Полный текст (95 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح الوصية الكبرى [١]
أول مسألة وقع فيها الخلاف بين المسلمين هي مسألة السلوك والعمل، وقد افترق الناس فيها إلى فرق شتى، فالخوارج والمعتزلة غلوا في درجة العمل حتى جعلوا من ترك واجباً من الواجبات اللازمة معدوم الإيمان، والمرجئة بخلاف ذلك، فقد أنقصوا من درجة العمل حتى أخرجوه من مسمى الإيمان، والصوفية غلوا في مسألة تطبيق العمل، حتى خالفوا الكتاب والسنة، أما أهل السنة فقد قالوا: إن الإيمان قول وعمل، وفي هذه الوصية الكبرى لشيخ الإسلام كلام عن الصوفية والتصوف، وقد وجهها ﵀ إلى طائفة من طوائف الصوفية.
стр. 2
حقيقة الخلاف الواقع بين المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
أما بعد:
ففي مقدمة شرحنا لهذا الكتاب نبدأ بذكر مقدمات بين يدي الشرح:
المقدمة الأولى: أن أكثر الاختلاف -بل وأكثر المخالفات- الذي يحصل بين المسلمين ليس فرعاً عن آحاد من المسائل، بل هو في الجملة فرع عن فوات الفقه؛ فإن من فاته الفقه الصحيح في الشريعة وقع في المخالفة فضلاً عن الاختلاف.
وهناك مخالفة ليست هي المقصود في هذا المقام، وهي مخالفة المعصية المحضة، فهذا باب آخر من العصيان أو الفسوق أو ما إلى ذلك، ولكن أقصد هنا بالمخالفة: المخالفة لسنة النبي ﵌، فإن الله في كتابه عظم هدي السابقين الأولين، فقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، وقال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠].
فلابد لطالب العلم من العناية بأصول المنهج العلمي، ولا يليق بطالب العلم أن يمضي عشر سنين أو أكثر من ذلك وهو لا يعنى إلا بجمع آحاد المسائل، وربما تمضي عليه السنوات في الدروس وهو يجمع في إحدى المسائل، وإن كان هذا علم في الأصل لا ينقص قدره، ولكنه الحصول والتحصيل، فإن هذه المسائل منثورة مبسوطة في كتب الفقه المقارن، فالحصول على مذاهب الفقهاء الأربعة أو غيرهم سهل من حيث الجمع.
إنما من حيث الترجيح من حيث منشأ الأقوال ومناطها، وأسباب الاختلاف، ودرجات الترجيح، ومتى يعزم الطالب في الجزم ومتى يقف وما إلى ذلك، هذا فقه واسع، لا بد لطالب العلم من احتماله.
стр. 3
السلوك والعمل واختلاف المسلمين فيه
المقدمة الثانية: تتعلق بباب السلوك، وهذا الباب أصل في الإسلام، ولذلك كان من هدي أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل.
стр. 4
مذهب الخوارج والمعتزلة في حكم العمل ودرجته
وأول مسألة حصل فيها الخلاف بين المسلمين هي مسألة العمل، وقد وقع الخلاف فيها من وجهين:
الوجه الأول: المتمثل في حكم العمل ودرجته، وقد صار فيه مذهبان على طرفي نقيض في هذا الشأن:
المذهب الأول: مذهب الخوارج والمعتزلة الذين غلوا في رتبة العمل ودرجته، حتى جعلوا من ترك واجباً من الواجبات اللازمة في العمل قد عدم الإيمان، ويكون كافراً عند الخوارج، وفاسقاً فسقاً مطلقاً ليس معه شيء من الإيمان عند المعتزلة.
стр. 5
مذهب المرجئة في حكم العمل ودرجته
المذهب الثاني: مذهب المرجئة، وإن كانت المرجئة ليست وجهاً واحداً؛ بل هي جملة من الطوائف، ذكر الأشعري في مقالاته أنهم اثنتي عشرة طائفة، لكن يجمعهم جامع واحد في قدر العمل ورتبته، وهو أنهم لم يجعلوا العمل داخلاً في مسمى الإيمان.
فهذان المذهبان مذهبان منحرفان عن السنة والجماعة في تقدير مسألة العمل من حيث الحكم ومن حيث الرتبة، لا من حيث التطبيق، فإنه لم تشتغل المعتزلة بطريقة تطبيق العمل، ولم تشتغل المرجئة بطريقة تطبيق العمل، بل كانوا يتكلمون عن رتبته من حيث الديانة.
стр. 6
مذهب أهل السنة في حكم العمل ودرجته
أما أهل السنة والجماعة فذكروا أصلين شريفين في دفع قول الخوارج وفي دفع قول المرجئة، وهو أن الإيمان قول وعمل، وذكروا تحت هذه الجملة أصلين:
الأصل الأول: أن أصل الإيمان في القلب.
الأصل الثاني: أن العمل أصل في الإيمان.
وهذا السياق عند أهل السنة والجماعة قد حكى الإجماع عليه جماعة، وهو من الظهور بمكان، وممن حكى الإجماع في هذين الأصلين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
فقول السلف في هذه المسألة آحاد الطلبة والمبتدئين يعرفون أنه قول وعمل، لكن القصور عند بعضهم يكون في فقه هذين الأصلين، وهما: أن أصل الإيمان في القلب، وهو أصل متفق عليه كما ذكر ذلك الإمام ابن تيمية وغيره،
والأصل الثاني: أن العمل أصل في الإيمان.
ولذلك نجد أن بعض أهل السنة المتأخرين من الفقهاء ونحوهم إما أنهم زادوا في درجة الأصل الأول حتى قصروا عن إثبات الأصل الثاني، وإما أنهم زادوا في إثبات الأصل الثاني حتى قصروا عن تحقيق الأصل الأول.
وهذا لا يختص وقوعه من حيث الخطأ فيه بمنشق أو بمعارض بيّنٍ للسنة والجماعة، بل قد يدخل مثل هذا الوهم والغلط في فقه الأصول على بعض أصحاب السنة والجماعة المتأخرين أو المنتسبين إليها، وهذا معنى لطيف نبه إليه الإمام ابن تيمية ﵀، فقال ﵀: "الأصول الجامعة في عقيدة أهل السنة الجماعة -ويقول: في مذهب أهل السنة والجماعة- لا تخفى على آحاد الفقهاء، وإنما الذي يقع فيه كثير من الوهم والغلط عند بعض الفقهاء من أصحاب السنة والجماعة من المتأخرين هو فقه هذه الأصول".
إن الأصل الأول هو أن أصل الإيمان في القلب، ولكن بعده أصل آخر وهو واسطة وليس معارضاً له أو مخالفاً له، وهو أن العمل الظاهر أصل في الإيمان، ولا بد أن يقال بهذا وأن يقال بهذا، وهذا ما مضى به الإجماع -كما أسلفت- وما مضت به النصوص المتواترة، فإن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس)، وذكر في هذه الخمس أصول العمل، فلا بد أن يقال: إن العمل أصل في الإسلام والإيمان.
قد يقول قائل: إن النبي ﷺ قال هذا في الإسلام في حديث ابن عمر ﵄؟
فيقال: إنه فسر به الإيمان في حديث وفد عبد القيس الثابت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄، أن وفد عبد القيس لما جاءوا قالوا: (يا رسول الله! إنا حي من ربيعة، وبيننا وبينك كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، قالوا: فمرنا بأمرٍ فصل نأمر به من وراءنا وندخل به الجنة، فقال: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان ...) إلى آخر الرواية في قصة وفد عبد القيس.
فهذان الأصلان ضبط بهما السلف حقيقة الإيمان في الشريعة، فهذه هي الدرجة الأولى من الاختلاف في مقام العمل، وهي درجة تتعلق برتبة العمل، وحكمه، وليس بتفسيره وتطبيقه.
ثم حدث في أثناء المائة الثانية من الهجرة النبوية العناية بمسألة تطبيق العمل، فظهرت بدايات المخالفة للسنة المأثورة عن النبي ﷺ ، وكانت أوائل هذه المخالفة هي من مقارب الاجتهاد، فلا يوصف أصحابها بأنهم خارجون عن السنة والجماعة أو أنهم من أهل البدع الذين لا يضافون إلى السنة والجماعة.
стр. 7
ظهور التصوف والصوفية
كانت بداية ظهور التصوف عند بعض العباد في زمن التابعين بأوجه تحصيل العبادة، والعناية بمسألة سماع القرآن إلى وجه من المبالغة في الحال عند سماعه، حتى نقل عن جملة -وإن كان هذا النقل كثير منه التحقق من ثبوته صعب لكنه موجود في كتب الصوفية وكتب السلوك وكتب الزهد- كـ عامر بن عبد الله بن الزبير وصفوان بن سليم وعطاء السلمي وجماعة أنهم كانوا إذا قرءوا القرآن سقطوا أو غشي عليهم، وربما نقلت قصص أن فلاناً خر ميتاً أو أغمي عليه حتى عاده الناس ثلاثة أيام أو ما إلى ذلك.
هذه الأوجه حصلت، وإن كنا لا نجزم بأنها قد حصلت من زيد أو عمرو، لكنها أحوال نقلت في زمن التابعين، وقد ذكر الإمام ابن تيمية ﵀ أن الجمهور من الفقهاء يرون أن هذه حال قاصرة، ولكن ما دام أنها لم تحصل على جهة التكلف والرياء فإنهم معذورون فيها، ثم يقول: "والنبي ﷺ والسابقون الأولون لم يكن يحصل لهم ذلك لكمال أحوالهم، فهي حال قاصرة، ولكنها محتملة في الجملة إذا لم تصدر عن تكلف أو رياء، ولكنها ليست من الحال التي يقصد إلى تحصيلها أو يوصى الناس بها".
ثم زاد الأمر فيما يتعلق بمسائل التعبد إلى قدر من الانغلاق الزائد عن الدنيا، حتى ترك أصحابها كثيراً من المباحات، ولربما زاد الأمر إلى ترك بعض المشروعات؛ كالزواج وصلة الأرحام والاختلاط بالأقارب ومصاحبة من تلزم مصاحبته وما إلى ذلك؛ وكانت هذه بداية ظهور ما سمي بالتصوف.
ثم ظهر هذا الاسم في المائة الثانية، وصار بعض هؤلاء يسمون بالصوفية، وإن كان أصحاب التاريخ ومن كتب في تاريخ العلوم قد اختلفوا كثيراً في سبب هذا الاسم، فمنهم من قال: إنه نسبة إلى الصفاء، أو إلى الصف المقدم، أو نسبة إلى الصفة التي كان بعض الصحابة ﵃ من الفقراء يجلسون فيها، أو أوجه أخرى ذكروها، وإن كانت هذه الأوجه لا تصح على أقل أحوالها من حيث النسبة.
وأصح ما يمكن من حيث النسبة اللغوية: أن النسبة إلى الصوف وإلى لبس الصوف، وهذا العرض التاريخي ليس هو المقصود، إنما المقصود أن التصوف بدأ بهذه المظاهر من التعبد التي ليست على السنة المحضة، ولكنه قد يحتمل بعض أوجه من حيث العذر، إضافة إلى ترك كثير من المباحات، فصار الزهد والعمل بالإسلام يفسر تفسيراً مجانباً للسنة، ولكنه تفسير لا يأخذ انشقاقاً مطلقاً عن السنة والجماعة، بل كان أصحابه في أوائل أمرهم يعنون باتباع الكتاب والسنة، ويعظمون الدليل، ويعظمون هدي الصحابة وما إلى ذلك.
هذه هي الطبقة الأولى في بداية المخالفة في مسألة تفسير العمل في الإسلام، أو تفسير السلوك في الإسلام.
стр. 8
ظهور التصوف المنظم علمياً
ثم ظهرت الطبقة الثانية، وهي ما يمكن أن نسميها بالتصوف المنظم علمياً، فقد استعمل أصحابه تنظيماً علمياً لتفسير السلوك والأحوال والعبادة والعمل بالإسلام، فصاروا يستعملون مصطلح البقاء والفناء كمصطلحين بينهما تقارب، ومصطلح الجمع والتفرقة، ومصطلح الصحو والسكر، ومصطلح الكشف، ومصطلح الذوق، وصاروا يرتبون المقامات: العارف من حيث الرتبة الشخصية، ويأتي دونه المريد، ومتى ينتقل المريد من كونه مريداً إلى كونه عارفاً، والدرجات التي بين هذا وهذا، وصاروا يتكلمون في مسألة المقام والحال.
وقد تكون هذه الإشارات عند الصوفية والفرق بين المقام وبين الحال في أواخر المائة الثانية فيما يظهر من حيث الاستقراء، ثم انتشرت فيما بعد في المائة الثالثة، حيث انتظمت أكثر وصارت من المصطلحات الشائعة عند الصوفية، وصار الوصول إلى تحقيق ماهية التصوف يحتاج إلى فقه في هذه الإشارات والمصطلحات.
ولا شك أن التصوف الذي وصل إلى هذه الدرجة تصوف غير مشروع وليس على السنة، وقد أغلق باب العمل في الإسلام عن كونه باباً مبنياً على قواعد الفطرة وأصول العقل التي نزل الوحي موافقاً لها.
стр. 9
ظهور التصوف الفلسفي
ثم زاد الإشكال -بعد المائة الرابعة- في مسائل سلوك التصوف، فقد ظهر ما يسمى بالتصوف الفلسفي، وصار ممن يشار إليهم في هذا الباب ابن سبعين، والعفيف التلمساني، والحلاج، والسهروردي، وابن عربي في الأندلس صاحب الفتوحات وفصوص الحكم.
هذه ثلاث طبقات في مسألة تفسير السلوك، فكانت الطبقة الأولى تفسيراً يختلف عن الهدي العام المأثور عن النبي ﷺ وصحابته، ثم تحول إلى مصطلحات مولدة في الإسلام لا تستطيع أن تحاكمها إلى نصوص الكتاب والسنة، كمصطلح الكشف والذوق والوجد والبقاء والفناء؛ لأنها غير موجودة فيهما، وإذا وجد بعضها فإنه لم يوجد بنفس المفهوم الذي قصد بالاستعمال.
فإنه عند تفسيرها نجد أن مساغها عند أصحابها ليس على مساغها في لغة العرب، هذا إذا كانت مستعملة في لغة العرب، وإلا فإن بعضها ليس مستعملاً، بل هو من المصطلحات المولدة، وكما أن المتكلمين يستعملون موضوع الصفات ألفاظاً مثل: لفظ الجوهر ونحوه مما لم يكن مستعملاً عند العرب، فهؤلاء استعملوا أيضاً في تفسير العمل وكنهه وحقيقته هذه المصطلحات، وصارت هذه من الرتب التي ترقى بها وترقى إليها وما إلى ذلك.
الدرجة الثالثة في التحول، وهي آخر هذه الدرجات، وقد ظهرت عندما فسر العمل في الإسلام تفسيراً فلسفياً، كما أن المعرفة المتعلقة بالتطبيقات فسرت عند الجهمية والمعتزلة بأثر من أثر المتفلسفة، مما أدى عند الجهمية وأئمة المعتزلة إلى نفي الصفات، فإن هذا لم يكن شأناً من عقل المعتزلة الذي اكتسبوه من قراءتهم لنصوص الكتاب والسنة، بل كانوا يستدلون بدليل الأعراض، ودليل الأعراض يقول عنه أبو الحسن الأشعري: "إنه دليل تلقته المعتزلة من المتفلسفة".
فهذا العقل المستعار الذي دخل على المسلمين بأثر الترجمة، دخل أثر منه فيما يتعلق بجوانب العمل.
هذا إذا أردنا أن نؤصل هذه المراحل، وإن كان يقال: إن التصوف الفلسفي لم يظهر في القرون الثلاثة ظهوراً بيناً، أما القرن الأول فهو أمر بدهي، وكذلك سلامة القرن الثاني، وإنما كانت له بدايات في أواخر القرن الثالث، لكنه جاء في القرن الرابع، ثم في القرن الخامس صار له شيوع واسع من حيث دخول هذا الأثر.
قد يقول قائل: كيف يقال: إن التصوف تأثر بالفلسفة، مع أن المتبادر إلى الذهن أن الفلسفة قضية تتعلق بالأحكام العقلية؟ فنقول: هذا الفهم فهم خاطئ؛ فإن أصحاب الفلسفة التي كانت موجودة قبل الإسلام كانوا على وجهين:
الوجه الأول: فلسفة تتعلق بالعقل وأحكامه.
الوجه الثاني: فلسفة تتعلق بالنفس وأحكامها.
فالفلسفة التي تتعلق بالعقل وأحكامه هي التي دخلت على المتكلمين في معرفة الله ومسائل الإلهيات والصفات ونحوها.
والفلسفة المتعلقة بالنفس وأحكامها هي التي دخلت على من يسمون بمتصوفة المتفلسفة، كـ السهروردي وابن عربي وابن سبعين والتلمساني وأمثال هؤلاء.
فقد كان الفلاسفة القدماء قبل الإسلام من فلاسفة اليونان أو الفرس أو الهند أو غيرهم عندهم النمط العقلاني، وعندهم النمط الرياضي النفسي؛ ولذلك سمي بعض هؤلاء بالفلاسفة كـ السهروردي صاحب نظريات الفيض والإشراق، وأمثاله.
وهذا التأصيل في أثر التصوف كما دخل على المسلمين في مسائل العمل لا بد أن يفقه من حيث اعتبار التحول الذي طرأ.
وهذه المسألة -مسألة طبقات أو درجات الصوفية- يأتي إن شاء الله القول فيها فيما بعد؛ لأن كثيراً من أهل العلم -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - يصف بعض الصوفية بأنهم من صوفية أهل السنة أو صوفية أهل الحديث، أو صوفية أهل العلم، أو يقول: فضلاء الصوفية، أو مقتصدة الصوفية.
كما أنه في استعمال آخر يقول: غلاة الصوفية، أو من المتفلسفة، أو من المتزندقة، أو ما إلى ذلك من الاستعمالات، فهناك جملة من التقاسيم لدرجاتهم.
стр. 10
خلاصة مسألة السلوك والعمل واختلاف المسلمين فيها
هذه المقدمة الثانية تتعلق بوجه مختصر بمسألة العمل، وأن المخالفة فيه ظهرت من جهتين:
الأولى: جهة الحكم على يد الخوارج والمعتزلة وقابلتهم المرجئة.
الثانية: جهة التفسير على يد الصوفية، أي: تفسير العمل عندما انتظم التصوف بالمصطلحات.
إذاً: مسألة العمل في الإسلام بدأ الخلاف فيها من حيث حكم العمل ودرجته على يد الخوارج والمعتزلة الذين غلوا في حكمه، وقابلتهم المرجئة الذين نقصوا حكمه، وتوسط أهل السنة بأن العمل أصل في الإيمان، مع قولهم: بأن أصل الإيمان في القلب، وهذا لا يعارض هذا، بل هما أصلان مجتمعان.
ولما جاء تفسير العمل وطريقة الوصول إليه، وتهذيب النفس وتزكيتها به، بقي القول من حيث الأصل مستقراً إلى أن جاءت المائة الثانية، فظهرت بوادر المخالفة للسنة والجماعة بأوجه من التميز عن سواد المسلمين بأوجه من التعبد، ثم تطور الأمر إلى أن ظهر التصوف المنظم بمصطلحاته التي يغلب عليها أنها مصطلحات مولدة، لا نستطيع أن نفسرها تفسيراً نصياً من الكتاب والسنة، ولا أن نفسرها تفسيراً لغوياً، بل هي مصطلحات تفسر بمفاهيم اختلفت فيما بعد عند الصوفية، وصارت كل درجة من الصوفية يفسرون المصطلح بمفهوم يختلف عن الدرجة الثانية.
وننبه هنا إلى أنه لا يجوز أن يفسر المصطلح من هذه المصطلحات بوجه غالٍ، ثم يطرد أن هذا هو تفسير سائر طبقات الصوفية لهم.
فمثلاً: مصطلح الفناء، هذا المصطلح مقصودهم به الفناء عن وجود السوى، هذا هو الفناء إذا تكلم به ابن عربي، وأمثال ابن عربي كـ التلمساني والسهروردي وابن سبعين وابن الفارض وأمثال هؤلاء، وهو الفناء الغالي، ومنهم من يستعمل الفناء عن شهود السوى، وهذا دونه في الدرجة، وإن كان بدعة.
ومنهم من يستعمل الفناء عن إرادة السوى، أي: عن إرادة ما سوى الله، فلا يريد بعمله إلا وجه الله، وهذا المعنى -ولا أقول هذا المصطلح- يقول ابن تيمية ﵀: هو فناء أهل السنة والجماعة، وهو الفناء المعروف في كلام الأنبياء والرسل ﵈، وإن كان لفظ الفناء ليس لفظاً وارداً في كلام الله سبحانه ورسوله ﷺ .
إذاً: لا يجوز أن يحكم على وجه من الصوفية بحكم عام، أو لا يجوز أن يصدر حكم معين بدرجة ما ويجعل حكماً مطرداً لسائر طبقات أو أوجه الصوفية، بل لكلٍ ما يخصه من الحكم.
стр. 11
أهمية الكتابة والمكاتبة
قال المصنف ﵀: [بسم الله الرحمن الرحيم
من أحمد ابن تيمية إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة، المنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة أبي البركات عدي بن مسافر الأموي ﵀ ومن نحا نحوهم، وفقهم الله لسلوك سبيله، وأعانهم على طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وجعلهم معتصمين بحبله المتين، مهتدين لصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجنبهم طريق أهل الضلال والاعوجاج الخارجين عما بعث الله به رسوله ﷺ من الشرعة والمنهاج، حتى يكونوا ممن أعظم الله عليهم المنة بمتابعة الكتاب والسنة].
باب المكاتبات باب من الفقه الذي ينبغي العناية به عند أهل العلم، وأهل الشريعة وبين خاصة المسلمين بوجه عام أياً كان شأن هذه الخاصة إما من أصحاب السلطة والحكم والإمارة، أو من أصحاب العلم، أو من أصحاب الدعوة، أو من أصحاب الجاه عند عامة الناس.
فهو من أخص ما يصلح النفوس؛ ولذلك استعمله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فقد كتب النبي ﷺ إلى هرقل -كما في حديث ابن عباس في الصحيحين- كتابه المشهور، وقال: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ..) ونجد في هذا الكتاب من النبي ﷺ إلى هرقل حسن التأتي في المكاتب.
وقد خلق الله الإنسان قاصراً وناقصاً، قال : ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، فالجهل والظلم صفتان كاملتان في الإنسان، فمتى ما حرك الإنسان إلى الجهل جهل، ومتى ما حرك إلى الظلم ظلم، فنفس الإنسان قابلة للجهل وقابلة للظلم؛ ولكن يداوى هذا الجهل بالعلم الذي بعث الله به الأنبياء، ويداوى الظلم بالعدل والقسطاس المستقيم والميزان الحق الذي أنزله الله ليقوم الناس بالقسط.
стр. 12
أهمية الفقه والعدل في الكتابة إلى المخالفين
في مكاتبة شيخ الإسلام ﵀ يظهر حسن التأتي، فإنه وإن كان عدي بن مسافر الأموي رجلاً صوفياً وعليه بعض المآخذ، إلا أنه رجل فاضل في الجملة، لكن أتباعه فيما بعد انحرفوا عن طريقة عدي بن مسافر إلى أوجه من البدع المغلظة، بل دخلت عليهم أصول أعظم من ذلك.
ومع ذلك عني الإمام ابن تيمية ﵀ أن يكتب هذه المكاتبة إلى الذين يقصدون إلى ضبط وتحقيق ما كان عليه الشيخ عدي بن مسافر الأموي، وينفكون عما طرأ على طريقته من الزيادات والبدع، وهذا من حسن العقل وحسن الفقه في أهل العلم، وفي هذا الإمام -أعني: شيخ الإسلام - بوجه خاص؛ لأن دعوة الناس إلى أن يتحولوا من آرائهم وما استقر عليه عامتهم وما ألفوه ونحو ذلك هذا شأن فيه استطالة، ومن المعلوم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع ما بعثهم الله به من الآيات، كما قال ﵊ كما في الصحيح: (ما من الأنبياء من نبي إلا قد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر) ومع ذلك فإنه آمن به من آمن، وكفر به من كفر، بل لم يستجب لهم أكثر الناس، ولا سيما في وقتهم، فإذا كان كذلك فكذلك القائم بالسنة والداعي إلى الحق لا بد أن يكون فقيهاً في دعوته، فإذا لم يحصل رد بعض الخلق إلى السنة المحضة فردهم عن كثير من البدعة، ولو بقي شيء مما هو دون ذلك، فإن ذلك خير من بقائهم على البدع المستحكمة المغلظة.
ومن فقه هذا الإمام ﵀ أيضاً أنه لما تكلم عن المعتزلة -ومعلوم ما هي عقائد المعتزلة- قال: "ومع ذلك فإن بعض أئمة هؤلاء ذهبوا إلى الأنصار العجمية فدعوا أولئك العجم إلى الإسلام فأسلموا على طريقة المعتزلة، فإسلامهم على طريقة المعتزلة خير من بقائهم على الكفر المستبين".
فينبغي لطالب العلم في مكاتباته ونصحه أن يقصد إلى تقريب هذا الفهم الذي اختلط ولا سيما عند عوام المسلمين في مسائل العمل حتى غلطوا في مسائل هي أوجه من الشرك في عبادة الله عند المشاهد والقبور وما إلى ذلك، فهذه هي التي ينبغي لطالب العلم في أي بلد كان أن يقصد إلى الاهتمام بها.
أما المسائل التي لا توصل العبد إلى البدعة المغلظة فضلاً عن الشرك -والتي قد قال بها خلق من الفقهاء، أو أفتى بها جمع من المعتبرين في الفقه- فإنه وإن كانت خطأ أو كانت تخالف ظاهراً في الكتاب والسنة فهذه ليست هي الأولى، لا نقول أنها تترك، لكن نقول: ليست هي الأولى.
فمثلاً: فرق بين القول بأن عندهم إشكالاً وهو أنه إذا أذن مؤذنهم وانتهى من الأذان صلى على النبي ﷺ بصوت يسمعه الناس، وهذا منتشر في أكثر بلاد العالم الإسلامي، فهذه المسألة من حيث الحكم لا تصل إلى مسائل البدع المغلظة، لكن إذا كان بجانب هذا المسجد مشهد من المشاهد يدعوه الناس وربما يذبحون عنده وينذرون له وما إلى ذلك، فنقول: فرق بين تصحيح المقامين.
وكما أسلفت أن من كان في المقدمة الأولى، ومن كان بصيراً في الاختلاف ترفق بكثير من الأمور.
ومن أمثلة ذلك: مسألة تلقين الميت، فإنه قد يقول قائل: هذه بدعة، وأنا لا أقول: إن هذه لا تسمى بدعة، فإنه لو سماها أحد بدعة فهذا له وجهه وقوته، وهي ليست من السنة بلا شك، لكنها ليست من البدع المغلظة، بمعنى أنه لا يمكن أن تكون هي البداية في تقليل الإشكال؛ لأن هناك ما هو أكبر منها، مما يتعلق بمسائل أعظم في أصول العلم أو أصول العبادة، فلو ترك العامة عليها بعض الوقت حتى تقرب نفوسهم إلى السنة، ويرجعون إليها؛ لما كان في الأمر كبير إشكال، أي: أنها مسائل تقبل الصبر؛ لأنه نقل عن بعض الصحابة أنهم كانوا يرون تلقين الميت في قبره، ولذلك لما سئل ابن تيمية ﵀ عن تلقين الميت في قبره قال: "إن كثيراً من الفقهاء حرمها، ومنهم من استحبها، ومنهم من أجازها، قال: والأمر أنها جائزة، وإن كانت ليست من السنة".
فالفقه في مراتب المخالفة للسنة من أهم ما يكون من أوجه الفقه.
ومن المعلوم أن الرسول ﷺ لم يترك أصلاًً في العلم أو أصلاً في العمل خشية قريش أو مخافة الناس، أو لئلا تنكره قلوب الناس، لكن بعض المسائل التي تحتمل التأخير ترك بعض الأوجه فيها، وترك بعض العمل فيها كمسألة إعادة بناء الكعبة ونحوها، مع أنها مقصودة في هديه ﵊.
وهذا الأمر يظهر في قول النبي ﷺ لـ عائشة: (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم).
فمسألة مخافة أن تنكر قلوب العامة هذا مقصد لطالب العلم، وعامة المسلمين اليوم -وخاصة العوام- يقصدون إلى متابعة النبي ﷺ والاقتداء بهديه وسنته ﵊، ولكنهم يحتاجون إلى ترفق، ويحتاجون إلى بصيرة، ويحتاجون إلى حسن تأتي في مخاطبتهم.
على كلٍ هذا من كلام شيخ الإسلام وحسن تأتيه في هذا المقام، وهذا المنهج الذي ذكرناه لـ شيخ الإسلام في المخاطبة سواء كانت مخاطبة كتابية، أو مخاطبة لفظية، هذا المنهج لا نقول: إنه هو المطرد في كل الأحوال، ولكن يكفي أن نقول: إنه هو الأصل، وقد يخرج عنه في بعض الأحوال.
وهذا الأصل يقوم على حسن التأتي في الحروف مع عدم إنقاص الحقيقة الشرعية؛ فإن بعض الناس قد يكون عنده حسن التأتي في الحروف، ولربما زاد عن حسن التأتي إلى قدر من المجاملة، ولكن الإشكال أنه يدخل عنده المجاملة في المعنى، فيهون هذا الأصل، ويجعله بدلاً من كونه أصلاً مجمعاً عليه مسألة قد تقبل الاختلاف أو لا ينبغي التشديد فيها، أو تفريق الناس بسببها، مع أنها أصل من أصول السلف، وأصل من أصول السنة اللازمة التي درج عليها الصحابة.
فبعض الناس لا يستطيع حسن التأتي وحسن المخاطبة إلا إذا أنقص الحقيقة والمعنى، وبعض الناس لا يستطيع ضبط المعنى وجمعه إلا بشدة في اللسان، وقوة في المجادلة، ولربما استطالة بالحق على الخلق.
والمنهج الذي ذكره الله في كتابه في سير أنبيائه عليهم الصلاة والسلام أن كلماتهم فيها من حسن التأتي لقومهم لتقريبهم إلى الحق، فكلهم يقول: (يَا قَوْمِ)، وإبراهيم ﵇ يقول لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم:٤٢]، ويقول: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧]، والله لما بعث موسى وهارون ﵉ إلى فرعون قال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤]، فهل استلزم حسن التأتي هذا إنقاص الحقيقة الشرعية التي أمروا بها؟
الجواب: لا، وهذا هو الفقه.
لكن مع الأسف كثر اليوم من يكون رقيق اللسان لكنه ينقص الحقيقة، فهو لا يحسن التأتي إلا بإنقاص الحقيقة الشرعية حتى يخرق الأصول اللازمة، ويعذر في أمور ليست محلاً للعذر، ويفتح باب للاجتهاد في مسائل ليست محلاً للاجتهاد، وما إلى ذلك.
وبعض الناس قد يكون سليط اللسان على الناس، ولربما يستشهد ببعض الآثار أو ببعض الأحوال التي عرضت لبعض أئمة السلف.
وهذا بخلاف الأصل الذي بيناه؛ فإن الله يقول لموسى وهارون ﵉: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، وانظر إلى التعريض في قوله تعالى: (لَعَلَّهُ)، وذلك لأن النفس إذا لم تعط كلاماً حسناً، فإنها في الغالب لا تقبله، وهذا بينٌ في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فإذا كان اللسان فظاً ولو كان معه السنة لم ينفع؛ فهذا النبي ﷺ معه السنة، والله يقول له: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
أما ما نجده في كلام موسى مع فرعون عندما قال له: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢] وهذا الكلام يظهر فيه الشدة والغلظة والبعد عن اللين، فإن هذه الحال عندما يجد الداعية امن المدعو المعاندة والمكابرة، فهنا يستعمل في حقه بعض الكلمات.
هذا هو منهج القرآن الذي ذكره الله في أهل الكتاب، وهو في أهل الإسلام المخالفين للسنة من باب أولى؛ فإنه إذا كان هو المنهج مع من كفر بالله، فمع من آمن بالله ورسوله لكن خالف السنة في مسائل يكون من باب أولى.
قال الله مبيناً هذا المنهج: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] هذا هو الأصل، ثم جاء الاستثناء فقال سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] سواء كان المستثنى متصلاً فيكون الاستثناء بيناً، أو كان منقطعاً فإنه يفسر على وجهه؛ لأن في القرآن كلاماً للأنبياء وفي كلام السلف كلام معروف في بعض المقامات، وإذا أحصينا كم اشتد النبي ﷺ في كلامه على من خالفه لوجدنا أنها ليست بقدر مناسب للكلمات التي ترفق فيها ﵊ مع من خالفه.
وقد بين هذا المنهج شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في آخر العقيدة الواسطية مبيناً أنها مذهب السلف، فقال: "إن من طريقتهم أنهم يرون ترك الاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق".
فالاستطالة بغير حق مسألة لا يقع فيها اشتباه، فهي لا تقع إلا عن عدو قاصداً للمعاداة والعدوان، لكن الذي يقع فيه بعض طلبة العلم أحياناً فيما بينهم أو في ردود بعضهم على بعض، أو حتى في ردودهم على من يخالف السنة في مسائل أنهم يستطيلون بالحق، فتجد الطالب معه حق، وهو على السنة ومخالفه على بدعة، وهو على الصواب ومخالفه على الخطأ، لكن لا تجوز الاستطالة بالحق على الخلق؛ لأن هذا يقع بسببه العدوان والفتنة، فضلاً عن عدم قبول الحق، ومقصود الأنبياء ومقصود الرسالات هو تصحيح نفوس الناس وردهم إلى الهدى والصواب.
إذاً: المنهج من حيث الأصل هو حسن التأتي في القول، وح
стр. 13
منزلة النبي ﷺ عند الله تعالى
قال المصنف ﵀: [سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:
فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وسيد ولد آدم ﷺ ، وأكرم الخلق على ربه، وأقربهم إليه زلفى، وأعظمهم عنده درجة، محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا].
ثبت أنه ﵊ أكرم الخلق على الله سبحانه، وأنه أول من يدخل الجنة، وأول من يستفتح، وقال ﵊: (أنا سيد ولد آدم) وجعله الله النبي الخاتم؛ ولذلك كانت أمته خير الأمم، وكان أصحابه خير الأصحاب.
ولهذا ينبغي على أتباعه ﷺ أن يكونوا على جادته وهديه من حيث أن رسالته رسالة عامة، فهي ليست رسالة خاصة بإقليم أو بقوم أو بزمان، بل رسالة مطردة لكل مكان، وصالحة لكل زمان؛ ولذلك إذا حمل الإنسان هذا العلم، فينبغي أن يكون فقيهاً في حمله، فيأتي كل بيئة من البيئات بما يناسبها من الفقه الشرعي، وهذا لا شك أن الحال فيه يختلف، فالفقه الذي كان النبي ﷺ يربي عليه أصحابه بمكة ليس هو الذي كان عليه أصحابه بالمدينة، فقد حصل بالمدينة أمور لم تحصل حين كان ﵊ بمكة، وفي عهد الخلفاء الراشدين حصلت أمور لم تكن موجودة في زمنه ﷺ ، فهذا هو الفقه الشرعي الذي ينبغي لطالب العلم أن يقصد إليه.
ولذلك من كرم هذا النبي على الله -إشارة إلى أنه خاتم الأنبياء- أن الله حينما يذكر الأنبياء في القرآن يسميهم بأسمائهم، كقوله تعالى عن موسى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء:١٠] وكذلك في نداء الله لإبراهيم، وفي نداء الله لعيسى، لكن محمداً ﷺ ما ناداه الله باسمه، إنما أخبر عنه باسمه ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩]، لكن لم يناد الله نبيه محمداً على وجه النداء باسمه، وإنما ناداه باسم النبوة والرسالة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١] ..
إلخ.
وهذا إشارة إلى قدر عظم نبوته وأنها النبوة الخاتمة، وإذا كان كذلك فعلى من يحمل هذا العلم أن يتخوض فيه بحق وبعدل، وإذا لم تسع نفسه أو طبعه فقد أقول كلمة يراها البعض صعبة لكني أنقلها وأنا مطمئن إليها: الزيادة من العلم عندما لا تلزمه معرفتها في عبادته تركه لهذه الزيادة أولى من دخوله فيها إذا كانت نفسه على هذا الوجه من الانغلاق، فلا يدخل في العلم حتى يربي نفسه على تزكية النفس التي هي من أخص مقاصد المرسلين؛ فإن إبراهيم ﵇ لما دعا ربه لم يطلب نبياً يعلم الناس فقط، بل قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩]، فتزكية النفس من أخص مقاصد الرسالات التي نزلت على أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام.
стр. 14
شرح الوصية الكبرى [٢]
اشتملت هذه المادة على ثلاث مسائل: الأولى: وسطية الأمة الإسلامية بين سائر الأمم، الثانية: مسألة الأصول والفروع وبيان أنها تسمية سائغة إذا ضبطت بتفسير صحيح. الثالثة: المحكم والمتشابه، فالقرآن منه محكم ومنه متشابه، والعلم والعمل منه محكم ومنه متشابه؛ فينبغي العناية بمحكم العلم والعمل دون متشابهه.
стр. 15
وسطية الأمة المسلمة بين سائر الأمم
قال المصنف ﵀: [أما بعد: فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأنزل عليه الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، ومهيمنًا عليه، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله.
وجعلهم أمة وسطًا، أي: عدلًا خيارًا، ولذلك جعلهم شهداء على الناس، هداهم لما بعث به رسله جميعهم من الدين الذي شرعه لجميع خلقه، ثم خصهم -بعد ذلك- بما ميزهم به وفضلهم من الشرعة والمنهاج الذي جعله لهم].
ابتدأ المؤلف ﵀ في مكاتبته بأصل عام، ثم دخل بعده إلى الكلام في طريقة عدي بن مسافر والتحول الذي طرأ فيها.
هذا الأصل العام الذي قد ضمنه جملته العامة هو تقرير المصنف لكون هذه الأمة هي الأمة الوسط، وأن أهل السنة والجماعة هم الوسط في فرق هذه الأمة، كما أن هذه الأمة هي الوسط في الأمم.
تقريره لمسألة الوسطية في هذه الصفحات الأولى، وبين ﵀ المقصود عنده بهذا المنهج، فهو من حيث ابتدأ بالمكاتبة قرر مسألة الوسطية، وهذا المقصود من كلام الإمام ابن تيمية ﵀ يمكن أن نقول: إن تحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: اعتبار الوسطية من حيث العلم.
المسألة الثانية: اعتبار الوسطية من حيث العمل.
المسألة الثالثة: اعتبار الفقه لهذه الوسطية.
стр. 16
الوسطية في العلم
أما من حيث العلم فإن أصول الوسطية العلمية هي: الكتاب والسنة والإجماع؛ ولذلك لا يجوز أن يقال عن قول أنه قول وسط فصل إلا إذا انضبط أنه مبني على الكتاب والسنة والإجماع، وأما ما نزل عن رتبة الإجماع من اختلاف الأئمة واختلاف الصحابة فهذا الأصل فيه أنه على السعة، وإن كان الناس من الخاصة والعامة -كما يقول الشافعي - يربون على اتباع ما هو أقرب إلى الدليل، ثم هذا يتفاضلون فيه ويختلف نظرهم فيه.
إذاً: اعتبار الوسطية العلمية بهذه الأصول الثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع.
والإجماع الذي يذكر هنا هو الإجماع المنضبط الذي كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والقرون الثلاثة الفاضلة.
أما بعد ذلك فإن الغالب على ضبط الإجماع أنه يتعذر أو يتعثر، فإن الإجماع الممكن من حيث الانضباط هو إجماع القرون الثلاثة الفاضلة، أما بعد ذلك فإن الأمة انتشرت، والفقهاء كثروا، وتأخرت وسائل الاتصال في أكثر قرون الأمة، فصار ضبط الإجماع متعذراً في كثير من الأحوال.
إذاً: الإجماع المنضبط هو إجماع القرون الثلاثة الفاضلة، فإذا انضبط إجماعاً فإنه يكون قولاً لازماً تحرم مخالفته بمقتضى الأدلة الشرعية.
стр. 17
الوسطية في العمل
ذلك باعتبار فقه الإجماع وفقه الدليل من الكتاب والسنة لتطبيق العمل عليه، فحينما يقال: إن هذه الأمة هي الأمة الوسط في علمها، فهي الوسط في عملها.
فعليه: يكون ميزان العمل في الإسلام هو ما مضى به الكتاب والسنة والإجماع، وأما أوجه العمل التي هي اجتهاد لبعض الفقهاء فهذه مبنية على السعة.
وأما أوجه العمل التي هي حادثة في الإسلام، فهذه لا ينبغي أن يبقى الناس على إلفها، وعليه يمكن أن نقول: إن العمل القائم في حال المسلمين ولا سيما في حال عامتهم اليوم ثلاثة أقسام:
الأول: عمل مبني على الإجماع، أي: معلوم بالإجماع كالصلوات الخمس، فهذا عمل مجمع عليه بين المسلمين فضلاً عن دلالة الكتاب والسنة عليه.
الثاني: عمل هو وجه من الاجتهاد لبعض الفقهاء، وهو إما عمل يتعلق ببعض العبادات المحكمة كالصلاة، مثل بعض الحركات في الصلاة كرفع اليدين وعدم رفعهما وكإشارة الأصبع في التشهد أو عدمها، وكوضع اليدين على الصدر أو عدم ذلك، وكالتورك وعدمه وما إلى ذلك.
أو أعمال منفكة عن عبادة معينة تقع بوحدها.
فأوجه العمل فيه بين الفقهاء الأصل فيه أنه على السعة ما دام أن هذا الخلاف خلاف معروف وتقدم معتبر.
الثالث: عمل مبتدع في الإسلام، وهذا هو الذي ينبغي أن يصرف الشأن في تصحيح أمر المسلمين فيه.
أما الوجه الثاني فلست أرى أنه من الحكمة أن يكثر مجادلة الناس فيما هو منه، حتى ولو كان المجادل يرى أن ما جادل به هو الأقرب إلى الدليل، فإن هذا تحته أمران:
الأمر الأول: أن هذا الأقرب للدليل إنما هو من حيث نظره، وقد لا يكون الأمر كذلك.
الأمر الثاني: أن من مضى على تقليد إمام معتبر يمكن أن ينبه إلى الأمر باختصار، وليس بوجه من الإلزام، أو أنه إذا لم يرجع عن ذلك فقد ترك السنة والجماعة أو ترك طريقة السلف أو ما إلى ذلك.
فما كان من الخلاف المعتبر المحقق فإن شأنه على الاحتمال، إنما الذي يصرف العامة عنه ويحذرون منه هو العمل المبتدع في الإسلام، الذي لم يذكره أئمة الفقهاء فضلاً عن وروده في الكتاب والسنة، وهذا أحواله متدرجة بوجه من البدعة الحادثة، ثم إلى بدعة مغلظة، ثم إلى وجه من الشرك، أو ما يقتضي مخالفة أصول الملة مما يقع عند القبور، وإن كنت أقول: إنه ليس بالضرورة أن كلَّ ما يقع عند القبور يكون شركاً، فقد يقع عند القبور ما هو من الشرك الأكبر، وقد يقع عندها ما هو من الشرك الأصغر، وقد يقع عندها ما هو من البدع، وقد يقع عندها ما هو من أقوال الفقهاء الشاذة.
فمثلاً: فيما يتعلق بالدعاء عند القبر، هناك رأي لبعض الفقهاء أنه يستحب أو يجوز أن يدعو الإنسان لنفسه عند القبر، لكن هذا القول قول شاذ يخالف مذهب جماهير الفقهاء المتقدمين، وكأنه يخالف إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إنما تبناه بعض أصحاب الفقهاء المتأخرين، فهذا من شاذ الأمر.
ولذلك نص بعض المحققين على أن هذا وإن جوزه بعض الفقهاء المتأخرين إلا أنه بدعة؛ لأنه لا معنى للدعاء عند القبر، وإنما الذي جاء به التخصيص هو الدعاء للميت صاحب القبر، أما دعاء الإنسان الزائر لنفسه فليس كذلك.
وقد يفعل عند القبر ما هو من البدع، كبعض الحركات والأحوال، وقد يقع عنده ما هو من الشرك الأصغر، وقد يقع عنده ما هو من الشرك الأكبر، وإن كان الفاعل له قد لا يكون عليماً بهذا.
ولهذا تعميم الأحكام على ما يقع عند القبور ليس له وجه، وكذلك وصف الأعيان بصفة مجملة، هذه ينبغي أن تبقى على إجمالها، أحياناً يقول البعض: فلان قبوري، وهذه الكلمة كلمة مجملة، قد يكون المقصود منها أنه يغفل عما هو من الشرك الأصغر، أو ما هو من الشرك الأكبر، أو ما إلى ذلك.
إذاً: تصحيح ما عليه أحوال المسلمين اليوم من الأخطاء في مسائل التعبد ولا سيما ما يقع عند القبور والمشاهد التي بعضها صحيح وبعضها مكذوب، هذا لا بد أن يكون أولاً بالحكمة والاعتدال؛ تقريباً للسنة ودعوة إلى النصوص وإلى صريح النصوص القاضية والملزمة للمؤمنين بترك هذه المنكرات وهذه المبتدعات.
وأن يكون باعتدال، وليس بما يحرك النفوس الجاهلة إلى التعصب لما هي عليه من الجهل.
стр. 18
مسألة الأصول والفروع والفرق بينهما
المسألة الثالثة: هي فقه الفرق بين الأصول والفروع والمحكم والمتشابه.
الأصول والفروع هذه التسمية من حيث الاصطلاح تسمية شائعة في كلام الأصوليين، وفي كلام المتكلمين، وفي كلام الفقهاء بعامة، وهم يعنون بذلك أن الدين ينقسم إلى أصول وفروع.
وهذه التسمية لا شك أنها تسمية متأخرة، أي: أنها لم تظهر زمن النبوة ثم الصحابة ثم زمن الأئمة المتقدمين، بل بدأت بدايات من المصطلحات لما بدأ الاصطلاح وكثر، فتجد في كلام الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام أنه يسمي بعض المسائل فيقول: ما هو من الأصول في الدين وما هو من الفروع فيه، فاستعمل مصطلح الأصول ومصطلح الفروع.
هذا المثال هو تمثيل بـ أبي عبيد، وهو رد على ما يقوله بعض المتأخرين من أن هذه تسمية مبتدعة على سائر مقاصدها.
стр. 19
مذهب ابن تيمية في مسألة الأصول والفروع
الإمام ابن تيمية ﵀ عندما تكلم في مسألة الأصول والفروع تكلم فيها على وجهين:
الوجه الأول: يذكر هذا التقسيم وهذه التسمية مقراً لها، وهذا مقتضى الشرع والعقل.
الوجه الثاني: يذكر هذا التقسيم معارضاً له، ولكن مقصوده بالمعارضة ليس الاصطلاح، إنما مقصوده بالمعارضة الحد الذي ذكره بعض أئمة المعتزلة، ومن نقل عنهم من المتكلمة الصفاتية لما قالوا: إن الأصول هي العلميات، والفروع هي العمليات، فهذا غلط؛ لأنه يستلزم أن تكون الصلوات الخمس والزكاة والحج وصوم رمضان من الفروع، وهذا خطأ؛ لأن مذهب السلف درج على أن العمل أصل في الإيمان.
أو معارضة لقول بعضهم: إن الأصول هي المسائل المعلومة بدليل السمع ودليل العقل، والفروع هي المسائل المعلومة بدليل السمع وحده، فإن هذا أيضاً حد غير صحيح؛ فإن هناك مسائل أصول لا تعرف إلا بدليل السمع، ككتابة الله لمقادير خلقه؛ فإنه لولا خبر الله ورسوله بها لما كان لأحد أن يبتدع بأن الله كتب مقادير الخلق، وكنزوله إلى سماء الدنيا؛ فإنه لولا خبر النبي ﷺ لما كان لأحد أن يصل بعقله إلى أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا.
بخلاف بعض الصفات التي يشهد العقل بها ابتداء، ككونه سميعاً بصيراً حياً قديراً، فإن هذه مسائل تعرف بالشرع وتعرف بالعقل, وإن كانت المسائل المعروفة بالسمع إذا ورد السمع بها فإن العقل لا يعارضها.
إذاً: القول بأن الإمام ابن تيمية ﵀ رد تقسيم الدين إلى أصول وفروع أو أنكره هذا غير صحيح، بل في كلام شيخ الإسلام استعمال قديم للأصول والفروع، وهذا مقتضى العقل والشرع؛ لأن مسائل الشرع ليست وجهاً واحداً، وكلمة (فروع) ليس فيها إنتقاص لشيء من مسائل الشريعة؛ بل إن النبي ﵌ قد قال ما هو مقارب لهذا المعنى، فقد قال ﵊ كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) والشاهد ما تفرد به مسلم من قوله ﵊: (فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) فإذا كان الشارع عبر بهذا التعبير واستعمل هذا اللفظ؛ فلفظ الأصول والفروع ليس بعيداً عن مثل هذا المقصود، فهو لا يوجب النقص.
стр. 20
الوجه السائغ لتسمية (الأصول والفروع)
بعض الكتاب يقول: إنه قد يفهم بعض العامة أو حدثاء العهد بالإسلام أن الفروع ليست لازمة في الإسلام.
فنقول: هذا الفهم ليس بالضرورة أنه يقع عند العامة وبعض حدثاء العهد بالإسلام، بل كون العامة وحدثاء العهد بالإسلام يعرفون أن الإسلام فيه ما هو أصل وفيه ما هو دون ذلك، وأن من يفرط في الفرع لا ينبغي له أن يفرط في الأصل، ويفهمون أن أصول الإسلام هذه عزم يجب المحافظة عليها، ولا تغلب النفس على تركها، وأن هذه الفروع شأنها دون ذلك، مع كون بعضها واجباً وبعضها مستحباً ..
هذا الفهم هو عين الحكمة وعين الفطرة البشرية، بخلاف ما إذا قلت للناس: إن الإسلام جميعه من أوله إلى آخره أصل، فهذا ليس عدلاً ولا حكمة، فإن من ترك إماطة الأذى عن الطريق، ليس كمن ترك الصلوات الخمس، ومن فاتته تكبيرة الإحرام ليس كمن ترك صلاة الجماعة، ومن صلى منفرداً ليس كمن أخر الصلاة حتى خرج وقتها، ومن أخر الصلاة حتى خرج وقتها ليس كمن ترك الصلاة بالكلية، فالأصل أن الناس يعرفون أن دينهم منه ما هو ركن تركه قد يكون ردة وكفراً، ومنه ما هو واجب تركه فسق، وقد ذكر الله سبحانه هذا في كتابه، فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] فلما ذكر الإيمان ذكره واحداً، ولما ذكر ما يخالف هذا الإيمان أو ما ينقصه قال: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧].
فمسألة الأصول والفروع هذه تسمية واسعة إذا ما ضبطت بتفسير صحيح، فقيل: الأصول هي ما أجمع عليها الصحابة والأئمة في مسائل العلم والعمل، والفروع هي ما دون ذلك.
ففي العقل والشرع أن المسائل أحد وجهين:
إما مسألة مجمع عليها، وإما مسألة مختلف فيها.
فإذا رددنا مسائل الشريعة إلى القرون الثلاثة الفاضلة استطعنا أن نصل إلى أن هذه المسألة في القرون الثلاثة إما أن تكون مسألة مجمعاً عليها، وإما أن تكون مسألة قد اختلف فيها الصحابة والأئمة.
فما كان من المسائل المجمع عليها فهو أصل قدره على اللزوم، سواء كان الإجماع بوجه علمي، أو وجه عملي، فقد يكون إجماعاً علمياً، كأن يجمعوا على كون هذا العمل مستحباً، فعندما أجمعوا على كونه مستحباً هل صار فعله واجباً، أم أنه انعقد الإجماع على استحبابه؟ انعقد الإجماع على استحبابه، فلا يجوز لأحد أن يأتي بعد ذلك فيقول: إنه مباح وليس مستحباً، فيخفضه، ولا يسع أحداً بعد ذلك أن يقول: إنه واجب، فيرفعه عن قدره السابق.
فالمستحب من حيث الفعل يتعلق بفروع الشريعة، ولكن من حيث الجهة العلمية فيه يتعلق بمسألة الأصول، فمن أنكر أن هذا مشروع، كمن أنكر شريعة السواك، فإن إنكاره لهذا يتعلق بمسائل التصديق لأحاديث النبي ﷺ .
أما إذا جئت إلى المستحبات من حيث التطبيق لها، بل وإلى كثير من الواجبات من حيث التطبيق لها، فهذه لا نسميها أصولاً، بل هي من باب الفروع، ولذلك قد يكون الشيء من جهته العلمية أصلاً، ومن جهته العملية التطبيقية فرعاً، وقد يكون الشيء من جهته العلمية والعملية أصلاً، وهذا كالصلاة؛ فإنها من جهة التصديق بوجوبها أصل، ومن جهة إقامتها هي أصل أيضاً.
стр. 21
المحكم والمتشابه والفرق بينهما
أما مسألة المحكم والمتشابه، فإن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] ..
إلى آخر الآية، فقد وصف الله سبحانه كتابه بأن منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، وهذا الوصف وصف إضافي، أي: أن القرآن من حيث هو كلام الله محكم؛ ولذلك وصف الله سبحانه كتابه في مقام آخر بأن جميعه محكم، فقال: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١]، ولم يقل: بعض آياته، فالقرآن من حيث هو كلام الله جميعه محكم.
والتشابه الذي أضيف إليه إضافة عامة هو التوافق، أي: أنه ليس فيه اختلاف، وهذا من خصائص كلام الله؛ ولذلك قال الله في مقام آخر: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فكلام الإنسان لابد أن يدخله خلاف، أما كلام الله فإنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكذلك الوحي المنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فالقرآن منه محكم ومتشابه من حيث الإضافة، أي: باعتبار تعلقه بالمكلفين، فبعضه محكم في فقه المكلفين، وبعضه يتشابه على المكلفين شأنه، فيكون متشابهاً؛ ولذلك فإن الذي فيه تشابه عند المكلفين: ﴿والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] سواء قيل: إن الراسخين في العلم يعلمونه، أو قيل: إنهم لا يعلمونه، لكنهم يقولون في كلا الحالين: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧].
стр. 22
المحكم والمتشابه في العلم والعمل
المقصود بذكر المحكم والمتشابه بأن العلم منه محكم ومتشابه، وأن العمل منه محكم ومتشابه، وإذا كان كذلك فينبغي لطالب العلم في دراسته لعلوم الشريعة أن يعنى بالمحكم من هذه العلوم، وكذلك في باب العمل.
كذلك على المسلمين اليوم خاصتهم وعامتهم -ومصطلح الخاصة والعامة مصطلح لا بأس بالتعبير به، وإن كان مصطلحاً تكلم به بعض الصوفية، لكن الإمام الشافعي استعمله كثيراً، والخاصة هم أصحاب الفقه والإمامة والعلم، أو القصد إلى ذلك، والعامة هم دون ذلك -أن يعتنوا بمحكمات العلم ومحكمات العمل.
وقد يقول قائل: هذا الكلام لا يطلع عليه إلا القليل، وأنت تقول: المسلمون، فهل نستطيع أن نصحح؟
فنقول: الإنسان أولاً مكلف أن يبدأ بنفسه ثم بمن يسمع صوته، ثم لماذا ظهرت الآن بعض المظاهر البدعية عند المسلمين وعليها ملايين من أهل الإسلام؟ لأن النفس البشرية -وننبه إلى أن فقه النفوس أمر مهم، فإن البعض -خاصة من السلفيين- يدرسون العلوم دراسة تجريبية، وهذا خطأ، فإن هناك مسائل لابد للإنسان أن يتعلم فقهها ليصل فيها إلى تصحيح نفسه وإلى طريقة مخاطبة الغير- فنقول: لأن النفس البشرية موصوفة بالظلم والجهل والضعف وما إلى ذلك، وهذا موجود في القرآن، وليس بالضرورة أن تذهب إلى كتب علم النفس، هذا في القرآن في صفات النفس البشرية، فإن الله لما ذكر النفس قال: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨]، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج:١٩]، فهذه الكلمات التي في توصيف النفس البشرية لا بد أن يكون طالب العلم فقيهاً فيها، ومع الأسف أنه أصبح العلم عن أحاديث الأحكام فقط، هذه هي أم العلم، وأما الباقي فإنها آداب، ولا تحتاج إلى عناية كبيرة!
مع أن هذا المنهج ظاهر في صنيع المحدثين الذي كتبوا في حديث الرسول ﵊، فإنهم لم يصنفوا في الأحكام فقط، فقد صنف البخاري فاختار ما صح عنده لكن في سائر أبواب الدين، بل حتى إنه لم يبتدئ بكتاب العبادات، بل بدأ بما هو قبل ذلك: باب الوحي والعلم والإيمان، ولما صنف مسلم فعل كذلك، ولما صنف أصحاب السنن فعلوا كذلك، فكانوا يذكرون أحاديث أصول الدين أولاً، ثم يذكرون أبواب الفقه ومسائل الآداب والأخلاق في سائر مواردها التي نزلت بها.
بل إننا نجد ذلك في القرآن، فإن ذكر القصص وتفصيل القصص في القرآن هو لقصد العبرة، وليس كمعلومات مجردة، قال : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣]، وهذه في أول السورة، وفي آخرها قال : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف:١١١]، ونجد أن قصة موسى ﵇ ذكرت في أكثر من موضع في القرآن، مع أنها في كثير من هذه المواضع فيها تقارب؛ لأن هذه تعطي العابد والسالك وطالب العلم والمسلم والمؤمن منهجاً، والله أمر نبيه ﵊ أن يقتدي بإخوانه الأنبياء، فما بالك بمن هو من أتباع الأنبياء واتباع هذا النبي، فهو أولى بهذا الاقتداء وهذا الفقه والتدبر لقصص الأنبياء، وأحوال النفس والإنسان وما إلى ذلك.
أحياناً بعض الشعراء يصل إلى معنى يعبر به عن مقصود، فالمتنبي يقول في شعر له:
خلقت ألوفاً لو رحلت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب
وهذه حقيقة كثير من عامة المسلمين اليوم، فهو يقول: (خلقت ألوفاً لو رحلت من الصبا) أي: أنا في سن الشيب الآن، وكل إنسان في الشيب يقول: مات الشباب، لكن لو جاء قرار واضح أنه ستنقل الآن من عتبة الشيب إلى مرحلة الشباب وستصبح شاباً لانتقلت وما ترددت، لكن سألتفت إلى الشيب باكياً، فلماذا يبكي على الشيب؟ يقول: لأني ألفته، والإنسان من طبيعته أنه يألف.
فالناس هكذا العوائب النفسية هي التي تتسلط على كثير من عقول المسلمين اليوم، وهذا إن شاء الله سنخصص له درساً في فقه مسألة التقليد، والتعصب في مسائل السلوك وما إلى ذلك وكيف يصحح ذلك، وكيف يتجه العوام من المسلمين، لا أقول إلى طريقة زيد أو عمرو أو مذهب أحد، وإنما إلى هدي الكتاب والسنة والحكمة والموعظة الحسنة.
فمسألة المحكم والمتشابه ينبغي لطالب العلم دائماً أن يضعها في ذهنه، وأن يصرف جمهور وقته في محكم العلم والعمل، وأن لا يعطي المتشابه إلا قدراً يسيراً، أم أن يمضي طالب العلم كثيراً من وقته، ومن عمره أمام المجتمع وأمام الناس، وفي متشابه العلم، أو متشابه العمل، فهذه الحال نحن نحاول أن نصححها للعامة، لكن كيف نصححها للعامة وطلبة العلم هم يعيشونها في أنفسهم، بل إننا نجد أحياناً أن بعض العوام عنده من المحافظة على محكمات العمل أكثر مما عند كثير من طلبة العلم، ونحن لو تأملنا هدي السلف الأول، وأجل السلف الأول هم الصحابة؛ لوجدنا أن هديهم عامته -إذا لم يكن جميعه- في محكم العلم ومحكم العمل.
بل حتى الأسئلة التي هي نوع من المتشابه ما كان الصحابة يسألونها؛ ومن ذلك: أنه لما حدث رسول الله ﵊ في مسألة كتابة العمل فقال: (ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من الجنة أو من النار) لم يسأل كبار الصحابة: ففيم العمل؟ وإن كان قد سأل بعض من حضر من الصحابة، لكن هذا السائل لم يكن من أئمة وكبار الصحابة؛ بل لم يكن يمثل أيضاً أكثر الصحابة، ثم هذا السائل ليست هذه حاله على الدوام ولا على الغلبة، بل هي حال عرضت له، وكان سؤالاً يعرض لكثير من النفوس، لكن جمهور الصحابة ما سألوا، ولم يكونوا ﵃ تركوا السؤال لأنه لم يرد عندهم هذا السؤال؛ بل لأن من فقه حقائق الشريعة فقهاً مناسباً وتخلص من العوائد والتعصب والإلف والتقليد غير الشرعي؛ حصل له محكم العلم، ومحكم العمل، وصار يعيش فقهاً في نفسه، وطمأنينة وسكينة وما إلى ذلك.
فأنا أحببت أن أشير في هذه القواعد الثلاث إلى أن منهج الوسطية يقوم على ثلاثة أصول: العلم، والعمل، ثم النتيجة في الأصل الثالث.
وهي مسألة فقه الأصول والفروع والفرق بينهما، وفقه المحكم والمتشابه، وأن ما يجب على طالب العلم أن يمضي عمره فيه هو محكم العلم ومحكم العمل، وأن يدعو الناس من باب أولى إلى المحكم في هذا والمحكم في ذاك.
والمصنف من أول الكلام بدأ يتكلم عن الوسطية، وأن هذه الأمة وسط بين الأمم، ومعنى الوسط أي العدول الخيار، ثم إن أهل السنة والجماعة وسط في طوائف هذه الأمة.
أما مسألة عدد طوائف هذه الأمة فالله أعلم بها، فقد جاءت الأحاديث الصحاح أن هذه الأمة يقع فيها افتراق؛ لقول النبي ﵊ في الصحيحين: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين) فدلت هذه النصوص، ودل الواقع التاريخي أيضاً أن هذه الأمة حصل فيها افتراق، وجاء في حديث مشهور في السنن والمسند: (وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين) فإذا صح هذا الحديث -كما هو مذهب كثير من الحفاظ- قيل: إن فرق هذه الأمة ثلاث وسبعين، وإذا لم يصح قيل: العدد الله أعلم به، وحتى لو صح الحديث -كما هو مذهب كثير من الحفاظ، واختيار المؤلف- فإن طريقة السلف أنهم لا يرون الاشتغال بتعيين هذه الطوائف الثنتين والسبعين الخارجة عن السنة، وحينما لم يشتغل السلف بهذا فإن هذا هو مقتضى الشرع ومقتضى العقل؛ لأن الإنسان لا يعلم ماذا بقي من أيام الله في هذه الفترة، فلربما أن كثيراً من هذه الفرق لم تحدث، وأنت إذا رجعت إلى الأسماء التاريخية إن اعتبرت أصولها قلت: هي أقل من ثنتين وسبعين، وإذا اعتبرت فروعها الزائدة عن الثلاث والسبعين إلى المئات، جزمت بأنها أكثر من ذلك، ومن هنا كان الفقه أن لا يجزم في التعيين، وإنما يسلم بأن هذا على السنة وهذا ليس على السنة.
فالمقصود أن المصنف تكلم في أول هذه الرسالة عن وسطية أهل السنة والجماعة باعتبارها مسائل، وقال: إن المحافظين على أصول العبادات: الصلوات الخمس، والجمعة، ورمضان، والحج، والزكاة، ويحافظون على الإيمان بالله واليوم الآخر وملائكته ..
إلى آخر أركان الإيمان الستة، فلكونها مسائل بينة لم يسع الوقت للتعليق على كل واحدة منها بعينها إنما علق على المقصود بالوسطية، وأن الوسطية تنبني على هذه الأصول الثلاثة: أصل العلم، وأصل العمل، ثم الفقه في هذين الأصلين بالتفريق بين الأصول والفروع، والتفريق بين المحكم والمتشابه.
стр. 23
شرح الوصية الكبرى [٣]
للصوفيه أقسام ودرجات ذكرها أهل العلم والمقالات، فهناك صوفية الحقائق، وصوفية الرسم، وصوفية الأرزاق، أما من حيث الحقائق فهناك صوفية أهل الحديث، وصوفية المتكلمين، وصوفية المتفلسفة، ولكل أقوال وأحوال يختلف بها الحكم على كل منها بحسبها، فينبغي فقه هذه الأقوال والأحوال على حقيقتها لمن يريد الحكم على أي منها أو على أي أحد ينتسب إليها.
стр. 24
أقسام الصوفية ودرجاتهم
ثمة تقاسيم لأهل العلم والمقالات -بل وللصوفية أنفسهم- لدرجات المتصوفة، ونقف باختصار مع بعض التقاسيم التي ذكرها الإمام ابن تيمية ﵀.
فقد ذكر في كلامه جملاً من التقاسيم، ومن أخصها تقسيمان:
التقسيم الأول: يقول فيه شيخ الإسلام: "الصوفية ثلاثة أقسام:
صوفية الحقائق، وصوفية الرسم، وصوفية الأرزاق".
стр. 25
صوفية الحقائق
ومقصوده بصوفية الحقائق: من قصدوا إلى تحقيق معاني التصوف بطرقهم أو بالطرق التي يعتبرونها، فإن قيل: فما هي الطرق التي قصدوا إلى تحقيق معاني التصوف والسلوك والتعبد بها؟
قيل في جوابه: هذا مما يختلفون فيه كثيراً، فإن منهم من هو في تصوفه على طريقة المتفلسفة، ومنهم من هو في تصوفه على أصول كلامية، ومنهم من هو في تصوفه على أصول مجملة من الكتاب والسنة وهدي السلف الأول، لكنه أخطأ في ذلك.
فصوفية الحقائق درجات، ولكن مقصوده بذكرهم أنهم المشتغلون بنظم التصوف وتطبيقه وتفسيره، ويغلب على صوفية الحقائق أنهم يستعملون لتفسير هذا أسماء كثيرة، كالفناء والبقاء، والجمع والتفرقة، والكشف والوجد، والسكر والصحو، وما إلى ذلك.
فإن قيل: فما تفسير هذه؟
فأقول: لا ينبغي لمن أراد أن يكتب جواباً أو تعريفاً أو ما إلى ذلك أن يبني على مثل تعريفات الجرجاني لمثل هذه الأسماء؛ فإن هذه الأسماء أو هذه المراميز -كما يسميها الصوفية كـ ابن سينا من المتفلسفة أو كـ أبي حامد الغزالي - هذه المراميز كل طبقة أو كل مدرسة من الصوفية تفسرها بدرجة تختلف عن غيرها.
فمثلاً: إذا استعمل أبو إسماعيل الأنصاري الهروي الحنبلي كلمة (الجمع) فإنه لا يصلح أن تفسر بالتفسير الذي يفسره التلمساني؛ فإنه لما صنف منازل السائرين -وهي رسالة له في التصوف- وذكر فيها الأحوال وما إلى ذلك، شرح هذه الرسالة العفيف التلمساني، والعفيف التلمساني هو من متفلسفة الصوفية، بل يقول ابن تيمية: "ليس فيهم من هو أجلد منه في هذا الباب"، بل يجعل تمسكه بفلسفة الصوفية أكثر من تمسك ابن عربي بها، لكن ابن عربي كان أشهر عند العامة.
فالمقصود: أن التلمساني لما فسر كلام أبي إسماعيل الأنصاري الهروي، فسره تفسيراً غالياً مقارباً لطريقة متفلسفة الصوفية، لكن لما جاء من ليس صوفياً في المفهوم بالكلمة وهو ابن القيم ﵀، فشرح رسالة الهروي في كتابه مدارج السالكين، تباعد عن كثير من مقاصد الصوفية، ليس المتفلسفة بل حتى من دون المتفلسفة، بل حاول أن يقرب مقاصد الهروي بمراميزه وجمله وحروفه إلى المعنى المعروف عند أئمة السنة والجماعة المتقدمين.
وهذا يدلك على أن تفسير كلام الصوفية ينبغي أن يكون بعلم وعدل، فلا ينقص عن قدره الذي كتبوا عليه حتى لا يخدع العامة بإنقاص، ولا يزاد في العدوان فيفسر الكلام تفسيراً غالياً من قائل لم يكن على هذه الدرجة.
إذاً: هذه صوفية الحقائق، وهم المشتغلون بنظم التصوف وتفسيره، ثم هم درجات شتى.
стр. 26
صوفية الرسم
القسم الثاني: صوفية الرسم، ومقصود ابن تيمية بصوفية الرسم يبينه بقوله: "هم الذين اهتموا بشعار التصوف من حيث اللباس والآداب الوضعية"، وليس المقصود بالآداب الوضعية أنها خارجة عن أصول الإسلام مطلقاً، وإنما المقصود أنها آداب يختص المتصوف بها، ويختص كل صاحب درجة بشيء منها، فالمريد له آداب معينة أمام العارف، وهذه يسمونها بالآداب الوضعية لحركة الجلوس والحضور وما إلى ذلك.
وفي الغالب أن هؤلاء ليسوا مرحلة تاريخية انتهت، بل ما زال هذا قائماً إلى الآن وبشكل كثيف، والإمام ابن تيمية لم يرد أن صوفية الرسم ليس عندهم من التصوف إلا اللباس والآداب الوضعية، لكن المقصود أنهم لم يدخلوا في عمق التصوف، بل يعنون بالذكر، ويعنون بالصلاة، ويعنون ببعض القربات، ويعنون ببعض الانتفاء عن بعض الملذات، وما إلى ذلك من الطرق التي يرسمها الصوفية، ولكن الغالب عليهم أنهم يعنون بالرسم وبالآداب الوضعية، أي: اللباس والآداب التي درج عليها المتصوفة.
стр. 27
صوفية الأرزاق
القسم الثالث: وهم من سماهم بصوفية الأرزاق، وهؤلاء أقل تأثراً بحقيقة التصوف ونظمه من القسم الثاني فضلاً عن القسم الأول.
وهؤلاء تسموا بالتصوف وانخرطوا في بعض حضور مجالس التصوف كسباً للأوقات؛ فإنه من المعلوم أن الوقف في الشريعة أحد أوجه البر والإحسان، وله نظم معروف في الفقه، لكن لما كان بعض المسلمين والصالحين والقاصدين للخير من أهل المال يوقفون -وهذا جرى عليه عمل كثيرين في كثير من الأمصار- بعض الدور وبعض الأماكن وبعض الأرزاق على الصوفية، أو يقولون: على فقراء الصوفية، أو ما إلى ذلك، ولقلة ذات اليد في كثير من بلاد الإسلام؛ صار كثير من العامة يقصد إلى أن ينتسب ويدخل في هذا الاسم حتى يجرى عليه شيء من الوقف، فيكون داخلاً في الحكم شرعاً.
وعليه: فصوفية الحقائق هم الخاصة وفي الغالب هم من المتصوفة أصحاب النظم والمعرفة، ثم كثير من العامة أكثر ما يكونون عليه هم من صوفية الرسم وإن أصابوا شيئاً من تصوف الحقائق، وكثير من العامة أيضاً هم من صوفية الأرزاق وإن أصابوا شيئاً من تصوف الرسم وتصوف الحقائق.
فليس مقصود الإمام ابن تيمية وليس المقصود من القول أيضاً هنا أن نقول: إن صوفية الرسم عندهم براءة مطلقة من تصوف الحقائق، ولا أن صوفية الأرزاق كذلك، إنما المقصود أن يفقه طالب العلم أنه قد ينتسب إلى التصوف من يكون الغالب عليه شعار التصوف لسبب عاشه في بيئته أو إلف عاشه في مجتمعه، فيكون عنده بعض الغلط، وبعض السقط، وربما انتسب لاسم من الأسماء التي عندهم بدع مغلظة، لكنه ليس عليها ولا يعملها ولا يفقهها ولا يصل إلى درجتها، فمثل هؤلاء يقربون إلى السنة والجماعة؛ لأنهم في جملة أحوالهم على السنة وإن انتسبوا إلى من انتسبوا إليه وهم يجهلون كثيراً من حاله، أو يظنون في حاله كثيراً من الخير.
إذاً: في تقييم التصوف يراعى هذا التقسيم، وهو من أهم التقاسيم التي ينبغي أن تطبق اليوم، إلا أنه ليس كل من حمل هذا الاسم يلزم أن يكون ضالاً مضلاً خارجاً عن السنة إلى البدع المغلظة في الإسلام، بل قد يكون عنده وجه من الضلال أو وجه من الخطأ أو وجه من الابتداع، لكن لا يلزم أنه قد استحكم في البدعة، وقد أشرت إلى أن جمهور العامة من المسلمين برآء من الاستحكام في البدعة، والإقامة عليها، بل إذا دعوا إلى أصول الهدى والحق فإنهم مقاربون لها، وليس عندهم تمسك مطلق بما يخالفون ذلك.
стр. 28
أقسام الصوفية من حيث الحقائق
التقسيم الآخر: وهو يتعلق بمفهوم التصوف ومعانيه، وقبل أن نذكر هذا التقسيم نبين أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إذا ذكر الصوفية تارة يذكرهم بالاسم العام، فيقول: الصوفية أو المتصوفة، وتارة يذكرهم في سياق إضافي، وإذا ذكرهم في سياق إضافي نجد أن الإضافة يتباعد قدرها، فمثلاً: نجده تارة يقول: مقتصدة الصوفية، وتارة: محققو الصوفية، وتارة: فضلاء الصوفية ..
إلى أمثال ذلك.
ومن الملاحظ في هذه التعبيرات أنها تعبيرات مقاربة، بل ربما يستعمل ما هو أكثر من ذلك.
ولكنه بالمقابل يستعمل جملاً وسطاً حينما يقول مثلاً: مبتدعة المتصوفة، ومنحرفة المتصوفة، هذا نعتبره إضافة تقرير تمثل الدرجة الثانية، ليس فيها وصف بالغلو المطلق، ولكنه أيضاً ليس كالألفاظ والاستعمالات الأولى.
ثم نجد كذلك أنه يستعمل إضافات أشد، وهي الإضافات القوية، وذلك حينما يقول مثلا: ً غلاة المتصوفة، ضلال المتصوفة، وربما يستعمل سياقاً فيه لفظ الزندقة، وربما يحكم على بعض المقالات بحكم تام في القوة، كأن يقول: إن هذا القول مخالف لأصول دين المسلمين، وهو من البدع المغلظة المخالفة لقول عامة المسلمين من الصوفية وغيرهم ..
فلماذا هذا؟
لأن هذا هو الواقع من حيث الحقائق؛ فإن التصوف اسم عام قد يدخل تحته المقتصد، ويدخل تحته المتوسط -إن صح التعبير- ويدخل تحته الغالي.
فليس التصوف بسائر أوجهه غالياً، وفي المقابل ليس التصوف بسائر أوجهه مقتصداً، بل من بعد القرن الثاني -أي: من القرن الثالث إلى اليوم- ما زال التصوف منه ما هو قد يكون مقتصداً، ومنه ما هو فوق ذلك، ومنه ما هو من التصوف الغالي الذي لا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يخفف في شأنه؛ لمنافاته لأصول مقاصد دين الإسلام.
هذه الاستعمالات لكلام شيخ الإسلام لما ذكر التقسيم من حيث الحقائق قال: "إن الصوفية ينقسمون إلى ثلاثة أقسام"، وهذا التقسيم مبني على مقدمات، فإنه من المعلوم في منطق الكلام أنه يقال: المقدمات والنتائج، فهذه النتائج جاءت عن ثلاثة أنواع من المقدمات:
فيقول: صوفية أصحاب الحديث، هذه درجة أو طبقة.
وصوفية أصحاب الكلام، أو صوفية المتكلمين.
وصوفية المتفلسفة.
الآن جعل المصنف منهج أهل الحديث والسنة والجماعة مقدمة بنى عليها بعض الصوفية فأنتجوا التصوف تحتها، فأصبحت المقدمة في الجملة مقدمة سنية، والنتيجة التصوف الذي أنتج من هذه المقدمة.
وثمة تصوف أنتجه أصحابه تحت مقدمات من المعرفة الكلامية، وثمة تصوف أنتجه أصحابه أو حصلوا نتيجته تحت مقدمات فلسفية.
стр. 29
صوفية أهل الحديث
أما التصوف الذي أنتجه أصحابه تحت مقدمات سنية فهذا في كتب الصوفية بخاصة أهله نوعان:
النوع الأول: أعيان من العلماء والعباد المتقدمين الذين لم ينتسبوا إلى الصوفية أو إلى اسم التصوف، ولا يحفظ عنهم بإسناد متصل صحيح إليهم أنهم كانوا يسمون أنفسهم صوفية، ومن أمثلة هؤلاء: الفضيل بن عياض؛ فإن كتب الصوفية تذكره وتجعله من طبقاتها وأئمتها، كما في حلية الأولياء، وطبقات الصوفية وغيرها، مع أنه لا يحفظ -فيما أعلم- أن الفضيل بن عياض كان ينتسب هذه النسبة، وإن كان قد اشتهر بمقامات من الزهد والعبادة، لكن لم يعرف عنه أصل أو فعل -ولو دون الأصل- يخالف مقاصد الشريعة أو دلائلها، بل عامة ما نقل عنه حتى ولو خالفه غيره من الأئمة فهو مما يسع فيه الاجتهاد، فلا يصل إلى باب البدع.
فإنه من المعلوم أن المسألة إذا قبلت الاجتهاد لا يسمى أحد قولي المجتهدين بدعة، فإن البدعة ما خالف السنة الصريحة، أما ما خالف السنة باجتهاد معين فإنه لا يجوز أن يسمى بدعة، وإلا للزم أن مالكاً إذا رأى رأياً في الشريعة فخالفه الشافعي أن يسمى قول الشافعي عند المالكية بدعة، ويسمى قول مالك عند الشافعية بدعة، وهذا لا معنى له ولا وجود.
فالبدعة: هي ما خالف صريح السنة، وليس ما خالف السنة باجتهاد مجتهد، حتى لو كان المجتهد إماماً فرأى أن السنة مضت بهذا فينظر، فإن كان غيره من المجتهدين ولا سيما من السابقين له قد خالفه في هذه المسألة، ولم يروا أن السنة مضت بها وجاءت بها أو حكمت بها؛ فإن المسألة تبقى على الاجتهاد، ويختار المقلد بل وغير المقلد ما يراه أقرب إلى الدليل وأقرب إلى مقاصد الإسلام.
والمقصود من هذا أن ثمة جملة من متقدمي العباد سماهم الناس صوفية، ولم يحفظ أنهم كانوا يتسمون بهذا الاسم.
النوع الثاني: صوفية أصحاب الحديث والسنة، وهم قوم تسموا بهذا الاسم، ولكنهم لم يستعملوا أصولاً مختصة خارجة عن السنة والجماعة كالفلسفة أو علم الكلام ونحو ذلك، وإن كانوا لما حصلوا تصوفهم هذا بمقدمات السنة والجماعة، أخطئوا في كثير من التحصيل.
والإشكال الذي وقع عند هذه الطبقة -مع أن مقدماتها في الجملة هي مقدمات السنة والجماعة- هو أنهم اجتهدوا في فقه بعض إشارات القرآن -إن صح التعبير؛ لأنهم يسمونها كذلك- ففسروا بعض مقامات التعبد التي في القرآن أو في حديث النبي ﷺ بأوجه يعلم عند المحققين من الأئمة أنها ليست في السنة، فضلاً عن أن هؤلاء العباد وإن بنوا على مقدمات السنة والجماعة لم يكن كثير منهم -ولا سيما بعد المائة الثالثة- من المعروفين بعلم الرواية والتفريق بين الصحيح والضعيف، بل التفريق بين الحديث وبين الموضوع، أي: الحديث الثابت المضاف إلى النبي ﷺ وبين ما نسب إلى النبي ﷺ وهو من الموضوعات، فبنوا كثيراً من المقامات والأحوال على أحاديث موضوعة، فجاءهم الإشكال من هذه الأوجه:
غلط في تفسير بعض كلام الله .
غلط في تفسير بعض أوجه التعبد بالسنة.
روايات موضوعة بنوا عليها.
فدخل على مثل هؤلاء كثير من البدع حتى تحولت إلى نوع من الالتزام والانتظام في مذهبهم.
ولذلك يغلب على هؤلاء أنهم لا يخرجون بأصول مغلظة على السنة والجماعة، وإن كان عندهم كثير من البدع في الأقوال، وكثير من البدع في الأفعال، ومحققوهم يتباعدون عن أكثر هذا، فيكون عندهم سلامة في الجملة من كثير من هذه البدع، وإن كانوا لا ينفكون عنها مطلقاً.
ثم تحصيل أحوال الأعيان هذا مما يضيق الإنسان عنه، ولا أقول: مما يضيق المقام عنه، بل مما يضيق الإنسان عنه لتعذر الوصول إلى تمامه في الجملة.
стр. 30
صوفية المتكلمين
أما صوفية المتكلمين فمراد المصنف بهم: أن علم الكلام أسسه أئمة الجهمية وأئمة المعتزلة، وهو العلم الذي استعملوه في مسائل معرفة صفات الله وغيرها، وهذا العلم الشائع في كتب التعاريف وفي مقدمة ابن خلدون وفي غيره من الكتب أنهم يقولون في تعريفه: "هو تحصيل العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية"، أو ما يقارب هذا المعنى، وهذا ليس بصحيح؛ فإن العقل لم يذم عند السلف ذماً مطلقاً، ولا نجد في القرآن ولا في سنة النبي ﷺ أن الله ذم العقل، بل في القرآن أن الله سبحانه ذكر العقل محركاً وموجباً للهداية، فنجد في قول الله تعالى في الكفار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك:١٠] أنه لم يذكر العقل منافياً للديانة أو منافياً للإيمان، بل محركاً إليه، ولهذا لما وصف المعاندين قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩].
ولا شك أن ثمة عقلاً فاسداً وهو ما سماه القرآن ظناً؛ ولذلك لما ذكر الله تعالى حال المشركين قال سبحانه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣].
وأما العلم العقلي فليس منافياً للقرآن ولا لسنة النبي ﷺ ، ومن المعلوم أن الشريعة مضت على أن الإنسان إذا سقط عقله سقط تكليفه، فكيف يقال: إن العقل معارض للأدلة؟!
والمقصود أن علم الكلام يمكن أن نعرفه بأنه: علم مولد من الفلسفة، مع جملة من كليات العقل، ومجمل الشريعة.
هذا هو علم الكلام الذي نظمه المعتزلة وأمثالهم كمقدمة لتحصيل المعرفة: هو علم مولد في جمهور مقدماته من الفلسفة، وأدخل عليه أصحابه تقريراً له بعض المقدمات الكلية من العقل الصحيح، وبعض الكلمات المجملة من القرآن، ولكن المقدمات التفصيلية فيه ليست مقدمات قرآنية ولا مقدمات عقلية صحيحة، بل هي مقدمات فلسفية، وإنما قيل: إنه علم مولد؛ لأنه ليس فلسفة صريحة منقولة، فالفلسفة المنقولة ما ظهرت إلا بظهور المتفلسفة الصرحاء كـ أبي نصر الفارابي، والحسين بن سينا، وقبل هؤلاء يعقوب بن إسحاق الكندي؛ فهؤلاء صرحوا باسم الفلسفة وانتسبوا للفلسفة انتساباً صريحاً.
والمعتزلة والجهمية -وهم الذين ابتدءوا علم الكلام في الإسلام كمقدمة للديانة وتحصيل معرفة الله وصفاته وأفعاله- كانوا مائلين عن التصوف؛ لأن هؤلاء يبنون أمورهم على العقل، والتصوف ينبني على المقدمات أو على أحوال النفس، فكانوا مائلين عنه، لكن لما ظهرت المدارس الكلامية فيما بعد والتي تسمى بمدارس متكلمة الصفاتية، وهي المدارس التي ينتسب أئمتها للسنة والجماعة، ويجافون المعتزلة وقدماء المتكلمين في أصول كثيرة، ولكنهم متأثرون بهذا العلم، بل متقلدون لجملة من أصوله، وقد انتظم هذا في مدارس مشهورة في بلاد العراق، وفي بلاد ما وراء النهر على يد أبي منصور الماتريدي في بلاد العجم.
المهم أنه ظهر في بعض شيوخ هذه المدارس من جمع بين التصوف وبين علم الكلام، ومن أوائل هؤلاء الذين مزجوا بينهما مزجاً بيناً: القشيري؛ فهو ينظم علم الكلام نظماً ويستعمله كمقدمات وكنتائج، مع أنه من كبار الصوفية.
قد يقول قائل: قبل ذلك كان الحارث بن أسد المحاسبي ﵀.
فيقال: الحارث بن أسد غلب عليه التصوف، واستعمل نتائج بعض المتكلمين وهو عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهو يعد مقدم متكلمة الصفاتية، وهو ممن ينتصر للسنة والجماعة، وإن كان بقي عليه بقية من علم الكلام؛ ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام له علم وفقه ودين، فكان له انتصار مشهور للسنة، وأن القرآن ليس مخلوقاً، والرد على المعتزلة القائلين بخلق القرآن، لكنه قال مقالته المشهورة في الصفات، أن القرآن حكاية أو عبارة، وهي مقالة لا أصل لها في كلام السلف".
المهم أن الحارث بن أسد المعروف بزهده وعبادته وأحواله أخذ نتائج ابن كلاب الكلامية، وإن كان متصوفاً، لكنه ليس كالحال التي سار عليها القشيري في جمعه بين التصوف وعلم الكلام.
ثم جاء بعد ذلك الإمام أبو حامد الغزالي فصنف كتاباً على طريقة المتكلمين من الصفاتية، أو على طريقة الأشعرية من أتباع أبي الحسن الأشعري، وهو من المنتسبين للسنة والجماعة.
فلما صنف أبو حامد الغزالي بعض هذه الكتب -ككتاب قواعد العقائد وقانون التأويل وما إلى ذلك- نظمها نظماً كلامياً على الطريقة التي تقلدها أبو المعالي الجويني وأمثاله من النظار والمتكلمين، ولكنه اشتغل بالتصوف حتى غلب عليه، وفي تلك الأثناء وكأن هذا بدأ من المائة الرابعة وما بعدها- ومن يدرس في كتب أبي حامد قد يقول: إنه قد تغيرت أحواله فترك هذا العلم إلى التصوف وما إلى ذلك، فنقول: كلا! الغزالي صرح بطريقة كان ابن سينا يستعملها، وهي أن المذهب الشخصي لا يلزم أن يكون واحداً؛ ولذلك صنف أبو حامد كتباً في الوعظ معروفة وهي التي غلب بذكرها في الإتيان.
وصنف كتباً كلامية وصنف كتباً في السلوك والتصوف الخالص، ولذلك يقول ابن تيمية: "إنه من خاصة المسلمين -يعني: أبا حامد - في التأله والعبادة، وله رجوع مشهور في آخر أمره إلى الحديث والعناية به".
فيقول الغزالي مجيباً عن هذا الاختلاف في مقولته وتصانيفه: "إن المذهب ثلاثة:
المذهب الجدلي -ويعني به: مذهب المجادلة- وهذا لدفع صول الصائلين على الإسلام، ويكون بالطرق النظرية، فندفع عن الإسلام صول أهل البدع المغلظة"، ويقصد بهم الغزالي إلى المعتزلة، ثم يقول: "وندفع صول من ليسوا من أهل الإسلام"، ويقصد بهم المتفلسفة أو الفلاسفة القدماء.
ولذلك لما رد أبو حامد على الفلاسفة قال في بعض كتبه: إنا في ردنا على الفلاسفة استدعينا كلام أصحابنا المتكلمين، وكلام النظار من غيرهم، وإن كانوا يخالفونهم؛ لأننا أمام عدو قد صال على مقاصد الإسلام وأصوله.
ويقصد بهم: المتفلسفة الذين قالوا بقدم العالم ونحو ذلك، فـ الغزالي يسمى هذا المذهب: مذهب الجدل، أي: للمجادلة.
ثم يقول: "المذهب الثاني المذهب العام"، ويجعله للعامة، يقول: "ويكون هذا بالزواجر والدواعي"، يعني بالترغيب والترهيب، يقول: "هذا هو الذي يناسب حال أكثر العوام".
ثم يقول أبو حامد: "المذهب الثالث هو مذهب اليقيني"، يقول: "وهذا سر بين العبد وبين ربه، ولا يكشف منه العبد إلا القدر الذي يجوز كشفه لمن هو أهل له"، حتى إنه فصل بعض الكلام في جواب له لمن سأله عن بعض أحواله في التصوف ذكر بعض الأحوال حتى وقف ثم قال:
فكان مما كان مما لست أذكره ... فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر
ولـ أبي حامد ترقيات في هذا الباب من التصوف اشتد في بعضها إلى أوجه مستغربة عليه.
فالمقصود: أن مثل هذه الطريقة التي حصلت وجد من ينظر في أصوله العلمية النظرية على طرق المتكلمين، وفي مسائل السلوك ينظر على طرق الصوفية.
ومن هنا اندمج علم الكلام مع التصوف، وصار كثير من المتصوفة في أصولهم النظرية على أصول كلامية، وفي مسائل السلوك على طرق صوفية معينة تختلف درجاتها، وهذا التصوف سماه الإمام ابن تيمية ﵀: صوفية المتكلمين.
стр. 31
صوفية المتفلسفة
أما صوفية المتفلسفة فإنه يشير بهم إلى الصوفية الذين نقلوا مقدمات فلسفية كان بعض فلاسفة الفرس أو الهند أو اليونان يتقلدونها لتحصيل التعبد الذي كانوا يعيشونه، وهو التعبد -تعبد أولئك الهند أو الفرس أو ما إلى ذلك- التعبد الشركي الذي لم يكن يقصد به وجه الله ، فاستعملوا بعض هذه الطرق والأوجه وأدخلوها لتحصيل معرفة الله وعبادته .
فهذا هو التصوف الفلسفي، وقد ظهرت له نظريات من أشهرها: نظرية وحدة الوجود، ونظرية الحلول والاتحاد، وبين الحلول والاتحاد بعض الفرق المعروف، ولهؤلاء أسماء مشهورة، وقد اشتهروا عند العامة أنهم صوفية، ولكنهم من حيث المقدمات بنوا على مقدمات فلسفية دخلت عليهم من الفلسفة التي ترجمت وانتشرت في العالم الإسلامي في أواخر دولة بني أمية وما بعد ذلك.
ومن أخص هؤلاء: ابن سبعين، والحلاج، والتلمساني المسمى بـ العفيف، ومحيي الدين ابن عربي الأندلسي، وجملة من هؤلاء.
فهؤلاء تقلدوا التصوف الفلسفي، وهذا هو أشكل مراحل التصوف؛ لأنه انحرف عن مقاصد التعبد الأولى التي كان عليها الشيوخ العارفون من قدماء المنتسبين إلى التصوف، كـ الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، ومعروف الكرخي، وشقيق البلخي، وسهل بن عبد الله التستري، بل والجنيد بن محمد، وحتى مثل أبي إسماعيل الأنصاري الهروي، وإن كان الهروي متأخراً، لكن كان القدماء كـ إبراهيم بن أدهم، وشقيق البلخي، ومعروف الكرخي، والفضيل بن عياض، وعطاء الواسطي، وصفوان بن سليم، وأمثال هؤلاء من العباد، ممن قد يسلم اسم التصوف بحقهم، وممن لا يسلم اسم التصوف بحقهم، بل كانوا بعيدين عن هذه الحال، بل حتى الصوفية الذين تباعدوا عن ذلك لم يصلوا إلى هذه الدرجة كتصوف الهروي أو حتى كتصوف أبي حامد الغزالي.
وينبه إلى أنه قد يدخل على بعض أصحاب هذه الدرجات كلمات أو إشارات من الدرجة الثانية، ولربما استعمل بعضهم ما هو من الدرجة الثانية كـ أبي حامد الغزالي؛ فإنه ربما استعمل بعض الكلمات أو الإشارات التي لا توجد إلا في تعبيرات صوفية المتفلسفة.
стр. 32
كيفية الحكم على الأشخاص
أقول: إنه كقاعدة عامة -ولا سيما في التصوف- يحكم على قول الشخص، من حيث المعرفة بحقائق الأقوال.
وقد يقول قائل: إن هذا يطول تتبعه.
فأقول: إن الأمر كذلك، بل ربما نقول: لا ينتهي تتبعه، ولهذا فإن الفقه الصحيح الذي ينبغي أن يربى عليه الخاصة والعامة من المسلمين هو أن يعرفوا حقائق السنة والهدي الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه في العلم والعمل، فمن عرف الهدي الذي بعث به الرسول ﵊، وفقه سبيل السنة والجماعة، فإن هذا يستطيع أن يميز ما يخالفه من جهة، بل ويستطيع أن يبين درجة هذه المخالفة من جهة أخص.
فهما أمران يحصل عنهما أمران:
أولاً: أن يعرف أصول السنة والجماعة بالعلم والعمل، ولكن المعرفة اللفظية الجملية لا تكفي وحدها، بل لا بد أن يعرف ذلك ويفقهه، وإلا لو أردنا أن نأتي على جمل الاعتقاد كجملة: الإيمان قول وعمل، فهذه الجمل بعمومها لا بد منها، لكن من يتكلم في الكلمات المخالفة أو المذاهب المخالفة أو يريد أن يصحح لأصحابها لا يكفي في حقه العلم المجمل الذي قد يكفي للعامة، بل لا بد أن يفقه هذه الجمل من السنة، فيكون عالماً فقيهاً في هدي النبي ﷺ ، وفي أصول السنة التي أجمع عليها السلف، فإذا ما كان فقيهاً عالماً استطاع بعلمه في الجملة وبفقهه لها أن يعرف ما يخالف ذلك، ولا يكفي هذا، بل ويعرف -وهذا هو الأهم- درجة المخالفة؛ لأن بعض البدع وإن سميت بدعة كما يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "لا تكون موجبة للخروج عن السنة والجماعة"، فمثلاً: قول مرجئة الفقهاء، وهو القول الذي تقلده حماد بن أبي سليمان ثم أبو حنيفة وجملة من أهل العلم، هذا القول يقول الإمام ابن تيمية عنه أنه من بدع الأقوال، وليس من بدع العقائد التي يضلل فيها المخالف، ومعنى يضلل المخالف أي: يخرج عن السنة، حتى يقال: هذا من أهل البدع والضلال.
مع أن حماد بن أبي سليمان يقول: إن العمل لا يسمى إيماناً، ومن المعلوم أن من بدع الإرجاء بدع الجهمية الغالية، وهي بدعة قد نص الإمام أحمد وابن مهدي ووكيع بن الجراح ﵏ على أن القول بها كفر، فهذه تسمى إرجاء وهذا يسمى إرجاء، وبينهما أقوال وسط دون هذا وفوق ذاك.
إذاً: الذي أوصي به طلبة العلم أن لا يعرفوا أصول السنة والجماعة علماً مجملاً أو ككلمات مجملة، بل لا بد من فقه ذلك، والعناية بمقام الفقه، وهو مقام -مع الأسف- قد قل اليوم، ومن الأدلة على قلته، ولاسيما في هذا العصر: أنه يوجد كثير من تصادم -إن صح التعبير- أهل السنة بعضهم مع بعض، أو بعبارة ربما هي الأشجع عند البعض أو أكثر شيوعاً: من تصادم السلفيين بعضهم مع بعض، ليس في قضايا هينة، بل في قضايا مثل مسألة الإيمان، ومسائل من هذا القبيل، وأحياناً خوض يقبل الاجتهاد مع ما لا يقبل الاجتهاد، وما هو ضابط مذهب السلف، وما هو الذي ليس بمنضبط مع مذهب السلف، حتى ربما بدّع بعضهم بعضاً وضلل بعضهم بعضاً، وربما اكتملت الأمور إلى نوع من الإغلاق الأخلاقي، فهذا يرمي هذا بأنه متأثر بأصول كذا، وهذا يرمي هذا بأنه متأثر بأصول المرجئة، وما إلى ذلك.
وهذا سببه قلة الفقه، ومع قلة الفقه أحياناً تكون قلة الدين والورع عند بعض الناس، وإلا فإن من صدق مع الله في تدينه، واجتهد في طلب الحق يهدى ويسدد إليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ [العنكبوت:٦٩] أي: بذلوا الجهد ﴿فِينَا﴾ [العنكبوت:٦٩] أي: المخلصين لله ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
إذاً: هذه هي الدرجات الثلاث، وعليه كنتيجة لهذا يقال: إن التصوف تأثر إما بأصول كمقدمات من السنة والجماعة، فأخطأ من أخطأ من الصوفية في تفسيرها، أو غلوا ببعض مقاماته ﵊ التي ظهر فيها زهده وانفكاكه عن الدنيا، حتى جعلوها أحوالاً عامة، أو عطلوا بعض مقامات سنته أو هديه ببعض.
فإنه ﵊ لم يكن يتكلف في مطعمه ومشربه ومأكله، ولربما تقلل من الحال، وهذه أحوال معروفة له ﵊، وربما صادف شيئاً من سعة الحال فأصابها، وكذلك في لباسه ﵊، وفي كثير من شأنه، فلربما أخذ البعض منهم وجهاً وترك وجهاً آخر.
إضافة إلى معنى أشار إليه بعض أهل العلم، وذلك أنه يوجد في كتب التراجم -كما في تاريخ بغداد أو في كتب الذهبي ولاسيما المطولة بقصد التراجم كالسير ونحوه- في تراجم بعض الأئمة الذين لم يضافوا إلى التصوف كالإمام أحمد والشافعي وبعض أئمة بغداد ونحوهم من المحدثين أحوال نقلت عنهم، مثل أنه بقي على لباس معين كذا من السنين، أو أنه ترفع عن كذا، أو أنه تباعد عن لبس بعض أنواع الملابس، فهذه أحوال أصدق ما يقال فيها: إنها ليست سنة، وليس فلان وفلان من الناس محلاً للاقتداء به، ولكن لا يشنع على من ذكر عنه ذلك لأنه قد خالف السنة؛ لأن مثل هؤلاء الكبار كـ أحمد ﵀ وأمثاله ما كانوا يأمرون الناس بها، بل كما يقول ابن تيمية ﵀: "بعض النفوس الصالحة لا ينتظم صلاحها إلا بترك بعض المباحات"، يقول: "وترك بعض المباحات لا على وجه التحريم لها، بل على وجه إصلاح النفس بتركها، وأن النفس إذا انطلقت إلى ترف مباح تأثرت به"، يقول: "هذه أحوال تحصل لبعض الخاصة من الأئمة، فهي ليس محلاً للاقتداء، ولكنها إذا صدرت من مثل أحمد وأمثاله فليست محلاً للإنكار؛ لأنهم لم يفعلوها على وجه التغيير للسنة، ولا على وجه الدعوة إليها، وإنما هي من فقه إصلاح الحال، والناس يختلفون في ذلك".
فبعض الناس إذا اغتنى صلحت حاله، واستقر دينه، وبعض الناس إذا كان فقيراً صلح حاله واستقر دينه، فإذا اغتنى تكبر، وبعض الناس إذا كان فقيراً ربما انشغلت نفسه عن العبادة بطلب المال أو بالتفكير فيه ..
وهلم جرا، وهذه أمور يختلف الناس في وضعها.
стр. 33
لا يحكم على أحد بأنه صوفي بمجرد انتسابه إلى الصوفية
إذاً: التصوف قسم عام، والأسماء الحادثة أو التاريخية لا يجوز أن يصنف أصحابها الذين ينتسبون إليها بسبب أنهم كتبوا إلى فلان من الناس، ولنفرض أن زيداً من الناس -حتى نبتعد عن الدخول في أسماء معينة- له كتاب في التصوف، فصل فيه كلاماً غالياً، ثم توفي وصار رجلاً مشهود الحال في مصر من الأمصار، فصار كثير من العامة فيما بعد ينتسبون إلى زيد هذا، فهل يلزم بالضرورة أن من انتسب إليه يكون على معتقده وعلى حكمه؟
الجواب: لا يلزم، وحينما نقول: لا يلزم، ليس معناه أنه لا يمكن أن يوجد، بل قد يوجد، فبعض الأتباع قد يكونون أضل من بعض الشيوخ، وهذا موجود؛ فإن بعض المتأخرين أبعد من بعض متقدميهم، وهذا مثاله في أتباع عدي بن مسافر الأموي، فإنه كما يشير المصنف في كلامه أن عدي بن مسافر في جمهور أمره على السنة، وإن كان عليه بعض الأخطاء في مسائل من العلم أو العمل.
لكن لما جاء من بعده وهو من أهل بيته بعد وفاته، وتولوا خلافته في دعامة هذه الطائفة وهذه الرتبة، جاء من بعده من المقتصدين، ثم جاء من بعده مقتصداً، ثم جاء الثالث فغلا في مذهب عدي بن مسافر غلواً زائداً، وانحرف به إلى بدع مغلظة، ودخل عليه شيء من الكلام في وحدة الوجود، وغلا في يزيد بن معاوية حتى وصل بـ يزيد بن معاوية إلى مقامات غالية نقلت فيه أحوال منكرة مستغربة، فهؤلاء الذين تأخروا من المنظرين لطريقته زادوا عليه، فالعامة الذين ينتسبون إلى المسافرية أو إلى عدي بن مسافر أو ما إلى ذلك، لا يلزم بالضرورة أنهم بهذا اللاحق الذي غلا ولا بـ عدي بن مسافر الذي كان من المقتصدين في الجملة.
إذاً: النسبة إلى الأسماء الحادثة وحدها لا تكفي في درجة الحكم، لكن قد تكفي في إعطاء حكم عام، كأن تقول: الانتساب إلى هذا الاسم بدعة، فهذا نسميه حكماً عاماً، لكن أن نصل إلى حكم مفصل أو تطابق الحكم على الغالي مع غير الغالي، فإن هذا ليس وجهاً من العدل الذي جاءت به الشريعة.
وتوضيح ذلك: أن الباطنية في التاريخ انتسب إليهم كثير من العامة، ومن المعلوم أن العامة في نظام الباطنية لا يكشف لهم الباطن، وقد يكشف شيء من الباطن بقدر يسمونه بما تحتمله النفوس، ولا يكشف لهم سائر ما في الباطن، فهؤلاء وإن كان انتسابهم مذموماً، لكنهم لا يصلون إلى درجة أئمة القائمين بهذا الغلو من البدعة.
فالتصوف اسم ظهر في أثناء المائة الثانية، وانتسب إليه قوم صالحون مقتصدون هم في الجملة على السنة والجماعة، وانتسب إليه قوم دون ذلك عندهم بدع كثيرة في مسائل العمل، وانتسب إليه قوم أدخلوا عليه شيئاً من الأصول العلمية المولدة في الإسلام كعلم الكلام ومقدماته، وإن كان أثره ليس مباشراً، أو كالفلسفة الصوفية التي نقلوها عن بعض فلاسفة الفرس ونحوهم، وإن كانوا لم ينقلوها نقلاً مطلقاً في سائر مواردها، ولكنهم تأثروا بتلك النظريات الغابرة في التاريخ التي كان عليها بعض الفلاسفة، وهذا ما مثله باطنية المتصوفة المتفلسفة، وإن كان لفظ الباطنية ليس مطابقاً بالضرورة للفظ المتفلسفة، فإن الباطنية انتسب إليها من الصوفية من ليس فلسفياً، فالمتفلسفة من الصوفية هم أضيق الدرجات وأشكالها.
стр. 34
موافقة الإسلام للفطرة وسهولة أحكامه ومسائله
كتوجيه عام: فإن الإسلام معرفة وعبادة جاء على الفطرة وعلى أصول العقل، وجاءت محكماته في العلم والمعرفة أو في العمل والتعبد كمسائل لا تستدعي محاولة وتطويلاً في الاجتهاد.
وهذا يظهر في الصحابة زمن النبوة وزمن الاستجابة الأولى، فقد كان الإسلام أصوله ومعانيه -ولا سيما المعاني المحكمة، كأصول العلم والإيمان المتمثلة في الإيمان بالله وملائكته
إلخ، وأصول العمل كالصلوات الخمس والجمعة ورمضان والحج وأصول الأخلاق، وأصول المعاملات- كان يفقهها الصحابي المقارب للنبي ﷺ من الخلفاء وأئمة الصحابة، وكان يعرفها ويفقهها كذلك الأعرابي الوافد، كان يعرفها بسيط العلم، وكبير العلم، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، ولم يكن في زمن النبوة تفسير الإسلام أمراً مشكلاً.
ولو جمعنا سؤالات الصحابة في مجالس النبي ﷺ لوجدنا أنها سؤالات خاصة وسؤالات قليلة، حتى في مسائل النفس وأحوالها كان لدى أئمة الصحابة من الاستقرار والظهور شيء كثير.
وقد حصل في بعض الأحوال -كما في حديث أبي هريرة وابن مسعود في الصحيح- أن أناساً قالوا: (يا رسول الله! إنَّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان) وهذا ليس إشارة منه إلى طلب هذه الدرجة، فإن هذه الدرجة لم تحصل لـ أبي بكر وعمر ﵄، بل لم تحصل لرسول الله وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحصلت لبعض المؤمنين صادقي الإيمان لكنهم دون درجة الصديقين وأئمة الصحابة المقدمين كالخلفاء الأربعة، ومع ذلك قال ﵊: (ذلك صريح الإيمان) من حيث أن الشيطان انقطع عن التأثير في الحقيقة فرد الله كيده إلى الوسوسة، كما في رواية ابن مسعود: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة).
فلم يكن عند الصحابة رضي الله تعالى عنهم إشكال، بل حتى الأعراب الذين كانوا يفدون كانوا يفقهون الإسلام فقهاً مباشراً، وبهذا يتبين أن تحويل الإسلام في القرون التي مضت أو في هذا العصر في طريقة تعبده أو في معارفه وعلومه وعقيدته إلى نوع من التطويل والتعقيد، سواء الذي تمثل في نظريات المتكلمين حتى كتبوا نظريات لا يستطيع أن يستوعب ما فيها المتعلمون فضلاً عن العامة، وكذلك في مسائل التعبد بطرق متكلفة مرتبة لا يستطيع أن يسلك السالك فيها وحده، فأولى للمسلمين خاصة وعامة في كل مكان من أرض الإسلام أن يقصدوا إلى ترك التعصب للأسماء والطوائف، وأن يقصدوا إلى التعصب لمن لا يجوز التعصب شرعاً إلا له من الأشخاص وهو رسول الله ﵊، وهو الاقتداء باسم القرآن، فيقتدوا بهدي النبي ﷺ ويقصدوا إلى سنته الصحيحة المحفوظة، ويتباعدوا عما ليس معروفاً عنه ﵊ في كتب الحديث المعروفة عند المسلمين، كالكتب الستة ومسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك وأمثالها.
وإن كان قد يقع في السنن أو المسند أو الموطأ ما لا يكون من الصحيح، لكن في الجملة أن هذه الكتب السبعة وموطأ الإمام مالك هي دواوين الإسلام الجامعة للسنة، بخلاف بعض الكتب المتأخرة التي غلب عليها المتروك أو الموضوع، مما أدخل في كتب كثير من شيوخ الصوفية، وإن كان كثير منهم قد لا يكون عارفاً بذلك.
ومثال ذلك: أبو حامد الغزالي ﵀، فإنه مع علو درجته في العلم، فهو فقيه شافعي وأصولي من كبار الأصوليين، وله معارف وعلوم معروفة في الإسلام، ومع ذلك نجد أنه يستدل بموضوعات، حتى إنه قال عن نفسه -ولم يقل هذا عنه غيره-: أنا مزجى البضاعة في الحديث.
فنجده يأتي بالصحيح والضعيف وأحياناً يأتي بالموضوع، لكن مع ذلك في كلام أبي حامد خير كثير لمن أحسن القصد إليه والوصول إليه.
ولذلك لما سئل شيخ الإسلام عن كتابه إحياء علوم الدين قال في جوابه: "أما الإحياء فغالبه جيد، لكن فيه ثلاث مواد فاسدة، فيه مادة من ترَّهات الصوفية -الترهات أي: شبه الأساطير- ومادة من الأحاديث الموضوعة، ومادة فلسفية"، وهي من تأثر أبي حامد بالفلسفة التي كان إماماً في الرد عليها.
هذا جملة التعليق على ما يتعلق بطبقات الصوفية، ومقصود هذا التعليق أن الداعي إلى السنة والجماعة يجب أن يكون داعياً بعلم وعدل، وأن من انتسب لهذا الاسم -يعني: التصوف- يجب عليه أن يكون قاصداً لاتباع الكتاب والسنة وهدي السلف الأول من الشيوخ والعباد الصالحين الذين كانوا على مقصدٍ بين، وعناية بينة في اتباع ما هو معروف من هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، وقد ذكرت لذلك أمثلة من الشيوخ المتقدمين المسمين بالتصوف، كـ إبراهيم بن أدهم، وسهل بن عبد الله التستري، والجنيد بن محمد، وإن كان الأبين شرعاً-إنما نقول هذا الكلام لأن التعصب والإلف استهلك نفوس كثير من العامة- والأوجب أن التعبد يكون بما مضى به الدليل من كلام الله سبحانه وكلام رسوله ﷺ ، ولا يلزم أن يكون من مشكاة فلان أو فلان من الناس، فإن التعصب للأعيان -حتى لو كان للصالحين الأبرار- لا يصح.
إنما الذي يتعصب له هو الحق الذي بعث الله سبحانه به رسوله ﷺ ، وما أجمع عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ ولذلك كان من فقه الأئمة المتقدمين ﵏ أنهم إذا أجمع الصحابة أخذوا بإجماعهم، وإذا اختلف الصحابة إما أنهم يتخيرون في اختلافهم، وإما أنهم يقيسون المسألة، ويقيسون أحد قولي الصحابة بما هو الأشبه بأصول الشريعة.
فليس المقصود أن يصحح الانتساب مطلقاً، ولكن الاقتصاد في التصحيح أيضاً مطلوب من حيث الحكمة والعدل، وإلا فإن من انتسب لأشرف الأسماء، وهو الإيمان والإسلام الذي وصف الله به الأنبياء، فلا نعلم نسبة في شرع الله، بل وليس في الكتاب المنزل اسم أشرف من هذين الاسمين وما رادفهما، مما ذكره الله سبحانه أو سمى به أولياءه؛ فإن الله تعالى سمى إبراهيم ﵇ مسلماً، ولما ذكر الله درجات المؤمنين قال: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] هذه هي الأسماء الشرعية التي ينبغي للمسلمين أن يقولوا بها، وهي: اسم الإيمان والإسلام والصديق والشهيد والصالح والولي وما إلى ذلك.
أما الأسماء المبتدعة والمصطلحات المبتدعة في الإسلام فهذه لا تزيد المسلمين خيراً ولا قرباً إلى السنة، ولا إلى هدي أصحاب الرسالة عليهم الصلاة والسلام، وإمامهم الخاتم محمد ﷺ .
стр. 35
شرح الوصية الكبرى [٤]
جماعة عدي بن مسافر هي من أرسل إليهم شيخ الإسلام الوصية الكبرى، وقد ذكر في أولها بعض ما هم عليه من خير وصلاح، كانتسابهم إلى الإسلام لا إلى الأشخاص، وانتسابهم إلى السنة لا إلى البدعة ... وغير ذلك مما هم عليه من الحق، من باب العدل مع المخالف، ودعوته إلى الكتاب والسنة، وهذا من فقه شيخ الإسلام وحسن تأتيه.
стр. 36
الانتساب إلى الإسلام لا إلى الأشخاص
قال المصنف ﵀: [فصل: وأنتم -أصلحكم الله- قد مَنَّ الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذي هو دين الله، وعافاكم الله مما ابتلى به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب.
والإسلام أعظم النعم وأجلها؛ فإن الله لا يقبل من أحد دينًا سواه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]].
الدعوة والتشخيص في مسائل التعبد ينبغي أن يقرب المسلمون إلى الحق باسم الإسلام، وليس من العقل ولا من الذكاء ولا من الحكمة أن تكون الدعوة إلى أسماء، حتى ولو كان من العلماء؛ لأنه -أحياناً- بعض العوام المغاربة لا يعرفون أكثر أئمة المشارقة، وعوام المشارقة لا يعرفون بعض أئمة المغاربة، بل أكثر من ذلك فبعض علماء المغاربة ما وصلوا إلى بعض علماء المشرق والعكس، وأحياناً بعض الأسماء عند قوم تكون أكثر قبولاً من بعض الأسماء، ولكن هناك أسماء مسلمة في أي مصر من الأمصار، فهذه الأسماء الثابتة التي لا يمكن لشخص أن يجادل حولها، هي أولى ما ينبغي أن تنطلق الدعوة باسمه، أن هذا هو الإسلام أن هذا هو الذي دل عليه القرآن، أن هذا مقتضى السنة، أن هذا هدي النبي ﷺ ، أن هذا هدي السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
فهذه الأسماء والإضافات الشرعية المحكمة أضبط في قلوب الناس، وأضبط حتى في دين الناس، وأكثر اقتداء للكتاب والسنة من بعض الأسماء التي قد لا تكون صحيحة، وبعضها قد يكون صحيحاً ولكن قد يكون في بعض الأمصار شأنه مشكلاً.
ومن المعلوم قصة بعض العلماء، لما قال: إن الإمام أحمد بن حنبل ليس فقيهاً، وهو من كبار المفسرين، وماذا فعل به بعض العامة في بغداد.
فأحياناً تقع مثل هذه الأحوال، حيث يألف العامة اسماً، ويعادون غيره، أو يبلغهم عن غيره شيء يقتضي معاداته ..
والمقصود أن بعض الأسماء -أحياناً- يصيب بعض مراحلها في التاريخ بعض الارتباك، ثم قد تأتي أحوال أخرى وينطلق هذا الاسم مرة أخرى.
стр. 37
انتساب كثير من الصوفية إلى السنة لا إلى البدعة
قال ﵀: [وعافاكم الله بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة]
هذا شأن يوجد في كثير من الصوفية، وأنهم ينتسبون إلى طريقة الأئمة، وينتسبون إلى السنة والجماعة، وإن كان هذا لا يعني بالضرورة المطابقة العلمية في الحقيقة، لكن الانتساب من حيث هو عمل شرعي فاضل يجب الإشادة بذكره، ويحمد صاحبه؛ فإن من ينتسب للسنة والجماعة حتى لو أخطأ ما أخطأ فإنه ليس كمن ينتسب إلى طائفة مبتدعة تذم أئمة السنة والجماعة أو ما إلى ذلك.
فينبغي أن يحرص الناس على النسبة للسنة والجماعة، فما دام أنهم ينتسبون إلى الإسلام، فيقصدون إلى مرحلة أخص وهي أن ينتسبوا للسنة والجماعة، ويكون هذا المعنى قائماً في نفوسهم.
ثم إذا أدخلوا في السنة حدثوا بصريح الحديث، وصحيح السنة، وآثار الصحابة، وبكلام الأئمة الذين لهم قدم صدق عندهم، فإذا كانوا حنفية حدثوا بكلام أبي حنيفة، وكلام أئمة أصحابه كـ أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وإن كانوا شافعية حدثوا بكلام الشافعي وأئمة أصحابه، وإن كانوا مالكية حدثوا بكلام مالك، وأئمة المالكية وفقهائهم
وهلم جرا.
[مثل كثير من بدع الروافض والجهمية والخوارج والقدرية].
هذه من البدع المغلظة، فبدعة الروافض في الصحابة، وبدعة الجهمية في صفات الله وتعطيلها، وبدعة الخوارج في تكفير المسلمين والغلو في الدين، وبدعة القدرية في مسألة أفعال العباد، حيث أنكروا خلق الله لأفعال عباده، مخالفة لجماهير المسلمين.
فهذه من أصول البدع المغلظة التي طرأت في الإسلام، فيقول المصنف: إنكم -يعني: أتباع عدي بن مسافر - عافاكم الله من البدع المغلظة، وفضلكم الله بالانتساب للسنة والإسلام.
стр. 38
ابتعاد بعض الصوفية عن تعطيل الأسماء والصفات وسب الصحابة
قال المصنف ﵀: [بحيث جعل عندكم من البغض لمن يكذب بأسماء الله وصفاته]
يشير إلى طرق الجهمية التي تعطل الأسماء والصفات، وهذا الإطلاق لمصلحة التحذير، وهو من باب التوسع، فإنه من المعلوم أن الذي يكذب بالقرآن أو بنصوص القرآن في الأسماء والصفات لا يكون مسلماً، والذين وقعوا في هذا الابتداع في تاريخ الإسلام من المعتزلة ونحوهم، الأصل فيهم أنهم لا يقولون بالتكذيب، وإن كانوا يعطلون الأسماء والصفات بما يسمونه تأويلاً، والمصنف يسميه في بعض كتبه -كالواسطية- تحريفاً.
[أو يسب أصحاب رسول الله ﷺ ما هو من طريقة أهل السنة والجماعة، وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه بذلك].
سب الصحابة ﵃ مخالف للعقل فضلاً عن الشرع؛ لأن الصحابة هم الجمع الذين رووا سنة رسول الله ﷺ ، بل وحتى القرآن؛ فإن الله تكفل بحفظه، كما قال : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وبقي في صدورهم ﵃ مما سمعوه من نبيهم حتى جمع القرآن في عهد أبي بكر، ثم انضبط ورتب شأنه في خلافة عثمان.
فمن يتكلم في الصحابة فإنه يخالف هذه المقاصد في ضبط مادة الإسلام الأولى؛ ولذلك يقول الله سبحانه في كتابه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فلما ذكر السابقين الأولين سماهم بأسمائم: المهاجرين، والأنصار، أما من بعدهم فقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) ولم يقل: من بعدهم، فعلم أن الصحابة ﵃ توفي رسول الله ﷺ عنهم وهم على الحق، وبقوا على الحق؛ لأنهم لو كانوا قد انقلبوا بعده للزم أن يكون متبعاً لهم فيما بعد قد اتبع ضلالة، وهذا مما نفاه القرآن، فلما قال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)، علم أنهم باقون على أصول العلم والحق التي بعث بها رسول الله ﷺ .
فلا يجوز قصر السابقين على آل البيت وبعض أئمة آل البيت؛ لأن الآية ذكرت المهاجرين، والمهاجرون يشمل كل من هاجر إلى المدينة، وآل البيت يدخلون في المهاجرين لأنهم من قريش، ولا شك أنه من هدي السنة والجماعة محبة الصحابة ومحبة آل البيت، لما لهم من الاختصاص بقرابتهم من رسول الله ﵊ كما ثبت في الصحيح لما قال النبي ﷺ للعباس: (والذين نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي).
لكن الأنصار هم بيت آخر لا يدخلون في مسمى آل البيت، ومع ذلك جاء النص القرآني بذكر رضا الله عنهم.
стр. 39
ذكر شيخ الإسلام لما في أتباع عدي بن مسافر من صلاح ودين وجهاد
قال المصنف ﵀: [فإن هذا من تمام الإيمان وكمال الدين؛ ولهذا كثر فيكم من أهل الصلاح والدين وأهل القتال المجاهدين ما لا يوجد مثله في طوائف المبتدعين].
إذا كتب الكاتب أو تكلم المتكلم، ولو في قوم عندهم بدع، لكن في علمه وفقهه أنهم دون غيرهم من أهل البدع، فينبغي أن يميز ما هم عليه من الخير وانفكاكهم عن البدع المغلظة؛ فإن من أهم المقاصد في فقه الدعوة أن لا يزيد هؤلاء القوم عن هذه البدعة إلى بدعة أشد منها، بل يقصرون عن التمام في البدع، ويردون عما هم عليه من البدع إلى السنة.
إما إذا كتب الإنسان كتاباً فيه الذم والسب والطعن والتهجم، ومع ذلك يطالبهم بأن يرجعوا إلى الحق، فإن النفوس أحياناً لا تقوى على ذلك، وهذا إذا عرض هذا في بعض الصور من بعض الأئمة فلكونه وصل إلى اجتهاده رأى أن الحكمة تقتضيه:
وقد يقول قائل: هذا هو منهج السلف.
فنقول: هذا له مثالات، لكن فرق بين أن يكون له مثالات عند السلف وبين كونه هو المنهج الوحيد عند السلف، فإنه لا يمكن عقلاً ولا شرعاً أن يكون هو المنهج المستعمل -أعني طريقة الذم والطعن والتبرؤ-.
فمثلاً: في رد الدارمي على بشر بن غياث، نجد أن كلام الدارمي ﵀ كلام علمي منظم، فيه رد وإبطال لشبه بشر ودعواه، لكن مع ذلك قد اشتد عليه في الكلام والذم، فهذا المنهج لا نقول: إنه لا يستعمل أبداً، بل إذا وجد المقتضي عند من هو من أهل العلم أن يصل إلى هذا الأسلوب مع معين؛ لأنه رأى عليه مكابرة أو معاندة أو ما إلى ذلك، فهذا مقام يقتضيه مقامه، لكن أن يكون هذا هو الشأن العام لمن ضل متأولاً أو جاهلاً، أو من ضل في بدعة وهي من بدع الأقوال، أو من كان في بدعة فوق ذلك لا تصل إلى حد البدع المغلظة، فإن هذا ليس منهجاً مطرداً.
والله سبحانه قد أوضح هذا المنهج في كتابه الكريم، حيث بين أن مجادلة من كفر بالرسالة لا تكون إلا بالتي هي أحسن، فقال : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، وعندما كتب النبي ﷺ إلى هرقل قال: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم)، وهذا حسن تأتي، لكنه ﵊ -وحاشاه عن ذلك- ما نقص الحقيقة، فقال: (أسلم تسلم)، أي: إذا لم تسلِم فلن تسلَم، هذا هو مفهوم الكلام: (أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين)، وهذا من الترغيب؛ لأن في سنته -كما في حديث أبي موسى وابن عمر وغيرهما-: (ثلاثة يعطون أجرهم مرتين)، وذكر ﵊ منهم: (رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم أدرك النبي ﷺ -أي: محمداً ﵊ فآمن به واتبعه، فله أجران).
ثم يقول له: (وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين) قيل: إنهم عوام النصارى، وقيل غير ذلك، ثم قرأ الآية: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤].
فهذا كان ضبطاً لحقائق التوحيد، ولا يوجد أي إنقاص له في خطابه ﵊، لكن كان حسن التأتي؛ ولذلك يقول أنس كما في الصحيح: (كتب رسول الله إلى كل جبار يدعوهم إلى الله)، ولما قيل له ﵊ -كما في الصحيح-: (إن دوساً قد كفرت وأبت، فادع الله عليهم، قال ﵊: إني لم أبعث لعاناً).
فالمؤمن لا يليق به -وخاصة طالب العلم- السب والذم لخلق الله، حتى لو كانوا مخالفين له في بعض المسائل، فإن المخالف يقرب إلى الحق، وإذا اقتضى المقام شدة -ولا أقول: لعناً، فإن عامة السلف لا يرون استعمال اللعن في الأعيان من المسلمين- أو تصريحاً بمقام، أو ذكراً لاسم شرعي؛ فإن هذا فقه يذكره من يذكره من أعيان السلف كأحوال، لكنها ليست هي وحدها المستعملة في فقهه.
وللإمام أحمد رضي الله تعالى عنه كلمات لبعض المخالفين فيها قوة، وله بعض الكلمات فيها من حسن التأتي والترفق، فهذا فقه شرعي.
وعلى طالب العلم أن يبحث عنه في آثار بعض أهل العلم، ومع أن هذا بحث جيد، لكن أجل من البحث في آثار بعض أهل العلم أن يبحث في القرآن، فإن فيه سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقصصهم في منهج فقه الدعوة، والدعوة إلى الحق، وتصحيح الأخطاء وما إلى ذلك.
هذا هو المقصود من قصص الأنبياء، وليس المقصود ذكر النظام التاريخي الموجود في بعض الحضارات، وأن نعرف ما هو اسم فلان وما هو اسم فلان؛ حتى إنه في كثير من قصص الأنبياء لا يذكر الاسم، ففي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر:٢٨]، فلم يذكر الاسم، ولم يعرف الرجل؛ لأنه لا يهم الاسم؛ فإن الاسم -أي اسم كان- لا يقدم ولا يؤخر، وفي قصة موسى مع الخضر ﵉ يقول الله سبحانه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف:٦٥]، ففي سياق القرآن لم يصرح بالاسم، لكن جاء النبي ﵊ بمقام الخبر وما عنده من الاختصاص وصرح ﵊ باسم الخضر، وإتيان موسى إليه، والسبب هو أن موسى قام في بني إسرائيل، فقام رجل فقال: يا موسى! هل أحد أعلم منك؟ فقال: لا.
ولم يكن ﵊ -يعني: موسى- نبياً خاتماً عاماً للثقلين الإنس والجن، فعتب الله عليه كما في حديث ابن عباس في الصحيح قال: (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه)، ثم بين الله سبحانه صفة هذا الرجل فقال: (فَوَجَدَا) أي: موسى وفتاه ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥]، أي: جمع له مقام العلم مع الرحمة، ولذلك يقول ابن تيمية ﵀: "علم بلا رحمة لا ينفع"، فهو استطالة على خلق الله، ويقول: "رحمة بلا علم لا تنفع".
ونلاحظ في هذا العصر أن البعض عنده شيء من العلم، لكن عنده قسوة على الناس، ولو خلي بينه وبين بعض الناس لفعل الأفاعيل، وهذا ليس هدياً ولا منهجاً حتى لأئمة السلف مع أهل البدع؛ ونجد مثل ذلك في موقف الإمام أحمد ﵀ من المعتزلة؛ فإنه قبل أن يأتي المأمون وتبدأ فتنة خلق القرآن، كان يذم القول بخلق القرآن، ويحذر من أهله، لكنه ملجم لنفسه بلجام الشريعة ولجام العدل، لكن لما تسلط المعتزلة وبعض قضاتهم في زمن المأمون العباسي وأفتى بعض قضاة المعتزلة بقتل الأئمة، ثم رجع الأمر وتحسنت الحال زمن المتوكل العباسي، لم يقل الإمام أحمد ﵀: هذه بهذه، وأصدر فتوى بقتل فلان وفلان أو ملاحقة فلان وفلان.
وهذا فقه شريف، ولا شك أن منهج السلف هو المنهج الذي يجب أن نكون عليه، لكن ينبغي أن نكون فقهاء فيه، وهذا المذهب ليس أكثر من الكتاب والسنة؛ لأن مذهبهم محصل من الكتاب والسنة، فليتفقه الطالب في كلام الله قبل كل شيء، ثم فيما صح عن النبي ﵌، ولا سيما كتب الحديث المشهورة كالكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك ﵏.
[وما زال في عساكر المسلمين المنصورة وجنود الله المؤيدة منكم من يؤيد الله به الدين، ويعز به المؤمنين].
وهذا ثناء عليهم بما هم عليه من الخير، وهذا مثل قول النبي ﵊: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم)، فهو فعلاً عظيم الروم، فرسول الله ﷺ ما زاد في الأمر أو أعطى الرجل ما ليس له، بل هذا اعتراف بالشيء الواقع.
كذلك المؤلف هنا يعترف بما لهم من الخير، ولا بد للإنسان أن يعترف؛ فإن الله لما ذكر الناس قال سبحانه: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] وهذا عام حتى في الكفار؛ ولذلك لما قصد أهل الإيمان والإرادة الصادقة قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤].
ومن عدل الله سبحانه أنه لا يظلم الكافر؛ فإن الكافر إذا فعل حسنة فإن الله يعطيه بها، ففي الصحيح عن أنس ﵁: (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة)، ثم قال ﵊: (وأما الكافر فيعطى بحسناته ما عمل به لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها).
стр. 40
استخدام شيخ الإسلام لبعض مصطلحات الصوفية في رسالته الموجهة إلى أتباع عدي بن مسافر
قال المصنف ﵀: [وفي أهل الزهادة والعبادة منكم من له الأحوال الزكية، والطريقة المرضية، وله المكاشفات والتصرفات].
من فقه شيخ الإسلام أنه استعمل معهم المصطلحات التي تستعملها المتصوفة، مثل: المكاشفات والتصرفات، مع أن هذه مصطلحات مولدة لم توجد في الكتاب والسنة، ومع ذلك يقول: لهم مكاشفات، أي: مكاشفات صالحة، وتصرفات صالحة، والمقصود بالكشف: هو انكشاف بعض المعنى أو بعض المفهوم وبعض الحال، وهذا منه أوجه غالية ومنه أوجه مقتصدة.
فالمصنف مع فقهه بمذهب السلف تجوز في التعبير في المخاطبة، فاستعمل معهم الألفاظ التي لم تكن معروفة عند أئمة السلف لوجه أخص.
[وفيكم من أولياء الله المتقين من له لسان صدق في العالمين، فإن قدماء المشايخ الذين كانوا فيكم، مثل الملقب بشيخ الإسلام أبي الحسن علي بن أحمد بن يوسف القرشي الهكاري، وبعده الشيخ العارف القدوة عدي بن مسافر الأموي ومن سلك سبيلهما فيهم من الفضل والدين والصلاح والاتباع للسنة ما عظم الله به أقدارهم، ورفع به منارهم].
مصطلح العارف من المصطلحات الشائعة، وهو من وصل إلى درجة المعرفة والقدوة، فصار قدوة يقتدى به، وليس الإشكال في التصوف أن صاحبه يسمى عارفاً أو يسمى قدوة؛ فإن هذه أمور فيها كثير من التجوز إذا اقتضت مصلحة المراجعة إلى ذكرها، ولذلك نجد أن المصنف يستعمل مثل هذه التعبيرات.
[والشيخ عدي -قدس الله روحه- كان من أفاضل عباد الله الصالحين، وأكابر المشايخ المتبعين، وله من الأحوال الزكية والمناقب العلية ما يعرفه أهل المعرفة بذلك].
مسائل السلوك ولدخول كثير من العوارض في وقت مبكر من التاريخ، كما قال شيخ الإسلام ﵀ في التعليق على بعض المسائل، وهي مسألة تأثير الإرادة في أفعال العباد، قال كلمة أحياناً قد تقال في مقامات أخرى، قال: "هذا المقام مقام وأي مقام، ضلت فيه أفهام وزلت فيه أقدام، وقد خاض فيه خلق من البصراء والفاحصين والمكاشفين، فعامته فهموا صحيحاً، وقل منهم من عبر فصيحاً"، هذا لا يلزم أن يطرد في كل المسائل.
لكن هناك مسائل أن القاصدين إليها قصدوا حقاً، وربما أنهم فهموا وجهاً من الحق لكن عبروا عنه بحروف محدثة، فهذا نمط إن صح اللفظ.
ومنهم من قد يكونون لم يفهموا صحيحاً، بل فهموا باطلاً وعبروا باطلاً، وهذا نمط آخر.
لكن أحياناً بعض التعبيرات هي التي تفسد بعض المعاني، ومثال ذلك: الهروي ﵀، فإنه في بعض كلامه لو استعمل كلمات مأثورة في تعريفه لبعض المقامات والكلام وابتعد عن بعض المصطلحات المولدة؛ لكان كلامه من أجود الكلام وأنفعه، وأيضاً أبو حامد الغزالي في كلامه أحياناً يتكلم بلغة مقاربة، ويقصد بذلك مخاطبة العامة من المسلمين، فيكون كلامه إذا تكلم للعامة من أجود الكلام وأنفعه؛ ولذلك يعتبر إماماً في السلوك، أي: من حيث وصوله إلى بعض المعاني الصحيحة، وإن كان قد زل في مقامات في مسائل السلوك إلى أوجه مستغربة، بل أوجه منكرة كما سبق التنبيه عليه.
[وله في الأمة صيت مشهور، ولسان صدق مذكور، وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشايخ الذين سلك سبيلهم، كالشيخ الإمام الصالح أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري الشيرازي ثم الدمشقي، وكشيخ الإسلام الهكاري ونحوهما].
عدي بن مسافر -كما أشار ابن تيمية في مواضع- قد لخص عقيدته من عقيدة الشيخ أبي الفرج الأنصاري.
следующие страницы →