← Акыда

Акыда · id 37781

شرح لمعة الاعتقاد - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (162 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الإيمان بنزول عيسى ﵇ قال الموفق ﵀: [ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله]. عيسى ﵊ هو من أولي العزم من الرسل، رفعه الله إليه ولم يمت، بل رفع إلى السماء الثانية؛ ولهذا لما عرج بالنبي ﷺ رأى عيسى في السماء الثانية ومعه يحيى بن زكريا، ولهذا قال: أو قال: (رأيت ابني الخالة: عيسى ويحيى). وهذه هي عقيدة المسلمين في عيسى ﵇، خلافاً لعقيدة اليهود والنصارى. هذا النبي الكريم ينزل آخر الزمان بعد خروج الدجال، فيقتل الدجال ويحكم في المسلمين بشريعة محمد ﷺ وسنته، ولقد جاءت قصة نزول عيسى في الصحاح، وفي صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان في سياق طويل ذكر النبي ﷺ فيه الدجال، وأنه يخرج ويمكث في الأرض أربعين يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، وأنه أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية إلى آخر ما ذكره النبي ﷺ في صفة الدجال. فينزل عيسى ﵊ فيتبع الدجال فيقتله في فلسطين، وكان نزول عيسى ﵊ في دمشق كما في حديث النواس بن سمعان قال: (فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهربتين، واضعاً يديه على أجنحة ملكين، كأن رأسه يقطر ماءً، إذا طأطأ رأسه تحدر منه جمان كاللؤلؤ) وقد ذكر النبي ﷺ صفة موسى وعيسى فيما جاء عنه في الصحيحين وغيرهما.

стр. 107

الإيمان بخروج يأجوج ومأجوج قال الموفق ﵀: [وخروج يأجوج ومأجوج]. قيل: إنهم ليسوا من بني آدم، وهذا قول ضعيف، والذي عليه الجمهور أنهم من بني آدم، وهم من أمم الكفر كثيرو النسل، ولهذا قال النبي ﵊ كما في الصحيحين عن أبي سعيد: (يقول الله: يا آدم! أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فاشتد ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، وقالوا: أينا ذلك الرجل؟! قال: أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رجل). وقد اشتغل بعض المتأخرين في تعيينهم، فبعضهم ذكر أنهم أهل الصين، وهذا من التكلف، فليس المقصود أن يعينوا بمقام أو بزمان معين، إنما الذي ينبغي أن يعرف أنهم قوم من بني آدم من الكفار، وهم موجودون، والدليل على وجودهم ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من قوله ﵌: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وأشار إلى السبابة وحلقها). لكن إذا قيل: هؤلاء قوم كثر فأين هم الآن؟ قيل: لا يلزم أنهم قبل ميعاد خروجهم على هذا الحد من الكثرة، فإن خروجهم في آخر الزمان، ولربما أنه في آخر الزمان يهلك كثير من الناس ويكثر هؤلاء القوم ويكثر نسلهم، ثم يكون خروجهم. وإذا قال قائل: نحن الآن في آخر الزمان وليسوا هم الأكثر، إلا إذا فسرناهم بأجناس الكفار من النصارى في أوروبا وأمريكا، كما ذهب إلى ذلك بعض المعاصرين؛ فهذا أيضاً ليس بصحيح، وأقل ما يقال فيه: إنه قول بلا علم، فإن هؤلاء الكفار من النصارى واليهود لا يظهر من النصوص أنهم هم الذين يرادون بذلك. وإذا قيل: هم في آخر الزمان، فأين هم وأين كثرتهم؟ قيل: وما يدريك أنك في آخر الزمان الذي معناه أنك بين يدي سنوات على قيام الساعة أو على خروجهم، أما إذا أريد بآخر الزمان، أن هذا الأمة في آخر الزمان فنبيها يقول: (بعثت أنا والساعة نستبق) فالنبي ﵊ كان في آخر الزمان، أي في أيام الله التي قضاها لعباده في هذه الأرض قبل اليوم الآخر الذي يجمع فيه الناس. ولذلك لا يصح أن يقال: إن الفتن بين أيدينا، وانتظروا خروج الدجال، وانتظروا خروج يأجوج ومأجوج .. وليس المقصود أن نقول: إنها بعيدة، وإنما المقصود أن يقال: الله أعلم، ولا يجوز أن يظن أن الأمور بين يديه، كما لا يجوز أن يظن عكسه، إنما الذي يجب أن يقال: الله أعلم. وقد يقع هذا حتى من بعض أهل العلم، ففي القرن التاسع قال بعضهم: إن بين يديهم المهدي، وظنوا أن المهدي هو الذي يختم القرن العاشر، وأن الأمة لن تتجاوز القرن العاشر، ثم سلفت الأمة بعدهم ما يقارب الخمسة قرون. وأحياناً يصنف بعضهم كتاباً في مثل هذه المسألة الغيبية، مثل من يستدل بحديث ابن عمر الثابت في البخاري وغيره لما قال النبي ﷺ : (أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا إلى نصف النهار، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم أوتينا القرآن إلى غروب الشمس) فبدءوا يقارنون: كم مدة اليهود، وكم مدة النصارى، وكم ما بين العصر وغروب الشمس؟ فتحصل من هذا أن هذه الأمة بقي عليها كذا من السنوات هذا كله من السفسطة والجهل والتعدي على أحكام الله، والساعة لا يعلم موعدها إلا الله . إذاً .. هذه الأمور لا ينبغي أن يتقدم فيها بين يدي الله ورسوله .. هذه جهة. الجهة الثانية: ما الفائدة من هذه الفروضات؟ فمن يسأل عن المهدي: ما الذي هل سيأتي بجديد؟ هذه المسائل ليس عند الناس إلا قال الله، وقال رسوله ﷺ ، وهذا الكتاب محفوظ بحفظ الله له، وكذلك سنة النبي ﷺ من جهة أصلها لا بد أنها محفوظة. فإذاً: الناس ليسوا محتاجين إلى أن ينتظروا أحداً قادماً، وهذه الأمة لم يرد لها الله ولا حتى غيرها من الأمم أنها تنتظر موعوداً، بل انتظار الموعود من البدع التي أدخلت على المسلمين عند بعض طوائفهم، فجاءوا ببدعة الانتظار لبعض أوليائهم وأئمتهم.

стр. 108

الإيمان بخروج الدابة قال الموفق ﵀: [وخروج الدابة]. هي دابة خلقها الله تعالى، وهي من أمارات الساعة الكبرى، تكتب في جبين من أدركته: إما مسلماً أو مؤمناً وإما كافراً، فالناس يهربون منها فيصيرون إليها، ولم يذكر لها النبي ﷺ إلا هذا الاختصاص.

стр. 109

الإيمان بطلوع الشمس من مغربها قال الموفق ﵀: [وطلوع الشمس من مغربها وأشباه ذلك مما صح به النقل]. الشمس تطلع من مشرقها، وإذا جاء ميعادها خرجت من مغربها، وحينئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.

стр. 110

شرح لمعة الاعتقاد [١٣] عذاب القبر ونعيمه حق بإجماع أهل السنة وبصريح الكتاب والسنة، وهو يقع على الجسد والروح، خلافاً لبعض المبتدعة الذين قصروا عذاب القبر ونعيمه على الروح دون الجسد.

стр. 111

الإيمان بعذاب القبر ونعيمه قال الموفق ﵀: [وعذاب القبر ونعيمه حق]. عذاب القبر ونعيمه حق بإجماع أهل السنة وبصريح الكتاب والسنة، وهو على الجسد والروح، ومن قال: إن العذاب يكون على الروح فقط، وأن الجسد بعد الموت لا يمسه شيء من العذاب؛ فهذا من أقوال أهل البدع، وأصله من أقوال المعتزلة، وإن زعمه بعض أصحاب الأئمة قولاً لطائفة من أهل السنة فهذا غلط عليهم، بل الصواب المجمع عليه بين الصحابة والتابعين والأئمة: أن عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد، وإن كان ماهية الاتصال للروح بالجسد بعد الموت ليست كماهية اتصال الروح بالجسد قبل الموت. فإذا قال قائل: وكيف تتصل الروح بالجسد بعد الموت؟ قيل له: وهل أنت أدركت كيف تتصل الروح بالجسد قبل الموت؟ الذي يدركه الناس أن الروح موجودة وأنها محركة للجسد، هذا علم ضروري حسي، أما ماهية هذه الروح وكيف تتصل، وكيف تفارق إلخ فكما قال الله تعالى: ﴿قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥]. وفوق ذلك: الآيات المشاهدة في يقظة الإنسان وفي منامه تدل على صدق الآيات الغيبية مما قضى به الله مما يكون في القبر من النعيم والعذاب على الروح والجسد. قال الموفق ﵀: [وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة]. قوله: (وأمره به في كل صلاة) أي: أمر بالاستعاذة من عذاب القبر، وهل ذلك على سبيل الوجوب أم على سبيل الاستحباب؟ الجمهور على أنه مستحب، وهو الصحيح، وهناك رواية عن الإمام أحمد وهي المرجحة عند متأخري أصحابه أن ذلك على الوجوب. قال الموفق ﵀: [وفتنة القبر حق]. فتنة القبر هي ابتلاء الإنسان في قبره بالسؤال، يسأل عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه ﷺ ، فالمؤمن يجيب جواباً حقاً، والمنافق والكافر يتعذر عليه الجواب. قال الموفق ﵀: [وسؤال منكر ونكير حق]. هذان هما الملكان، وقد سميا في حديث جاء في المسند وغيره بهذا الاسم، وقد ذكر الإمام أحمد ذلك واحتج به. وأما لماذا سموا بذلك. فلأن يقال: هذا مبني على ثبوت النص بذلك، فإن بعض أهل العلم لا يصحح هذه التسمية بثبوتها إلى النبي ﷺ ، وإن كان ثبوت أمر الملكين ثبوت بين صريح، لكن هل يسمى منكر ونكير؟ هذه مسألة أخرى. وإذا كان كذلك؛ فلِمَ سموا بذلك؟ يقال: الله أعلم بذلك. ويمكن أن يقال: إن هذا من باب ما يقع في مقامهما من الشدة والفتنة وما إلى ذلك.

стр. 112

شرح لمعة الاعتقاد [١٤] مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالبعث والنشور بعد الموت، والنفخ في الصور، ونصب الموازين، والحوض، والصراط والمرور عليه، والإيمان بالشفاعة، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي أنواع، أعظمها: الشفاعة العظمى، وهي خاصة بالنبي ﷺ الله عليه وسلم.

стр. 113

الإيمان بالبعث قال الموفق ﵀: [والبعث بعد الموت حق]. أي: بعث الناس من قبورهم، فإن جميع الناس يبعثون من قبورهم أو من مكان موتهم، وإن تفرقت أجزاؤهم وأجسادهم إما في البحر أو في ما شاء الله من الخلق، فإنهم يجمعون في يومهم الموعود ويحشرون إلى ربهم كما هو صريح في كلام الله ورسوله.

стр. 114

النفخ في الصور قال الموفق ﵀: [وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور، فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون]. قوله: (من الأجداث) أي: من القبور، أو من مكان موتهم ورفاتهم.

стр. 115

الإيمان بشفاعة الرسول ﷺ يوم القيامة قال الموفق ﵀: [ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً]. هذا متواتر عن النبي ﷺ ، وهو في الصحيحين وغيرهما، وقد اتفق أئمة الحديث على أن الناس يحشرون يوم القيامة على هذه الحال، وقوله: (غرلاً) أي: ليسوا مختنين. قال الموفق ﵀: [فيقفون في موقف القيامة]. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:٤٨] فالأرض ستبدل، ولا يمكن أن يقال: هي الشام أو غيرها، وإن كان هناك دلائل على أن أرض الشام لها اختصاص من جهة جمع الناس ليوم الحساب. قال الموفق ﵀: [حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ ويحاسبهم الله ﵎]. هذا مقام الشفاعة العظمى، وقد أجمع المسلمون على ثبوتها من أهل السنة وأهل البدعة، ولم يخالف فيها أحد، وهذه الشفاعة هي شفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف أن يقضي ويفصل الحساب بينهم، وقد تواترت عن الرسول ﵊، وحديثها في الصحيحين وغيرهما من رواية جماعة من الصحابة كـ أبي هريرة: (أن النبي ﷺ أُتي بلحم، فرفع إليه الذراع فكانت تعجبه، فنهس منها نهسةً، ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم؟ فيأتون آدم فيعتذر عن الشفاعة، فيأتون نوحاً فيعتذر، فيأتون إبراهيم فيعتذر، فيأتون موسى فيعتذر، فيأتون عيسى فيعتذر، ثم يأتون محمداً ﷺ ، قال: فأنطلق، فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي، ثم قال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي. فيقال: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى)، وهذا الحديث له طرق في الصحيحين وغيرهما. والشفاعة العظمى دل عليها ظاهر القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩] فإن المقام المحمود في تفسير السلف هو شفاعته ﷺ .

стр. 116

الإيمان بنصب الموازين يوم القيامة قال الموفق ﵀: [وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين]. هذا كله حق على ظاهره كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣]، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ [الأنبياء:٤٧] وهذه الموازنة إذا ذكرت الموازنة على صيغة المقارنة فيراد بها الموازنة بين التوحيد والكفر، فقوله: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) أي: بالإيمان، (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) أي: بالشرك. وما ذهب إليه ابن حزم ﵀ وتبعه عليه ابن القيم في أهل الكبائر من المسلمين حين قالوا: إن أهل الكبائر من المسلمين ثلاثة أقسام: قوم فضلت -أي: زادت -حسناتهم على كبائرهم، قالوا: فهؤلاء لا يعذبون، ولا يمسهم شيء من الوعيد مع ما عندهم من الكبائر، بل يصيرون إلى الجنة ابتداءً. - وقوم تساوت حسناتهم مع كبائرهم من سيئاتهم، فهؤلاء لا يعذبون ولكنهم لا يدخلون الجنة ابتداءً، بل يحبسون عن الجنة زمناً ثم يدخلون إياها. - وقوم زادت كبائرهم وسيئاتهم على حسناتهم، فهؤلاء هم الذين يعذبون في النار قدراً ثم يدخلون الجنة. ويعد ابن حزم أول من فصل هذا التفصيل ونسبه لأهل السنة، وجاء ابن القيم ﵀ فزاد على ذلك ما هو أشد من التصريح، فقال في هذه المسألة: "ومسألة الموازنة لا يعرف الحق فيها كثير من الناس"، وقال: "بل كثير من المنتسبين للسنة لا يعرفون إلا قول المرجئة، وأما قول الصحابة والتابعين فإنهم لا يعرفونه، وهو: أن أهل الكبائر على ثلاثة أقسام". ثم ذكر هذا التقسيم، فجعله ابن القيم ﵀ قولاً للصحابة والتابعين، وجعل خلافه قول المرجئة. وهذا كله لا أصل له، وإن كان تكلم به ابن القيم ﵀ فهذا ليس صحيحاً، ولم يعرف في كلام أئمة السنة المتقدمين هذا التفصيل، وابن القيم ﵀ إنما نقل هذا عن أبي محمد ابن حزم في كتاب (الفِصَلَ)، مع أن ابن حزم أخف في التعبير والجزم من ابن القيم، فـ ابن القيم في طريق الهجرتين زاد في التعبير، وجزم أنه مذهب جميع الصحابة إلخ، وقد استدل ابن القيم بعموم قوله تعالى: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ)، وقوله: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) وهذا ليس وجه في القياس صحيح، فإن المقصود بهذه الآيات الإيمان والكفر، وهذا صريح في سياقها، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٦]، فالسياق صريح في المؤمنين والكفار، فاستدلاله ﵀ ليس في مقامه. ثم استدل بأن طائفة من الصحابة كـ جابر بن عبد الله وابن مسعود قالوا في أهل الأعراف الذين ذكرهم الله في سورة الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦] إلخ، قال: إن أهل الأعراف هم من استوت حسناتهم مع سيئاتهم، وأنهم يحبسون عن الجنة. أولاً: هذا ليس إجماعاً للصحابة، بل إن صح فهو تفسير لعدد من الصحابة قد لا يصلون إلى العشرة، وروي عن ابن عباس، واختلف قول ابن عباس في ذلك عن ابن مسعود. ثانياً: أن هذا غير منضبط صحته عن الصحابة، ولهذا فإن ابن جرير ﵀ منهجه في التفسير أنه إذا فسر الآيات وللصحابة قول؛ لا يعارضه، لكنه هنا لما ذكر قول ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبد الله ذكر أقوالاً ثمانية في الأعراف، وهذا مما يدلك على أن أهل الأعراف ليس فيهم إجماع: أنهم من تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، بل السلف مختلفون فيهم. وقال ابن جرير: "الصواب أن الله أعلم بشأنهم"، ولم يجزم بأنهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم. إذاً: هذا التفصيل من ابن القيم وابن حزم ليس صحيحاً، وقد دخل على ابن القيم ﵀ قدر من كلام ابن حزم بعض المسائل، وهذه من أخصها. ومن الذي يستطيع أن يجزم بأن من زادت سيئاته ولو بواحدة أنه يعذب في النار؟ لا يمكن لأحد أن يجزم به، وليس في كتاب الله ذكر ذلك، وإنما الذي في الكتاب وأجمع عليه السلف هو الإيمان بالموازنة، والإيمان بالشيء المجمل لا يستلزم العلم به مفصلاً، والموازنة مردها إلى عدل الله ورحمته وحكمته. وقد وصف ابن تيمية ﵀ القول الذي انتصر له ابن حزم وابن القيم فقال: "هذا قول طائفة من المنتسبين إلى السنة من أصحابنا وغيرهم". وهذا تهوين منه لهذا القول، وأنه ليس من الأصول المجمع عليها عند الصحابة كما يقول ابن القيم ﵀. إذاً .. أن هذا قول غلط، والصواب التوقف، فيقال: الإيمان بالموازنة أصل، ولكن هذا مرده إلى عدل الله وحكمته ورحمته، والله هو الذي يحكم بين العباد، ولا يوصف بهذا الوصف المفصل، بل يقال على قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] والقسط هنا صفة لهذه الموازنة، وهذا من لطيف اللغة. أن القسط مفرد مذكر، والموصوف جمع، مع أن القاعدة أن الصفة تطابق الموصوف، لكن هذا الأسلوب هو السليم في اللغة، تقول: هذه المقالات الغلط، والجواب عن هذا أن النعت هنا مصدر، ولهذا قال ابن مالك: ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا

стр. 117

الحوض والآثار الواردة فيه قال الموفق رحمه الله تعالى: [ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً]. كذلك مما يجب الإيمان به حوضه ﷺ ﷺ ، وهذه الجمل التي ذكرها المصنف في صفة هذا الحوض جاءت صريحة في السنة، فإن النبي ﷺ ذكر حوضه في أحاديث متواترة تواتراً معتبراً في الشرع والعقل واللغة واعتبار الأئمة، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من غير وجه، وإذا قيل: هل ورد ذكر الحوض في القرآن؟ الجواب: نعم. ورد ذكره في القرآن على قدر من الإجمال كذكر مقام الشفاعة، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]. وفي الصحيح عن أنس: (أن النبي ﷺ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً وهو يضحك، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: أنزلت عليَّ آنفاً سورة، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] حتى ختم السورة، فقال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً) فذكر الكوثر في كتاب الله يتضمن ذكراً للحوض بتفسير النبي ﷺ لهذه الآية. وعليه فإنه يقال: إن حوضه ﷺ مما أجمع السلف على الإيمان به، وصفته كما ذُكر في حديث أبي ذر وجابر بن سمرة وأبي هريرة وجماعة من الصحابة: أن طوله شهر، وعرضه شهر، وآنيته عدد نجوم السماء، وهكذا وصفه ﷺ تارة بالمقدار الزماني، كقوله: (طوله شهر وعرضه شهر) وتارة بالمقدار المكاني، كقوله ﷺ : (حوضي ما بين مقامي هذا إلى صنعاء اليمن)، وكقوله: (ما بين جرباء إلى أذرع) وهما بلدان في الشام إلى غير ذلك، فهذه أوصاف عرض حوضه ﷺ كما ذكر. وإن كان بعض شراح الأحاديث وقع عندهم شيء من التكلف في مقدار الحوض كما يقع أحياناً في لزوم الجواب عن مثل هذه التساؤلات: فمنهم من قال: إنه ابتدأ بمقدار ثم زيد، فكان النبي ﷺ كلما جاءه الوحي بزيادة في قدر هذا الحوض حدَّث به، فهذا هو وجه تعدد الروايات على قدر من الزيادة في بعضها دون بعض .. إلى آخره، هذا فيما يظهر قدره من التكلف. والعرب إذا تكلمت بمثل هذا الكلام لم ترد بالضرورة الأقيسة الرياضية والهندسية الدقيقة المطردة من كل وجه، إنما هو إشارة إلى معنىً عام. فهذا الاستدراك في أصله ليس له موجب، وإنما يُعمل بهذه الأحاديث على إطلاقها. ثم بين النبي ﷺ أن قوماً يذادون عن حوضه كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح، قال: (كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال: وددت أنا قد رأينا إخواننا، قلنا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) ولهذا من أدركه وآمن به يسمى صاحباً له، ومن لم يدركه يسمى من إخوانه، كما قال النبي ﷺ ذلك. (قلنا: يا رسول الله! كيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ثم قال: ألا ليذادُّن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم! ألا هلم! فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً) وفي رواية في البخاري قال: (فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك).

стр. 118

استدلال الشيعة بحديث الحوض على ردة الصحابة والرد عليهم تمسك بعض الشيعة بلفظ (أصحابي) في الحديث السابق، وزعموا أن هذا دليل على ما حصل من نفاق وردة الصحابة، أو مروقهم عن هديه وسنته إلى آخره. والجواب أن نقول: هذا ليس بشيء، فإن قوله: (أصحابي) لا يراد بالصاحب هنا الأصحاب الذين حققوا الصحبة، وإنما يراد من هم في ظاهر أمرهم من الأمة. وفي كتاب الله تارة يدخل المنافق في عموم المسلمين، وتارة يخرج منهم، كقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨] فجعلهم مضافين إلى المؤمنين، قال: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب:١٨] فذكر اسم الأخوة هنا، مع أن المنافق عند التحقيق ليس أخاً للمؤمن، ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٦٧] .. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] فهذا التمييز في كتاب الله لا ينافي الجمع في مكان آخر، فالتمييز في مثل قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] ومثل قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٦] هذا تمييز لا ينافي الجمع المذكور في مثل قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨].

стр. 119

الصراط وأحوال الناس فيه قال الموفق ﵀: [والصراط حق يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار]. ومما يجب الإيمان به الصراط، وهو يُنصب على متن جهنم، ويمر عليه الناس، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] أي: يرمون على الصراط، وهذا هو التفسير الصحيح للآية. وأما من قال: إن الورود هو لفحة من لفحات النار فهذا ليس صحيحاً، فإن المؤمنين الأبرار المتقين من الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين لا يمسهم شيء من أثر النار وإن كانوا يمرون على الصراط. وقد جاء في حديث متواتر عن النبي ﷺ ، أن العباد يمرون على الصراط، فيمر أولهم على صورة القمر، ثم ذكر أحوالهم في المرور، ومقدار مرورهم، كمرور الريح، وكأجاود الخيل والركاب .. وما إلى ذلك، ومنهم من يخطف وهو على الصراط فيقع في نار جهنم .. ومنهم من يتعثر فيلحقه مقام من مقامات الشفاعة، وذكر ﵊ أن الأمانة والرحم تقومان على جنبتي الصراط، وأن الأنبياء والمرسلين يقولون: اللهم سلِّم سلِّم. فهذه بعض مواقف الصراط يجب الإيمان بها على ظاهرها، كما يجب الوقوف على نصها الصريح فقط، وأما المعنى الذي لم يتضمنه النص الصريح مما يفرض العقل الاستفصال عنه فإن الواجب السكوت عنه. وأيضاً: ثبت الصراط على وجه التحديد، وكذلك بعض مسائله، وقد روي فيه روايات منكرة في بعض كتب الرواية -ولا سيما في كتب الوعظ وذكر الجنة والنار والمآلات وما إلى ذلك- ذُكر في الصراط روايات منكرة في صفته وهيأته وما إلى ذلك، فهذا يعتبر فيه الثابت ثبوتاً بيناً، وأما ما تردد في ثبوته فإنه يسكت عنه.

стр. 120

الشفاعة وأنواعها

стр. 121

الشفاعة العظمى قال الموفق ﵀: [ويشفع نبينا ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحمماً، فيدخلون الجنة بشفاعته]. شفاعة النبي ﷺ ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وله ﷺ شفاعات أعظمها وأجلها الشفاعة العظمى، وهي: شفاعته في أهل الموقف أن يُفصل بينهم، وقد أجمع المسلمون سُنيِّهم وبدعيِّهم على هذه الشفاعة، وذكرها في السنة متواتر، وقد ذكرت مجملة في القرآن كما قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩] فإن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى.

стр. 122

الشفاعة لأهل الكبائر وله ﷺ شفاعات كشفاعته في أهل الكبائر وهي على وجهين: الوجه الأول: شفاعته فيمن دخل النار من أهل الكبائر أن يُعجَّل خروجه منها، وهذا أفصح من أن تقول: أن يخرج منها؛ لأن معنى ذلك أن الشفاعة لو لم تدركه لبقي، وهذا غير صحيح، فإن جميع من يخرج من النار لا يخرجون بشفاعة الأنبياء وإنما يخرجون من النار بوعد الله ، وأنه لا يُخلَّد في النار إلا من كفر به. فإذا قيل: إن صاحب الكبيرة ليس مخلداً في النار، فما معنى الشفاعة له؟ قيل: معناها أن يعجل خروجه منها قبل استتمام عذابه الذي قضاه الله وعيداً عليه، فهذا هو معنى الشفاعة من النبي ﷺ ، وليس معناه: أن الشفاعة لو لم تدركه لبقي مخلداً في النار، فإنه لا يخلد في النار إلا الكفار. وهذه الشفاعة ثابتة بحديث متواتر عن النبي ﷺ ، كما في حديث أبي سعيد الخدري وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس منكم أصابتهم النار بذنوبهم أو بخطاياهم فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ...) إلى آخره. فهذه الأحاديث واردة من حديث أبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة في الصحيحين وغيرهما تدل دلالة صريحة على ثبوت الشفاعة، وخروج أهل الكبائر من النار، وفيها تصريح بدخول طائفة وخروجها، هذا وجه في شفاعته منصوص عليه في صريح السنة. الوجه الثاني: شفاعته فيمن استوجب النار من أهل الكبائر أن لا يدخلها، وهذا يدل عليه عموم أحاديث الشفاعة، كقوله ﵊ في حديث أبي هريرة في الصحيح: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) وفي حديث يرويه سبعة عن النبي ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وإن كان هذا الحديث فيه كلام، لكن من أهل العلم من اعتبره. والشاهد من هذا أن عموم شفاعته لأهل الكبائر تدل على أنه يشفع فيمن استوجب دخول النار أن لا يدخلها، وإذا كان النبي ﵊ شفع فيمن دخل النار فلا شك أن من لم يدخل النار أقرب إلى هديه وسنته ممن دخلها، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة، ولا شك أنهم أقرب إلى العفو والرحمة ممن دخل النار، وعليه فإن هذه الشفاعة ثابتة وداخلة في كلام السلف، وما ذكره بعض أهل العلم كالإمام ابن القيم ﵀ عندما قال: "وهذا النوع من الشفاعة ليس فيه صريح إلى آخره"، فهذا ليس على إطلاقه، بل هذه الشفاعة ثابتة بإجماع أهل السنة والجماعة، فإن السلف إذا ذكروا الشفاعة لأهل الكبائر أرادوا بها هذا وهذا، وإن كان النوع الأول جاء تفصيله في النصوص أكثر. وهذا النوع من الشفاعة أنكره الخوارج والمعتزلة بناءً على أصلهم الفاسد: أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، وأقر بها جمهور المسلمين، وهي إجماع عند أهل السنة والجماعة. وإذا قيل: هل جاء ذكرها في كلام الله؟ الجواب: جاء ذكرها في القرآن مجملاً، فذكر الشفاعة التي يأذن الله بها لمن يشاء ويرضى. وهذه الشفاعة ليست خاصة برسول الله ﷺ ، بل تكون له ولغيره من الأنبياء والمرسلين ومن شاء الله من الصديقين والصالحين، ولكن قيل: كل شفاعة ليست خاصة فإن حظه ﷺ ومقامه فيها أتم من مقام غيره، ومقامه في هذه الشفاعة أتم من مقام سائر الأنبياء فضلاً عمن دونهم.

стр. 123

الشفاعة لأهل الجنة بتعجيل دخولهم ورفع درجاتهم ومن شفاعته ﷺ لأهل الجنة أن يعجل دخولهم ويرفع درجاتهم، فهذان وجهان من الشفاعة لأهل الثواب، وهذه الشفاعة أقر بها المعتزلة والخوارج في الجملة، وليس فيها نزاع مشهور بين أهل القبلة، وإن كان بعض غلاة أهل البدع أنكرها كما قال ذلك شيخ الإسلام: "ونقل بعض الغلاة من الوعيدية الإنكار لمثل هذا النوع من الشفاعة، وإذا قيل -أي: إنكارها- ففي الغالب أن إنكارها على أصول المعتزلة أظهر منه على أصول الخوارج؛ لأن المعتزلة يعتبرون في أصولهم: أن الثواب والعقاب على مبدأ المعاوضة، ومن هنا يمتنع عندهم الزيادة والنقص فيه؛ ولهذا يترددون في مسألة الزيادة والنقصان فيه لأنهم يعتبرونه من باب الظلم، إذا زيد أحد فإنه نقص لغيره، أو عدم عدل مع غيره .. إلخ". أما جمهور المعتزلة فهم يثبتون هذا النوع من الشفاعة، وهو الذي عليه جمهور المسلمين وهو إجماع لأهل السنة. إذاً: هذه الشفاعة الثالثة يقال فيها ما يقال في الثانية: أنها ليست خاصة برسول الله، بل تكون له ولغيره، ولكن مقامه أتم.

стр. 124

شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب وهذه الشفاعة خاصة به ﷺ وخاصة بـ أبي طالب، وهذا خاص به وخاص لـ أبي طالب، فليس هناك نبي أو رسول أو غيرهم يشفع لكافر، فإن الكفار محجوبون عن الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] أما أبو طالب فإن النبي ﷺ اختصه بهذه الشفاعة وعداً من الله. وإذا قيل: إن هذا الحديث معارض لظاهر القرآن! قيل: هذا ليس صحيحاً، إنما هذه حالة مخصوصة لـ أبي طالب، والذي ذكر في القرآن هو مسألة العذاب من جهة رفعه، وأما من جهة درجات العذاب فإن هذا لم يذكر شأنه في القرآن، وأبو طالب لم يحصل له بالشفاعة رفع العذاب عنه وإنما حصل له قدر من ماهية العذاب، ولهذا فإن العباس لما قال للنبي ﷺ كما في الصحيح: (هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار). وهنا سؤال هل النبي ﷺ سأل ربه الشفاعة لـ أبي طالب وأن يخفف عنه العذاب فأجابه الله إلى ذلك فخفف عنه العذاب، أم أن الأمر هو أن الله قضى لـ أبي طالب هذا القضاء بسبب حاله مع الرسول ﷺ ؟! الجواب: لا يلزم أنه سأل ربه ذلك، لكن الله أخبره أن عمه على هذا القدر من العذاب بسببه، ولولا مقامه مع رسول الله ﷺ لما كان على هذا القدر، بل كان أشد. ونقول: إن الأصل والمناسب لأصول الشريعة أن هذا هو قضاء الله، إلا إذا جاء نص صريح في السنة النبوية يبين أن النبي ﷺ شفع وسأل ربه لعمه سؤالاً مختصاً فأجيب إليه، فإن قوله ﵊ للعباس لما سأله لا يلزم منه أنه حصل هذا عن عن سؤال، إنما كان هذا عن إخبار من الله للنبي في شأن عمه، وبين الله لنبيه أن هذا بسبب حاله مع رسول الله. إذاً .. الأصل وظاهر بعض النصوص في الصحيحين وغيرهما أن هذا كان من قضاء الله المحض الذي ليس فيه شفاعة، ولكنه قرن بسببه ﷺ ، فما درج عليه شفاعته لـ أبي طالب فلا نجزم فيها بنفي، لكن نقول: هذا معتبر بثبوت النص، فإن ثبت نص صريح في أن النبي شفع له قيل: هذه شفاعة أجيب إليها. وإن لم يثبت قيل: هذا قضاء الله، ولكن ذكر سببه وهو مقامه مع النبي ﵌، وهذا الفهم إذا لم يوجد نص هو الذي يصار إليه ولا يعدل إلى غيره، وكما هو مذكور في الحديث أنه ليس إخراجاً من النار وإنما هو تخفيف من شأن عذابه، وهذا دليل على أن أبا طالب كان كافراً خلافاً لما زعمته بعض طوائف الشيعة أنه أسلم إلى آخره، فإن هذا كله من الكذب الذي ليس بشيء. وباختصار: فإن مسألة أبي طالب تحتاج إلى تعمق وتتبع للنصوص، فإذا لم يصح فيها نص بذكر الشفاعة فلا تعد من مسائل الشفاعة وإنما تعد من قضاء الله المختص بـ أبي طالب، وأما إبراهيم فإنه يشفع لأبيه فلا يشفعه الله فيه كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول إبراهيم لأبيه: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله له: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم! انظر ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ -أي: أن صورة آزر تقلب إلى سبع- فيقول إبراهيم: بعداً بعداً، فيؤخذ بقوائمه إلى النار) فلا تقبل شفاعة نبي أو رسول في أحد من أقاربه أو من غيرهم، إنما هذا خاص بـ أبي طالب. والأظهر أنه قضاء من الله وليس عن شفاعة، وهذا هو الأنسب في الأصول، وهو المناسب لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقوله تعالى في شأن أبي طالب: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣] وإن كان هذا في الاستغفار، وقال النبي ﷺ : (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي) وكذا في قصة نوح مع ابنه. ولهذا لك أن تقول: إن فيه خصوصية لـ أبي طالب؛ لأن قائلاً قد يقول: وغيره من الكفار الذين لهم بعض الحسنات هل يخفف عذابهم بحسناتهم كمن يبذل المال أو الماء أو العتاق أو يبذل في بعض وجوه الخير؟ الجواب: النبي ﷺ قال في حديث أنس الذي رواه مسلم وغيره: (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها) والمراد بالحسنة هنا: لا يلزم أن الكفار ما يعرفون الخير، فالله يقول: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] وهذه كلها أوجه من الخير تصدر من المسلم والكافر، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤] أي: في الآخرة، ولهذا فإن الكافر قد يفعل الخير على مثل هذا الوجه. أبو طالب لم تكن حسنته لوجه الله ، إنما كانت حسنة مع رسول الله من أجل القرابة والصلة والسؤدد .. إلى آخره من أوجه المقاصد عند أبي طالب، لم يجز عليها في الآخرة.

стр. 125

شبهة المعتزلة في نفي الشفاعة والرد عليها قال الموفق ﵀: [ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨] ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين]. قوله: (والمؤمنين) ليس المراد أن جملة أعيان المؤمنين يشفعون، فإن هذا ليس بلازم، وإنما من يقضي الله له بمقام من الشفاعة بشرط إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له. وقد استدل الخوارج والمعتزلة على نفي الشفاعة بقوله: ﴿إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، حيث قالوا: وهذا دليل على أنها لا تكون لأهل الكبائر، بل تكون لأهل الثواب في رفع الدرجات ونحو ذلك؛ لأن شرطها أن يأذن الله ويرضى، الإذن للشافع والرضا عن المشفوع له. قالوا: وصاحب الكبيرة ليس مرضياً عند الله لكبيرته، وإنما المرضي عنده صاحب الثواب؛ فهذا هو الذي يشفع له في رفع درجاته، فإن الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه الأبرار الصالحون الذين ذكرهم في مثل قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١٨] .. ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فالفجار والفساق وأهل الكبائر ليسوا ممن ﵃! ويجاب على ذلك بأن يقال: إن الأسماء والأوصاف والإضافات في كتاب الله بحسب مواردها، فالرضا هنا يراد به عن أصل التوحيد، فإن صاحب الكبيرة هل يقال: إن الله لم يرض عنه مطلقاً، أم أن الله رضي عنه توحيده وإسلامه الأصل؟ فبقدر ما يقال: إنه ممن غضب الله عليه إلا أن له حالة من الرضا، فإذا كانت كبيرته موجبة لغضب الله فإن حسنته موجبة لرضاه، فمن قال: إنه قد غضب عليه بالكبيرة، قيل: فلم لم يرض عنه بالطاعة؟ لماذا رضي الله عن الصحابة؟ لأنهم أصحاب حسنات. ولماذا غضب على الكفار؟ لأنهم أصحاب سيئات محضة. فإذا اجتمعت حسنة وسيئة فمن قال: إنه يستحق الغضب قيل: أليس بأولى أن يستحق الرضا؟ فإن موجب الغضب هو السيئة، وموجب الرضا هو الحسنة، وصاحب الكبيرة كما أن له سيئة إلا أن له حسنة أعظم من سيئته. إذاً .. قوله: (ويرضى) إبانة لامتناع الشفاعة في حق الكفار، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨].

стр. 126

شرح لمعة الاعتقاد [١٥] يجب الإيمان بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن، وأنهما لا تفنيان أبداً، فأهل الجنة فيها خالدون، وأهل النار فيها خالدون، والقول بفنائهما أو بفناء النار فقط قول مبتدع محدث لا دليل عليه من الكتاب ولا من السنة، وأول الأمم دخولاً الجنة هم أمة محمد ﷺ ، صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، والمقام المحمود.

стр. 127

الإيمان بالجنة والنار قال الموفق ﵀: [والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه]. الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن، وغلط من قال من أهل البدع: إنهما تنشآن عند موافاة الناس لربهم، بل الصواب الذي قضت به النصوص وأجمع عليه السلف: أن الجنة والنار مخلوقتان، والنبي ﵊ أُري ذلك في يقظته ومنامه، وجاء ذكر ذلك في الكتاب والسنة على التفصيل. ومسألة دوام الجنة أمر مجمع عليه بين السلف إجماعاً قطعياً، ومن شذ فيه فإنما هو من ضلالات وغلو من قد يفرض ضلاله أو شذوذه من أهل البدع. وأما النار، فإنها دائمة كدوام الجنة، وكان جهم بن صفوان لا يذهب إلى دوامها، وكذلك أبو الهذيل العلاف، وإن كان بين القولين فرق معروف في كتب المتكلمين، فهذان القولان من أقوال أهل البدع. وهناك قول ثالث انتصر له ابن القيم ﵀ في كتابه: حادي الأرواح. لابد لنا أن نعرف أن بين هذه الأقوال اختلافاً بيناً، فأشذها قول الجهم، ثم أقل منه قول أبي الهذيل العلاف، وهذان القولان من أقوال أهل البدع المعروفة، وابن القيم ذكر قولاً نذكره في مسألتين: المسألة الأولى: أن القول الذي أشار إليه ابن القيم ليس قول أبي الهذيل ولا قول الجهم بن صفوان، ولهذا من رد على ابن القيم ﵀ وقال: إن قوله هذا هو قول أبي الهذيل وجهم بن صفوان، هذا غلط على ابن القيم وزيادة عليه ﵀، والعدل واجب، والإنصاف لازم. المسألة الثانية: أن ما جمعه ابن القيم في كتابه: (حادي الأرواح) من الآثار والأدلة فيه زيادة، فإن صح فهو اجتهاد من ابن القيم، أن عمر وجماعة من الصحابة وكبار أئمة التابعين كانوا يقولون بهذا القول، وهذا عليه ظواهر النصوص .. إلى آخره، وافترق عليه السلف .. والجمع بين الفريقين .. إلى آخر تعبيرات ابن القيم ﵀. فالمسألة لم تكن بهذا القدر أبداً عند السلف ولهذا لم ينتشر الخلاف فيها في كتب أهل السنة الأولى، ففيه تصوير زائد في المسألة، وإنما هذا قول يسير من أهل العلم فهموا هذا الفهم، وابن القيم مال إليه في هذا الكتاب ميلاً أو مقاربة أكثر منه إلى التصريح، فإنه يُقدم ثم يحجم ﵀ عن التصريح والجزم. وفي كتابه: (الوابل الصيب) عندما ذكر هذه المسألة نص على أن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان، وهذا قول مجمل، فهل ابن القيم ﵀ اعتبر القول الذي ذكره في الوابل وكان متردداً في القول الثاني الذي ذكره في حادي الأرواح؟! المسألة الثانية: أن ذكر ابن القيم ﵀ لآثار سلفية، وانقسام أهل السنة .. إلى آخره، المسألة ليست بهذا القدر، لم ينتشر الخلاف فيها في كتب أهل السنة الأولى ولا بين السلف، إنما ظاهر كلامهم المنقول عنهم -وهو الدوام- كما هو ظاهر كتاب الله وسنة نبيه. مسألة: هل يقول ابن تيمية ﵀ بفناء النار؟ كتب شيخ الإسلام ﵀ ليس فيها ذكر لهذا القول أبداً، وإنما هناك رسالة محققة منسوبة لـ شيخ الإسلام ابن تيمية فيها جزم وتصريح بهذا القول، ونسبتها إليه لا تصح فهو غلط. وشيخ الإسلام في كتبه نص في مواضع كثيرة على أن الجنة والنار لا تبيدان ولا تفنيان، وذكر أن هذا إجماعاً عند أهل السنة والجماعة، وأن خلافهم من أقوال أهل البدع، وما نطق بحرف واحد في كتبه المعتبرة المضبوطة عنه بأن النار تفنى. وعلى فرض الجدل أن ابن القيم أو ابن تيمية ﵀ يقول بفناء النار، فهذا اجتهاد قد انفردا فيه، وفاتهم فيه شيء، وأمره يسير، ولا يكون من المسائل المشكلة على طالب العلم.

стр. 128

أهل الجنة والنار مخلدون قال الموفق ﵀: [وأهل الجنة مخلدون: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٤] * ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥] ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: (يا أهل الجنة! خلود ولا موت، ويا أهل النار! خلود ولا موت)]. هذه المسألة من الأحكام الغيبية التي يجب الإيمان بها من أن الموت يؤتى به في صورة كبش، وهذا من جنس قول النبي ﷺ كما في حديث أبي أمامة في الصحيح: (تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف) مع أن القرآن -ومنه سورة البقرة- هو كلام الله، فهذا ليس معناه أن كلام الله ينقلب إلى أعيان مخلوقة، فإن كلامه صفة من صفاته في هذه الدنيا، وإذا قام الناس إلى ربهم سبحانه، فإنه يجيء ثوابهما؛ لأن صفات الله لها أثر، كما في قول النبي ﷺ : (إن الله خلق مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بها يتراحم الناس، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأبقى تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة). فصرح في الحديث بلفظ (الخلق) مع أن رحمة الله صفة من صفاته ليست مخلوقة، وهذه قاعدة أشار إليها شيخ الإسلام، -وإن كانت الرواية الأولى في صحيح مسلم ليس فيها ذكر الخلق، إنما فيها: (إن لله مائة رحمة). ومنهم من قال بشذوذ رواية (للخلق)، وهذا لا موجب له من جهة المتن، فإن ابن تيمية ﵀ ذكر قاعدة وهي: "أن الاسم قد يذكر ويراد به الفعل الذي هو الصفة، وقد يذكر الاسم ويراد به المفعول"، وهذا أثر من آثار هذا الاسم، كتسمية المطر من رحمة الله، فهذا أثر عن رحمة الله .

стр. 129

الإيمان بنبوة محمد ﷺ من أركان الإسلام قال الموفق ﵀: [ومحمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته]. هنا مسألة تكلم عنها كثير من المتأخرين من أهل العلم، وهي: من شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله، فهل يقال: إنه بشهادة أن لا إله إلا الله دخل الإسلام ويعتبر مسلماً، أم يقال: إنه لا يدخل الإسلام إلا بالشهادتين معاً؟ الجواب: لا يثبت الإيمان والإسلام إلا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لكن هل يلزم على هذا أن من قال: لا إله إلا الله وقصد بها الدخول في دين الإسلام، والبراءة من الكفر، وهو على إقدام في قلبه بذكر شهادة أن محمداً رسول الله، وبمن جاء به نبياً رسولاً، وهو محمد ﵊، من قال هذه الكلمة وقصد معنى شهادة أن محمداً رسول الله في ضمنها؛ فإن هذا دخل في الإسلام إجماعاً، وما حَكَمَ من المتأخرين بخلافه فليس بصحيح؛ لأن لا إله إلا الله تتضمن الدين كاملاً، ولهذا يقال: من كفر برسول الله فقد كفر بالله، إذاً: يحمل حسب المعاني القائمة في القلب. أما من قال: لا إله إلا الله ولم يقصد الإيمان برسوله، وإنما قال: أنا أؤمن بالتوحيد دون أن يلزم بشريعة محمد ويكون على شريعة غيره أو ما إلى ذلك، هذا لم يكن مسلماً، وكثير من المتأخرين يقول: لأنه لم يصرح بشهادة أن محمداً رسول الله .. ، والصواب أنه كفر؛ لأن قوله: لا إله إلا الله ليست صحيحة، فإن من يقول: لا إله إلا الله ولا يؤمن برسول الله شهادته بالتوحيد شهادة باطلة؛ لأن معنى لا إله إلا الله: أن الله هو المعبود وحده بما شرع، فمن يقول بالتوحيد دون شريعة محمد فحقيقة قوله: أن الله معبود عنده بما يهواه، وليس بما شرع الله، والتوحيد شريعة وإخلاص، ولهذا فإن من عبد الله بهواه لا يكون عابداً له، وكذا كل من انسلخ من الشريعة لم يكن محققاً للإخلاص والتوحيد، إلا أصحاب الشرائع النبوية، ولهذا فإن من فسدت شريعته في أصولها فسد توحيده كاليهود والنصارى، فإنه لما فسدت شريعتهم دخل عليهم الشرك، وهكذا. أيضاً: كلمة لا إله إلا الله تتضمن الرسالة النبوية، وكلمة الرسالة النبوية تتضمن التوحيد، وعليه فإذا قيل: هل يدخل الإسلام بلا إله إلا الله أو بالثانية معها؟ قيل: هذا بحسب المقامات والمعاني، ولهذا من يقول من المتأخرين: إنه لا بد من ذكر محمد رسول الله. نقول: نعم، لا شك أن من لم يؤمن برسول الله فهو كافر، وأن الشهادة له ﷺ بالرسالة واجبة معنىً ولفظاً، وركن في الإسلام، فالإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فمن أركان الإسلام النطق بالشهادتين معاً، من لم ينطق بهما، أو امتنع عن النطق بشهادة أن محمداً رسول الله، وقال: هي قائمة في قلبه لكنه لا يريد أن ينطق بها فإنه يكون كافراً. لكن من قصد النطق بالابتداء الأول (لا إله إلا الله) فهذا من جنس قول النبي ﷺ لـ أسامة بن زيد لما أدرك الرجل في القتال، فقال الرجل: لا إله إلا الله عندما رفع عليه أسامة السيف وكان الرجل يقاتل المسلمين فقتله أسامة، قال النبي ﷺ : (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟! فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!)، ومثله حديث المقداد بن الأسود لما قال: (أرأيت يا رسول الله إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله؟! قال: لا، قلت: فإن قتلته؟ قال: إن قتلته فإنك بمنزلته قبل أن تقتله، وإنه بمنزلتك قبل أن يقول كلمته التي قال) مع أن الرجل قال: أسلمت لله. إذاً: مسائل الابتداء ليست هي مسائل الثبوت الثاني، ولهذا كان النبي ﷺ يقول لعمه كما في حديث سعيد بن المسيب الذي في الصحيحين: (يا عم! قل: لا إله إلا الله) هل أراد النبي ﷺ أنها تكفيه ولو لم يؤمن بالرسالة؟! كلا، فإن هذه المسألة فيها تفصيل لفظي، وأما معانيها فإنها متفقة.

стр. 130

شفاعة الرسول ﵊ في تعجيل القضاء بين العباد يوم القيامة قال الموفق ﵀: [ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته]. يقصد المصنف بذلك الشفاعة العظمى، وهذه الكلمة لو لم يعبر بها المصنف لكان أشرف، فإن التعظيم للرسول ﷺ لا يجب أن يكون على حقوق الله. فقوله: (ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته) الصواب: أنه يقضى بينهم ولو لم يشفع فيهم النبي ﷺ ؛ لأن الله ما جاء بهم للفصل يوم الحساب إلا ليقضي بينهم، لكن هذا من تعجيل القضاء، فإذا قيل: هل شفاعته هي التي استوجبت القضاء، أم استوجبت تعجيله؟ نقول: هذه أحكام الله وحقوقه ، لا يجوز أن يُصرف منها شيء لنبي من الأنبياء أو لرسول من الرسل. فتعبير المصنف فيه إجمال لو لم يعبر به لكان أجود. إذاً .. يقضي الله بين الناس قضاءً، وهذا وعد الله وقدره السابق، لكن إنما كانت شفاعة النبي ﷺ سبباً للتعجيل.

стр. 131

أمة محمد ﷺ أول الأمم دخولاً الجنة قال الموفق ﵀: [ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته]. النبي ﷺ هو أول من يدخل الجنة كما في الصحيحين عن أنس: (آتي يوم القيامة باب الجنة فيستفتح، فيقول خازنها: من أنت؟ فيقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك) وكذلك أمته هي أول الأمم دخولاً الجنة. وقوله: (لا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته) هذا فيه قدر من الإجمال، ولا يلزم من هذا أن سائر طبقات هذه الأمة يدخلون قبل دخول بقية الأمم، فإن الأمم الأخرى فيهم الأنبياء، ولا شك أن الأنبياء مقامهم أشرف حتى من مقام الصحابة، وكذلك فيهم قوم صالحون وصديقون أفضل من كثير من أتباع النبي ﷺ ، فإن في أتباع محمد السابق بالخيرات .. والمقتصد .. والظالم لنفسه .. وصاحب الكبائر .. إلى آخره. إذاً .. أمة النبي ﷺ أول من يدخلون الجنة من جهة ابتداء الأمم لا من جهة كل الأفراد والأعيان، فهذا أمر ممتنع، ومثل هذه اللزومات في كلام بعض أهل العلم فيها تكلف، ككلام ابن حزم ﵀ لما قال: إن نساء الرسول ﵊ أفضل من العشرة المبشرين بالجنة؛ لأنهن نساؤه في الدنيا والآخرة، وإذا كن نساؤه في الجنة سيكن معه في درجته، ودرجته لا يبلغها العشرة المبشرون بالجنة! وهنا قيمة تكلف وظاهرية محضة من ابن حزم؛ لأنه لو لزم هذا المعنى للزم أن نساء النبي ﷺ أفضل من الأنبياء والمرسلين، فمثل هذه الأمور قياسات لا وجه لها.

стр. 132

من خصائص المصطفى ﷺ قال الموفق ﵀: [صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود، والحوض المورود، وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم]. هذه من خصائصه وفضائله ﷺ ، وفضائله وخصائصه ﷺ أكمل من فضائل غيره في الدنيا والآخرة، ولكن مع ذلك يكون بعض المرسلين لهم مقامات يختصون بها، كعيسى فإن الله رفعه إليه، فهذا اختصاص في شأن عيسى ﵊، ولا شك أنها منزلة لم يؤتها غيره من الأنبياء والمرسلين. يقول ﵊: (إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش -وفي وجه: بساق العرش- فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور) فهذا من مقامات التشريف لموسى، مثل قوله ﵊: (إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم) فهذه تشريفات مختصة بالأنبياء. إذاً: لا يظن أن مقام الأنبياء أو أولي العزم من الرسل مؤخر على كل تقديم، بل هناك مقامات، ولكن الاعتبار بالتفضيل العام الشامل، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣].

стр. 133

شرح لمعة الاعتقاد [١٦] أمة نبينا محمد ﷺ هي خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈، وهم في الفضل والمنزلة متفاوتون، فأفضلهم الخلفاء الراشدون، وأفضل الخلفاء أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ثم يليهم في الفضل باقي العشرة المبشرين بالجنة.

стр. 134

فضائل أمة محمد ﷺ قال الموفق ﵀: [أمته خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام]. هذا الفصل فيه ذكر لمقام النبي ﵌ وأمته، وقد سبق شيء من ذلك وهو في قوله في هذا المقام [أمته خير الأمم] وهذا مجمع عليه، وهو صريح في كتاب الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ولكن هذا لا يستلزم أن يكون أعيان هذه الأمة خيراً من أعيان غيرهم، فإن هذا التفضيل إنما هو باعتبار الجنس ولا باعتبار الواحد من الأعيان، فإن في أعيان أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من هو خير من أتباع محمد ﷺ . فأمته باعتبار جنسها ومجموعها هي خير الأمم وأشرفها وأزكاها على الله تعالى، وقد بين النبي ﷺ من خصائصها وفضائلها: (أنهم يوافون نصف أهل الجنة) كما ثبت ذلك في الصحيحين في حديث أبي سعيد، وجاء من حديث عبد الله بن مسعود (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قال: فحمدنا الله وكبرنا، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قال: فحمدنا الله وكبرنا. قال: والذي نفسي بيده: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة) وفي رواية: (شطر أهل الجنة)، فلا شك أنهم أقرب الأمم إلى ربهم. ومن فضائلهم: أنهم أكثر الأمم دخولاً الجنة، وهم يوافون نصف أهل الجنة، وقد جاء في حديث في السنن أن النبي ﷺ قال: (إن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً، توافي هذه الأمة ثمانون منها) فهل هذا يدل على أن النبي ﷺ هنا ذكر أنهم ثلثا أهل الجنة أم أن هذا على معنى أنهم نصف أهل الجنة؟! من أهل العلم من قال: إن في هذا الحديث الذي رواه أهل السنن زيادة، فإن قوله: (أهل الجنة مائة وعشرون)، وهذه الأمة (ثمانون) فدل على أنهم على قدر الثلثين، وحقيقةً هذا ليس بلازم؛ لأن النبي ﷺ إنما ذكر الصفوف، وهذا الفرض (الثلثان) مبني على تساوي الصفوف في العدد، وهذا الله أعلم به. إذاً: نقف حيث وقف النص، فيقال: إنهم نصف أهل الجنة، وأن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً ولهذه الأمة ثمانون منها، هل هذا زيادة أو ليس بزيادة؟ هذا أمره إلى الله.

стр. 135

أصحاب الرسول ﷺ خير الأصحاب قال الموفق ﵀: [وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈]. أيضاً أصحاب محمد ﷺ هم أفضل أصحاب نبي، فإن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصحاباً، وقد قال ﵊ كما في حديث ابن مسعود في الصحيح: (ما من الأنبياء نبي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بهديه، ثم تخلف من بعدهم خلوف) فذكر ﵊ أن كل نبي له أصحاب وحواريون. وهذا باعتبار الجنس، وإلا ففي حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما ذكر مقام العرض قال: (ورأيت النبي وليس معه أحد) وظاهر النص يدل على أن بعض الأنبياء لم يصدقهم أحد ولا أتباع لهم، مع أنه قال في حديث ابن مسعود: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب).

стр. 136

فضل الخلفاء الراشدين قال: [وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى ﵃ أجمعين]. أفضل أمته ﷺ هم أصحابه، وأفضل أصحابه هم الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وهكذا وصفهم المصنف بهذه الصفات ورتبهم، وسلسلتهم على هذا القدر من الترتيب هو إجماع أهل السنة والجماعة، ولم يجادل في تفضيل أبي بكر وعمر إلا الرافضة الشيعة بوجه عام، فإن من الشيعة من يُثبت شأن أبي بكر في الجملة، لكنه يفضل علياً على أبي بكر وعمر، وهذا عليه جمهور الزيدية من الشيعة الذين يفضلون علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر. فتفضيل أبي بكر على سائر الصحابة هو إجماع أهل السنة، ولم ينازع في ذلك إلا الشيعة وبعض المعتزلة الذين ليس بالضرورة أن يفضلوا علياً أو غيره عليه، وإنما قد يقطعون مسألة التفضيل، وهذه طريقة من طرق غلاة المعتزلة: لا يرون تعيين الفاضل على المفضول. وقوله: [ثم عمر الفاروق] سمي بذلك لأنه كان فاروقاً في الحق، وأما ما يقال: إن الله فرق به بين الحق والباطل، وأنه بعد إسلامه جاهر الناس بالدعوة إلخ فلا شك أن إسلام عمر كان له أثر من ذلك، لكن هل هذا الاسم على هذا الوجه فيه تلازم؟ هذه مسألة ليست محررة على هذا المقدار. وقوله: [ثم عثمان ذو النورين] وهو زوج بنتي النبي ﷺ ؛ ولهذا سمي ذو النورين. وقوله: [ثم علي المرتضى] وهذا الوصف يسير لا جدل فيه ولا غلط، فإن علياً ممن رضي الله تعالى عنه، وهو من السابقين الأولين، فهذا مقصود المصنف بهذه الجملة، وليس هو من أوصاف الشيعة في شأن علي بن أبي طالب. قال الموفق ﵀: [لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره)]. هذا فيما يظهر ليس منضبطاً من جهة الرواية، فالمحفوظ عن ابن عمر أنه يقول: [كنا نقول على عهد رسول الله: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر] وأما أن فيه هذا التسلسل إلى آخره فلا أذكر أن هذا صحيح عن ابن عمر.

стр. 137

التفضيل بين عثمان وعلي ﵄ وأما مسألة عثمان وعلي فلم تكن من المسائل القطعية البينة في صدر هذه الأمة؛ ولهذا كان فيها قدر من النزاع، أيهما أفضل: علي بن أبي طالب أم عثمان بن عفان؟ وهذه من المسائل التي فيها قدر من الاجتهاد، ولكن لك أن تقول: إن أمر الخلفاء الأربعة مبني على مسألتين: المسألة الأولى: مسألة الخلافة. المسألة الثانية: مسألة التفضيل. أما مسألة الخلافة فالإجماع منعقد ومطرد أن الخليفة الأول: أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علياً. أما مسألة التفضيل بين علي بن أبي طالب وعثمان، فكان قوم يذهبون إلى أن علي بن أبي طالب أفضل من عثمان، والجمهور يذهبون إلى أن عثمان أفضل، وقوم يتوقفون. والحق أن هذه المسألة في مبدئها لم تكن من المحكمات، فإن الذي كان مستفيضاً ومستقراً عند الصحابة في زمن الرسول وبعده هو تفضيل أبي بكر وعمر على سائر الصحابة، مع العلم بأن أبا بكر أفضل من عمر. أما مسألة عثمان وعلي فلم تكن من المسائل البينة المستفيضة المحكمة؛ ولهذا تنازع فيها طائفة من السلف، فكان طائفة يذهبون إلى تفضيل علي بن أبي طالب، وطائفة يذهبون إلى تفضيل عثمان، وطائفة يتوقفون. وإذا قلت: النصوص هي الحكم، فالنصوص ليست صريحة في تفضيل أحدهما كالنصوص المستقرة في شأن أبي بكر وعمر. وإذا قيل: إن الصحابة أجمعوا على تفضيل عثمان على علي، وقالوا: من لم يقدم عثمان في التفضيل فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ لأن المهاجرين والأنصار قدموه في الخلافة، وما قدموه إلا لكونه الأفضل. وهذا الاستدلال فيه نظر من عدة أوجه: الجهة الأولى: أن المهاجرين والأنصار كان عندهم قدر من التردد في التقديم، والدليل على ذلك: أن عمر جعل الخلافة في ستة من الصحابة، وهؤلاء الستة كل منهم وضع حقه لواحد، فأحدهما وضع حقه لـ عثمان، والآخر وضع حقه لـ علي، فدل على أن من الصحابة الستة الكبار من كان يرى تقديم علي بن أبي طالب على عثمان. الجهة الثانية: أنه لو كان مستفيضاً عند الصحابة التقديم لـ عثمان لكان أولى بهذا التسليم علي بن أبي طالب، وما كان له، وما كان من شأنه أنه يكابر في الحق، فلو كان مستقراً عنده من السنة وهدي رسول الله ﷺ أن عثمان هو الأفضل وهو المقدم لما نازعه في مسألة الخلافة، فإن علياً لم يتنازل عن الخلافة. الجهة الثالثة: أن الأمر لما انحصر فيهما، وبدأ يشاور المسلمين في الخلافة، رأى أن أكثر المسلمين يقدمون عثمان، فهل هذا إطباق عند كل أعيانهم أم أنه أخذ الأمر بالأكثر؟ ظاهر الأمر أنه أخذ الأمر بالأكثر. الجهة الرابعة: أن آل البيت كانوا في ابتداء الأمر ينازعون في قضية أبي بكر قبل أن يتبين لهم الحق يظن فهل يظن أن آل البيت سيقدمون عثمان على علي؟! هذا بعيد، واضح أن آل البيت كانوا يرون أن لهم الخلافة من جهة أنهم آل بيت رسول الله ﷺ . إذاً: هذا الاستدلال ليس بمحكم؛ لأنه ليس بمستتم استتماماً تاماً. مسألة: أنه لو سلم جدلاً أن الصحابة أطبقوا إطباقاً كلياً على تقديم عثمان في الخلافة، فإن التقديم في الخلافة لا يستلزم التقديم في الفضل، فإن الخلافة معتبرة بالديانة والقوة، أي: حسن الأمانة الإدارية، وليست الأمانة الدينية، ولعل المسلمين كانوا يرون في عثمان من هذا الوجه أميز منه في شأن علي بن أبي طالب، وهذا لا يلزم أن يكون من جهة فضيلته الشرعية ليس مماثلاً أو مقارناً له أو ما إلى ذلك. إذاً: هذه المسألة ليس فيها نص محكم في تقديم عثمان على علي، ومن بابٍ أولى ليس فيها نص محكم في تقديم علي بن أبي طالب على عثمان، فهي مسألة فيها قدر من التردد، والجمهور على تقديم عثمان. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: "وبعد ذلك استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان "، فهذا هو الذي يقال، لكن الاختلاف الأول حاصل، وهو اجتهاد باق لا ينكر على من خالف فيه -أي: من قال: إن علياً أفضل من عثمان، وعثمان مقدم في الخلافة- فهذا اجتهاد طائفة من السلف، وإن لم يُقَل: إنه راجح، فهذه مسألة أخرى. ولهذا فإن الصحيح في مذهب الإمام أحمد: أن من قدم علياً على عثمان في الفضل فهذه مسألة اجتهاد لا يبدع فيها المخالف، وإن كان الإمام أحمد حكي عنه رواية أخرى بتبديع المخالف، وهذا ليس بمحكمٍ في مذهبه، بل الصواب في مذهبه ما حكيناه سابقاً وهو الذي نصره شيخ الإسلام وإن كان الجمهور من أهل السنة -وهو الذي استقر عليه أمرهم- هو التقديم لـ عثمان، وهذا هو الراجح من جهة الترجيح، لكن من خالف في ذلك لا يسمى مبتدعاً. قال الموفق ﵀: [وصحت الرواية عن علي أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت لسميت الثالث)]. من هو الثالث؟ الله أعلم. وقد ثبت عن عائشة ﵂ في الصحيح أنها كانت ترى لـ أبي عبيدة بن الجراح مقاماً، فترى أنه كان المستحق لثالث الخلفاء، فهذا فيما يظهر مقام تردد بين الصحابة ﵃، لكن المجمع عليه عند أهل السنة والجماعة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان وعلي، فهؤلاء الخلفاء الأربعة هم أفضل الأمة بالإجماع وأفضل من أبي عبيدة بن الجراح، وما أشارت إليه عائشة لم يكن في مسألة التفضيل إنما كان في الخلافة، ومسألة الخلافة تختلف عن مسألة التفضيل. وأيضاً عمر لو كان مستقراً عنده أن ثمة تلازماً بين الفضل وبين الخلافة لجعلها في الفاضل عنده، سواء كان علياً أو عثمان، فما الذي جعله يجعلها في ستة؟ لأنه ليس هناك تلازم بين تفضيل المعين من جهة ديانته وبين صلاحيته أو تقديمه في مقام الخلافة، فالمقام فيه اشتراك لكن فيه امتياز.

стр. 138

أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر الصديق قال الموفق ﵀: [وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر)]. وهذا لا شك فيه: أن أبا بكر أفضل بني آدم بعد الأنبياء والمرسلين. قال الموفق ﵀: [وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ ؛ لفضله وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة]. إجماع الصحابة على ذلك من المهاجرين والأنصار، والرسول ﵊ كان يستخلف أبا بكر في حياته، وكان يرد إليه كثيراً من الأمور، وهذا صريح في أنه أهل للخلافة من بعده، فقد استخلفه في الصلاة، وفي شورى الرأي وما إلى ذلك. فواضح من هدي رسول الله ﵊ أن أخص الناس به أبو بكر، وجدال الشيعة في هذا الباب من المجادلة بالباطل، وآل البيت رضي الله تعالى عن صالحهم ممن كان من الصحابة أو من بعدهم ليس لهم حق من جهة الاختصاص بالخلافة، بل الخلافة معتبرة في ما اعتبره النبي ﷺ في قريش، كما قال النبي ﷺ : (الأئمة من قريش). قال الموفق ﵀: [ثم من بعده عمر لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان لتقديم أهل الشورى له]. قوله: (لتقديم أهل الشورى له) هذه مسألة فيها بعض التردد، وإنه استدلال ليس بمحكم على التمام. قال الموفق ﵀: [ثم علي لفضله وإجماع أهل عصره عليه، وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)]. قوله: (وهؤلاء الخلفاء) أي: هم خلفاء الرسول في أمته، أما من كان من بعدهم فإذا سمي خليفة فبمعنى أنه مستخلف على المسلمين سلطاناً وملكاً، وهذا هو الفرق بين الاسمين من جهة المعنى، وإن كان بينهما اشتراك في اللفظ.

стр. 139

معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز قال الموفق ﵀: [وقال ﷺ : (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) فكان آخرها خلافة علي]. بقي في هذه الثلاثين بضعة أشهر فقال بعض أهل العلم: إنها في إمارة الحسن بعد أبيه. والصواب أن هذا ليس بلازم؛ لأن النبي ﷺ حين قال: (ثلاثون سنة) لا يلزم من ذلك -في استعمال كلام العرب- أن تكون على التمام بسائر أيامها، وإنما هذا مثل ما حلف النبي ﵊ أن لا يدخل على بعض أهله شهراً، قالت أم سلمة -كما في الصحيح-: (فلما مضى تسع وعشرون يوماً غدا عليهم أو راح، فقيل له: يا رسول الله! قال: إن الشهر يكون تسعةً وعشرين) مع أنه لم ير الهلال، إنما حلف شهراً في عرض شهرين، فلما أمضى ما بين الشهرين تسعاً وعشرين غدا عليهم أو راح، فهذا أمر مما تسوغه اللغة. ولهذا تعلم أن قوله: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) لا يصح أن يقال: إن عمر بن عبد العزيز خليفة خامس، بل هذا من كلام بعض أهل العلم من العراقيين، وقد أنكره كبار المحققين كالإمام أحمد وأمثاله، وهو مخالف لحديث سفينة وهو حديث احتج به أحمد وغيره من أئمة السنة على معنى صحته. المقصود: أن عمر بن عبد العزيز خليفة عادل على هدي الخلفاء، لكن القول: إنه خليفة خامس ليس بذاك، إنما خلفاء الرسول في الأمة هم هؤلاء الأربعة فقط، وإن بقي شيء من هذه الخلافة النبوية فهي إمارة الحسن بن علي بن أبي طالب، ومعاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز، وأتم علماً وهدىً وتقوىً إلخ، وإن كانت من جهة مسيرة الرعية حصلت في زمن عمر بن عبد العزيز من العدل والاستقرار أكثر مما حصلت في زمن معاوية، وهذا ليس سببه معاوية، إنما سببه الأحوال التي كانت مقارنة، فـ عمر بن عبد العزيز جاء والملك مستتب مستقر إلخ، فكان العدل فيه يسيراً وسهلاً، بخلاف معاوية فإنه جاء لقوم بينهم تنازع، وقد نازعه أكابر القوم كـ ابن الزبير، وعبد الله بن عمر -وإن كان مستتراً بالمنازعة- والحسين بن علي جاهر بها إلى غير ذلك، فضلاً عن المنازعة السالفة عليه من علي بن أبي طالب وكبار الصحابة، ففرق بين الحالين، ولو كان أحد أولى بالخلافة الخامسة لكان أولى بها معاوية. ومن يقول: إن عمر بن عبد العزيز أعلم .. فقد غلط أيضاً، فإن معاوية أفقه وأعلم من عمر بن عبد العزيز، ولا إشكال في هذا.

стр. 140

الشهادة للعشرة بالجنة وكل من شهد له النبي ﷺ قال الموفق ﵀: [ونشهد للعشرة بالجنة كما شهد لهم النبي ﷺ ، فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)]. هؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة، ولا يعني ذلك قصر البشارة النبوية عليهم، بل كل من شهد له النبي ﵊ يقال: إنه في الجنة؛ وهذا متفق عليه بين أهل السنة، وإن كان حصل بين الإمام أحمد وابن المديني خلاف لفظي، فإن ابن المديني كان يقول: من قال عنه النبي ﷺ إنه في الجنة أقول: إنه في الجنة، ولا أشهد. فقال الإمام أحمد: إذا قلت فقد شهدت، فكان هناك تردد من ابن المديني في اللفظ. قال الموفق ﵀: [وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها، كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) وقوله لـ ثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة)]. وأيضاً: شهادته لـ عكاشة بن محصن أنه من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فهذا أمر مشهور عن طائفة من الصحابة عينهم النبي ﷺ ، وأما من سكت عنه النبي ﷺ وهو من سواد الأمة من أصحابه وغيرهم فهؤلاء يتوقف في شأنهم، فيرجى للمحسن ويخاف على المسيء. لكن ثمة مسألة حصل فيها قدر من النزاع بين أهل السنة: من استفاض ذكره والثناء عليه في الأمة من الأئمة والعلماء وأمثال هؤلاء هل يجزم أو يشهد لهم بالجنة، أم يتوقف فيهم كما يتوقف في من لم يستفض ذكره؟ هذا فيه قولان: الجمهور يرون التوقف، وأن الاستفاضة بالثناء لا تستلزم الشهادة بالتعيين، وهذا هو الصحيح. القول الثاني: أن من استفاض ذكره يُشهد له بالجنة، ويستدلون على ذلك بقول النبي ﷺ : (من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار) وهذا الاستدلال ليس بمحكم؛ لأن مراده ﷺ أن الثناء أو الشهادة من موجبات الموافقة للحقائق في نفس الأمر عند الله تعالى، وليس معناه: أن من أثني عليه بخير لزم أنه مشهود له بالجنة، فهذا ليس داخلاً في نص الحديث ولا تضمنه، هذا مقام آخر لم يتضمن الحديث ذكراً له.

стр. 141

شرح لمعة الاعتقاد [١٧] من عقيدة أهل السنة والجماعة: عدم الجزم والشهادة لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، إلا من جزم له النبي ﷺ بذلك، وعدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب يرتكبه إلا أن يكون الذنب شركاً وكفراً.

стр. 142

لا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار قال الموفق ﵀: [ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، إلا من جزم له الرسول ﷺ ، لكنا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء]. هذه قاعدة مطردة: أن من لم يشهد له النبي ﵊ لا يجزم له بشيء من ذلك، ولا سيما الجزم بالنار، وهنا يقال: حتى من كفر من أهل البدع اجتهاداً، كأن يناظر أحد من علماء السنة مبتدعاً فيذهب إلى تكفيره، فلا يلزم ذلك بأن نجزم أنه من أهل النار، فهذا مقام آخر، فقد يكون هذا الاجتهاد في تكفيره ليس اجتهاداً صحيحاً في نفس الأمر.

стр. 143

ضابط تكفير أهل القبلة قال الموفق ﵀: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب]. هذه الجملة من جمل المتأخرين التي يقال: إن فيها إجمالاً، فإن قولهم: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) كلمة مجملة، فإن الذنب يدخل فيه الشرك الأكبر كما في الصحيحين: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) فسماه ذنباً. وإن كان قد يعتذر عن المصنف أن مراده من برئ من الشرك؛ لقوله: (من أهل القبلة)، فكأن هذه التسمية تخصيص للذنب بالكبائر وما دونها. أما أن يقال: إنها غلط .. أو إنها من عبارات المرجئة .. أو ما إلى ذلك .. فهذا ليس صحيحاً، وإنما هو من التكلف والزيادة، وأعظم ما يقال فيها: إنها جملة مجملة. وقطعاً: المصنف وغيره وكذلك المرجئة وعامة المسلمين لا يقولون: إن المسلم لا يكفر بذنب، فهذا ممتنع من المصنف أو المرجئة، فهم يذهبون إلى أن من أشرك بالله وكفر به فإنه يكون كافراً.

стр. 144

حكم تارك الصلاة قال الموفق ﵀: [ولا نخرجه عن الإسلام بعمل]. هذه أيضاً جملة مجملة؛ فإن تارك الصلاة كافر عند جمهور من السلف، وكذلك تارك الزكاة المقر بوجوبها فيه نزاع، وتارك الصوم فيه نزاع، وتارك الحج فيه نزاع. وابن قدامة ﵀ يذهب إلى أن تارك الصلاة ليس كافراً، ومن باب أولى عنده تارك الزكاة وتارك الصوم وتارك الحج، فما دام أنه مقر بالوجوب فعنده لا يكفر أحد بترك الصلاة أو بترك الزكاة أو بترك الصوم أو بترك الحج. وابن قدامة ممن يستدل بالإجماع على عدم كفر تارك الصلاة، وإذا قيل له: ما الإجماع؟ يقول: إن تارك الصلاة لو كان كافراً لما صلي عليه، ولما دفن في مقابر المسلمين، ولما ورث وما إلى ذلك. ولم ينقل أن واحداً من المسلمين تركت الصلاة عليه، أو لم يدفن في مقابر المسلمين، أو منع من التوارث بحجة أنه تارك للصلاة. قال: فعدم إجراء أحكام الكفار عليه، دليل على أن أهل العلم كانوا يذهبون إلى عدم تكفيره، ولو كانوا يذهبون إلى تكفيره لأخذ بهذه الأحكام، ولو أخذ بهذه الأحكام لنقل؛ ومن هنا ظن ﵀ أن المسألة فيها وجه من الإجماع على عدم كفره. ومسألة تارك الصلاة هل فيها إجماع أو ليس فيها إجماع؟ نتناول هذه المسألة من عدة مسالك: المسلك الأول: حكى إسحاق بن إبراهيم الحنظلي من الأئمة المتقدمين الإجماع على أن تارك الصلاة كافر، وأيوب السختياني يقول: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه. وعبد الله بن شقيق يقول: كان أصحاب محمد لا يرون شيئاً من العمل تركه كفر إلا الصلاة. هذا مسلك جماعة من السلف: أنهم كانوا يذهبون إلى تكفير تارك الصلاة، ويرون أن كفره إجماع. المسلك الثاني: ذهب طائفة من السلف إلى كفر تارك الصلاة، ولكنهم لا يعتبرون كفره بالإجماع، وإنما بظواهر الأدلة. المسلك الثالث: الذين لا يعتبرون كفره، وهؤلاء بنوا المسألة على فرعين: الفرع الأول: منهم من بنى المسألة على عدم ظهور الدليل على كفره كـ مالك والشافعي والزهري. الفرع الثاني: ومنهم من بنى عدم كفره على كون الصلاة عملاً، والعمل لا يكفر تاركه، فهذا لا شك أنه من أصول المرجئة، وقد كان يعلل بمثل ذلك -في عدم تكفير تارك الصلاة- حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وأمثاله من فقهاء الكوفة المرجئة. فإذا قيل لك: من لم يكفر تارك الصلاة هل قوله من أقوال المرجئة؟ الجواب: فيه تفصيل: إن بنى عدم تكفيره على أن الصلاة عمل ولا يكفر تارك العمل، فهذا من المرجئة. وإن بنى ذلك على أن الدليل لم يظهر بكفره، ويقول صاحب هذا القول: إن العمل أصل في الإيمان، وداخل في مسماه، ولكنه لا يكفر بترك فريضة واحدة كالصلاة، فهذا ليس من أصول المرجئة ولا من طرقهم ولا من آثارهم، وقد كان مالك بن أنس ﵀ والشافعي وقبلهم الزهري يذهبون إلى عدم كفر تارك الصلاة، ويبنونه على عدم ظهور الأدلة لا على أن الصلاة عمل، فإن مالكاً والزهري والشافعي من أشد الناس على المرجئة، ويرون العمل أصلاً في الإيمان. فهذا وإن كان اجتهاداً مرجوحاً فإن الصواب الذي عليه الجمهور من السلف والمحققون من المتأخرين من أهل السنة كـ شيخ الإسلام أن تارك الصلاة كافر، وهذا هو ظاهر النصوص كحديث جابر بن عبد الله وبريدة وأمثالها، وهو ظاهر مذهب الصحابة في كلام عبد الله بن شقيق. وعليه: فالأظهر أن حكاية الإجماع ليست منضبطة، فإن الزهري خالف وهو أعلم بأقوال الصحابة من إسحاق. ثم إن كلام إسحاق بن إبراهيم ﵀ فيه إشكال، فإنه قال في كلامه الذي رواه محمد بن نصر عنه وغيره: "أجمع أهل العلم من زمان رسول الله إلى زماننا هذا أن من ترك صلاةً واحدة حتى خرج وقتها أنه كافر" مع أن جمهور المكفرين لتارك الصلاة لا يكفرون بصلاة واحدة، ففي كلامه بعض الإشكال وقد يخرج هذا القول على أن إسحاق كان يرى الإباء، أي: من أبى قضاء الصلاة وامتنع، والممتنع كافر عند السلف بالإجماع، كمن دعي إلى الصلاة وقيل له: صل وإلا قتلت فقدم القتل على الصلاة فهذا يقتل مرتداً بإجماع السلف، ولا يكون ذلك إلا عن زندقة كما قال ذلك شيخ الإسلام. فالمسألة محتملة، وكلام عبد الله بن شقيق الأظهر أنه إجماع سكوتي، والإجماع السكوتي حجة محتملة وليس حجةً قطعية؛ لأنك إن قلت: إن فيها إجماعاً قطعياً مثل إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل؛ لزم من ذلك أن مخالفة الزهري ومالك خروج عن الإجماع القطعي؛ لأن من خالف الإجماع القطعي فقوله بدعة ولا شك، ويجب الإنكار عليه إلى غير ذلك. وأما ما يقال: إن مالكاً أو الشافعي لم يثبت عنه ذلك، بل هذا من كلام الشافعية نسبةً إلى الشافعي، أو المالكية نسبةً إلى مالك. فنقول: هذا ليس صحيحاً من وجهين: الوجه الأول: أن المالكية تواردوا نسبة هذا القول إلى مالك، والشافعية تواردوا نسبة هذا القول إلى الشافعي، وإن كان من الشافعية وغيرهم كـ الطحاوي حكى عن الشافعي قولاً آخر لا بأس به. فتوارد المالكية والشافعية في ذكر مذهب الشافعي ومالك يمتنع أن يكون غلطاً، والأصحاب قد يخطئون على الإمام إذا كانوا جماعات أو أفراداً، أما إذا أطبقوا فمن الممتنع أن يغلطوا على إمامهم. الجهة الثانية: أن كبار المحققين المعروفين بضبط الفقه والخلاف، بل يعد عند العلماء من أضبط الناس لفقه السلف كـ محمد بن نصر المروزي ذكر الخلاف عن مالك والشافعي في عدم تكفير تارك الصلاة مع أنه ذكر إجماع إسحاق، فكان يقول: "من السلف من كان يرى هذه المسألة إجماعاً"، ثم ذكر كلام إسحاق وأيوب السختياني، وأثر عبد الله بن شقيق، ثم يقول: "ومن السلف من كان يراها خلافاً". ثم ذكر رأي الزهري ومالك والشافعي.

стр. 145

حكم تارك الزكاة مسألة الزكاة لا شك أنها مسألة خلاف، وكذلك الصوم والحج، وهذه قطعاً ليس فيها إجماع، وحتى عبد الله بن شقيق ألم يقل: "كان أصحاب محمد لا يرون شيئاً من العمل تركه كفر إلا الصلاة" فظاهر كلام ابن شقيق أن الزكاة عند الصحابة لم يستقر أمرها على الكفر؛ لأنه يقول: (إلا الصلاة) وهذا لا يعني أن الصحابة أجمعوا على عدم كفر تارك الزكاة كما يقوله بعض أصحاب الأئمة، بل الصواب: أن مسألة الزكاة خلافية بين الصحابة، وكذلك الصوم والحج. هنا مسألة وهي: من امتنع عن الزكاة وقاتل عليها فحكمه أنه مرتد، كالممتنعين عن أداء الزكاة الذين قاتلوا الصحابة في زمن أبي بكر الصديق، فالممتنعون المقاتلون على منع الزكاة كفار مرتدون كما حكاه أبو عبيد مذهباً للصحابة، وليسوا بمنزلة من ترك الزكاة وهو فرد من أفراد المسلمين في وسطهم، ولم يقاتل، ولم يمتنع بطائفة. وقد كان مالك بن أنس ﵀ يقول: "إن تارك الزكاة ليس كافراً"، ولما سُئل عن الممتنعين في زمن أبي بكر قال: "إنهم مرتدون"، فواضح عند السلف التفريق بين الترك المفرد وبين الامتناع أو الاجتماع على الإباء ونحوه.
следующие страницы →