← Акыда

Акыда · id 37781

شرح لمعة الاعتقاد - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (162 стр.). Показаны 141–162 · переход к 146.

стр. 141

شرح لمعة الاعتقاد [١٧] من عقيدة أهل السنة والجماعة: عدم الجزم والشهادة لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، إلا من جزم له النبي ﷺ بذلك، وعدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب يرتكبه إلا أن يكون الذنب شركاً وكفراً.

стр. 142

لا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار قال الموفق ﵀: [ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، إلا من جزم له الرسول ﷺ ، لكنا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء]. هذه قاعدة مطردة: أن من لم يشهد له النبي ﵊ لا يجزم له بشيء من ذلك، ولا سيما الجزم بالنار، وهنا يقال: حتى من كفر من أهل البدع اجتهاداً، كأن يناظر أحد من علماء السنة مبتدعاً فيذهب إلى تكفيره، فلا يلزم ذلك بأن نجزم أنه من أهل النار، فهذا مقام آخر، فقد يكون هذا الاجتهاد في تكفيره ليس اجتهاداً صحيحاً في نفس الأمر.

стр. 143

ضابط تكفير أهل القبلة قال الموفق ﵀: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب]. هذه الجملة من جمل المتأخرين التي يقال: إن فيها إجمالاً، فإن قولهم: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) كلمة مجملة، فإن الذنب يدخل فيه الشرك الأكبر كما في الصحيحين: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) فسماه ذنباً. وإن كان قد يعتذر عن المصنف أن مراده من برئ من الشرك؛ لقوله: (من أهل القبلة)، فكأن هذه التسمية تخصيص للذنب بالكبائر وما دونها. أما أن يقال: إنها غلط .. أو إنها من عبارات المرجئة .. أو ما إلى ذلك .. فهذا ليس صحيحاً، وإنما هو من التكلف والزيادة، وأعظم ما يقال فيها: إنها جملة مجملة. وقطعاً: المصنف وغيره وكذلك المرجئة وعامة المسلمين لا يقولون: إن المسلم لا يكفر بذنب، فهذا ممتنع من المصنف أو المرجئة، فهم يذهبون إلى أن من أشرك بالله وكفر به فإنه يكون كافراً.

стр. 144

حكم تارك الصلاة قال الموفق ﵀: [ولا نخرجه عن الإسلام بعمل]. هذه أيضاً جملة مجملة؛ فإن تارك الصلاة كافر عند جمهور من السلف، وكذلك تارك الزكاة المقر بوجوبها فيه نزاع، وتارك الصوم فيه نزاع، وتارك الحج فيه نزاع. وابن قدامة ﵀ يذهب إلى أن تارك الصلاة ليس كافراً، ومن باب أولى عنده تارك الزكاة وتارك الصوم وتارك الحج، فما دام أنه مقر بالوجوب فعنده لا يكفر أحد بترك الصلاة أو بترك الزكاة أو بترك الصوم أو بترك الحج. وابن قدامة ممن يستدل بالإجماع على عدم كفر تارك الصلاة، وإذا قيل له: ما الإجماع؟ يقول: إن تارك الصلاة لو كان كافراً لما صلي عليه، ولما دفن في مقابر المسلمين، ولما ورث وما إلى ذلك. ولم ينقل أن واحداً من المسلمين تركت الصلاة عليه، أو لم يدفن في مقابر المسلمين، أو منع من التوارث بحجة أنه تارك للصلاة. قال: فعدم إجراء أحكام الكفار عليه، دليل على أن أهل العلم كانوا يذهبون إلى عدم تكفيره، ولو كانوا يذهبون إلى تكفيره لأخذ بهذه الأحكام، ولو أخذ بهذه الأحكام لنقل؛ ومن هنا ظن ﵀ أن المسألة فيها وجه من الإجماع على عدم كفره. ومسألة تارك الصلاة هل فيها إجماع أو ليس فيها إجماع؟ نتناول هذه المسألة من عدة مسالك: المسلك الأول: حكى إسحاق بن إبراهيم الحنظلي من الأئمة المتقدمين الإجماع على أن تارك الصلاة كافر، وأيوب السختياني يقول: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه. وعبد الله بن شقيق يقول: كان أصحاب محمد لا يرون شيئاً من العمل تركه كفر إلا الصلاة. هذا مسلك جماعة من السلف: أنهم كانوا يذهبون إلى تكفير تارك الصلاة، ويرون أن كفره إجماع. المسلك الثاني: ذهب طائفة من السلف إلى كفر تارك الصلاة، ولكنهم لا يعتبرون كفره بالإجماع، وإنما بظواهر الأدلة. المسلك الثالث: الذين لا يعتبرون كفره، وهؤلاء بنوا المسألة على فرعين: الفرع الأول: منهم من بنى المسألة على عدم ظهور الدليل على كفره كـ مالك والشافعي والزهري. الفرع الثاني: ومنهم من بنى عدم كفره على كون الصلاة عملاً، والعمل لا يكفر تاركه، فهذا لا شك أنه من أصول المرجئة، وقد كان يعلل بمثل ذلك -في عدم تكفير تارك الصلاة- حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وأمثاله من فقهاء الكوفة المرجئة. فإذا قيل لك: من لم يكفر تارك الصلاة هل قوله من أقوال المرجئة؟ الجواب: فيه تفصيل: إن بنى عدم تكفيره على أن الصلاة عمل ولا يكفر تارك العمل، فهذا من المرجئة. وإن بنى ذلك على أن الدليل لم يظهر بكفره، ويقول صاحب هذا القول: إن العمل أصل في الإيمان، وداخل في مسماه، ولكنه لا يكفر بترك فريضة واحدة كالصلاة، فهذا ليس من أصول المرجئة ولا من طرقهم ولا من آثارهم، وقد كان مالك بن أنس ﵀ والشافعي وقبلهم الزهري يذهبون إلى عدم كفر تارك الصلاة، ويبنونه على عدم ظهور الأدلة لا على أن الصلاة عمل، فإن مالكاً والزهري والشافعي من أشد الناس على المرجئة، ويرون العمل أصلاً في الإيمان. فهذا وإن كان اجتهاداً مرجوحاً فإن الصواب الذي عليه الجمهور من السلف والمحققون من المتأخرين من أهل السنة كـ شيخ الإسلام أن تارك الصلاة كافر، وهذا هو ظاهر النصوص كحديث جابر بن عبد الله وبريدة وأمثالها، وهو ظاهر مذهب الصحابة في كلام عبد الله بن شقيق. وعليه: فالأظهر أن حكاية الإجماع ليست منضبطة، فإن الزهري خالف وهو أعلم بأقوال الصحابة من إسحاق. ثم إن كلام إسحاق بن إبراهيم ﵀ فيه إشكال، فإنه قال في كلامه الذي رواه محمد بن نصر عنه وغيره: "أجمع أهل العلم من زمان رسول الله إلى زماننا هذا أن من ترك صلاةً واحدة حتى خرج وقتها أنه كافر" مع أن جمهور المكفرين لتارك الصلاة لا يكفرون بصلاة واحدة، ففي كلامه بعض الإشكال وقد يخرج هذا القول على أن إسحاق كان يرى الإباء، أي: من أبى قضاء الصلاة وامتنع، والممتنع كافر عند السلف بالإجماع، كمن دعي إلى الصلاة وقيل له: صل وإلا قتلت فقدم القتل على الصلاة فهذا يقتل مرتداً بإجماع السلف، ولا يكون ذلك إلا عن زندقة كما قال ذلك شيخ الإسلام. فالمسألة محتملة، وكلام عبد الله بن شقيق الأظهر أنه إجماع سكوتي، والإجماع السكوتي حجة محتملة وليس حجةً قطعية؛ لأنك إن قلت: إن فيها إجماعاً قطعياً مثل إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل؛ لزم من ذلك أن مخالفة الزهري ومالك خروج عن الإجماع القطعي؛ لأن من خالف الإجماع القطعي فقوله بدعة ولا شك، ويجب الإنكار عليه إلى غير ذلك. وأما ما يقال: إن مالكاً أو الشافعي لم يثبت عنه ذلك، بل هذا من كلام الشافعية نسبةً إلى الشافعي، أو المالكية نسبةً إلى مالك. فنقول: هذا ليس صحيحاً من وجهين: الوجه الأول: أن المالكية تواردوا نسبة هذا القول إلى مالك، والشافعية تواردوا نسبة هذا القول إلى الشافعي، وإن كان من الشافعية وغيرهم كـ الطحاوي حكى عن الشافعي قولاً آخر لا بأس به. فتوارد المالكية والشافعية في ذكر مذهب الشافعي ومالك يمتنع أن يكون غلطاً، والأصحاب قد يخطئون على الإمام إذا كانوا جماعات أو أفراداً، أما إذا أطبقوا فمن الممتنع أن يغلطوا على إمامهم. الجهة الثانية: أن كبار المحققين المعروفين بضبط الفقه والخلاف، بل يعد عند العلماء من أضبط الناس لفقه السلف كـ محمد بن نصر المروزي ذكر الخلاف عن مالك والشافعي في عدم تكفير تارك الصلاة مع أنه ذكر إجماع إسحاق، فكان يقول: "من السلف من كان يرى هذه المسألة إجماعاً"، ثم ذكر كلام إسحاق وأيوب السختياني، وأثر عبد الله بن شقيق، ثم يقول: "ومن السلف من كان يراها خلافاً". ثم ذكر رأي الزهري ومالك والشافعي.

стр. 145

حكم تارك الزكاة مسألة الزكاة لا شك أنها مسألة خلاف، وكذلك الصوم والحج، وهذه قطعاً ليس فيها إجماع، وحتى عبد الله بن شقيق ألم يقل: "كان أصحاب محمد لا يرون شيئاً من العمل تركه كفر إلا الصلاة" فظاهر كلام ابن شقيق أن الزكاة عند الصحابة لم يستقر أمرها على الكفر؛ لأنه يقول: (إلا الصلاة) وهذا لا يعني أن الصحابة أجمعوا على عدم كفر تارك الزكاة كما يقوله بعض أصحاب الأئمة، بل الصواب: أن مسألة الزكاة خلافية بين الصحابة، وكذلك الصوم والحج. هنا مسألة وهي: من امتنع عن الزكاة وقاتل عليها فحكمه أنه مرتد، كالممتنعين عن أداء الزكاة الذين قاتلوا الصحابة في زمن أبي بكر الصديق، فالممتنعون المقاتلون على منع الزكاة كفار مرتدون كما حكاه أبو عبيد مذهباً للصحابة، وليسوا بمنزلة من ترك الزكاة وهو فرد من أفراد المسلمين في وسطهم، ولم يقاتل، ولم يمتنع بطائفة. وقد كان مالك بن أنس ﵀ يقول: "إن تارك الزكاة ليس كافراً"، ولما سُئل عن الممتنعين في زمن أبي بكر قال: "إنهم مرتدون"، فواضح عند السلف التفريق بين الترك المفرد وبين الامتناع أو الاجتماع على الإباء ونحوه.

стр. 146

شرح لمعة الاعتقاد [١٨] من عقيدة أهل السنة والجماعة: إقامة الحج والجهاد مع الإمام والسلطان براً كان أو فاجراً، ويعتقدون أن صلاة الجمعة والجماعة جائزة خلف السلطان وإن كان فاجراً فاسقاً.

стр. 147

الحج والجهاد مع السلطان براً كان أو فاجراً قال الموفق ﵀: [ونرى الحج والجهاد ماضيين مع طاعة كل إمام براً كان أو فاجراً]. المعروف في القرون الماضية: أن الإمام هو الذي يقود مسيرة الحج، ومنهج أهل السنة هو لزوم الحج مع الإمام براً كان أو فاجراً بأن لا يختلف عليه في مواقيت الحج، فإذا ما قرر السلطان أن الوقوف بعرفة لمن معه من العلماء المجتهدين في يوم كذا وكذا؛ لزم جميع الحجاج أن يلتزموا بذلك. وكذلك الجهاد فإن راية السلطان ولو كان فاجراً تجب موافقتها ولا يجوز الخروج عنها في مقام الجهاد.

стр. 148

حكم الصلاة خلف السلطان الفاجر قال الموفق ﵀: [وصلاة الجمعة خلفهم جائزة]. صلاة الجمعة خلف السلطان ولو كان فاجراً جائزة، حتى ولو لم يكن سلطاناً وكان رجلاً فاسقاً، فإن الصلاة خلف الفاسق جائزة، وإن كان يُنهى عن تقديم الفساق في الصلاة، فإن النبي ﷺ يقول كما في حديث أبي مسعود في الصحيح: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) لكن إذا صلى الفاسق فلا يجوز للمسلم أن يتحرج عن الصلاة خلفه؛ ولهذا ينبه إلى أن بعض الشباب أحياناً تدركه صلاة فائتة في مسجد، فيرى أن الإمام عليه أمارات بينة في الفسق، فيتعجل فيصلي وحده لعدم ثقته في صلاة هذا، وهذا لا شك أنه لا أصل له اللهم إلا إن كان هذا الذي يصلي من أهل البدع المعروفين فلا يصلي خلفه، وأما الفساق من المسلمين فمن تقدم في الصلاة فإنه يصلى خلفه وإن كان تقديمه ليس هو الأصل، بل هو منهي عنه، أما أهل البدع فلا يصلى خلفهم. قال الموفق ﵀: [قال أنس: قال النبي ﷺ : (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار) رواه أبو داود]. هذا حديث رواه أبو داود، وهو متكلم في صحته.

стр. 149

شرح لمعة الاعتقاد [١٩] من عقيدة أهل السنة والجماعة: تولي أصحاب رسول الله ﷺ ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والدفاع عنهم، والكف عن مساويهم وما حصل بينهم من شجار أو قتال. ومن عقيدتهم: الترضي عن أزواج النبي ﷺ والاعتراف بفضلهن وسابقتهن، وأن معاوية ﵁ خال المؤمنين، وكاتب وحي رسول رب العالمين، وأحد خلفاء المسلمين. ومن عقيدتهم: وجوب السمع والطاعة لأمراء المسلمين وأئمتهم، وعدم الخروج على ولاة المسلمين وإن كانوا ظالمين.

стр. 150

من السنة تولي أصحاب رسول الله ومحبتهم وذكر محاسنهم قال الموفق ﵀: [ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ ، ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساويهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم]. هذا كله مستقر أن من السنة التولي لأصحاب رسول الله ﷺ ، والمصنف عبر بقوله: (والترحم عليهم) ولو عبر بالترضي لكان أجود، فإن الله يقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١٨]، ويقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة:١٠٠] فالذي درج عليه أهل العلم وأهل السنة هو الترضي عن الصحابة، وأما من بعد الصحابة فإنه يترحم عليه، وهذا كله دعاء، وليس خبراً، ومع ذلك قدر يقع قدر من التوسع في ذلك، فأحياناً يُترضى عمن من بعد الصحابة فهذا لا بأس به، بل حتى ما هو فوق ذلك وهي الصلاة والسلام، فإنها خاصة برسول الله ﷺ إذا ما قصد الاطراد، وإلا إذا قيل: هل يجوز أن يصلى على غير النبي ﷺ فيقال مثلاً: أبو بكر ﵊؟ ذهب: الجمهور من أهل السنة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والصحيح في مذهب أحمد أن هذا جائز، وإذا قيل: إنه جائز. ليس معناه أنه مشروع، إنما المراد أنه مأذون فيه ولا ينكر، وبشرط ألا يختص بمعين غير النبي ﷺ ، وألا يكون مطرداً. أي: دائماً لا يذكر أحد من الصحابة إلا ويقول: ﵊! هذا لا شك أنه بدعة، أو خصص صحابياً من الصحابة بعينه كـ علي أو غيره من آل البيت بذلك فلا شك أن هذا بدعة، وأما إذا عرض أحياناً فإنه سائغ، وقد قال ابن عباس لـ عمر: [عليك الصلاة والسلام]؛ فأقره.

стр. 151

وجوب الكف عن مساوئ الصحابة قال الموفق ﵀: [والكف عن ذكر مساويهم]. من هدي أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة ﵃ زمن الفتنة والقتال هو الكف عن ذلك، وقد كان الإمام أحمد ﵀ يجيب في بعض جواباته إذا سئل عن ذلك: بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] وهذه قاعدة شريفة يجب على طالب العلم وعلى المسلمين عامة أن يتقلدوها، وهي من قواعد القرآن في الحكم بين الناس ومعرفة أحوالهم، فإن الله لم يكلف العباد أن يعرف بعضهم حال بعض أو شأن بعض، لا من جهة البر ولا من جهة الإثم والشر والعدوان. ولهذا فإن الصحابة في الجملة لم يكونوا على معرفة بتفاصيل أحوال المنافقين، وحتى ظاهر القرآن يبين أن النبي ﷺ نفسه لم يعلم جميع المنافقين من حوله وفي زمنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١] هذا صريح القرآن. إذاً: ما يقصد إليه البعض من تتبع أعيان الناس في الشرق والغرب، وفي اليسير والقليل من الكلام، ويأخذ الكلام المجمل فيجعله مفصلاً، ويقول: إنه قصد كذا وكذا .. وهذا أصله من كذا وكذا .. ويفرع تفريعات، ويرمي الناس بالألقاب والأوصاف التي هي أوصاف ذم أو طعن! ويرى أن هذا من التحقيق والضبط للأمور .. هذا فيه تكلف ولا شك. لا شك أن من أظهر البدعة وعرف بها فإنه يطعن فيه، ويسمى مبتدعاً ببدعته، وهذا الذي درج عليه السلف؛ ولهذا من يقول: إن السلف ذموا أهل البدع. نقول: نعم، هذه سنة من سنن السلف لا ينكرها إلا جاهل أو مخالف للسلف، ولكن السلف إنما ذموا أهل البدع الذين أظهروا البدع وفارقوا السنة والجماعة، فكل من أظهر البدعة وفارق السنة والجماعة فإنه يذم، أما أن يتكلف إخراج الناس من السنة والجماعة ويحتكر اسم السنة والجماعة أو السلفية على أعداد يسيرة من الناس، فهذا ليس عدلاً ولا شرعاً ولا هدىً ولا أثراً سلفياً. فهذا حماد بن أبي سليمان أخرج العمل عن مسمى الإيمان، وعد السلف قوله بدعة وهو من أعيان أهل السنة، وابن خزيمة فسر حديث الصورة بتفسير كان الإمام أحمد يقول فيه: "هذا تفسير الجهمية"، ومع ذلك ما قال أحد: إن ابن خزيمة من الجهمية، والإمام أحمد في مسألة اللفظ بالقرآن في رواية أبي طالب، وهي رواية صحيحة معتبرة، ومن أنكرها فقد غلط، وهي معروفة عند محققي الحنابلة وغيرهم، يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: القرآن غير مخلوق فهو مبتدع، ومع ذلك جاء محمد بن يحيى الذهلي وهو من كبار المحدثين وشيخ البخاري وأمثاله فقال: "إن اللفظ بالقرآن ليس مخلوقاً"، وأراد الذهلي أن القرآن ليس مخلوقاً، فكان مراد الذهلي صحيحاً، وحرفه ينكره الإمام أحمد ويقول: هذا حرف أهل البدع. وجاء البخاري وجماعة من كبار أئمة السنة والمحدثين فقالوا: "اللفظ بالقرآن مخلوق"، وكان مراد البخاري وأمثاله: أن أفعال العباد مخلوقة، فأرادوا باللفظ هنا فعل العبد، فمراد البخاري وأمثاله صحيح، وإن كان حرفه حرفاً مجملاً، فهل يقال: إن البخاري يسمى جهمياً لأن الإمام أحمد يقول: من قال: اللفظ بالقرآن مخلوق فهو جهمي؟! وأما ما تكلف فيه بعض المتأخرين أنها نسبة خاطئة إلى البخاري ولم يصح عنه؛ بلى فهذا غير صحيح، بل هذه أمور منضبطة وصحيحة عن البخاري وغيره، لكن المقصود أن الكلمات تفهم على مقاصدها، فمنهج أهل السنة الكف عما شجر بين الصحابة. وهذا لا يعني عدم العلم بما جاءت به السنة، كالقول بأن علياً أولى بالحق من معاوية، فهذا ليس من الطعن في معاوية، بل هذه سنن ثابتة حدث بها الرسول ﵊ كما في قوله: (تقتلهم أولى الطائفتين بالحق). وكذلك القول عن الطائفة المعارضة لـ علي: إنها طائفة باغية هذا لا بأس به؛ فإن النبي ﵊ كما ثبت عنه في الصحيح قال: (تقتل عماراً الفئة الباغية) إلى غير ذلك. فمثل هذه الأمور التي انضبطت سنناً وآثاراً عن النبي ﵊ تقال، وأما التفاصيل والدخول في المقاصد وأمثال ذلك فهذا ليس من الهدي. قال الموفق ﵀: [قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] وقال النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)]. لا يصل أحد إلى قدر الصحابة ومكانتهم أياً كان قدره ومقامه، فإن الصحابة لهم اختصاص الصحبة، وقد فضلهم الله تعالى بذلك، ومن هنا نهى النبي ﷺ عن سبهم والتقديم عليهم.

стр. 152

الترضي عن أزواج النبي ﷺ والاعتراف بفضلهن قال الموفق ﵀: [ومن السنة الترضي عن أزواج الرسول ﷺ ، أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق، التي برأها الله في كتابه، زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم]. أفضل نساء النبي ﷺ وأزواجه هي خديجة وعائشة، وقد أجمع أهل السنة على أن أفضل نساء هذه الأمة ثلاث: عائشة، وخديجة، وفاطمة، ثم اختلفوا، فمنهم من فضل عائشة، ومنهم من فضل خديجة، ومنهم من فضل فاطمة، ومنهم من توقف، وهذه مسألة اجتهادية فيها سعة. ومن قذف عائشة ﵂ بعدما تبين له النظر في كتاب الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] فمن لم يعتبر بهذا المذكور في كلام الله وأصر على ذلك فلا شك أنه كافر؛ لأن هذا تكذيب للقرآن.

стр. 153

فضل معاوية وتبرئته من الفسق والنفاق قال الموفق ﵀: [ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين ﵃]. الطعن في معاوية من طرق أهل البدعة المخالفين للسنن والآثار، ومن يطعن فيه من الشيعة فإنهم يخالفون أصول أئمتهم الذين هم أئمة الهدى إذا صح أن لهم أئمة على هذا الاختصاص، وإلا فالحق أن علي بن أبي طالب -وإن كان إماماً- والحسن والحسين لم يختصوا بطائفة، ولم يجعلوا أنفسهم أئمة مختصين بطائفة معينة، بل كانوا أئمةً لسائر المسلمين من أهل البيت وغيرهم. فهذا الحسن بن علي -وهو من أئمة آل البيت- لما صار إليه الأمر تنازل به لـ معاوية، فلو كان معاوية في نظر الحسن بن علي وأئمة آل البيت رجلاً فاسقاً أو منافقاً -فضلاً عن كونه كافراً- لما أمكن الحسن بن علي أن يتنازل بملك المسلمين ورقابهم وسلطانهم وطاعتهم وولايتهم لرجل فاسق. وأما ما يعتذر به بعض الشيعة من أن هذا من التقية عند الحسن فهذه سفسطة لا صحة لها. وأما إذا قيل: إنه كان عاجزاً فهذا يرده الواقع التاريخي، فقد جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث عبد الرحمن بن حسنة: "أن الحسن بن علي استقبل معاوية بكتائب أمثال الجبال، فلما بلغ معاوية وقد حرضه بعض أهل الشام على المواجهة قال: إذا قتل هؤلاء هؤلاء من لي بضعفة المسلمين! من لي بنسائهم! من لي بذراريهم إلخ". فكان معاوية رفيقاً والحسن أيضاً كان رفيقاً حتى حصل الصلح بينهما. إذاً: تنازل الحسن بن علي دليل على أنه يرى أن معاوية رجل صالح فاضل، بريء من الفسق فضلاً عن الكفر والنفاق.

стр. 154

وجوب السمع والطاعة لأمراء المسلمين وأئمتهم قال الموفق ﵀: [ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله]. من منهج أهل السنة والجماعة السمع والطاعة لأمراء المسلمين بالمعروف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] وهي مقيدة بطاعة الله ورسوله؛ ولهذا فإن في كتاب الله طاعتهم لم تطلق، فإن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] فأعاد العامل -الذي هو الفعل (أطيعوا) - ولما ذكر أولي الأمر ترك العامل ولم يقل: (وأطيعوا أولي الأمر) فدل هذا على أن طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله، وهذا هو معنى طاعتهم بالمعروف، فيطاعون في الطاعة دون المعصية.

стр. 155

من قواعد أهل السنة عدم الخروج على الولاة المسلمين قال الموفق ﵀: [ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة فسمي أمير المؤمنين وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه، وشق عصا المسلمين]. هذه قاعدة من القواعد الشرعية الصحيحة: أن ثبوت الملك يكون إما بالشورى وإما بالغلبة، فمن غلب واستقر ملكه وأظهر الإسلام بعد غلبته واستقراره فإن طاعته تكون واجبة ويكون ولياً شرعياً، ولا يلزم في ذلك أن يكون جميع الأمر على مبدأ الشورى أو ما إلى ذلك، فإن من ظهر صح ظهوره وصحت طاعته. والدليل على ذلك: إجماع العلماء على صحة إمارة بني العباس وأمثالهم، فإنهم أخذوها بالسيف ولم يأخذوها بالشورى، فظهروا على دولة بني أمية حتى غلبوهم، ومع ذلك لما ظهرت غلبتهم واستقر أمرهم، وذهب ملك بني أمية اعتبر الأئمة ﵏ أن بني العباس هم الملوك والسلاطين. ومن يطلب فإنه قد يحصل منه التعدي أو سفك الدماء، فهذا مقام يختص به ويحاسبه الله عليه، لكن طاعته تكون شرعيةً واجبة، ولا يقال: إنه خرج أو انشق؛ فإن بني العباس إنما انشقوا على دولة بني أمية، ولم يقل العلماء والأئمة: إنهم خرجوا على دولة بني أمية، فإن الحاكم إذا غلب بالسيف واستقر أمره وأظهر الإسلام صار ملكاً شرعياً تجب طاعته، ويكون من مضى على أمرٍ قد سلف.

стр. 156

شرح لمعة الاعتقاد [٢٠] من السنة: هجر أهل البدع، ومباينتهم والتحذير منهم، كما لا ينبغي قراءة كتبهم إلا لمن كان أهلاً لذلك، ومن أحدث في الدين محدثة فهو مبتدع، وما أحدثه فهو بدعة، وكل من انتسب إلى غير الإسلام والسنة فهو مبتدع، بخلاف الانتساب إلى إمام في الفروع والمذاهب الفقهية؛ فإن ذلك ليس مذموماً.

стр. 157

هجران أهل البدع قال الموفق ﵀: [ومن السنة هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين]. هجران أهل البدع ومباينتهم من منهج أهل السنة والجماعة، والمباينة: عدم موالاة أهل البدع، وإظهار السنة والجماعة، والانتصار والاعتصام بها ..

стр. 158

النظر في كتب أهل البدع قال الموفق ﵀: [وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء لكلامهم]. لا ينبغي لطالب علم -فضلاً عن عامة المسلمين- أن ينظر في كتب أهل البدع، إلا من كان أهلاً لذلك، وقد استقر عنده العلم بالسنة والهدى وأراد الرد عليهم، فإن هذا من المقامات التي توجبها المصلحة الراجحة.

стр. 159

كل محدثة في الدين بدعة قال الموفق ﵀: [وكل محدثة في الدين بدعة]. هذا أصل من أصول أهل السنة أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، كما جاء عن النبي ﵊ كما في صحيح مسلم، وفي السنن: (وكل ضلالة في النار) وهذا حرف متردد في ثبوته، وقد سبق الكلام عليه في أول الكتاب.

стр. 160

كل متصف بغير الإسلام والسنة مبتدع قال الموفق ﵀: [وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع]. من لم يلتزم بالسنة والجماعة، ونابذ أئمتها فلا شك أنه من أهل البدع. قال الموفق ﵀: [كالرافضة، والجهمية، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والكرامية، والكلابية ونظرائهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها]. الرافضة: هم طائفة من الشيعة يسبون الصحابة إلخ، وهؤلاء ليسوا من السنة في شيء. والجهمية: هم نفاة الصفات. والخوارج: هم الذين كفروا مرتكب الكبيرة من المسلمين وخلدوه في النار. والقدرية: هم الذين نفوا خلق أفعال العباد، وغلاتهم ينكرون العلم بها، ومقتصدوهم ينكرون خلقها والإرادة لها .. والمرجئة: هم من يخرج العمل عن مسمى الإيمان، وهم درجات. والمعتزلة: هم قوم من أهل البدع جمعوا بين التجهم فنفوا الصفات، وهم قدرية في القدر، ووعيدية في الوعيد إلخ، لهم أصول خمسة، وينسبون إلى واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل العلاف، وأمثال هؤلاء. والكرامية: أتباع محمد بن كرام السجستاني كان من المشبهة المجسمة، وإن كان ليس من غلاة التجسيم كـ هشام بن الحكم الرافضي. والكلابية: أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، ينتسب للسنة، لكنه من المتكلمين الذين اختلطت عندهم السنة بالبدعة. وهنا إشارة فاضلة وهي: أن ذكر المصنف للكلابية دليل على براءته من طرقهم وآثارهم، فإن كثيراً من الحنابلة كـ أبي الحسن التميمي وأبي الفضل التميمي وابن عقيل وأمثالهم تأثروا بطرق الكلابية، إما تأثراً مباشراً، وإما بواسطة علماء الأشعرية كالقاضي أبي بكر الباقلاني، فالمصنف ﵀ طريقته هي طريقة أهل الحديث المحضة كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 161

حكم الانتساب إلى المذاهب الفقهية دون تعصب قال الموفق ﵀: [وأما النسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع فليس بمذموم]. هذه الجملة من فضائل هذه الرسالة، ولم يكن عند السلف ﵏ مثل هذه المعاني، وإن كانت لم تظهر في زمنهم ظهوراً بيناً، الانتساب إلى إمام في الفروع كالطوائف الأربع -أي: كالانتساب إلى الشافعي أو مالك أو أبي حنيفة، وظهر عند بعض فضلاء العلم من المعاصرين أن من السلفية ترك الانتساب للمذهب، وأن من انتسب للمذهب ليس سلفياً في الفقه، هذا فيه قدر من الزيادة؛ لأن هذه المذاهب الأربعة لها قرون في المسلمين، وقد درج عليه العلماء ما بين شافعي وحنفي ومالكي وحنبلي، وفيهم علماء سنة محققون كـ شيخ الإسلام، وأبي عمر بن عبد البر، وابن رجب، وابن كثير، وأمثال هؤلاء، ومع ذلك ما نقل عن هؤلاء الأكابر من المحققين في مذهب السلف أنهم أنكروا الانتساب، وأول من أنكر الانتساب من متأخرة القرن العاشر، بعضهم عن أثر زيدي، أو بعضهم عن أثر ظاهري. فالقصد: أن هذا الإنكار غير معتبر، أما من انتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة على معنى التعصب للمذهب، أو أنه لا يخرج في فقهه على هذا المذهب، أو يرى أن الحق في هذا المذهب، بل حتى من يرى أن هذا المذهب أفضل من غيره من المذاهب، فلا شك أن هذه المعاني منكرة ليس لها أصل، ومخالفة لهدي السلف. وأما من انتسب إلى واحد مذهب المذاهب الأربعة من باب الترتيب العلمي، كأن يقول: أنا حنبلي أي: إذا لم يكن في المسألة دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع قدم قول الصحابي على القياس، هذا معنى حنبليته، والآخر يقول: أنا حنفي، إذا لم يكن عنده دليل من الأصول الثلاثة -الكتاب والسنة والإجماع- قدم القياس على قول الصحابي، والمالكي يقدم عمل أهل المدينة، والشافعي لا يرى عمل أهل المدينة. من تبنى التمذهب على الترتيب العلمي فهذا لا بأس به. وأما من تعصب لمذهب من المذاهب الأربعة فهذا مخالف لهدي السلف، سواء تعصب لمذهب من المذاهب الأربعة أو حتى تعصب لرجل من الرجال ولو كان إماماً من الأئمة، وهذا يقع: أنهم ينهون عن الانتساب للمذاهب الأربعة وينتسب من ينتسب لـ ابن حزم أو للشوكاني أو لفلان وفلان .. فما الفرق بين الانتسابين؟! إن قيل: هؤلاء لا يتعصبون. قيل: وهل تقول: إن سائر المالكية أو سار الحنابلة متعصبون؟ كلا، ابن تيمية ﵀ خرج عن المذهب خروجات، وكذا ابن عبد البر إلخ.

стр. 162

الاختلاف في الفروع الفقهية قال الموفق ﵀: [فإن الاختلاف في الفروع رحمة]. هذه كلمة مجملة، والاختلاف في الفروع يقع منه ما هو مقام من الرحمة، ومن وجه آخر قد يكون اختلاف شر كغياب الدليل على العالم، فهذا ليس من الرحمة والفضل. قال الموفق ﵀: [والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة]. هذا معنى قول النبي ﵊: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) وهو في الصحيحين عن عمرو بن العاص. قال الموفق ﵀: [نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله ﷺ في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله آمين. وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً]. هذا بحمد الله تمام لهذه الرسالة، وتبين لك باختصار: أن هذا الرسالة ليس فيها جملة واحدة يجزم بأنها غلط من المصنف، غاية ما فيها جمل مجملة يفصل في تقريرها، ويبين الحق المحتمل فيها، ويدرأ الباطل المحتمل فيها. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.