← Акыда

Акыда · id 37780

شرح كتاب الإيمان - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (115 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الأدلة على أن الإيمان يزيد وينقص أما دليله: فما جاء ذكره صريحاً في كتاب الله في عدة مواضع من ذكر لزيادة الإيمان، وأما النقصان فإنه كما قال الإمام أحمد وغيره: "إن الإيمان كما يزيد فإنه ينقص". ولم يعبر بلفظ النقصان في القرآن، وإنما نفى الشارع الإيمان عمن ترك بعض الواجبات أو فعل بعض الكبائر، كقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ونفي الاسم أبلغ من ذكر لفظ النقصان في هذا الفعل من الكبائر؛ لأن ذكر لفظ النقصان لا يلزم منه أن يكون الفعل من الكبائر، بخلاف نفي الاسم الشرعي؛ فإن القاعدة -كما نص عليها شيخ الإسلام وغيره-: "إن الله ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمرٍ -أمر الله به ورسوله- إلا إذا ترك بعض واجباته". فلما قال النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) دل هذا على أن الزاني قد فعل كبيرةً من الكبائر، وكذلك قوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له) إلى أمثال ذلك، ولهذا كان قوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) دليلاً على أن قراءة الفاتحة لازمة في الصلاة إما ركناً وإما وجوباً على ما هو معروف. [قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ بن جبل لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة -يعني: نذكر الله-. وبهذا القول كان يأخذ سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس يرون أعمال البر جميعاً من الازدياد في الإسلام؛ لأنها كلها عندهم منه، وحجتهم في ذلك ما وصف الله به المؤمنين في خمس مواضع من كتابه، منه قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ [المدثر:٣١] وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] وموضعان آخران قد ذكرناهما في الباب الأول، فاتبع أهل السنة هذه الآيات وتأولوها أن الزيادات هي الأعمال الزاكية]. بهذه الأدلة يعلم أن ذكر زيادة الإيمان صريح في كتاب الله ، وقد سبق الإشارة إلى أصل جامع ذكره ابن تيمية ﵀ حيث قال: "وأصل نزاع هذه الفرق من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً إذا زال بعضه زال جميعه"، أي: إن الأصل الذي تفرعت عنه جميع البدع في مسألة الإيمان، وخالف أصحابها قول السلف، هو: أنهم اعتبروا أن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص، فعند الخوارج والمعتزلة أنه قول وعمل، لكنه لا يزيد ولا ينقص، فمن ترك واجباً فيه فقد كفر -أو فسق عند المعتزلة- وعدم الإيمان. وعند المرجئة يجعلونه هو التصديق، أو مع القول، أو القول وحده على حسب أقوال المرجئة، ويكون الإيمان عندهم واحداً. وقد تقدم أن في كتاب الله تصريحاً تاماً بزيادة الإيمان، وإن لم يكن هو الدليل الوحيد الدال على أن الإيمان يزيد وينقص، بل هو نوع من الأدلة، وإلا من الأدلة: الضرورة الشرعية؛ فإن الضرورة الشرعية تدل على أن المؤمنين ليسوا درجة واحدة، وهذا هو اللازم في حكم العقل؛ فإنه ما من شيء يؤمر به بنو آدم من الأمور الشرعية أو الدينية أو الدنيوية إلا ويتفاضلون فيه. فهذا التفاضل ضرورة حسية قاطعة، وهي مدركة بضرورة العقل. وعلى هذا يكون القول بتساوي الإيمان ممتنعاً في العقل والحس.

стр. 72

مذهب المرجئة والخوارج في تفسير الآيات الدالة على زيادة الإيمان وقد يرد هنا سؤال: ما هو موقف المخالفين للسلف من هذا التصريح في كتاب الله بزيادة الإيمان؟ [وأما الذين رأوا الإيمان قولاً ولا عمل فإنهم ذهبوا في هذه الآيات إلى أربعة أوجه]. هذا التفسير ليس خاصاً بمن يقول: إنه قول، فمن المعروف أن من يقول: إن الإيمان قول فقط هو محمد بن كرام السجستاني، بل هو -أيضاً- تفسير من يقول: إن الإيمان هو التصديق كجمهور المرجئة، ومن يقول: إن الإيمان قول وعمل ولكنه لا يزيد ولا ينقص، كالمعتزلة والخوارج، فإن جميع هؤلاء يفسرون هذه الآيات بما يأتي .. [أحدها أن قالوا: أصل الإيمان الإقرار بجمل الفرائض مثل الصلاة والزكاة وغيرها، والزيادة بعد هذه الجمل، وهو أن تؤمنوا بأن هذه الصلاة المفروضة هي خمس، وأن الظهر هي أربع ركعات، والمغرب ثلاثة .. وعلى هذا رأوا سائر الفرائض. والوجه الثاني أن قالوا: أصل الإيمان الإقرار بما جاء من عند الله، والزيادة تمكن من ذلك الإقرار. والوجه الثالث أن قالوا: الزيادة في الإيمان الازدياد من اليقين. والوجه الرابع أن قالوا: إن الإيمان لا يزداد أبداً، ولكن الناس يزدادون منه]. هذا هو تفسير المرجئة ويشاركهم في بعضه الخوارج، وإن كان الخوارج يرتبونه على قولهم المعروف. وهذا التفسير لما ذكر من زيادة الإيمان في القرآن لأهل العلم تجاهه طريقان: الطريق الأول: أن هذا التفسير غلط؛ لأنه وإن كان بعضه ممكناً من جهة جملة المعاني إلا أن تفسير الآيات المعينة به خروج عن السنة ومراد الله ورسوله. الطريق الثاني: أن هذا تفسير قاصر، وفيه تحكم. أي: قصر للزيادة على هذه المعاني، ولا شك أن الزيادة أجل من هذا المعنى، فهي في الأعمال الظاهرة والباطنة المذكورة في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٢ - ٣] فمن هذا السياق وأمثاله أن الزيادة متحققة في الأعمال الظاهرة والباطنة، وأنها متحققة في التصديقات، ولهذا قال: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً) أي: تصديقاً ويقيناً، كما أنها زادتهم بقوله: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) توكلاً، وهذا فعل القلب، وزادتهم فعلاً في الجوارح وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]. فبينٌ من سياق الآيات أن الزيادة والنقصان متعلقة بأوجه الإيمان كلها الظاهرة والباطنة، فيكون القصر على هذا من التحكم في تفسير كلام الله ورسوله.

стр. 73

تفسير المرجئة والخوارج للآيات الدالة على زيادة الإيمان بدعة محدثة [وكل هذه الأقوال لم أجد لها مصدقاً في تفسير الفقهاء ولا في كلام العرب، فالتفسير ما ذكرناه عن معاذ حين قال: (اجلس بنا نؤمن ساعة) فيتوهم على مثله أن يكون لم يعرف الصلوات الخمس ومبلغ ركوعها وسجودها إلا بعد رسول الله ﷺ ، وقد فضله النبي ﷺ على كثير من أصحابه في العلم بالحلال والحرام، ثم قال: (يتقدم برتوة) هذا لا يتأوله أحد يعرف معاذاً! وأما في اللغة فإنا لم نجد المعنى فيه يحتمل تأويلهم، وذلك كرجل أقر له رجل بألف درهم له عليه، ثم بينها فقال: مائة منها في جهة كذا، ومائتان في جهة كذا، حتى استوعب الألف، ما كان هذا يسمى زيادة، وإنما يقال له: تلخيص وتفصيل، وكذلك لو لم يلخصها ولكنه ردد ذلك الإقرار مرات، ما قيل له زيادة أيضاً، إنما هو تكرير وإعادة؛ لأنه لم يغير المعنى الأول ولم يزد فيه شيئاً. فأما الذين قالوا يزداد من الإيمان، ولا يكون الإيمان هو الزيادة، فإنه مذهب غير موجود، لأن رجلاً لو وصف ماله فقيل: هو ألف، ثم قيل: إنه ازداد مائة بعدها، ما كان له معنى يفهمه الناس إلا يكون المائة هي الزائدة على الألف، وكذلك سائر الأشياء، فالإيمان مثلها، لا يزداد الناس منه شيئاً، إلا كان ذلك الشيء هو الزائد في الإيمان]. "في تفسير الفقهاء" مقصوده: في تفسير السلف، أي أن السلف ﵏ ما كانوا يفسرون هذه الآيات بهذه الأوجه، إنما يقولون: إن هذه الآيات تدل على أن الإيمان يزيد في جميع أوجهه وموارده. ومن هنا يمكن أن يقال: إن هذا التفسير بدعة بهذا الاعتبار، ووجه كونه بدعةً هو كونه مخالفاً لتفسير السلف، لكن لا يلزم أن تكون المعاني المذكورة في هذا التفسير باطلة. فإن قول من قال: إن المؤمنين يزدادون إيماناً بكثرة أدلته -وهذا من تفسير المرجئة لآيات الزيادة- في جملته صحيح، لكن قصر التفسير عليه بدعة مخالفة للسلف، وهو من التحكم الذي لا دليل عليه، وهو من جنس الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض. ومن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض؛ فإن القدر الذي آمن به من حيث جملته يعتبر إيماناً، لكنه لم ينفعه؛ لأنه فاسد وباطل؛ لكونه قابله بالكفر بالبعض الآخر. ومن هنا يصح أن يقال: إن هذا التفسير باعتبار مادته الأصل فيه صحة؛ لأن معنى القول بإن هذا التفسير خطأ من الأصل أن يكون قول من قال: إن الإيمان يزيد بزيادة الأدلة. خطأ، وهذا غير صحيح. لكنه مع ذلك يسمى بدعةً؛ لكونه مخالفاً لتفسير السلف؛ لأن فيه تحكماً بتفسير القرآن، وقصراً على معنى دون معنى. ومعنى هذا باختصار: أن السلف ﵏ الذين يقولون: الإيمان يزيد وينقص، إذا سئل أحدهم: هل الإيمان يزيد بالطاعة؟ فسيقول: نعم. وإذا قيل له: هل الإيمان يزيد بأعمال القلوب؟ فسيقول: نعم. ولو قيل له: هل الإيمان يزيد بتعدد أدلته؟ فسيقول: نعم. مثلاً: من المقطوع به أن الإيمان بعذاب القبر الذي ذكره النبي ﷺ يتفاضل إذا ذكر في عشرة أحاديث عنه بحديث واحد، وهذه ضرورة في عقول بني آدم. وكذلك إذا نظر شخص في مسألة من المسائل الفقهية عليها دليل واحد، ومسألة عليها عشرة أدلة، فإن التي عليها عشرة أدلة تكون أقوى في الثبوت. وعلى هذا يصح أن يقال: إن تعدد الأدلة يزيد في التصديق، واليقين، والمعرفة، والعلم، والإيمان هو العلم، وإنما أخطأ هؤلاء المفسرون من المرجئة وأمثالهم من جهة مخالفة تفسير السلف، ومن جهة قصر تفسير الآيات على هذه الأوجه التي حدوها، فمن هنا كان تفسيرهم بدعة، وإن كانت أصول معانيه مقبولة، لكن السلف لا يقتصرون عليها، بل يذكرون الزيادة فيها وفي غيرها.

стр. 74

الرد على المرجئة القائلين بأن زيادة الإيمان هي ازدياد اليقين [وأما الذين جعلوا الزيادة ازدياد اليقين فلا معنى لهم لأن اليقين من الإيمان، فإذا كان الإيمان عندهم كله برمته إنما هو الإقرار، ثم استكمله هؤلاء المقرون بإقرارهم .. أفليس قد أحاطوه باليقين من قولهم؟! فكيف يزداد من شيء قد استقصي وأحيط به؟! أرأيتم رجلاً نظر إلى النهار بالضحى حتى أحاط عليه كله بضوئه هل كان يستطيع أن يزداد يقيناً بأنه نهار ولو اجتمع عليه الإنس والجن؟! هذا يستحيل ويخرج مما يعرفه الناس]. هذا وجه فاضل في الرد. وهو الوجه الآخر في الرد على المرجئة الذين فسروا الزيادة بهذا، وهو أن المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان واحد وهو التصديق، يمنعون الاستثناء فيه ويجعلونه واحداً، فما وجه زيادة اليقين فيه؟!! أي: إن معنى القول بأن الإيمان واحد يلزم منه نفي زيادة الإيمان من كل وجه؛ فإذا أُثبتت زيادة الإيمان ولو من وجه تعدد الأدلة أو من وجه تمام اليقين، أو أمثالها من التفسيرات التي أريد بها التخلص من معارضة القرآن فإن هذا يكون من باب التناقض. فمن يقول: إن الإيمان واحد، ومع ذلك يقول: يزداد، فإن مجرد تسليمه بزيادته على أي وجه فسر هذه الزيادة يعد تناقضاً؛ فإنه إذا سوغ زيادته باعتبار تعدد الأدلة فمعناه أن أهله تفاضلوا. وإن قال: إنه لم يتفاضل إيمانهم وإنما تفاضلت أدلتهم؛ قيل: الدليل يدل على حكم في مدلوله، وهذا الحكم هو الذي يجب الإيمان به، ولهذا يكون الحكم المُؤمَن به -وهو إيمان بالقطع- متفاضلاً بين المخاطبين. فمقصود هذا الوجه: أن من قال: إن الإيمان واحد -وهو قول كل من خالف السلف- يمتنع أن يقر بزيادة الإيمان بأي وجه من الأوجه، فمن أقر بذلك كان متناقضاً. وخلاصة هذا الرد هي: أنه إذا كان الإيمان واحداً سواء كان هو التصديق أو الإيمان أو المعرفة أو ما إلى ذلك فقد استكملوه بالأول، فما وجه الزيادة؟! ومن المعلوم في النظر العقلي أن من يقول: إن هذا الشيء واحد، يمتنع عليه أن يقول: أنه يزيد، بأي وجه فسر الزيادة. وهذا من باب تناقض أهل البدع.

стр. 75

شرح كتاب الإيمان [٧] طائفة من المرجئة يذهبون إلى أن الإيمان شهادة باللسان، وإقرار بالقلب، وهذا القول المنسوب إلى المرجئة قال به بعض فقهائهم ومتكلميهم، من المعروفين بالسنة ومن الخارجين عنها، وهذا الاتفاق إنما هو اتفاق في جملة القول وقدره الكلي وليس في تفصيله.

стр. 76

باب تسمية الإيمان بالقول دون العمل [قال أبو عبيد: قالت هذه الفرقة: إذا أقر بما جاء من عند الله وشهد شهادة الحق بلسانه، فذلك الإيمان كله؛ لأن الله سماهم مؤمنين، وليس ما ذهبوا إليه عندنا قولاً، ولا نراه شيئاً، وذلك من وجهين:- أحدهما: ما أعلمتك في الثلث الأول أن الإيمان المفروض في صدر الإسلام لم يكن يومئذ شيئاً إلا إقرار فقط. وأما الحجة الأخرى: فإنا وجدنا الأمور كلها، يستحق الناس بها أسماءها مع ابتدائها والدخول فيها، ثم يفضل فيها بعضهم بعضاً، وقد شملهم فيها اسم واحد، من ذلك أنك تجد القوم صفوفاً بين مستفتح للصلاة، وراكع وساجد .. وقائم وجالس، فكلهم يلزمه اسم المصلي، فيقال لهم: مصلون، وهم مع هذا فيها متفاضلون].

стр. 77

الطائفة التي تقول بأن الإيمان هو الإقرار والشهادة هذه الطائفة التي أراد المصنف ﵀ ذكرها في هذا الباب هم من يقولون بأن من أقر وشهد فقد آمن. وكلمة "أقر" تعني: إقرار القلب، و"شهد" أي: بلسانه. وقد تقدم أنه يقرر أن المرجئة من الفقهاء يذهبون إلى أن الإيمان يكون بإقرار القلب وتصديقه وبقول اللسان، ومع ذلك ذكرهم على أنهم طائفة من أهل العلم والديانة، أما من ذكرهم في هذا الباب فمن الملاحظ أنه مغلظ في ذكره لهم، فهو لم يذكرهم على أنهم طائفة من أهل العلم والديانة كما سبق في مرجئة الفقهاء. وهو يريد بهذا إحدى طائفتين: إما من يقول بأن الإيمان هو القول، وهذا القول قاله محمد بن كرام السجستاني، وهو متأخر في التاريخ عن المصنف، وعلى هذا يكون هذا القول قد قاله طوائف من قدماء المرجئة الذين أدركهم المصنف فنَسَبَ هذا القول على إطلاق عام، ونسبه المتأخرون إلى محمد بن كرام؛ لأنه هو الذي نظمه وشهره، وليس بالضرورة أن يكون هو الذي ابتدعه واخترعه .. فهذا وجه التفسير لكلامه.

стр. 78

طوائف المرجئة عند المتأخرين قبل أن نتكلم عن التفسير الصحيح لكلام المصنف نريد أن نبين أن المتأخرين إذا ذكروا المرجئة فإنهم يقسمونهم إلى طوائف، فيقولون: منهم من يقول: الإيمان المعرفة .. وهذا قول الجهم بن صفوان، وأبي حسين الصالحي وأمثالهم. ومنهم من يقول: هو التصديق، وهذا القول لـ بشر المريسي وجماعة. فإذا قالوا: ومنهم من يقول: إنه قول اللسان وتصديق القلب، جعلوا هذا القول قول مرجئة الفقهاء، وكأن هذا القول هو قول المرجئة الفقهاء فقط. والصحيح: أن القول بأن الإيمان شهادة باللسان وإقرار بالقلب هو قول لكثير من المرجئة، من فقهائهم ومتكلميهم، من المنتسبين إلى السنة كـ حماد بن أبي سليمان، وممن هو خارج عن السنة والجماعة ممن عرفوا بالابتداع، والخروج عن طريقة الأئمة. لكن الاشتراك بين فقهائهم كـ حماد بن أبي سليمان وبين غيرهم من متكلميهم أو من خرج عن السنة والجماعة هو اشتراك في قدره الكلي.

стр. 79

قول طائفة من المرجئة بأن الإيمان هو الإقرار والشهادة إذاً نقول: إن طائفة من المرجئة يذهبون إلى أن الإيمان شهادة باللسان، وإقرار بالقلب. وهذا القول هو قول طائفة من المرجئة من فقهائهم ومتكلميهم، من المعروفين بالسنة والخارجين عنها، وهذا الاتفاق اتفاق في جملة القول وقدره الكلي وليس في تفصيله؛ فإنه من حيث التفاصيل ثمة فرق. وقبل تقرير الفرق نورد تقريراً لمقدمة أخص، وهي: أن فقهاء هذا النوع من المرجئة المعروفين بالسنة والجماعة كـ حماد أقرب في تقرير هذا القول ومرادهم به إلى السنة والجماعة من متكلمة هذا القول، فإن هؤلاء يبتعدون في تقريرهم عن كلام الأئمة من جهة الدلائل ومن جهة تقرير الحقائق. والفرق بين فقهائهم ومتكلميهم الذين يشتركون في تقرير هذه الجملة من وجهين: الوجه الأول: من جهة الدلائل وطرق الاستدلال، فإن حماداً وأمثاله لم يخرجوا في طرق الاستدلال عن المعروف عند السلف، وهو الاعتبار بكلام الله ورسوله في الدليل. أي: لم يستعملوا علم الكلام وغيره من الطرق المبتدعة في الاستدلال، بخلاف متكلمة المرجئة؛ فإنهم استعملوا هذا العلم. وكذلك حماد بن أبي سليمان وأمثاله، لم يطعنوا في شيء من سنة النبي ﷺ من جنس ما يطعن متكلمة المرجئة، كطعنهم في أخبار الآحاد. الوجه الثاني: من جهة المعاني؛ فإن تقرير حماد بن أبي سليمان لمقام العمل أشرف من تقرير متكلمة المرجئة، وإن كان حماد وأبو حنيفة رحمهما الله لا يدخلون العمل في مسمى الإيمان، إلا أنهم يعظمون شأنه، ويعظمون شأن الواجبات، ويذكرون مسألة الوعيد .. وما إلى ذلك؛ ولهذا هم في مسألة وعيد أهل الكبائر لا يخالفون جملة السلف. إذاً: تقرير حماد لمسألة العمل وإن كان خارجاً عن السنة والجماعة، باعتباره لا يجعل العمل داخلاً في مسمى الإيمان، إلا أنه أشرف من تقرير متكلمة المرجئة. وإذا تبين أن هذا القول: -وهو أن الإيمان إقرار بالقلب وقول باللسان- هو قول لكثير من المرجئة، وليس مختصاً بفقهائهم؛ تبين ما سبق الإشارة إليه، وهو أن كثيراً من شراح الحنفية -ولا سيما متكلمة الحنفية- لمقالة أبي حنيفة التي أخذها عن حماد، إنما ينسب عند التحقيق إلى الحنفية المتكلمين به، ولا يلزم أن ينسب إلى حماد وأمثاله. ولسنا هنا نقصد إلى المدافعة عن قول حماد؛ فقد تقدم أن قول حماد بدعة بإجماع السلف، وخارج عن السنة والجماعة بإجماع السلف، ولكن الزيادة أيضاً على الأعيان في الأقوال مما لا ينبغي أن يصار إليه، فقد شرح المتأخرون كثيراً من الأقوال وزادوا عليها، كزيادة بعض الحنابلة الذين قصدوا السنة والجماعة على أقوال الإمام أحمد في الصفات، كزيادات أبي عبد الله بن حامد مثلاً، ومنهم من تأولوا أقواله إلى شيء من التعطيل كـ ابن الجوزي وابن عقيل في أول أمره، وكذلك القاضي أبو يعلى في أول أمره. ومن هنا يتبين أن شرح أصحاب الأئمة لكلام الأئمة لا يلزم أن يكون جميعه صواباً. هذا ليس من مسائل الأصول التي قد يتعذر على كثير منهم الضبط لها، ولا سيما أصحاب أبي حنيفة، فإنهم مختلفون في ضبط عقيدته اختلافاً واسعاً، فصوفيتهم يميلون إلى الصوفية، والكرامية يميلون إلى التشبيه، والماتريدية يميلون إلى طريقتهم، وأشعريتهم كذا ومن المعروف أن أكثر ما استعمل من المذاهب الفقهية مذهب الأحناف .. فهذا المذهب فيه إشكال من هذا الوجه. وكذلك فيه إشكال من جهة أن أبا حنيفة ﵀ رجل اختلف عليه كثيراً، وروي عنه أشياء، وبلغت الأئمة الكبار كـ أحمد وأمثاله عنه بلاغات شديدة، لو صحت عنه لكان من كبار أهل البدع، كما يذكر ذلك عبد الله بن أحمد والخطيب البغدادي وابن عدي وأمثال هؤلاء. وقد يقول قائل: إن بعض الأسانيد في السنة لـ عبد الله بن أحمد أسانيد صحيحة عن فلان وفلان من الأئمة .. فنقول: صحة الإسناد لا تعني أن المتكلم أخذ هذا القول أو سمعه من أبي حنيفة، إنما هذا الإمام الذي صح الإسناد إليه بحسب إسناد عبد الله بن أحمد بلغه هذا القول عن أبي حنيفة فقاله، وهذه بلاغات، فليس الشأن مقتصراً على الطعن في أسانيد ثابتة إلى فلان وفلان من الأئمة، بل الشأن في المقدمة التي هي أهم من هذا، وهي: أن هذا المتكلم -في الغالب- لم يسمع هذا القول من أبي حنيفة، وإنما بلغه بلاغاً، ولهذا لم ينضبط عن أبي حنيفة شيء ثابت، ولو انضبط لشاع عند الأئمة، ولهذا يجعل شيخ الإسلام ابن تيمية أبا حنيفة على السنة والجماعة، وإنما نستثنيه في مسألة الإيمان، وهذا هو التحقيق. ولو فرض جدلاً أن أبا حنيفة كان عنده بدع ما بلغت فهذا بينه وبين ربه، وليس من المقصود في السنة أن يتهم أحد أو يجزم له بشيء لم ينضبط عنه.

стр. 80

الأدلة الشرعية والعقلية على أن الإيمان يزيد وينقص [وكذلك صناعات الناس، لو أن قوماً ابتنوا حائطاً .. وكان بعضهم في تأسيسه، وآخر قد نصفه، وثالث قد قارب الفراغ منه، قيل لهم جميعاً: بناة، وهم متباينون في بنائهم. وكذلك لو أن قوماً أمروا بدخول دار، فدخلها أحدهم، فلما تعتب الباب أقام مكانه وجاوزه الآخر بخطوات، ومضى الثالث إلى وسطها، قيل لهم جميعاً: داخلون، وبعضهم فيها أكثر مدحاً من بعض. فهذا الكلام المعقول عند العرب السائر فيهم، فكذلك المذهب في الإيمان، إنما هو دخول في الدين، قال الله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر:١ - ٣] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] فالسلم الإسلام، وقوله: (كافة) معناها عند العرب الإحاطة بالشيء. قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس) فصارت الخمس كلها هي الملة التي سماها الله سلماً مفروضاً. فوجدنا أعمال البر وصناعات الأيدي ودخول المساكن كلها تشهد على اجتماع الاسم وتفاضل الدرجات فيها، هذا في التشبيه والنظر، مع ما احتججنا به من الكتاب والسنة، فهكذا الإيمان هو درجات ومنازل، وإن كان سمى أهله اسماً واحداً وإنما هو عمل من أعمال تعبّد الله به عباده وفرضه على جوارحهم، وجعل أصله في معرفة القلب، ثم جعل المنطق شاهداً عليه، ثم الأعمال مصدقة له، وإنما أعطى الله كل جارحة عملاً لم يعطه الأخرى، فعمل القلب الاعتقاد، وعمل اللسان القول، وعمل اليد التناول، وعمل الرجل المشي، وكلها يجمعها اسم العمل، فالإيمان على هذا التناول إنما هو كله مبني على العمل، من أوله إلى آخره، إلا أنه يتفاضل في الدرجات على ما وصفنا. وزعم من خالفنا أن القول دون العمل، فهذا عندنا متناقض، لأنه إذا جعله قولاً فقد أقر أنه عمل، وهو لا يدري بما أعلمتك من العلة الموهومة عند العرب في تسمية أفعال الجوارح عملا. وتصديقه في تأويل الكتاب في عمل القلب واللسان، قول الله في القلب: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] وقال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] وقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٣٥] وقال رسول الله ﷺ : (إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وهي القلب) وإذا كان القلب مطمئناً مرة، ويصغى أخرى، ويوجل ثالثة، ثم يكون منه الصلاح والفساد، فأي عمل أكثر من هذا، ثم بين ما ذكرنا قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨] فهذا ما في عمل القلب. وأما عمل اللسان فقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ [النساء:١٠٨] فذكر القول ثم سماه عملاً، ثم قال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١] هل كان عمل رسول الله ﷺ معهم إلا دعاؤه إياهم إلى الله، وردهم عليه قوله بالتكذيب، وقد أسماها هاهنا عملاً؟ وقال في موضع ثالث: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] * ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥٢] إلى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] فهل يكون التصديق إلا بالقول، وقد جعل صاحبها هاهنا عاملاً؟! ثم قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ [سبأ:١٣] فأكثر ما يعرف الناس من الشكر أنه الحمد والثناء باللسان، وإن كانت المكافأة قد تدعى شكراً. فكل هذا الذي تأولنا إنما هو على ظاهر القرآن وما وجدنا أهل العلم يتأولونه، والله أعلم بما أراد، إلا أن هذا هو المستفيض في كلام العرب غير المدفوع، فتسميتهم الكلام عملاً، من ذلك أن يقال: لقد عمل فلان اليوم عملاً كثيراً، إذا نطق بحق وأقام الشهادة، ونحو هذا، وكذلك إن أسمع رجلٌ صاحبه مكروهاً، قيل: قد عمل به الفاقرة، وفعل به الأفاعيل، ونحوه من القول، فسموه عملاً، وهو لم يزده على المنطق. ومنه الحديث المأثور: (من عد كلامه من عمله، قلّ كلامه إلا فيما ينفعه). فوجدنا تأويل القرآن، وآثار النبي ﷺ ، وما مضت عليه العلماء، وصحة النظر، كلها تصدق أهل السنة في الإيمان، فيبقى القول الآخر، فأي شيء يتبع بعد هذه الحجج الأربع؟! وقد يلزم أهل هذا الرأي ممن يدعي أن المتكلم بالإيمان مستكمل له، من التبعة ما هو أشد مما ذكرنا، وذلك فيما قص علينا من نبأ إبليس في السجود لآدم، فإنه قال: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾ [ص:٧٤] فجعله الله بالاستكبار كافراً وهو مقر به غير جاحد له، ألا تسمع: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] وقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] فهذا الآن مقر بأن الله ربه، وأثبت القدر أيضاً في قوله: (أَغْوَيْتَنِي) وقد تأول بعضهم قوله: (وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ) أنه كان كافراً قبل ذلك! ولا وجه لهذا عندي، لأنه لو كان كافراً قبل أن يؤمر بالسجود لما كان في عداد الملائكة، ولا كان عاصياً إذا لم يكن ممن أمر بالسجود. وينبغي في هذا القول أن يكون إبليس قد عاد إلى الإيمان بعد الكفر لقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] وقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] فهل يجوز لمن يعرف الله وكتابه وما جاء من عنده أن يثبت الإيمان لإبليس اليوم؟!]. هذا هو ما سبق: وهو أن زيادة الإيمان دليلها آيات في القرآن، وأيضاً دليلها الضرورة الشرعية والضرورة العقلية، فإن تماثل بني آدم في فعل ما شرعي أو غير شرعي تماثل ممتنع، ولهذا لا يوجد فعل من الأفعال، إلا وأهله القاصدون إليه يتفاضلون فيه، وهذا هو مقصود المصنف لما قال: "وكذلك صناعات الناس". أي: أن من قصدوا إلى صناعة شيء لابد أن يتفاضلوا، ولهذا يكون هذا في مبدأ الصناعة، وهذا في وسطها، وهذا في منتهاها، وهذا تقدم على هذا، وهذا أتقن من هذا .. إلى غير ذلك. فالقول: بأن الإيمان لا يتفاضل قول ممتنع في العقل .. ممتنع في الخارج، ولهذا كان من فقه السلف أنهم ألزموا الذين لا يقولون بتفاضل الإيمان، وزيادته ونقصانه بلازم يلزمهم، وإن كان عند التحقيق ليس مذهباً لهم، قالوا: يلزم من هذا القول أن يكون إيمان جبريل كإيمان آحاد الناس، وأن يكون إيمان أبي بكر كإيمان الفساق .. وهذا فعلاً لازم، يدل على بطلان هذا المذهب، لأن من يقول: إن الإيمان واحد، يلزمه أن إيمان أبي بكر كإيمان الحجاج بن يوسف، أو أمثال هؤلاء ممن اشتهر بشيء من القتل أو الفجور أو الفسوق. فهذا القول يعلم بديهةً بضرورة العقل أنه ممتنع، وعلى هذا يكون أصل هذا القول ممتنعاً عقلاً وشرعاً.

стр. 81

شرح كتاب الإيمان [٨] معتقد غلاة المرجئة والجهمية في الإيمان أنه العلم والمعرفة، ولازم قولهم هذا أن أغلظ الكفار كفراً- كفرعون وإبليس- مؤمنون؛ لأنهم عرفوا الله وعرفوا دينه، وهذا قول باطل ترده العقول السليمة والفطر المستقيمة، فالعلم الإداركي المعرفي لا يحصل به الإيمان، وإنما يحصل الإيمان بعلم القبول.

стр. 82

باب من جعل الإيمان المعرفة بالقلب وإن لم يكن عمل [قال أبو عبيد: قد ذكرنا ما كان من مفارقة القوم إيانا في أن العمل من الإيمان، على أنهم وإن كانوا لنا مفارقين، فإنهم ذهبوا إلى مذهب قد يقع الغلط في مثله. ثم حدثت فرقة ثالثة شذت عن الطائفتين جميعاً ليست من أهل العلم ولا الدين، فقالوا: الإيمان معرفة بالقلوب بالله وحده، وإن لم يكن هناك قول ولا عمل! وهذا منسلخ عندنا من قول أهل الملل الحنفية؛ لمعارضته لكلام الله ورسوله ﷺ بالرد والتكذيب، ألا تسمع قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة:١٣٦]. الآية، فجعل القول فرضاً حتماً، كما جعل معرفته فرضاً ولم يرض بأن يقول: اعرفوني بقلوبكم. ثم أوجب مع الإقرار الإيمان بالكتب والرسل كإيجاب الإيمان ولم يجعل لأحد إيمانا إلا بتصديق النبي ﷺ في كل ما جاء به فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه﴾ [النساء:١٣٦] وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] يعني النبي ﷺ ، فلم يجعل الله معرفتهم به إذ تركوا الشهادة له بألسنتهم إيماناً؛ ثم سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) في أشياء كثيرة من هذا لا تحصى. وزعمت هذه الفرقة أن الله رضي عنهم بالمعرفة! ولو كان أمر الله ودينه على ما يقول هؤلاء ما عرف الإسلام من الجاهلية، ولا فرقت الملل بعضها من بعض، إذ كان يرضى منهم بالدعوى على قلوبهم، غير إظهار الإقرار بما جاءت به النبوة والبراءة مما سواها، وخلع الأنداد والآلهة بالألسنة بعد القلوب، ولو كان هذا يكون مؤمناً ثم شهد رجل بلسانه أن الله ثاني اثنين كما يقول المجوس والزنادقة، أو ثالث كقول النصارى، وصلى للصليب، وعبد النيران بعد أن يكون قلبه على المعرفة بالله لكان يلزم قائل هذه المقالة أن يجعله مؤمناً مستكملاً الإيمان كإيمان الملائكة والنبيين! فهل يلفظ بهذا أحد يعرف الله أو مؤمن له بكتاب أو رسول؟ وهذا عندنا كفر لم يبلغه إبليس فمن دونه من الكفار قط!].

стр. 83

قول غلاة المرجئة والجهمية أن الإيمان هو العلم والمعرفة هذا القول -وهو أن الإيمان هو العلم، أو الإيمان هو المعرفة- هو قول غالية المرجئة، وهو مضاف إلى الجهم بن صفوان الرجل المعروف باختراع البدع، وهو من كبار أئمة الضلال الذين أجمع السلف على ذمهم وتبديعهم، بل وذهب طائفة إلى تكفيره، وقد قتل، وإن كان اختلف السبب في قتله، ويضاف ما يقارب هذا القول إلى أبي الحسين الصالحي وهو من كبار المرجئة.

стр. 84

أنواع العلم هنا سؤالان:- السؤال الأول: أليس العلم يعد إيماناً في كتاب الله ؟ أليس قد عظم الله شأن العلم به، وقال ﷺ : (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة) وفي قول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] والجواب: أن العلم ينقسم إلى نوعين: النوع الأول: علم إدراك. النوع الثاني: وعلم قبول. والذي عظمه الشارع ووصف المؤمنين به هو علم القبول، وهذا هو الذي وصِف أهل الإيمان به في قول الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] فالمقصود بالعلم هنا علم القبول لا علم الإدراك، وهو العلم الإيماني. وأما علم الإدراك فإنه يقع لغير المسلمين، وهو التصور المحض للشيء، والذي لا يتبعه إذعان وقبول، وهو المذكور عن الكفار في مثل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] فهذه معرفة إدراك لا معرفة قبول، وهذا هو المذكور في قول الله تعالى عن أغلظ الكفار كفراً وهو فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] وبهذا يتبين ضرورة اعتبار الأسماء في كتاب الله بسياقاتها. وقد يقول قائل -مثلاً-: إن الجهل ليس عذراً في مسألة التكفير؛ لأن الله كفّر الكفار وقد وصفهم بالجهل في آيات كثيرة في كتابه، فقد وصفهم بأنهم أهل جاهلية إلى غير ذلك، مما يدل على أن علمهم ليس بلازم، وأن الجهل ليس عذراً في التكفير، وليس مانعاً من التكفير. وهناك أيضاً من ينظر على العكس في هذه المسألة، فيقول: إن الله لم يكفر الكفار إلا بعدما قام عليهم العلم، ولهذا وصفهم بقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] فنقول: ألا يصح أن يقال عن القوم الذين قال الله عنهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] أو قال عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] فأثبت لهم شديداً من قدر العلم الإدراكي أن هؤلاء في كتاب الله هم أهل الجهل والجاهلية؟ أليس الله يقول: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] واليهود يدخلون في هذا السياق؟ إذاً: لهم قلوب لا يفقهون بها، ومع ذلك هم في السياق الآخر يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. إذاً: الله وصف المشركين بالجهل في مقام، ووصفهم بالإدراك في مقام آخر، فهو قد نفى عنهم تحقيق علم القبول، أما علم الإدراك فهو موجود، وإلا لو كان علم الإدراك غير موجود فإن الحجة لن تقوم عليهم، وإذا كان الرسل يبعثون، ولا يقوم على المكلفين العلم الإدراكي، فما معنى أن الرسل بعثت؟! وما معنى أن الحجة قامت؟! ولهذا لما بعث الله الرسل قامت بهم الحجة؛ لأن المخاطبين حصلوا علم الإدراك، وهذا قول النبي ﷺ : (ما من الأنبياء من نبي إلا قد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر) أي: ما مثله يجب أن يؤمن البشر به. وهذه المسألة -وهي اختلاف مورد الأسماء في كتاب الله- يأتي إن شاء الله ذكرها في كتاب شرح حديث الافتراق؛ لأنه يقع عنها كثير من الاختلاف. إذاً: العلم الإدراكي يقع للكفار، وأما علم القبول فهو العلم الإيماني.

стр. 85

ما هو العلم الذي أراده الجهم في قوله أن الإيمان هو العلم والمعرفة السؤال الثاني: هل أراد الجهم بن صفوان لما قال: إن الإيمان هو المعرفة العلم الإدراكي، أم أراد العلم القبولي ولكنه أخرج العمل منه؟ هذا أمر متردد فيه، والرجل ليس نزيهاً عن الأخذ عن الفلسفة، ومن المعلوم أن أساطين المتكلمين لخصوا كثيراً من كلامهم في مسائل أصول الدين عند المسلمين من فلسفة الفلاسفة إما فلسفة اليونان أو غيرهم، وقد كان يقال عند الفلاسفة: إن العلم هو أشرف المقاصد. ويريدون بالعلم العلم الإدراكي، وليس العلم الذي عنه قبول؛ لأنهم لا يؤمنون بمقام العبودية لله . فإذا قيل: ماذا أراد جهم بقوله هذا؟ قيل: هذا متردد، ف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يميل في تقاريره -وإن كان لا يصرح به- أن الجهم بن صفوان يذهب إلى أن العلم هنا هو العلم الإدراكي، ولهذا يعريه عن أعمال القلوب والقبول، ويرى أن الإيمان محض معرفة .. فهذا فهم لكلام جهم. والفهم الثاني: فهم أبي الحسن الأشعري، فقد قال الأشعري في مقالاته: "إن جهماً يقول: الإيمان هو المعرفة والعلم". لكن لما فسر أبو الحسن الأشعري مقالة جهم ضمنها -كما في كتاب مقالات الإسلاميين- معانٍ قلبية كالمحبة والخضوع، فقال: "فإذا عرف محبةً وخضوعاً كان عنده مؤمناً". فواضح من تفسير الأشعري لمقالة جهم أن الأشعري يفسر العلم عند الجهم بعلم القبول، ولكنه يغلو في تضييقه حتى يخرج جملة أعمال القلوب منه، ويخرج الأعمال الظاهرة منه. فهذا هو التردد في تفسير كلام الجهم. وقد تقدم أن شيخ الإسلام إذا أراد تفسير قول الجهم وحده فكأنه يميل في تقريره إلى أن جهماً يذهب إلى أنه علم إدراكي، ولكن يشكل عليه في كلام شيخ الإسلام نفسه أنه إذا تكلم عن مذهب أبي الحسن الأشعري فإنه يقول: "إن قول أبي الحسن هذا -أي: أن الإيمان هو التصديق- أصله قول جهم بن صفوان ". مع أن أبا الحسن الأشعري قطعاً لا يقصد بالتصديق العلم الإدراكي، وإنما يريد علم القبول، فهل أراد ابن تيمية بهذا التردد في تفسير كلام جهم، أم أنه أراد أن الأشعري يشارك الجهم في الأصل دون التحقيق للقول؟ هذه مسألة تردد. وقد يقول قائل: فما هو الراجح؟ أقول: لا يلزم العلم بالراجح، فـ الجهم أقل من أن نهتم بترجيح إلى أي المذهبين يذهب، لكن المهم أنه يذهب إلى مذهب باطل بدعي إلخ؛ فالسلف كـ وكيع وأحمد وعبد الرحمن بن مهدي وأمثالهم جعلوا مقالة جهم بن صفوان كفراً، وقد نقل هذا شيخ الإسلام وغيره، وهذا ما أشار إليه المصنف في قوله: "وهذا منسلخ عندنا من قول أهل الملل الحنفية".

стр. 86

حقيقة الخلاف بين مرجئة الفقهاء وبين السلف في مسألة الإيمان قبل أن ننتقل عن تقرير الفرق بين قول مرجئة الفقهاء وقول السلف، يمكن أن يلخص هذا الفرق من أوجه؛ لأن هذا الفرق يتلخص عند المتأخرين بجملة من الألفاظ، والمعتبر هو أن تذكر الحقائق المتضمنة لهذا الفرق، فإن بعض الحنفية المنتصرين لقول أبي حنيفة يقولون: إن الخلاف بين أبي حنيفة وأمثاله، وبين العامة من السلف خلاف لفظي، ومنهم من عبر بأن هذا الخلاف من الخلاف الصوري، أما الإمام ابن تيمية ﵀ فإنه يقول: "إن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي". ويقول: "إن بدعة حماد بن أبي سليمان ومن وافقه من الفقهاء من بدع الأقوال وليست من بدع العقائد". وهذه التعبيرات في حقيقتها ليست تقريراً للفرق بقدر ما هي أوصاف لهذا المذهب وحقيقة مخالفته. أما القول بأن الخلاف لفظي، فهذا تعبير حنفي لم ينتصر له إلا من يعظم قول أبي حنيفة من الأحناف، وهو مائل إلى الإرجاء. وهذا التعبير لا شك أنه غلط؛ فإن الخلاف بين الجمهور من السلف، وبين أبي حنيفة وحماد وأمثالهم ليس خلافاً لفظياً، ولاسيما أن السلف الأول لم يعرفوا هذا المصطلح -وهو مصطلح الخلاف اللفظي- وإنما درج على هذا المصطلح أهل النظر، حيث يعبرون به عن المسائل التي لا ثمرة للخلاف فيها؛ أي: إنما اختلفت الألفاظ .. وهذا لا شك أنه غلط، بل الخلاف اللفظي في هذه المسألة إنما هو في جمل الأئمة في تعريف الإيمان، فإن منهم من يقول: الإيمان قول وفعل، ومنهم من يقول: قول وعمل، ومنهم من يقول: قول وعمل ونية .. فهذا هو الذي يصح أن يقال: إنه خلاف لفظي؛ لأنه لا ثمرة له، بل المعنى متفق على التمام. وأما قول حماد ومن وافقه كـ أبي حنيفة وقول العامة من السلف فإن الخلاف بينهما ليس لفظياً على هذا التقرير. ولهذا من عبر بأنه لفظي أو صوري وأطلق فإن قوله هذا غلط وفيه توهم كثير. وأما شيخ الإسلام ﵀ فإنه لم يعبر بهذا في شيء من كتبه، وإنما قال: "إن أكثر الخلاف لفظي". ومراده بهذا أن الفقهاء كـ حماد وأمثاله يوافقون السلف في مسألة الأحكام في الآخرة من جهة وعيد أهل الكبائر، ويوافقون السلف في مسألة لزوم الواجبات، وفي الطعن على أهل الكبائر بالفسق وأمثال هذه المسائل، ولم يرد الإمام ابن تيمية ﵀ أن الخلاف لا ثمرة له من كل وجه. وكذلك قوله ﵀: "إن بدعتهم -يعني: الفقهاء- هي من بدع الأقوال وليست من بدع العقائد .. " إنما هو مصطلح متأخر ينبغي أن يفقه على وجهه، فإنه يمكن أن يقال باعتبار آخر: إن بدعة حماد بدعة عقدية، فإنه تكلم في مسألة تعد من أصول العقائد، وإخراج العمل من الإيمان يعد غلطاً صريحاً على الشريعة، وعلى إجماع السلف الأول قبل ظهور مقالة حماد. ومثل هذه التعبيرات من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيها نفس متأخر لا يقصد إلى نقدها أو عدم التحقيق لها، وإنما يقصد إلى ضرورة ولزوم فقهها على وجهها؛ حتى لا يفهم من قول شيخ الإسلام ويتبادر إلى ذهن ما أن هذه المسألة مما يسوغ فيها الخلاف أو الاجتهاد، أو أنه لا ينكر على حماد ومن وافقه، أو أن هذا ليس من باب الأصول وإنما هو من باب الفروع .. فهذه التبادرات الذهنية لم يردها شيخ الإسلام ﵀، فإننا نجد أن شيخ الإسلام مع أقواله السابقة إلا أنه في مقام آخر يشنع على هذا القول ويقول: "إن أصحابه خالفوا السنة والكتاب والإجماع الأول -إجماع الصحابة- في إخراجهم العمل عن مسمى الإيمان"، وقال: "إن السلف ممن شارك هؤلاء في العصر أو سبقهم قد نصوا على أن العمل أصل في الإيمان ... " إلى غير ذلك. أي: أن ابن تيمية ﵀ يعارض هذا المذهب بشدة. فتعبيره السالف في وصفه لهذا المذهب هو وصف يفقه على وجهه، ويمكن أن يقال: إنه يفقه من كلام شيخ الإسلام نفسه في مواضع أخرى. وعليه فهذا اصطلاح حين يقال: إن هذا من بدع الأقوال، فمن قال: إن هذه من بدع الأقوال وأراد بذلك أن من قال هذا القول لم يخرج به عن مسمى السنة والجماعة من كل وجه، ولم يصبح من أئمة أهل البدع، فهذا مراد صحيح، وإن أراد به أن المسألة من الفروع، أو مما يسوغ فيه الاجتهاد، أو أنها لم تخالف إجماعاً منضبطاً أو ما إلى ذلك فهذا كله غلط. وعلى هذا يصح أن يقال: إنها -أي بدعة الفقهاء- من بدع الأقوال، ويصح أن يقال أيضاً: إنها من بدع العقائد. ومن قال: إنها بدعة عقدية؛ فإنه لا يمكن أن ينازع في قوله هذا، وإنما المهم أن يضبط هذا المراد. إذاً تلخص لنا: أن تسمية بدعة حماد بن أبي سليمان ومن وافقه -أو ما يسمى بقول مرجئة الفقهاء- بدعةً قولية أو بدعة عقدية التحقيق فيه أن هذا اصطلاح وصفي، وإنما المهم في شأنه المراد به. فمن قال: إنها بدعة قولية، وفسرها من جنس تفسير شيخ الإسلام فهذا صحيح. ومن قال: إنها بدعة قولية، وأراد بذلك أنها من مسائل الفروع أو مما يسوغ فيه الاجتهاد، أو لم ينضبط للسلف فيها إجماع، أو ما إلى ذلك من الافتراضات، فهذا قول غلط وإن كان اللفظ قد يكون مشتركاً. وبعبارة أخرى: أن وصف بدعة الفقهاء بكونها بدعة قولية أو بدعة عقدية، يقال فيه: هذه ألفاظ أو أوصاف مشتركة، فقد يصح في مقام أن يقال: إنها بدعة قولية، وقد يمنع ذلك في مقام آخر، وكذلك تسميتها بدعة عقدية قد يصح في مقام ويمنع في مقام بحسب مراد من تكلم به. ولهذا ليس المهم عند طالب العلم أن يحرر: هل نقول إنها بدعة قولية أو نقول: إنها بدعة عقدية، إنما المهم أن يحرر المعاني المرادة بهذه الأوصاف.

стр. 87

الفروق بين مذهب مرجئة الفقهاء ومذهب السلف في مسألة الإيمان أما الفروقات بين مذهب حماد بن أبي سليمان وبين مذهب العامة من السلف فهي كالتالي: أولاً: قد تقدم أن في المسألة إجماعاً قطعياً من السلف قبل ظهور مقالة حماد، ولهذا نقول: هو قول السواد أو الجمهور من السلف باعتبار، ولكن إذا قررنا الإجماع قيل: القول بأن الإيمان قول وعمل، وأن العمل داخل في مسمى الإيمان، هو إجماع للسلف. أي: إذا أردنا تقرير الدلائل على هذا القول؛ فإن الدلائل على أن الإيمان قول وعمل وأن العمل داخل في الإيمان، الكتاب والسنة والإجماع القطعي، وليس الإجماع الظني أو السكوتي. فإن قيل: لقد سُمي حماد ومن وافقه من أهل السنة ومن السلف! قيل: هم كذلك، وهم مخصومون بالإجماع المنضبط الصريح قبلهم؛ ولهذا كان قولهم بدعة، وإلا لو لم يخصموا بالإجماع قبلهم ما كان قولهم بدعة، بل كان من مسائل النزاع والخلاف بين السلف. ثانياً: أن حماداً ومن وافقه لا يذهبون إلى أن العمل أصل في الإيمان، ولا يُدخلون العمل في مسمى الإيمان، فهم لم يدخلوه في مسمى الإيمان فضلاً عن أن يجعلوه أصلاً، وعلى هذا فإن حماداً ومن وافقه لا يذهبون إلى التكفير بترك العمل سواء كان ترك آحاد من العمل أو ترك جملة العمل. وهذا الفرق باعتبار جملة العمل هو فرق لازم، أما باعتبار آحاد العمل فإن فيه تفصيلاً تقدمت الإشارة إليه. ثالثاً: أن حماداً خالف صريح الكتاب والسنة؛ فإن الله ورسوله ﷺ أدخلا العمل في مسمى الإيمان. فإن قيل: إن هذه مخالفة لفظية. قيل: بل هي مخالفة على الحقيقة، فإن تسمية العمل إيماناً ليس أمراً لفظياً، بل له حقيقة شرعية دينية. رابعاً: أن السلف يذهبون إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وحماداً ومن وافقه يجعلون الإيمان على قدر متوحد، وإن لم يكن قولهم هذا مطرداً من جنس اطراد في قول المتكلمين الذين يجعلون الإيمان واحداً إلى أمثال ذلك من الفروقات. ومن نتائج بعض هذه الفروقات أن أبا حنيفة والأحناف لا يكفرون تارك الصلاة؛ لأن الصلاة عمل. ومن هنا قيل: إن من لم يكفر تارك الصلاة ينظر في مبنى قوله: فإن كان مبنى قوله أن الصلاة عمل والعمل لا يكفر تاركه، فهذا القول بدعة. وإن كان معتبر النظر في الأدلة فهذا دائر بين الراجح والمرجوح.

стр. 88

مسألة عدم تكفير الإمام مالك والشافعي لتارك الصلاة من المهم هنا أن ننبه إلى مسألة وهي: أن القول بأن مالكاً والشافعي -كما يقول بعض أهل العلم من المعاصرين- لم يثبت عنهما أنهما لم يكفرا تارك الصلاة وأنه من غلط المتأخرين من أصحابهما، قول ليس بصحيح؛ لأمرين: الأمر الأول: أن لدى أصحاب مالك إطباقاً -في الجملة- على أن مالكاً لا يكفر تارك الصلاة، فمن المتعذر أن الأصحاب بجملتهم ومحققيهم وطبقاتهم يجمعون على غلط على مالك، بل هذا فيه تكلف وزيادة، وهم علماء وأجلاء وعقلاء، ولاسيما أن كباراً من المالكية القدماء كانوا يذهبون إلى ذلك ويجعلونه مذهباً لإمامهم، فمن المتعذر عقلاً أن يطبق المالكية على قول ومالك بريء منه براءة تامة، بل إن مالكاً يجعله إجماعاً على خلافه. الأمر الثاني: أن من هو خبير بأقوال الفقهاء والأئمة، وهو من المتقدمين في الجملة، وهو محمد بن نصر، والذي يعتبر من أضبط الناس للخلاف، وقد أشاد به ابن تيمية ﵀ وقال عنه: "إنه من أضبط الناس لأقوال الأئمة وخلافهم" يقرر أن هذا قول معروف لـ مالك وجملة من السلف؛ وهو أنهم لا يذهبون إلى كفر تارك الصلاة. إذاً من يقول: إن هذا غلط من متأخري المالكية .. قوله هذا ليس بصحيح، بل هو توارد عند المالكية وتوارد عند الشافعية، وإن كان هذا المذهب مرجوحاً، لكنه مذهب محفوظ وباق؛ مما يجعل المسألة لا يمكن أن تعد من الأصول التي يبدع فيها المخالف. ويلزم من يقول: إن الصلاة مجمع عليها أن يكون مالك خالف إجماع السلف، وأن يكون قوله فرعاً عن قول المرجئة وما إلى ذلك؛ كما قيل عن حماد بن أبي سليمان. وهذه اللزومات ما نطق بها أحد من المحققين لا عن مالك ولا عن الشافعي. وكذلك الإمام ابن تيمية ﵀ لم ينكر الخلاف، مع أنه ينتصر لكون ترك الصلاة كفراً، إلا أنه يقر في الجملة بهذا الخلاف، ولا يطعن فيه، وإنما يطعن في مسألة واحدة، وهي: أن من ترك الصلاة -عند الشافعي ومالك - ودعي إليها فإن أبى قتل. قال: "إن المتأخرين من أصحاب مالك قالوا: يقتل فاسقاً. قال: وهذا غلط على مالك، بل هذا إذا قتل لابد أن يقتل كافراً كضرورة عقلية، فإنه يمتنع أن يصبر على السيف مقابل أن يؤدي صلاة أو صلاتين مما حضر وقتها .. ". فهذا ما يقال في هذه المسألة.

стр. 89

شرح كتاب الإيمان [٩] ذم السلف لأهل البدع سنة سلفية ماضية، وهم عند ذمهم لهم إنما يريدون الطعن على بدعتهم، وبيان أحوالهم وما إلى ذلك، لا التقرير لمآلهم في الآخرة، فإنه لم يكن من منهج السلف الاشتغال بمسألة تقرير المآلات في الجملة، وإنما كانوا يكفرون الأعيان الذين استقر وظهر كفرهم.

стр. 90

باب ذكر ما عابت به العلماء من جعل الإيمان قولاً بلا عمل وما نهوا عنه من مجالستهم [قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو السيباني قال: قال حذيفة: إني لأعرف أهل دينين، أهل ذينك الدينين في النار، قوم يقولون: الإيمان قول، وإن زنا وإن سرق، وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس؟! وإنما هما صلاتان! قال: فذكر صلاة المغرب أو العشاء وصلاة الفجر. قال: وقال ضمرة بن ربيعة يحدثه عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن حميد المقرائي عن حذيفة قارن حديث حذيفة هذا قد قرن الإرجاء بحجة الصلاة، وبذلك وصفهم ابن عمر أيضاً: قال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت الجزري عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال: صنفان ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية. حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن سلمة بن كهيل قال: اجتمع الضحاك وميسرة وأبو البختري، فأجمعوا على أن الشهادة بدعة، والإرجاء بدعة، والبراءة بدعة. قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري قال: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أعز على أهلها من هذا الإرجاء. قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال: دخل فلان (قد سماه إسماعيل ولكن تركت اسمه أنا) على جندب بن عبد الله البجلي فسأله عن آية من القرآن؟ فقال: أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت، قال: أو قال: أن تجالسني أو نحو هذا القول). قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال لي سعيد بن جبير غير سائله ولا ذاكراً له شيئاً: لا تجالس فلاناً (وسماه أيضاً) فقال: إنه كان يرى هذا الرأي. والحديث في مجانبة الأهواء كثير، ولكنا إنما قصدنا في كتابنا لهؤلاء خاصة. وعلى مثل هذا القول كان سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس، ومَنْ بعدهم من أرباب العلم وأهل السنة الذين كانوا مصابيح الأرض وأئمة العلم في دهرهم، من أهل العراق والحجاز والشام وغيرها، زارين على أهل البدع كلها، ويرون الإيمان قولاً وعملاً]. في هذا الباب يذكر المصنف ﵀ ذم السلف لأهل البدع، الذين خالفوا في مسألة الإيمان، وهو مستعمل في كلام السلف ﵏، ومرادهم بذلك: ١ - الذم لأقوالهم. ٢ - الذم لأحوالهم. ٣ - الذم لطوائفهم. وإن لم يكن هذا الذم مراداً به بالضرورة إبانة المآل. أي: إن ذم الأئمة لأهل البدع ذمٌ متواتر، وإنما يراد به الطعن على بدعتهم، وبيان أحوالهم وما إلى ذلك، لا التقرير لمآلهم في الآخرة؛ فإن مسألة التقرير للمآلات لم يشتغل بها السلف في الجملة، وإنما كانوا يكفرون الأعيان الذين استقر وظهر كفرهم. وننبه إلى أن البعض قد يقول: السلف لا يكفرون الأعيان .. وهذا غلط، بل الأعيان هم الواحد من الناس، وكل من ظهر كفره واستقر وبان عليه أمر الله ورسوله الموجب لكفره فإنه يسمى كافراً، ولا يصح القول: إن السلف لم يكن من طريقتهم التكفير للأعيان، بل يقال: من كفره الله ورسوله، أو ظهر كفره بدليل الشرع فإنه يجب العلم بتكفيره.

стр. 91

مسائل متعلقة بذم السلف لأهل البدع ذم السلف لأهل البدع سنة سلفية ماضية، لكن ينبه فيه إلى مسائل، سواء كان الذم في مسألة الإيمان أو غيرها: المسألة الأولى: أن بعض الناقلين لأقوال السلف زادوا عليها في الذم، كنقل أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ﵀ في كتابه: ذم الكلام، فإنه زاد في بعض كلام السلف، أو في النقل عنهم، وهو لم يزد عليهم كذباً ولكنه زاد عليهم تفسيراً. وهذا يبين أن بعض المتأخرين المنتصرين لمذهب أهل السنة، ممن لم يحقق طريقة الأئمة في هذا الباب، يزيدون بفهمهم لمذهب السلف في ذم المخالفين، وقد نص ابن تيمية ﵀ على أن أبا إسماعيل قد زاد في ذم المخالفين من الجهمية وغيرهم وتكفيرهم. المسألة الثانية: أنه درج في ذم السلف لأهل البدع لفظ التكفير، ولا سيما إذا تكلموا في ذم المخالفين في باب الإلهيات -باب الأسماء والصفات- كالجهمية ومن أنكر الصفات أو عطلها، وعلى جملة من المخطئين في مسائل أخرى من مسائل القدر أو مسائل الإيمان، كتكفيرهم لقول جهم بن صفوان في مسألة الإيمان ونحو ذلك .. فهذا التكفير حكم على هذه المذاهب في الجملة بأنها كفر، وإن كان لا يلزم من ذلك أن أصحابها يكونون كفاراً. وسيأتي شرح هذه المسألة -إن شاء الله- مستوفى في شرح حديث الافتراق. المسألة الثالثة: أن بعض المصنفين من أهل السنة يذكر باباً في مصنفه لمثل هذا القول -وهو الذم لأهل البدع أو للمخالفين- ويروي في صدره شيئاً يُرفع إلى النبي ﷺ ، كحديث: (القدرية مجوس هذه الأمة) وغيرها من الأحاديث المرفوعة إلى الرسول ﷺ ، والتي صرحت باسم بعض طوائف أهل البدع كالقدرية، أو الرافضة، أو المرجئة .. والتحقيق فيها أنه لم يصح عن الرسول ﷺ حديث واحد في تسمية أية طائفة بدعية، لا القدرية ولا المرجئة ولا الرافضة ولا المعتزلة ولا الجهمية، ولهذا لم يعتبرها الأئمة كـ أحمد وأمثاله في ذم أهل البدع، إنما يرويه بعض المتأخرين وبعض من هو دون هذا القدر ممن صنف في السنة والجماعة. أما ما ورد من ذم عن بعض الصحابة فلاشك أن بعضه صحيحاً، ولاسيما ذم القدرية؛ فإنه محفوظ عن عبد الله بن عمر وأمثاله. والمقصود: أن هذه الأحاديث من حيث هي مرفوعة إلى النبي ﷺ لا يصح منها شيء، إنما الثابت في وصف النبي ﷺ هو وصفه للخوارج، وهو حديث متواتر متفق عليه.

стр. 92

شرح كتاب الإيمان [١٠] معتقد أهل السنة أن مرتكب المعصية لا يصرف عنه مسمى الإيمان، ولا يطلق عليه مسمى الكفر، حتى وإن كان المقصود به كفر النعمة، وقد فرع أهل السنة على مسألة زيادة الإيمان ونقصه أن نفي الإيمان عن مرتكب المعصية لا يقصد به نفي الأصل وإنما نفي الكمال.

стр. 93

باب الخروج من الإيمان بالمعاصي [قال أبو عبيد: أما هذا الذي فيه ذكر الذنوب والجرائم، فإن الآثار جاءت بالتغليظ على أربعة أنواع:]. أراد ﵀ بهذا الباب بيان الأوصاف الشرعية في الكتاب والسنة في ذكر الذنوب المخالفة للإيمان؛ فإن الشارع وصفها بأربعة أوصاف سيذكرها المصنف ﵀، ويبين المذاهب في تفسيرها، ثم يبين الصواب عند السلف، وهذا باب فاضل، ولا سيما أن بعض المذاهب التي ذمها المصنف عند ذكره لها قد دخلت على كثير من متأخري أهل السنة، ففسروا ما هو من هذه الأحاديث بها.

стр. 94

أنواع الذنوب والمعاصي المخالفة للإيمان [فاثنان منها فيها نفي الإيمان، والبراءة من النبي صلى الله عليه، والآخران فيها تسمية الكفر وذكر الشرك وكل نوع من هذه الأربعة تجمع أحاديث ذوات عدة. فمن النوع الذي فيه نفي الإيمان حديث النبي صلى الله عليه: (لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن) وقوله: (ما هو بمؤمن من لا يأمن جاره غوائله) وقوله: (الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن) وقوله: (لا يبغض الأنصار أحد يؤمن بالله ورسوله). ومنه قوله: (والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا) وكذلك قول أبي بكر الصديق ﵁: (إياكم والكذب، فإنه يجانب الإيمان) وقول عمر ﵁: (لا إيمان لمن لا أمانة له) وقول سعد: (كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب). وقول ابن عمر: (لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقاً، ويدع المزاحة في الكذب). ومن النوع الذي فيه البراءة، قول النبي ﷺ : (من غشنا فليس منا) وكذلك قوله: (ليس منا من حمل السلاح علينا) وكذلك قوله: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا) في أشياء من هذا القبيل. ومن النوع الذي فيه تسمية الكفر قول النبي ﷺ حين مطروا فقال: (أتدرون ما قال ربكم؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما الذي يقول: مطرنا بنجم كذا وكذا، كافر بي مؤمن بالكوكب، والذي يقول: هذا رزق الله ورحمته مؤمن بي وكافر بالكوكب) وقوله ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) وقوله: (من قال لصاحبه: كافر فقد باء به أحدهما) وقوله: (من أتى ساحراً أو كاهناً فصدقه بما يقول أو أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ ، أو كفر بما أنزل على محمد ﷺ وقول عبد الله: (سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر)، وبعضهم يرفعه. ومن النوع الذي فيه ذكر الشرك قول النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر؛ قيل: يا رسول الله! وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء) ومنه قوله: (الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل)، وقول عبد الله في التمائم والتيولة: (إنها من الشرك)، وقول ابن عباس: (إن القوم يشركون بكلبهم! يقولون: كلبنا يحرسنا، ولولا كلبنا لسرقنا)]. فالنوع الأول: أدلة شرعية ورد فيها نفي الإيمان لموجب عمل. ومثاله: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة - وهو في الصحيحين-: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) والنوع الثاني: أدلة شرعية ورد فيها البراءة من النبي ﷺ . ومثاله: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة أيضاً -وهو في مسلم -: (من غش فليس منا). والنوع الثالث: أدلة شرعية ورد فيها تسمية الكفر. ومثاله: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة أيضاً -وهو في مسلم -: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) وقوله ﷺ في حديث ابن مسعود -وهو في الصحيحين-: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) وقوله ﷺ في حديث جرير بن عبد الله -وهو في مسلم -: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) وأمثال ذلك. والنوع الرابع: أدلة شرعية ورد فيها تسمية الشرك. ومثاله: قوله ﷺ في حديث عمر -وهو في الترمذي وغيره-: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). فهذه أربعة أوصاف: نفي الإيمان .. البراءة .. تسمية العمل كفراً .. تسمية العمل شركاً.

стр. 95

مذاهب المخالفين للسلف في نصوص الوعيد [فهذه أربعة أنواع من الحديث، قد كان الناس فيها على أربعة أصناف من التأويل، فطائفة تذهب إلى كفر النعمة، وثانية تحملها على التغليظ والترهيب، وثالثة تجعلها كفر أهل الردة، ورابعة تذهبها كلها وتردها. فكل هذه الوجوه عندنا مردودة غير مقبولة، لما يدخلها من الخلل والفساد، والذي يرد المذهب الأول ما نعرفه من كلام العرب ولغاتها، وذلك أنهم لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لأنعام الله وآلائه، وهو كالمخبر على نفسه بالعدم، وقد وهب الله له الثروة، أو بالسقم وقد منَّ الله عليه بالسلامة. وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب، فهذا الذي تسميه العرب كفراناً إن كان ذلك فيما بينهما وبين الله، أو كان من بعضهم لبعض إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه. ينبئك عن ذلك مقالة النبي ﷺ للنساء: (إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير- يعني الزوج- وذلك أن تغضب إحداكن فتقول: ما رأيت منك خيراً قط) فهذا ما في كفر النعمة. وأما القول الثاني المحمول على التغليظ فمن أفظع ما تأول على رسول الله ﷺ وأصحابه أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيداً لا حقيقة له، وهذا يؤول إلى إبطال العقاب، لأنه إن أمكن ذلك في واحد منها كان ممكناً في العقوبات كلها. وأما الثالث الذي بلغ به كفر الردة نفسها فهو شر من الذي قبله، لأنه مذهب الخوارج الذين مرقوا من الدين بالتأويل، فكفروا الناس بصغار الذنوب وكبارها، وقد علمت ما وصفهم رسول الله ﷺ من المروق وما أذن فيهم من سفك دمائهم. ثم قد وجدنا الله ﵎ يكذب مقالتهم، وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد، وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل، لأن رسول الله ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) أفلا ترى أنهم لو كانوا كفاراً لما كانت عقوباتهم القطع والجلد؟ وكذلك قول الله فيمن قتل مظلوماً: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [الإسراء:٣٣] فلو كان القتل كفراً ما كان للولي عفو ولا أخذ دية، ولزمه القتل. وأما القول الرابع الذي فيه تضعيف هذه الآثار فليس مذهب من يعتد بقوله، فلا يلتفت إليه، إنما هو احتجاج أهل الأهواء والبدع الذين قصر عملهم عن الاتساع، وعييت أذهانهم عن وجوهها، فلم يجدوا شيئاً أهون عليهم من أن يقولوا: متناقضة. فأبطلوها كلها!]. أحاديث الوعيد تأتي على جهتين: ١ - وعيد في الآخرة. ٢ - وعيد اسمي. فالوعيد في الآخرة كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ [النساء:١٠] وقول النبي ﷺ : (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار)، وقوله ﷺ : (ما أسفل من الكعبين ففي النار). وأما الوعيد الاسمي فهو: إخراج مرتكب المعصية عن مسمى اسم شرعي، أو عدم إضافته إلى المسلمين أو إلى المؤمنين أو ما إلى ذلك. وهو كقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) وما إلى ذلك.

стр. 96

المذهب الأول: من يفسر نصوص الوعيد بأنها من باب كفر النعمة المذهب الأول: هو قول من يذهب إلى تفسير هذه النصوص بأنها من باب كفر النعمة، وقد اعترض المصنف على هذا بأن العرب لا تعرف هذا الطرد .. وهذا صحيح؛ فلا يجوز أن تفسر جميع هذه النصوص في جميع مواردها بأنها من باب كفر النعمة؛ لأن كفر النعمة هو الجحد للآلاء أو ما إلى ذلك، هذا هو الذي تعرفه العرب. ولكن ينبه إلى أن المصنف ﵀ لم يرد إبطال هذا التفسير في جميع الموارد، وإنما أراد إبطال الطرد له، وإلا فإن الله يقول: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٢ - ٣] فلا شك أن من خالف فقد كفر شيئاً من النعم. إذاً أراد المصنف أن بعض الأحاديث لا تناسب هذا التفسير لغة .. وهذا صحيح، أما أن هذا حكم على جميع مواردها .. فهذا لم يرده المصنف، وإنما الذي أراد نفيه: أن هذا يسمى في باب كفران النعم. وكأن المصنف إنما رفض هذا التفسير طرداً؛ لأنه من جنس تفسير الإباضية من الخوارج؛ فإنهم يحملون أحاديث الوعيد على تفسير واحد، وهو أنها تدل على كفر النعمة، فالجمهور من الخوارج يقولون: مرتكب الكبيرة كافر كفر ملة. والإباضية منهم يقولون: كافر كفر نعمة؛ فالتزموا تفسير جميع هذه الأحاديث بكفران النعمة. وهذا الطرد مخالف للغة، ومخالف لطريقة السلف، فقد كان السلف يفسرون كل وعيد من الوعيد الاسمي بحسب ما يقتضيه السياق، فقد يكون السياق يقتضي أنه كفر نعمة فيجعلونه كفر نعمة، وقد يكون السياق يقتضي غير ذلك فيفسرونه بموجبه. وقد يقال: إن كل من عصى الله فإنه يلزمه أن يكون كافراً لشيء من نعمه. فيقال: إن هذا من باب اللوازم صحيح، ولكن فرق بين تفسير الاسم بحقيقته وتضمنه وبين تفسيره بلازمه؛ فإن الأسماء تفسر بحقائقها المطابقة أو المتضمنة، وأما اللوازم فإنها باب آخر. فصحيح أن كل من أتى كبيرة من الكبائر فقد كفر؛ لأن الله لم يجعل الناس إلا أحد شخصين: إما شاكراً وإما كفوراً، ولكن هذا من باب اللوازم في بعض الموارد، وقد يكون من باب المطابقة في بعض الموارد، وأما جعله مطرداً مطابقاً، فهذا هو الذي أراد المصنف عيبه.

стр. 97

المذهب الثاني: من يحملها على التغليظ المذهب الثاني: وهو مذهب من يحملها على التغليظ، وهذا المذهب قد شاع عند بعض المتأخرين من أهل السنة كذلك، ونسبوه إلى السلف، فقالوا: إن السلف يذهبون إلى أن هذه الأحاديث في الوعيد الاسمي -وبعضهم طرد هذا حتى في وعيد الآخرة- إنما هي من باب التغليظ والترهيب، وليست على ظاهرها أو حقيقتها .. وهذا القول أيضاً بدعة لم ينطق بها السلف، وإنما موجب إضافتها إلى طائفة من السلف: أنه جاء عن بعض السلف أحرف قد كانت زمن السلف من المفصل، وصارت زمن المتأخرين من المجمل .. فقد قال طائفة من السلف -مثلاً-: أمروها كما جاءت. وهذا كما قالوا في الصفات، أي: ترك تفسير أحاديث الوعيد، ولما سئل بعضهم عنها قال: هي على ما قال الله ورسوله، وعلى ما أراد الله ورسوله ﷺ . فكان بعضهم -أحياناً- يترك التفسير لها، ففهم من هذا بعض المتأخرين أنهم ما كانوا يذهبون إلى أنها على حقيقتها وظاهرها، فقالوا: إذاً يراد بها الترهيب والتغليظ .. فتفسير هذه النصوص بهذا المذهب طرداً وقصراً هو من باب تفسير المرجئة، بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "من التزم أنها ترهيب محض فهذا من جنس تفسير الفلاسفة". أي: من جنس قول المتفلسفة الذين عطلوا الوعيد عن حقيقته، وأنكروا حقيقة الثواب والعقاب الجسماني. إذاً هذا قول منكر على هذا الوجه، وإن كانت هذه النصوص -بلا شك- تسمى ترهيباً، ويراد بها الترهيب والتغليظ، ولكن الذي قصد المصنف وغيره من أئمة السنة إبطاله هو أنه لا يصح أن تقصر على مجرد الترهيب الذي معناه أنها لا حقيقة لها في نفس الأمر. ومثال ذلك: أن نفي الإيمان الذي ورد في قول الشارع ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) له حقيقة؛ فالزاني لا يسمى مؤمناً. فإن قيل: كيف لا يسمى مؤمناً؟ قيل: لأن الإيمان هو ما ذكره الله بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] ومن صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥] وهذا لم يحفظ فرجه؛ فلا يسمى مؤمناً، فهذا تطابق مع القرآن وليس مخالفةً له. إذاً لا شك أنها تغليظ وترهيب، لكن من قصد أنها تغليظ وترغيب بمعنى أنها لا تفسر، أو أن معانيها غير معلومة، أو أنه لا حقيقة لها .. فكل هذه المعاني بدعة من بدع المرجئة، ومن نسبها إلى أحد من السلف فقد غلط عليه.

стр. 98

المذهب الثالث: من يجعلها من باب كفر أهل الردة المذهب الثالث: وهو مذهب من يجعلها في باب كفر أهل الردة. وهذا المذهب لم يختلط على أحد من أهل السنة؛ فهو معروفٌ أنه قول الجمهور من الخوارج، وقولهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم يدخل شيء من مادته على أئمة السنة والجماعة، أو من انتسب إليهم، وإنما الذي دخل شيءٍ من مادته على بعض أئمة السنة ومن اشترك معهم، ونصر مذهبهم، فهو قول المرجئة". إذاً تفسيرها بأنها من باب كفر الردة .. هذا لم يقل به أحد من أئمة السنة، ولا أشكل على أحد؛ لأنه مذهب معروف لجمهور الخوارج، وهو قولٌ بدعي، بخلاف التفسير الأول والتفسير الثاني فإن فيهما اشتباهاً كثيراً، وموجب اشتباههما أنهما ليسا غلطاً محضاً، وإنما الغلط في طردهما أو في القصر عليهما، أو ما إلى ذلك.

стр. 99

المذهب الرابع: من يذهبها كلها ويردها المذهب الرابع: وهو مذهب من يذهبها كلها ويردها. وهذا قولٌ أشد نكارة من سابقه. فإن قيل: فمن الذي يذهب إلى هذا القول؟ قيل: لم يعرف عن طائفة معينة في المسلمين أنها تبطل سائر الوعيد، حتى من يقول بترك أخبار الآحاد وعدم الاستدلال بها لا يقولون هذا؛ لأن هذا الوعيد مستعمل في القرآن، وقد ذكر المصنف مثالاً له من القرآن، وهو قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] إذاً: من هي الطائفة التي ترد كل هذه الأحاديث؟ هنا يفسر كلام المصنف على أحد وجهين: الوجه الأول: أنه أراد الأحاديث؛ لأن أمثلته في الجملة من الأحاديث، وهو في مبدأ كلامه يقول: "فهذه أربعة أنواع من الأحاديث ... " إلى أمثال ذلك. فإن أراد الأحاديث فكأنه قصد من طعن في هذه الأحاديث، فلا معنى أنها ليست من المتواتر. الوجه الثاني: أنه أراد بهذا النوع حتى ما دخل فيه من نصوص القرآن، فالطائفة التي ترد هذا كله ليست طائفة معينة، وكأنه أراد الطوائف البدعية التي لم تحقق هذه الأحاديث، ولم تعتبر حقائقها، وخالفتها في أقوالها وما إلى ذلك؛ فيكون من باب المرادات العامة، وليس من باب المرادات الخاصة. وننبه هنا إلى أن مسألة تعيين الطوائف ليست أمراً مقصوداً لذاته. ونضرب مثالاً على هذا: أنه شاع عن غلاة المرجئة أنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، وأن مرتكب الكبيرة في الآخرة إلى الجنة، وأنه ليس هناك وعيد لأهل الكبائر إلى غير ذلك. مع أنه لم ينضبط قولاً لأحد من الأعيان، وقد نص الإمام ابن تيمية على هذا في منهاج السنة، وإن كان الأشعري في المقالات وكذلك ابن حزم قد نسبا هذا القول إلى مقاتل بن سليمان، لكن ابن تيمية يقول: "إن من أهل المقالات من ينسبه إلى مقاتل بن سليمان، ولا يصح ذلك عنه".

стр. 100

مذهب السلف في مرتكب المعصية [وإن الذي عندنا في هذا الباب كله أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيماناً، ولا توجب كفراً]. قوله: "لا تزيل إيماناً" أي: لا تزيل أصل الإيمان. "ولا توجب كفراً" أي: لا توجب كفر الردة، ولا توجب اسم كفر النعمة على الإطلاق، وهذا من فقه المصنف؛ فإنه أراد أن مرتكب الكبيرة لا يصح أن يسمى كافراً، حتى لو أريد بالكفر كفر النعمة. [ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت الله به أهله واشترطه عليهم في مواضع من كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] إلى قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢] وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:٩ - ١١] وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. قال أبو عبيد: فهذه الآيات التي شرحت وأبانت شرائعه المفروضة على أهله ونفت عنه المعاصي كلها، ثم فسرته السنة بالأحاديث التي فيها خلال الإيمان في الباب الذي في صدر هذا الكتاب، فلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان المنعوت بغيرها، قيل: ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين ولا الأمانات التي يعرف بها أنه الإيمان، فنفت عنهم حينئذ حقيقته ولم يزل عنهم اسمه]. أي: الإيمان الفاضل الكامل المطلق، المذكور في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] وفي قول النبي ﷺ : (الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة) وقال: (أدناها إماطة الأذى). فهذا الإيمان الكامل الفاضل المطلق يتضمن الأركان والواجبات والمستحبات، فلا شك أن مرتكب الكبيرة ينفى عنه هذا الاسم، فهو لا يعتبر ممن قام بالإيمان على التحقيق والتمام. وإذا قيل: ما المراد من هذا النفي؟ قيل: المراد أنه تارك لواجب من واجبات الإيمان، فإن الاسم الشرعي كاسم الإيمان لا ينفى إلا إذا كان المخاطب قد ترك ما هو واجبٌ فيه، وأما تفسير هذا النص بأنه نفي الكمال؛ فإن ابن تيمية يقول: "إن هذا تفسيرٌ غلط". وقد ذكر ابن تيمية قاعدة وانتصر لها -وهي مستقرأة من كلام السلف- فقال: "إن الله ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمر -أمر الله به ورسوله- إلا إذا ترك بعض واجباته ثم قال: أما إذا كان الفعل مستحباً في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، فإن هذا لو جاز لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج، لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي ﷺ ، بل ولا أبو بكر ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل". ولهذا يقول: "فمن قال: أن المنفي هو الكمال. فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله" قال: "والعرب لا تعرف نفي اسم إلا لترك ما هو واجبٌ فيه". وهذا الكلام من شيخ الإسلام كأنه مفرع عن كلام المصنف ﵀؛ فإن المصنف كان يميل إلى هذه القاعدة، كما سيأتي توضيحه.

стр. 101

المراد بنفي الإيمان عمن ارتكب بعض المعاصي [فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن، واسم الإيمان غير زائل عنه؟]. "غير زائل عنه" أي: من جهة أصله وليس من جهة كماله، وهذا فرع عن قول السلف: "إن الإيمان يزيد وينقص". [قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانعِ إذا كان ليس بمحكمٍ لعمله: ما صنعت شيئاً، ولا عملت عملاً، وإنما وقع معناهم هاهنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عاملٌ بالاسم، وغير عامل في الإتقان، حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا، وذلك كرجلٍ يعق أباه ويبلغ منه الأذى، فيقال: ما هو بولد، وهم يعلمون أنه ابنه من صلبه. ثم يقال مثله في الأخ والزوجة والمملوك وأنما مذهبهم في هذا المزايلة من الأعمال الواجبة عليهم من الطاعة والبر. وأما النكاح والرق والأنساب، فعلى ما كانت عليه أمكانها وأسماؤها، فكذلك هذه الذنوب التي ينفى بها الإيمان، إنما أحبطت الحقائق منه الشرائع التي هي من صفاته، فأما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك ولا يقال لهم: إلا مؤمنون، وبه الحكم عليهم]. هذا الكلام يبين أن سبب استشكال كثير من المتأخرين -حتى من أهل السنة- لقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) وأمثاله من النصوص إنما هو فساد اللغة، ولهذا وقفوا عند هذا الحديث على قدرٍ من التخريجات، وكل تخريج يُورَد عليه سؤالات وإشكالات ومعارضات، حتى لا يبقى إلا وجه مقارب. والأصل في شرح هذه الأسماء: أنها لا تقال بنوعٍ من الترجيح والظن والاحتمال والتقوية، بل تقال بتفسيرٍ واحدٍ صحيحٍ، فليس هناك مادة لمسألة التردد والاحتمال من جنس ما يقع في تفسير المسائل الفقهية الواقعة في باب العبادات والمعاملات وأمثال ذلك؛ لأن هذه الأسماء أسماء محققة المعاني وليست من محتمل المعاني، ولهذا لم يكن الصحابة يستشكلون مثل هذه الأحرف. وهذه قاعدة لابد لطالب العلم أن يتفطن لها، وهو أن الصحابة قد سألوا سؤالات في مواضع للنبي ﷺ ، وأما ما نهوا عنه من سؤال رسول الله ﷺ فإنه لم يكن لما يتحصل به الفقه للدين. فمن يقول: إن معنى قول أنس وغيره: (نهينا أن نسأل رسول الله عن شيء)، أنهم كانوا ينهون عن السؤال مطلقاً .. فهذا غلط على الصحابة. فالصحابة إنما نهوا عن السؤال عما سُكت عنه، أو عما لم يأت أمره إلى أمثال ذلك، أما أنهم نهوا عن السؤال في أمرٍ لم يفقهوه، بل يسمعون الأحاديث أو يسمعون القرآن ويترددون في المعاني، ويستشكلونها، ومع ذلك أمروا ألا يستفصلوا ولا يتفقهوا .. فهذا ليس بصحيح، ولا يجوز أن يضاف إلى نبوة نبي من الأنبياء فضلاً عن نبوة محمدٍ ﷺ . إذاً: كان سكوت الصحابة في هذه الأحرف لأنها أحرف بينة، وليست مشتبهة، فهم سكتوا عندما قال رسول الله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) لأنهم عرب، والعرب يقولون عن الرجل: ليس بشجاع، مع أنه شجاع، أو ليس بعادل مع أنه يعدل أحياناً، لكن لما ترك العدل في هذه القضية قيل: ليس بعادل .. وهلم جرا. إذاً: مسألة اللغة أصل في التفسير.

стр. 102

الأدلة على أن المراد بنفي الإيمان عمن ارتكب بعض المعاصي نفي كماله لا أصله [وقد وجدنا مع هذا شواهد لقولنا من التنزيل والسنة، فأما التنزيل فقول الله جلّ ثناؤه في أهل الكتاب حين قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران:١٨٧] قال أبو عبيد: حدثنا الأشجعي عن مالك بن مغول عن الشعبي في هذه الآية قال: (أما إنه كان بين أيديهم، ولكن نبذوا العمل به). ثم أحل الله لنا ذبائحهم ونكاح نسائهم فحكم لهم بحكم الكتاب إذا كانوا به مقرين، وله منتحلين، فهم بالأحكام والأسماء في الكتاب داخلون، وهم لها بالحقائق مفارقون، فهذا ما في القرآن. وأما السنة فحديث النبي ﷺ الذي يحدث به رفاعة في الأعرابي الذي صلى صلاة، فخففها فقال له رسول الله صلى الله عليه: (ارجع فصل، فإنك لم تصل) حتى فعلها مراراً كل ذلك يقول: (فصل) وهو قد رآه يصليها، أفلست ترى أنه مصلٍ بالاسم، وغير مصل بالحقيقة، وكذلك في المرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق، والمصلي بالقوم الكارهين له أنها غير مقبولة. ومنه حديث عبد الله بن عمر في شارب الخمر: (أنه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة) وقول علي ﵇: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) وحديث عمر ﵁ في المقدم ثقله ليلة النفر: (أنه لا حج له) وقال حذيفة: (من تأمل خلق امرأة من وراء الثياب وهو صائم أبطل صومه). قال أبو عبيد: فهذه الآثار كلها وما كان مضاهياً لها فهو عندي على ما فسرته لك وكذلك الأحاديث التي فيها البراءة، فهي مثل قوله: من فعل كذا وكذا فليس منا، لا نرى شيئاً منها يكون معناه التبرؤ من رسول الله ﷺ ولا من ملته]. قوله: "فهو عندي على ما فسرته لك" أي: أنها نفي لتمام الإيمان الواجب. [إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا وهذه النعوت وما أشبهها. وقد كان سفيان بن عيينة يتأول قوله: (ليس منا) أي: ليس مثلنا وكان يرويه عن غيره أيضاً، فهذا التأويل وإن كان الذي قاله إمام من أئمة العلم فإني لا أراه، من أجل أنه إذا جعل من فعل ذلك ليس مثل النبي ﷺ ، لزمه أن يصير من يفعله مثل النبي ﷺ ، وإلا فلا فرق بين الفاعل والتارك وليس للنبي ﷺ عديل ولا مثل من فاعل ذلك ولا تاركه. فهذا ما في نفي الإيمان وفي البراءة من النبي ﷺ إنما أحدهما من الآخر وإليه يؤول]. " يتأول" أي: يفسر، "ليس مثلنا" أي: أنه ليس على شريعتنا المحققة الواجبة، ولم يرد سفيان بقوله: "ليس مثلنا" أي: أنه ليس كالنبي ﷺ في التمام والإيمان، فإنه لا أحد -حتى من لم يغش- يكون مثل النبي ﷺ ، وإنما مراده وأمثاله من السلف: أن هذا التارك لهذا العمل أو الفاعل لهذه الكبيرة قد خرج عن الولاية النبوية العامة، ولهذا أصبح لا يضاف إليه في مثل هذا المقام، وهذا يدل على أن هذه الفعلة كبيرة، أو أنها تركٌ لواجبٍ من واجبات الشريعة.

стр. 103

المراد بالكفر والشرك المذكور عن بعض المعاصي التي ليست كفراً ولا شركاً قال: [وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي، فإن معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفراً ولا شركاً يزيلان الإيمان عن صاحبه]. إذاً: ليس المراد بقوله ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر) أي: أنهم كفروا وارتدوا ككفر أبي جهل؛ فإن هذا مجمع على بطلانه. [إنما وجوهها أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون]. ولا يقال: إنها كفر النعمة باطراد؛ لأنه قد لا يكون المقام مناسباً، وإنما الغالب على مناسبتها: أن هذه من خصال الكفار، وهذا أضبط من قول: إنها من خصال الكفر. فهي من سننهم وأخلاقهم وأفعالهم، أي أنها ليس من سنن المؤمنين، ولا من هدي المرسلين، ولا من طرائق المسلمين، وإنما هي من أفعال الكفار وسننهم، والواجب على المسلمين الهجر لهذا الجنس: وهو ما كان من سنن الكفار وطرائقهم المباينة لسنن المؤمنين، فإن هذا هو تحقيق الولاء والبراء. وتسمية النبي ﷺ لهذه الأفعال كفراً تدل على أن هذه الأفعال من الكبائر المفارقة لتمام السنة ووجوبها. [وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسنة نحواً مما وجدنا في النوعين الأولين. فمن الشاهد على الشرك في التنزيل قول الله ﵎ في آدم وحواء عند كلام إبليس إياهما: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف:١٨٩] إلى: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] وإنما هو في التأويل أن الشيطان قال لهما: سميا ولدكما عبد الحارث. فهل لأحدٍ يعرف الله ودينه أن يتوهم عليهما الإشراك بالله مع النبوة والمكان من الله، فقد سمي فعلهما شركاً، وليس هو الشرك بالله. وأما الذي في السنة، فقول النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر) فقد فسر لك بقوله: (الأصغر) أن هاهنا شركاً سوى الذي يكون به صاحبه مشركاً بالله، ومنه قول عبد الله: (الربا بضعة وستون باباً، والشرك مثل ذلك) فقد أخبرك أن في الذنوب أنواعاً كثيرة تسمى بهذا الاسم وهي غير الإشراك التي يتخذ لها مع الله إله غيره، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فليس لهذه الأبواب عندنا وجوه إلا أنها أخلاق المشركين وتسميتهم وسننهم وألفاظهم وأحكامهم ونحو ذلك من أمورهم. وأما الفرقان الشاهد عليه في التنزيل فقول الله جلّ وعز: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وقال ابن عباس: (ليس بكفرٍ ينقل عن الملة). وقال عطاء بن أبي رباح: (كفر دون كفر). فقد تبين لنا أنه كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باقٍ على حاله وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا خلاف الكفار وسنتهم، على ما أعلمتك من الشرك سواء؛ لأن من سنن الكفار الحكم بغير ما أنزل الله، ألا تسمع قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠] تأويله عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون]. هنا مسألتان في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].

стр. 104

حكم ترك الحكم بما أنزل الله المسألة الأولى: هل ترك الحكم بما أنزل الله كفر مخرج من الملة أم ليس مخرجاً من الملة؟ هذه المسألة -كما هو معلوم- عند المتأخرين -ولاسيما المعاصرين- مسألة خفض ورفع، فمنهم من يقول: إن ترك الحكم بغير ما أنزل الله كفرٌ بالإجماع، ويستدلون على ذلك ببعض كلام إسحاق بن إبراهيم ﵀ في مثل قوله: "أجمع أهل العلم أن من دفع شيئاً أنزله الله على نبيه أنه كفر". وهذا كلام لا جدال فيه، وليس هو من المشكلات، بل هو من بدهيات الإسلام، فإن قوله: " من دفع شيئاً". بمعنى: أباه ورده وطعن فيه أو كذبه، وهذا لا شك أنه كافر؛ ولهذا قال إسحاق ﵀: "من دفع شيئاً". أي: ولو كان شيئاً واحداً. ومعلوم أن ترك الحكم في مسألةٍ واحدة لم يذهب أحد من السلف ولا الخلف إلى أنه كفر يخرج من الملة. فتفسير كلام إسحاق لابد أن يكون على وجهه، وهو أن مراده بالدفع هنا الطعن وما إلى ذلك من أوجه الكفر الأكبر كالتكذيب ونحوه، وليس مجرد الترك؛ لأن آحاد الترك بالإجماع ليس كفراً. بقي إجمالٌ في هذه المسألة وليس تفصيلاً: هل الحكم بغير ما أنزل الله يعد كفراً مخرجاً من الملة، أم أنه كفر دون كفر؟ يقال: هذا المعنى -وهو الحكم بغير ما أنزل الله- معنى له إطلاقٌ وله تقييد، وفيه قدرٌ يخرج من الملة، وقدرٌ لا يخرج من الملة. والنتيجة من هذا: أن الإطلاق في هذه المسألة ليس فاضلاً، وإنما كان السلف يطلقون على مراداتهم من المعاني، بمعنى: أن ثمة صوراً من الحكم بغير ما أنزل الله يُعلم ضرورةً أنها كفر مخرجٌ من الملة، وثمة صور تسمى حكماً بغير ما أنزل الله، ومع ذلك نعلم إجماع السلف على أنها ليست من الكفر المخرج من الملة كبعض الآحاد وأمثال ذلك. وهنا صور قد تكون من باب التردد والمشتبه الذي يتردد المجتهدون في إلحاقه: هل يسمى كفراً مخرجاً من الملة أو ليس كذلك؟ ولذلك يوجد في تفسير السلف ﵏ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وما شابهه من الآيات في سورة المائدة يوجد فيه بعض التعدد، وهذا من باب التنوع؛ فإن من السلف من حمل ذلك على الكفر الأكبر وعلقوه بالاستحلال وأمثال ذلك .. وهذا من باب أن ثمة صوراً من الحكم بغير ما أنزل الله تعد من الكفر المخرج من الملة، وأن الاستحلال أحد هذه الصور، وثمة صور أخرى تعرف بالدلائل الشرعية. لكن ثمة صور من الحكم بغير ما أنزل الله تسمى حكماً بغير ما أنزل الله هي بإجماع السلف وبدلائل الشريعة لا تعد من الكفر المخرج من الملة. وثمة صور -أيضاً- هي محل تردد واجتهاد، وقد يقع لها قدرٌ من الاشتباه، وهذا بحسب مقامات العلماء. وعليه: فالقصد إلى التزام حرفٍ واحد، وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله مخرج من الملة، وهذه طريقة السلف، ثم يأتي مقابل ذلك من يقرر من السلفيين الفضلاء أن الحكم بغير ما أنزل الله ليس مخرجاً من الملة عند السلف، يؤدي إلى مثل هذا التعارض .. فإذا قيل: إن من السلف من حمل تفسير الآية على المخرج من الملة، ومنهم من حمله على غير المخرج من الملة. قيل: هذا بحسب فهم السلف للمراد من السياق، فمنهم من فهمه على مراد لا يخرج من الملة فسر الآية به، ومنهم من حمله على مراد يخرج من الملة ففسر الآية به. ولو فرُض جدلاً أن السياق المراد في كلام الله على أحد الصورتين، فإن هذا لا ينفي وجود الصورة الأخرى. أي: لو فرض أن السياق في ذكر الكفر الأكبر، قيل: لا شك أن ثمة حكماً بغير ما أنزل الله يسمى كفراً أكبر، فإن اليهود والنصارى كفار، وهم لا يحكمون بغير ما أنزل الله، ويسمى فعل اليهود والنصارى حكماً بغير ما أنزل الله مخرجاً لهم من ديانة المسلمين وديانة المرسلين، وهو كفرٌ بالكتاب إلى غير ذلك. وقد يراد بالآية ما هو من أخلاق المشركين أو ما إلى ذلك، فهذا هو الكفر الذي دون كفر، ولهذا تعدد تفسير السلف. وعليه إذا قيل: هل تفسير السلف لهذه الآية من باب خلاف التضاد؟ قد يقال: ظاهره أنه من باب خلاف التضاد؛ لأن منهم من يقول: كفرٌ دون كفر، ومنهم من يقول: كفرٌ أكبر -وهو الكفر بالله-. لكن الصواب: أنه خلاف تنوع؛ لأن من يقول: إنه كفرٌ دون كفر أراد به صوراً لا ينازع الآخر أنها ليست من الكفر بالله، ومن قال: إنه كفرٌ بالله في من استحل أو كذّب أو أنكر أو عظمَّ شرع غير الله على شرع الله، أو نحو ذلك من الصور، فهنا لا يمكن أن يقال: إن ابن عباس وأصحابه الذين قالوا: كفرٌ دون كفر ينازعون في أن هذا كفراً أكبر، ويلتزمون فيه أنه كفرٌ دون كفر. إذاً: إنما صار وجه الخلاف كالتضاد؛ لأن المرادات مختلفة، وهذا يبين لك أن المسألة عند السلف -وبحسب أدلة الشريعة- لها صور، بعضها كفر أكبر كحكم اليهود والنصارى، أو غيرهم من أجناس الكفار الذين يكذبون شرع الله، أو يعظمون غيره عليه، أو يستحلون، أو ما إلى ذلك من الصور. وبعضها -كآحاد المسائل- ليس من الكفر بإجماع أهل العلم، وهذا كالقاضي أو الحاكم إذا حكم في مسألة واحدة، كأن أتاه قريب له سارقٌ فما قطع يده، وقال: يكفي فيه التعزير .. فإن هذا حكم بغير ما أنزل الله لكنه بالإجماع لا يكفر، إلا إذا كان مكذباً للنص، وهذه مسألةٌ أخرى. وهناك صور -كما تقدم- محل تردد، وهذه الصور التي هي محل تردد أهم ما يقال من الواجب فيها: أنه لا ينبغي أن يخوض فيها بالتقرير إلا أهل العلم والبصيرة العارفون بالسنن والشرائع وهدي السلف والمصالح وما إلى ذلك.

стр. 105

تضعيف البعض لأثر ابن عباس: أن ترك الحكم بما أنزل الله كفر دون كفر المسألة الثانية: وهي أن بعض من تكلم عن هذه المسألة -ولا سيما ممن ينزع إلى أن المقصود بالآية الكفر الأكبر المخرج من الملة- إذا ورد عليه ما روي عن ابن عباس أنه كفرٌ دون كفر، قال: هذا لم يصح عن ابن عباس، ومعتبره في عدم الصحة: أن الأسانيد التي روى بها ابن جرير في تفسيره هذه الآثار عن ابن عباس وأصحابه أسانيد منقطعة، وفيها إعلال من وجهٍ آخر. وعلى هذا يقول من يقول ممن يفسر الحكم بغير ما أنزل الله أنه كفر أكبر: إن هذا لم يصح عن أحدٍ من السلف، ونسبته إلى ابن عباس وأصحابه غير صحيحة لانقطاع إسنادها. وهذا غلط، بل الصواب: أن هذا قولٌ معروفٌ لـ ابن عباس. فإن قيل: فالإسناد عند ابن جرير ليس بصحيح أو منقطع أو ما إلى ذلك من التعبيرات. قيل: وليكن ذلك، ومن قال إن مدار أقوال ابن عباس على إسناد ابن جرير. فإن قيل: فيلزم على هذا أن إثبات إسناد آخر غير ما ذكر ابن جرير يصح إلى ابن عباس. قيل: إما أن يلزم هذا أو يكتفى بتصريح الأئمة بأن هذا قول لـ ابن عباس .. وهذا هو الذي يجزم به، فإنه لم يقع لي إلى الآن أن أتأكد من وجود أسانيد أخرى لـ ابن عباس. لكن الذي يجزم به أن هذا قولٌ معروف ل ابن عباس. ووجه الجزم به: أن الأئمة الكبار كانوا يعتبرونه قولاً لـ ابن عباس، فالإمام أحمد كان يقول بهذا القول في بعض تفسيره للآية وينسب هذا القول إلى ابن عباس. والإمام البخاري يفسر الآية بهذا التفسير ويضيف هذا القول إلى ابن عباس، والمصنف كذلك -وهو من أهل الحديث والفقه واللغة- يرويه إلى ابن عباس. وبهذا يظهر أن جملة من السلف نصوا على أن هذا قولٌ لـ ابن عباس، وأن الإسناد الذي عند ابن جرير إنما هو أحد الأسانيد، ومن المعلوم أن بعض الأحاديث لها عند بعض المحدثين أسانيد مظلمة، مع أن الحديث قد يكون من الأحاديث المتفقة عليها بين أهل الحديث. إذاً: إسنادٌ واحد ليس مقياساً للصحة أو للضعف كما هو معروفٌ عند أهل العلم. ثم إنه في الجدل والنظر: من الذي يمنع أن ابن عباس يريد هذا؟ هل ابن عباس أراد أن الحكم بغير ما أنزل الله في جميع صوره ليس كفراً مخرجاً من الملة؟ هذا ليس مراده، ويمتنع أن ابن عباس وغيره من أهل العلم دونه يريدون ذلك، إنما أراد أن منه صوراً ليست مخرجة من الملة، وهذا ليس محل جدل. فهذه الصور التي ليست مخرجة من الملة، وهي حكم بغير ما أنزل الله هذا لا يوجب إلا شيئاً واحداً، وهو أنها تسمى كفراً، ولهذا قال ابن عباس: كفر دون كفر.

стр. 106

تسمية الشارع لبعض الأعمال كفراً أو نفاقاً مع عدم كفر فاعلها [وهكذا قوله: (ثلاثةٌ من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والأنواء) ومثله الحديث الذي يروى عن جرير وأبي البختري الطائي: (ثلاثةٌ من سنة الجاهلية: النياحة، وصنعة الطعام، وأن تبيت المرأة في أهل الميت من غيرهم) وكذلك الحديث: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعدَ أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وقول عبد الله: "الغناء ينبت النفاق في القلب"]. تحصّل من هذا أن النبي ﷺ سمى بعض الأعمال كفراً أو نفاقاً، كقوله: (آية المنافق ثلاث) في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وفي وجه عند مسلم: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)، وفي حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه: (أربعٌ من كُنّ فيه كان منافقاً خالصاً). وليس مراده ﷺ بالمنافق هنا المنافق النفاق الأكبر الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]. فإن قيل: قوله ﷺ : (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) مشكل؛ لأن هذا اللفظ كأنه إخراج له عن الإسلام، أو حكمٌ عليه بالنفاق. قيل: لكن الواقع ليس كذلك؛ فإن الأسماء قد تتوارد على مسمىً واحد ويكون المقامُ مختلفاً؛ ولهذا صاحب الكبيرة نسميه مؤمناً في مقام، ونسميه مسلماً في مقام، ونسميه فاسقاً في مقام آخر. فإنه إذا ما أريد العتاق أو التوارث -مثلاً- قيل عن مرتكب الكبيرة: إنه مؤمن، على قول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] فإنه لو أعتق فاسقاً صح بالإجماع، وهو معنى قول النبي: (أعتقها؛ فإنها مؤمنة). وإذا أريد بيان ما هو عليه من الكبيرة، والمفارقة للسنة والشريعة، وبيان الطعن عليه لإسقاط عدالته أو لذمه أو لذم فعله أو أمثال ذلك سمي فاسقاً. وإذا اعتبر الأصل فيه سمي مسلماً. وإذا تبين أن هذه الأسماء الثلاثة تستعمل في حق صاحب الكبيرة؛ فإنه يقال بعد ذلك: الأصل فيه اسم الإسلام. وأما من يقول: الأصل فيه اسم الفسق، فهذا خطأ؛ فإن الصحابة ما كانوا يلتزمون تسمية كل من أتى جرماً أو كبيرةً باسم الفسق، حتى لا يذكر بالإسلام في شيء. لكنه يسمى فاسقاً إذا اقتضى الأمر ذلك؛ وذلك إما بياناً لعدالته أو ذماً له أو لفعله أو ما إلى ذلك. وكذلك يسمى مؤمناً إذا اقتضى الأمر ذلك أو دخل في جملة الخطاب، كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٠٤] فإنه يدخل في ذلك كل مسلم ولو كان فاسقاً.

стр. 107

حكم تسمية بعض الكبائر كفراً أو نفاقاً قياساً على تسمية الشارع لبعض المعاصي كفراً أو نفاقاً هنا مسألة، وهي: أن الشارع سمى بعض الأعمال نفاقاً أو كفراً، فهل يصح أن تسمى بعض الكبائر كفراً أو نفاقاً من باب الطرد للتسمية، أم أنه يجب الاقتصار على تسمية الشارع؟ مثلاً: لو أن قائلاً قال: إن النبي ﷺ قال: (أيما عبدٍ أبق من مواليه فقد كفر) وهنا كبائر مثل إباق العبد أو أشد منه، فكما سمى الشارع إباق العبد كفراً ساغ لنا أن نسمي ما كان أشد منه مخالفة لله ولرسوله كفراً؟ قيل: هذا لا يصح؛ لأن الشارع إنما سمى ما سماه من الأقوال أو الأعمال كفراً أو نفاقاً مع عدم خروج صاحبها من الملة؛ لأنه اعتبر في ذلك القدر والمناسبة. ويظهر اعتبار الشارع للقدر - أي: لقدر الذنب- بعدم تسميته صغيرة من الصغائر كفراً أو نفاقاً، بل كل ما سماه كفراً أو نفاقاً هو من الكبائر. أما وجه اعتبار المناسبة فالمقصود مناسبة العمل للاسم الذي سمي به، ولهذا نرى المناسبة واضحة في تسمية الإباق كفراً؛ وذلك لأن على العبد لأهله نعمة، وهو ملك لهم إلى غير ذلك. إذاً الشارع إنما سمى ما سماه اعتباراً للقدر واعتباراً للمناسبة، وفي هذا التقرير منعٌ للقياس والطرد كما يستعمله ابن القيم ﵀؛ فإنه ليس بصحيح. ومما يبين ذلك أن النبي ﷺ استخدم التفصيل في حديث ابن مسعود في الصحيح فقال: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر). ولهذا خالف العامة من السلف الحسن البصري فيما روي عنه أنه يسمي الفاسق منافقاً، وإن أراد بذلك أنه منافق النفاق الأصغر. وبهذا يتبين أن الصواب هو الاقتصار على تسمية الشارع، فلا يسمى عملٌ أو قولٌ أنه كفرٌ أو نفاق إلا إذا كان الله أو رسوله ﷺ سماه كذلك، وأما القياس فليس بصحيح؛ لأن مبنى ذلك على القدر والمناسبة، والعلم بالمناسبة هو من خصائص صاحب الشريعة، فهو الذي يضبط المناسبات. وأما الناس فإنهم يسمون الأعمال بمطلقها، وإذا انغلق هل يسمى نفاقاً أو يسمى كفراً أو ما إلى ذلك؟ قيل: لقد أورد الشارع أسماء مطلقة في الكبائر كاسم المعصية، والفسق، فيصح أن تسمى أي كبيرة معصية أو فسقاً، أما تسميتها كفراً ونفاقاً فهذا مختص بتسمية الشارع. [ليس وجوه هذه الآثار كلها من الذنوب أن راكبها يكون جاهلاً ولا كافراً ولا منافقاً وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده، ومؤدٍ لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنة، ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم، ولقد روي في بعض الحديث: (إن السواد خضاب الكفار) فهل يكون لأحد أن يقول: إنه يكفر من أجل الخضاب؟! وكذلك حديثه في المرأة إذا استعطرت ثم مرت بقوم يوجد ريحها (أنها زانية) فهل يكون هذا على الزنا الذي تجب فيه الحدود؟ ومثله قوله: (المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان). أفيتهم عليه أنه أراد الشيطانين الذين هم أولاد إبليس؟! إنما هذا كله على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن. وكذلك كل ما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة فهو عندنا على هذا، ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه للردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها، وبذلك جاءت الآثار مفسرة. قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن جعفر بن برقان عن ابن أبي نشبة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من أصل الإسلام: الكف عن من قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض من يوم بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار كلها). قال أبو عبيد: حدثنا عباد بن عباد عن الصلت بن دينار عن أبي عثمان النهدي قال: دخلت على ابن مسعود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول: (لا يبلغ بعبد كفراً ولا شركاً حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغير الله). قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان قال: (جاورت مع جابر بن عبد الله بمكة ستة أشهر، فسأله رجل: هل كنتم تسمون أحداً من أهل القبلة كافراً؟ فقال: معاذ الله! قال: فهل تسمونه مشركاً؟ قال: لا)].

стр. 108

شرح كتاب الإيمان [١١] الذنوب والمعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر، أما صغائر الذنوب فإنها تكفر بأمور مطردة، من أهمها: ترك الكبائر، ومحض المغفرة، وآحاد الأعمال الصالحة وغيرها، وأما الكبائر فإنها تكفر بالتوبة، ويمكن أن تكفر بالأعمال الصالحة أيضاً، ولكن ليس على إطلاقه، بل بحسب تحقيقها وبحسب حال صاحب الكبيرة.

стр. 109

باب ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر بلا خروج من الإيمان قال المصنف ﵀: [باب ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر بلا خروج من الإيمان]. [قال أبو عبيد: حديث النبي ﷺ : (لعن المؤمن كقتله) وكذلك قوله: (حرمة ماله كحرمة دمه) ومنه قول عبد الله: (شارب الخمر كعابد اللات والعزى) وما كان من هذا النوع مما يشبه فيه الذنب بآخر أعظم منه، وقد كان في الناس من يحمل ذلك على التساوي بينهما، ولا وجه لهذا عندي، لأن الله قد جعل الذنوب بعضها أعظم من بعض فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] في أشياء كثيرة من الكتاب والسنة يطول ذكرها، ولكن وجوهها عندي أن الله قد نهى عن هذه كلها وإن كان بعضها عنده أجل من بعض، يقول: من أتى شيئاً من هذه المعاصي فقد لحق بأهل المعاصي، كما لحق بها الآخرون، لأن كل واحد منهم على قدر ذنبه قد لزمه اسم المعصية، وإن كان بعضهم أعظم جرماً من بعض، وفسر ذلك كله الحديث المرفوع حين قال: (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]) فقد تبين لنا الشرك والزور، وإنما تساويا في النهي نهى الله عنهما معاً في مكان واحد، فهما في النهي متساويان وفي الأوزار والمأثم متفاوتان، ومن هنا وجدنا الجرائم كلها، ألا ترى السارق يقطع في ربع دينار فصاعداً وإن كان دون ذلك لم يلزمه قطع؟ فقد يجوز في الكلام أن يقال: هذا سارق كهذا، فيجمعهما في الاسم وفي ركوبهما المعصية، ويفترقان في العقوبة على قدر الزيادة في الذنب، وكذلك البكر والثيب يذنبان فيقال: هما لله عاصيان معاً، وأحدهما أعظم ذنباً وأجل عقوبة من الآخر، وكذلك قوله: (لعن المؤمن كقتله) إنما اشتركا في المعصية حين ركباها، ثم يلزم كل واحد منهما من العقوبة في الدنيا بقدر ذنبه، ومثل ذلك قوله: (حرمة ماله كحرمة دمه) وعلى هذا وما أشبه أيضاً. قال أبو عبيد: كتبنا هذا الكتاب على مبلغ علمنا، وما انتهى إلينا من الكتاب، وآثار النبي ﷺ ، والعلماء بعده، وما عليه لغات العرب ومذاهبها، وعلى الله التوكل، وهو المستعان]. هذا الباب إشارةٌ من المصنف إلى أن الكبائر درجات وليست واحدة، وهو إشارة من وجهٍ آخر إلى أن ما سماه الشارع كفراً أو نفاقاً، أو نفى اسم الإيمان عن صاحبه، أو ذكر البراءة منه في الجملة أعظم من غيره، وهذا حكمٌ مجمل، ولا يلزم منه أن يكون حكماً مفصلاً. وأما ما قرره بعض المتأخرين من أن ما سماه الشارع نفاقاً أو سماه كفراً أعظم مما كان من الكبائر مما لم يسم في كلام الله أو رسوله بهذا الاسم، فهذا خطأ.

стр. 110

مسالك العلماء في تسمية بعض الكبائر كفراً قياساً على تسمية الشارع لبعض المعاصي كفراً بهذا التفصيل يظهر أن الأحاديث التي فيها تسمية بعض الأقوال أو الأفعال كفراً أو نفاقاً فيها مسلكان -كلاهما فيه نظر- لبعض أصحاب السنة المتأخرين: المسلك الأول: هو طرد التسمية على باب القياس، وهذا المسلك ليس بصحيح. المسلك الثاني: هو التزام أن ما سميّ من الأعمال كفراً أو نفاقاً يكون في الشدة والتحريم والتغليظ أعظم مما لم يسم كذلك. وهذا -أيضاً- خطأ، وهو فرعٌ عن الخطأ الأول؛ لأن هؤلاء اعتبروا أن تسمية الشارع عملاً ما كفراً إنما هي لاعتبار القدر فقط، لكن إذا عُلم أن الشارع إنما سمى هذا لاعتبار القدر والمناسبة ظهر أنه لا يلزم أن ما لم يسم كذلك يكون بالضرورة أخف. مثلاً: قال النبي ﷺ : (أيما عبدٍ أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) لكنه لم يسم من قتل نفسه منافقاً أو كافراً -وإن كان سمى قتل الآخرين من المسلمين، فقال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً) - مع أن قتل المؤمن أو المسلم لنفسه -بلا شك- أعظم من إباق العبد أو من الكذب الذي سمي نفاقاً، ومثل هذا أكل الربا وما شابهه. والمقصود: أن هذا الالتزام ليس بصحيح، فهذه أسماء، والأسماء معتبرة بمقاماتها في كلام الله ورسوله، والوعيد يقدر قدره بحسب تغليظ الشارع عليه في الدنيا والآخرة.
следующие страницы →