← Акыда

Акыда · id 37780

شرح كتاب الإيمان - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (115 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

القتال الذي وقع في زمن أبي بكر ﵁ [والمصدق لهذا جهاد أبي بكر الصديق -رحمة الله عليه- بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة كجهاد رسول الله ﷺ أهل الشرك سواء، لا فرق بينها في سفك الدماء وسبي الذرية واغتنام المال، فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها]. حصل في زمن أبي بكر ﵁ القتال لثلاث طوائف: الطائفة الأولى: من ارتد عن أصل الإسلام، وأعلن الكفر بالله وبرسوله .. فهؤلاء لا خلاف بين المسلمين أنهم كفار مرتدون. الطائفة الثانية: من جحد وجوب الزكاة، ورأى أن الزكاة شريعة في حق رسول الله ﷺ ثم بعد ذلك لا زكاة في الإسلام، فهؤلاء أيضاً بالإجماع المتحقق أنهم كفار؛ لأنهم جحدوا واجباً معلوماً من الدين بالضرورة بعد قيام الحجة عليهم. الطائفة الثالثة: من لم يظهر جحد وجوب الزكاة، وإنما منعوا أداءها، وهم أهل شوكة ومنعة -أي: أهل قتال-. وهذه الطائفة يقرر جمهور الفقهاء المتأخرين من أصحاب الأئمة -بعد طبقة الأئمة الكبار، والقرون الثلاثة الفاضلة- في كتب الفقه أنها طائفة باغية، وليست طائفةً مرتدة، وممن ذكر هذا وكرره ونسبه إلى الجمهور من الفقهاء الخطابي والنووي رحمهما الله وغيرهما، وهو موجود في كتب الفقه للمذاهب الأربعة. ونزع جملة من فقهاء المذاهب الأربعة -وهم المحققون في مذاهب أئمتهم- إلى أن هؤلاء مرتدون. أما قول السلف الأول في شأن هؤلاء فإن المشهور، والذي عليه التقرير في نقل أقوال المتقدمين من السلف أنهم كانوا ينزعون إلى أن هذه الطائفة طائفةٌ مرتدة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد اتفق الصحابة والأئمة من بعدهم على قتال مانعي الزكاة، وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة، ولهذا كانوا مرتدين وهم يقاتلون على منعها، وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله". وقد غلَّط الإمام ابن تيمية طائفة من الفقهاء كـ الخطابي وغيره فيما قرروه من أن هؤلاء قوم بغاة. وبهذا يظهر عدم وجود إجماع صريح على أن الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة كافرة، لكن هذا هو المتقرر في كلام المتقدمين؛ فإنه لم ينضبط عن أحد من المتقدمين أنه جعل هذه الطائفة ليست طائفة مرتدة. وقد أشار المصنف ﵀ عند ذكر قصة أبي بكر ومراجعة عمر له إلى الإجماع بقوله: "والمصدق لهذا جهاد أبي بكر الصديق -رحمة الله عليه- بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة، كجهاد رسول الله ﷺ أهل الشرك سواء". فهو التمس هذا الإجماع التماساً من القصة، لكن الإجماع الذي أشرت إلى أنه لم يصرح به عند المتقدمين: هو الإجماع الذي عليه تواردُ الكبار حتى تكون المسألة لا تحتاج إلى نظر، كإجماعهم على أن الإيمان قول وعمل أما أن بعض المتقدمين فقه من القصة وجه إجماع عند الصحابة فذكره فهذا موجود، ومن أَخَصِ من ذكر هذا المصنف ﵀. فكون هؤلاء الممتنعون أهلَ ردة هذا هو المعروف في كلام المتقدمين من السلف كـ مالك وأحمد والأوزاعي وأمثالهم، وهو المذهب الصحيح.

стр. 37

حكم تارك الزكاة أما مسألة هل يكفر تارك الزكاة أو لا يكفر فإنها مسألة نزاع، ولو سلِّم أن هذه الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة كافرة بإجماع متحقق؛ فإنه لا يلزم من هذا أن ترك الزكاة يكون كفراً؛ لأن هذه الطائفة ليس أمرها في ترك الزكاة فحسب، بل أمرها في اجتماع ترك الزكاة مع الامتناع والقتال. وللأئمة أقوال في كفر تارك الزكاة: القول الأول: أن ترك الزكاة كفر، ولو كان التارك فرداً من المسلمين، فلو أن شخصاً واحداً وجبت عليه زكاة ماله فترك الزكاة، ولم يؤد من ماله زكاة إلى أن توفي؛ فإنهم يجعلون تركه للزكاة وهجره لها كفراً مخرجاً من الملة، فيوافي ربه بالكفر على هذا الافتراض، ومن هنا يمكن أن يقام عليه حد الكفر إذا حقق عليه قضاءً إلى غير ذلك. وهذا المذهب مذهبُ ضعيف، وقد نسب إلى ابن عباس، وإن كان لم ينضبط صحةً عنه، ونسب إلى سعيد بن جبير وبعض كبار فقهاء الحجاز؛ ولهم دلائل على ذلك ليس هذا موضع تفصيلها، لكن أخص ما يستدلون به أن الله ذكر الصلاة والزكاة في القرآن على الاقتران، وهذا وجه ليس بلازم. القول الثاني: أن ترك الزكاة ليس كفراً. وهذا المذهب عليه طائفة من الفقهاء، وهو المشهور في مذهب مرجئة الفقهاء ابتداءً، وعليه غيرهم من الفقهاء. القول الثالث: أن ترك الزكاة ليس كفراً إلا إذا قاتل عليه، وهذه هي الرواية الراجحة في مذهب الإمام أحمد ﵀، وهو الصحيح. وأخص ما يستدل به كثير من الفقهاء الذين ينتصرون لعدم كفر غير المقاتل حديث أبي هريرة في الصحيحين، فقد قال النبي ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها ...) إلخ، وفيه قول النبي ﷺ : (فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار) وهو دليل على أنه ليس من الكفار، بل من أهل الوعيد. وهذا وجه صريح في الاستدلال من جهة السنة، وهناك وجه صريح من القرآن أن هذا مؤمن بالله ورسوله، ومصدق، ومصلِّ، ومؤمن بالله وملائكته .. إلخ فلا يكون كافراً، وهذا الوجه ذكره الإمام مالك ﵀ لما سئل عن مسألة ترك الزكاة. وبهذا يتبين أن السلف كانوا يفرقون بين حال من قاتل أبو بكر ﵁ وبين حال من ترك الزكاة من الآحاد؛ فإن الإمام مالكاً يذهب إلى أن تارك الزكاة من الآحاد لا يكفر، ومع ذلك هو نفسه يذهب إلى أن من قاتلهم الصديق كانوا كفاراً مرتدين؛ مما يدل على أن ثمة تفريقاً عند السلف بين ترك الزكاة كآحاد وبين الذين قاتلهم الصديق من الممتنعين المنابذين لحجج الإسلام في القرآن والسنة، والتي استدل بها على وجوب دفع الزكاة إلى غير ذلك، فهذه القرائن المجتمعة الظاهرة تدل على إباءٍ في القلب. إذاً: تارك الزكاة إذا كان ممتنعاً يكون كافراً؛ ولذلك من دعي قضاءً إلى فعل الزكاة فامتنع عن أدائها، حتى قيل له: إن عقوبتك القتل ثم صبر على السيف؛ فإن هذا لا يكون إلا عن جحد وإباء، كما أن من دعي إلى الصلاة فلم يصلِّ حتى قتل فبالقطع أن هذا لا يقتل إلا كافراً مرتداً؛ لأنه يمتنع أن عاقلاً يصبر على السيف من غير كفر وارتداد وتكذيب في باطنه لهذا الحكم أو ذاك. هذا ملخص لمسألة قتال الصديق ﵁ لمانعي الزكاة، وما فيها من الخلاف بين المتأخرين والمتقدمين. وهذا يدل على أن ثمة مسائل قد يحكي المتأخرون فيها مذهباً هو الشائع عند جمهورهم، ويكون مذهب الجمهور من المتقدمين على خلافه. وعلى هذا ليس بلازم أن جمهور المتأخرين يوافقون جمهور المتقدمين، بل قد يكون العكس. وقد تقدم أنه لم ينضبط عن أحد من السلف أنه صرح أن قتال الصديق لهؤلاء ليس قتال ردة، ومع ذلك لا يعتبر هذا الإجماع إجماعاً قطعياً .. لكن قد صرح بعض الأئمة كالمصنف وغيره بكونه إجماعاً كفهمٍ في الإجماع، والله أعلم.

стр. 38

شرح كتاب الإيمان [٤] من الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على بطلان قول مرجئة الفقهاء في الإيمان: أن الشرائع في دين الإسلام كلما نزل شيء منها ألحق باسم الإيمان، كما أنهم يردون على قولهم بعدم زيادة الإيمان ونقصه بأن الإيمان ذكر مطلقاً ومقيداً، وذكره بهذه الصورة دليل على زيادته ونقصه؛ لأن الله أثبت أصله دون الإسلام أو العمل في مقام، وذكره على التمام والكمال في مقام آخر.

стр. 39

من الأدلة على أن الإيمان قول وعمل: أنه كلما نزلت شريعة التحقت باسم الإيمان قال المصنف ﵀: [ثم كذلك كانت شرائع الإسلام كلها، كلما نزلت شريعة صارت مضافة إلى ما قبلها لاحقة به، ويشملها جميعاً اسم الإيمان فيقال لأهله: مؤمنون]. قوله ﵀: (ثم كذلك كانت شرائع الإسلام كلها) هذا إلحاق بما ذكره في شأن مسألة الزكاة، وهو لا يريد بهذا أن كل شرائع الإسلام تعطى الحكم الذي ذكره في مسألة الزكاة وقتال أبي بكر لمانعيها، وإنما مراده أن الإيمان ابتدأ بذكر الشهادتين، ثم كلما نزلت شريعة من الشرائع فإنها تكون داخلة في مسماه. أما أن الشريعة الواحدة إذا تركها قوم، وقاتلوا على تركها، وامتنعوا عنها يكفرون بذلك فإن هذا ليس مراداً له؛ فإن هذا أمرٌ اختص بمسألة الزكاة وأمثالها من المسائل الكبار. وأما ما دونها من المسائل فإن هذا الحكم لا يلزم أن يكون مطرداً فيها. [وهذا هو الموضع الذي غلط فيه من ذهب إلى أن الإيمان بالقول، لما سمعوا تسمية الله إياهم مؤمنين، أوجبوا لهم الإيمان كله بكماله، كما غلطوا في تأويل حديث النبي ﷺ حين سئل عن الإيمان ما هو؟ فقال: (أن تؤمن بالله ..) وكذا وكذا، وحين سأله الذي عليه رقبة مؤمنة عن عتق العجمية فأمر بعتقها وسماها مؤمنة، وإنما هذا على ما أعلمتك من دخولهم في الإيمان، ومن قبولهم وتصديقهم بما نزل منه، وإنما كان ينزل متفرقاً كنزول القرآن]. هذا كله تقرير لاستدلاله الأول: أنه كلما نزلت شريعة من الشرائع التحقت باسم الإيمان. وهو بهذه الطريقة يشير إلى أصل عند المرجئة في الجملة -من الفقهاء وغيرهم- في تقريرهم لمسألة الإيمان، وهو أنهم اعتبروا ظاهر جملة من النصوص النبوية وكذلك جملة من الآيات القرآنية التي فيها ذكر الإيمان قبل ورود العمل، فقالوا: إن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] فأثبت لهم الإيمان قبل ثبوت العمل، فإن المدعو إلى فعل العمل ثبت له الاسم قبل فعل العمل. وقد سبق تقرير استدلال السلف بهذا النوع من الآيات -وهي آيات النداء-. ومن هنا نقول: إن كثيراً من الآيات في باب الإيمان هي محل تردد من جهة الاستدلال بين أئمة السلف وبين المرجئة، والفقهاء هم أخص طوائف المرجئة استدلالاً بآيات القرآن، بمعنى أن مرجئة الفقهاء -كـ حماد ومن وافقه من المتقدمين من الفقهاء- ما كانوا يستعملون في الاستدلال على قولهم الجمل الكلامية أو الأصول الكلامية النظرية التي أدخلها غلاة المرجئة فيما بعد، إنما كانوا يعتبرون بعض ظواهر النصوص. وأما الجواب عن قول المرجئة: إن الله ناداهم باسم الإيمان قبل فعلهم العمل؛ فدل على ثبوته قبل ذلك. فيقال: هذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فإنه بإجماع أهل السنة وبإجماع أئمة السلف المخالفين لأئمة المرجئة من الفقهاء وغيرهم، أن الناس قبل فعلهم العمل -الذي ابتدأ ذكره بخطاب مختص- على الإيمان، وإنما الاعتبار بتحقيق هذا الأمر بعد وروده، فمن حققه فقد استكمل الإيمان وزاد إيمانه، ومن لم يحقق الأمر؛ فإن كان الأمر في الأصول فتركه فقد ترك أصل الإيمان، وإن كان من مسائل الفروع فتركه فقد نقص إيمانه. وعلى هذا يمكن القول من وجه آخر: إن استدلال المرجئة فرع -وقد أشار إلى هذا المصنف- عن قولهم: إن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص.

стр. 40

استعمال الإيمان مطلقاً ومقيداً وهنا قاعدة تطرد، وبها يعرف الجواب عن آيات الإيمان وأحاديثه في كلام الله ورسوله ﷺ ، وهي: أن الإيمان يستعمل مطلقاً ويستعمل مقيداً، فإذا استعمل مطلقاً أريد به مراد، وإذا استعمل مقيداً أريد به مراد، والمرادان وإن اختلفا باعتبار السياقين إلا أن اختلافهما لا يستلزم اختلاف المراد بمسمى الإيمان في الشرع. والمقصود باستعماله مطلقاً هو ذكره على وجه الإطلاق، إما بذكره باسم الإيمان أو بذكره صفة للمؤمنين. فمن الأول: قوله ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه وأصله في البخاري: (الإيمان بضع وسبعون شعبة)، وقوله ﷺ في حديث وفد عبد القيس وهو في الصحيحين: (الإيمان: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم) ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] والمراد بالإيمان في هذا الاستعمال -أي: المطلق- الدين؛ فإن اسم الإيمان في السياقات السابقة تدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة. مثلاً: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] هذا تحقيق للإيمان في القلب. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً﴾ [الأنفال:٢] وقوله : (زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً) هذا الإطلاق يشمل الظاهر والباطن. وقوله : ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] هذا من مسائل القلب. ثم قوله : ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣] هذا من مسائل العمل. فهذا بيان كون الإيمان قولاً وعملاً. وأما الاستعمال المقيد فهو: أن يقترن بذكر اسم الإيمان اسم الإسلام أو العمل. فمن الأول: قول الله تعالى: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] وتفريق النبي ﷺ في حديث جبريل بينهما. ومن الثاني: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [الكهف:١٠٧] وهذا الاستعمال يراد به وجه من الاختصاص، كأن يراد به أصل الإيمان الذي هو القلب، وهو الإيمان الذي ذكر مع الإسلام في قول الله تعالى: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] فمن صريح السياق أن الإيمان أشرف من الإسلام، وإنما أريد بالإسلام هنا الظاهر من الأعمال؛ ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]. فإذا استعمل الإيمان في الكتاب أو السنة مقيداً فإن ما قارنه أو قيده -وهو الإسلام أو العمل الصالح- يكون خارجاً عن مسماه -أي: عن مسمى الإيمان- في هذا السياق وإن كان لازماً له، وخروجه عن مسماه في هذا السياق لا يستلزم خروجه عن مسماه في سائر السياقات، والدليل على أنه لا يستلزم: أن الله أدخل الأعمال الصالحة في الإيمان في ذكر الإيمان المطلق؛ فخروجه عن مسماه في هذا السياق لا يستلزم الخروج في سائر السياقات، فضلاً عن الحقيقة الإيمانية الشرعية التي هي مراد الله ورسوله ﷺ ، والتي هي مجموع السياقات المطلقة والمقيدة. وهذا الأصل من فقهه بان له تفصيل السلف في هذه المسألة، وبان له أن غلط المرجئة من عدم فقههم لهذا الأصل. وهذا الأصل هو الطريق المحقق في هذه المسألة، ويتفرع عنه أن الإيمان له أصل وله كمال، وأنه يزيد وينقص.

стр. 41

إذا اقترن الإيمان بالعمل فهو من باب عطف الخاص على العام ويوجد جواب لبعض أهل السنة، وهو لا بأس به، لكنه ليس هو الجواب الراجح، حيث يقولون: إذا اقترن الإيمان بالعمل فإن هذا من باب عطف الخاص على العام، أي: إن المراد بالإيمان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧] القول والعمل. فإذا قيل لهم: فكيف قيل: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)؟ قالوا: هذا من باب عطف الخاص على العام كقولك: جاء الرجال وزيد. وهذا جواب لا بأس به، لكنه ليس هو الجواب الراجح؛ لأن المراد هنا: بيان أن الإيمان أصل، وأن له تماماً وكمالاً وهو الأعمال الصالحة، ولهذا رجح الإمام ابن تيمية ﵀ هذا الجواب في مقام التقييد، سواء قيد بالعمل أو قيد باسم الإسلام.

стр. 42

الرد على جميع فرق المرجئة والوعيدية بأن الإيمان يستعمل مطلقاً ومقيداً وهذا الفقه لكون الإيمان يستعمل مطلقاً ويستعمل مقيداً يحصل به الرد على جميع طوائف المرجئة والوعيدية؛ فإن الوعيدية اعتبروا من النصوص السياق المطلق، واستدلوا به على أن الله لا يسمي المؤمنين إلا وقد استكملوا الأعمال الظاهرة والباطنة. فمن يقرأ في كتب المعتزلة يجد أنهم إذا استدلوا على قولهم يستعملون قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] إلى أمثال ذلك. وإذا قيل: ما وجه هذا التنوع في كتاب الله وفي كلام الرسول ﷺ ؟ قيل: إنما تنوع ذكر الإيمان؛ لأن الإيمان ليس واحداً، ولهذا نقول: إنَّ ذكره مطلقاً وذكره مقيداً دليلٌ قاطع على كون الإيمان يزيد وينقص؛ لأن الله أثبت أصله دون الإسلام أو العمل في مقام، وفي مقام آخر ذكره على التمام والكمال. أما قول المصنف: "حين سئل عن الإيمان ما هو؟ فقال: (أن تؤمن بالله ...) فهو يشير إلى حديث جبريل، ولا شك أن النبي ﷺ لما ذكر الإيمان في حديث جبريل ذكره في القلب والاعتقاد، وهو الإيمان بالله وملائكته ... إلخ، فنقول: هذا السياق في ذكر الإيمان المقيد؛ لأنه قيد باسم الإسلام، ولهذا إذا ذكر الإيمان مقيداً فإنما يراد أصله. ومن تأمل آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ التي ذكرت الإيمان مقيداً إما باسم الإسلام وإما باسم العمل، يرى أن الإيمان يذكر في مورد الإيمان القلبي لا في مورد العمل، وهذا دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن له نقصاً وكمالاً، وهو دليل على الحقيقة التي سبق أن أشرنا إليها وهي أن أصل الإيمان في القلب، والسلف وإن قالوا: هو قول وعمل، وجعلوا العمل أصلاً في الإيمان إلا أنهم متفقون أن أصل الإيمان في القلب، وهو محل اتفاق بين السلف: أن أصل الإيمان في القلب.

стр. 43

استدلال المرجئة على مذهبهم بحديث الجارية والجواب عنه قال: "وحين سأله الذي عليه رقبة مؤمنة عن عتق العجمية" قوله هذا إشارة إلى حديث معاوية بن الحكم السلمي، وهو حديث رواه مسلم في صحيحه، في قصة معروفة في مجيء معاوية بن الحكم وما تحدث به من القول في الصلاة، فلما طاب له خلق الرسول ﷺ سأل النبي ﷺ عن مسائل، وكان بآخر مسائله أن قال: (وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوَّانية، فاطلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكةً. فأتيت رسول الله ﷺ فعظّم ذلك علي، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها. قال: فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة). وقد استدل بهذا الحديث المرجئة فقالوا: إن النبي ﷺ اكتفى للحكم بإيمانها بمجرد أنها شهدت أن الله في السماء وأنه رسول الله؛ فدل ذلك على أن الإيمان هو التصديق، أو كما يقول فقهاؤهم: فدل على أن العمل لا يدخل في الإيمان. وقد أجيب عن هذا الحديث بجوابين: الجواب الأول: أن لفظ "فإنها مؤمنة" فيه إعلال، ولهذا قال الإمام أحمد في بعض جواباته: "ليس جميع الناس يقولون: إنها مؤمنة" يقصد بذلك الرواة. الجواب الثاني: على التسليم بصحة هذا الحرف -وهو في مسلم كما تقدم- فإنه ليس مشكلاً، بل هو على القاعدة المطردة، لكن السؤال: هل يعد هذا السياق النبوي من سياق الإيمان المطلق أو من سياق الإيمان المقيد؟ الجواب: هذا السياق من سياق الإيمان المقيد. وقد يقول قائل: أين التقييد؛ فإنه لم يذكر الإسلام ولا العمل؟ الجواب: ليس بالضرورة أن يقتصر التقييد على هذين؛ فإن التقييد إما أن يكون بالأسماء، وإما أن يكون بالأحوال. وفي هذا الحديث المقام ليس مقام ثناء وتزكية، بل هو مقام إجراء لحكم من الأحكام الدنيوية، وهو العتاق. وإذا كان الإيمان في مقام إجراء الأحكام الدنيوية، فإنه يعتبر أصله ولا يعتبر كماله، وهذا إبانة لكون الإيمان له أصل وكمال، وإبانة لكونه يزيد وينقص، فقد قال الله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ومع ذلك اتفق الفقهاء: أن المراد بالإيمان هنا الأصل، ولهذا لو أعتق فاسقاً صح عتقه بإجماع أهل العمل. فقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] أي: معها أصل الإيمان. ويظهر هذا واضحاً عند التأمل في تدبير الشارع ﷺ للسياقات، ففي حديث سعد بن أبي وقاص -وهو في الصحيحين- الذي قال فيه: (قسم النبي قسماً فقلت: يا رسول الله! أعط فلاناً فإنه مؤمن. قال: فقال النبي ﷺ : أو مسلم. قال سعد: أقولها ثلاثاً ويرددها عليَّ ثلاثاً: أو مسلم. ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه، مخافة أن يكبه الله في النار) هنا السؤال: لماذا منع النبي ﷺ سعداً أن يسمي الرجل مؤمناً، وقد سمى ﷺ الجارية مؤمنة، مع أن الرجل الذي زكاه سعد بالقطع أنه يشهد أن الله في السماء وأن محمداً رسول الله، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا بقوله: (وغيره أحب إلي منه) فالرجل واضح أنه من المؤمنين بدليل تزكية سعد له وبدليل إقرار النبي لجملة تزكيته، وإبانته ﷺ بأن له قسطاً من محبته واختصاصه؟ الجواب: لأن المقام يختلف، ففي حديث الجارية المقام مقام تقييد بالحال، ولهذا إذا ذكر اسم الإيمان في مقام إجراء الأحكام الدنيوية كالإرث، والعتاق، والولاية وما إلى ذلك فإنه يعتبر أصله. وأما إذا اعتبر في مقام الثناء والتزكية، فإنه يعتبر بتمامه؛ ولذلك لما كان سعد ﵁ يريد بقوله: (يا رسول الله! أعط فلاناً فإنه مؤمن) أنه مزكى بالإيمان المحقق، أي أنه من أهل التقوى ومن أهل التحقيق، نهاه ﷺ ؛ لأن التزكية على هذا الإطلاق ليست مما قصد الشارع إلى إطلاقه. هذا هو وجه تعدد جوابه ﷺ أو تقريره في المقامين. فهذا الباب لابد من فقهه حتى لا يقع اختلاط في تقرير مسألة الإيمان وما يتعلق بها من الدلائل.

стр. 44

من الأدلة على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان [والشاهد لما نقول، والدليل عليه كتاب الله ﵎، وسنة رسول الله صلى الله عليه، فمن الكتاب قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] في مواضع من القرآن مثل هذا]. فهذا السياق من كتاب الله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣] يدل على أن الأعمال الظاهرة والباطنة تدخل في اسم الإيمان. [أفلست ترى أن الله ﵎ لم ينزل عليهم الإيمان جملة كما لم ينزل القرآن جملة؟ فهذه الحجة من الكتاب، فلو كان الإيمان مكملاً بذلك الإقرار ما كان للزيادة إذاً معنى ولا لذكرها موضع]. أي: لو كان الإيمان هو محض التصديق الأول لما أمكن زيادته ونقصانه، فلما ذكر الله في كتابه -كثيراً- أن الإيمان يزيد، وأن المؤمنين يزدادون إيماناً دل على أن جميع الشرائع تدخل فيه.

стр. 45

المتواتر والآحاد [وأما الحجة من السنة والآثار المتواترة في هذا المعنى من زيادات قواعد الإيمان بعضها بعد بعض]. مراده ﵀ بالتواتر: هو مراد من ذكر لفظ التواتر من الأئمة كـ الشافعي وأمثاله، فهم يريدون بمتواتر الآثار أو بمتواتر الحديث: ما استفاض وانضبط نقله عن النبي ﷺ ، وتلقاه أئمة الحديث بالقبول .. هذا هو المتواتر في مراد السلف، وهذا هو المتواتر في اقتضاء الشرع، وهذا هو المتواتر في العقل، وهو كثير في سنة النبي ﷺ ، وإن كان جملة مما يسمى متواتراً على هذا الوجه قد يكون أصله غريباً كحديث عمر بن الخطاب ﵁: (إنما الأعمال بالنيات) وهنا مسألة لا بد من الإشارة إليها، وهي: مسألة الآحاد والمتواتر، فإن القارئ لكلام المتقدمين يجد أن منهم -كالمصنف والشافعي - مَنْ يذكرون لفظ متواتر السنة أو متواتر الأثر وما إلى ذلك، وهؤلاء مرادهم بالمتواتر ما استفاض وانضبط نقله عن النبي ﷺ ، وتلقاه أئمة الحديث بالقبول، وإن كان أصله قد يكون غريباً أو ما إلى ذلك. وعليه فجميع أحاديث أصول الدين: كنزول الله إلى سماء الدنيا، وأحاديث الشفاعة، وأحاديث عذاب القبر وأمثاله .. هي عند السلف من المتواتر. وأما التقسيم الذي ذكر في بعض كتب المصطلح، وهو: أن السنة تنقسم إلى متواتر وآحاد. وأن المتواتر هو: ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، والآحاد: ما عدا المتواتر، فهذا التقسيم تقسيم بدعي باعتبار حده لا باعتبار لفظه، أما باعتبار لفظه فهو اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح. فإن من قال: السنة آحاد ومتواتر، والمتواتر: هو المستفيض، والآحاد: ما لم يستفض، أو المتواتر: هو ما أجمع على ثبوته، والآحاد: ما تردد في ثبوته عند أئمة الحديث .. فهذا التقسيم بهذا الحد لا يعارض؛ لأنه تقسيم على قدر من الاصطلاح والمعاني المناسبة. وأما إذا فسر المتواتر بما يوجد في بعض كتب الأصوليين، وكتب المصطلح المتأخرة، وهو: ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأن الآحاد: ما عدا المتواتر. وإذا تأمل الباحث تفصيل حدهم فإنه يجد أنهم قد اختلفوا في عدد الجماعة التي ذكروها في قولهم (ما رواه جماعة) وفي الغالب يستقرون على عشرة تقريباً، فيلزم أن الحديث لا يكون متواتراً عن رسول ﷺ إلا إذا رواه عن النبي ﷺ من الصحابة عشرة، ورواه عن كل واحد من العشرة عشرة، فتكون الطبقة الثانية مائة، ورواه عن كل واحد من المائة عشرة، فتكون الطبقة الثالثة فإذا فسر المتواتر بهذا فهذا حد أصله من المعتزلة، وهو من بدعهم التي أدخلوها على سنة النبي ﷺ . وقد كان الطعن في آحاد روايات الصحابة منهج متقدم بدأه الخوارج، لكن لما جاء نظّار المعتزل نظروه على هذه الطريقة، ثم دخل على كتب الأصوليين. فإن قال قائل: كيف دخل على كتب الأصوليين وهم يكتبون في أصول فقه الشريعة؟! قيل: لا عجب؛ لأن أكثر من كتب في أصول الفقه هم المتكلمون، وأصل مادة المتكلمين المعتزلة، وقدماء النظار من الجهمية والأشاعرة والماتريدية أخذوا علم الكلام عن هؤلاء؛ فإن أبا الحسن الأشعري إنما أخذ علم الكلام عن المعتزلة، فقد كان معتزلياً ما يقارب الأربعين سنة من عمره. إذاً لا عجب أن ترى هذا في كتب أصول الفقه كالمعتمد لـ أبي حسين البصري، فهو وإن كان حنفياً لكنه معتزلي، والبرهان لـ أبي المعالي الجويني، والمحصول لـ محمد بن عمر الرازي، والمستصفى لـ أبي حامد الغزالي وهؤلاء كلهم أشعرية شافعية، وهم غالون في علم الكلام، وإن كان الغزالي متصوفاً من وجه آخر، فهذا باب آخر أيضاً. وكذلك لا عجب أن يدخل هذا الكلام -أيضاً- على من نقل عنهم ممن يلخص كتب متكلمة أهل الأصول وإن لم يكن هو متكلماً، كـ الموفق ابن قدامة ﵀، فإن روضة الناظر في الجملة تلخيص من كتاب المستصفى لـ أبي حامد. وكذلك علماء المصطلح من الحفاظ المتأخرين الذين قد ابتعد كثير منهم عن علم الكلام إلا أنهم تأثروا بأصحابه، فإنهم وإن اختلفوا عن المتكلمين إلا أنهم يشتركون معهم في النسبة والصحبة الفقهية. ومثال ذلك: الحافظ ابن حجر، فهو ليس متكلماً ولا يقول بعلم الكلام، ويرى الميل إلى طرق السلف وآثارهم، لكنه شافعي متأثر بأصحابه الشافعية، الذين هم إما متكلمون أو على تأثر كبير بعلم الكلام. فالمقصود: أن هذا الحد بمعناه بدعة في الإسلام؛ لأن أصحابه -أعني علماء الكلام الذين اخترعوه- لم يكونوا من أهل الرواية؛ فإن علماء المعتزلة على ما فيهم من القوة في باب العقليات وأمثاله إلا أنهم لم يكونوا من علماء الرواية، فهم لم يعتبروا حقيقة هذا التقسيم، وهل هو مطابق لواقع السنة وروايتها أم لا؟ ولما جاء من تقلد هذا التقسيم من الحفاظ -كـ ابن حجر وابن الصلاح مثلاً- أرادوا أن يبحثوا له عن مثال من السنة يصدق عليه بحسب أوجه الرواية والأسانيد والطرق أنه حديث متواتر، فكلما أوردوا مثالاً انقطع عليهم، حتى قال بعض الحفاظ المتأخرين العارفين بمخارج الأحاديث وطرقها: إن هذا الحد ليس له مثال. ومنهم من يقول: له مثال أو مثالان. فنقول: هب أن له عشرة أمثلة، فإنه يلزم من هذا أن عامة سنة النبي ﷺ ليست متواترة، ونتيجة هذا أن عامة السنة تفيد الظن ولا تفيد العلم. وقد رتب المتكلمون على هذا أن الأحاديث الآحاد لا يعتد بها في العقائد، وحقيقة قولهم هي أن السنة لا يحتج بها في العقائد، وهذا تأخير لمقام النبوة والرسالة؛ لأنه يلزم منه أن النبي ﷺ ما بعث لتقرير مسائل أصول الدين. ولذا يجب إنكار هذا التعريف، وإن كان موجوداً في كتب ابن الصلاح وابن حجر رحمهما الله، فهؤلاء وإن كانوا أئمة حفاظ، لكن هذا التقسيم ليس من بنات فكرهم، بل هو تقسيم من النظار المتكلمين، وأصله من محدثات المعتزلة. أما المتواتر في كلام الأئمة: فهو ما انضبط نقله، وتلقاه أئمة الحديث -الذين لهم اعتبار في ضبط الرواية- بالقبول. وكثيراً ما يُرى الباحثون من أهل السنة وهم يجادلون المخالفين في مسألة الأحاديث المتواترة. فنقول: هب أننا لا نحتج بالآحاد، وهب أننا سلمنا أنه لا يحتج إلا بالمتواتر، فالسؤال لمن يقرر هذا الكلام: أين المتواتر؟ أين الأحاديث المتواترة في اليوم الآخر؟ أين الأحاديث المتواترة في عذاب القبر؟ أين الأحاديث المتواترة في صفات الله؟ أين الأحاديث المتواترة حتى في توحيد الألوهية؟ لكن إذا اعتبر التواتر على معنى السلف؛ فإن الأحاديث في باب توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، والصفات، والقبر، والشفاعة وأمثال ذلك تكون على هذه الطريقة جميعها متواترة.

стр. 46

من الأدلة على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان: حديث وفد عبد القيس [ففي حديث منها أربع، وفي آخر خمس، وفي الثالث تسع، وفي الرابع أكثر من ذلك. فمن الأربع، حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه: (أن وفد عبد القيس قدموا عليه فقالوا: يا رسول الله! إنا هذا الحي من ربيعة، وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر، فلسنا نخلص إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نعمل به وندعو إليه من وراءنا. فقال: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان -ثم فسره لهم-: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير) قال أبو عبيد: حدثناه عباد بن عباد المهلبي قال: حدثنا أبو جمرة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه بذلك]. هذا الحديث من رواية ابن عباس حديث متفق عليه، وقد أخرجه الإمام مسلم -أيضاً- في صحيحه من رواية أبي سعيد الخدري، وتفرد به. وهذا الحديث يعد من أشرف الأحاديث عند أهل السنة والجماعة في تقرير مسألة الإيمان ودخول العمل فيه، فهو صريح في أن النبي ﷺ فسر الإيمان هنا بما فسر به الإسلام في حديث جبريل ﵇، فإنه لما جاء وفد عبد القيس قال: (آمركم بالإيمان بالله وحدة؛ أتدرون ما الإيمان بالله وحدة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم) فلم يقل: أن تؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإنما قال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان). وعليه فمن قال من المرجئة -وهذا يقوله حتى فقهاؤهم-: إن دخول العمل في الإيمان هو من باب المجاز؛ يلزم منه أن النبي ﷺ لم يفسر الإيمان لهم هنا؛ لأن المعاني المجازية يصح نفيها! وهذا غلط متين في تقرير المرجئة لمسألة العمل ودخوله في الإيمان، فإنه يلزم منه تفريغ النصوص من حقائقها الشرعية، وأن النبي ﷺ في مثل هذا السياق لم يجبهم في تقرير مسألة الإيمان. إذاً: في ذكره ﷺ لهذه الخصال في تقرير اسم الإيمان إبانة لمسألتين: المسألة الأولى: أن العمل داخل في مسمى الإيمان. المسألة الثانية: أن العمل أصل في الإيمان؛ لأن الشارع لما فسر الاسم المطلق جعل مادة تفسيره بالعمل؛ فدل على أن العمل أصل فيه، ولا سيما أن القوم إنما سألوا عن الأصل اللازم الذي تقع به النجاة. فإن قيل: إذا كانوا قد سألوا عن الأصل اللازم فلم لم يبين لهم ﷺ المبدأ وهو تصديقات القلب؟ قيل: لأن القوم قد عرفوا أصول التصديق، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره فقد كانوا مسلمين، ولهذا أبان لهم الأصل الظاهر وهو العمل. أما قوله: (آمركم بأربع) ثم أمرهم بخمس .. فهذا مما تتجوز فيه العرب، وإنما أراد أن الأربع هي أصول الإيمان، وما زاد عليها فمن الشرائع، كقوله: (وأن تؤدوا خمس ما غنمتم). وقوله: (وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير) هذه منسوخة على الصحيح، وهو مذهب الجمهور وأصح الروايتين عن أحمد، فقد كان هذا التحريم في أول الأمر ثم نسخ بحديث بريدة ﵁: (نهيتكم عن الظروف، وإن ظرفاً لا يحل شيئاً ولا يحرمه، وكل مسكر حرام)

стр. 47

من الأدلة على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان حديث: (بني الإسلام على خمس) [ومن الخمس حديث ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت) قال أبو عبيد: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي عن حنظلة بن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر عن النبي ﷺ بذلك]. الاستدلال بهذا الحديث مما يدل على أن للمصنف إشارات فاضلة في الفقه، فإن وجه استدلاله بحديث ابن عمر في مباني الإسلام على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان -مع أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس) ولم يقل الإيمان؟ - هو أن الإسلام إذا أطلق في كتاب الله أريد به الإيمان، ولهذا لما قال ﷺ : (بني الإسلام على خمس) كان هذا اسماً للإسلام واسماً للإيمان. ولهذا لما ذكر الله الأنبياء ذكر إسلامهم، فقال تعالى عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] ومن هنا فضلت طوائف من المرجئة اسم الإسلام على الإيمان، وعللوا ذلك بأن إبراهيم ﵇ سأل ربه الإسلام ولم يسأله تحقيق الإيمان؛ فدل على أن اسم الإسلام أشرف. وهذا القول مجانب للصواب؛ لأن الإسلام المطلق يراد به الدين جميعه، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] وقد يستعمل لفظ الإسلام ويراد به الظاهر فقط من العمل، كقوله تعالى في الأعراب: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤].

стр. 48

من الأدلة على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان: حديث: (إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق) [ومن التسع: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق -قال أبو عبيد: "صوى" هي ما غلظ وارتفع من الأرض، واحدتها "صوة"- منها: أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام، ومن تركهن فقد ولى الإسلام ظهره). قال أبو عبيد: حدثنيه يحيى بن سعيد العطار عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن رجل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ]. هذا الكلام إبانةٌ لتعدد شرائع الإيمان كما هو في قول النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)؛ ففي هذا الحديث علق الشارع ﷺ اسم الإيمان بالقول، وذلك في قوله: (فأعلاها قول لا إله إلا الله). وبعمل القلب، كما في قوله: (والحياء شعبة من الإيمان) وبالعمل الظاهر، كما في قوله: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). وهذا الحديث فيه فضائل في تقرير مذهب السلف، وهو: أنه يمتنع تأويله بالمجاز؛ وذلك لأن الشارع ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) فجعل الواحدة من هذه الخصال شعبة مختصة لوحدها. وإذا كان الحياء شعبة من الإيمان وهو في القلب فمن باب أولى أن ما هو أجل منه من أعمال القلوب كالمحبة لله ورسوله، والخوف والرجاء وأمثال ذلك أنها أصول في الإيمان. وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق شعبة من الإيمان فمن باب أولى أن يكون ما فوقه من الواجبات -فضلاً عن المباني والأركان- من شعب الإيمان.

стр. 49

مسائل تتعلق بترك العمل وقد أشار المصنف في قوله: (ومن تركهن فقد ولى الإسلام ظهره) إلى مسائل يكثر الخلاف والنظر فيها، وهي ثلاث مسائل تتعلق بترك العمل: المسألة الأولى: اتفق أهل السنة والجماعة وعامة المسلمين على أن ترك آحاد الأعمال -أي: الأعمال المأمور بها- لا يوجب الكفر والخروج من الإيمان .. وهذا كقاعدة كلية مطردة، ولم يعارض في ذلك إلا الغلاة كالخوارج والمعتزلة. المسألة الثانية: من ترك جملة العمل -أي: من ترك جميع الأعمال الظاهرة، وهو ما يسمى في التعبير المعاصر بترك جنس العمل- هل يكون مؤمناً بما في قلبه أم أنه يكون كافراً بتركه هذا الأصل وهو الأعمال الظاهرة؟ هذه مسألة يأتي لها بحث إن شاء الله. المسألة الثالثة: ما يتعلق لا بترك جنس العمل ولا بترك مطلق آحاده، وإنما بالترك لأحد المباني الأربعة، والتي هي: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، مع الإقرار بوجوبها.

стр. 50

حكم ترك الصلاة السؤال هنا: هل يوجد إجماع للسلف على أن ترك أحد المباني الأربعة يكون كفراً وردةً وخروجاً من الإيمان .. إلى أمثال هذه العبارات؟ أجلُّ هذه المسائل الصلاة، فهل تركها مع الإقرار بوجوبها يكون كفراً؟ المسألة من جهة تحقق الإجماع أو عدم تحققه مسألة نزاع.

стр. 51

القول بأن ترك الصلاة كفر بالإجماع نص إسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـ إسحاق بن راهويه -وأيوب السختياني وجماعة على أن ثمة إجماعاً عند الأئمة على أن ترك الصلاة يعتبر كفراً، قال أيوب: "ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه". وقال إسحاق بن إبراهيم فيما رواه عنه محمد بن نصر المروزي وأبو عمر ابن عبد البر: "كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا: أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر". ومن هنا ذهب جملة من أصحاب أحمد، وبعض أهل العلم من المعاصرين إلى القول بأن ترك الصلاة كفر بالإجماع. وهذا القول -أي: القول بكون ترك الصلاة كفراً مجمعاً عليه بين الصحابة والأئمة من السلف- قولٌ ضعيف.

стр. 52

وجود الخلاف في حكم ترك الصلاة الصواب: أن المسألة ليس فيها إجماع عند السلف؛ لأن هذا الإجماع الذي ذكره إسحاق بن إبراهيم يعلم بالضرورة أنه ممتنع التحقق؛ فإن من يقولون بالإجماع أو من يكفرون تارك الصلاة لم يتفقوا على أن ترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها كفر وخروج من الملة، بل عامة أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين على خلاف هذا، وهو الذي تدل عليه سائر النصوص الصريحة. وعلى هذا يكون كلام إسحاق فيه تعذر، إلا إذا حمل كلامه على الامتناع، ولهذا من نقلوا كلام إسحاق نقلوه على وجهين: الوجه الأول: منهم من يرويه عنه بالوجه السابق. الوجه الثاني: ومنهم من يرويه عنه بقوله: "كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى زماننا هذا: أن تارك الصلاة عمداً من غير عذرٍ حتى يذهب وقتها كافر، إذا أبى من قضاءها، وقال: لا أصليها". فإذا حمل -أي قوله: وأبى قضاءها- على الممتنع فلا شك أن من ترك صلاةً ودعي إليها وامتنع عنها إلى حد القتل فإنه يكون كافراً؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: "من دعي إلى صلاة واحدةٍ أو أكثر فامتنع، فقيل: هذا حده القتل، فصبر على السيف، فهذا كافر باتفاق المسلمين؛ قال: لأنه يمتنع أن يكون قتل على الفسق. قال: وأما قول بعض أصحاب الأئمة الثلاثة أن هذا يقتل على الفسق فهذا غلط على الشريعة وعلى أئمتهم". وبهذا يكون الأظهر في هذا أن هذه المسألة مسألة نزاع بين السلف، وإن كان يمكن أن يقال: إن الجمهور من السلف كانوا يذهبون إلى أن تارك الصلاة كافر. لكن الخلاف معروف ومشهور ومضاف للأكابر كـ الزهري ومالك والشافعي، فضلاً عن مرجئة الفقهاء، لكن لا يذكر مرجئة الفقهاء هنا؛ لأن الإشكال في أصلهم، وإنما نريد هنا بالسلف الذين يقولون: الإيمان قول وعمل. وأما قول عبد الله بن شقيق: "لم يكن أصحاب النبي ﷺ يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" فهو أثر محفوظ عن عبد الله بن شقيق، لكنّ مالكاً والزهري وإن كانوا متأخرين عن عبد الله بن شقيق إلا أنهم أعلم بآثار الصحابة ﵃ وبسننهم وبهديهم من عبد الله بن شقيق، والزهري لا شك أنه فوق عبد الله بن شقيق بمراحل في ضبط آثار الصحابة ﵃، حتى إنه -كما قال الإمام ابن تيمية - لم يحفظ عليه غلط. فالمقصود: أن الأكابر كـ الزهري ومالك، وبعض أئمة المدينة، وبعض أئمة العراق ما كانوا يذهبون إلى أن تارك الصلاة كافر، وهذا يفيد أن هذه المسألة مسألة نزاع.

стр. 53

تنبيه على الكلام عن حكم ترك الصلاة وهنا ننبه إلى أنه قد يكون لدى بعض طلبة العلم عناية بقدر الصلاة وتعظيمها؛ فيحب أن ينزع إلى أن ترك الصلاة كفر بالإجماع، وأن المسألة مغلقة، وهذا ليس بلازم؛ لأن قول إسحاق لو أخذ على ظاهره للزم عنه تكفير كثير من المسلمين، يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "إن كثيراً من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس ولا هم بتاركيها بالجملة، بل يصلون أحياناً ويدعون أحياناً، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام". وكذلك كلام عبد الله بن شقيق يدل على أن هذا هو ظاهر مذهب الصحابة؛ لكن لا يدل على أن هذا إجماع متحقق للصحابة، وفرق بين المسألتين، فإن معنى القول بإنه إجماع متحقق معناه أنه لا يجوز الاستعلان بخلافه، ولو كان إجماعاً لما أمكن فواته على الزهري ومالك وأمثال هؤلاء، وكذلك اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵀ في مسألة تارك الصلاة هل يكفر أو لا يكفر، وإن كان الصحيح في مذهبه أن تارك الصلاة كافر، لكن جملة من محققي الحنابلة لا يذهبون إلى كفره، ويحققون أن هذا هو مذهب أحمد. فالمقصود أن هذه المسألة لها جهتان:- الجهة الأولى: تعظيم قدر الصلاة، وهذا لابد منه. الجهة الثانية: تعظيم ديانة المسلمين أيضاً، فلا ينبغي أن يفتات فيها بتسرع إلى درجة أن يقال: إن ترك الصلاة الواحدة يعد خروجاً من الملة، إلا إذا كان العالم قد بان له باجتهاد من الشريعة أن ترك صلاة واحدة يكون كفراً وخروجاً من الملة فأفتى بذلك فهذا اجتهاد قد سبق إليه أكابر من السلف والخلف، ولكن ليس من مقصود السنة والجماعة أن يقال: إن ترك الصلاة كفر بالإجماع.

стр. 54

ذكر الخلاف في حكم ترك الصلاة فإن قال قائل: ذكر الخلاف قد يهون من شأن الصلاة عند العامة أو عند من يتساهل بها. قيل: هنا قاعدة، وهي: أنه عند الحديث إلى العامة والسواد من المسلمين على المنبر وفي المجالس العامة يقال: قال النبي ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وليس من الفقه أن يقال -إذا كان القائل لا يرى كفر تارك الصلاة-: والصحيح أن هذا ليس من الكفر المطلق بل هو كفر دون كفر؛ فإن العامة والسواد من المسلمين يُحدثون بما كان الرسول يحدث به الصحابة؛ لأن حديثه ﷺ لم يكن للصحابة وحدهم، بل هو حديث للأمة جميعها. لكن إذا جاء مقام التحقيق أو وجد رجل قد مات وهو يترك بعض الصلوات، وردت مسائل: هل يغسل؟ هل يصلى عليه؟ هل يرث؟ هل يورث؟ هل يدعى له بالرحمة؟ هل يعد من المسلمين؟ .. فهذا مقام شديد أيضاً، وليس من السهولة أن يقال: من ترك صلاةً حتى خرج وقتها لا يصلى عليه، ولا يكفن، ولا يدفن في مقابر المسلمين أي: يعطى جملة أحكام الكفار. وقد استدل الموفق ابن قدامة ﵀ على أن ترك الصلاة ليس كفراً بالإجماع. فقال: "لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة تُرك تغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع ورثتُه ميراثَه، ولا منع من ميراث مورثه، ولا فرّق بين زوجين لترك صلاة من أحدهما، مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها". وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على هذا الاستدلال من الموفق وغيره من العلماء فقال: "إن كثيراً من يظن أن من قيل: هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث ولا يورث، ولا يناكح، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك". فهو يقرر أن هذا الاستدلال غلط من جملة من الفقهاء من أصحاب الأئمة؛ فقد فرضوا أن من قيل عنه: إنه مرتد أنه يلزم أن تطبق أحكام الردة الظاهرة عليه، والصحيح أن هذا غير لازم. فإن تطبيق أحكام الردة إنما يكون بحسب قيام الحجة، وفرق بين الكفر الذي يوافي العبد به الله، وبين الكفر الظاهر الذي تقوم عليه الحجة.

стр. 55

القول الراجح في حكم ترك الصلاة محصل مسألة ترك الصلاة أن ظاهر مذهب الصحابة أن ترك الصلاة كفر، ومن الممكن أن يقال على تقسيم الأصوليين للإجماع: إن هذا إجماع سكوتي للصحابة؛ لأن النقلة كـ عبد الله بن شقيق وغيره نقلوا أن الصحابة كانوا يذهبون إلى كفر تارك الصلاة، ولم ينضبط عن صحابي واحد أنه ذهب إلى أن تارك الصلاة ليس كافراً، أو أن ترك الصلاة ليس كفراً. فلهذا يمكن أن يقال: إن هذا قدر من الإجماع السكوتي، ولكن الإجماع السكوتي ليس حجةً قاطعة، وجملة كثيرة من المسائل على هذا القدر ولا تكون من المسائل القاطعة. هذا هو أقوى ما يقال في الإجماع على مسألة تارك الصلاة، أما أنه إجماع قطعي بمنزلة الإجماع على أن أفعال العباد مخلوقة، وأن الإيمان قول وعمل وأمثال ذلك فهذا ليس بصحيح، وإذا قيل: نقله إسحاق؛ قيل: خالف مالك. وإذا قيل: قال أيوب؛ قيل: خالف الزهري، والزهري أجلُّ من إسحاق وأيوب عند الأئمة ولا شك. وبهذا يظهر أن المسألة فيها قدر من الخلاف، وإن كان الراجح أن تارك الصلاة كافر، أما كفره فلحديث بريدة وجابر بن عبد الله، وغيرها من الأدلة.

стр. 56

مسألة حكم ترك الصلاة وعلاقتها بمذهب المرجئة هنا مسألة وهي: من لم يكفر تارك الصلاة، هل هذا أثر من المرجئة عليه؟ بعض من ينتصر بقوة لهذه المسألة يقول: إن من لم يكفر تارك الصلاة فقد دخل عليه الأثر من المرجئة. والصحيح عدم ذلك، فقد كان الزهري من أشد الناس على المرجئة، إلى درجة أنه في أحاديث الوعد كقوله ﷺ : (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) وغيره من الأحاديث، كان الزهري يذهب فيها إلى تأويل لم يوافقه عليه الجمهور من الأئمة. فقد كان يقول عن هذه الأحاديث التي علق النبي ﷺ فيها دخول الجنة على كلمة الشهادتين: "إنما كان هذا في أول الإسلام، قبل نزول الفرائض والأمر والنهي"، وهذا التأويل بعيد؛ لأن النبي ﷺ كان يحدث بهذه الأحاديث في المدينة النبوية. ولكن الزهري أجاب بهذا الجواب من باب إغلاق الرد على المرجئة؛ لأنه كان من أفطن الناس في مسألة الإرجاء والرد على أصحابها. لكن ننبه إلى أن هناك فرقاً بين من لم يكفر تارك الصلاة من الأئمة لكونه لم ير كفره بالأدلة، وبين من يقول إنه ليس بكافر؛ لأن الصلاة عمل، والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان .. ومن هنا يتبين أن هناك فرقاً بين ترك أبي حنيفة لتكفيره، وبين ترك مالك والشافعي لتكفيره، فترك مالك والشافعي اجتهاد، يقال عنه: إنه مرجوح، أما ترك أبي حنيفة لكفر تارك الصلاة فهو بدعة؛ لأنه بناه على أن الصلاة عمل، والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان. أي: من قال: إن ترك الصلاة ليس كفراً وكان معتبره أنها عمل والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان فهذه بدعة المرجئة، وإن كان معتبره أن الأدلة لم تظهر بذلك فهذا قولٌ مما يسوغ فيه الاجتهاد، وإن كان مرجوحاً ومخالفاً لظواهر النصوص.

стр. 57

حكم ترك الزكاة والصوم والحج إذا تحقق هذا في مسألة الصلاة فمسألة الصلاة والصوم والحج من باب أولى، بمعنى أنه ليس فيها إجماع. فالزكاة لم ينقل إمام من الأئمة الإجماع على كفر تاركها، بخلاف الممتنعة الذين قاتلهم الصديق؛ وهم شيء آخر، فإن من تركوا الزكاة وهم أهل شوكة ومنعة وامتنعوا وقاتلوا كفار، وأهل ردة كما هو ظاهر مذهب الصحابة، وقد حكي الإجماع عليه كما سبق. أما إذا ترك واحد من المسلمين الزكاة، ولم يحتسب عليه، فإن هذا الترك هل يعد كفراً وخروجاً من الملة أولا هذه مسألة نزاع، ولم يقل أحد من السلف أنها إجماع كمسألة الصلاة، وقد تقدم أن الأظهر أنه ليس بكافر إذا تركها لمجرد الترك، لحديث أبي هريرة: (فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار) ولغير ذلك من الأدلة. ومسألة الصوم من باب أولى؛ لأنه إذا لم يكفر بترك الزكاة فمن باب أولى مسألة الصوم، وإذا كانت مسألة الزكاة مسألة خلاف فمن باب أولى أن الصوم والحج مسائل خلاف. وعليه فالقدر المعتدل في هذه المسائل: أن ترك الصلاة كفر، وترك الزكاة كفر إن قاتل عليها، هذا هو ظاهر الأدلة، لكنها ليست من مسائل الإجماع.

стр. 58

حكم ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج جميعاً وهذا الحكم السابق مقولٌ في ترك آحاد المباني الأربعة، أما من جمع ترك المباني الأربعة:- بمعنى أنه تارك للصلاة، تارك للزكاة، تارك للصوم، تارك للحج- فإن هذا لا يكون إلا عن كفر، ولهذا لا يمكن أن يقال أن مالكاً ﵀ الذي لا يذهب إلى كفر تارك الصلاة لا يذهب إلى كفر من جمع ترك المباني الأربعة .. وإن كان هذا تخريجاً لبعض أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي على مذهبهما في تارك الصلاة، ولكن هذا التخريج ليس بصحيح؛ لأنه يعلم بالشرع والعقل أن من ترك الصلاة وحدها ليس كمن تركها وجمع معها ترك الزكاة والصوم والحج، حيث أن تركها كلها أشد من ترك الصلاة فقط، وعليه فما قاله مالك وغيره في الواحد لا يلزم في المجموع، بل كما قال شيخ الإسلام: "إن من امتنع عن المباني الأربعة كلها فهذا لا يكون إلا كافراً". وهنا مقامان لمن بحث هذه المسألة أشير إليهما: المقام الأول: مقام من يقول: إن ترك الصلاة ليس كفراً ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج، ويقول: إن من عبر من الأئمة بكلمة كفر إنما أراد الكفر الأصغر، أو الكفر العملي، أو كفراً دون كفر، حتى إن بعضهم يحكي الإجماع على أن ترك الصلاة ليس كفراً مخرجاً من الملة .. وهذا لا شك أنه زيادة وتكلف في تقرير المسألة، فلا شك أن هناك أئمة صرحوا بأن تارك الصلاة كافر على معنى الكفر المخرج عن ملة الإسلام. المقام الثاني: من يقابل المقام الأول من أهل العلم، والذين يقولون: إن ترك الصلاة كفر بالإجماع، وترك الزكاة كفر بالإجماع، وترك الصوم كفر بالإجماع، وترك الحج كفر بالإجماع؛ فيجعلون التارك -أي: من عزم على تركه- لأحد المباني الأربعة مع فعل غيره كافراً بالإجماع. وقد قرر هذا بعض أهل العلم من الباحثين، واستدلوا عليه بآثار كقول عمر ﵁: "لا يبلغني أن أحداً وجد سعةً وزاداً فلم يحج إلا فرضت عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين". واستدلوا كذلك بظاهر قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران:٩٧] قالوا: (ومن كفر) أي: ومن ترك. ومن أدلتهم أيضاً أن الصحابة أجمعوا على كفر تارك الصلاة كما نقله عبد الله بن شقيق، وعلى كفر تارك الزكاة كما في قصة أبي بكر ﵁. فهذا القول إن كان يختاره ويذهب إلى أنه راجح فهذا كاختيار لا يثرب عليه؛ لأن طائفة من السلف كفروا تارك الصلاة، وطائفة من السلف كفروا تارك الزكاة، وطائفة من السلف كفروا تارك الصوم، وطائفة من السلف كفروا تارك الحج، فمن قال: إن هذا قول لطائفة من السلف فقد أصاب، وإن اختار هذا القول فقد اختار ما أداه إليه اجتهاده، وهذه المسألة مما يسوغ فيه الاجتهاد والاختلاف، وإن كان هذا القول ليس راجحاً. ولكن الذي يقصد إلى التنبيه إلى الغلط فيه: من يقول إن هذا إجماع .. فهذا القول حقيقةً غريب؛ لأنك لا تجد في الكتب أبداً أحداً حكى الإجماع على أن ترك الزكاة أو الصوم أو الحج كفر بإجماع الأئمة، إنما الذي نقل فيه أحرف الإجماع هو الصلاة، وأما ما دون ذلك فلا، وقد نبهت في شرح حديث الافتراق إلى أن مذهب السلف لا يجوز أن يؤخذ بالفهم، إنما مذهب السلف يعتبر بنقل الإجماع، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن حصل مذهب السلف بالفهم فهذا طريقة أهل البدع ومن شاركهم فيها من أصحابنا من الفقهاء، إنما مذهب السلف هو الإجماع المتحقق أو الإجماع المستفيض بحروفه".

стр. 59

أحاديث تدل على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان [فظن الجاهلون بوجوه هذه الأحاديث أنها متناقضة لاختلاف العدد منها، وهي بحمد الله ورحمته بعيدة على التناقض، وإنما وجوهها ما أعلمتك من نزول الفرائض بالإيمان متفرقاً، فكلما نزلت واحدة ألحق رسول الله ﷺ عددها بالإيمان، ثم كلما جدد الله له منها أخرى زادها في العدد حتى جاوز ذلك السبعين كلمة، كذلك في الحديث المثبت عنه أنه قال: (الإيمان بضعة وسبعون جزءاً، أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) قال أبو عبيد: حدثنا أبو أحمد الزبيري عن سفيان بن سعيد عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة بهذا الحديث. وإن كان زائداً في العدد فليس هو بخلاف ما قبله، وإنما تلك دعائم وأصول، وهذه فروعها زائدات في شعب الإيمان من غير تلك الدعائم. فنرى والله أعلم أن هذا القول آخر ما وصف به رسول الله ﷺ الإيمان، لأن العدد إنما تناها به، وبه كملت خصاله, والمصدَق له قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]. قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب: أن اليهود قالوا لـ عمر بن الخطاب رحمة الله عليه: (إنكم تقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فذكر هذه الآية، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأي يوم أنزلت، أنزلت بعرفة، ورسول الله ﷺ واقف بعرف). قال سفيان: وأشك أقال يوم الجمعة أم لا. قال أبو عبيد: حدثنا يزيد عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار قال: تلا ابن عباس هذه الآية، وعنده يهودي، فقال اليهودي: لو أنزلت هذه الآية فينا لاتخذنا يومها عيداً، قال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيد: يوم جمعة ويوم عرفة. قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: نزلت عليه وهو واقف بعرفة حين اضمحل الشرك، وهدم منار الجاهلية، ولم يطف بالبيت عريان. فذكر الله جل ثناؤه إكمال الدين في هذه الآية، وإنما نزلت فيما يروى قبل وفاة النبي ﷺ بإحدى وثمانين ليلة. قال أبو عبيد كذلك: حدثنا حجاج عن ابن جريج. فلو كان الإيمان كاملاً بالإقرار، ورسول الله ﷺ بمكة في أول النبوة كما يقول هؤلاء ما كان للكمال معنى، وكيف يكمل شيئاً قد استوعبه وأتى في آخره؟! قال أبو عبيد: فإن قال لك قائل: فما هذه الأجزاء الثلاثة وسبعون؟ قيل له: لم تسم لنا مجموعة فنسميها، غير أن العلم يحيط أنها من طاعة الله وتقواه، وإن لم تذكر لنا في حديث واحد، ولو تفقدت الآثار لوجدت متفرقة فيها، ألا تسمع قوله في إماطة الأذى وقد جعله جزءاً من الإيمان؟ وكذلك قوله في حديث آخر (الحياء شعبة من الإيمان)، وفي الثالث (الغيرة من الإيمان)، وفي الرابع (البذاذة من الإيمان) وفي الخامس (حسن العهد من الإيمان). فكل هذا من فروع الإيمان ومنه حديث عمار: (ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الاقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السلام على العالم). ثم الأحاديث المعروفة عند ذكر كمال الإيمان حين قال: (أي الخلق أعظم إيماناً؟ فقيل: الملائكة، ثم قيل: نحن يا رسول الله، فقال: بل قوم يأتون بعدكم) فذكر صفتهم. ومنه أيضاً قوله: (إن أكمل -أو من أكمل- المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) وكذلك قوله: (لا يؤمن الرجل الإيمان كله حتى يدع الكذب في المزاح، والمراء وإن كان صادقاً) وقد روي مثله أو نحوه عن عمر بن الخطاب وابن عمر. ثم من أوضح ذلك وأبينه حديث النبي ﷺ في الشفاعة حين قال: (فيخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، وبرة من إيمان، ومثقال ذرة) وإلا صولب. ومنه حديثه في الوسوسة حين سئل عنها فقال: (ذلك صريح الإيمان) وكذلك حديث علي ﵇: (إن الإيمان يبدأ لمظة في القلب فكلما ازداد الإيمان عظماً ازداد ذلك البياض عظماً) في أشياء من هذا النحو كثيرة يطول ذكرها تبين لك التفاضل في الإيمان بالقلوب والأعمال، وكلها يشهد أو أكثرها أن أعمال البر من الإيمان، فكيف تعاند هذه الآثار بالإبطال والتكذيب؟!]. هذا كله تفصيل من المصنف في تقرير الدلائل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان.

стр. 60

تفاضل الإيمان بالأعمال الظاهرة والباطنة [ومما يصدق تفاضله بالأعمال قول الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [الأنفال:٤] فلم يجعل الله للإيمان حقيقة إلا بالعمل على هذه الشروط، والذي يزعم أنه بالقول خاصة يجعله مؤمناً حقاً وإن لم يكن هناك عمل فهو معاند لكتاب الله والسنة]. هذا دليل على أن الإيمان يتفاضل بالأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، أي: بأعمال القلوب وأعمال الجوارح، فإن قوله تعالى: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وقوله: (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) دليل على تفاضل الإيمان بهذا الوجه، وكذلك قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة:٥٥] دليل على تفاضل الإيمان بذلك، فإن إقامة الصلاة ليست على وجه واحد بين المكلفين، بل هم متفاوتون في تحقيق إقامتها. [ومما يبين لك تفاضله في القلب قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] ألست ترى أنها هنا منزلاً دون منزل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:١٠] كذلك ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦] فلولا أن هناك موضع مزيد، ما كان لأمره بالإيمان معنى، ثم قال أيضاً: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣] وقال: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١]. أفلست تراه ﵎، قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يرض بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهما من الآخر؟ فأي شيء يتبع بعد كتاب الله وسنة رسوله ف ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة؟! فالأمر الذي عليه السنة عندنا ما نص عليه علماؤنا مما اقتصصنا في كتابنا هذا: أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءا، فإذا نطق بها القائل، وأقر بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه بالاستكمال عند الله، ولا على تزكية النفوس، وكلما ازداد لله طاعة وتقوى، ازداد به إيماناً].

стр. 61

شرح كتاب الإيمان [٥] الخلاف في مسألة الاستثناء في الإيمان إذا كان متعلقاً بأصل يخالف قول السلف في الإيمان وأنه قول وعمل؛ فإنه يكون خلافاً في الأصل، وأما إذا كان على قدر من تعدد المرادات فإنه لا يعد أصلاً، فيكون مدار مسألة الاستثناء على المقاصد، ومنه يعلم سبب تعدد أجوبة أئمة السنة والجماعة عن هذه المسألة.

стр. 62

باب الاستثناء في الإيمان قال المصنف ﵀: [باب الاستثناء في الإيمان]. المراد بهذا الباب بيان حكم قول الرجل: هو مؤمن إن شاء الله. ويراد بالاستثناء: هو التعليق بالمشيئة، وهذا أوسع من الاستثناء في كلام النحاة.

стр. 63

حكم الاستثناء في الإيمان الخلاف في مسألة الاستثناء في الإيمان إذا كان متعلقاً بأصل يخالف قول السلف في الإيمان -أي: في مبدئه، وأنه قول وعمل- فإنه يكون خلافاً في الأصل. وأما إذا كان على قدر من تعدد المراد -من المرادات الصحيحة- فإنه لا يعد من الأصول. وتفصيل هذا المعنى: أن من ترك الاستثناء قد يكون مبتدعاً وقد يكون ترك أمراً سائغاً، فإن من ألزم ترك الاستثناء -أي قال: لا بد أن يقول الرجل هو مؤمن، ولا يصح له أن يقول: هو مؤمن إن شاء الله- على معنى أن الإيمان واحدٌ وهو التصديق؛ فإن هذا التفريع تفريع عن بدعة مخالفة لإجماع السلف. وأما من قال بترك الاستثناء في الإيمان -أي: أن يقول الرجل: هو مؤمن ولا يلزمه أن يقول: إن شاء الله- لأن العلم بأصل الإيمان علم ضروري، وكان الإيمان عنده قولاً وعملاً، فهذا الترك للاستثناء ترك واسع. إذاً: هذه المسألة قد يتكلم فيها الأعيان فيكون بعضهم مخرجاً قوله على السنة؛ فتكون المسألة ليست من الأصول، وإذا تكلم فيها من خرّج قوله على أصله المخالف لقول السلف في باب الإيمان فإن قوله بدعة. فإذا قيل: هل قرر السلف ﵏ وجهاً واحداً في هذه المسالة؟ فالجواب: أما باعتبار مراداتها فنعم، وأما باعتبار إطلاق اللفظ فإنهم متوسعون في ذلك، فإن طائفة منهم يميلون إلى ذكر الاستثناء، ومعتبرهم في هذا أن الإنسان المسلم المؤمن لا يجزم لنفسه بالتمام؛ فإن الإيمان المطلق هو فعل الواجبات وترك المحرمات، وهذا لا أحد يجزم باستتمامه، ومن هنا استحبوا وأمروا بالاستثناء على هذا الوجه. ومنهم من أمر بالاستثناء واستحبه وحسنه على معنى أن تركه فيه تزكية، والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] فهذان الوجهان هما مراد من استحب الاستثناء من السلف وقصد إليه. وطائفة من السلف رخصوا في الاستثناء وتركه، فإذا أمروا بالاستثناء فعلى هذين المرادين، وإذا رخصوا في الترك فعلى مراد أن أصل الإيمان يصح الجزم به؛ لأن كل مسلم ومؤمن يجزم بأن معه الأصل، وهذا لابد من اليقين فيه، وليس هو من التزكية، بل هو من العلم الواجب، ولهذا قال النبي ﷺ : (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله صدقاً من قلبه)، وقال أيضاً: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله) والجملة جملة حال. وعلى هذا من ترك الاستثناء على معنى أنه يجزم بأصل إيمانه، وأنه مصدق بالله كافر بالطاغوت، يكون تركه سائغاً. أما مسألة هل الحكم بهذين الاعتبارين على الوجوب أم على السعة؟ فنقول: إذا ما أراد المتكلم بقوله "هو مؤمن إن شاء الله" ترك التزكية، فهذا ليس من المسائل الواجبة، بل هو من المسائل الواسعة. أما إذا كان قاصداً لأصل الإيمان فنقول: هناك تفصيل: فإن كان تعليقه من باب التردد فلا شك أن هذا إبطال للجزم. وأما إن كان على معنى أنه يجوز في الأمور المحققة ذكر مشيئة الرب فهذا سائغ؛ لأن التعليق بمشيئة الله لا يلزم عنه التردد، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] مع أن دخولهم كان متحققاً مجزوماً به. وبهذا يتبين أن مدار مسألة الاستثناء على المقاصد؛ فمن كان على باب من السنة والجماعة ويقول: إن الإيمان قول وعمل؛ فإن مسألة الاستثناء في حقه لا تعد من مسائل الأصول، بل يستثني في مقام ويترك في مقام آخر، ويكون ذلك بحسب مقصده، فإذا استثنى تركاً للتزكية فهذا مما يسوغ، وإذا ترك الاستثناء على معنى أنه جازم بأصل الإيمان فهذا أيضاً مما يسوغ، وإذا استثنى على معنى أنه يعلق أمره بمشيئة الرب النافذة في كل شيء -حتى الأشياء المحققة- فإن هذا أيضاً مما يسوغ. وبهذا التفصيل يفهم سبب تعدد أجوبة أئمة السنة والجماعة عن هذه المسألة.

стр. 64

السبب في اختلاف السلف في مسألة الاستثناء في الإيمان إن قيل: فلم كان جملة من السلف ينزعون إلى الاستثناء ويؤكدون شأنه، وجملة من الأئمة ينزعون إلى تركه؟ قيل: هذا من حكمتهم وفقههم؛ فإن من نزع من السلف إلى تأكيد مسألة الاستثناء فإن مراده بذلك الرد على المرجئة، الذين جمهورهم يحرمون الاستثناء ويمنعونه؛ لكون الإيمان عندهم واحداً بالتصديق ونحوه .. ولهذا إذا قيل: صاحب السنة من بعدهم ينزع إلى أي الوجهين في أجوبة السلف؟ قيل: ينزع إلى جميعها بحسب المقاصد والأحوال؛ ولهذا قال الله للمؤمنين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:١٣٦] ولم يلزم من ذلك أن يقولوا: إن شاء الله، والعبد يقول: لا إله إلا الله ولا يقول: إن شاء الله. فالقول بأن الاستثناء واجب في الإيمان ليس بصحيح، ومن نُقل عنه الوجوب من السلف فإنه معلق بمقصد من المقاصد الشرعية، وأما أن أحداً من السلف يوجب الاستثناء في سائر المقامات وباعتبار سائر المقاصد فهذا لا يصح عن واحد من السلف، ومن حكى عن أحد من السلف إيجاب الاستثناء في سائر المقامات، وباعتبار سائر المقاصد فهذا غلط عليه، وإن كان هذا قد حكاه بعض المتأخرين من أهل العلم. بل الصواب: أن جوابات السلف هنا هي على مادة التنوع، وليس التضاد أو الخلاف اللفظي؛ لأن الخلاف اللفظي معناه أن لا فرق بين حقيقة الأقوال، وخلاف التنوع: أن يكون لكل معنى، وليس بين المعاني تعارض. أي: أن هذا يقصد معنىً فيستثني، ويقصد الآخر معنى آخر فيترك الاستثناء، فمن استثنى قصد ترك التزكية أو قصد أن الإيمان قول وعمل وهو لم يستتم التمام في القول، ومن ترك الاستثناء قصد أن أصل الإيمان مما يجزم به، ولهذا قال النبي ﷺ عن الجارية: (أعتقها؛ فإنها مؤمنة)، ولم يقل ﷺ : إن شاء الله؛ مع أن الجارية لم يستفض إيمانها، حتى كان معاوية بن الحكم متردداً في شأنها إلى أمثال ذلك.

стр. 65

مذهب المرجئة في مسألة الاستثناء في الإيمان أما أهل البدع فكما أسلفت أنهم تكلموا في هذه المسألة على أصول بدعهم، ومن هنا حرّم عامة المرجئة الاستثناء في الإيمان؛ لأنه يعني الشك، وهذا غلط من جهتين: الأولى: أنهم فرعوا هذا القول عن أن الإيمان واحد، والصواب: أن الإيمان يزيد وينقص، وهو قول وعمل. الثانية: أنه لو فرضنا جدلاً أن الإيمان واحد، فإن الاستثناء بذكر مشيئة الرب في الأمور المحققة أمر سائغ، بشرط أن يكون المتكلم لا يقصد التردد، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤] ولو كان الإنسان عازماً وجازماً في مقصد فعله.

стр. 66

كلام أبي عبيد عن مسألة الاستثناء في الإيمان وعرضه لأقوال السلف [قال أبو عبيد: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي الأشهب عن الحسن قال: قال رجل عند ابن مسعود: أنا مؤمن. فقال ابن مسعود: أفأنت من أهل الجنة؟ فقال: أرجو. فقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى؟. قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بن سعيد عن الأعمش عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: بينا نحن نسير إذ لقينا ركباً فقلنا: من أنتم؟ فقالوا: نحن المؤمنون! فقال: أولا قالوا: إنا من أهل الجنة؟!. قال أبو عبيد: حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر كلاهما عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن إبراهيم عن علقمة قال: قال رجل عند عبد الله: أنا مؤمن! فقال عبد الله: فقل: إني في الجنة! ولكن آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله. قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن محل بن محرز قال: قال لي إبراهيم: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن معمر عن ابن وطاس عن أبيه قال: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين قال: إذا قيل لك أمؤمن أنت؟ فقل: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [البقرة:١٣٦] قال أبو عبيد: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن إبراهيم قال: قال رجل لـ علقمة: أمؤمن أنت؟ فقال: أرجو إن شاء الله. قال أبو عبيد: ولهذا كان يأخذ سفيان ومن وافقه الاستثناء فيه، وإنما كراهيتهم عندنا أن يبسوا الشهادة بالإيمان مخافة ما أعلمتكم في الباب الأول من التزكية والاستكمال عند الله، وأما على أحكام الدنيا فإنهم يسمون أهل الملة جميعاً مؤمنين، لأن ولايتهم وذبائحهم وشهاداتهم ومناكحتهم وجميع سنتهم إنما هي على الإيمان، ولهذا كان الأوزاعي يرى الاستثناء وتركه جميعاً واسعين. قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي قال: من قال: أنا مؤمن فحسن، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله فحسن، لقول الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] وقد علم أنهم داخلون. وهذا عندي وجه حديث عبد الله حين أتاه صاحب معاذ فقال: ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة أصناف: مؤمن ومنافق وكافر، فمن أيهم كنت؟ قال: من المؤمنين. إنما نراه أراد أني كنت من أهل هذا الدين لا من الآخرين، فأما الشهادة بها عند الله فإنه كان عندنا أعلم بالله وأتقى له من أن يريده، فكيف يكون ذلك والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]! والشاهد: (على ما نظن) أنه كان قبل هذا لا يقول: أنا مؤمن على تزكية ولا على غيرها، ولا نراه أنه كان ينكره على قائله بأي وجه كان، إنما كان يقول: آمنت بالله وكتبه ورسله، لا يزيد على هذا اللفظ، وهو الذي كان أخذ به إبراهيم وطاوس وابن سيرين، ثم أجاب عبد الله إلى أن قال: أنا مؤمن؛ فإن كان الأصل محفوظاً عنه فهو عندي على ما أعلمتك، وقد رأيت يحيى بن سعيد ينكره ويطعن في إسناده؛ لأن أصحاب عبد الله على خلافه]. هذا يبين أن ابن مسعود وأصحابه يميلون إلى الاستثناء ويؤكدون شأنه، ولكن أجوبتهم تدور على المعاني السابقة: أنهم يتركون التزكية .. أنهم يقصدون أن الإيمان قول وعمل، وأن الإنسان لا يجزم لنفسه باستمامهما، ولهذا قال للرجل: (أفأنت من أهل الجنة؟) يعني: إن المؤمن المطلق يكون من أهل الجنة، وهذا مما لا يجزم بتحققه، وهكذا نقل بعد ذلك عن أصحاب ابن مسعود كـ علقمة وغيره. وهنا مسألة في مسألة الاستثناء، وهي فرق لطيف فات بعض المتأخرين ممن علق على هذه المسألة؛ فقد تبين أن من أوجه السلف في الاستثناء أنهم يستثنون باعتبار ترك التزكية، وباعتبار أن الإيمان قول وعمل، وأن الإنسان لا يجزم بهذا التحقق.

стр. 67

من أوجه الاستثناء أن الإنسان لا يدري بماذا يختم له هنا وجه ثالث أيضاً في مقاصد السلف في الاستثناء: وهو أن الإنسان لا يعلم ماذا يختم له، فيقول: هو مؤمن إن شاء الله؛ لأنه لا يدري بالخاتمة، والله هو العليم بذلك. إذاً قد يستثني من يستثني من السلف أو يسّوغ الاستثناء أو يأمر به؛ لكون الإنسان لا يدري ماذا يختم له. وهذا الوجه -أعني الثالث- يختلف عن الوجه الذي كان يعلل به ابن كلاب، فقد كان يذهب إلى إيجاب الاستثناء في الإيمان؛ ويعلل ذلك بأن الإنسان لا يدري ما يوافي به ربه. فالمؤمن عنده الموافي. والفرق بين اعتبار ختم العمل عند من يستثني من السلف وبين مسألة الموافاة عند ابن كلاب ومن وافقه، أن ابن كلاب كانت عنده قاعدة -وهي قاعدة بدعية- وهي: أن الإيمان هو ما يوافي العبد به ربه، فمن علم الله أنه يوافيه بالإيمان فإنه لا يزال محبوباً له حتى حال كفره، ومن علم الله أنه لا يوافيه إلا بالكفر فإنه لا يزال مبغَضاً عنده حتى حال إيمانه الذي يعقبه كفر وردة .. وهذا الوجه من البدع الحادثة في كلام ابن كلاب؛ ولهذا إذا قال شيخ الإسلام: "وهذا الوجه في الاستثناء لم ينطق به أحد من السلف"، فلا بد أن يفرق بينه وبين مسألة الختم؛ فمسألة ختم العمل وجه معروف في كلام السلف، وأما الموافاة فمراد ابن كلاب بها: أن الإيمان هو الموافاة، وأما الإيمان الأول -الذي لا يوافي به، أو يعقبه ردة وما إلى ذلك- فليس إيماناً، وكذلك الكفر الأول الذي يعقبه إيمان لا يكون صاحبه حال كفره مبغضاً .. ! ولا شك أن هذا غلط، بل الكفار حال كفرهم مع أن الله يعلم أن منهم من يؤمن مبغضون عنده .

стр. 68

كلام أبي عبيد عمن قال إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل [وكذلك نرى مذهب الفقهاء الذين كانوا يتسمون بهذا الاسم بلا استثناء، فيقولون: نحن مؤمنون، منهم عبد الرحمن السلمي، وإبراهيم التيمي، وعون بن عبد الله، ومن بعدهم، مثل عمر بن ذر، والصلت بن بهرام، ومسعر بن كدام، ومن نحا نحوهم، إنما هو عندنا منهم على الدخول في الإيمان لا على الاستكمال. ألا ترى أن الفرق بينهم وبين إبراهيم وبين ابن سيرين وطاوس إنما كان أن هؤلاء كانوا به أصلا، وكان الآخرون يتسمون به. فأما على مذهب من قال: كإيمان الملائكة والنبيين! فمعاذ الله، ليس هذا طريق العلماء، وقد جاءت كراهيته مفسرة عن عدة منهم. قال أبو عبيد: حدثنا هشيم أو حدثت عنه عن جوير عن الضحاك: أنه كان يكره أن يقول الرجل: أنا على إيمان جبريل وميكائيل ﵉. قال أبو عبيد: حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري عن نافع عن عمر الجمحي قال: سمعت ابن أبي مليكة وقال له إنسان: إن رجلاً في مجالسك يقول: إن إيمانه كإيمان جبرائيل! فأنكر ذلك وقال: سبحان الله! والله لقد فضل جبريل ﵇ في الثناء على محمد صلى الله عليه فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]. قال أبو عبيد: حدثنا عن ميمون بن مهران: أنه رأى جارية تغني فقال: من زعم أن هذه على إيمان مريم بنت عمران فقد كذب. وكيف يسع أحداً أن يشبه البشر بالملائكة، وقد عاتب الله المؤمنين في غير موضع من كتابه أشد العتاب، وأوعدهم أغلظ الوعيد، ولا يعلم فعل بالملائكة من ذلك شيئاً فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢] وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. فأوعدهم النار في آية، وآذنهم بالحرب في أخرى. وخوفهم بالمقت في ثالثة، واستبطأهم في رابعة، وهو في هذا كله يسميهم مؤمنين، فما تشبه هؤلاء من جبريل وميكائيل مع مكانهما من الله؟! إني لخائف أن يكون هذا من الاجتراء على الله والجهل بكتابه].

стр. 69

شرح كتاب الإيمان [٦] معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، وأن هذه الزيادة والنقصان تكون في الأعمال الظاهرة والباطنة، وهذا محل إجماع عندهم, وإن وجد اختلاف بين بعض السلف في معنى الزيادة والنقصان فإنما هو خلاف ألفاظ، وقد خالف بعض أهل البدع في هذه المسألة ففسروا الزيادة بمعان مخالفة لما جاء في الكتاب والسنة.

стр. 70

باب الزيادة في الإيمان والانتقاص منه يعتبر هذا الباب من المسائل الأصول في الإيمان، فليس هو كمسألة الاستثناء، بل هو من أشرف أصول هذه المسألة، وهو إجماع للسلف. وجُمل السلف ﵏ كما أنها تنوعت في مسمى الإيمان، فقالوا فيه أقوالاً هي من باب الخلاف اللفظي، وقالوا في جوابهم في الاستثناء أقوالاً تنوعت هي من باب خلاف التنوع، كذلك نقول هنا: كلام السلف في مسألة الزيادة والنقصان فيها خلاف لفظي، فالجمهور من السلف يقولون: الإيمان يزيد وينقص، ويطلقون هذا. ومنهم من يقول: الإيمان يتفاضل، وهذا جواب معروف عن عبد الله بن المبارك وأمثاله. وقد نقل عن مالك في إحدى الروايتين أنه قال: الإيمان يزيد، وسكت عن لفظ النقصان، وأما المعنى فإنه ثابت عنده. فهذه هي أجوبة السلف ﵏، والخلاف بينها من باب الخلاف اللفظي؛ فإن معنى التفاضل في قول بعضهم: إنه يتفاضل، أي: أنه يزيد وينقص، وأن أصحابه على درجات.

стр. 71

الأدلة على أن الإيمان يزيد وينقص أما دليله: فما جاء ذكره صريحاً في كتاب الله في عدة مواضع من ذكر لزيادة الإيمان، وأما النقصان فإنه كما قال الإمام أحمد وغيره: "إن الإيمان كما يزيد فإنه ينقص". ولم يعبر بلفظ النقصان في القرآن، وإنما نفى الشارع الإيمان عمن ترك بعض الواجبات أو فعل بعض الكبائر، كقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ونفي الاسم أبلغ من ذكر لفظ النقصان في هذا الفعل من الكبائر؛ لأن ذكر لفظ النقصان لا يلزم منه أن يكون الفعل من الكبائر، بخلاف نفي الاسم الشرعي؛ فإن القاعدة -كما نص عليها شيخ الإسلام وغيره-: "إن الله ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمرٍ -أمر الله به ورسوله- إلا إذا ترك بعض واجباته". فلما قال النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) دل هذا على أن الزاني قد فعل كبيرةً من الكبائر، وكذلك قوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له) إلى أمثال ذلك، ولهذا كان قوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) دليلاً على أن قراءة الفاتحة لازمة في الصلاة إما ركناً وإما وجوباً على ما هو معروف. [قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ بن جبل لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة -يعني: نذكر الله-. وبهذا القول كان يأخذ سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس يرون أعمال البر جميعاً من الازدياد في الإسلام؛ لأنها كلها عندهم منه، وحجتهم في ذلك ما وصف الله به المؤمنين في خمس مواضع من كتابه، منه قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ [المدثر:٣١] وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] وموضعان آخران قد ذكرناهما في الباب الأول، فاتبع أهل السنة هذه الآيات وتأولوها أن الزيادات هي الأعمال الزاكية]. بهذه الأدلة يعلم أن ذكر زيادة الإيمان صريح في كتاب الله ، وقد سبق الإشارة إلى أصل جامع ذكره ابن تيمية ﵀ حيث قال: "وأصل نزاع هذه الفرق من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً إذا زال بعضه زال جميعه"، أي: إن الأصل الذي تفرعت عنه جميع البدع في مسألة الإيمان، وخالف أصحابها قول السلف، هو: أنهم اعتبروا أن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص، فعند الخوارج والمعتزلة أنه قول وعمل، لكنه لا يزيد ولا ينقص، فمن ترك واجباً فيه فقد كفر -أو فسق عند المعتزلة- وعدم الإيمان. وعند المرجئة يجعلونه هو التصديق، أو مع القول، أو القول وحده على حسب أقوال المرجئة، ويكون الإيمان عندهم واحداً. وقد تقدم أن في كتاب الله تصريحاً تاماً بزيادة الإيمان، وإن لم يكن هو الدليل الوحيد الدال على أن الإيمان يزيد وينقص، بل هو نوع من الأدلة، وإلا من الأدلة: الضرورة الشرعية؛ فإن الضرورة الشرعية تدل على أن المؤمنين ليسوا درجة واحدة، وهذا هو اللازم في حكم العقل؛ فإنه ما من شيء يؤمر به بنو آدم من الأمور الشرعية أو الدينية أو الدنيوية إلا ويتفاضلون فيه. فهذا التفاضل ضرورة حسية قاطعة، وهي مدركة بضرورة العقل. وعلى هذا يكون القول بتساوي الإيمان ممتنعاً في العقل والحس.

стр. 72

مذهب المرجئة والخوارج في تفسير الآيات الدالة على زيادة الإيمان وقد يرد هنا سؤال: ما هو موقف المخالفين للسلف من هذا التصريح في كتاب الله بزيادة الإيمان؟ [وأما الذين رأوا الإيمان قولاً ولا عمل فإنهم ذهبوا في هذه الآيات إلى أربعة أوجه]. هذا التفسير ليس خاصاً بمن يقول: إنه قول، فمن المعروف أن من يقول: إن الإيمان قول فقط هو محمد بن كرام السجستاني، بل هو -أيضاً- تفسير من يقول: إن الإيمان هو التصديق كجمهور المرجئة، ومن يقول: إن الإيمان قول وعمل ولكنه لا يزيد ولا ينقص، كالمعتزلة والخوارج، فإن جميع هؤلاء يفسرون هذه الآيات بما يأتي .. [أحدها أن قالوا: أصل الإيمان الإقرار بجمل الفرائض مثل الصلاة والزكاة وغيرها، والزيادة بعد هذه الجمل، وهو أن تؤمنوا بأن هذه الصلاة المفروضة هي خمس، وأن الظهر هي أربع ركعات، والمغرب ثلاثة .. وعلى هذا رأوا سائر الفرائض. والوجه الثاني أن قالوا: أصل الإيمان الإقرار بما جاء من عند الله، والزيادة تمكن من ذلك الإقرار. والوجه الثالث أن قالوا: الزيادة في الإيمان الازدياد من اليقين. والوجه الرابع أن قالوا: إن الإيمان لا يزداد أبداً، ولكن الناس يزدادون منه]. هذا هو تفسير المرجئة ويشاركهم في بعضه الخوارج، وإن كان الخوارج يرتبونه على قولهم المعروف. وهذا التفسير لما ذكر من زيادة الإيمان في القرآن لأهل العلم تجاهه طريقان: الطريق الأول: أن هذا التفسير غلط؛ لأنه وإن كان بعضه ممكناً من جهة جملة المعاني إلا أن تفسير الآيات المعينة به خروج عن السنة ومراد الله ورسوله. الطريق الثاني: أن هذا تفسير قاصر، وفيه تحكم. أي: قصر للزيادة على هذه المعاني، ولا شك أن الزيادة أجل من هذا المعنى، فهي في الأعمال الظاهرة والباطنة المذكورة في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٢ - ٣] فمن هذا السياق وأمثاله أن الزيادة متحققة في الأعمال الظاهرة والباطنة، وأنها متحققة في التصديقات، ولهذا قال: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً) أي: تصديقاً ويقيناً، كما أنها زادتهم بقوله: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) توكلاً، وهذا فعل القلب، وزادتهم فعلاً في الجوارح وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]. فبينٌ من سياق الآيات أن الزيادة والنقصان متعلقة بأوجه الإيمان كلها الظاهرة والباطنة، فيكون القصر على هذا من التحكم في تفسير كلام الله ورسوله.

стр. 73

تفسير المرجئة والخوارج للآيات الدالة على زيادة الإيمان بدعة محدثة [وكل هذه الأقوال لم أجد لها مصدقاً في تفسير الفقهاء ولا في كلام العرب، فالتفسير ما ذكرناه عن معاذ حين قال: (اجلس بنا نؤمن ساعة) فيتوهم على مثله أن يكون لم يعرف الصلوات الخمس ومبلغ ركوعها وسجودها إلا بعد رسول الله ﷺ ، وقد فضله النبي ﷺ على كثير من أصحابه في العلم بالحلال والحرام، ثم قال: (يتقدم برتوة) هذا لا يتأوله أحد يعرف معاذاً! وأما في اللغة فإنا لم نجد المعنى فيه يحتمل تأويلهم، وذلك كرجل أقر له رجل بألف درهم له عليه، ثم بينها فقال: مائة منها في جهة كذا، ومائتان في جهة كذا، حتى استوعب الألف، ما كان هذا يسمى زيادة، وإنما يقال له: تلخيص وتفصيل، وكذلك لو لم يلخصها ولكنه ردد ذلك الإقرار مرات، ما قيل له زيادة أيضاً، إنما هو تكرير وإعادة؛ لأنه لم يغير المعنى الأول ولم يزد فيه شيئاً. فأما الذين قالوا يزداد من الإيمان، ولا يكون الإيمان هو الزيادة، فإنه مذهب غير موجود، لأن رجلاً لو وصف ماله فقيل: هو ألف، ثم قيل: إنه ازداد مائة بعدها، ما كان له معنى يفهمه الناس إلا يكون المائة هي الزائدة على الألف، وكذلك سائر الأشياء، فالإيمان مثلها، لا يزداد الناس منه شيئاً، إلا كان ذلك الشيء هو الزائد في الإيمان]. "في تفسير الفقهاء" مقصوده: في تفسير السلف، أي أن السلف ﵏ ما كانوا يفسرون هذه الآيات بهذه الأوجه، إنما يقولون: إن هذه الآيات تدل على أن الإيمان يزيد في جميع أوجهه وموارده. ومن هنا يمكن أن يقال: إن هذا التفسير بدعة بهذا الاعتبار، ووجه كونه بدعةً هو كونه مخالفاً لتفسير السلف، لكن لا يلزم أن تكون المعاني المذكورة في هذا التفسير باطلة. فإن قول من قال: إن المؤمنين يزدادون إيماناً بكثرة أدلته -وهذا من تفسير المرجئة لآيات الزيادة- في جملته صحيح، لكن قصر التفسير عليه بدعة مخالفة للسلف، وهو من التحكم الذي لا دليل عليه، وهو من جنس الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض. ومن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض؛ فإن القدر الذي آمن به من حيث جملته يعتبر إيماناً، لكنه لم ينفعه؛ لأنه فاسد وباطل؛ لكونه قابله بالكفر بالبعض الآخر. ومن هنا يصح أن يقال: إن هذا التفسير باعتبار مادته الأصل فيه صحة؛ لأن معنى القول بإن هذا التفسير خطأ من الأصل أن يكون قول من قال: إن الإيمان يزيد بزيادة الأدلة. خطأ، وهذا غير صحيح. لكنه مع ذلك يسمى بدعةً؛ لكونه مخالفاً لتفسير السلف؛ لأن فيه تحكماً بتفسير القرآن، وقصراً على معنى دون معنى. ومعنى هذا باختصار: أن السلف ﵏ الذين يقولون: الإيمان يزيد وينقص، إذا سئل أحدهم: هل الإيمان يزيد بالطاعة؟ فسيقول: نعم. وإذا قيل له: هل الإيمان يزيد بأعمال القلوب؟ فسيقول: نعم. ولو قيل له: هل الإيمان يزيد بتعدد أدلته؟ فسيقول: نعم. مثلاً: من المقطوع به أن الإيمان بعذاب القبر الذي ذكره النبي ﷺ يتفاضل إذا ذكر في عشرة أحاديث عنه بحديث واحد، وهذه ضرورة في عقول بني آدم. وكذلك إذا نظر شخص في مسألة من المسائل الفقهية عليها دليل واحد، ومسألة عليها عشرة أدلة، فإن التي عليها عشرة أدلة تكون أقوى في الثبوت. وعلى هذا يصح أن يقال: إن تعدد الأدلة يزيد في التصديق، واليقين، والمعرفة، والعلم، والإيمان هو العلم، وإنما أخطأ هؤلاء المفسرون من المرجئة وأمثالهم من جهة مخالفة تفسير السلف، ومن جهة قصر تفسير الآيات على هذه الأوجه التي حدوها، فمن هنا كان تفسيرهم بدعة، وإن كانت أصول معانيه مقبولة، لكن السلف لا يقتصرون عليها، بل يذكرون الزيادة فيها وفي غيرها.

стр. 74

الرد على المرجئة القائلين بأن زيادة الإيمان هي ازدياد اليقين [وأما الذين جعلوا الزيادة ازدياد اليقين فلا معنى لهم لأن اليقين من الإيمان، فإذا كان الإيمان عندهم كله برمته إنما هو الإقرار، ثم استكمله هؤلاء المقرون بإقرارهم .. أفليس قد أحاطوه باليقين من قولهم؟! فكيف يزداد من شيء قد استقصي وأحيط به؟! أرأيتم رجلاً نظر إلى النهار بالضحى حتى أحاط عليه كله بضوئه هل كان يستطيع أن يزداد يقيناً بأنه نهار ولو اجتمع عليه الإنس والجن؟! هذا يستحيل ويخرج مما يعرفه الناس]. هذا وجه فاضل في الرد. وهو الوجه الآخر في الرد على المرجئة الذين فسروا الزيادة بهذا، وهو أن المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان واحد وهو التصديق، يمنعون الاستثناء فيه ويجعلونه واحداً، فما وجه زيادة اليقين فيه؟!! أي: إن معنى القول بأن الإيمان واحد يلزم منه نفي زيادة الإيمان من كل وجه؛ فإذا أُثبتت زيادة الإيمان ولو من وجه تعدد الأدلة أو من وجه تمام اليقين، أو أمثالها من التفسيرات التي أريد بها التخلص من معارضة القرآن فإن هذا يكون من باب التناقض. فمن يقول: إن الإيمان واحد، ومع ذلك يقول: يزداد، فإن مجرد تسليمه بزيادته على أي وجه فسر هذه الزيادة يعد تناقضاً؛ فإنه إذا سوغ زيادته باعتبار تعدد الأدلة فمعناه أن أهله تفاضلوا. وإن قال: إنه لم يتفاضل إيمانهم وإنما تفاضلت أدلتهم؛ قيل: الدليل يدل على حكم في مدلوله، وهذا الحكم هو الذي يجب الإيمان به، ولهذا يكون الحكم المُؤمَن به -وهو إيمان بالقطع- متفاضلاً بين المخاطبين. فمقصود هذا الوجه: أن من قال: إن الإيمان واحد -وهو قول كل من خالف السلف- يمتنع أن يقر بزيادة الإيمان بأي وجه من الأوجه، فمن أقر بذلك كان متناقضاً. وخلاصة هذا الرد هي: أنه إذا كان الإيمان واحداً سواء كان هو التصديق أو الإيمان أو المعرفة أو ما إلى ذلك فقد استكملوه بالأول، فما وجه الزيادة؟! ومن المعلوم في النظر العقلي أن من يقول: إن هذا الشيء واحد، يمتنع عليه أن يقول: أنه يزيد، بأي وجه فسر الزيادة. وهذا من باب تناقض أهل البدع.

стр. 75

شرح كتاب الإيمان [٧] طائفة من المرجئة يذهبون إلى أن الإيمان شهادة باللسان، وإقرار بالقلب، وهذا القول المنسوب إلى المرجئة قال به بعض فقهائهم ومتكلميهم، من المعروفين بالسنة ومن الخارجين عنها، وهذا الاتفاق إنما هو اتفاق في جملة القول وقدره الكلي وليس في تفصيله.
следующие страницы →