولاً من بعض الأسماء، ولكن هناك أسماء مسلمة في أي مصر من الأمصار، فهذه الأسماء الثابتة التي لا يمكن لشخص أن يجادل حولها، هي أولى ما ينبغي أن تنطلق الدعوة باسمه، أن هذا هو الإسلام أن هذا هو الذي دل عليه القرآن، أن هذا مقتضى السنة، أن هذا هدي النبي ﷺ ، أن هذا هدي السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. فهذه الأسماء والإضافات الشرعية المحكمة أضبط في قلوب الناس، وأضبط حتى في دين الناس، وأكثر اقتداء للكتاب والسنة من بعض الأسماء التي قد لا تكون صحيحة، وبعضها قد يكون صحيحاً ولكن قد يكون في بعض الأمصار شأنه مشكلاً. ومن المعلوم قصة بعض العلماء، لما قال: إن الإمام أحمد بن حنبل ليس فقيهاً، وهو من كبار المفسرين، وماذا فعل به بعض العامة في بغداد. فأحياناً تقع مثل هذه الأحوال، حيث يألف العامة اسماً، ويعادون غيره، أو يبلغهم عن غيره شيء يقتضي معاداته .. والمقصود أن بعض الأسماء -أحياناً- يصيب بعض مراحلها في التاريخ بعض الارتباك، ثم قد تأتي أحوال أخرى وينطلق هذا الاسم مرة أخرى.

стр. 37

انتساب كثير من الصوفية إلى السنة لا إلى البدعة قال ﵀: [وعافاكم الله بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة] هذا شأن يوجد في كثير من الصوفية، وأنهم ينتسبون إلى طريقة الأئمة، وينتسبون إلى السنة والجماعة، وإن كان هذا لا يعني بالضرورة المطابقة العلمية في الحقيقة، لكن الانتساب من حيث هو عمل شرعي فاضل يجب الإشادة بذكره، ويحمد صاحبه؛ فإن من ينتسب للسنة والجماعة حتى لو أخطأ ما أخطأ فإنه ليس كمن ينتسب إلى طائفة مبتدعة تذم أئمة السنة والجماعة أو ما إلى ذلك. فينبغي أن يحرص الناس على النسبة للسنة والجماعة، فما دام أنهم ينتسبون إلى الإسلام، فيقصدون إلى مرحلة أخص وهي أن ينتسبوا للسنة والجماعة، ويكون هذا المعنى قائماً في نفوسهم. ثم إذا أدخلوا في السنة حدثوا بصريح الحديث، وصحيح السنة، وآثار الصحابة، وبكلام الأئمة الذين لهم قدم صدق عندهم، فإذا كانوا حنفية حدثوا بكلام أبي حنيفة، وكلام أئمة أصحابه كـ أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وإن كانوا شافعية حدثوا بكلام الشافعي وأئمة أصحابه، وإن كانوا مالكية حدثوا بكلام مالك، وأئمة المالكية وفقهائهم وهلم جرا. [مثل كثير من بدع الروافض والجهمية والخوارج والقدرية]. هذه من البدع المغلظة، فبدعة الروافض في الصحابة، وبدعة الجهمية في صفات الله وتعطيلها، وبدعة الخوارج في تكفير المسلمين والغلو في الدين، وبدعة القدرية في مسألة أفعال العباد، حيث أنكروا خلق الله لأفعال عباده، مخالفة لجماهير المسلمين. فهذه من أصول البدع المغلظة التي طرأت في الإسلام، فيقول المصنف: إنكم -يعني: أتباع عدي بن مسافر - عافاكم الله من البدع المغلظة، وفضلكم الله بالانتساب للسنة والإسلام.

стр. 38

ابتعاد بعض الصوفية عن تعطيل الأسماء والصفات وسب الصحابة قال المصنف ﵀: [بحيث جعل عندكم من البغض لمن يكذب بأسماء الله وصفاته] يشير إلى طرق الجهمية التي تعطل الأسماء والصفات، وهذا الإطلاق لمصلحة التحذير، وهو من باب التوسع، فإنه من المعلوم أن الذي يكذب بالقرآن أو بنصوص القرآن في الأسماء والصفات لا يكون مسلماً، والذين وقعوا في هذا الابتداع في تاريخ الإسلام من المعتزلة ونحوهم، الأصل فيهم أنهم لا يقولون بالتكذيب، وإن كانوا يعطلون الأسماء والصفات بما يسمونه تأويلاً، والمصنف يسميه في بعض كتبه -كالواسطية- تحريفاً. [أو يسب أصحاب رسول الله ﷺ ما هو من طريقة أهل السنة والجماعة، وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه بذلك]. سب الصحابة ﵃ مخالف للعقل فضلاً عن الشرع؛ لأن الصحابة هم الجمع الذين رووا سنة رسول الله ﷺ ، بل وحتى القرآن؛ فإن الله تكفل بحفظه، كما قال : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وبقي في صدورهم ﵃ مما سمعوه من نبيهم حتى جمع القرآن في عهد أبي بكر، ثم انضبط ورتب شأنه في خلافة عثمان. فمن يتكلم في الصحابة فإنه يخالف هذه المقاصد في ضبط مادة الإسلام الأولى؛ ولذلك يقول الله سبحانه في كتابه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فلما ذكر السابقين الأولين سماهم بأسمائم: المهاجرين، والأنصار، أما من بعدهم فقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) ولم يقل: من بعدهم، فعلم أن الصحابة ﵃ توفي رسول الله ﷺ عنهم وهم على الحق، وبقوا على الحق؛ لأنهم لو كانوا قد انقلبوا بعده للزم أن يكون متبعاً لهم فيما بعد قد اتبع ضلالة، وهذا مما نفاه القرآن، فلما قال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)، علم أنهم باقون على أصول العلم والحق التي بعث بها رسول الله ﷺ . فلا يجوز قصر السابقين على آل البيت وبعض أئمة آل البيت؛ لأن الآية ذكرت المهاجرين، والمهاجرون يشمل كل من هاجر إلى المدينة، وآل البيت يدخلون في المهاجرين لأنهم من قريش، ولا شك أنه من هدي السنة والجماعة محبة الصحابة ومحبة آل البيت، لما لهم من الاختصاص بقرابتهم من رسول الله ﵊ كما ثبت في الصحيح لما قال النبي ﷺ للعباس: (والذين نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي). لكن الأنصار هم بيت آخر لا يدخلون في مسمى آل البيت، ومع ذلك جاء النص القرآني بذكر رضا الله عنهم.

стр. 39

ذكر شيخ الإسلام لما في أتباع عدي بن مسافر من صلاح ودين وجهاد قال المصنف ﵀: [فإن هذا من تمام الإيمان وكمال الدين؛ ولهذا كثر فيكم من أهل الصلاح والدين وأهل القتال المجاهدين ما لا يوجد مثله في طوائف المبتدعين]. إذا كتب الكاتب أو تكلم المتكلم، ولو في قوم عندهم بدع، لكن في علمه وفقهه أنهم دون غيرهم من أهل البدع، فينبغي أن يميز ما هم عليه من الخير وانفكاكهم عن البدع المغلظة؛ فإن من أهم المقاصد في فقه الدعوة أن لا يزيد هؤلاء القوم عن هذه البدعة إلى بدعة أشد منها، بل يقصرون عن التمام في البدع، ويردون عما هم عليه من البدع إلى السنة. إما إذا كتب الإنسان كتاباً فيه الذم والسب والطعن والتهجم، ومع ذلك يطالبهم بأن يرجعوا إلى الحق، فإن النفوس أحياناً لا تقوى على ذلك، وهذا إذا عرض هذا في بعض الصور من بعض الأئمة فلكونه وصل إلى اجتهاده رأى أن الحكمة تقتضيه: وقد يقول قائل: هذا هو منهج السلف. فنقول: هذا له مثالات، لكن فرق بين أن يكون له مثالات عند السلف وبين كونه هو المنهج الوحيد عند السلف، فإنه لا يمكن عقلاً ولا شرعاً أن يكون هو المنهج المستعمل -أعني طريقة الذم والطعن والتبرؤ-. فمثلاً: في رد الدارمي على بشر بن غياث، نجد أن كلام الدارمي ﵀ كلام علمي منظم، فيه رد وإبطال لشبه بشر ودعواه، لكن مع ذلك قد اشتد عليه في الكلام والذم، فهذا المنهج لا نقول: إنه لا يستعمل أبداً، بل إذا وجد المقتضي عند من هو من أهل العلم أن يصل إلى هذا الأسلوب مع معين؛ لأنه رأى عليه مكابرة أو معاندة أو ما إلى ذلك، فهذا مقام يقتضيه مقامه، لكن أن يكون هذا هو الشأن العام لمن ضل متأولاً أو جاهلاً، أو من ضل في بدعة وهي من بدع الأقوال، أو من كان في بدعة فوق ذلك لا تصل إلى حد البدع المغلظة، فإن هذا ليس منهجاً مطرداً. والله سبحانه قد أوضح هذا المنهج في كتابه الكريم، حيث بين أن مجادلة من كفر بالرسالة لا تكون إلا بالتي هي أحسن، فقال : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، وعندما كتب النبي ﷺ إلى هرقل قال: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم)، وهذا حسن تأتي، لكنه ﵊ -وحاشاه عن ذلك- ما نقص الحقيقة، فقال: (أسلم تسلم)، أي: إذا لم تسلِم فلن تسلَم، هذا هو مفهوم الكلام: (أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين)، وهذا من الترغيب؛ لأن في سنته -كما في حديث أبي موسى وابن عمر وغيرهما-: (ثلاثة يعطون أجرهم مرتين)، وذكر ﵊ منهم: (رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم أدرك النبي ﷺ -أي: محمداً ﵊ فآمن به واتبعه، فله أجران). ثم يقول له: (وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين) قيل: إنهم عوام النصارى، وقيل غير ذلك، ثم قرأ الآية: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤]. فهذا كان ضبطاً لحقائق التوحيد، ولا يوجد أي إنقاص له في خطابه ﵊، لكن كان حسن التأتي؛ ولذلك يقول أنس كما في الصحيح: (كتب رسول الله إلى كل جبار يدعوهم إلى الله)، ولما قيل له ﵊ -كما في الصحيح-: (إن دوساً قد كفرت وأبت، فادع الله عليهم، قال ﵊: إني لم أبعث لعاناً). فالمؤمن لا يليق به -وخاصة طالب العلم- السب والذم لخلق الله، حتى لو كانوا مخالفين له في بعض المسائل، فإن المخالف يقرب إلى الحق، وإذا اقتضى المقام شدة -ولا أقول: لعناً، فإن عامة السلف لا يرون استعمال اللعن في الأعيان من المسلمين- أو تصريحاً بمقام، أو ذكراً لاسم شرعي؛ فإن هذا فقه يذكره من يذكره من أعيان السلف كأحوال، لكنها ليست هي وحدها المستعملة في فقهه. وللإمام أحمد رضي الله تعالى عنه كلمات لبعض المخالفين فيها قوة، وله بعض الكلمات فيها من حسن التأتي والترفق، فهذا فقه شرعي. وعلى طالب العلم أن يبحث عنه في آثار بعض أهل العلم، ومع أن هذا بحث جيد، لكن أجل من البحث في آثار بعض أهل العلم أن يبحث في القرآن، فإن فيه سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقصصهم في منهج فقه الدعوة، والدعوة إلى الحق، وتصحيح الأخطاء وما إلى ذلك. هذا هو المقصود من قصص الأنبياء، وليس المقصود ذكر النظام التاريخي الموجود في بعض الحضارات، وأن نعرف ما هو اسم فلان وما هو اسم فلان؛ حتى إنه في كثير من قصص الأنبياء لا يذكر الاسم، ففي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر:٢٨]، فلم يذكر الاسم، ولم يعرف الرجل؛ لأنه لا يهم الاسم؛ فإن الاسم -أي اسم كان- لا يقدم ولا يؤخر، وفي قصة موسى مع الخضر ﵉ يقول الله سبحانه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف:٦٥]، ففي سياق القرآن لم يصرح بالاسم، لكن جاء النبي ﵊ بمقام الخبر وما عنده من الاختصاص وصرح ﵊ باسم الخضر، وإتيان موسى إليه، والسبب هو أن موسى قام في بني إسرائيل، فقام رجل فقال: يا موسى! هل أحد أعلم منك؟ فقال: لا. ولم يكن ﵊ -يعني: موسى- نبياً خاتماً عاماً للثقلين الإنس والجن، فعتب الله عليه كما في حديث ابن عباس في الصحيح قال: (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه)، ثم بين الله سبحانه صفة هذا الرجل فقال: (فَوَجَدَا) أي: موسى وفتاه ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥]، أي: جمع له مقام العلم مع الرحمة، ولذلك يقول ابن تيمية ﵀: "علم بلا رحمة لا ينفع"، فهو استطالة على خلق الله، ويقول: "رحمة بلا علم لا تنفع". ونلاحظ في هذا العصر أن البعض عنده شيء من العلم، لكن عنده قسوة على الناس، ولو خلي بينه وبين بعض الناس لفعل الأفاعيل، وهذا ليس هدياً ولا منهجاً حتى لأئمة السلف مع أهل البدع؛ ونجد مثل ذلك في موقف الإمام أحمد ﵀ من المعتزلة؛ فإنه قبل أن يأتي المأمون وتبدأ فتنة خلق القرآن، كان يذم القول بخلق القرآن، ويحذر من أهله، لكنه ملجم لنفسه بلجام الشريعة ولجام العدل، لكن لما تسلط المعتزلة وبعض قضاتهم في زمن المأمون العباسي وأفتى بعض قضاة المعتزلة بقتل الأئمة، ثم رجع الأمر وتحسنت الحال زمن المتوكل العباسي، لم يقل الإمام أحمد ﵀: هذه بهذه، وأصدر فتوى بقتل فلان وفلان أو ملاحقة فلان وفلان. وهذا فقه شريف، ولا شك أن منهج السلف هو المنهج الذي يجب أن نكون عليه، لكن ينبغي أن نكون فقهاء فيه، وهذا المذهب ليس أكثر من الكتاب والسنة؛ لأن مذهبهم محصل من الكتاب والسنة، فليتفقه الطالب في كلام الله قبل كل شيء، ثم فيما صح عن النبي ﵌، ولا سيما كتب الحديث المشهورة كالكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك ﵏. [وما زال في عساكر المسلمين المنصورة وجنود الله المؤيدة منكم من يؤيد الله به الدين، ويعز به المؤمنين]. وهذا ثناء عليهم بما هم عليه من الخير، وهذا مثل قول النبي ﵊: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم)، فهو فعلاً عظيم الروم، فرسول الله ﷺ ما زاد في الأمر أو أعطى الرجل ما ليس له، بل هذا اعتراف بالشيء الواقع. كذلك المؤلف هنا يعترف بما لهم من الخير، ولا بد للإنسان أن يعترف؛ فإن الله لما ذكر الناس قال سبحانه: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] وهذا عام حتى في الكفار؛ ولذلك لما قصد أهل الإيمان والإرادة الصادقة قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]. ومن عدل الله سبحانه أنه لا يظلم الكافر؛ فإن الكافر إذا فعل حسنة فإن الله يعطيه بها، ففي الصحيح عن أنس ﵁: (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة)، ثم قال ﵊: (وأما الكافر فيعطى بحسناته ما عمل به لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها).

стр. 40

استخدام شيخ الإسلام لبعض مصطلحات الصوفية في رسالته الموجهة إلى أتباع عدي بن مسافر قال المصنف ﵀: [وفي أهل الزهادة والعبادة منكم من له الأحوال الزكية، والطريقة المرضية، وله المكاشفات والتصرفات]. من فقه شيخ الإسلام أنه استعمل معهم المصطلحات التي تستعملها المتصوفة، مثل: المكاشفات والتصرفات، مع أن هذه مصطلحات مولدة لم توجد في الكتاب والسنة، ومع ذلك يقول: لهم مكاشفات، أي: مكاشفات صالحة، وتصرفات صالحة، والمقصود بالكشف: هو انكشاف بعض المعنى أو بعض المفهوم وبعض الحال، وهذا منه أوجه غالية ومنه أوجه مقتصدة. فالمصنف مع فقهه بمذهب السلف تجوز في التعبير في المخاطبة، فاستعمل معهم الألفاظ التي لم تكن معروفة عند أئمة السلف لوجه أخص. [وفيكم من أولياء الله المتقين من له لسان صدق في العالمين، فإن قدماء المشايخ الذين كانوا فيكم، مثل الملقب بشيخ الإسلام أبي الحسن علي بن أحمد بن يوسف القرشي الهكاري، وبعده الشيخ العارف القدوة عدي بن مسافر الأموي ومن سلك سبيلهما فيهم من الفضل والدين والصلاح والاتباع للسنة ما عظم الله به أقدارهم، ورفع به منارهم]. مصطلح العارف من المصطلحات الشائعة، وهو من وصل إلى درجة المعرفة والقدوة، فصار قدوة يقتدى به، وليس الإشكال في التصوف أن صاحبه يسمى عارفاً أو يسمى قدوة؛ فإن هذه أمور فيها كثير من التجوز إذا اقتضت مصلحة المراجعة إلى ذكرها، ولذلك نجد أن المصنف يستعمل مثل هذه التعبيرات. [والشيخ عدي -قدس الله روحه- كان من أفاضل عباد الله الصالحين، وأكابر المشايخ المتبعين، وله من الأحوال الزكية والمناقب العلية ما يعرفه أهل المعرفة بذلك]. مسائل السلوك ولدخول كثير من العوارض في وقت مبكر من التاريخ، كما قال شيخ الإسلام ﵀ في التعليق على بعض المسائل، وهي مسألة تأثير الإرادة في أفعال العباد، قال كلمة أحياناً قد تقال في مقامات أخرى، قال: "هذا المقام مقام وأي مقام، ضلت فيه أفهام وزلت فيه أقدام، وقد خاض فيه خلق من البصراء والفاحصين والمكاشفين، فعامته فهموا صحيحاً، وقل منهم من عبر فصيحاً"، هذا لا يلزم أن يطرد في كل المسائل. لكن هناك مسائل أن القاصدين إليها قصدوا حقاً، وربما أنهم فهموا وجهاً من الحق لكن عبروا عنه بحروف محدثة، فهذا نمط إن صح اللفظ. ومنهم من قد يكونون لم يفهموا صحيحاً، بل فهموا باطلاً وعبروا باطلاً، وهذا نمط آخر. لكن أحياناً بعض التعبيرات هي التي تفسد بعض المعاني، ومثال ذلك: الهروي ﵀، فإنه في بعض كلامه لو استعمل كلمات مأثورة في تعريفه لبعض المقامات والكلام وابتعد عن بعض المصطلحات المولدة؛ لكان كلامه من أجود الكلام وأنفعه، وأيضاً أبو حامد الغزالي في كلامه أحياناً يتكلم بلغة مقاربة، ويقصد بذلك مخاطبة العامة من المسلمين، فيكون كلامه إذا تكلم للعامة من أجود الكلام وأنفعه؛ ولذلك يعتبر إماماً في السلوك، أي: من حيث وصوله إلى بعض المعاني الصحيحة، وإن كان قد زل في مقامات في مسائل السلوك إلى أوجه مستغربة، بل أوجه منكرة كما سبق التنبيه عليه. [وله في الأمة صيت مشهور، ولسان صدق مذكور، وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشايخ الذين سلك سبيلهم، كالشيخ الإمام الصالح أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري الشيرازي ثم الدمشقي، وكشيخ الإسلام الهكاري ونحوهما]. عدي بن مسافر -كما أشار ابن تيمية في مواضع- قد لخص عقيدته من عقيدة الشيخ أبي الفرج الأنصاري.

стр. 41

انتساب كثير من الصوفية إلى السنة والجماعة مع وجود بعض البدع فيهم قال المصنف ﵀: [وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة والجماعة، بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها والحرص على نشرها ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم، وأعلى منارهم، وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد، مع أنه لابد وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة، كأحاديث لا تثبت، ومقاييس لا تطرد مع ما يعرفه أهل البصيرة]. كثير من الصوفية يكونون على قصد السنة والجماعة والعناية ببعض أصولها الكبار، لكنهم لا ينفكون عن بعض البدع والطرق المحدثة في الإسلام، أو الجهل في الصحيح والضعيف من الحديث واستعمال بعض الموضوع فيما يقررونه ويستقبلونه، وهذا نوع من التصوف، أو نوع من الحال الذي صار لكثير من الصوفية الذين ينتسبون للسنة والجماعة. [وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، لا سيما المتأخرون من الأمة الذين لم يحكموا معرفة الكتاب والسنة، والفقه فيهما]. كثر في المتأخرين مثل هذا، ولذلك من أراد أن يحاسب الناس محاسبة دقيقة فإذا رأى من زل في كلمة أراد أن يجافيه أو يجافي ذكره، أو ينفيه عن السنة والجماعة نفياً مطلقاً، فإن هذا لا يسعه مع أحد؛ لأن المتأخرين من الفقهاء والنظار وأصحاب السلوك كثر فيهم مثل ذلك، أي: دخلت عليهم بدع. يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "شعار أهل البدع المغلظة ترك الانتساب للسنة والجماعة وسبيل السلف". أما من انتسب للسنة والجماعة وسبيل السلف فهذا يكون فيه قرب، وفيه موافقة في كثير من الأصول، وإن كان قد يخطئ فيما هو من الأصول أو ما هو دون ذلك، إما في العلم والنظر، وإما في العمل والسلوك والأحوال، فيوزن كل أحد بقدره. فقد تعرض أحياناً بعض البدع اللفظية، أو بعض البدع الفعلية، حتى إن شيخ الإسلام يقول: "وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة"، ثم بين أنهم لم يعرفوا أن هذا القول أو الفعل بدعة، ويكون هذا في مسائل ليست من مسائل الأصول، ولا يكون حال أولئك أنهم في جمهور أمرهم على البدعة، بل يكونون من أصحاب السنة في الأصول والعلم والعمل، لكن حدثت لهم بعض الكلمات أو بعض الأقوال التي اخطئوا السنة فيها. ولذلك لما ذكر الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام مسألة الإيمان في كتاب الإيمان، قال ﵀: "إن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر -يعني: في مسمى الإيمان- يقول: أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر على فرقتين"، ثم ذكر الفرقة الأولى وهي قول عامة السلف، وهو إجماع متقدم قبل ظهور بدعة حماد بن أبي سليمان، وهو أن الإيمان قول وعمل، ثم ذكر قول حماد، وإن كان لم يسمِّه. والشاهد: أنه سماهم: من أهل العلم والعناية بالدين، ثم أجاب عن قولهم، ولما انتهى من الجواب عن قولهم وأدلتهم، وأراد أن يذكر قول الجهمية والغالية من المرجئة قال في ختم الكلام: "وهؤلاء وإن خالفونا -يعني: مرجئة الفقهاء- إلا أنهم وقعوا في قول يقع الغلط في مثله"، ثم ذكر القول الذي هو -كما يصفه- ليس من قول أهل الملل، ويعني به قول الغالية من المرجئة. [مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة الأهواء، وكثرة الآراء، وتغلظ الاختلاف والافتراق، وحصول العداوة والشقاق، فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب قوة الجهل والظلم اللذين نعت الله بهما الإنسان في قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢]]. لذلك كلما اختصر مقصود الإسلام أمام العامة فهذا هو الأحسن والأفضل، ولا يطول بأسماء طائفية أو أسماء سطحية أو ما إلى ذلك، بل يقال: إن الإسلام هو ما بعث الله به رسوله، ويدعى إلى دين الإسلام، وإلى نصوص الكتاب والسنة، وما مضى عليه هدي السابقين الأولين، وما أجمع عليه الأئمة المهديون، كالأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين المقتدى بهم، دون الخصائص التي قد تعرف في بيئة ولا تعرف في بيئة أخرى، أو تعرف في مصر ولا تعرف في مصر آخر، وما إلى ذلك. وهذا من فقه التجديد في الدعوة إلى السنة وهدي النبي ﵌: وهو أن الهدي يربط بصاحب الهدي، والوسطية ليست مكتسبة بأعيان، إنما هي مكتسبة عند من يضاف إليها بقيامه بالسنة والهدي الذي ترك النبي ﷺ عليه أصحابه.

стр. 42

السنة التي يجب اتباعها وذم مخالفها قال المصنف ﵀: [وأنتم تعلمون -أصلحكم الله- أن السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها ويذم من خالفها، هي سنة رسول الله ﷺ ، في أمور الاعتقادات، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات، وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان]. من فقه المصنف أنه إذا خاطب أصحاب السلوك أو أصحاب التصوف أكد مسألة العناية بمعرفة السنة الصحيحة من غيرها؛ لأن هذا الاختلاط دخل على كثير من أرباب السلوك، وعنه -أي: هذا الاختلاط- وقعت كثير من البدع والتصورات في الإسلام عند كثير من العامة من المسلمين. [وذلك في دواوين الإسلام المعروفة]. ذكر هنا دواوين الإسلام، وابتدأ بذكر البخاري ومسلم وكتب السنن، ثم ذكر بعد ذلك بعض المصنفات، وليس بالضرورة أن نقرأ الأسماء، لكنه بعد أن ذكر كتب البيهقي وبعض كتب المتأخرين عن طبقة الأئمة المتقدمين قال: [وإن كان يقع في بعض هذه المصنفات من الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل المعرفة]. وهذا شأن يعرفه أصحاب الاختصاص بالحديث. [وقد يروي كثير من الناس في الصفات، وسائر أبواب الاعتقادات، وعامة أبواب الدين أحاديث كثيرة تكون مكذوبة موضوعة على رسول الله ﷺ ]. انتشر في بعض كتب الصوفية بعض الأحاديث الموضوعة، كقولهم بأن الله ينزل إلى الأرض، مع أن الحديث الصحيح: (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا)، وأن النبي ﷺ لقي ربه مشاهدة مبصراً له في حياته، وما إلى ذلك من الروايات التي لا يثبت منها شيء عند أهل الحديث، ولا سيما إذا اعتبرت هذه الروايات كنوع مفاصل في تقريب مسائل السلوك والتعبد ونحو ذلك. [وهي قسمان: منها ما يكون كلامًا باطلاً لا يجوز أن يقال، فضلاً عن أن يضاف إلى النبي ﷺ ]. هذا هو المنكر من الموضوعات المخالفة لأصول الإسلام، والقسم الثاني -وهذا مهم لطالب العلم أن يفقهه- قال: [والثاني: ما يكون قد قاله بعض السلف أو بعض العلماء أو بعض الناس، ويكون حقًا. أو مما يسوغ فيه الاجتهاد، أو مذهبًا لقائله]. هذه في الحقيقة ينبغي لطالب العلم أن يكون فقيهاً فيها، وهي أن أصول المنهج الشرعي في العلم والعمل والدعوة وما إلى ذلك تتلقى عن محكم نصوص الكتاب والسنة، والهدي المطرد الذي كان عليه السلف أهل القرون الثلاثة الفاضلة. أما الكلمات أو المثالات المختصة ببعض السلف فهذا فقه له قدره وله شأنه، لكن يجب أن يجمع مع نظيره الذي قد يكون بوجه ما يخالفه في الحال، فقد يكون هذا السياق فيه من الخفض، وهذا فيه من الرفع. وبعض طلبة العلم -أحياناً- لا يفقه في نصوص الكتاب والسنة، ومنهج التعامل مع المخالف شيئاً، وقد سأل أحد الطلبة هذا السؤال فقال: هل نناظر أهل البدع؟ فقيل: نعم. إذا كان المناظر أهلاً والمصلحة الشرعية تقتضي ذلك. قال: لكن هذا يشكل عليه أنه خلاف مذهب السلف. فقيل له: كيف خلاف مذهب السلف؟ قال: لأن فلاناً سئل: أنتكلم مع أهل البدع؟ قال: لا، قيل: ولا كلمة؟ قال: ولا كلمة. فهنا الإشكال ليس من كلام هذا الإمام؛ لأنه جواب في حال معينة، لذا قد تجد عالماً اليوم قد يُسأل: أنتكلم مع أهل البدع؟ فيقول: اعرضوا عنه؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣]، فهذا فقه يناسب مقامه، لكن أن يفترض أن هذا هو المنهج المطرد، وهو أن السني لا يكلم البدعي، لا على سبيل الدعوة ولا على سبيل النصح ولا على سبيل التوجيه، فليس بصحيح. والذي نقصده أن كلمات أئمة السلف ﵏ هي فقه واجتهاد، تجمع مع غيرها من كلامهم وكلام نظرائهم حتى يكون المنهج منهجاً منضبطا مطرداً على أصول الحكمة التي كان عليها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوة من ضلوا سواء السبيل من أجناس الكفار، فضلاً عن المبتدعة المخالفين في شيء من مسائل وأصول الإسلام.

стр. 43

التفريق بين السني والبدعي قال المصنف ﵀: [وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث، مثل المسائل التي وضعها الشيخ أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري، وجعلها محنة يفرق فيها بين السني والبدعي، وهي مسائل معروفة]. التفريق بين السني والبدعي يكون بالأصول المحكمة التي انضبط فيها الإجماع، كإثبات صفات الله ، وأنه منزه عن التعطيل والتشبيه والتمثيل، وإثبات أن القرآن كلامه ، وإثبات نبوة النبي ﷺ ، وإثبات قدر الله ، وأنه قضى مقادير الخلق وخلق أفعال العباد، وكتب مقاديرهم، وهو بكل شيء عليم، وإثبات شفاعة النبي ﷺ ، وعذاب القبر ونعيمه، وإثبات عدالة الصحابة. هذه هي الأصول التي تميز السني من البدعي، أما بعض الاجتهادات الخاصة التي عرضت، فإن هذا فقه يختلف. ولتتضح الصورة نذكر قصة الإمام أحمد بن حنبل مع داود بن علي الأصبهاني صاحب المذهب الظاهري، وهو من كبار الأئمة فقهاً وعلماً؛ فإنه لما ذهب إلى خراسان سألوه: هل القرآن محدث؟ فقال: محدث -هكذا تقول الرواية- لأنه وجد أنه في سياق القرآن: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢]. وكان الإمام أحمد ﵀ ينهى عن هذه الكلمة، فلما جاء داود بن علي قال ابن الإمام أحمد لأبيه: هذا رجل من أهل أصبهان يستأذن عليك، قال: من هو؟ -وكان بين داود وبين ابن الإمام أحمد تلاطف- قال: داود، قال: ابن من؟ قال: ابن علي، قال: لا يدخل؛ إنه بلغني عنه أنه قال كذا وكذا. فهذا مثال يصدق فقهه فيما يناسب حال الإمام أحمد، وهو اجتهاد وصل إليه. وفي هذا العصر كان للشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ بعض الاجتهاد مع بعض الناس، فلا يلزم بالضرورة أن يكون هذا منهجاً مطرداً لسائر الطلبة وسائر الناس. ومن المعلوم أن النبي ﷺ حتى في آخر غزوة، وهي غزوة تبوك، والتي نزل القرآن مفصلاً في شأنها، وقد تخلف من تخلف من الصحابة عنها، إلا أن رسول الله ﷺ لم يهجر المنافقين الذي تخلفوا عن الغزوة، لكنه هجر بعضاً من أصحابه، حتى نزل القرآن بتوبتهم، وأثنى عليهم. ولما روجع النبي ﷺ في قتل المنافقين قال: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، فكذلك يجب أن نقول اليوم: لا يتحدث الناس أن أهل السنة يبغي بعضهم على بعض، ويشتت بعضهم بعضاً، ويكذّب بعضهم بعضاً، ويرمي بعضهم بعضاً بالضلال والبدعة وما إلى ذلك في أمور قد يكون بعضها يحتاج إلى مراجعة، وقد يكون بعضها من يسير الاجتهاد. [وهذه المسائل وإن كان غالبها موافقًا لأصول السنة، ففيها ما إذا خالفه الإنسان لم يحكم بأنه مبتدع، مثل أول نعمة أنعم بها على عبده؛ فإن هذه المسألة فيها نزاع بين أهل السنة]. بعض المتأخرين أصحاب السنة لما حرصوا على تمييز السني من البدعي ذكروا بعض التفاصيل التي يضيق كثير من عامة أهل السنة بل وبعض خاصتهم أن يدركوها؛ لأنها ليست من مسائل الأصول، وإن كان العلم بها علماً فاضلا، ً وفرق بين قولك: إن العلم بها علم فاضل، وبين قولك: إنها من الأصول التي من لم يتقلدها ويعلمها ويصرح بذكرها يكون خارجاً عن السنة والجماعة. إذاً: الأصول التي تميز هي الأصول المحكمة في صريح القرآن ومتواتر السنة، وإجماع الصدر الأول، القرون الثلاثة الفاضلة. أما بعض التفاصيل فهذه يقع فيها الوهم أحياناً، ويقع فيها الغلط، ويقع فيها التأخر، سواء كانت في مسائل علمية أو عملية، ولا بأس أن يسمى هذا الوهم غلطاً أو خطأً، بل لا بأس أن يسمى بدعة، لكن لا يلزم أن يكون صاحبه خارجاً عن السنة والجماعة خروجاً مطلقاً؛ فإن الأئمة ﵏ لما قال حماد بن أبي سليمان مقالته لم يجعلوه من أهل البدع المطلقة، يقول الإمام ابن تيمية: "لم يكن الأئمة من أهل الكوفة وغيرهم يترددون أن هذا القول بدعة، ولكن مع ذلك لم يجعلوا حماداً وأمثاله من الكوفيين من أهل البدع المطلقة، فضلاً عن المغلظة، أي من الخارجين عن السنة والجماعة مطلقاً". فالمقاربة فيها عقل، وفيها حكمة، وفيها قصد إلى تحقيق الشريعة؛ لأن الله أمر بأصلين، قال سبحانه: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى:١٣] وقال معه: ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، فكما أن طالب العلم يعنى بضبط السنة، أيضاً من تحقيق السنة وهدي السلف العناية بالاجتماع على الحق، وأن لا يتفرق الناس شيعاً مع أنهم على أصول من الحق واحدة، وإنما اختلفوا في أمر يحتمل الخلاف فيه، أو قد يقع الغلط في مثله. وهذا الاختلاف إما في أمر يحتمل الخلاف، وهو الاجتهاد المأذون فيه، أو في أمر قد لا يكون مأذوناً بالاجتهاد فيه، لكنه نوع من ضيق المسائل الذي -كما قال أبو عبيد - قد يقع الغلط في مثله، وإذا كان أبو عبيد قد قال هذا عن مرجئة الفقهاء، مع أن قولهم كان مخالفاً لظواهر النصوص البينة، فكيف هو دون ذلك من تفاصيل المسائل التي تخفى على كثير من أهل العلم، فضلاً عن العامة. فهذه المسائل التي يقع الغلط في مثلها، فضلاً عن المسائل التي تقبل الاجتهاد، لا ينبغي أن تكون مفرقة بين المسلمين، فضلاً عن أن تكون مفرقة بين أهل السنة بعضهم مع بعض، وإنما في الأصول المحكمة وهي الأصول التي انضبطت إجماعاً بيناً مستقراً شائعاً عند الصحابة والأئمة. [فالواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب، فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة، فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام عمومًا، ولمن يدعي السنة خصوصًا]. هذا أصل، وهذا فقه عظيم لهدي الإسلام عموماً، ولمن يدعي السنة خصوصاً.

стр. 44

شرح الوصية الكبرى [٥] الوسطية الشرعية هي المنهج الحق الذي بعث الله به الأنبياء ﵈، وجعل هذه الأمة أخص الأمم في تحقيق هذه الوسطية، وأهل السنة والجماعة هم أهل الوسطية في هذه الأمة، أما من خالفهم فإنهم انحرفوا عن الوسطية إما إلى الإفراط وإما إلى التفريط، ومنهم الصوفية، الذين خرجوا عنها لموجبات عرضت لهم، ظنوها حقاً وهي بخلاف ذلك.

стр. 45

الوسطية الشرعية تقدم أن أول مسألة من مسائل أصول الدين ظهر فيها الخلاف هي: مسألة العمل، وقد طرأ الخلاف في مسألة العمل في ابتدائه من جهة رتبة العمل وحكمه، وقلنا: إن المخالفين في رتبة العمل وحكمه ابتدأ الأمر بالخوارج، ثم قاربتهم المعتزلة، ثم قابلتهم على جهة المقابلة المضادة طرق المرجئة، هذا من حيث الرتبة والحكم للعمل. أما من حيث الجهة الثانية وهي مفهوم العمل وتطبيقه، فهذه كانت بداية الغلط فيها في أثناء المائة الثانية من الهجرة ببعض الأغلاط التي سبقت الإشارة إليها، أي: لم تكن على عصر النبوة وإن كان الجمهور من الفقهاء قد يعذرون في كثير منها أو أكثرها. ثم تميز هذا المنهج في مفهوم العمل وتطبيقه بظهور اسم الصوفية بطرقها الخاصة، وظهرت أوجه التصوف على ثلاث درجات: الاختصاص بالاسم والشيء من العمل الذي لا أصل له، ثم الدرجة التي بعدها التصوف المنظم بمصطلحاته المعروفة التي يغلب عليها أنها مصطلحات مولدة في الإسلام، ومصطلحات رمزية، هذا نسميه: التصوف المنظم بمصطلحات رمزية مولدة، كمصطلح الكشف، والوجد والسكر والصحو والفناء، وأمثال ذلك. ثم تغلظ التصوف بأثر الفلسفة وظهور التصوف الفلسفي المباعد للحقائق الشرعية التي كان عليها أئمة السلوك والعبادة في أول الأمر. وقد تكلمنا عن هذا الأمر كمقدمة، ثم بعد ذلك تحدث شيخ الإسلام عن الوسطية الشرعية، والوسطية الشرعية هي المنهج الحق الذي بعث الله به الأنبياء، وجعل هذه الأمة هي أخص الأمم في تحقيق هذه الوسطية، وقول الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] ليس معناه أن الأنبياء الآخرين لم يبعثوا بالوسطية، وإنما معناه: أن أتباع هذا النبي هم أخص الأمم لتحقيقها، ولذلك قال: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]. ومن جهة الآية يعلم أنه لا يجوز أن يقوم بالشهادة على الناس إلا من حقق منهج الوسطية الشرعية، أما من لم يكن وسطاً بل كان إما صاحب خفض وإنقاص للحقائق الشرعية، وإما صاحب رفع وغلو، فإن هذا لا يجوز أن يكون شاهداً على أحد من المسلمين، لا من أهل الصواب ولا من أهل الخطأ؛ لأن الله حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً، وكان أئمة السنة المحققون أنصف لمخالفيهم من المخالفين أنفسهم بعضهم مع بعض. وقد ذكر الإمام ابن تيمية ﵀ أن بعض طوائف الشيعة نصوا -في بعض كلامهم- على إنصاف أهل السنة لهم أكثر من إنصاف بعضهم لبعض. ومن أمثلة ذلك: مسألة التكفير في كلام أئمة السنة المحققين، فإنهم أعدل بل لا يوجد من الطوائف من اعتدل في هذه المسألة كاعتدال الأئمة.

стр. 46

الخروج عن الوسطية الشرعية إن الخروج عن الوسطية ليس الذي يبتلى به هم فقط أهل البدع الخارجون عن السنة والجماعة، بل إن بعض المتأخرين من أصحاب السنة والجماعة قد يعرض لهم أوجه إما من الخفض وإما من الرفع في مقامات من مقامات العلم، أو من مقامات الحكم على المخالف، حيث يكون هذا الحكم خارجاً عن الوسطية الشرعية التي كان عليها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. ومن الأمثلة على ذلك: إذا جئت إلى مسألة أحكام المخالفين من أهل القبلة، قد تجد في كلام بعض المتأخرين من الزيادة ما ليس مذكوراً في طرق الأئمة المتقدمين، فضلاً عن النصوص الشرعية: نصوص الكتاب والسنة. ومن مثال ذلك: ما يقع في كلام أبي إسماعيل الهروي صاحب المنازل؛ فإن له عناية بالانتصار لمذهب السلف في أسماء الله وصفاته، وكلامه في الأسماء والصفات حسن في الجملة، لكنه اشتد على المخالفين في هذه المسائل ونحوها؛ حتى إنه لما تكلم عن أبي الحسن الأشعري وصفه بأوصاف مغلظة، فقد ذكر في كتابه (ذم الكلام) أن أبا الحسن الأشعري لا يصلي ولا يتوضأ، وأنه مات متحيراً، ووصف هذا الطائفة بنوع من الزندقة وما إلى ذلك. ولا شك أن هذا تجاوز للعدل وتجاوز للقسطاس المستقيم الذي بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام. ولذلك تجد في حكم المحققين كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أصحاب أبي الحسن ما هو من العدل في تحقيق السنة وضبطها، مع بيان ما هم عليه من الصواب في مسائل، وما هم عليه من الغلط والبدعة في مسائل أخرى. قال شيخ الإسلام عن كتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره: "وأما من قال منهم -أي: الأشاعرة- بما في كتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة". وليس المقصود هنا الكلام عن اسم أو طائفة معينة، وإنما المقصود أن نعلم أنه قد يعرض لبعض الفضلاء المنتسبين للسنة والجماعة أو من هم من أصحابها بعض الخفض والإنقاص، أو بعض الرفع والزيادة، فالحكم على المخالف يعتبر بأصول الكتاب والسنة، وما مضى عليه هدي السابقين الأولين والأئمة المتقدمين. وفي هذا العصر أصبحت كلمة الوسطية فيها نوع من الاقتباس لمناهج لا تحكي وسطية شرعية، فنجد أنه ربما حمل اسم الوسطية على نوع من المجاملات، أو الخفض في تقرير مسائل الشريعة، وإسقاط حقائق الأصول، وإسقاط قدرها، والتهوين من شأن البدع وما إلى ذلك تحت اسم الوسطية في المنهج، وبالمقابل قد يوجد ما يقابل ذلك. فالوسطية الشرعية هي المنهج الشرعي الذي يجب على طالب العلم أن يعتبره. وقد تقدم أن الوسطية تعتبر بثلاثة أصول: الأصل الأول: اعتبار العلم بالنص الذي هو الكتاب والسنة والإجماع، فهذه الأصول الثلاثة هي الجامعة لعلم المسلمين وعقيدتهم. الأصل الثاني: اعتبار فقه النصوص بالقواعد التي مضت بها الشريعة، والمقاصد التي بعث الله بها الأنبياء، وإننا نتكلم عن علم وعن فقه، أما العلم فهو العلم بالدليل: الكتاب والسنة والإجماع، وأما فقه الدليل فهو اعتبار هذا الفقه بقواعد الشريعة ومقاصدها. الأصل الثالث: التفريق بين الأصول والفروع، وبين المحكم والمتشابه، وقد تقدم الكلام عن مفهوم الأصول والفروع وما قيل في ذلك. هذه هي الوسطية التي مضى عليها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وإذا تكلمنا عن المنهج المخالف له في مسألة السلوك، فهو ما طرأ في طبقات الصوفية الثلاث: الأولى: طبقة المقتصدين من الصوفية. الثانية: طبقة من فوق ذلك. الثالثة: طبقة الغلاة من الصوفية.

стр. 47

موجبات الخروج عن الوسطية الشرعية عند الصوفية الخروج عن الوسطية الشرعية بأصولها الثلاثة يكون القول فيه على وجهين: الوجه الأول: يتعلق بالخاصة. الوجه الثاني: يتعلق بالعامة. فإن الناس إما خاصة وإما عامة، وهذا الاصطلاح ليس اصطلاحاً بدعياً، بل هو اصطلاح مستعمل في حقائق الكلام وكلام العرب، وقد استعمله بعض الأئمة المعتبرين كالإمام الشافعي؛ فإنه يوجد في كلامه في الأم والرسالة ونحوها ذكر الخاصة والعامة. والمقصود بالخاصة: الخاصة من أهل العلم والإمامة في السلوك ونحو ذلك، والعامة: هم من عوام المسلمين الذين لا يصلون إلى هذه الرتبة من الفقه بأصول الشريعة أو الإمامة في وجه من أوجهها. فإذا جئنا للخاصة والعامة في الصوفية، وعرفنا أنهم طبقات مختلفة: فمنهم المقتصدون، وهم من يسميهم ابن تيمية بفضلاء الصوفية، ومقتصديهم ومقاربيهم للسنة والجماعة، أو يسميهم أصحاب السنة والحديث، أو جئنا إلى من فوقهم من المتأثرين بطرق المتكلمين ونحوها، أو جئنا للغلاة المتأثرين بأوجه الفلسفة، فإن الخاصة موجب خروجهم عن الوسطية أمور، وسنذكر هنا أمراً واحداً بالتفصيل؛ لأن المصنف أشار إليه في هذه الرسالة، وهو الاجتهاد المخالف للشريعة، هذا هو الموجب للخروج عن أصول الوسطية الثلاثة في حق الخاصة، وهو أخص الموجبات، ولا نقول: هو الموجب الفرد. أما إذا جئنا للعامة فإن أخص موجبات الخروج عن الوسطية في حقهم هو التعصب، وسيأتي بيانه لاحقاً. أما أصول الوسطية الثلاثة فقد يكون الخروج عنها خروجاً مقتصداً في حق مقتصدة الصوفية الذين يسميهم ابن تيمية: فضلاء الصوفية. وقد يكون الخروج عن الوسطية الشرعية بأصولها الثلاثة فوق هذا، وهذا يكون في حق من هم فوق هذه الدرجة، وقد يكون الخروج عن هذه الوسطية خروجا غالياً، وهذا يكون في حق الغلاة ولعله بهذه الطريقة قد انتظم رسم المنهج.

стр. 48

الاجتهاد المخالف للشريعة إذا تكلمنا عن الاجتهاد فقد يكون من المستغرب الكلام عن مصطلح الاجتهاد في مسائل السلوك؛ لأن المألوف أن مسألة الاجتهاد مسألة من مسائل أصول الفقه، فإن جمهور كتب الأصوليين تكلمت عن مسألة الاجتهاد، وعن الشروط التي يجب أن تتوافر في المجتهد: من علمه بالحلال والحرام، والناسخ والمنسوخ، واللغة وما إلى ذلك، وهذا الذي يذكرونه في الجملة يقصدون به المجتهد في فقه فروع الشريعة. ولكن هذه الكلمة -أعني: كلمة الاجتهاد- كلمة عامة لا تختص بمسائل الفقه المتعلق بالعبادات أو بالمعاملات، بل هذا التضييق لهذه الكلمة ليس حكيماً، ويمكن أن يقال: إن الاجتهاد ينقسم إلى: اجتهاد شرعي، واجتهاد مخالفٍ للشريعة، وهذا التقسيم لا من جهة الشريعة، ولا من جهة اللغة، ولا من جهة الحقائق البشرية المجردة؛ لأن اجتهاد الإنسان قد يكون اجتهاداً مأذوناً فيه، وهذا حتى في التصرفات العادية البعيدة عن الشريعة، قد يجتهد الإنسان في عمل فيكون مخطئاً في تحركه بهذا الاجتهاد وقد لا يكون كذلك. فإذا قلنا: إن الاجتهاد ينقسم إلى قسمين: اجتهاد شرعي، واجتهاد مخالف للشريعة، فالسؤال: هل يلزم من الاجتهاد الشرعي أن يصل صاحبه إلى الصواب؟ الجواب: لا؛ فإن الاجتهاد الشرعي قد ينتج عنه في حق المجتهد صواب، وقد ينتج عنه في حق المجتهد غلط وخطأ، وهو في الحالين على وجه من الشريعة وقبولها، وهذا ما ذكره الرسول ﷺ كما في الصحيحين عن عمرو بن العاص: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر). إذاً: الاجتهاد الشرعي قد يقع عنه صواب في حق المجتهد، وقد يقع عنه غلط، ولكن إذا جرى المجتهدون في مسألة من مسائل الشريعة باجتهاد شرعي، فإنه وإن غلط بعضهم إلا أنه يلزم حكمة وشرعاً أن بعضهم يصل إلى صواب، فلا يمكن أن سائر المجتهدين من الأئمة يضلون الصواب في المسألة؛ لأن الله مضى قدره أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة. أما الاجتهاد المخالف للشريعة فهو بحسب الأبواب، إذا تكلمت في باب العقائد والتصديقات فله كلام، وإذا تكلمت في باب الفقه وما يتعلق به فله كلام، وإذا تكلمت في باب السلوك -وهو الباب المقصود هنا- فله كلام. فأقول: إن الاجتهاد الذي ابتلي به الخاصة من الصوفية -وهو اجتهاد مخالف للشريعة- له ثلاث صور قد تكون هذه الصور متداخلة مع أبواب أخرى من أبواب الإسلام لا تختص بالسلوك، لكن في هذا الباب نقول: الاجتهاد له ثلاث صور، كل صورة تختلف بوجه ما، ونقول: بوجه ما لأن طبقات الصوفية -كما تقدم- قد تكون مقتصدة معتدلة، وقد تكون فوق ذلك، وقد تكون غالية.

стр. 49

الاجتهاد مع وجود النص أما الصورة الأولى التي تختلف بوجه قد يكون مقتصداً وقد يكون فوق ذلك، وقد يكون غالياً مع الأصل الأول الذي هو بناء العلم على الدليل من الكتاب والسنة والإجماع، فهي هو ما نسميه: وجود الاجتهاد مع النص، أو استعمال كثير من الخاصة من الصوفية للاجتهاد مع النص، وهناك القاعدة الشرعية: أنه لا اجتهاد مع النص. وليس المقصود بذلك أنهم اجتهدوا في أوجه من العبادات أو العمل في السلوك والأحوال والمقامات تختلف مع النصوص خاصة؛ فإن هذا قد يكون وجهاً، لكن قد لا تطرد أمثلته المتقابلة. لكن عندنا قاعدة أضبط، وهي أن النصوص الشرعية مضت بأن العبادات توقيفية، وهذا يعتبر قضاء نص، وحكم نص، بل حكم نصوص منضبطة؛ فمن أوجد صورة من صور العمل والسلوك -سواء صورة قلبية نطبقها في الحالة القلبية، أو صورة الحركة والعمل- وليس فيها نص معين، فإن هذا حتى لو قصد بها القربة إلى الله، ورأى أن فيها صلاحاً لنفسه أو ما إلى ذلك، فما دام أنه استعمل هذه الصورة على جهة التعبد ولا يوجد فيها نص، فتسمى هذه الصورة إذا صدرت من الخاصة اجتهاد مع النص. حتى لو قال: إن هذه الصورة تقربه إلى الله، أو ما إلى ذلك، فإن هذا وحده ليس كافياً، بل لا بد أن تكون هذه القربة التي توصل العبد إلى ربه من الطرق والعبادات التي كان يفعلها النبي ﷺ ويشرعها لأمته. وعليه فهذا الوجه من الاجتهاد هو اجتهاد مع النص، وقد يكون هذا النص نصاً صريحاً منع من هذه العبادة ونهى عنها، كمن أراد أن يصوم فلا يفطر أو يقوم فلا يفتر، فنقول: إنه جاء عن النبي ﷺ من النصوص ما يمنع التعبد بهذا الوجه، كما في قصة النفر في حديث أنس وغيره. لكنّ هذا المقام يطرد أكثر؛ لأن العبادات المحدثة لم تحدث كلها في زمن النبوة حتى ينص النبي ﷺ على منعها، بل إن القليل هو الذي حدث ونص النبي ﷺ على منعه، وقد يحدث في القرن شيء لم يحدث في القرن السابق. فقد يقول قائل: ما الدليل على أن هذه الصورة من الذكر أو السجود أو القيام في زيارة القبر أو أي عمل من الأعمال، ما الدليل على أن النبي ﷺ نص على منعها؟ فنقول: الدليل أن النصوص قضت أن العبادة توقيفية، بل هذا من أخص أصول الإسلام، يقول الله : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى:١٣]، ويقول تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فإذا اعتبرنا هذه القاعدة فإن الفوات الذي دخل على كثير من خاصة الصوفية -حتى مقتصديهم وفضلائهم- إنما دخل عليهم من جهة أنهم اجتهدوا في عبادات من الذكر والصلاة والقيام والأحوال القلبية يجدون فيها تقريباً إلى الله -أي: تقريباً لنفوسهم إلى الله ومحبة وما إلى ذلك- ولم يلتفتوا إلى جهة أخرى مقصودة في الشريعة، بل هي من أخص أصولها، وهي المطابقة لصريح الهدي؛ فإن الأصل في العبادات التوقيف. وإذا تأملت أحوال الصوفية في سابق تاريخهم وفي حالهم اليوم، وجدت أن ثمة صوراً كثيرة من العبادات التي قد يكون التأخر إنما دخل عليها من جهة الزمان أو من جهة التخصيص في مكان، أو نحو ذلك من العوارض التي تمنع شرعية العبادة، وذلك مثل الصلاة على النبي ﷺ ؛ فإنه معلوم أن الصلاة عليه ﷺ من أشرف القربات، بل قد تكلم أهل العلم في وجوب الصلاة عليه ﷺ ، والله أمر المؤمنين أمراً فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. لكن طرق الصلاة والسلام على رسول الله هذه قد يدخلها بعض الصورة المتكلفة التي تعتبر محدثة في الإسلام. وقد يكون أصل العبادة مشروعاً ولكنه اتخذ صورة أو زماناً أو مكاناً من التخصيص ليس على تشريعه دليل، فهذا ما نسميه: الاجتهاد مع النص، وهذا كثير في الأفعال التي دخلت على الصوفية، أنهم اجتهدوا في عبادات هي من حيث الأصل قد تكون مشروعة، فالذكر أصله مشروع، فهو عبادة أثنى الله على من يقوم بها، وكذلك الرسول ﷺ ، ولكن الماهيات يجب أن تكون مطابقة للشريعة. وهنا مسألة مهمة: وهي أن المطابقة للشريعة هي مطابقة فقهية، بمعنى: أن بعض الصور قد يختلف الفقهاء في جوازها أو في كونها مشروعة، وقد تقدم أن ثمة أمثلة تكلم فيها الفقهاء فإذا وصلت المسألة إلى انفكاك عن فقه الفقهاء المتقدمين، وعرف أن الفقهاء المتقدمين لا يرون تحصيل هذه الصورة من العمل من فقه الشريعة، فهذا هو الذي نستطيع أن نسميه: اجتهاداً مع النص. أما إذا كانت هذه الصورة من العمل جوزها بعض الفقهاء المتقدمين وفقهها من بعض النصوص، وإن خالفه من خالفه، ففرق بين فعلها والقيام بها، وبين إنكارها وتبليغها، فإن التبديع لا يصح إلا إذا انضبط أن هذه الصورة مخالفة لصريح السنة. أما إذا كان -مثلاً- مالك أو الشافعي أو الأوزاعي أو الثوري جوز فعلاً من الأفعال وفقهه من النصوص، وخالفه الجمهور في ذلك، فهذه المسألة لا تصل إلى درجة أن نسميه اجتهاداً مع النص، وإن كان بعض الناس ظهر له أن النص جاء بخلافها، فهذا أمر لا تناهي له. فالذي نقصده بالاجتهاد مع النص: هو تلك الصور من الفعل والعبادة والحركة التي ربما أصولها شرعية لكن تطبيقها الخاص لم يقر عند أحد من الفقهاء المتقدمين. وهذا يختلف مع الأصل الأول من أصول الوسطية، وهو إحكام العلم بالكتاب والسنة والإجماع، ونقول الإجماع؛ لأنه إذا لم يوجد إجماع بل وجد خلاف بين المتقدمين، فمن اختار وجهاً فلا نقول إنه اجتهد مع النص إذا رأينا أن اجتهاده ليس صواباً، بل هذا يدخل في الاجتهاد الشرعي الذي قال فيه النبي ﷺ : (وإذا أخطأ فله أجر).

стр. 50

الاجتهاد في فقه النص على غير قواعد الشريعة الصورة الثانية من صور الاجتهاد التي دخلت على الخاصة، هي ما نسميها: الاجتهاد في فقه النص على غير قواعد الشريعة التي مضى عليها السابقون الأولون، وهذا وجد عند كثير من خاصة الصوفية أو أكثرهم، وصورته: أنه فقه لكثير من النصوص في مسائل السلوك والعمل على غير القواعد التي مضى عليها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فليس هذا من الفقه، بل إن هذه الأوجه من المحدثات والبدع في السلوك، وقد ترسم هذا الفقه لما انتظم التصوف، فأصبح كثير من الصوفية يفسرون كثيراً من النصوص بالتفسير الرمزي، فيجعلون الآية رمزت إلى معنى في الفعل، وظهرت رمزية بمصطلحاتها، وصاروا يفهمون -مثلاً- من خلع النعلين في قصة موسى معنىً من التعبد والقيام، حتى صنف من صنف منهم تحت هذا الاسم كتاباً. فمسألة الرمزية والإشارة -مع أن مصطلح الإشارة موجود في تنظيم الأصوليين، وهو ما يسمى بدلالة الإشارة ودلالة الإماء وما إلى ذلك -لكن مفهوم الرمزية هذه أو المراميز- كما يسميها ابن سينا والغزالي المراميز والإشارات- هو في تحصيل معاني قلبية يتعبد بها بالقلب، أو معاني حركية، أي: تقوم في حركة العمل الظاهر، من خلال سياقات من القرآن أو من السنة لم يكن الصحابة يفقهونها، فيسمى هذا فقهاً، أي: أنهم فقهوها من نصوص، لكن هذا الفقه لم يبن على قواعد الشريعة التي مضى على فقهها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.

стр. 51

تفسير النصوص بالظاهر والباطن وقد تمثل هذا أكثر -أي: أنه تجاوزت مسألة الإشارة وأنه في هذه الآية أشار إلى هذه العبادة أو هذه الحركة، أو هذا العمل القلبي- تمثل بظهور مصطلح الظاهر والباطن، وصار النص له دلالة تقود إلى عمل ظاهر، ودلالة تسمى بدلالة الباطن، فصار للنص تفسير ظاهر وتفسير باطن. وهذه المسألة -مسألة الظاهر والباطن- التي شاعت في كلام كثير من خاصة الصوفية، هي التي أوجدت اجتهاداً في فقه النص على غير قواعد الشريعة، وهو على غير قواعد الشريعة لأنه لم يكن السابقون الأولون يفهمون أن النص له فقه ظاهر وفقه باطن، فبمجرد هذا الافتراض وإيجاد هذا المعنى المنفصل فإن هذا من الاجتهاد؛ ولذلك فإن كثيراً من أوجه الحركة والعمل أخذت هذا المعنى الذي يسمونه: الظاهر والباطن، وما زال الأمر هنا محاولة في تحصيل مناهج السلوك عندهم من خلال النصوص، ولكن تحت نظرية الرمز والإشارة، وتحت نظرية الظاهر والباطن. هذا الاجتهاد نسميه: الاجتهاد في فقه النص على غير القواعد التي مضى عليها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وقد تمثل هذا في الرمزية والإشارات بفرض الظاهر والباطن في النص ظاهراً. ومن المعلوم أن أئمة الصحابة -وهم أبو بكر وعمر وأمثالهما من السابقين الأولين- لم يكن عندهم شيء من هذا الفقه، وإن كان -وهذا من باب ضبط المسائل- لـ علي وابن مسعود وابن عباس ﵃ بعض الكلمات التي اتكأ عليها من يتكلم في الظاهر والباطن، ومن ذلك قول علي ﵁ كما روى البخاري معلقاً: (حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!)، وكقول ابن مسعود: (ما أنت محدث قوم حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)، وهذا معناه أن علي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄ كانا يفقهان أن للنصوص ظاهراً وباطناً، وهذا غير صحيح، وإنما هذا من باب أن بعض المسائل الشرعية قد لا يحدث بها ابتداء بعض العامة قبل أن تسكن قلوبهم بأصول هي أجل منها في الشريعة، فإن التسليم بالأصول يقود إلى التسليم بالفروع؛ ولذلك كان منهج الأنبياء أنهم يخاطبون أقوامهم المشركين بالأصول، فأول ما قام النبي ﷺ داعياً للعرب لم ينههم عن شرب المسكرات، إنما ابتدأهم بمسألة التوحيد، فمن وحد الله وجعله هو وحده سبحانه المستحق للعبادة وسلم بالنبوة وأن محمداً رسول الله صار عنده التسليم، وإذا تحقق التسليم تحققت الاستجابة، سواء فقه العلة أو لم يفقهها. فهذا هو مقصود علي بن أبي طالب ﵁ من أن بعض الكلام قد لا يحدث به العامة، مثل بعض أحاديث الفتن أو ما إلى ذلك، مثل من يكون غارقاً في المعاصي، فقد لا يناسب أن يحدث بأحاديث رويت عن النبي ﷺ وهي صحيحة، لكن فيها قدر من التخويف. ومثال ذلك: إنسان يرتكب معصية معاكسة النساء، فلا يقال له: إن رجلاً -كما في حديث أبي أمامة في الصحيح- جاء إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! إني خالفت امرأة بالمدينة وأصبت منها كل شيء إلا النكاح، فأعرض عنه، ثم أعرض عنه، ثم قال: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤])، فهذا الحديث يحدث به قوم دون آخرين؛ لأنه من أحاديث الرجاء، وهي تناسب مقاماً، وأحاديث الخوف تناسب مقاماً، فـ علي وابن مسعود ﵄ لم يكونا يتكلمان عن نظرية الظاهر والباطن. أيضاً نجد أن العرب الجاهليين لم يكونوا يفقهون أن هذا الكلام -كلام الله أو كلام الرسول ﵊ له في لسانهم فقه ظاهر وفقه باطن؛ بل إن إرادة معنيين مختلفين من المتكلم الواحد إرادة ممتنعة، يقول ابن تيمية ﵀: "إذا قيل: للنص ظاهر وباطن، أي: معنى ظاهر ومعنى باطن، فإن كان الظاهر موافقاً للباطن فلا جديد، وإذا كان الباطن مخالفاً للظاهر فإرادة معنيين مختلفين إرادة ممتنعة"، أي: إذا كان المعنى مضاداً للمعنى فهذا ممتنع من المتكلم. هذه هي الصورة الثانية من صور الاجتهاد، وهي تختلف مع الأصل الثاني، وهو فقه النص بقواعد الشريعة ومقاصدها، وهذا الاختلاف قد يكون اختلافاً غالياً أو مقتصداً أو بينهما.

стр. 52

اجتهاد بعض الخاصة في ترتيب منازل الشريعة الصورة الثالثة من صور الاجتهاد التي دخلت على الخاصة منهم، وهي من صور الاجتهاد المخالف لقواعد الشريعة، ونسميها: اجتهاد بعض الخاصة في ترتيب منازل الشريعة؛ فإن الصورة الأولى والثانية هي التي ترسم الأعمال المفردة الخاصة من الأحوال والمقامات، إما الظاهرة وإما الباطنة في السلوك، فوجد لدى الخاصة إشكال في ضبط هذه الأعمال والحركات والأحوال والمقامات؛ إما لموجب اجتهاد مع النص، وإما لموجب اجتهاد في فقه النص على غير قواعد الشريعة، فوجدت عندهم كثير من الأحوال القلبية والحركات الظاهرة التي لا أصل لها شرعاً: إما مطلقاً وإما من حيث التطبيق الخاص. فالذي لا أصل له مطلقاً كالرقص والحركات المفتعلة التي لم توجد زمن النبوة لا بشكل ولا بآخر، فهذه -وإن قال من قال: إنه يحصل تحتها حضور قلبي أو ما إلى ذلك- لا أصل لها في هدي المرسلين ودينهم، بل بعض الحركات التي يفعلها الغلاة من هؤلاء أحياناً تكون أشبه بالخرافات والأساطير، وإن كان مقتصدوهم وعارفوهم برآء من هذه الأحوال. والصورة الثانية: أن تكون عبادة لها أصل شرعي، ولكنها من حيث التطبيق الخاص لا دليل عليها، كبعض تطبيقات الذكر وما إلى ذلك. أما الصورة الثالثة من صور الاجتهاد فنسميه: اجتهاد بعض الخاصة في ترتيب منازل الشريعة؛ فإن الشريعة لها منازل، أجلُّها معرفة الله وإفراده بالعبادة، هذا هو أجل مقامات الشريعة، قال النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس)، وفي حديث ابن عمر ﵁ المتفق عليه: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى)، ولما ذكر الإيمان قال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته) .. إلخ، وقال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) ولما ذكر الله سبحانه أهل الإيمان قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، فذكر أصول المنازل، ولما قال الله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] بين صفات المتقين وهي المنازل العالية، ولما ذكر: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] جاء في صفتهم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ [التوبة:١١٢] الآية. فواضح من سياق نصوص الكتاب والسنة أن الشريعة لها منازل، وأن منازل الناس تكون بحسب تحقيقهم لمنازل الشريعة؛ فإن الله سبحانه لم يجعل المؤمنين وجهاً واحداً، بل قال سبحانه: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] .. الآية، ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]. إذاً: لا خلاف في أن الشريعة منازل، وأجل منازلها معرفة الله وعبادته، وهذا ما تجمعه كلمة التوحيد وهي شهادة أنه لا إله إلا الله؛ فإنها تضمنت معرفة الله وإفراده في العبادة. فكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) تدل على توحيد الألوهية؛ لأنها كلمة تتضمن الإقرار بربوبية الله والإقرار بألوهيته؛ فمن شهد أنه لا إله إلا الله وحقق هذه الشهادة فإنه يكون مفرداً لله بالعبادة، فإن معناها: لا معبود بحق إلا هو سبحانه، ومن عبد الله وأفرده في العبادة فقد آمن بربوبيته، فتكون الربوبية متضمنة لتحقيق الألوهية. وأهل العلم يقولون: توحيد الألوهية يتضمن الإقرار بالربوبية، وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، ولذلك لما أقر المشركون بجملة الربوبية جاء سياق القرآن ملزماً لهم بالإقرار بتوحيد الألوهية. فمن الغلط أن تجعل هذه الكلمة في مفهوم الربوبية، وهذا الغلط هو ما فسر به كثير من المتكلمين كلمة الشهادة، فقالوا: معناها: لا خالق إلا الله؛ فإن الله هو الإله المعبود بحق، وإذا كان هو الإله المعبود بحق، فهذا يتضمن الإقرار بكونه هو الخالق والرب والمالك والمدبر. إذاً: نقول: الصورة الثالثة من صور الاجتهاد المخالف الذي دخل على بعض خاصتهم: الاجتهاد في ترتيب منازل الشريعة على غير المنهج الذي اطردت به نصوص الكتاب والسنة. ومن الأمثلة المبسطة لهذا: أن أخص ما يقرب العبد إلى الله هو أداء الفرائض، كما ثبت في الصحيح في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه)، فأخص القرب هي الفرائض، وأخص الفرائض العملية هي الصلوات الخمس .. وهلم جرا. فإذا غلب على قوم أنهم يعنون بشيء من الأحوال التي قد تكون مبتدعة، أو قد لا تكون مبتدعة ولكنها ليست من الرتب العالية في الشريعة، واشتغلوا بها عن العبادات الشرعية -سواء كانت من عبادات الباطن أو عبادات الظاهر، أي: من عبادات القلب أو عبادات العمل- فإن هذا اختلاط في ترتيب منازل الشريعة.

стр. 53

مصطلح الشريعة والحقيقة عند الصوفية يوجد هذا الاختلاط الذي دخل على كثير من الخاصة في مصطلح متداول في كلام كثير من خاصتهم، وهو ما يسمى بالشريعة والحقيقة، حتى أدى الأمر عند جملة منهم إلى الفصل بين الشريعة وبين الحقيقة. ولذلك غلب شهود مقام الربوبية -وهذا عند كثير من خاصة الصوفية حتى بعض المقاربين للسنة كـ الهروي صاحب المنازل- عن شهود مقام الألوهية؛ فـ الهروي يقول: "إن العارف والمحقق -أي من وصل إلى الحقيقة- لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة"، وليس معناه أنه يقول: يفعل الحرام ولا يبالي، لكن يقول: إن مسألة الاستحسان للحسنة والسيئة يتجاوزها إلى مسألة الشهود لحقيقة الرب المدبر الذي العبد يتدبر ويتحرك من جهته. ولهذا مالوا إلى مسألة عدم تعليل أحكام الشريعة، وهذا أصل نظري كان أصله من الجهمية، ثم دخل على كثير من متكلمة الصفاتية وكثير من المتصوفة، فهم يرون أن العلة في أفعال الرب أنه يأمر بما يشاء لمحض المشيئة وليس لحكمة معينة، وينهى عباده عما يشاء لمحض المشيئة وليس لحكمة معينة، فجردوا فعله عن الحكمة، وهذا من باب -في نظر الصوفية- أن هذا هو المقصود الإلهي الأول، أنه لتحقيق معنى العبودية تتبع المشيئة المطلقة، دون أن يشهد العابد والعارف -كما يقول الهروي - معنىً مناسباً يقوده إلى القيام بهذا العمل، أو معنىً مناسباً يقوده إلى ترك العمل، بل يكون المحرك لفعله هو مطابقة المشيئة المطلقة. فالمقصود أن ترتيب منازل الشريعة ترسم عند كثير من الخاصة بما سموه: مصطلح الشريعة والحقيقة، وجعلوا العارف هو من وصل إلى مقام الحقيقة، وجعلوا للحقيقة منازل، ثم تختلف درجاتهم في منازل الحقيقة بحسب الطبقات، فمنهم مقتصد ومنهم فوق ذلك، ومنهم من يكون غالياً في تفسيره للحقيقة. فالتفريق بين مسألة الشريعة والحقيقة من الاجتهاد الذي دخل عليهم في ترتيب منازل الشريعة، وهذه الصورة من الاجتهاد تختلف بوجه مع الأصل الثالث من أصول الوسطية، ولذلك قلنا: إن الفقه المعتبر عند المتقدمين هو التفريق بين الأصول والفروع. فإن من منازل الشريعة الصحيحة: أن للشريعة أصولاً وفروعاً، وقد تقدم أنه لا إشكال في هذا المصطلح، فإن توحيد الله وما إلى ذلك يسمى أصولاً، وهذا لا أحد يجادل فيه إلا ربما ناقص العقل والتفكير، لكن الذي قد يتردد فيه بعض الناس عند كلمة الأصول هو: ماذا يقابلها؟ ففي كلام الأئمة من السلف يكثر ذكر مسألة أصول الدين .. أصول السنة .. أصول الإيمان .. فكلمة الأصول مستفيضة في كلام أئمة الشريعة. إنما الذي لم يستفض هو مصطلح التقابل: أصول وفروع، وإن كان بعضهم كـ أبي عبيد القاسم بن سلام قد صرح به، وكذلك الشافعي، ثم لما انتظمت الاصطلاحات نبه الإمام ابن تيمية إلى الغلط الذي دخل في تفسير هذا المصطلح. إذا: ً فقه الأصول والفروع وفقه المحكم والمتشابه هذا هو المنهج الذي تنضبط به منازل الشريعة: أن يفرق العابد والعارف والسالك بين العبادات والسلوك الأصول وبين العبادات والسلوك الفروع، كما قال الشارع ﵊: (أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، مع أن إماطة الأذى عبادة وقربة إلى الله إذا وقعت على جهة التقرب، ومع ذلك ليست هي كالصلاة، وصلاة الضحى ليست كالصلواتالخمس، بل إن الشارع فضل بين بعض الصلوات بعضها على بعض، فذكر نصوصاً في بعضها لم تذكر في غيرها، وكذلك النوافل، فراتبة الفجر هي أجل الرواتب .. وهلم جرا. فهذا فقه بين في الشريعة، كان الصحابة يفقهونه فقهاً ظاهراً بيناً لا جدال فيه. إذاً: الصورة الثالثة من صور الاجتهاد المخالف للشريعة التي دخلت على كثير من خاصتهم هي اجتهادهم في ترتيب منازل الشريعة على غير ما مضت به النصوص، وانتظم هذا في مصطلح الشريعة والحقيقة، وهذا يختلف بوجهٍ -قد يكون هذا الوجه مقتصداً، أي: ليس مطرداً، وقد يكون فوق ذلك، وقد يكون غالياً- مع الأصل الثالث من أصول الوسطية الشرعية، وهو فقه الفرق بين الأصول والفروع والمحكم والمتشابه. ونتج عن ذلك أن اشتغل كثير من هؤلاء بأوجه من العمل أقل ما يقال فيه: إنه متشابه، فاشتغلوا به عن المحكم، فضلاً عن العمل المبتدع في الإسلام الذي هو أوجه من الغلو، فهذا شأن ابتلي به كثير منهم، وإن كان لم يطرد عند أئمتهم العارفين من السابقين الذين كانوا على قصد من السنة والجماعة، وكثير من هؤلاء قد يكون سماه الناس صوفياً وهو لم يتسم بذلك، إلى غير تلك التعليقات والتقييدات التي سبق أن أشرت إليها. فهذه النظرية التي دخلت على الصورة الثالثة من صور الاجتهاد -وهي مسألة الشريعة والحقيقة- أدت عند الغلاة إلى الفصل بين الشريعة وبين الحقيقة، حتى صار المقصود عند الغلاة منهم هو الوصول إلى الحقيقة وليس إلى تحقيق أو إلى رتبة الشريعة.

стр. 54

مصطلح الشريعة أجل من مصطلح الحقيقة لا شك أن مصطلح الشريعة أجل من مصطلح الحقيقة؛ لأن مصطلح الشريعة أصله حرف شرعي، فإن الله ذكر مسألة الشرع والتشريع في مثل قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى:١٣] وما إلى ذلك، فوصل الغلو عند بعض الخاصة إلى الفصل بين الشريعة وبين الحقيقة، حتى صار عند كثير من هؤلاء الغالية أن أوصلوا كثيراً من الشريعة العملية لأحوال ومقامات جعلوها من الحقيقة التي هي في نظر غاليتهم أجل من الشريعة. وإن كان ليس كل من تكلم بالشريعة والحقيقة منهم يلزم أن يكون على هذا الفصل، بل منهم من يكون مقتصداً في تقرير هذا المعنى، ومنهم من يكون غالياً فيه. هذه الصور الثلاث من صور الاجتهاد هي التي أوجدت عند الخاصة خروجاً عن الوسطية الشريعة، وقد ابتلي الخاصة بهذا الاجتهاد، وهم قد لا يسمونه اجتهاداً، وإنما يسمونه ذوقاً أو كشفاً أو مقاماً أو حالاً أو ما إلى ذلك، فهو حال اجتهاد بمعنى: حركة في رسم مفهوم السلوك وتطبيقه، وهو إما اجتهاد مع نص، والنص هنا إما نص كلي وإما قاعدة كقاعدة أن العبادات توقيفية، وإما أنه اجتهاد في فقه على غير قواعد السابقين الأولين لتحصيل العبادة والفعل من أوجه من النصوص، وإما أنه اجتهاد في ترتيب منازل الشريعة على غير الترتيب الذي مضت به النصوص. هذه الصور الثلاث هي التي ابتلي بها كثير من الخاصة أو أكثرهم، وإن كانت مخالفتهم فيها قد تكون مخالفة مقتصدة، وقد تكون فوق ذلك، وقد تكون غالية؛ فإن من الصوفية مقتصدين، أي: مقاربين للسنة والجماعة في الجملة، ومنهم فوق ذلك، ومنهم من يكون غالياً في تصوفه.

стр. 55

ظهور الانفصال عند المسلمين في أبواب الشريعة بعد ظهور التصوف هنا مسألة: وهي أنه لما ظهر اسم التصوف وانتظم هذا الاسم في أواخر المائة الثانية، ظهر إشكال لم يكن له وجود في زمن القرون الثلاثة الفاضلة، فإنه لما حصل ما يمكن أن نسميه: انفصال بين العلوم، بدأ المسلمون -حتى الخاصة منهم- ينقسمون، فتجد أن بعض الخاصة مشتغل بفقه الفروع، وأمضى جل عقله وتفكيره ونظره في تحصيل مسائل الفروع على مذهب معين، والانتصار لهذا المذهب، وتحرير المذهب، ولذلك قد تجد في أعيان الفقهاء المتأخرين من هو ليس من أهل حسن القول، لا نقول: من أهل السلوك في شخصه، فهذه أحوال بينه وبين الله، الأصل فيهم العلم والفضل، لكن في تقريرهم وكتابتهم ليس لهم اشتغال بتكييف وتقرير مسائل السلوك، وليس لهم اشتغال ربما بما هو ألصق بالفروع التي يتكلمون بها وهي مسائل الحديث؛ ولذلك ظهر عند كثير من الفقهاء الاستدلال بالضعيف أو بالمتروك أحياناً في الانتصار لمذهب من المذاهب الفقهية، فظهر من يشتغل بالفقه اشتغالاً محضاً، ووجد من يشتغل بعلم الحديث اشتغالاً محضاً، ووجد من يشتغل بالوعظ اشتغالاً يغلب عليه، ومن يشتغل بالسلوك والتصوف اشتغالاً يغلب عليه، ومن يشتغل بالكلام والجدل والنظر اشتغالاً يغلب عليه. وهذا حقيقته نوع من الانفصال في حركة العلوم، ابتدأت فيما يظهر من أواخر القرن الرابع، ثم انتشرت انتشاراً ذريعاً في القرن الخامس والقرن السادس. وهذا الإشكال امتد إلى هذا العصر، ولذلك يلاحظ في العالم الإسلامي أن الوعاظ يغلب عليهم أنهم ليسوا من أهل الفقه والعلم المتين، مع أنه قد يكون عندهم شيء من العلم اليسير.

стр. 56

ظهور التعصب والتكلف بسبب الفصل بين أبواب الشريعة فهذا الانفكاك أدى إلى نوع من الشعور الداخلي أحياناً لدى المشتغل بالفقه أن الذي يشتغل بمسألة الصحيح والضعيف والعلل ليس على شيء كبير، وأن مسألة دراسة الإسناد انتهت مع الزهري والإمام أحمد ويحيى بن سعيد وابن معين، ومن يشتغل بالحديث يرى أن الذي يشتغل بالفروع إنما يجهد ذهنه في تقليد وتحصيل مذهب، وأن اشتغال الفقهاء المتأخرين كان فيه قدر من التكلف، وكذلك المنقطعون للسلوك. وفعلاً ربما وجدت أوجه من التكلف في هذا الانفصال، وأنا أقول هذا الكلام لأصل إلى هذه النتيجة. ولذلك لما تكلم ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم عن مسائل التشبه بغير المسلمين من أهل الكتاب أو غيرهم قال: "إن التشبه قد يدركه كثير من العامة، ومع الأسف يدركه كثير من الخاصة على أنه في اللباس"، ولذلك تجد بعض الإخوة الآن ينكرون على عوام الناس وربما على الأطفال أحياناً بعض مظاهر اللباس الذي فيه تشبه بغير المسلمين، وهذا فقه جيد، لكن بعض طلبة العلم أحياناً قد يبتلون بأوجه من التشبه بأهل الكتاب، ربما هي أشكل شرعاً -أي أشد شرعاً- من تشبه صبي في لباس معين. يقول ابن تيمية ﵀: ومن أخلاق الأمم الكتابية المنحرفة عن كتابها ما ذكره الله في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١١٣]، يقول ابن تيمية: وهذا الخلق عند منحرفة أهل الكتاب قد دخل كثير منه على أهل الإسلام، فترى صاحب العلم والشريعة -أي: المشتغل بالعلوم- لا يرى صاحب الزهد والعبادة على شيء، وترى صاحب العبادة والأحوال والمقامات لا يرى صاحب العلم على شيء، وترى صاحب الجهاد ما يرى أصحاب العلم على شيء .. ولربما بعض أصحاب العلم لا يرون أصحاب العبادات على شيء وهكذا. وهذا ليس مختصاً بأهل الكتاب، بل هذا خلق مباين للإسلام الذي بعث به الأنبياء ﵈؛ فإن الله لما ذكر أجناس الكفار ذكر المفترقين على كتب الأنبياء ووصفهم بقوله سبحانه: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، وهذا كثير منه اليوم سببه نقص العقل، وقد يكون عنده شيء من العلم لكن ما عنده هذا العلم مع الفقه فيه.

стр. 57

اشتغال الإنسان بما يناسب نفسه وطبيعته لذلك نقول: من أمانة الإنسان -لأنه سيحاسب على كل قوله- إذا لم يجد عقلاً متيناً في الحكمة والفصل والتصحيح والتضعيف للأقوال والأفعال فليبتل نفسه بما آتاه الله؛ لأن الله يقول: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة:٤٨]. بعض الناس يدرك من نفسه وطبيعته - قد تكون وراثية أو غير وراثية- أنه رجل حاد، رجل شديد، رجل لا يحتمل الأخذ والعطاء، فلابد أن يكون الإنسان عاقلاً مع نفسه، ويعيش -إن صح التعبير- سلاماً مع نفسه. فإن أبا ذر رضي الله تعالى عنه لما سأل النبي ﷺ الإمارة قال له الرسول ﷺ : (يا أبا ذر) لاحظ الحقيقة والتشخيص النبوي والوضوح، فلا يعني إذا كنت طالب علم أنك ستصير طالب علم، وإذا كنت داعية أنك ستصير داعية، قال: (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تتأمرنّ على اثنين) أي: حتى اثنين لا تتأمر عليهم. لكن لما تشوف بعض الصحابة ﵃ إلى الإمارة، ما عاب النبي ﷺ بعض تشوقهم، بل قصد ﵊ إلى أن يعطي الإمارة قوماً كان أبو ذر رضي الله تعالى عنه أفضل منهم في المقام؛ لأن الإنسان الذي يصلح لكل شيء هم الرسل والأنبياء؛ وذلك لأن الله اصطفاهم واختصهم. أما من لم يكن نبياً ولا رسولاً فإنه يصلح لأشياء ولا يصلح لأشياء، والقدماء كانوا متعقلين في تناولهم الأمور، فهذا أبو حنيفة ﵁ ورحمه كان فقيهاً، حتى قال الشافعي ﵀: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة "، لكن لم يتيسر له الاشتغال بعلم الحديث، فلم يركب فيه صعباً، وهكذا العاقل، فالشيء الذي لا يحسنه لا ينبغي أن يركب فيه صعباً، خاصة في مسائل الدين والفتوى والحكم والفصل بين الناس، فقد قال النبي ﷺ في حديث خولة بنت حكيم في البخاري: (إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق، لهم النار يوم القيامة)، فهذا فيمن يتخوض في مال الله بغير حق، فما بالك بمن يتخوض في دين الله بغير حق؟! ومن المعلوم أنه ليست هناك نظم للفصل: هذا يصلح لهذا وهذا لا يصلح لهذا، لكن يجب أن يحاسب الإنسان نفسه ويتبصر في الأمور، ولا يقول القول إلا وقد اطمأنت نفسه إليه، ولا يستبعد أن يتوقف في كثير من المسائل؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، فلا يستنكف أن يتوقف في مسائل وأن يعرض عن مسائل وأن يقول: لا أدري، في مسائل .. وغير ذلك من آداب الشريعة التي تجدونها مبسوطة في كلام الله وكلام رسوله ﵌.

стр. 58

تقصير كثير من أهل السنة في الكلام عن السلوك بحجة أنه من اختصاص الصوفية الشاهد: أنه لغلبة مسائل السلوك في تاريخ الإسلام بعد المائة الثالثة على الصوفية؛ أصبح هناك تقصير عند كثير من أصحاب السنة والجماعة في تقديرهم لمسائل السلوك، وكأن القول في السلوك لا يقول فيه إلا واعظ قليل العلم، ولربما أحياناً قليل العقل. أما أنها مسائل تختص بالتصوف، فهذا ليس بصحيح؛ فإن فقه الإسلام والعبادة -بمصطلح أصح- والعمل هو من أصول الإسلام، ومن المعلوم أن السلف يقولون: الإيمان قول وعمل، فيجب أن يكون أهل السنة والجماعة وأصحاب السنة والجماعة على قدر من العناية بفقه مسائل السلوك وترتيبها والقول فيها. والصوفية الذين تكلموا في ذلك لا أحد يجادل في أن كثيراً من الكلام الذي قاله المحققون والمقتصدون منهم أنه كان كلاماً حسناً، وقد تقدم جواب ابن تيمية لمن سأله عن كتاب إحياء علوم الدين لـ أبي حامد الغزالي، وأبو حامد إمام في مسائل السلوك على تصوفه المعروف، وله إمامة في أصول الفقه، وإن لم يكن إماماً مطلقاً على تحقيق السنة والجماعة، كما يقال: الإمام الشافعي؛ لأن البعض يستشكل قولنا: هذا إمام، فنقول: هو إمام في فقه الشافعية، وفي أصول الفقه، فإن له كتاب المستصفى، وهو من أخص كتب الأصول التي نظمت مسائل الأصول، مع أنه متأثر بإشكالية معروفة، وهي إشكالية علم الكلام، لكنه ليس من الأئمة الذين يحملون الإمامة المطلقة، كما حملها الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وقد أطلق هذا اللفظ الإمام ابن تيمية ﵀ لما عرض له القول في عبد الله بن سعيد بن كلاب، فقال ﵀: "وأبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام له علم وفقه ودين"، فمسألة الإمامة مسألة إضافية. فمسائل السلوك أولى بالفقه فيها من عنده أصول محققة، وهي أصول السلف، وأصول أئمة السنة والجماعة، وذلك حتى لا يكون هذا الباب متاهة لعوام المسلمين في أوجه من البدع والمحدثات في الدين، أو الاشتغال بالمتشابه من العمل عن محكمه، فضلاً عما قد يصل إليه من درجات الغلو والخرافات والأساطير.

стр. 59

شرح الوصية الكبرى [٦] دين الله تعالى وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، فقد وجد من أهل البدع من غلا في دين الله وأفرط، ومنهم الخوارج الذين غلوا في جانب العبادة حتى مرقوا من الدين كما مرق السهم من الرمية.

стр. 60

الإفراط والتفريط كلاهما مذموم قال المصنف ﵀: [وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر، إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه]. التفريط يغلب على أهل المخالفة والمعصية، والإفراط هو الذي يتحرك به الشيطان ليضل به من هو قاصد للعلم والسنة والتدين، فهؤلاء يحركهم الشيطان، ويتحرك الشيطان إليهم بعبارة أصدق، فيدخل عليهم من باب الإفراط. والإشكال في هذا الأمر أن شعور العبد بتأثير الشيطان عليه في مسائل المعاصي والمخالفات شعور مكشوف ومباشر؛ فإن الذي يسرق يعلم أنه أتى معصية بأثر الشيطان وتهوين الشيطان لها، وما إلى ذلك، لكن الإشكال أن الذي يقع في الإفراط لا يدري أن ذلك من تأثير الشيطان وإضلاله، والمشكلة اليوم أن كثيراً من العوام وبعض الخواص تربوا على أنه كلما شب الإنسان في قضية من القضايا، وكلما أعطى أحكاماً مغلظة أشد، فمعناه: أن لديه تديناً أكثر وصدقاً أكثر وصلاحاً أكثر، وهلم جرا من المعاني؛ لأن هذا هو الصالح، وهذا هو السلفي الصحيح، والسني الصحيح والذي لا تأخذه في الله لومة لائم .. وما إلى ذلك. وقد ينشأ هذا عن صلاح في النفس، وهذه قوة، لكن القوة توزن بميزان الشريعة؛ فإن أول فتنة انشق أصحابها عن جماعة المسلمين وعن صحابة رسول الله ﵊ هي فتنة الخوارج، وقد ذكر النبي ﷺ الخوارج ولم يذكرهم بترك العبادات، بل قال ﵊: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم).

стр. 61

إفراط الخوارج في العبادة قال المصنف ﵀: [وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه، قد اعترض الشيطان كثيرًا ممن ينتسب إليه، حتى أخرجه عن كثير من شرائعه، بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة]. قوله: (من أعبد) أي: من أكثر هذه الأمة عبادةً وورعاً، حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرمية. قال المصنف ﵀: [وأمر النبي ﷺ بقتال المارقين منه، فثبت عنه في الصحاح وغيرها من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن حنيف]. هذه النصوص متواترة، قال الإمام أحمد ﵀: "صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه"، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه حديث الخوارج من هذه الأوجه، وأخرج البخاري طرفاً منه، وفي حديث أبي سعيد ﵁ المتفق عليه أن النبي ﷺ بعث إليه علي ﵁ بذهب من اليمن في أديم مقروض .. فقسمة النبي ﷺ بين أربعة نفر، فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: (اعدل يا محمد!)، فلم يقل: حقي يا محمد، إنما قال: اعدل يا محمد! وهذه هي الإشكالية، فإن هذا الرجل قل أدبه أكثر من اللازم لما قام أمام النبي ﷺ ، مع أنه هو الإمام العدل. فأحياناً بعض هذه الصور النفسية توجد لدى البعض من الناس حينما يرى أن نفسه -إن صح التعبير كما في بعض الكتابات- نفس ملائكية، أي: يرى نفسه نفساً فاضلة؛ فتجده ينظر إلى الآخرين على أنهم ليسوا جادين في التمسك بالسنة، وفي الغيرة على دين الله، وحدود الله، والغيرة على المسلمين، والاهتمام بقضايا المسلمين. فمسألة الانطلاق من المبدأ السامي الصحيح لا يلزم بالضرورة أن الإنسان يأمن على نفسه أن يكون الشيطان قد وظف هذا المبدأ في نفسه بمعنى يخالف الشريعة، فهذا الرجل قال: (اعدل يا محمد! فإنك لم تعدل، فقام خالد بن الوليد -وفي رواية: عمر بن الخطاب والروايتان في الصحيح- فقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : لعله أن يكون يصلي)، وهذا من فقه الشرع، أن مسائل القرائن لا تعتبر في مسائل الظاهر كثيراً، فإن هناك مسائل من الظاهر مثل مسألة الدماء فلا يستبيح الإنسان دم المسلم بقرائن، ومثال ذلك: قصة أسامة بن زيد -كما في الصحيحين من أوجه- أنه لما قاتل أسامة رجلاً من المشركين، فلما أدركه بالسيف بعد أن لاذ منه في شجرة ورأى أن أسامة ﵁ قاتله، قال الرجل: لا إله إلا الله، فواضح من جملة القرائن المحتفة أن الرجل إنما قالها تعوذاً؛ لأنه خرج يقاتل المسلمين، فهو لم يفكر بالإسلام، فلماذا لم يأته الإسلام إلا لما رأى السيف؟! فلما قتله أسامة وجاء إلى النبي ﷺ وأخبره، قال له: (يا أسامة! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! إنما قالها خوفاً من السيف -وفي رواية: إنما قالها تعوذاً- قال: أفلا شققت عن قلبه؟)، ومعنى كلمة: (أفلا شققت عن قلبه؟) أن القرائن لا تحكم هذا التصرف. ففي هذه النصوص من الفقه ما ينبغي لطالب العلم أن يعتبره، وهذا من أجل الفقه، فهو أهم من أن تعرف فرعاً في مسألة في تفاصيل معاملة من المعاملات أو شيء من هذا، فإن هذا هو الفقه الأكبر، وهو فقه العقائد، وفقه مقاصد الشريعة الكلية. وكما قال أبو حنيفة عن باب العقائد والتوحيد أنه الفقه الأكبر، حتى ذكر له كتاب في هذا، وإن كان الغالب أنه ليس له. والمقصود: أن النبي ﷺ قال (لعله أن يكون يصلي. قال خالد: يا رسول الله! وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس بقلبه، فقال ﵊: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم)، هكذا في رواية الصحيح، فكيف لم يؤمر أن ينقب عن قلوب الناس مع أن الرجل قد تلفظ وقال: اعدل يا محمد! ومع ذلك لم ير رسول الله ﵊ قتله، حفظاً لمقاصد الإسلام العامة، وكما قال في عبد الله بن أبي: (حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه).

стр. 62

شرح الوصية الكبرى [٧] وقع في عهد الصحابة ﵃ قتال تعددت أنواعه وأسبابه، فقد وقع في عهد أبي بكر ﵁ قتال للمرتدين، وفي عهد علي ﵁ وقع القتال للخوارج، وهذان مما أجمع عليهما الصحابة، لكن وقع في عهده ﵁ قتال بين الصحابة أنفسهم، حكمهم فيه بين مجتهد مصيب له أجران، ومجتهد مخطئ له أجر واحد.

стр. 63

أنواع القتال الذي وقع في زمن الصحابة قال المصنف ﵀: [وغير هؤلاء؛ أن النبي ﷺ ذكر الخوارج فقال: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم ـ أو فقاتلوهم ـ فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)]. شرع الشارع ﵊ قتالهم، والقتال حصل في خلافة علي بن أبي طالب ﵁. وسوف نستطرد هنا في تلخيص مسألة عارضة، وهي أن القتال الذي وقع في زمن الصحابة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: قتال أبي بكر لمن خالف في زمنه، وهم ثلاث درجات، وهو ما سمي بقتال المرتدين. الثاني: قتال الصحابة في إمارة علي للخوارج. الثالث: القتال الذي حصل بين الصحابة، بين علي ومعاوية في صفين وفي معركة الجمل.

стр. 64

قتال أبي بكر للمرتدين ومانعي الزكاة فالأول: وهو الذي في زمن الصديق رضي الله تعالى عنه، فهو ثلاث درجات: الأولى: قوم ارتدوا عن أصل الإسلام، ورجعوا إلى عبادة الأوثان، فهؤلاء لا جدال بين سائر المسلمين أنهم كفار مرتدون. الثانية: قوم جحدوا وأنكروا وجوب الزكاة، وهؤلاء أيضاً بالإجماع أنهم أهل ردة، وإنما قيل بالإجماع لأنه منضبط، وإلا فهناك شذوذ من بعض الفقهاء المتأخرين من أصحاب الشافعي تكلم في ترددٍ في كون هؤلاء من أهل الردة، فهذا عند بعض أصحاب الشافعي وغيره لا يعتبر. الثالثة: قوم امتنعوا من دفع الزكاة لـ أبي بكر وأمرائه وسعاته، وتحيزوا بالسيف على منعها، وإن كانوا لم يظهروا جحد وجوبها، هذا هو اللفظ الصحيح، أما الجزم بأنهم لم يجحدوا وجوبها فهذا ليس بلازم؛ لأن هذا الامتناع يقود إلى قدر من الشك في بقائهم على الإقرار بها أو عدمه، فيقال: إنهم منعوا دفعها وتحيزوا بالسيف وإن لم يظهروا إنكار الوجوب. فهؤلاء أيضاً قاتلهم الصديق والصحابة، والذي مضى عليه كلام جمهور المتقدمين بل عامتهم، حتى حكاه بعض المتقدمين إجماعاً للصحابة -كما يشير إليه أبو عبيد، وكما يذكره ابن تيمية لعامة أهل السنة المتقدمين- أن هؤلاء أهل ردة، وإنما الردة لحقتهم بهذه الأمور المجتمعة، وليس بمحض ترك الزكاة، يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "إن هذا مذهب أئمة المدينة كـ مالك وأمثاله وأئمة العراق وما إلى ذلك"، وإن كان المشهور عند الفقهاء من أصحاب الأئمة الثلاثة: الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وبعض أصحاب أحمد، أن هؤلاء بغاة وليسوا أهل ردة، بل ذكر الخطابي ﵀ أن الجمهور من الفقهاء على أن هؤلاء من أهل البغي وليسوا من أهل الردة, فهذه من المسائل التي تختلف فيها طريقة جمهور المتأخرين عن طريقة جمهور المتقدمين.

стр. 65

قتال علي بن أبي طالب للخوارج القسم الثاني: وهو قتال علي بن أبي طالب ﵁ للخوارج، وقتال الخوارج الذين كفروا المسلمين وكفروا علياً والصحابة ﵃، واستحلوا دماءهم -وهم الذين حدث النبي ﷺ بشأنهم- قتال مشروع بالنص والإجماع. أما النص فهو قول النبي ﷺ بالروايات المستفيضة-: (قاتلوهم؛ فإن لمن قاتلهم أجراً عند الله، لو يعلم المقاتل لهم ما أعد له من الأجر لنكل عن العمل) إلى غير ذلك. وأما الإجماع فهو إجماع الصحابة على تصويب علي في القتال، وإن كان بعض الصحابة لم يشارك فيه لسبب، لكن لم يظهر أحد من الصحابة الإنكار على علي بن أبي طالب في قتالهم. لكن قتال الخوارج ليس قتال ردة؛ لأنهم ليسوا مرتدين وليسوا كفاراً، بل هم عند جماهير السلف وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن الخوارج الأولى في ظاهر مذهب الصحابة أنهم مسلمون ولكنهم مبتدعة باغون ظالمون"، وإن كان كثير من الفقهاء المتأخرين -ويحكى هذا رواية عن الإمام أحمد - كفروا الخوارج، وهذا غلط مخالف لعامة فقه الصحابة، فإنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه نطق بتكفيرهم، بل سنة الصحابة -مع إجماعهم على قتالهم- في قتالهم جروا فيهم بسنة المسلمين. فإن هناك فرقاً بين سنة الحرب مع المسلمين، وبين سنة الحرب مع الكفار، فهم جروا فيهم بسنة المسلمين، فلم يجهزوا على الجريح، ولم يتبعوا المدبر، ولم يقسموا الغنائم من أموالهم وما إلى ذلك، ومن هنا أخذ شيخ الإسلام والإمام أحمد من المتقدمين أن علياً والصحابة لا يرون كفرهم وردتهم، وفي مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة أن علياً ﵁ سئل: (يا أبا الحسن أكفار هم؟) وانظر إلى فقه علي ودينه؛ لأن من جمع الدين والفقه فهذا هو المستقيم، قال: (من الكفر فروا. فقيل: يا أبا الحسن! أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً)، وهذا من فقه الاستنباط عنده ﵁، قيل: (فما هم؟ قال: هم إخواننا بغوا علينا)، ثم قال جملة لا بد لطالب العلم أن يتفقه فيها، قال: (هم إخواننا بغوا علينا أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا)، وهذا هو الأمر الخطير، وهو أن الإنسان يدخل فتنة فيكون أعمى أصم فيها، ولذلك استطال الأمر بهؤلاء الخوارج حتى قتلوا علياً رضي الله تعالى عنه. وقد استدل من يقول بكفر الخوارج بأن النبي ﷺ قال: (يمرقون من الدين)، فيقال: هذا من حيث كلام العرب لا يدل على الكفر، وباختصار: أولى الناس بفقه كلام النبي ﷺ هم الصحابة رضوان الله عليهم، ولو كان هذا الحرف يدل على كفرهم نصاً أو ظاهراً لقضوا به؛ لأنه قضاء رسول الله ﷺ ، ولذلك ما ترددوا في قتالهم؛ لأن النبي ﷺ قد شرع قتالهم. أما من يقول: نحن متعبدون بالنص. فنقول: هذه هي الإشكالية في المسائل الوسطية، أن فقه النص لا بد أن يكون على قواعد السابقين الأولين.

стр. 66

القتال الذي وقع بين الصحابة القسم الثالث: وهو الاقتتال الذي حصل بين الصحابة ﵃ أنفسهم في معركة الجمل، وأشد منه في معركة صفين، وهذا القتال فيه جملتان: الجملة الأولى: أن الأصل عند أهل السنة والجماعة الإمساك عما شجر بين الصحابة ﵃، فينبغي أن يقال للعامة -وهذا جواب الإمام أحمد لبعض العامة الذين سألوه عن الخلاف الذي وقع بين الصحابة-: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]. لكن هذا الإمساك الذي يذكره أئمة السنة في كتب أصول الدين لا يعني عدم التحقيق لجمل وكلمات بينة في السنة، ومن هذه الكلمات: أن علياً هو الخليفة الراشد بعد عثمان، وأن خلافته حتى مع قتال معاوية ومن معه له أن خلافة علي خلافة شرعية، وقد قال الإمام أحمد: من لم يربع بـ علي بالخلافة فهو أضل من حمار أهله، فخلافة علي بن أبي طالب خلافة شرعية. ومن الجمل المحكمة: أن علياً أولى بالحق من غيره. ومن الجمل المحكمة: أن المقاتلين له طائفة باغية من حيث كونهم طائفة؛ لقوله ﵊ كما في الصحيح: (تقتل عماراً الفئة الباغية)، ولذلك يقول ابن تيمية: "ولم يشك أئمة السنة في أن علياً أولى بالحق من غيره، وأن مقاتليه أو أن الطائفة المقاتلة له باغية، وإن كانوا يترددون في تسمية أعيانهم"، لأن النبي ﵊ وصف الطائفة، ولا يلزم من هذا أن يوصف المعين، ولا سيما إذا كان المعين صحابياً، بل يوقف كما وقف النص ويقال: الطائفة باغية. إذاً: الإمساك عما شجر بين الصحابة هو أصل عند أهل السنة، لكن لا يفهم منه أن لا يقال بهذه الكلمات البينة التي جاءت بها النصوص ومضى عليها الأئمة.

стр. 67

حكم القتال الذي وقع بين علي ومعاوية ثم حصل القتال بين علي ومعاوية في معركة صفين، فهل هذا القتال قتال مشروع، أم ليس قتالاً مشروعاً؟ لأهل العلم ثلاثة أقوال: الأول: أنه ليس مشروعاً. الثاني: أنه مشروع. الثالث: التوقف. أما الذين قالوا: إن هذا القتال قتال مشروع، فجميع من قال بذلك من المتقدمين لا يختلفون في أن الصواب فيه مع علي، وإن كان بعض أصحاب المذاهب من المتأخرين تكلموا بخلاف ذلك، فهذا لا يعتبر، ولم يقل أحد من المتقدمين إن الصواب مع معاوية وليس مع علي. وأما من توقف فإنه أعرض عن الفصل في هذا المقام لتردده فيه. وأما من قال: إنه ليس مشروعاً، فهذا يقول ابن تيمية عنه: "إنه مذهب الجمهور من أهل السنة والحديث"، فهم مع تفضيلهم لـ علي، وأنه الخليفة الرابع، وأن مخالفيه هم الطائفة الباغية، إلا أنهم لا يرون القتال مشروعاً، وهذا مذهب الإمام أحمد ﵀. وقد بين شيخ الإسلام أن أكثر الصحابة الذين أدركوا الفتنة بين علي ومعاوية لم يشاركوا في المعركة، ويذكر في ذلك رواية عن ابن سيرين يقول ابن تيمية عنها في منهاج السنة: "إن هذا من أصح الأسانيد على وجه الأرض إلى ابن سيرين "، يقول ابن سيرين: "إنه لم يشارك في القتال بمعركة صفين من الصحابة إلا بضع وثلاثون صحابياً"، مع أن مجموع الجيشين والعسكريين كانوا بالآلاف، فيستنتج شيخ الإسلام أن جمهور الصحابة الذين أدركوا الفتنة كانوا معرضين عن القتال، ويذكر لهذا أمثلة، من أخصهم: سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وغيرهم. فإن سعداً اعتزل الفتنة، وكان أسامة بن زيد موالياً لـ علي، لكنه لما وقع القتال كتب لـ علي بن أبي طالب يقول -كما في الصحيح-: (يا أبا الحسن! لو كنت في شق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره)، وهذا فقه متين، فلا يلزم من أن الإنسان مشى خطوة أن يمشي العشر الخطوات الباقية، فقد يمشي في وضوح شرعي خطوة واثنتين وثلاثاً، لكن إذا جاءت الخطوة الرابعة في أمر ليس فيه وضوح فإنه يتوقف؛ فإن المسألة ليست مسألة تبعية أن الجماعة مشوا فيمشي معهم، بل إذا جاءت الخطوة الرابعة ووجد أنه لم يطمئن إليها شرعاً فمن العقل والحكمة والدين أن يقف، وهذا ما فعله أسامة بن زيد، فقد كان موالياً لـ علي، لكن لما ظهرت الفتنة ووصل الأمر إلى السيف، كان صريحاً، فكتب إلى علي يخبره أن ذلك ليس جبناً ولا خوفاً ولا تردداً في قدرك، أو تغير رأي، وإنما خطوة ما وضحت لي شرعاً، قال: (يا أبا الحسن! لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، لكن هذا أمر لم أره)، فما قال: أقلد علي بن أبي طالب، بل تعبد الله بما يعلم من الشريعة. وكذلك سعد بن أبي وقاص مع أنه خبر القوم بعد علي اعتزل، ولم يكتف بالاعتزال في المدينة، بل ذهب في إبله في الصحراء، وجاء في الصحيح أنه كان إذا أقبل عليه أحد كره ذلك، مع أن الناس كانوا في فتنة لكن الإنسان بطبيعته بشر، وأهم شيء يكون تصرفه على علم، وأن يعرف من نفسه الاستطاعة؛ لأن من أخص شروط التكليف: القدرة والاستطاعة ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فحتى سعد ﵁ كان يكره أن يأتيه أحد، ولما أقبل إليه ابنه ورآه سعد مقبلاً -كما في الصحيح- قال: (أعوذ بالله من شر هذا الراكب)، فاعتزل الأمر اعتزالاً تاماً، مع أن سعد بن أبي وقاص هو صاحب معركة القادسية، وأول من رمى في سبيل الله بسهم، والذي لما استحرس النبي من يحرسه جاءه سعد، فقد كان إماماً في الشجاعة والفقه والعلم، ومن السابقين والعشرة المبشرين، فقد اجتمعت فيه صفات الخلافة وليس المشاركة فحسب، ومع ذلك لما فقه أن هذه فتنة ابتعد عنها. فالدين عظيم والشريعة عظيمة، وأنا أؤكد هذه المعاني لأنها في هذا العصر منقوصة كثيراً، فبعض الناس إذا مشى خطوة لا يقف إلا في الخطوة المائة، هذا ليس منهجاً شرعياً، وهدي الصحابة أنهم كانوا مقتدين بفقه القرآن الذي قال لهم: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]. علي يعلم أن القتال مشروع، وأنت لا تعلم فلا تقاتل، ولذلك فرق بين من يرى أن العمل دين، فهذا معذور عند الله إذا كان من أهل العلم الذين يؤهلون لهذا العمل والحكم.

стр. 68

أسباب خروج الخوارج ومروقهم من الدين قال المصنف ﵀: [وهؤلاء لما خرجوا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قاتلهم هو وأصحاب رسول الله ﷺ بأمر النبي ﷺ وتحضيضه على قتالهم، واتفق على قتالهم جميع أئمة الإسلام]. وقد استطرد المصنف في تقريب هذه المسألة إلى أن يصل يذكر أن هذا المروق من السنة والديانة كان بأسباب فيقول:

стр. 69

الغلو [منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه]. الغلو هو سبب انحراف كثير من الأمم عن دينها؛ فإن أول ما ظهر الشرك في بني آدم كان بسبب الغلو في الصالحين، وكان من فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنه لما صنف كتاب التوحيد ذكر فيه باباً قال فيه: "باب ما جاء في أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين"، مع أن محبة الصالحين في الأصل مشروعة، لكن لما زاد الأمر إلى الغلو تطور الأمر من كونه مجرد غلو بدعي إلى كونه شركاً. فالغلو في الدين لا خير فيه؛ لأنه يقود إلى الهلكة، قال ﵊: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون).

стр. 70

التفرق والاختلاف [ومنها: التفرق والاختلاف الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز]. وهو التفرق المذموم والاختلاف المذموم، فإن الاختلاف كما يقول الإمام الشافعي: "الاختلاف وجهان: محمود ومذموم"، فالاختلاف المذموم هو الذي يكون خارجاً عن أحد الأصول الثلاثة: إما أن يكون خارجاً عن النصوص، أو عن قواعد فقهها، أو عن ترتيب منازل الشريعة، فهذا اختلاف مذموم. وأما الاختلاف المقبول في الشريعة فهو ما يصل إليه أهل الاجتهاد على القواعد الشرعية الصحيحة، وهذا وجه من السعة، كاختلاف المجتهدين في بعض الفروع، ولذلك لما صنف بعض الفقهاء كتاباً جمع فيه بعض أقوال الفقهاء، وذكره للإمام أحمد، قال له الإمام أحمد: ماذا أسميته؟ قال: يا أبا عبد الله! سميته: كتاب الاختلاف، فقال الإمام أحمد: بل سمه: كتاب السعة. فهذا الاختلاف سعة، ويكون رحمة إذا ما فسر بوجه صحيح.

стр. 71

شرح الوصية الكبرى [٨] التعصب والتقليد المذموم من أخص الموجبات لخروج كثير من العامة عن الوسطية الشرعية في منهج السلوك والتعبد، بل وفي باب العقائد، كما هو الحال عند الصوفية والخوارج ونحوهم.

стр. 72

التعصب والتقليد من موجبات الخروج عن الوسطية الشرعية نتكلم هنا عن موجب خروج كثير من العامة من المسلمين عن الوسطية الشرعية التي بعث الله بها نبيه ﷺ ، فنقول: إن أخص الموجبات لخروج كثير من العامة عن الوسطية في منهج السلوك والتعبد: هو التعصب والتقليد، فإن هذا الموجب هو أكثر ما يؤثر على نفوس العامة، وهذا من جهة أن العوام ليسوا أهل علم، ومن هنا سموا عامة باعتبار أنهم السواد الأعظم، وهذا شأن مطرد في سنة الله الكونية، وهو أن أكثر الناس لا يكونون من أهل العلم المتين والاختصاص المبين في علوم الشريعة، وإن كانوا يعلمون من الإسلام أصولاً يقوم بها أصل دينهم، لكن العلم المفصل مختص بأولي العلم. فهؤلاء العامة الذين عندهم غلط أو انحراف في منهج السلوك والتعبد، أكثر ما يوجب خروج هؤلاء عن الوسطية الشرعية هو التعصب والتقليد. وهذان الاسمان: التعصب والتقليد، التحقيق فيهما أنهما ليسا من الأسماء المترادفة، بل بينهما قدر من التقارب، ولكن اسم التقليد أكثر قبولاً من اسم التعصب.

стр. 73

التعصب إذا قيل: هل التعصب مذموم بإطلاق؟ قيل: قد استعمل بعض أهل السنة -كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لفظ التعصب مضافاً إلى اتباع النبي ﷺ ، كقوله: "إن أهل السنة والجماعة ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ "، مع أن التسمية الشرعية الأولى أن يسمى ما يقع معه ﷺ : اتباعاً واهتداءً واقتداء، فهو الذي يتبع اتباعاً مطلقاً، ويهتدى به اهتداءً مطلقاً، ويقتدى به اقتداءً مطلقاً. والمقصود أن هذا الاسم غلب في كلام العرب على ما هو من التجمع الذي لا يكون عاقلاً ولا رشيداً؛ فهو في أكثر موارده ليس من الأسماء الممدوحة، فإذا تعلق بغير النبي ﷺ على هذا التقرير فإنه ليس ممدوحاً، فإنه لا يجوز التعصب لأحد من أعيان المسلمين، لا من أئمة الفقه ولا من أئمة السلوك ولا من أئمة العقائد، بل يجب أن يكون هذا الاسم بعيداً عن حال العامة من المسلمين.

стр. 74

التقليد أما التقليد فإنه اشتهر في كلام أهل العلم كمصطلح علمي، فنجد أنهم يذكرون المجتهد ويجعلون مقابله المقلد، فهو أقرب إلى الاعتبار بكثير من مصطلح التعصب. وإذا أخذت مسألة التقليد كجملة عامة في تقرير أهل العلم لها فإنه يقال: إن الجمهور من أهل العلم يرون جواز التقليد فيما يناسبه من المواضع، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "وجمهور الأئمة ذهبوا إلى جواز الاجتهاد وجواز التقليد كل بحسبه"، أي: يكون الاجتهاد مشروعاً في مقام، ويكون التقليد جائزاً، وربما صار مشروعاً في حال معينة. أما كون التقليد بإطلاق لمعين دون النبي ﷺ مشروعاً، فإن هذا ليس مذهباً لأحد من الأئمة المعتبرين، ونعني بقولنا: (بإطلاق) أي: باطراد في سائر المسائل وسائر التفاصيل.

стр. 75

الاقتداء وهناك لفظ ثالث -وهو كلمة شرعية- وهو لفظ الاقتداء، وهذا اللفظ إذا ذكر في القرآن فإنه يذكر معلقاً بالوحي، يقول تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] فهو لم يقل: فبهم اقتده، وإنما قال: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) أي: بما بعثوا به من الوحي، فالاقتداء حقيقته الاتباع للوحي. ولذلك من اتبع إماماً من الأئمة في مسألة على وجه من الدليل البين للمتبع، فإن هذا يسمى مقتدياً، وقد أمر النبي ﷺ بالاقتداء بـ أبي بكر وعمر رضي الله عهما، وبين للناس أنهم إن يقتدوا بهما يرشدوا فهذا الاقتداء إذا كان مفصلاً على دليل الوحي فهو الاقتداء المشروع، وهذا لا يسمى تقليداً محضاً، فضلاً عن أن يسمى تعصباً. وعليه: فليس المقصود من الكلام في التعصب أن يقال: إن المسلمين يجب أن يكونوا أهل اجتهاد، فإن هذا الطلب ليس طلباً شرعياً، ولا طلباً عقلياً، فإن جمهور المسلمين لا يسعهم لا شرعاً ولا عقلاً أن يكونوا من أهل الاجتهاد، بل التقليد وأجلّ منه الاقتداء سنة ماضية في شأن المسلمين، ولاسيما من بعد عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لما كثر العامة، وفتحت البلاد، وانتشر سواد المسلمين، فإنه يتعذر هنا شرعاً وعقلاً أن يتحول جميع الناس إلى أهل اجتهاد. ولذلك أمر الله في كتابه عند عدم العلم بسؤال أهل الذكر، ودل ذلك على أن المسلمين وأهل الإيمان يكون فيهم من هو من أهل الذكر والعلم، ويكون فيهم من هو ليس كذلك. إذاً: التعصب في عامة موارده ليس اسماً شرعياً ولا مناسباً للعقل والحكمة، ولذلك غلب التعصب كاسم في كلام الجاهليين على التجمع الجاهل، كالتعصب لولاءات قبلية وثارات جاهلية ونحو ذلك. أما التقليد فإنه أرفق من هذا بكثير، فقد استعمله أهل العلم كمصطلح علمي، وتكلم جمهورهم في جوازه، إلى غير ذلك. والناظر إلى ما عليه أهل الإسلام من قرون مضت يجد أنهم يتجافون عن مصطلح التعصب، ولا ينتحلونه؛ لما فيه من قلة الاهتداء بالشريعة، والتحيز الجاهل، وآثار العزم بغير علم، إلى غير ذلك، وإنما يستعملون إما مصطلح التقليد، وهو الذي غلب على أتباع الفقهاء، أو مصطلح الاقتداء، وهو الذي غلب على أصحاب الاختصاص في مذهب العقائد أو السلوك. ولا شك أن الاعتبار ليس بمجرد الأسماء، وإنما الاعتبار بحقائق المعاني والأحوال؛ فإن أهل السلوك من طوائف الصوفية يستعملون كلمة القدوة؛ فإذا بلغ بعض الخاصة عندهم مبلغاً سموه قدوة، وصار من تعريفه ولقبه: الشيخ العارف القدوة، فهذا الاقتداء وتعيين أحد به هو من باب استعمال هذه الكلمة التي أصلها شرعي، لكن هذا التخصيص لا بد أن يكون مبيناً على القواعد الشرعية، وهذا من حيث ظاهر الحال، ولكن من حيث حقيقة الحال، فإن التعصب وإن سمي في بعض الأحوال في حال كثير من الفقهاء تقليداً، أو في حال بعض أهل الاختصاص بعقائد غير أهل السنة والجماعة أو طرق في السلوك سمي تقليداً أو اقتداء؛ فإنه في حقيقة حاله وفي جمهور حاله إما أن يكون تعصباً، وإما أن نسميه تقليداً ليس مشروعاً، والتقليد إذا لم يكن مشروعاً ولا جائزاً فإنه هو التعصب. فهذه الأحوال هي التي تغلب من حيث الحقيقة، أعني التعصب الجاهل، والتقليد الذي لا تجيزه الشريعة، ولا تقره أصول الحكمة والعقل.
следующие страницы →