Полный текст (115 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح كتاب الإيمان [١]
معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان أنه قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، ويعتقدون أن هذا الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وقد اهتم سلف هذه الأمة بمسألة الإيمان اهتماماً عظيماً لأنها أول مسألة اختلف فيها أهل القبلة، ولم يكن قبلها نزاع في شيء من مسائل الأصول، وإنما كان الخلاف في مسائل الفروع والفقه.
стр. 2
مقدمة شرح كتاب الإيمان للإمام أبي عبيد
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
стр. 3
أهمية كتاب الإيمان للإمام أبي عبيد
فإن هذه الرسالة للإمام العالم المحدث اللغوي أبي عبيد القاسم بن سلام، وهي رسالةٌ شائعةٌ بين أهل العلم، ولها اختصاص:
١ - من جهة مصنِّفها، وما له من الإمامة وفقه حقائق الأقوال في هذا الباب.
٢ - ومن جهة موضوعها؛ فإنها في أصل من أصول الدين أشكل شأنه ليس على أهل البدع والكلام فقط، وإنما على طائفةٍ من متقدمي أهل السنة والجماعة ومتأخريهم أيضاً.
стр. 4
طرق التأليف في مسائل الإيمان عند الأئمة المتقدمين
عُني بالتصنيف في باب الإيمان جملة من أعيان أئمة السنة والجماعة، حتى إن كثيراً من المحدِّثين فيما صنفوه من حديث النبي ﷺ قد صدروا جملة من كتبهم بهذا الاسم-أي: باسم كتاب الإيمان-.
والمراد بهذه التسمية في الجملة أحد وجهين:
الوجه الأول: أن يُراد بكتاب الإيمان الجملة من مسائل أصول الدين، وعلى هذا المراد يًذكر القول في مسمى الإيمان وغيره من المسائل، كالقول في الصفات، والقدر، والشفاعة، ومسائل الكبائر
إلى غير ذلك.
وهذه طريقة جماعة من أئمة السنة من المصنفين في الحديث وغيرهم.
وعلى هذه الطريقة صنف الإمام مسلم ﵀ كتاب الإيمان من صحيحه، فقد وضع في صدر صحيحه كتاب الإيمان، وأراد به القول في جملة مسائل أصول الدين، وكأن المراد بالإيمان هنا: الإيمان العام الشرعي الذي ذكره النبي ﷺ في قوله: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله).
الوجه الثاني: أن يراد بكتاب الإيمان مسماه، والمسائل المتعلقة به، كالقول في زيادته ونقصانه، والفرق بين اسم الإيمان والإسلام، وما يتعلق بمسألة الاستثناء.
وقد وضع الإمام البخاري ﵀ كتاب الإيمان في صحيحه على هذه الطريقة.
وممن استخدم هذا الوجه مَنْ يُدخل على ذلك ما يكون فرعاً عن هذا الأصل، وهو: القول في باب الأسماء والأحكام.
ولهذا يجد الناظر في كتاب الإيمان من صحيح مسلم وكتاب الإيمان من صحيح البخاري فرقاً بيّناً؛ فإن مسلماً ﵀ ذكر أحاديث التوحيد والشفاعة والصفات وأحاديث من القدر، بخلاف البخاري؛ فإنه قصد إلى تقرير اسم الإيمان وأنه قول، ودخول العمل فيه، والقول في زيادته ونقصانه، والرد على المرجئة
إلى غير ذلك من المسائل.
وقد وضع الإمام المصنف كتابه هذا على المراد الثاني، فإنه لم يقصد بكتاب الإيمان جملة المسائل في أصول الدين، وإنما قصد هذه المسألة الخاصة، وما يلتحق بها من المسائل أصولاً كانت أو فروعاً.
стр. 5
الفروع التي تندرج تحت قول السلف: الإيمان قول وعمل
من المعلوم أن الذي درج عليه السلف أن الإيمان قولٌ وعمل.
ويتفرع عن هذا القول ثلاث مسائل أصول:
المسألة الأولى: أنه يزيد وينقص، وهذه مسألة ملتحقة -ولابد- بتقرير مسمى الإيمان.
ثم ثمة مسألتان أصول قد تذكران في حال وتؤجلان في حال، وهما:
أولاً: مسألة الأسماء، ويراد بها أسماء أهل الإيمان والدين، والعصاة من المسلمين، وما يتعلق بشأنهم في دار الدنيا من تسميتهم مؤمنين أو فساقاً أو غير ذلك.
وهذه المسألة فرعٌ عن القول في مسمى الإيمان كما سيأتي تفصيله.
ثانياً: مسألة الأحكام، ويراد بها أحكام أهل الملة في الآخرة من جهة الثواب والعقاب.
وهذه المسألة -أيضاً- فرعٌ عن القول في مسمى الإيمان.
وثمة مسألتان تذكران على هذا التقدير في حال وتتركان في حال، وهما ليستا من الأصول على التحقيق، وهما:
أولاً: الفرق بين اسم الإيمان والإسلام.
ثانياً: الاستثناء في الإيمان، وقول الرجل: هو مؤمنٌ إن شاء الله ..
وهاتان المسألتان من حيث الإجمال نَزَعَ بعض أهل السنة من المتأخرين إلى تقوية شأنهما، وجعلهما في مسائل الأصول والإجماع.
والصواب: أنهما ليستا كذلك، فإن جمهور الخلاف فيهما بين السلف إما خلاف لفظي أو خلاف تنوع، ولم يحفظ عن أحد من الأكابر من السلف مادة من خلاف التضاد فيهما، وإن كان حكي ذلك عن بعض أعيانهم، إلا أن النقل يسقط أو يتأخر على أحد وجهين:
الوجه الأول: أن النقل لا يكون مثبتاً، كما نقل عن سفيان الثوري ﵀ في ذلك.
الوجه الثاني: أن يكون فهم بعض المتأخرين لمراد بعض المتقدمين فيه غلط، كما فهم جملة من أصحاب الإمام أحمد ﵀ بعض أجوبته على غير وجهها في هذه المسألة.
وعلى هذا تكون المسائل الأصول في باب الإيمان والتي عُني الأئمة بتقريرها:
١ - القول في مسماه.
٢ - القول في زيادته ونقصانه؛ فهي مسألة أصل، والخلاف فيها مع المرجئة وغيرهم معروف ومثبت.
٣ - القول في باب الأسماء والأحكام كفرعٍ عن القول في مسمى الإيمان.
هذه جملة لابد لطالب العلم من اعتبارها في فهم مراد المصنفين من أهل السنة والحديث.
وقد تقدم أن لهذه الرسالة اختصاصاً من جهة فقه مؤلفها لحقائق الأقوال، وهذه مسألةٌ أنبه إليها في صدر هذه الرسالة؛ لأن كثيراً من المتأخرين قد فاتهم هذا الفقه؛ فإن مؤلفها -كما سيأتي في صدرها- ينزع إلى أن المخالفين من المرجئة الفقهاء أتباع حماد بن أبي سليمان ﵀ هم في دائرة السنة والجماعة، ومن المعدودين في أتباع السلف.
وهذا من فقهه؛ فإن هذا هو التحقيق في شأن هذا القول كما سيأتي بيانه.
لكن إذا قيل: إنه قولٌ لطائفة من أهل السنة فإن هذا لا يستلزم أن لا يقال فيه: إنه بدعة، ولا يستلزم أن لا يقال فيه: إنه مخالفٌ للإجماع، بل يقال: إنه قول لطائفة من أهل السنة، ومع ذلك هو قولٌ بدعة، وقولٌ مخالفٌ للإجماع، كما سيأتي تقريرة وبيانه.
стр. 6
شرح باب نعت الإيمان في استكماله ودرجاته
[قال أبو عبيد: أما بعد: فإنك كنت تسألني عن الإيمان، واختلاف الأمة في استكماله وزيادته ونقصه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك، وما الحجة على من فارقهم فيه، فإن هذا -رحمك الله- خطبٌ قد تكلّم فيه السلف في صدر هذه الأمة وتابعيها ومن بعدهم إلى يومنا هذا، وقد كتبت إليك بما انتهى إليَّ علمه من ذلك مشروحاً مخلَّصاً وبالله التوفيق].
стр. 7
أسباب أهمية مسألة الإيمان عند السلف
ذكر المصنف ﵀ في مقدمته أن هذه المسألة فيها خطب عند السلف، أي: أنها مسألةٌ كبيرة عظيمة الشأن؛ وإنما كان أمرها كذلك لسببين:
السبب الأول: أنها أول مسألة تنازع فيها أهل القبلة، ولم يكن قبلها بين المسلمين نزاع في شيء من مسائل أصول الدين، إنما كانوا يختلفون في مسائل الفروع ومسائل الفقه وما يتعلق بذلك.
السبب الثاني: أن حماد بن أبي سليمان، ومن وافقه من الفقهاء لم يستعملوا في الاستدلال على قولهم شيئاً من الطرق المحدثة المبتدعة، بل كان طريقهم في الاستدلال هو طريق الأئمة المعروفين، وإنما اشتبه عليهم مقام في كتاب الله، وهو ما ذكر في القرآن كثيراً في قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وكذلك جملة من أحاديث النبي ﷺ يأتي التنبيه إليها.
وسوف نتكلم في هذا المقام عن السبب الأول، بذكر شيء من تتابع ظهور البدع، أما الكلام عن السبب الثاني فسيأتي في ثنايا الكتاب عند الحديث عنه.
стр. 8
ظهور البدع في الإسلام
تقدم أنه إذا اعتبرت المسائل التي حدث فيها نزاع بين أهل القبلة أمكن القول أن أول نزاع وقع في اسم الإيمان، وتحقيق القول في مسماه، وقد حدث هذا في آخر خلافة الخلفاء الراشدين ﵃.
وفي آخر عصر الصحابة ﵃، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان ﵁ حدث النزاع في القدر، وذلك زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير ﵁ وبين بني أمية.
وقد ظهر القول في القدر في البصرة، ثم شاع في بلاد الشام، ودخل على بعض مدن الحجاز، وظهرت القدرية بقوليهم الغالي وما دونه.
وقد تقلد القول بنفي خلق أفعال العباد المعتزلةُ وجملةٌ من أصحاب الرواية، وإن لم يكونوا من كبار المحدثين، وإنما هم من رواة الحديث، وفرقٌ بين أعيان الرواة وبين أئمة الرواية، وعن هذا قال الإمام أحمد: "لو تركنا الرواية عن القدرية لتركنا أكثر أهل البصرة".
وينبه -وإن كان الباب ليس في القدر- إلى أن ثمة فرقاً بين قول هذا النفر من رجال الإسناد في القدر، وبين قول المعتزلة، وإن كانت النتيجة في الجملة واحدة، فإن الفريقين يقولون بأن أفعال العباد ليست مخلوقة لله؛ لكن المعتزلة بنوها على مقدمات كلامية وأصول نظرية، وطردوا لها فروعاً أخرى في مسائل التكليف والتحسين والتقبيح وتحكيم العقل
إلى غير ذلك، بخلاف هذه الجملة من أهل الحديث؛ فإن قولهم لم يبن على علم الكلام، ولم يتفرع عنه كثير من النظر والفروع، وإن كانوا متأثرين بالمعتزلة في نتيجته الكلية.
هذه هي ثاني مسألة من المسائل الأصول التي حدث فيها نزاع.
وقد انقرض عصر الصحابة ولم يحدث نزاعٌ بين أهل القبلة في مسائل الإلهيات، أي: القول في أسماء الرب وصفاته وأفعاله.
وفي المائة الثانية ظهرت بدعة التعطيل لأسماء الرب وصفاته على يد الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأمثال هؤلاء من أئمة التعطيل، وظهر ما يقابله من قول غلاة المشبهة من أتباع الشيعة الإمامية، وأخصُّ مَنْ ذُكِر عنه مثل هذا القول هو هشام بن الحكم الشيعي الرافضي.
ثم شاعت الأقوال في مسائل الصفات، وظهر أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي، وانتسبوا إلى السنة والجماعة، وظهر في أقوال أهل التشبيه أتباع محمد بن كرام السجستاني من الحنفية، وقد كان مائلاً إلى شيءٍ من طرق التشبيه.
ثم شاعت هذه الأقوال وانتشرت، وإن كان قول السلف بقي محفوظاً بعد الأئمة على يد المحققين من أصحاب الأئمة الأربعة؛ فإنه ما من طائفة من أتباع الأئمة الأربعة إلا وفيها محققون حافظون لمذهب الأئمة، وإن لم يكن أتباع الأئمة الأربعة -أعني: من انتسب إليهم من الفقهاء- على درجة واحدة؛ فإن منهم المنتحل لطريقٍ بدعيٍ معروف كبعض معتزلة الحنفية، والغلاة من متكلمة الأشعرية النظّار، ومنهم من هو متأثر بعلم الكلام تأثراً عاماً، ومنهم المبالغ في تقرير السنة الزائد على كلام السلف إلى قدرٍ من الغلو، كما هي طريقة أبي إسماعيل الأنصاري الهروي في مسائل التكفير؛ فإنه يبالغ في مسائل التكفير ويزيد فيها بما لم يعرف عن السلف والأئمة كـ أحمد وغيره
إلى غير ذلك من الطرق التي ليس هذا موضعاً لذكرها.
стр. 9
ظهور الخوارج والمعتزلة
بهذا يتبين أن أول مسألة حصل فيها نزاعٌ بين أهل القبلة هي القول في اسم الإيمان، وأول من أحدث الخلاف في هذا الأصل، بل وفتح باب الخلاف في مسائل أصول الدين: هم الخوارج.
هم قومٌ حدّث النبي ﷺ بشأنهم، حتى قال الإمام أحمد ﵀: "صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه".
وقد روى الإمام مسلم في صحيحه هذه العشرة وأخرج البخاري طرفاً منها، وهي مخرَّجة في الصحاح والسنن والمسانيد، وقد تلقاها أئمة الحديث بالقبول.
وقد ورد حديثهم من رواية أبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي أمامة وطائفة من الصحابة، وهو يعد عند أهل العلم في الحديث من المتواتر، لكن على معنى المتواتر عند المحدّثين وأهل الأصول من أئمة السلف كـ الشافعي ﵀، وسيأتي بيانه إن شاء الله.
ومن أوجه روايته الثابتة في الصحيحين: (أن النبي ﷺ جاءه قسم فقسمه بين أربعةِ نفر، فقام رجل غائرُ العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار فقال: اعدل يا محمد! فإنك لم تعدل.
فقال خالد بن الوليد -وفي وجهٍ عمر بن الخطاب، وكلاهما في الصحيح-: دعني أضرب عنقه.
فقال ﷺ : لعله أن يكون يصلي.
قال: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه.
قال: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم.
ثم نظر إليه النبي ﷺ وهو مُقفٍّ؛ فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا -أي: من صلبه، قيل: حقيقةً، وقيل: كنايةً وهذا هو الأقرب- قومٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية؛ لأن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وفي وجهٍ: (قتل ثمود) وفي وجهٍ: (قاتلوهم؛ فإن لمن قاتلهم أجراً عند الله) وفي وجهٍ: (لو يعلم المقاتل لهم ما أعد له لنكل عن العمل).
وقد ذكر ﷺ آيتهم فقال: (آيتهم: رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة) وذكر ﷺ شدة مروقهم من الدين فقال: (كمروق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله -أي: الرامي- فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجدُ فيه شيء، سبق الفرث والدم).
ومع هذا الوجه من كلامه ﷺ ، والتشديد والتغليظ على هؤلاء، كقوله ﷺ : (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) إلا أن الصحابة لم يفهموا منه أنهم كفار؛ ولهذا لما ظهر الخوارج في خلافة علي بن أبي طالب ﵁، وقاتلهم في النهروان، ورأى آيتهم، مع هذا كله فإن الصحابة لم يمضوا فيهم بسنة الكفار.
وقد جاء أن علي بن أبي طالب قيل له: "يا أبا الحسن! أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا.
قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً".
ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: "والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيراً لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين".
فهم قومٌ ظالمون لأنفسهم من أهل البدع، وإن كان قد يقع في أعيانهم من هو منافق أو من قد غلب عليه وجه من الكفر، وهذا علمه وشأنه عند الله .
وقد استطالوا على المسلمين بما أحدثوه في هذا الأصل، فإنهم فهموا أن الإيمان هو جميع الواجبات الشرعية الظاهرة والباطنة، ولكنه شيءٌ واحد إذا ذهب شيءٌ منه فقد ذهب جميعه، وعن هذا قالوا: إن مرتكب الكبيرة من المسلمين كافر، وإذا كان كافراً فإنه يكون مخلداً في النار.
وعلى هذا درج أئمة الخوارج إلا الإباضية منهم الذين قالوا: إنه كافرٌ كفر نعمة، مع قولهم بأنه خالد مخلدٌ في النار.
هذا هو مبتدأ هذا النزاع، ومنه بدأ الأئمة ﵏ يطعنون على أهل البدع ويذمون أهل الأهواء.
وقد قارب الخوارج في قولهم طائفةٌ وهم المعتزلة، والفرق بين المعتزلة والخوارج فرق يسير؛ فإن المعتزلة تقول عن مرتكب الكبيرة: إنه فاسق، ولا تسميه مؤمناً، بينما تقول الخوارج: إنه كافر.
أما في الآخرة فقد اتفقتا على أنه مخلد في النار.
فجمهور الفرق بين المعتزلة وبين الخوارج هو في دار الدنيا؛ فإن المعتزلة يرونه فاسقاً، والخوارج تراه كافراً.
وأما أصل القول في اسم الإيمان: أنه قولٌ وعملٌ، ظاهرٌ وباطنٌ لا يزيد ولا ينقص ..
فهذا متفق عليه بين الطائفتين، وإن كان قول الخوارج أشد غلواً.
стр. 10
ظهور المرجئة
قابل الخوارجَ والمعتزلةَ المرجئةُ، فقد قالوا قولاً على الضد من قول الخوارج والمعتزلة.
وهم طوائف، فقد ذكر أبو الحسن الأشعري ﵀ في المقالات أن المرجئة ثنتا عشرة طائفة، أشدهم إرجاءً الجهم بن صفوان وأبو الحسين الصالحي وأمثال هؤلاء من غلاة المرجئة، الذين يقولون: إن الإيمان هو العلم والمعرفة.
وأما أخفهم إرجاءً فهم من سموا بمرجئة الفقهاء، وهم قومٌ من علماء السنة والجماعة خرجوا في مسألة العمل عن المعروف عند سلفهم، فقالوا: إن الأعمال الظاهرة- أي: أعمال الجوارح- لا تدخل في اسم الإيمان، وإن كانت ركناً وأصلاً وواجباً في الدين؛ ولهذا لا يرون أن الصلاة داخلة في اسم الإيمان، وإن كانوا يعتبرونها ركناً من الإسلام وأصلاً في الدين، وهذا الاعتبار لا يعني أنهم يكفرون بتركها؛ فإن هذه مسألة أخرى لا يلتزم بها جميع من أخرج العمل من مسمى الإيمان.
والمقصود من هذا: أن أول من أحدث القول في الإيمان على خلاف طريقة السلف هم الخوارج، ثم شاعت البدعة، وأول من خرج من أهل السنة عن قول سلفهم هو حماد بن أبي سليمان تلميذ إبراهيم النخعي، وهو من كبار أعيان فقهاء الكوفة، ومن العلماء والعباد والنساك العارفين بالسنن والآثار ومقاصد الشرع، لكنه في هذه المسألة خالف سلفه، وخرج بقوله: إن الأعمال الظاهرة لا تدخل في اسم الإيمان، وتبعه على هذا قومٌ من فقهاء الكوفة، وأخص من تقلد هذا القول واشتهر به هو الإمام أبو حنيفة ﵀، وإن كان هناك تردد بين بعض أهل العلم والمقالات في صحة القول عن أبي حنيفة، لكن الصحيح أنه قولٌ معروفٌ للإمام أبي حنيفة ﵀.
стр. 11
منهج الأئمة في تقرير الأقوال والمذاهب
[اعلم رحمك الله أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين:].
ظاهرٌ في كلام المصنف ﵀ أنه لم يقصد هنا ذكر أقوال أهل القبلة؛ ولهذا لم يذكر قول الخوارج ولا أقوال جماهير المرجئة، وإنما ذكر أقوال أهل العلم والعناية بالدين، ويقصد بهم أهل السنة والجماعة، وهذا فقهُ حسن.
فإن هذه الطريقة منهج في تقرير الأقوال، فإن أقوال أهل البدع تؤخر، ولا تُجعل مقارنة لأقوال أئمة السلف ﵏.
стр. 12
خطأ بعض الباحثين في تسمية الخلاف بين أهل السنة وبين أهل البدع خلافاً مقارناً
وقد درج بعض الباحثين من المعاصرين على تسمية الخلاف بين أهل السنة وبين أهل البدع خلاف مقارنة، وهذه اللفظة فيها بعض التردد؛ فإن مادة التقارن في اللغة توحي بشيء من التشاكل، والموازنة، والبحث عن الأرجح ..
إلى غير ذلك، وهذا غير حاصل بين أقوال أهل السنة وبين أقوال أهل البدع.
أما إذا استخدم الباحث في مسائل الفقه هذه اللفظة فقال: هذا فقهٌ مقارن أو هذه كتبٌ في الفقه المقارن، فهذا استعمال لا بأس به؛ لأن هذه المقارنة بين مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد وأمثالهم من الفقهاء والأئمة، وهذه المذاهب لا يجوز أن يجزم أن أحدها أرجح من الآخر على الإطلاق، لأن المسائل التي اختلفوا فيها قد اختلف فيها الأئمة قبل هؤلاء الأربعة.
وبهذا يتبين أن تسمية الخلاف بين أهل السنة والجماعة وأهل البدع خلافاً مقارناً فيه بعض التردد، وهي ليست طريقةً معروفةً عند السلف، فإنهم إذا ذكروا اختلاف الفقهاء ذكروه على طريقة من التقارب، وإذا ذكروا أقوال أهل البدع ذكروها على طريقة من الخروج عن الإجماع، والتنبيه إلى تركها، والتحذير من شأنها.
стр. 13
بماذا يعتبر الرجل مبتدعاً ؟
من فقهه ﵀ أنه جعل مرجئة الفقهاء وعلى رأسهم حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة رحمهما الله في دائرة أهل السنة والجماعة؛ فإن هذا هو الصحيح، وعلى هذا لا يجوز أن يُعد أمثال هؤلاء في أهل البدعة.
وهذا يدل على قاعدة؛ وهي: أن من وقع في شيء من الأقوال البدعية وعامة أمرهِ على السنة والجماعة فإنه لا يسمى مبتدعاً عند السلف، وإنما المبتدع -وهو اسم فاعل- من غلب عليه حالٌ من البدعة:
إما أن يكون هذا الحال يغلب على دلائله -أي: في المنهج- كمن ينتحل علم الكلام، ويجعله هو المعتبر في تقرير مسائل أصول الدين.
وإما أن يغلب على حاله كثرة الاستعمال لأقوال أهل البدع، كأن يوافق أهل البدع في القدر والأسماء والأحكام والإيمان ومسائل أخرى.
وإما أن يغلب عليه بدعة ولو واحدة لكنها مغلظة، كمن قال في مسألة الصفات قولاً من التعطيل واستقر عليه، فهذا وإن استقر أمره في الإيمان والأسماء والأحكام والقدر على مذهب السلف إلا أنه يسمى مبتدعاً.
وإذا اعتبر هذا التحقيق فإننا لا نجد في أعيان الناس من استقر على بدعة مغلظة في أصل وحقق مذهب السلف في أصولٍ أخرى، فإن الباحث عمن يقول بتمام قول المعتزلة -مثلاً- في تعطيل صفات الرب ، والذي قال عنه السلف: إنها أقوالٌ كفر، كالقول بخلق القرآن، وإنكار العلو وأمثال ذلك لا يجد واحداً من الأعيان يستقر على تحقيق هذه البدعة المغلظة، ومع ذلك يحقق السنة وقول السلف في مسائل الأصول الأخرى.
وإنما الذي يعرض أن بعض الأعيان من المنتسبين إلى السنة والجماعة قد يغلطون في شيء من مسائل الصفات، أو القدر أو الإيمان وإن كان أصل بابها عندهم على طريقة السلف.
وقد عرض هذا لإمام الأئمة ابن خزيمة -وهو من كبار أعيان أصحاب الشافعي ﵀ فقد قال في مسألة حديث الصورة قولاً لم يُتابع عليه، وقد قال الإمام أحمد عن هذا القول لما سأل عنه: "هذا قول الجهمية"؛ ومع ذلك لا يجوز أن ينسب ابن خزيمة إلى الجهمية، ولا أن يخرج عن السنة والجماعة بوجهٍ ما، وإن كان قوله غلطاً.
ومن أمثلة ذلك أيضاً: أن الإمام أحمد لما تكلم الجهمية باللفظ بالقرآن قال قوله المشهور في رواية أبي طالب: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوقٍ فهو مبتدع".
ومع ذلك ثبت القول بمسألة اللفظ على مرادٍ صحيح عن جملة من أئمة السلف؛ فإن محمد بن يحيى الذُهلي كان يقول: "إن اللفظ بالقرآن ليس مخلوقاً" ويشنع على من يقول: إنه مخلوق.
وعن هذا هجر البخاري، وحصل بينه وبين الإمام البخاري ما حصل في المسألة المعروفة.
وكان مراد الذهلي من قولته تلك: أن القرآن ليس مخلوقاً.
فمراد محمد بن يحيى الذُهلي من هذا اللفظ مرادٌ صحيح، وإن كان الجمهورُ من أئمة السنة كـ أحمد وغيره يرون أنه لفظ محدث.
وقد نقل عن الإمام البخاري وثبت عن غيره ثبوتاً جازماً أنهم إذا سُئلوا عن هذه المسألة أجابوا بقولهم: اللفظ بالقرآن مخلوق.
فـ البخاري كان مراده صحيحاً، فإنه لما قال: "اللفظ بالقرآن مخلوق" أراد أفعال العباد؛ ومن المعلوم أن الإمام البخاري كان على عناية بمسألة خلق أفعال العباد، وعن هذا صنّف كتابه "خلق أفعال العباد" في تقرير هذا والرد على القدرية.
وهنا فرقٌ لطيفٌ لطالب العلم، وهو أن ثمة فرقاً بين من قال قولاً جواباً وبين من قاله ابتداءً، فـ البخاري قاله جواباً وكذلك الذُهلي؛ لأن هذه المسألة ابتلي الناس بالسؤال عنها، وقد سئل عنها الإمام أحمد، فأجاب بقوله: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق؛ فهو مبتدع".
وأما أن أحداً من أعيان أئمة السلف ابتدأ ذكر المسألة فلا.
فالقصد: أنه لا يجوز أن يقال عن البخاري أو الذهلي: إنه مبتدعٌ أو جهمي؛ وقد قال الإمام ابن تيمية ﵀: "وأحمد وأمثاله وإن قالوا هذا القول إلا أنه لا يراد بذلك أن الواحد من الأئمة إذا أطلق مثل هذا القول صح أن يسمى كذلك، فضلاً عن أن يعطى حكم الجهمية أو أهل البدع".
إذاً: ثمة أقوال في باب الصفات أو القدر أو الإيمان هي أقوالٌ غلط، ويمكن أن يقال: هي أقوالٌ بدعة، ومع ذلك لا يضاف أصحابها إلى أهل البدع.
وبعبارة أخرى: لا يلزم من وقوع الرجل من أهل العلم في بدعةٍ من البدع اللفظية- أي: بدع الأقوال- أن يسمى مبتدعاً، فإن هذا لو تُكلِّف لزاد الشر والفتنة، ومن غلب حاله على السنة والجماعة اعتبر بها واعتبر بإضافته إليها، ومع هذا يقال: إن هذا القول الذي قاله بدعةٌ مخالفة.
وقد بين الإمام ابن تيمية ﵀ أن أبا عبيد ﵀ كان يذهب إلى أن قول مرجئة الفقهاء بدعةً؛ ولهذا نقل عن فقهاء الكوفة أكثر من نقله عن غيرهم؛ ليبيّن مفارقة حماد بن أبي سليمان للكوفيين، وأن هذا ليس إجماعاً عند أهل الكوفة.
والمقصود بهذا أن عدم إخراج المصنف لـ حماد بن أبي سليمان وأتباعه من دائرة السنة والجماعة لا يلزم منه عدم الحكم على قولهم بأنه بدعة، وتسميته بدعة لا يلزم منه أن يسمى من يقول به مبتدعاً، وهذا كالقول أنه لا يلزم من قول الرجل ما هو كفرٌ أن يسمى كافراً.
стр. 14
الخلاف بين السلف في تفسير الإيمان خلاف لفظي
[فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب وشهادة الألسنة وعمل الجوارح ..]
هذا هو قول السواد من السلف، وألفاظ السلف في القول في مسمى الإيمان متعددة، واختلافها هو من باب الخلاف اللفظي، وهذا أدق من أن يقال: إنه خلاف تنوع.
فإن الخلاف عند النظّار ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - خلافٌ لفظي.
٢ - خلاف تنوع.
٣ - خلاف تضاد.
وخلاف التضاد: هو أن يكون بين القولين تضاد، أي: لا يمكن اجتماعهما، كأن يقول قائل: إن العمل يسمى إيماناً، ويقول الآخر: إن العمل لا يسمى إيماناً.
وخلاف التنوع: هو أن تكون المادة المستعملة تختص في قول ما لا تختص في القول الآخر، بمعنى: أن صاحب القول الأول يذكر وجهاً من المعنى لا يذكره صاحب القول الثاني، وصاحب القول الثاني يذكر وجهاً من المعنى لا يذكره صاحب القول الأول، ويكون المعنى الأول والثاني كلاهما صحيح، ويحصل التمام باجتماعهما.
وغالب ما يكون خلاف التنوع في كلام السلف في التفسير، فإن الناظر في كتب التفسير كتفسير ابن جرير -وهو أخص كتاب في المأثور- يرى أن أقوال الصحابة والتابعين -ولا سيما من انشغل منهم بالتفسير- فيها اختلافٌ كثير، وعامةُ هذا الاختلاف إما لفظي وإما تنوع، بمعنى: أن يذكر أحدهما معنى، ويذكر الآخر معنى آخر، لكن يمكن اجتماعهما، ويكمل أحدهما الآخر.
إذاً: غالب الاختلاف في الألفاظ المنقولة عن السلف في اسم الإيمان هو خلافٌ لفظي، ولا نقول: إنه خلاف تنوع؛ لأن هذا القول يقتضي أنهم إذا عبروا عن هذه الحقيقة بعد الخلاف فيها يقتصرون على جملة من معناها.
стр. 15
الألفاظ المنقولة عن السلف في مسمى الإيمان
الألفاظ المنقولة عن السلف كثيرة، أشهرها وأكثرها شيوعاً في كلام الأئمة: أن الإيمان قولٌ وعمل، وإن لم يكن هذا هو الشائع عند المتأخرين؛ فإن الشائع في المختصرات عند المتأخرين هو كلام الشافعي: "إن الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقاد" وهو مقارب لكلام المصنف.
وقد نقل عن طائفةٍ كـ البخاري في صحيحه في إحدى الروايتين -فإن لفظ البخاري روي بوجهين-: "وقال أبو عبد الله: الإيمان قولٌ وعمل".
والرواية المشهورة في صحيح البخاري أن البخاري قال: "وهو قولٌ وفعل" وهذا حرفٌ صحيح، وقد بحث الشراح عن وجه الفرق بين الفعل والعمل
إلخ، وهذا كله تكلف، حيث إنه لا فرق عند البخاري بين قوله: الإيمان قولٌ وعمل، أو الإيمان قولٌ وفعل، وقد يكون أراد مراداً من التحقيق ..
وهذا أمر آخر.
وقال سهل بن عبد الله التستري -وبعض شيوخ العُباد من السلف- لما سئل عن الإيمان ما هو؟ فقال: "الإيمان قولٌ وعملٌ ونية وسنة".
وهؤلاء يعللون قولهم بأن العمل والقول والنية إذا خرج عن السنة صار بدعة.
لكن هل هذا القيد قيد لازم أو قيدٌ بياني؟
هو قيد بياني؛ لأن من المقطوع به أن من قال: الإيمان قولٌ إنما يقصد الأقوال الشرعية وليس البدعية والعادية.
والقيود البيانية من جنس الاصطلاح، لا مشاحة فيها.
وإذا قيل: هل الفاضل ذكرها أو تركها؟
قيل: الأمر متعلقٌ بمصلحة ذكرها، فإن كان ذكرها يقتضي مصلحة كفهم المخاطبين كان ذكرها حسناً، وإن كان ذكرها يقتضي قدراً من الاختلاف وإشاعة الخلاف
وما إلى ذلك فإن ذكرها لا يكون مصلحةً؛ ولهذا العامة والجمهور من السلف لم يزيدوا على قولهم: الإيمان قولٌ وعمل، وقال الشافعي: "قولٌ وعملٌ واعتقاد".
وقال المصنف قوله السابق.
وهذه كلها أقوالٌ صحيحة، فمن قال منهم: قولٌ وعمل واعتقاد ..
فقوله واضحٌ، وهو أبين من جهة ذكره للمواضع الثلاثة: أن الإيمان يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بعمل الجوارح.
стр. 16
معنى قول السلف الإيمان قول وعمل
أما الكلمة الشائعة عن جمهور السلف وهي قولهم: إن الإيمان قول وعمل فيراد بالقول: قول اللسان وقول القلب، ويراد بالعمل: عمل القلب وعمل الجوارح، وعلى هذا تكون أصول الإيمان من حيث المحل أربعة:
стр. 17
قول القلب
المحل الأول: قول القلب، وهو تصديقه، وهذا هو أشرف مواضع الإيمان، ولهذا وإن كان السلف يقولون: إن الإيمان قولٌ وعمل، إلا أنهم كما قال شيخ الإسلام ﵀: "وعامة السلف مع هذا القول يذهبون إلا أن أصل الإيمان مبناه على تصديق القلب" ولهذا إذا تعذر التصديق سقط الإيمان كله، بخلاف العمل فإنه قد يدخله التفصيل، فإن التصديق يقابله التكذيب، والأمر يقابله المخالفة، ولهذا كان الوعيد الشديد في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] حتى قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك".
وهذا الوعيد ليس في حق من خالف من عصاة المسلمين، أي: من وقع في معصية، وهو على إقرارٍ بكونها معصيةً واستقامةٍ في جملة أمره على الإسلام وأحكامه، ولا يقال: إنه داخل في الآية؛ لأنه قد خالف بترك واجب أو فعل معصية، لأن المراد بالآية -على الصحيح- الإعراض عن شيءٍ من أمر الله وأمر نبيه ﷺ .
وسبب تفسير المخالفة بالإعراض هو أن الفعل (خالف) يتعدى بنفسه من حيث الأصل؛ فتقول: خالف زيدٌ عمراً، لكنه في الآية عُدِّي بالحرف فأعطي حكم الفعل اللازم؛ وذلك لأنه ضُمن معنى فعل آخر، وأقرب ما يقاربه الإعراض، وهذا هو المناسب لسياق الآيات في هذه السورة.
والمقصود من هذا: أن القول قول القلب هو أشرف مقامات الإيمان، ولهذا لما سمى النبي ﷺ الإيمان قال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ...) إلخ، فجعل مبناهُ على التصديق.
стр. 18
قول اللسان
المحل الثاني: قول اللسان، ويراد به ما هو بيِّن، من الشهادتين وغيرها من شرائع الإسلام والإيمان التي تقال باللسان.
стр. 19
عمل القلب
المحل الثالث: عمل القلب كالخوف، والرجاء، والاستعانة
إلى غير ذلك.
فإن قيل: فما الفرق بين قول القلب -الذي هو تصديقه- وبين عمل القلب؟
قيل: من هدي الصحابة ﵃ أن ثمة أموراً كثيرة يُعلم الفرق بينها ضرورة، تقوم في نفوس العقلاء، وإن كان كثيراً من العقلاء قد لا يحسنون ضبط الحد من جهة الكلام في التفريق بينها، أي: هناك أمورٌ كثيرة مستقرة من حيث الفرق أو مستقرة من حيث المعنى، وإذا طلب من الإنسان التعبير عن هذا الفرق قد لا يحسنه، ولربما كان ذكره للفرق مدعاة للشغب عليه من المخالفين، وإلزامه بشيءٍ من اللوازم.
إذاً: الفرق بين التصديق وبين عمل القلب مستقر عند عامة المسلمين وسوادهم؛ فإنهم يفرقون بين تصديقاتهم وبين ما يقوم في قلوبهم من التعلق بالله ، ومحبته، والخوف منه، والرجاء
إلى غير ذلك، فهذا فرقٌ من حيث المعنى مستقر.
وإنما ينبه هذا التنبيه؛ لأن الحد للأشياء -الذي يسمى التعريف، واسمه في المنطق الحد- والمعاني أمرٌ حادث في العلم، ينبغي لطالب العلم ألا يلتفت إليه كثيراً؛ لأن هذا الحد يقع عنه في كثير من الأحوال جملة من المفاسد، من أخصها:
١ - التضييق للمعاني.
٢ - استباق المعاني.
ما معنى استباق المعاني؟
مثلاً: مسألة السنة والبدعة، هي قبل أن تكون حداً وتعريفاً هي استقراءٌ في فقه الشرع.
فإذا نقدنا مسألة الحد، وقلنا: إن الذين بالغوا في تقريرها هم علماء الكلام، فقيل: فما البديل عنها؟
قلنا: الذي كان عليه السلف -الصحابة والأئمة من بعدهم- هو الاستقراء؛ فيكون تحقيق المعاني باستقراء جميع مواردها.
مثلاً: إذا قيل: ما هي البدعة؟
قيل: لقد عرفها الشاطبي -مثلاً- في الاعتصام بأنها: "طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه".
وهذا الحد ليس بالضرورة أن يقال: إنه غلط، لكن نقول: أخذ مثل هذه المسائل الكبرى بحدٍ مختصر يقع لفظه في سطر، ويقع شرحه في صفحة أو صفحتين يظن الآخذ له أنه قد فقه وفهم الفرق بين مدلول السنة ومدلول البدعة، ومتى يسمى القول أو الفعل سنة، ومتى يسمى بدعة، ومتى يكون القائل أو الفاعل على السنة، ومتى يكون على البدعة، ومثل هذه الاستطالات عن طريق الحدود ..
أمر غير متحقق.
ومن يراجع في كتب المنطق وعلم الكلام يرى أنهم يذكرون الحد ويذكرون الرسم، وقد قال الإمام ابن تيمية: "إن المحققين من النظار يرون تأخر الحد عن جمهور الأشياء، وإنما يستعملُ معها الرسم".
ما الفرق بين الحد والرسم؟
الحد: هو الضبط للماهية نفسها.
أما الرسم: فهو التمييز للماهية عن غيرها.
قال الإمام ابن تيمية: "وهذا هو التحقيق" فإن الممكن في جمهور المعاني هو التمييز لها عن غيرها، وأما تعيين ماهيتها فهذا في الغالب أنه يتأخر، ويقع عنه ضيقٌ ..
وما إلى ذلك.
إذاً يقال: الفرق بين التصديق وعمل القلب هو فرقٌ مستقر؛ فإن أحسن المسلم التفصيل له بلسانه وإلا فكما قال الإمام ابن تيمية: "وكثيرٌ من المسلمين، يقوم في نفوسهم من العلوم الضرورية في باب الإيمان بالله ورسوله والنبوة والشريعة وغير ذلك ما لا يستطيعون التعبير عنه .. ".
فهذه مسألة مما ينبغي أن يتفطن له؛ فإن كثيراً من المسلمين يتأخر عن الإبانة عن فرق مستقر.
ولا يفهم من هذا أننا نقصد إلى أن نقول: إن تعريف البدعة أو استعماله غلط.
لكن لا ينبغي أن يستطال فيه وأن يعظم شأنهُ.
فإذا ذكر الفرق بين التصديق وعمل القلب قيل التصديق: هو التصورات التي يقرُ القلب بثبوتها، فهو على باب الإثبات والنفي، ولهذا كان ما يقابل التصديق هو التكذيب.
وأما عمل القلب فهو حركته بهذا التصديق بأعماله المناسبة له كالخوف والمحبة والرجاء.
ومعنى هذا أن التصديق -وهذا من معاني أهل السنة في تقريرهم للإيمان- يوجبُ بذاته عمل القلب، وهذا هو الفرق بين التصديق الشرعي الإيماني، وبين التصديق المطلق المرادف للمعرفة؛ فإن المعرفة لا تستلزم عمل القلب؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] فمعرفة الكفار هي علم محض، وأما التصديق الشرعي الذي يذكر في الإيمان فهو ما استلزم العمل.
فإذا كان التصديق لا يستلزمُ عمل القلب فإنه يتأخر عن كونه تصديقاً على التمام الشرعي.
стр. 20
عمل الجوارح
المحل الرابع: أعمال الجوارح.
فالتصديق الشرعي يستلزم:
أولاً: العمل الظاهر والباطن.
ثانياً: الإخلاص لله، فهو تصديقٌ بخبر الله أو خبر نبيه عنه؛ فمن فقه المصنف أنه قال: "الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب" فذكر مسألة الإخلاص.
ومن هنا يتبين أن الإيمان هو التوحيد؛ لأن الإيمان يراد به الأقوال والأعمال الشرعية المتقرب بها إلى الله وحده.
وشهادة الألسنة أَخَصُها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وبهذا يتبين أن جملة قول السلف: أن الإيمان قولٌ وعمل على هذا التطريد.
стр. 21
زيادة الإيمان ونقصانه
ويقولون: "إنه يزيد وينقص" وهذا المعنى لابد منه، وهو أصل في ذكرِ مسمى الإيمان؛ فإن الغلط الكلي -كما سيأتي شرحه إن شاء الله- الذي خالف به أهل البدع مذهب السلف في اسم الإيمان ومسماه هو أنهم لا يلتزمون أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا الغلطٌ مشترك بين الخوارج والمعتزلة ومن يقابلهم وهم المرجئة؛ فإن كل طائفة من هذه الطوائف جعلوا والتزموا أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وجعلوا مورد الزيادة والنقص فيما حوله من الشرائع التي لا تسمى إيماناً عندهم كالمرجئة، أو في موردٍ آخر على طريقة الخوارج والمعتزلة.
فهذه الجملة أصلٌ في مسألة الإيمان؛ لأن مبنى المخالفة للمخالفين إنما تفرع عن عدم تحقيقها، وإلا فإن في كتب الخوارج والمعتزلة أنهم أجمعوا على أن الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقاد، ومنهم من يعبر بما يقارب من عبارة أهل السنة فيقول: قول باللسان، واعتقادٌ بالجنان، وعملٌ بالأركان، وإن كانت كتب الخوارج قليلة، لكنَّ الإباضيين منهم يقولون بهذا، لكن الفرق بينهم وبين السلف هو الزيادة والنقصان.
стр. 22
تعلق الزيادة والنقصان في الإيمان
يستعمل المتأخرون من أهل السنة في كتبهم عبارة: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا التعبير لا بأس به، لكنه ليس فاضلاً، فإنه يوحي -ليس عند العامة بل حتى عند بعض طلبة العلم المبتدئين- أن مورد الزيادة والنقصان هو في الأعمال الظاهرة فقط.
وهذه المسألة فيها نزاع، فإن أبا محمد بن حزم ﵀ يقرر أن الزيادة والنقصان لا يتعلقان بالتصديق.
فهو يقرر أن الزيادة والنقصان تدخل أعمال القلوب لكونها أعمالاً، فالمحبة ليست واحدة، والرجاء ليس واحداً.
وكذلك تدخل أقوال اللسان، فإن الناس متفاوتون في ذكرهم للشريعة وألفاظها وهديها وتوحيد الله وذكره
إلى غير ذلك.
وكذلك تدخل أعمال الجوارح.
لكنه تأخر فقال: إنه ليس من طريقة أهل السنة أن الزيادة والنقصان متعلقان بالتصديق.
وعلى هذا يكون التصديق واحداً.
وهذا غلطٌ دخل عليه من المرجئة، فإنه بنى هذا على مسألة أن التصديق يقابله التكذيب، وأنه إذا نقص ذهب، فإما أن يصدق الإنسان وإما أن يكذب ..
فما الوسط بينهما؟ وكيف تحصل الزيادة والنقصان في أمرٍ يدور بين الوجود والعدم؟
هذه هي شبهة المرجئة التي دخلت على ابن حزم ﵀، ولا وجه لها ألبتة، لا عقلاً ولا شرعاً.
فإنه يقال: إن التصديق -لاشك- يقابله التكذيب، لكن التصديق عند عامة العقلاء يتفاوت؛ فإن من صدق بشيءٍ بناءً على دليلٍ واحد ليس كمن صدق بهذا الشيء بناءً على عشرة أدلة، ومن صدق بشيءٍ بناءً على حديث يرى أنه حسن، وهو متردد في ثبوته، ليس كمن صدق بهذا الشيء وقد بناهُ على حديثٍ متواتر متفق على قبوله.
أي: أن تعدد الأدلة يوجب اختلاف التصديق.
وحتى لو كان الدليل من حيث الثبوت واحداً، كآيةٍ من القرآن؛ فإن نظر المخاطبين والمكلفين فيها يتفاوت تصديقه.
مثلاً: قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] هذه الآية من قرأها من المسلمين يصدق بها، لكن لا يلزم أن كل من قرأها من العلماء والعامة يكونون على درجة واحدة في تصديقهم -هم ليس فيهم مكذب، هذه جملةٌ منتهية؛ لأن من كذب كفر- لأنهم في فقههم لمعناها وتأملهم فيها يتفاوتون، ومن هذا الوجه تفاوت إيمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، ومن غيره، كأوجه العمل الظاهر والباطن.
والمقصود من هذا بيان أن التصديق يتفاضل؛ فإن مما لا شك فيه: أن تصديق أبي بكر بالنبوة والقرآن والحديث ليس كتصديق آحاد الفساق، مع أن الفاسق لا يكذِّب.
ولهذا اعتبر الشارع أن تحقيق التصديق تحقيق لتمام التوحيد، فقال النبي ﷺ كما في الصحيح من حديث عثمان ﵁: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة).
قد يقول قائل: إن المسلمين يعلمون أنه لا إله إلا الله، إذاً أين وعيد أهل الكبائر؟
هل نقول: إن هذا حديث مطلق قيّدته أحاديث الكبائر؟
الجواب: لا؛ فإن الإطلاق والتقييد لا يستعملان في مثل هذه النصوص، والقول بأنهما يستعملان فيها غلط، ومع الأسف هذا الغلط شائع بين العلماء: المعاصرين والمتقدمين؛ لأنه غلب في تقرير مسائل الفقه والنظر في أدلة الشريعة الفقهية مسألة أن المطلق يحمل على ما يقيده، والعام يحمل على ما يخصصه، والعام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص، فصاروا يستعملون هذا في تقرير فقه نصوص الأصول، فصاروا يقولون: إن هذا مطلقٌ قيّدته أحاديث أهل الكبائر وما يلحقهم من الوعيد.
وهذا الغلط فرع عن الغلط في استعمال الطرق النظرية والحدود والضوابط، وما إلى ذلك من الطرق التي كان المقصود منها تنظيم العلم وليس ذكر حقائق العلم؛ فإن حقائق العلم حقائق تستقرأ من كلام الله ورسوله، وقد ذم الله على أهل الكتاب أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، والبدع إنما نشأت في الإسلام من أخذ بعض النصوص وترك بعضها.
فالصواب: أن الحديث على ظاهره، ومعناه: أنه من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة، فإن عُدِم العلم الذي هو التصديق لم يدخل الجنة، وإن نقص علمه تأخر دخوله.
فإذا قيل: لماذا لم يدخل أصحاب الكبائر الجنة ابتداءً مع أنهم يعلمون أنه لا إله إلا الله؟
قيل: لن نخالف الحديث، هل هم يعلمونها على التمام؟
الجواب: لا؛ لأنهم لو حققوا العلم لحققوا العمل، لكن لما نقص علمهم أمكن تأخرهم.
ومما يدل على هذا أن الصحابة لم يستشكلوا شيئاً عندما حدث الرسول ﷺ بهذا الحديث، مع أن بعض الأعراب أو من أسلم حديثاً أحياناً كانوا يسألون عن بعض المشكلات، ولا يمكن أن يكون الصحابة لم يفقهوا المعنى ومع ذلك يسكتوا، كما يعتذر ويبرر بعض الناس هذا بقول أنس كما في الصحيح: (نهينا أن نسأل رسول الله عن شيء) فإن الصحابة لم ينهوا عن السؤال عما يتحقق به إيمانهم، وإنما نهوا عن الاستفصال في أمرٍ قد سُكت عنه، كما هو في قوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]
وأما ما يتحقق به إيمانهم وتصديقهم فلا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن ينهى الصحابة أو غيرهم عن السؤال عنه، بل هذا السؤال مما أمر الله تعالى به، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]
وكذلك لم يستشكلوا عندما حدث النبي ﷺ الناس بما قد يظهر على أنه مقابل لحديثه هذا، مثل قوله ﷺ -كما في حديث ابن مسعود -: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) إنما استشكل رجل فقال: (يا رسول الله! الرجل يحبُ أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً.
فقال رسول الله ﷺ : إن الله جميل يحبُ الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) فكان سؤال الرجل عن هذه المسألة اليسيرة يدل على أنه قد فقه المقصود بأصل الحديث، وأنه لا يراد به أن من في قلبه ذرة من كبر يحرم من الجنة على الإطلاق أو أنه يؤبد في النار.
وسبب هذا الفقه أن الصحابة كانوا على قدرٍ من الاستقراء لفقه الإسلام، وهذا هو الذي ينصح طلاب العلم بتتبعه والقصد إليه.
والمقصود من هذا: أن تمام العلم بتمام العمل.
إذاً: من المسائل الأصول في مسمى الإيمان: القول في زيادته ونقصانه، والزيادة والنقصان تقع في مواردهِ الأربعة:
١ - في قول القلب الذي هو تصديقه، وقد خالف في هذا ابن حزم وطائفة من أصحاب أحمد والشافعي، وبعض المنتسبين إلى السنة من المتأخرين، وقولهم مخالف لنص الإمام أحمد وغيره من السلف، بل هو مخالف لظواهر الحقائق الشرعية والعقلية، والتي تدل على أن التصديق يتفاضل.
٢ - في أعمال القلوب، وهذا بيّن؛ فإن محبة المسلمين ورجاءهم لله وخوفهم منه ليس واحداً.
٣ - في أقوال اللسان وفي أعمال الجوارح على قدرٍ مشهور معروفٍ مدرك بالبديهة.
ومن المسائل الأصول: التلازم بين الظاهر والباطن، ومعناه: أنه إذا عدم الإيمان الباطن عدم الإيمان الظاهر، فمن أظهر شرائع الإسلام أو بعض خصال الإيمان كالصلاة وغيرها ولا باطن معه من الدين فهذا هو المنافق.
إذاً: إذا عدم الباطن عدم الظاهر حقيقةً وليس حالاً، ومعنى: ليس حالاً: أي قد يظهر حالاً كما ظهر من المنافقين الذين يقع لهم صلاة أو زكاة أو حج أو ما إلى ذلك، ومع ذلك قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] فهم كفارٌ بالكتاب والسنة والإجماع.
وأما إذا عدم الظاهر فهل يعدم الباطن؟
هذه المسألة فيها تفصيل ليس هذا محله، إلا أن من أسباب الإشكال فيها عند المعاصرين مسألة الحدود، والألفاظ المتأخرة -ككلمة "جنس العمل"- التي بدأت تحاط بها المسائل الكبرى في مسائل أصول الدين.
ويتلخص من هذا أن مسألة مسمى الإيمان تتضمن ثلاثة أصول:
الأصل الأول: أنه قولٌ وعمل.
وهذا ينتج عنه أن الإيمان من حيث المحل أربعةُ أصول:
١ - قول القلب، وهو تصديقه.
٢ - عمل القلب.
٣ - قول اللسان.
٤ - عمل الجوارح.
الأصل الثاني: أنه يزيد وينقص، وهذه اللفظة أفضل من لفظة: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وإن كان تصديق القلب إذا تحقق سمي طاعة، لكن كلمة الطاعة والمعصية لما تأخر أمر الناس صارت تتبادر إلى الأعمال الظاهرة، ولهذا يقال: يزيد وينقص ظاهراً وباطناً.
الأصل الثالث: التلازم بين الظاهر والباطن.
стр. 23
شرح كتاب الإيمان [٢]
اختلف مذهب السلف عن مذهب مرجئة الفقهاء في أن السلف يعتقدون أن الإيمان قول باللسان والقلب، وعمل باللسان والجوارح والقلب، وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بينما يعتقد مرجئة الفقهاء أن الأعمال الظاهرة ليست داخلة في مسمى الإيمان، كما يعتقدون أن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص.
стр. 24
قول مرجئة الفقهاء أن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان
[وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر وليست من الإيمان].
هذا هو المذهب الثاني، وهو مذهب طائفةٍ من علماء السنة، وأول من تقلد هذا المذهب هو حماد بن أبي سليمان، الفقيه الكوفي، وقد أخذه عنه طائفة من الكوفيين وغيرهم، واشتهر هذا المذهب بتقلد أبي حنيفة له، حتى شاع في الحنفية هذا القول، وأصحاب هذا القول هم الذين عُرفوا فيما بعد بمرجئة الفقهاء، وقد ذكر أبو الحسن الأشعري هذا لما ذكر المرجئة، وأنهم ثنتا عشرة طائفة، فقد جعل آخر هذه الطوائف وأخصها الفقهاء كـ أبي حنيفة وأمثاله.
وهؤلاء يقولون: إن الإيمان يكون بالقلب واللسان، وأما الأعمال فقد أخرجوها عن مسمى الإيمان، وقالوا: هي برٌ وتقوى.
стр. 25
الفرق بين قول السلف وبين قول مرجئة الفقهاء
الفرق بين مذهب جملة السلف وبين مذهب مرجئة الفقهاء يتحصل من جهتين:
الجهه الأولى: أن هذا المعشر من الفقهاء لا يجعلون الأعمال الظاهرة داخلةً في مسمى الإيمان، بل يجعلونها براً وإسلاماً وتقوى، ويقول متأخروهم: هي من ثمرات الإيمان.
ولهذا إذا قيل لهم: هل لها أثرٌ في الإيمان؟ قالوا: هي من ثمراته، ولكنها لا تدخل في مسماه.
الجهة الثانية: أنهم لا يرون أن الإيمان يزيد وينقص، بل يرونه واحداً.
هذان الوجهان هما أخص ما يفرق به بين مذهب المرجئة الفقهاء وبين مذهب الجمهور من السلف.
ولزيادة التوضيح نقول:
أما الفرق الأول: وهو أنهم لا يجعلون العمل داخلاً في مسمى الإيمان، فهذا فرقٌ متحقق بهذا القدر الكلي، ولكن هذا لا يعني عندهم أن إيمان القلب لا يوجب الأعمال، بل ظاهر مذهبهم أنهم يجعلون إيمان القلب يوجب الأعمال، وإن كان هذا الإيجاب لا يستلزم بالضرورة أصل الإيمان.
وعليه: فإن أصل الإيمان عندهم يثبت بالقلب واللسان، وإن لم يكن معه ثبوتٌ في أعمال الجوارح، لكنهم يجعلون ما يقع من أعمال الجوارح فرعاً عن الإيمان الذي في القلب.
وهذا فرقٌ قد يكون فيه بعض الدقة لابد من إدراكه، وهو أنهم لا يجعلون الإيمان الباطن أو إيمان القلب يستلزم العمل فضلاً عن كونه يدخل في مسماه -أي: العمل- لأنه لو كان كذلك لكان عندهم من ترك العمل يكون كافراً.
فهم لا يجعلونه لازماً له لزوماً تاماً، بل يرون أن أصل الإيمان يثبت دون الأعمال، وهذا يسلمون به، لكنهم مع ذلك إذا ذكر الإيمان على التمام عندهم جعلوا الأعمال الظاهرة تتفرع عنه، وجعلوه موجباً للأعمال الظاهرة ومقتضياً لها.
وفرق بين مقام الاقتضاء الإيجاب العام وبين مقام اللزوم للأصل.
والمحصل من هذا أنه إذا قيل: هل الأعمال الظاهرة لازمة لأصل الإيمان عند حماد والفقهاء ممن وافقه؟
فالجواب: لا، ليست لازمة، فضلاً عن كونها داخلةً في مسماه.
وأما إذا قيل: هل الأعمال هي اقتضاء لهذا الإيمان؟
فالجواب: نعم.
فهم لم يذهبوا إلى قطع الأعمال وفكها عن الإيمان القلبي من كل وجه، بل وقعوا على هذا القدر من التوسط، ولا يقطع الأعمال عن الإيمان القلبي إلا الغالية من المرجئة.
وإنما يحسن هذا التنبيه لأن أكثر من تكلم في قول مرجئة الفقهاء -فيما وقفت عليه- يصفونهم بأنهم يقطعون الأعمال عن الإيمان القلبي من كل وجه، وهذا غلط في تقرير مذهبهم؛ فهم لا يجعلون الأعمال داخلةً في مسماه، ولا يجعلون الأعمال لازمةً لأصله، لكنهم يجعلونها من مقتضاه العام الخارج عن مسماه وعن لزوم أصله.
أما إذا أتينا إلى الجهة الثانية وهي: أن الإيمان عندهم واحد لا يزيد ولا ينقص، فهذا القول قد نسبه إليهم خلق كثير، وممن نَسَبَ إليهم هذا القول الإمام ابن تيمية ﵀، فإنه يقرر بالتصريح أن جميع المرجئة -حتى الفقهاء منهم- يجعلون الإيمان واحداً، لا يزيد ولا ينقص.
وهذه الجملة -أي: مسألة أنهم يجعلون الإيمان واحداً- فيها قدر من الإجمال، فإنه وإن صح أن يقال كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأصل نزاع هذه الفرق من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً إذا زال بعضه زال جميعه".
إلا أن الناظر في كتب الخوارج أو المعتزلة وجمهور كتب المرجئة يجد أن جمهور هذه الطوائف يصرحون بأن الإيمان يزيد، وبعضهم يصرح بنقصه، وإن كان ذكر لفظ الزيادة هو الدارج في كلامهم؛ لكونه حرفاً منصوصاً عليه في كتاب الله .
حتى إن أبا حامد الغزالي والبغدادي -وهما من الأشعرية- يحكيان الإجماع عندهم على أن الإيمان يزيد، ومنهم من يحكي الإجماع على الزيادة والنقصان.
ولا شك أن هذا القدر الكلي الذي يحكونه في كتبهم -أعني الطوائف المخالفة- لا يعارض ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم.
والجمع بين الأمرين -أي: بين ما في كتبهم وبين ما ذكره الشيخ عنهم- هو أن الذي يسلِّمون به إنما هو وجه من أوجه الزيادة؛ ولهذا إذا شرحوا الإجماع الذي يحكونه في كتبهم على التفصيل قالوا: ويزيد الإيمان -إذا كان المعين من هؤلاء يفسر الإيمان بالتصديق- بكثرة أدلته، فالمصدق بخبر على دليل واحد ليس كالمصدق به على عشرة أدلة.
وقالوا: ويزيد الإيمان باستمراره في القلب.
فهم فسروا زيادة الإيمان بأوجه صحيحة لكنها قاصرة، فهم إذا سئلوا: هل يمكن أن تدخل الإيمانَ الذي يدور بين الإثبات والنفي الزيادةُ والنقصانُ؟
فالجواب عندهم: لا؛ فإن الإيمان عندهم إذا ما فسر بمقام الإثبات والنفي فهو واحد، إما أن يثبت جميعه وإما أن ينفى جميعه، وحصروا زيادته في مثل هذه الأوجه.
فقالوا: يزيد بتعدد أدلة الإيمان بين المجتهدين وبين المخاطبين ..
وهذا لا شك أنه وجه في زيادة الإيمان، لكن مقصود السلف ﵏ بتقرير هذه المسألة ليس هذا الوجه؛ فإن هذا من الأوجه البدهية الثابتة بضرورة العقل، لكن المقصود الأجلّ في تقرير زيادة الإيمان في القرآن وفي كلام السلف هو: أنه يزيد باعتبار مقام الإثبات والنفي، بمعنى أن الشخص قد يترك بعض الواجبات ولا يذهب إيمانه، مع أن هذا الواجب المعين الذي تركه ونفي عنه يسمى إيمانا، ولكنه لا يسمى تاركاً لكل الإيمان، وإنما سماه الشارع تاركاً للإيمان باعتبار المقارنة، على معنى أنه ترك واجباً فيه، كقول النبي ﷺ في الصحيحين: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فإن العفاف عن الزنا واجب ..
وما إلى ذلك.
وبهذا يتبين أن الوجه الثاني في التفريق بين قول جمهور السلف وبين قول مرجئة الفقهاء هو: أن الإيمان عند الفقهاء واحد لا يزيد ولا ينقص ..
وهذه الجملة هي مذهب لهم إذا قصد قدرها الكلي، وأما إذا قصد تمامها ولوازمها فهي ليست مذهباً لهم.
والفرق بين الأمرين: أنهم يجعلون ما لزم في أصل الإيمان إذا دار بين الإثبات والنفي فإنه يكون الكفر والإيمان فحسب؛ ولهذا لم يجعلوا العمل داخلاً في مسمى الإيمان؛ لأنه لو دخل في مسمى الإيمان لأمكن نفي بعضه بالترك، وهذا يستلزم عندهم ترك جملة الإيمان.
وأما إذا قصد أنهم يقولون: إن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص، وأنهم يذهبون إلى تساوي المؤمنين في درجة الإيمان ..
فهذا ليس بصحيح كمذهب لـ حماد بن أبي سليمان، ولكنه مذهب لجملة من الأحناف الذين شرحوا قول حماد بن أبي سليمان وما أخذه عنه أبو حنيفة.
стр. 26
مرجئة الفقهاء طائفتان
وعلى هذا يمكن القول: إن مرجئة الفقهاء طائفتان:
الطائفة الأولى: وهم متقدموهم كـ حماد بن أبي سليمان مؤسس هذا المذهب، فهذا الإمام لا يجعل الأعمال داخلة في مسمى الإيمان ولا يكفر بتركها.
أما أنه يجعل المؤمنين متساوين في الإيمان فإن هذا لم يثبت عنه، وليس لازماً لمذهبه.
وهذا المذهب مذهب لجملة من فقهاء الكوفة.
الطائفة الثانية: وهم جملة ممن شرحوا مذهب حماد باعتباره مذهباً للإمام أبي حنيفة، وقد قرر هؤلاء هذا المعنى؛ لأنهم أخذوا هذه المادة من جمل المرجئة الأخرى.
وعلى هذا فالمتحقق ثبوته عن حماد:
أولاً: أنه لا يجعل العمل داخلاً في مسمى الإيمان.
ثانياً: أنه لا يكفر بترك العمل الظاهر كالصلاة ونحوها.
ثالثاً: أنه يجعل الإيمان واحداً باعتبار الأصل، وأما باعتبار التفاضل فإن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان، ولم يقل حماد ﵀ ولا أمثاله من كبار فقهاء الكوفة الذين انتحلوا هذا القول: إن إيمان المؤمنين واحد.
بل يمكن أن يقال هنا: إن القول بأن المرجئة يذهبون إلى أن إيمان أبي بكر كإيمان أحد الفساق من المسلمين ليس مذهباً مصرحاً به في كلام أحدهم ولكنه لازم قولهم.
стр. 27
أقسام الجمل التي يستعملها الأئمة في حكاية مذاهب الطوائف
هنا تنبيه لمن يقرأ في كتب المقالات، وهو أن أئمة السنة والجماعة الذين صنفوا في بيان معتقد السنة كـ ابن أبي عاصم وعبد الله بن أحمد والآجري وابن خزيمة وأمثال هؤلاء، أو حتى الإمام ابن تيمية ﵀ -وإن كان أكثر تفصيلاً في هذا الباب- لهم استعمال قد تراجع عليه أهل العلم، وعلى الناظر في كتبهم أن يكون على فقه لوجهه:
وهو أنهم إذا حكوا مذهباً لطائفة، فإنهم يصفونه بجملة من الجمل، وهذه الجملة يمكن تقسيمها على النحو الآتي:
الجملة الأولى: هي قول مطابق للمذهب الذي نسبت إليه.
الجملة الثانية: هي قول متضمن في المذهب الذي نسبت إليه.
الجملة الثالثة: هي قول لازم للمذهب الذي نسبت إليه.
وأضرب لذلك مثلاً: بعض من يحكي مذهب مرجئة الفقهاء يقول: فعند حماد بن أبي سليمان ومن وافقه كـ أبي حنيفة أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان عندهم واحد لا يزيد ولا ينقص، وأن إيمان أبي بكر وأئمة المؤمنين كإيمان آحاد المسلمين والفساق.
فهل هذا مذهب تام؟
الجواب: لا.
بل هذا وصف للمذهب.
فالجملة الأولى -وهي أنهم لا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان- مطابقة مطابقة تامة لمذهبهم.
والجملة الثانية -وهي أن الإيمان عندهم واحد لا يزيد ولا ينقص- متضمنة في المذهب كقدر كلي، وليس كقدر تفصيلي.
ولهذا نجد أن الجملة المطابقة جملة متحققة في المذهب جملة وتفصيلاً، بخلاف الجملة المتضمنة، فهي تثبت كجملٍ كلية أو مطلقة أو عامة، ولا يلزم بالضرورة أن سائر تفاصيلها تكون متحققة عندهم.
أما الجملة الثالثة -وهي أنهم يجعلون إيمان أبي بكر وأئمة المؤمنين كإيمان آحاد المسلمين والفساق- فهي جملة لازمة، لكنهم لما جعلوا الإيمان واحداً لزم أن جميع المسلمين على قدر من التساوي فيه.
والمذاهب تضبط بحقائقها المطابقة أو المتضمنة أو اللازمة، لكن يجب أن تبقى المطابقة مطابقة، وأن تبقى المتضمنة متضمنة، ولا يزاد على التضمن إلى درجة التطابق.
وأما لازم المذهب -وإن كان فيه خلاف يسير عند بعض النظار- فقد حكي جملةُ الإجماع على أن لازم المذهب ليس مذهباً للطائفة، سواءً من أهل السنة أو من غيرهم، ولكنه طريق يذكر ليظهر به غلط هذه الطائفة المخالفة للسنة والجماعة.
لأن من قرأ هذه الجمل الثلاث إنما تكون الجملة الثالثة هي الأظهر في نفسه مفارقة للعقل ومفارقة لبدهيات الشرع.
ومثال هذا: لو أن عامياً قرئت عليه هذه الجمل فإنه قد لا يستوعب الأولى -وإن كان الإشكال فيها- وربما الثانية، لكن لو قيل له: هؤلاء يقولون: إيمان أبي بكر كإيمان الفساق، لقال: هذا مذهب فاسد ..
إذاً لوازم المذاهب إنما تذكر لتوزن بها المذاهب، وأما أنها مذاهب تنسب إلى أصحابها فهذا لا يجوز.
وقد كان ابن حزم ﵀ يقرر هذا الرأي -أن لازم المذهب ليس مذهباً- لكنه أخذ كثيراً من الطوائف بلوازم أقوالهم وعن هذا كفرهم، وهذا -أيضاً- موجود عند من عندهم زيادة في التكفير للمخالفين للسلف من أهل البدع في الغالب، حيث يظهر أنهم يعتمدون على اللوازم، ومن اعتمد على اللوازم وفرض أنها مذاهب لأصحابها فإنه لن يسعه في هذا المقام إلا أن يذهب إلى التكفير.
والمقصود من هذا: أنه ينبغي لطالب العلم أن يضبط هذه القاعدة، وأن يكون فقيهاً في قراءته لكلام علماء السنة، وهو أنهم يجملون المسائل، فيذكرون المذهب على الوجه المطابق والمتضمن واللازم، وأحياناً يذكرون المطابق فقط.
فهذه القاعدة ليس بالضرورة أنها قاعدة مطردة.
وهذان الوجهان على ما فيهما من التقرير والتقييد هما أخص أوجه الفرق بين مذهب حماد بن أبي سليمان ومن وافقه وبين مذهب جمهور أئمة السلف.
ومن هنا يظهر أن شرح جملة من فقهاء الأحناف لهذا المذهب ليس بالضرورة أنه ممثل له.
وهذا هو السبب الذي جعل بعض المتأخرين من أهل العلم ينسبون إلى حماد والفقهاء من المتقدمين من أهل الكوفة بعض القول الشديد؛ فقد نُقل عنهم أقوال مجملة ليس فيها التصريح بهذا الكلام، وبعد ذلك جاء الحنفية وعندهم إشكال أن مادتهم مختلفة، فإن من الأحناف كرامية وهؤلاء عندهم مادة تجسيم في الصفات ومبالغة في الإثبات.
ومنهم ماتريدية.
ومنهم أهل حديث.
ومنهم أهل فقه.
فهم مع تعدد مآخذهم في تقرير مسائل أصول الدين بين علم الكلام والتصوف وبين طريقة الفقهاء وطريقة أهل الأثر إلا أنهم التفوا غالباً -وليس دائماً- في مسألة الإيمان على الجملة المروية عن أبي حنيفة، ثم أخذوا يشرحونها ويفرعون عنها، وكل من شرح أو فرَّع من هؤلاء فإنه يتأثر بمادته.
فالماتريدية يتأثرون بمادتهم، حتى إن منهم -وهذا قول مشهور لـ أبي منصور - من لا يجعلون قول اللسان داخلاً في مسمى الإيمان، بل يجعلون الإيمان هو التصديق كالقول المروي عن أبي الحسن الأشعري؛ فصار الماتريدية يحاولون الجمع بين أقوال بعض أئمة الماتريدية المتكلمين الذين يقولون أن الإيمان هو التصديق وبين قول أبي حنيفة، فيخففون قول أبي حنيفة عن محتواه ويقربونه إلى قول من يقول: إن الإيمان هو التصديق.
وقد تأثر بمثل هذه التفريعات بعض فقهاء الأحناف أو الأثرية منهم؛ وليس المقصود من هذا أن نعين واحداً كـ أبي جعفر الطحاوي أو غيره إنما المقصود أن شرح المتأخرين من الأحناف لقول حماد ﵀ ليس بالضرورة أن يكون شرحاً ممثِّلاً لقول حماد نفسه، بل المروي عن حماد جمل عامة، المتحقق منها ما سبق ذكره.
ولهذا لم يذكر عنهم المصنف إلا المجمل فقط، لكنه لما تكلم في آخر كتابه هذا عن أقوال المرجئة المغلظة بيّن ما عندهم من الخروج في مسألة الأعمال، وفي مسألة أن الإيمان واحد، وحقيقة هذه القول عندهم، وأنهم يلتزمونه على قدر من التحقيق.
стр. 28
شرح كتاب الإيمان [٣]
اختلاف أهل السنة والجماعة مع مرجئة الفقهاء في تعريف الإيمان مبني على إنكار المرجئة لدخول العمل في مسمى الإيمان، وبالتالي فهو لا يزيد ولا ينقص عندهم، وأهل السنة والجماعة يردون قولهم هذا مستدلين بما نطق به القرآن، وسنة المصطفى ﵊.
стр. 29
ترجيح مذهب السلف القائل بأن الإيمان قول وعمل
[وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعاً، وينفيان ما قالت الأخرى.
والأصل الذي هو حجتنا في ذلك: اتباع ما نطق به القرآن؛ فإن الله -تعالى ذكره علواً كبيراً- قال في محكم كتابه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] وإنا رددنا الأمر إلى ما ابتعث الله عليه رسوله صلى الله عليه، وأنزل به كتابه فوجدناه قد جعل بدء الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه، فأقام النبي ﷺ بمكة بعد النبوة عشر سنين أو بضع عشرة سنة يدعو إلى هذه الشهادة خاصة].
стр. 30
الدخول في الإيمان بالنطق بالشهادتين
هذا من شريف فقه المصنف ﵀؛ فإنه أبان أن النبي ﷺ أول ما بعث -وهذا مجمع عليه بين المسلمين- إنما بعث بالشهادتين، فمن قال الشهادتين فإنه يكون مؤمناً، ولهذا لم يكن ﷺ يكتفي من أحد باعتبارها في قلبه، بل كان لا بد من التصريح بذكرها؛ ونتيجة هذا الاستدلال أن القول بالإيمان أصل فيه، ولهذا كان الشارع ﷺ يعتبر ثبوت الإسلام والإيمان بالنطق بها على يقين وتصديق في معناها.
وهذا يبين أيضاً: أن أصل الإيمان هو أصل الإسلام، ويبين أن أصل الإيمان هو تصديق القلب، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الأمر.
[وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذٍ سواها، فمن أجاب إليها كان مؤمناً لا يلزمه اسم في الدين غيره، وليس يجب عليهم زكاة ولا صيام ولا غير ذلك من شرائع الدين، وإنما كان هذا التخفيف عن الناس يومئذٍ -فيما يرويه العلماء- رحمةً من الله لعباده ورفقاً بهم؛ لأنهم كانوا حديث عهد بجاهلية وجفائها، ولو حملهم الفرائض كلها معاً نفرت منه قلوبهم، وثقلت على أبدانهم؛ فجعل ذلك الإقرار بالألسن وحدها هو الإيمان المفترض على الناس يومئذٍ، فكانوا على ذلك إقامتهم بمكة كلها وبضعة عشر شهراً بالمدينة وبعد الهجرة، فلما أثاب الناس إلى الإسلام وحسنت فيه رغبتهم زادهم الله في إيمانهم أن صرف الصلاة إلى الكعبة بعد أن كانت إلى بيت المقدس، فقال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] ثم خاطبهم وهم بالمدينة باسم الإيمان المتقدم لهم في كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه، فقال في الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] وقال في النهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]].
وجه هذا الاستدلال أن اقتران خطاب العمل بنداء الإيمان دليل على أن هذه الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وهذا معروف من جهة لسان العرب؛ فإن ما طلب فعله بنداء مختص بصفة داخل في الصفة التي وقع بها هذا الطلب أو لازم لها، ولهذا لزم من مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] أن يكون هذا الركوع لازماً للإيمان أو داخلاً في مسماه.
стр. 31
الجواب عن شبهة المرجئة: لو كان العمل أصلاً في الإيمان لما أمكن ثبوت الإيمان قبل فرض العمل
[وعلى هذا كل مخاطبته كانت لهم فيها أمر أو نهي بعد الهجرة، وإنما سماهم بهذا الاسم بالإقرار وحده إذ لم يكن هناك فرض غيره.
فلما نزلت الشرائع بعد هذا وجبت عليهم وجوب الأول سواء، لا فرق بينها؛ لأنها جميعها من عند الله، وبأمره وبإيجابه].
هذا الكلام فيه رد على شبهة بعض المرجئة، فإن من شبههم وحججهم أنهم يقولون: إن الإيمان كان ثابتاً في أول الإسلام قبل العمل، فلو كان العمل أصلاً في الإيمان لما أمكن ثبوت الإيمان في أول الإسلام.
وهذا غلط من جهة العقل قبل أن يكون غلطاً من جهة الشرع؛ لأن الإيمان هو ما وجب الإيمان به في كلام الله ورسوله، والعمل قبل فرضه ليس حكماً شرعياً.
وهذه القاعدة التي فرضوها لو طردوها ما صحت لهم؛ فإن هناك تصديقات ذكرت في الكتاب والسنة بعد كلمة الشهادتين -كالتصديق بقصص الأنبياء، فإن من لم يؤمن بقصص الأنبياء والمرسلين في القرآن وكذبها يكون كافراً- ومع ذلك أصبح التصديق بهذه الأخبار من الإيمان، مع أن إيمان المؤمن قبل بلوغ الخطاب كان ثابتاً.
فقولهم: لو كان العمل أصلاً في الإيمان لما أمكن ثبوت الإيمان قبل فرض العمل، يرد عليه بأنه لو كان الأمر كذلك لقيل أيضاً: إن ما زاد على أصل الإيمان من التصديقات لا يعد من الإيمان؛ لأن الإيمان الأول ثبت قبل نزولها أو قبل الخبر بها، فكل ما فرضوه على العمل يلزم فرضه على التصديقات التي تأخر الإخبار بها.
стр. 32
أثر الامتناع عن العمل في الإقرار والفرق بينه وبين ترك العمل
[فلو أنهم عند تحويل القبلة إلى الكعبة أبوا أن يُصلّوا إليها وتمسكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه، والقبلة التي كانوا عليها لم يكن ذلك مغنياً عنهم شيئاً، ولكان فيه نقض لإقرارهم؛ لأن الطاعة الأولى ليست بأحق باسم الإيمان من الطاعة الثانية، فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة كإجابتهم إلى الإقرار صارا جميعاً معاً هما يومئذٍ الإيمان، إذ أضيفت الصلاة إلى الإقرار].
وهذا أيضاً فقه منه ﵀، فهو يقرر أنهم لو امتنعوا عن العمل بعد المخاطبة به لبطل إقرارهم.
وفي مقام العمل هنا مقامان:
المقام الأول: الترك الذي لا يصاحبه إباء وامتناع.
المقام الثاني: الامتناع عن العمل.
أما الترك لآحاد الأعمال فإنه لا يستلزم النفي لأصل الإيمان، وأما جملة الأعمال فهذا له تفصيل يأتي إن شاء الله.
وأما الامتناع فإن المصنف يقرر أن حقيقة الامتناع عن العمل هو الترك للإقرار الأول.
وقد يقول قائل: باب الامتناع ليس هو باب الترك للعمل؛ فإن الامتناع فوق الترك ..
وهذا صحيح، لكن لما كان الامتناع عن العمل مسقطاً للإقرار -وهذا وجه بيّن من جهة الشرع- دل على أن هذا العمل داخل في مسمى الإيمان؛ لأنه لو لم يكن داخلاً في مسماه لما أمكن أن يكون الامتناع عن فعله يستلزم إفساد الإيمان الأول؛ فإنه لو كانت الجهة منفكة تمام الانفكاك بين العمل وبين الإيمان الأول -الذي هو الإقرار- لما أمكن أن يكون الامتناع عن هذا موجباً لإبطال هذا.
وبعبارة أخرى: إن مما هو متقرر في الشريعة أن الامتناع عن الاستجابة للعمل الذي أمر الله ورسوله به يعد إسقاطاً للإقرار، وهذا يدل على أن الأعمال أصل في الإيمان أو داخلة في مسماه على أقل درجة؛ لأنه لو لم يكن العمل داخلاً في مسمى الإيمان لما كان الامتناع عنه مسقطاً لأصل الإقرار.
وهذا فقه شريف من الإمام ﵀، ولاسيما أن كلامه يعتبر بوجه؛ لكونه إماماً في اللغة فضلاً عما له من الإمامة في الشريعة.
стр. 33
التلازم بين تصديق القلب وعمل الجوارح
وتمام هذا المعنى يكون بوجه يفصل به كلامه، وهو يحتاج إلى قدر من التأمل؛ فإن من فقهه بان له أن كل من يقول بأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان قولهم ممتنع في العقل فضلاً عن كونه غلطاً في الشرع.
وتقرير هذا الوجه يكون بالآتي: أن جميع المرجئة فضلاً عن فقهائهم المقاربين للسنة والجماعة يسلِّمون أن تصديق القلب إيمان وبعضهم يقول: هو الإيمان؟
إذاً مسألة التصديقات لا خلاف بين المسلمين أنها إيمان ..
هذه المقدمة الأولى.
والطرد لها أن يقال: كل عمل من الأعمال الظاهرة كالصلاة والطواف بالبيت والسعي بين الصفاء والمروة والوضوء ونحوها، مركب من تصديق ومن حركة ظاهرة، فإذا انفك أحدهما عن الآخر امتنع ثبوت العمل في نفس الأمر، وبعبارة أوضح: امتنع ثبوت العمل في الخارج، أي: في الوجود.
وسوف نبين هذا الكلام بضرب عدة أمثلة:
المثال الأول: لو أن إنساناً قال: أنا أؤمن بالصلاة وأصدق بحديث النبي ﷺ بالأمر بالصلاة.
لكنه لم يفعل ..
هل يسمى مصلياً؟
بإجماع العقلاء أنه لا يسمى مصلياً، ولو كان مصدقاً حافظاً عارفاً بماهية الصلاة.
المثال الثاني: لو أظهر شخص الحركة الظاهرة لا نقول: دون تصديق، بل دون نية ..
هل يسمى فاعلاً للعمل الشرعي؟
الجواب: لا.
فمن باب أولى إذاً فعله دون تصديق.
المثال الثالث: لو فعل شخص فعل الوضوء، لكنه لم يقصد به الوضوء، بل قصد به التبرد ..
هل يجزئه؟
الجواب: لا يجزئه.
المثال الرابع: لو أن شخصاً يبحث عن شخص آخر في المسجد الحرام بين الطائفين، وعند بحثه عنه كان يدور حول الكعبة بحثاً عن صاحبه، هل يسمى طائفاً؟
الجواب: لا يسمى.
المثال الخامس: لو أن شخصاً حنى ظهره أمام مدربه من باب الرياضة أو من باب اللعب أمامه ..
هل يسمى هذا قد فعل الركوع لغير الله؟!
الجواب: لا؛ لأن هذا العمل أصلاً لم تدخل عليه نية العبادة، فضلاً عن مسألة ارتباط هذا بكونه تصديقاً واستجابة لله ورسوله.
ومن هنا يتضح أن الأعمال الشرعية الظاهرة يمكن أن يفعلها بعض الناس على جهة عادية لا يقصد بها فعل العبادة، وفي هذه الحال لا تسمى أعمالاً شرعية يسقط بها الوجوب ويحصل بها الثواب.
وبهذا يظهر أن الأعمال الشرعية مركبة من مادتين:
١ - التصديق والنية وما يتعلق بالقلب.
٢ - والحركة الظاهرة.
وأما أن تقوم الأعمال الشرعية بأحد الجهتين فهذا ممتنع، فإنه إذا وُجد التصديق ولم توجد الحركة الظاهرة فإن فاعل هذا لا يسمى مصلياً ولا طائفاً، وإذا وجدت الحركة الظاهرة ولم تكن عن نية وتصديق واستجابة ..
إلخ، فإنه لا يسمى مصلياً ولا طائفاً ..
إلى غير ذلك.
стр. 34
قول المرجئة بأن التصديق إيمان يلزمهم به إدخال الأعمال في مسمى الإيمان
فإذا كان كذلك فمن يقولون: إن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان.
يقال لهم: أنتم أدخلتم التصديق في مسمى الإيمان، وحقيقة هذه الأعمال أنها تصديقات، ولكنها تصديقات يلتحق بها ويقترن بها الحركة الظاهرة لإثبات هذا التصديق، ولهذا لا شك أن الفاعل للصلاة أشرف تصديقاً من المصدق بالصلاة بقلبه -حتى لو فرضنا جدلاً أنه لا يكفر-.
وبهذا يعلم أن الجواب عن قولهم: إن الأعمال الظاهرة هي حركات فكيف تسمى إيماناً ..
هو أن الحركات الظاهرة المجردة عن التصديقات لا وجود لها في الأعمال الشرعية.
فإذا قيل: الصلاة.
قيل: هي قبل أن تكون حركة ظاهرة هي تصديق، واستجابة، ونية في القلب
إلى غير ذلك.
وبهذا يتضح أن إدخال الأعمال في مسمى الإيمان لازم لجميع المرجئة؛ لأنهم أدخلوا التصديق، والأعمال مركبة من التصديق والحركة الظاهرة، وإذا انفكت إحدى الجهتين عن الأخرى امتنع وجود العمل الشرعي في الخارج.
وبهذه القاعدة يعلم أن الأعمال الظاهرة يلزم بضرورة العقل أن تكون داخلة في مسمى الإيمان، وأن قول السلف ﵏: إن الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإيمان هو ضرورة شرعية لدلالة النصوص عليه، وهو ضرورة عقلية أيضاً.
والعجيب قول بعض المرجئة -كالأشاعرة-: هذه حركة ظاهرة، والعرب لا تعرف أن تسمي الحركات الظاهرة العادية إيماناً!
فيقال: وهل أحد من علماء السنة يقول: إن مشي الإنسان إيمان، وأكله وشربه إيمان، وكل أعماله الظاهرة إيمان؟!! كلا، بل هم يقصدون الأعمال الشرعية، والأعمال الشرعية حقيقتها التصديقات قبل أن تكون حركة ظاهرة، ولهذا من لم يصدق بالصلاة كفر بالإجماع، بخلاف من تركها وهو مصدق بها، لأن التصديق أشرف من مقام الحركة الظاهرة.
стр. 35
من الأدلة على أن الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإيمان
[والشهيد على أن الصلاة من الإيمان قول الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣] وإنما نزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسئل رسول الله ﷺ عنهم فنزلت هذه الآية، فأي شاهد يلتمس على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية؟].
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: صلاة من صلى إلى بيت المقدس، وعلى هذا درج أئمة التفسير من الصحابة وغيرهم، وهذه الآية من أخص دلائل السلف على أن الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإيمان، وإذا دخل واحد منها -ولو كان هو الأشرف- فإن غيره يكون كذلك.
وقد أجاب المرجئة عن هذه الآية فقالوا: معنى قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: تصديقكم الأول بالصلاة إلى بيت المقدس.
ومعنى كلامهم أن هناك أمرين وقت الصلاة إلى بيت المقدس:
الأمر الأول: التصديق بالصلاة إلى بيت المقدس واعتقاد أن هذا حكم.
الأمر الثاني: العمل.
فهم يقولون: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: تصديق المصدقين بوجوب الصلاة إلى بيت المقدس.
فنقول: هذا ليس بصحيح من جهة النظر في سياق الآية لغة وشرعاً وعقلاً؛ لأن التصديق بالصلاة إلى بيت المقدس في تلك المرحلة لم يكن تصديقاً قصد الشارع رفعه، إنما قصد إيجاد حكم آخر من التصديقات؛ فإنه يمتنع أن يتبادر إلى ذهن أحد من المكلفين الذين صلوا إلى بيت المقدس أو من بقي من أقاربهم أن تصديقهم الأول قد فسد، لكن الذي قد يتبادر إلى الذهن هي مسألة العمل، حيث إن هؤلاء اتجهوا إلى بيت المقدس وهؤلاء اتجهوا إلى الكعبة.
[فلبثوا بذلك برهةً من دهرهم، فلما أن داروا إلى الصلاة مسارعةً وانشرحت لها صدورهم أنزل الله فرض الزكاة في إيمانهم إلى ما قبلها، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:١١٠] وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار، وأعطوه ذلك بالألسنة، وأقاموا الصلاة غير أنهم ممتنعون من الزكاة كان ذلك مزيلاً لما قبله، وناقضاً للإقرار والصلاة، كما كان إباء الصلاة قبل ذلك ناقضاً لما تقدم من الإقرار.].
من فقه المصنف ﵀ أنه يعبر بالامتناع، وقد تقدم أن هناك فرقاً بين الامتناع وبين الترك، فإن الامتناع يقارنه إباءُ في القلب، بخلاف الترك؛ فإنه من جنس ترك الفساق، ولذا كان الممتنع من الصلاة كافراً بلا خلاف بين السلف، وكذلك الممتنع من الزكاة على شرط معروف فيه يأتي ذكره إن شاء الله، بخلاف التارك فهو محل نزاع كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 36
القتال الذي وقع في زمن أبي بكر ﵁
[والمصدق لهذا جهاد أبي بكر الصديق -رحمة الله عليه- بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة كجهاد رسول الله ﷺ أهل الشرك سواء، لا فرق بينها في سفك الدماء وسبي الذرية واغتنام المال، فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها].
حصل في زمن أبي بكر ﵁ القتال لثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: من ارتد عن أصل الإسلام، وأعلن الكفر بالله وبرسوله ..
فهؤلاء لا خلاف بين المسلمين أنهم كفار مرتدون.
الطائفة الثانية: من جحد وجوب الزكاة، ورأى أن الزكاة شريعة في حق رسول الله ﷺ ثم بعد ذلك لا زكاة في الإسلام، فهؤلاء أيضاً بالإجماع المتحقق أنهم كفار؛ لأنهم جحدوا واجباً معلوماً من الدين بالضرورة بعد قيام الحجة عليهم.
الطائفة الثالثة: من لم يظهر جحد وجوب الزكاة، وإنما منعوا أداءها، وهم أهل شوكة ومنعة -أي: أهل قتال-.
وهذه الطائفة يقرر جمهور الفقهاء المتأخرين من أصحاب الأئمة -بعد طبقة الأئمة الكبار، والقرون الثلاثة الفاضلة- في كتب الفقه أنها طائفة باغية، وليست طائفةً مرتدة، وممن ذكر هذا وكرره ونسبه إلى الجمهور من الفقهاء الخطابي والنووي رحمهما الله وغيرهما، وهو موجود في كتب الفقه للمذاهب الأربعة.
ونزع جملة من فقهاء المذاهب الأربعة -وهم المحققون في مذاهب أئمتهم- إلى أن هؤلاء مرتدون.
أما قول السلف الأول في شأن هؤلاء فإن المشهور، والذي عليه التقرير في نقل أقوال المتقدمين من السلف أنهم كانوا ينزعون إلى أن هذه الطائفة طائفةٌ مرتدة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد اتفق الصحابة والأئمة من بعدهم على قتال مانعي الزكاة، وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة، ولهذا كانوا مرتدين وهم يقاتلون على منعها، وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله".
وقد غلَّط الإمام ابن تيمية طائفة من الفقهاء كـ الخطابي وغيره فيما قرروه من أن هؤلاء قوم بغاة.
وبهذا يظهر عدم وجود إجماع صريح على أن الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة كافرة، لكن هذا هو المتقرر في كلام المتقدمين؛ فإنه لم ينضبط عن أحد من المتقدمين أنه جعل هذه الطائفة ليست طائفة مرتدة.
وقد أشار المصنف ﵀ عند ذكر قصة أبي بكر ومراجعة عمر له إلى الإجماع بقوله: "والمصدق لهذا جهاد أبي بكر الصديق -رحمة الله عليه- بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة، كجهاد رسول الله ﷺ أهل الشرك سواء".
فهو التمس هذا الإجماع التماساً من القصة، لكن الإجماع الذي أشرت إلى أنه لم يصرح به عند المتقدمين: هو الإجماع الذي عليه تواردُ الكبار حتى تكون المسألة لا تحتاج إلى نظر، كإجماعهم على أن الإيمان قول وعمل
أما أن بعض المتقدمين فقه من القصة وجه إجماع عند الصحابة فذكره فهذا موجود، ومن أَخَصِ من ذكر هذا المصنف ﵀.
فكون هؤلاء الممتنعون أهلَ ردة هذا هو المعروف في كلام المتقدمين من السلف كـ مالك وأحمد والأوزاعي وأمثالهم، وهو المذهب الصحيح.
стр. 37
حكم تارك الزكاة
أما مسألة هل يكفر تارك الزكاة أو لا يكفر فإنها مسألة نزاع، ولو سلِّم أن هذه الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة كافرة بإجماع متحقق؛ فإنه لا يلزم من هذا أن ترك الزكاة يكون كفراً؛ لأن هذه الطائفة ليس أمرها في ترك الزكاة فحسب، بل أمرها في اجتماع ترك الزكاة مع الامتناع والقتال.
وللأئمة أقوال في كفر تارك الزكاة:
القول الأول: أن ترك الزكاة كفر، ولو كان التارك فرداً من المسلمين، فلو أن شخصاً واحداً وجبت عليه زكاة ماله فترك الزكاة، ولم يؤد من ماله زكاة إلى أن توفي؛ فإنهم يجعلون تركه للزكاة وهجره لها كفراً مخرجاً من الملة، فيوافي ربه بالكفر على هذا الافتراض، ومن هنا يمكن أن يقام عليه حد الكفر إذا حقق عليه قضاءً
إلى غير ذلك.
وهذا المذهب مذهبُ ضعيف، وقد نسب إلى ابن عباس، وإن كان لم ينضبط صحةً عنه، ونسب إلى سعيد بن جبير وبعض كبار فقهاء الحجاز؛ ولهم دلائل على ذلك ليس هذا موضع تفصيلها، لكن أخص ما يستدلون به أن الله ذكر الصلاة والزكاة في القرآن على الاقتران، وهذا وجه ليس بلازم.
القول الثاني: أن ترك الزكاة ليس كفراً.
وهذا المذهب عليه طائفة من الفقهاء، وهو المشهور في مذهب مرجئة الفقهاء ابتداءً، وعليه غيرهم من الفقهاء.
القول الثالث: أن ترك الزكاة ليس كفراً إلا إذا قاتل عليه، وهذه هي الرواية الراجحة في مذهب الإمام أحمد ﵀، وهو الصحيح.
وأخص ما يستدل به كثير من الفقهاء الذين ينتصرون لعدم كفر غير المقاتل حديث أبي هريرة في الصحيحين، فقد قال النبي ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها ...) إلخ، وفيه قول النبي ﷺ : (فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار) وهو دليل على أنه ليس من الكفار، بل من أهل الوعيد.
وهذا وجه صريح في الاستدلال من جهة السنة، وهناك وجه صريح من القرآن أن هذا مؤمن بالله ورسوله، ومصدق، ومصلِّ، ومؤمن بالله وملائكته ..
إلخ فلا يكون كافراً، وهذا الوجه ذكره الإمام مالك ﵀ لما سئل عن مسألة ترك الزكاة.
وبهذا يتبين أن السلف كانوا يفرقون بين حال من قاتل أبو بكر ﵁ وبين حال من ترك الزكاة من الآحاد؛ فإن الإمام مالكاً يذهب إلى أن تارك الزكاة من الآحاد لا يكفر، ومع ذلك هو نفسه يذهب إلى أن من قاتلهم الصديق كانوا كفاراً مرتدين؛ مما يدل على أن ثمة تفريقاً عند السلف بين ترك الزكاة كآحاد وبين الذين قاتلهم الصديق من الممتنعين المنابذين لحجج الإسلام في القرآن والسنة، والتي استدل بها على وجوب دفع الزكاة
إلى غير ذلك، فهذه القرائن المجتمعة الظاهرة تدل على إباءٍ في القلب.
إذاً: تارك الزكاة إذا كان ممتنعاً يكون كافراً؛ ولذلك من دعي قضاءً إلى فعل الزكاة فامتنع عن أدائها، حتى قيل له: إن عقوبتك القتل ثم صبر على السيف؛ فإن هذا لا يكون إلا عن جحد وإباء، كما أن من دعي إلى الصلاة فلم يصلِّ حتى قتل فبالقطع أن هذا لا يقتل إلا كافراً مرتداً؛ لأنه يمتنع أن عاقلاً يصبر على السيف من غير كفر وارتداد وتكذيب في باطنه لهذا الحكم أو ذاك.
هذا ملخص لمسألة قتال الصديق ﵁ لمانعي الزكاة، وما فيها من الخلاف بين المتأخرين والمتقدمين.
وهذا يدل على أن ثمة مسائل قد يحكي المتأخرون فيها مذهباً هو الشائع عند جمهورهم، ويكون مذهب الجمهور من المتقدمين على خلافه.
وعلى هذا ليس بلازم أن جمهور المتأخرين يوافقون جمهور المتقدمين، بل قد يكون العكس.
وقد تقدم أنه لم ينضبط عن أحد من السلف أنه صرح أن قتال الصديق لهؤلاء ليس قتال ردة، ومع ذلك لا يعتبر هذا الإجماع إجماعاً قطعياً ..
لكن قد صرح بعض الأئمة كالمصنف وغيره بكونه إجماعاً كفهمٍ في الإجماع، والله أعلم.
стр. 38
شرح كتاب الإيمان [٤]
من الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على بطلان قول مرجئة الفقهاء في الإيمان: أن الشرائع في دين الإسلام كلما نزل شيء منها ألحق باسم الإيمان، كما أنهم يردون على قولهم بعدم زيادة الإيمان ونقصه بأن الإيمان ذكر مطلقاً ومقيداً، وذكره بهذه الصورة دليل على زيادته ونقصه؛ لأن الله أثبت أصله دون الإسلام أو العمل في مقام، وذكره على التمام والكمال في مقام آخر.
стр. 39
من الأدلة على أن الإيمان قول وعمل: أنه كلما نزلت شريعة التحقت باسم الإيمان
قال المصنف ﵀: [ثم كذلك كانت شرائع الإسلام كلها، كلما نزلت شريعة صارت مضافة إلى ما قبلها لاحقة به، ويشملها جميعاً اسم الإيمان فيقال لأهله: مؤمنون].
قوله ﵀: (ثم كذلك كانت شرائع الإسلام كلها) هذا إلحاق بما ذكره في شأن مسألة الزكاة، وهو لا يريد بهذا أن كل شرائع الإسلام تعطى الحكم الذي ذكره في مسألة الزكاة وقتال أبي بكر لمانعيها، وإنما مراده أن الإيمان ابتدأ بذكر الشهادتين، ثم كلما نزلت شريعة من الشرائع فإنها تكون داخلة في مسماه.
أما أن الشريعة الواحدة إذا تركها قوم، وقاتلوا على تركها، وامتنعوا عنها يكفرون بذلك فإن هذا ليس مراداً له؛ فإن هذا أمرٌ اختص بمسألة الزكاة وأمثالها من المسائل الكبار.
وأما ما دونها من المسائل فإن هذا الحكم لا يلزم أن يكون مطرداً فيها.
[وهذا هو الموضع الذي غلط فيه من ذهب إلى أن الإيمان بالقول، لما سمعوا تسمية الله إياهم مؤمنين، أوجبوا لهم الإيمان كله بكماله، كما غلطوا في تأويل حديث النبي ﷺ حين سئل عن الإيمان ما هو؟ فقال: (أن تؤمن بالله ..) وكذا وكذا، وحين سأله الذي عليه رقبة مؤمنة عن عتق العجمية فأمر بعتقها وسماها مؤمنة، وإنما هذا على ما أعلمتك من دخولهم في الإيمان، ومن قبولهم وتصديقهم بما نزل منه، وإنما كان ينزل متفرقاً كنزول القرآن].
هذا كله تقرير لاستدلاله الأول: أنه كلما نزلت شريعة من الشرائع التحقت باسم الإيمان.
وهو بهذه الطريقة يشير إلى أصل عند المرجئة في الجملة -من الفقهاء وغيرهم- في تقريرهم لمسألة الإيمان، وهو أنهم اعتبروا ظاهر جملة من النصوص النبوية وكذلك جملة من الآيات القرآنية التي فيها ذكر الإيمان قبل ورود العمل، فقالوا: إن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] فأثبت لهم الإيمان قبل ثبوت العمل، فإن المدعو إلى فعل العمل ثبت له الاسم قبل فعل العمل.
وقد سبق تقرير استدلال السلف بهذا النوع من الآيات -وهي آيات النداء-.
ومن هنا نقول: إن كثيراً من الآيات في باب الإيمان هي محل تردد من جهة الاستدلال بين أئمة السلف وبين المرجئة، والفقهاء هم أخص طوائف المرجئة استدلالاً بآيات القرآن، بمعنى أن مرجئة الفقهاء -كـ حماد ومن وافقه من المتقدمين من الفقهاء- ما كانوا يستعملون في الاستدلال على قولهم الجمل الكلامية أو الأصول الكلامية النظرية التي أدخلها غلاة المرجئة فيما بعد، إنما كانوا يعتبرون بعض ظواهر النصوص.
وأما الجواب عن قول المرجئة: إن الله ناداهم باسم الإيمان قبل فعلهم العمل؛ فدل على ثبوته قبل ذلك.
فيقال: هذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فإنه بإجماع أهل السنة وبإجماع أئمة السلف المخالفين لأئمة المرجئة من الفقهاء وغيرهم، أن الناس قبل فعلهم العمل -الذي ابتدأ ذكره بخطاب مختص- على الإيمان، وإنما الاعتبار بتحقيق هذا الأمر بعد وروده، فمن حققه فقد استكمل الإيمان وزاد إيمانه، ومن لم يحقق الأمر؛ فإن كان الأمر في الأصول فتركه فقد ترك أصل الإيمان، وإن كان من مسائل الفروع فتركه فقد نقص إيمانه.
وعلى هذا يمكن القول من وجه آخر: إن استدلال المرجئة فرع -وقد أشار إلى هذا المصنف- عن قولهم: إن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص.
стр. 40
استعمال الإيمان مطلقاً ومقيداً
وهنا قاعدة تطرد، وبها يعرف الجواب عن آيات الإيمان وأحاديثه في كلام الله ورسوله ﷺ ، وهي: أن الإيمان يستعمل مطلقاً ويستعمل مقيداً، فإذا استعمل مطلقاً أريد به مراد، وإذا استعمل مقيداً أريد به مراد، والمرادان وإن اختلفا باعتبار السياقين إلا أن اختلافهما لا يستلزم اختلاف المراد بمسمى الإيمان في الشرع.
والمقصود باستعماله مطلقاً هو ذكره على وجه الإطلاق، إما بذكره باسم الإيمان أو بذكره صفة للمؤمنين.
فمن الأول: قوله ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه وأصله في البخاري: (الإيمان بضع وسبعون شعبة)، وقوله ﷺ في حديث وفد عبد القيس وهو في الصحيحين: (الإيمان: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم)
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]
والمراد بالإيمان في هذا الاستعمال -أي: المطلق- الدين؛ فإن اسم الإيمان في السياقات السابقة تدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة.
مثلاً: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] هذا تحقيق للإيمان في القلب.
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً﴾ [الأنفال:٢]
وقوله : (زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً) هذا الإطلاق يشمل الظاهر والباطن.
وقوله : ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] هذا من مسائل القلب.
ثم قوله : ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣] هذا من مسائل العمل.
فهذا بيان كون الإيمان قولاً وعملاً.
وأما الاستعمال المقيد فهو: أن يقترن بذكر اسم الإيمان اسم الإسلام أو العمل.
فمن الأول: قول الله تعالى: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] وتفريق النبي ﷺ في حديث جبريل بينهما.
ومن الثاني: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [الكهف:١٠٧]
وهذا الاستعمال يراد به وجه من الاختصاص، كأن يراد به أصل الإيمان الذي هو القلب، وهو الإيمان الذي ذكر مع الإسلام في قول الله تعالى: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] فمن صريح السياق أن الإيمان أشرف من الإسلام، وإنما أريد بالإسلام هنا الظاهر من الأعمال؛ ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤].
فإذا استعمل الإيمان في الكتاب أو السنة مقيداً فإن ما قارنه أو قيده -وهو الإسلام أو العمل الصالح- يكون خارجاً عن مسماه -أي: عن مسمى الإيمان- في هذا السياق وإن كان لازماً له، وخروجه عن مسماه في هذا السياق لا يستلزم خروجه عن مسماه في سائر السياقات، والدليل على أنه لا يستلزم: أن الله أدخل الأعمال الصالحة في الإيمان في ذكر الإيمان المطلق؛ فخروجه عن مسماه في هذا السياق لا يستلزم الخروج في سائر السياقات، فضلاً عن الحقيقة الإيمانية الشرعية التي هي مراد الله ورسوله ﷺ ، والتي هي مجموع السياقات المطلقة والمقيدة.
وهذا الأصل من فقهه بان له تفصيل السلف في هذه المسألة، وبان له أن غلط المرجئة من عدم فقههم لهذا الأصل.
وهذا الأصل هو الطريق المحقق في هذه المسألة، ويتفرع عنه أن الإيمان له أصل وله كمال، وأنه يزيد وينقص.
следующие страницы →