← Акыда

Акыда · id 37781

شرح لمعة الاعتقاد - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (162 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

رؤية النبي ﷺ لربه هل رأى النبي ﷺ ربه ببصره ليلة المعرج أم لم يره؟ هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين متأخري أهل السنة، وهم فيها على قولين: الأول: أن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج ببصره. الثاني: أن النبي ﷺ لم ير ربه ببصره. والذي يميل إليه أتباع الأئمة من المتأخرين: أن النبي ﷺ رأى ربه ببصره، ولكن هذا المذهب وإن اشتهر عند المتأخرين -حتى قيل: إنه قول جمهورهم- إلا أنه غير معروف عند الصحابة رضوان الله عليهم، وغريب عند الأئمة المتقدمين .. بل حُكي الإجماع على خلافه، أي: أن النبي ﷺ لم ير ربه ببصره، وممن حكى الإجماع على ذلك: الإمام الدارمي ﵀. قد نقله عنه الموفق في المناظرة في مسألة الصفات، وهذا هو المشهور في مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من السلف، وسواء قيل: إن هذا إجماع منضبط صحيح، أو قيل: إنه إجماع سكوتي، فإنه لم يصح عن واحد من الصحابة أنه قال: إنه ﷺ رأى ربه ببصره، وإنما جواب الصحابة على أحد وجهين: الأول: أن النبي ﷺ لم يره. والثاني: أنه رآه بفؤاده. فالأول جواب عائشة ﵂ ومن معها، والثاني: جواب ابن عباس ﵄ ومن أخذ بقوله. وعند التحقيق يظهر أن جواب ابن عباس ﵄ ليس معارضاً لجواب عائشة ﵂، بل يمكن أن يقال: إن جواب ابن عباس مؤيد لجواب عائشة ﵂؛ من جهة أن ابن عباس لما قصر الرؤية على الفؤاد دل على أن ما فوقه -وهي الرؤية البصرية- غير متحصلة. أما المتأخرون فإنهم فهموا من كلام ابن عباس الإثبات للرؤية البصرية؛ لأن أصحاب ابن عباس يروون تارة الإطلاق، وتارة التقييد بالفؤاد، فصار من المتأخرين من يقول: إن ابن عباس ﵄ وأصحابه يقولون: إن النبي ﷺ رأى ربه ببصره، وهذا غلط عليه؛ لأنه إنما كان يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل: رآه ببصره. وتفسير المتأخرين لمذهب ابن عباس بهذا لا يغر طالب العلم، ويوضح هذا ما يقع في كتب بعض الشراح -كشراح الصحيح وغيره- من القول بإثبات رؤية النبي ﷺ لربه، وأن هذا هو مذهب ابن عباس ﵄ وطائفة، أو يقولون: هو أحد قولي ابن عباس، بل الصواب أن ابن عباس له قول واحد فقط، ونسبة القول الثاني إليه غلط عليه، والتحقيق: أن قول ابن عباس لرؤية النبي بفؤاده يدل على نفي الرؤية البصرية وليس على إثباتها. ومن الحنابلة من حكى عن الإمام أحمد القول بأن النبي ﷺ رأى ربه ببصره، وهذا كما قال شيخ الإسلام وغيره: غلط على الإمام أحمد، والصواب أنه إنما كان يجيب بجواب ابن عباس وعائشة، مما يدل على عدم التعارض بين الجوابين عنده. وعلى كل تقدير يقال: الصواب ما عليه الجماهير من الأئمة المتقدمين؛ ولذا حُكي الإجماع عليه منهم، وهو: أن النبي ﷺ لم ير ربه ببصره. وإذا قيل: رآه بفؤاده، فهذا قول ابن عباس ومذهب جملة من الصحابة ﵃، بل أكثر أهل السنة -كما قال شيخ الإسلام - يقولون بقول ابن عباس، وأن رؤية الفؤاد ليست هي الرؤية البصرية. مسألة: هل تعتبر مسألة رؤية النبي ﷺ لربه من مسائل الأصول التي يضلل فيها المخالف؟ الجواب: ليست من مسائل الأصول، وإن كان القول بإثبات الرؤية البصرية يعد قولاً غريباً لا ينبغي أن يصار إليه، ولاسيما أن القول الذي عليه عامة السلف والجماهير من أئمة السنة هو ظاهر القرآن وصريح السنة. أما أنه ظاهر القرآن فلقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]، وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]، فهاتان الآيتان تدلان دلالة ظاهرة -وإن لم تكن صريحة- على أن النبي ﷺ لم ير ربه ببصره. ووجه ذلك: أن الله لما ذكر مسرى نبيه ﷺ ذكر ذلك على جهة النعمة والامتنان عليه، وكان المقام مقام ذكر لأجل ما امتن به عليه؛ لذا فهو رأى من آيات ربه الكبرى، فقال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ﴾ [النجم:١٨] .. وقال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]؛ فذكر حاله في مقدمه، وحاله بعد منتهاه، ومع ذلك لم يقع ذكر الامتنان إلا على رؤية الآيات. قال شيخ الإسلام: "فلو كان النبي ﷺ رأى ربه لكان إظهار الامتنان عليه برؤيته له أولى من الإظهار لرؤية الآيات، فلما اقتصر ذكر القرآن على رؤية الآيات؛ دل على أنه لم يحصل له ما هو فوق هذا المقام وهو رؤيته لربه ". وأما السنة: فقد روى مسلم عن أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ فقال: (هل رأيت ربك؟ فقال: رأيت نوراً) وفي رواية أخرى لـ مسلم أن أبا ذر سأل النبي ﷺ : (هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه)، وهذان الوجهان، قيل: إنهما محفوظان كلاهما، إلا أن الإمام أحمد في بعض أجوبته وكذا جملة من أئمة الحديث ينزعون إلى أن المحفوظ هو أحد هذين الوجهين، والمسألة فيها سعة. والمقصود بقوله: (نور أنى أراه) إشارة إلى النور الذي حال دون رؤيته لربه ، وهذا النور -والله أعلم- هو حجابه ؛ فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه سلم قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وهو معنى قوله ﷺ في الوجه الآخر: (رأيت نوراً)، أي: أنه رأى هذا الحجاب.

стр. 72

رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة مسألة: هل المنافقون والكفار من أهل الأوثان وأهل الكتاب يرون ربهم في موقف القيامة كما يراه المؤمنون أم لا؟ الجواب: أولاً: يقال: هذه المسألة ليست من مسائل الأصول، وأصلها هو مسألة رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة. ثانياً: أي المسألتين أقوى مقاماً عند أهل السنة: رؤية النبي ﷺ لربه جل وعلا أو رؤية الكفار؟ قيل: رؤية النبي ﷺ لربه أقوى؛ لأن الصحابة فمن بعدهم لهم فيها قول معروف، وهو أن النبي ﷺ لم ير ربه، وهذا مما دل عليه ظاهر القرآن والسنة الصحيحة، وأما رؤية الكفار لربهم فإن شيخ الإسلام قال: "إن الصحابة لم يحفظ عنهم قول معروف فيها، وإنما تكلم فيها الناس بعد الصحابة". وعلى كل حال فلأهل السنة فيها أقوال: الأول: أن الكفار يرون ربهم، وإن كانت ليست رؤية نعمة وامتنان. الثاني: أن المنافقين يرون ربهم دون بقية الكفار. الثالث: أنه يراه المنافقون وغُبرات من أهل الكتاب، كما جاء في بعض الروايات في الصحيح. الرابع: أن الكفار جميعاً لا يرون ربهم، وهذا هو ظاهر مذهب الأئمة، وهو الذي عليه الجمهور من أصحاب أحمد، وهو ظاهر القرآن في قول الله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، والذي يميل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -وإن كانت هذه المسألة من المسائل التي خالف فيها ابن القيم ابن تيمية ﵀ وخالفه ابن القيم فذهب إلى أن الكفار يرون ربهم، ويجعل هذا عاماً في سائر الكفار، ويستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، واستدل ابن القيم على ذلك بقوله: إن اللقاء عند العرب -كما ذكره ثعلب - يفيد الرؤية. وهذا الاستدلال مما فات ابن القيم، فإن ثعلباً لما أورد هذا الكلام أراد به اللقاء المذكور في قول الله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤]، واللقاء المذكور في هذه الآية ليس هو المذكور في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، فإن اللقاء في الآية الأولى قُرن بذكر التحية والسلام، وأما اللقاء هنا فهو مطلق، والذي حكى ثعلب الإجماع عليه من هو المقرون بالتحية والسلام، وثعلب عندما ذكر كلام أهل اللغة عند قوله تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ)، قال: إن العرب إذا ذكرت اللقاء مع التحية فإنه يفيد البصر والرؤية، وأما اللقاء المطلق فإنه لا يفيد ذلك، وهذا أمر معروف بالعقل والحس أن اللقاء المطلق لا يستلزم أو يتضمن النظر أو الإبصار، فما استدل به ابن القيم ورآه دليلاً قوياً فيه نظر؛ ولذا قال الجمهور من محققي أهل السنة كأمثال شيخ الإسلام -وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد -: إن الكفار لا يرون ربهم. وهذا هو الصواب والأظهر في هذه المسألة، وإن كانت بعض روايات الحديث في السنة النبوية قد تشعر بأن الكفار يرون ربهم، ولكنها ورادة في مسألة أخرى. وأما رؤيته لغير النبي ﷺ ليلة المعراج -على الخلاف السابق- فهذا مما أجمع عليه عامة المسلمين بأنها لن تقع لأحد في الدنيا، ولم يدع شيء من ذلك إلا أهل الخرافة الذين يدعون أنه يُرى قبل الموت، وقد قال النبي ﷺ : (واعلموا أن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت).

стр. 73

أدلة المعتزلة على نفي الرؤية

стр. 74

استدلالهم بقصة موسى والرد عليهم موسى ﵊ لما سأل ربه الرؤية قال له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، وهذا ليس نفياً مطلقاً للرؤية إنما هو نفي للحال، فإن موسى كان يسأل ربه أن يراه في الدنيا لا أن يراه في الآخرة أو الجنة. والنفي إنما وقع على طلب الدنيا، لذا كان قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] لا يصح دليلاً للمعتزلة والجهمية ومن وافقهم على نفي الرؤية، فهم يقولون: إن (لن) تفيد التأبيد، وهذا ليس صحيحاً، فإن (لن) لا تستلزم التأبيد وإن كانت قد تقتضيه، بمعنى: أن إفادتها لذلك إنما هو بحسب السياق، وفي شعر العرب وأقوالهم سياق فيه ذكر (لن) من النفي الذي يتضمن التأبيد وفي كلامهم سياق آخر فيه ذكر (لن) بالنفي الذي لا يتضمن التأبيد. والقول الصواب إذا قيل لك: هل (لن) تقتضي تأبيد النفي؟ الجواب: قد تستلزم التأبيد وتقتضيه وقد لا تستلزمه وإن كانت تقتضيه؛ لأن البعض إذا أراد الرد على المعتزلة قال: إن (لن) لا تفيد التأبيد مطلقاً، وهذا غير صحيح. ومما يدل على أنها لا تستلزم التأبيد في سائر المقامات: أنها لو كانت تستلزم التأبيد في سائر السياقات لما جاز تحديد أو تقييد الفعل بعدها بغاية، وقد جاء تحديد الفعل بعدها في كلام العرب وفي القرآن بغاية، مثل قول الله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف:٨٠]، فهذا يدل على أن (لن) في هذا السياق لا تستلزم التأبيد وإن كانت قد تقتضيه، ومثل هذا سياق قصة موسى؛ لأن السؤال من موسى ﵊ إنما كان عن الحال. ومن الجواب في هذه الآية نفت المعتزلة والإباضية وغيرهما ممن دخلت عليهم شبه أقوال الجهمية، رؤية الله تعالى، بل ويعدون إثباتها نقصاً، ويقولون: إن هذا هو المذهب الحق الذي ذكره الله في القرآن في قوله: (لَنْ تَرَانِي). وهنا سؤال موجه إليهم: إذا كان إثباتها نقصاً في حق الله، وأن من كماله ألا يرى، وأن من يقول: إنه يُرى مشبه منقص لله عن كماله .. إذا كان الأمر كما قالوا؛ فإنه يلزم أن يكون موسى ﵊ أحد رجلين: -إما أنه جاهل بما هو كمال لله- وإما أنه كان متعدياً على ربه. فإن قالوا: إنه متعدٍ. فهذا طعن في رسالته وفي ذكر الله له بالثناء. وإن قالوا: إنه كان جاهلاً، فإن جهله هنا إسقاط لرسالته ولنبوته ولاصطفائه؛ إذ كيف يكون جاهلاً بتوحيد الله؛ لأن القول هنا في الصفات قول في التوحيد، والمعتزلة يعدون قولهم بنفي الصفات توحيداً لله، وهو الأصل الأول من أصولهم الخمسة: التوحيد. إذاً .. يمتنع أن يكون موسى جاهلاً بما هو من أصول التوحيد .. أو توحيد العلم والمعرفة، وهو ما يليق بالله وما لا يليق به، ولهذا لا ترى أن الله عاتب موسى على سؤاله، بينما نوح ﵊ لما سأل ربه مسألة ليست من الأصول المطردة في أصل معرفته سبحانه، وهو نجاة ابنه، قال الله له: ﴿فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦]، فهل قيل لموسى مثل ذلك، مع أن مسألة موسى أكبر من مسألة نوح، فدل هذا على أن سؤال موسى ممكن أصلاً وشرعاً، ولكنه أمر يتعلق بمشيئة الرب وإرادته، وبه تكون المفاضلة بين المؤمنين وغيرهم في الجنة.

стр. 75

استدلالهم بقوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) والرد عليهم أما قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فإن المعتزلة استدلوا بهذه الآية أيضاً على نفي الرؤية، والصواب أنها دليل على إثبات الرؤية؛ لأن المنفي هو الإدراك، والإدراك ليس هو مطلق الرؤية، بل هو قدر زائد على أصل الرؤية، ولما سأل رجل ابن عباس: إن الله يقول: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، ويقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وكأن الرجل وجد بين الآيتين شيء من التعارض، فالآية الأولى تنفي والثانية تثبت. قال ابن عباس: (يا هذا! ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: أتدركها كلها؟ قال: لا، قال: فالله أعظم). كل أحد من بني آدم يقول: إنه يرى السماء، لكن هل أحد منهم يستطيع أن يقول: إنه يدرك السماء طولاً وعرضاً وامتداداً وماهيةً ونفوذاً إلى آخره؟ كلا. إذاً: من طريق العقل والحس والنظر يتضح أن الإدراك ليس هو محض أو مطلق الرؤية. قال الموفق ﵀: [قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] * ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فلما حجب أولئك في حال السخط، دَلَّ على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق]. هذا الاستدلال ذكره الشافعي ومالك وجملة من السلف، على أن قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] دليل على إثبات الرؤية. قال الموفق ﵀: [وقال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته). حديث صحيح متفق عليه]. قوله: (لا تضامون في رؤيته) أي: لا يحتاج الناس في هذا الموقف وانضمام بعضهم إلى بعض إلى الزحام، وهذا بين كما في حديث أبي رزين، لما ذكر النبي ﷺ رؤية ربه- قال بعض الأعراب: (يا رسول الله! كيف وهو واحد ونحن كثر؟ قال: سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخلٍّ به وهو واحد) فالناس يرون الشمس والقمر ولا يزدحمون عليه، ولا يدفع بعضهم بعضاً لرؤيته، فهذه آية يسيرة من آيات الله فكيف بالله ؟!

стр. 76

طعون المعتزلة في أحاديث الرؤية والرد عليهم قال الموفق ﵀: [وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير]. هنا طعنت المعتزلة في هذه الأحاديث، فقالوا: إن حديث: (إنكم سترون ربكم) من أحاديث التشبيه؛ لأن فيه: (كما ترون القمر)، (كما ترون الشمس). وهذا غلط وجهل بمقتضى الكلام، فإن التشبيه هنا ليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي، أي: ليس تشبيهاً لله بالقمر أو بالشمس وإنما هو تشبيه لفعل الرائين. فالحديث ليس فيه تشبيه للمرئي بالمرئي، أي: تشبيه الله بالشمس أو القمر، تعالى الله عن ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وإنما فيه تشبيه للرؤية بالرؤية، والرؤية الأولى التي لله والرؤية الثانية التي للقمر كلاهما من فعل بني آدم، وأفعال بني آدم يجوز التشبيه بينها. فإذاً .. هذا تشبيه لفعل الرائين بعضهم ببعض، وليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي، وهذا من جهالات المعتزلة ومن وافقهم على هذه المادة في هذا الباب، ولهذا فإن أكبر قضاة المعتزلة في زمانه وهو القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني الذي كتب المغني في أصول المعتزلة إملاءً مع سعة علمه بالنظر والعقليات والجدل -وهذا ليس خاصاً به بل هو شأن المعتزلة عامة، فهم من أجهل الناس بالسنن والآثار- وهذا المعتزلي لما أراد الرد على أدلة أهل السنة من الحديث، قال: إنهم يستدلون بحديث رواه جرير بن عبد الله البجلي، أن النبي ﷺ قال: (إنكم سترون ربكم)، قال: وهذا حديث تفرد به جرير بن عبد الله، وتفرد به عن جرير .. ثم ساق الإسناد، وقال: هو حديث آحاد، وفيه مادة من التشبيه. وهذا كله جهل منه؛ لأن الحديث لم يتفرد به جرير، بل حديث الرؤية في سائر ألفاظه رواه أكثر من ثلاثين رجلاً من الصحابة، ورواية أبي سعيد وأبي هريرة أشهر عند المحدثين من رواية جرير بن عبد الله ﵃، فهذه مجموعة من جهالات القاضي عبد الجبار المعتزلي.

стр. 77

شرح لمعة الاعتقاد [٩] تعتبر مسألة القدر من المسائل التي كثر النزاع فيها بين أهل القبلة، وكان موقف أهل السنة في هذه المسألة موقفاً وسطاً بين القائلين بأن للعباد مشيئة مستقلة عن مشيئة الله تعالى، وهم القدرية، وبين القائلين بأن العباد لا مشيئة لهم ولا إرادة، وهم الجبرية.

стр. 78

عقيدة أهل السنة في القضاء والقدر قال الموفق ﵀: [ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ [الأنعام:١٢٥]]. هذا الفصل عقده المصنف ﵀ لتقرير أصل خاص من أصول الدين، وهو: قدر الله ، والإيمان بقدر الرب أصل من أصول الإيمان، كما ذكر ذلك النبي ﷺ في حديث جبريل: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)، وقال ابن عباس: (القدر نظام التوحيد). والقدر هو: فعل الله وقضاؤه وإرادته ومشيئته في سائر ما يقع في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء؛ فلا يقع شيء إلا بإرادته ومشيئته، وهذا الأصل مجمع عليه بين المسلمين، ولم يقع النزاع فيه من جهة أصله، بل حتى عامة الكفار الذين يقرون بالربوبية يقرون بهذا القدر من حيث الجملة، وأما عند التحقيق فإنه لا يحقق جانب توحيد الربوبية فعلاً إلا مسلم مؤمن بالله وبرسوله ﷺ ، وفرق بين الإيمان بالربوبية المجمل عند المشركين، وبين الإيمان المفصل بالربوبية عند المسلمين. تعتبر مسألة القدر من المسائل التي كثر النزاع فيها بين أهل القبلة، وهل أفعال العباد من قيام وقعود وطاعة ومعصية داخلة في قدر الله وقضائه؟ أم أنها مختصة بالعباد؟ بمعنى هل يقال: إن هذه الأفعال بإرادة الله ومشيئته وخلقه، أم أن العباد يستقلون بها؟ أم يقال: إن العباد قد أجبروا على أفعالهم ولا إرادة لهم ولا مشيئة أمام إرادة الله ومشيئته؟

стр. 79

تقرير أصول مذهب أهل السنة في باب القدر اشتهر في كلام جملة من متأخري أهل السنة أن مراتب القدر أربعة: المرتبة الأولى: علم الرب بأفعال العباد. المرتبة الثانية: كتابته لها. المرتبة الثالثة: إرادته ومشيئته . المرتبة الرابعة: خلقه لأفعال العباد. وهذا ترتيب صحيح، ولكن إذا أردنا الكمال في تقرير مسألة القدر فإن الأولى أن يقال: إن هذه المسألة محصلة بأصول سبعة عند السلف، وممن نص على هذه الأصول الإمام ابن تيمية ﵀، وهي كما يلي: الأصل الأول: الإيمان بعموم علمه بكل شيء في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء؛ فعلم ما كان وما سيكون، وقد دخل في عموم علمه: علمه بأفعال العباد قبل كونها، فيعلم ما هم فاعلون، وما تصير إليه أمورهم وأحوالهم، وهذا أصل شرعي عقلي فطري من أنكره فإنه زنديق كافر، وهو مما لم ينكره أحد من المسلمين، حتى أن القدرية المعتزلة أقروا بهذا الأصل إجمالاً. فإن قيل: إن غلاة القدرية أنكروا هذا الأصل. قيل: إن المراد بالغلاة هم من ينكر علم الرب بما يكون من أفعال العباد، ويقولون: إنه لا يعلمها إلا عند وقوعها، وهؤلاء ليسوا مسلمين، بل زنادقة منافقون، وإن زعموا الانتساب للإسلام، وكفرهم أعظم من كفر اليهود والنصارى؛ لأن في قولهم هذا إبطال لمقام الربوبية والألوهية؛ لأن الإله المعبود لابد أن يكون هو الرب المتفرد بالملكوت والتدبير والعلم والإرادة. فإن قيل: هذا القول ما منشؤه؟ قيل: هذا قول قوم من غلاة الفلاسفة الملاحدة نقل إلى من يزعم الانتساب إلى الإسلام، وأما حكم القائلين به فهو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "منافقون نفاقاً علمياً في انتسابهم للإسلام، وإلا فهم قوم زنادقة" وقد أجمع السلف على تكفيرهم بأعيانهم، ولا يلزم أن تقام عليهم الحجة؛ لأن الحجة قائمة عليهم ضرورة، فإن هذه المسألة لا يمكن أن يحصل فيها اشتباه لكونها مستقرة بالفطرة والعقل والشرع. الأصل الثاني: أن الله كتب في الذكر (اللوح المحفوظ) كل شيء، وقد دخل في عموم كتابته كتابته لأفعال العباد، وفي حديث عبد الله بن عمرو في الصحيح: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة). مسألة: هل الكتابة لأفعال العباد أصل عرفناه بالعقل والشرع أم بالشرع فحسب؟ الجواب: بالشرع، وإن كان العقل بعد خبر الله بها لا ينفي شيئاً من ذلك؛ فإن العقل لا يعارض النقل. وهذا الأصل أقر به سواد المسلمين، ولم ينكره إلا قوم من غلاة القدرية، وهو دون الأصل الأول في المقام. الأصل الثالث: الإيمان بعموم إرادة الله تعالى ومشيئته النافذة، فلا يقع شيء في ملكوت السماوات والأرض إلا وقد أراد الله وقوعه بمشيئته، وقد دخل في عموم إرادته ومشيئته إرادته لأفعال العباد طاعة أو معصية، خيراً أو شراً، عبادة أو عادة. الأصل الرابع: الإيمان بأن الله خالق كل شيء، وقد دخل في عموم خلقه خلقه لأفعال العباد؛ لأن الشيء إما أن يكون خالقاً وإما أن يكون مخلوقاً، ولا شك أن الخالق هو الله وحده وما سواه مخلوق. وهذا من طرق جدل المعتزلة والقدرية المنكرين لخلق أفعال العباد، أن يقال لهم: ما من شيء موجود إلا وهو أحد أمرين: إما أن يكون خالقاً، وإما أن يكون مخلوقاً، فإذا كان لا يوصف بأنه خالق إلا الله تعالى لزم أن يكون كل ما سواه مخلوق، والعباد ليسوا خالقين، وإنما هم أهل فعل كما وصفهم الله بأنهم فاعلون مصلون مزكون صائمون إلى أمثال ذلك من الأفعال. وقد أنكرت القدرية من المعتزلة وغيرهم الأصل الثالث والرابع، وهذه هي البدعة التي اشتهرت عند طائفة من أهل القبلة، وهي: القول بأن أفعال العباد لم يردها الله، ولم يشأها، ولم يخلقها. الأصل الخامس: الإيمان بأن للعباد مشيئة وإرادة في أفعالهم لكنها تابعة لمشيئة الله وإرادته، والإيمان بأن هذه الإرادة والمشيئة على الحقيقة وليست على المجاز كما يقول بعض الأشاعرة، فإن الله أثبت إرادة العباد في مثل قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢]، فذكر أن إرادتهم متنوعة ومتعددة، وذكر أن أصحاب الآخرة بإرادتهم، وأصحاب الدنيا بإرادتهم، وهذا المقام -أعني: مشيئة العباد- ينكره الجبرية القائلون: إن العباد مجبورون على أفعالهم، وكذا ما يقوله أهل الكسب من الأشاعرة. وأما قول السلف فيها فهو قول وسط بين طائفتين: الطائفة الأولى: القدرية تقول: إن للعباد مشيئة مستقلة عن مشيئة الله وإرادته. الطائفة الثانية: الجبرية تقول: إن العباد لا مشيئة لهم ولا إرادة. وأهل السنة يقولون على قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩]: إن للعباد مشيئة وإرادة ولكنها تابعة لمشيئة الله وإرادته. الأصل السادس: الإيمان بعموم حكمته ، وأن سائر أفعاله لحكمة، فعذاب المعذبين وثواب المصلين الطائعين المؤمنين، وما يقع في الكون من الحوادث وإن ظهر لبعض الناس أنها شر فإن الشر لا يضاف إليه ، ولهذا قال النبي ﷺ : (والشر ليس إليك)؛ فكل ما يقع في هذا العالم من الحوادث فإنها لحكمة يعلمها الله ، ولا يكون في ملكه وملكوته سبحانه شراً محضاً لا خير فيه بوجه من الوجوه، أو لا يستلزم خيراً؛ فإن سائر ما يقع إما أن يكون خيراً محضاً، وإما أن يكون متضمناً أو مستلزماً للخير. مثال ذلك: قتال الكفار للمسلمين، فأصل فعل الكفار شر، لكنه استلزم خيراً وهو مجاهدة المسلمين لهم، وإقامة ذكر الله، وإعلاء كلمته، إلى أمثال ذلك. وهنا يقال: إن كل ما يقع في هذا العالم فإما أن يكون خيراً محضاً كبعثة النبي ﷺ ، وإما أن يكون متضمناً للخير كالولد، ولهذا جعلهم الله نعمة وجعلهم فتنة، وإما أن يكون مستلزماً للخير وإن كان في مبدئه أو في ظاهره شيء من الشر، ولهذا لما طعن على عائشة ﵂، ورماها المنافقون بالزنا، وكان في ظاهره ومبدئه شر وتعدٍ نزهها الله في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]؛ لأن به حصل شيء من المنافع لهم، منها: امتياز المؤمنين عن غيرهم، ومنها: تبرئة أم المؤمنين وتفضيلها وتقديمها. وهذا ظاهر، وهذا هو معنى قول الرسول ﵊: (والشر ليس إليك)، وهذه الكلمة تكلف بعض الشراح حتى أهل السنة المتأخرين في شرحها، وهي من البينات والهدى الذي لا إشكال فيه؛ فالله منزه عن الشر، ولا يضاف إليه الشر بحال من الأحوال، وكل ما يقع في هذا العالم مما ظاهره الشر ففيه مصلحة وخير من وجه آخر. الأصل السابع: الإيمان بأن العباد مأمورون بما أمرهم الله به، منهيون عما نهاهم الله عنه، ولا حجة لأحد من الخلق على الله، بل لله الحجة البالغة على خلقه. وهذا المقام هو ما يسمى بمقام الجمع بين الشرع -أمر الله ونهيه- وبين القدر، وأن القدر ليس حجة على إسقاط الأمر والنهي، وهذه المسألة -أعني: مسألة الاحتجاج بالقدر على المعصية- يأتي الكلام فيها إن شاء الله. هذه هي الأصول السبعة الجامعة لمسألة أفعال العباد ومقامها في قدر الله وقضائه، وهي أصول أجمع عليها السلف، ومنها يظهر لنا أن السلف خالفوا بها غلاة القدرية في الأصل الأول والثاني، وخالفوا مجمل القدرية من المعتزلة وغيرهم في الأصل الثالث والرابع، وخالفوا الجبرية والقدرية وبعض الأشاعرة في الأصل الخامس، وخالفوا الجبرية الذين ينفون الحكمة في أفعال الله في الأصل السادس، وخالفوا المنحرفة من الصوفية الذين لم يحققوا الجمع بين الشرع والقدر في الأصل السابع، فهذه الأصول هي امتياز أهل السنة عن سائر طوائف أهل البدع في مسألة أفعال العباد ومقامها في قدر الرب .

стр. 80

الخير والشر بالنسبة للمقدور وعاقبته قال الموفق ﵀: [وروى ابن عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فقال جبريل: صدقت) رواه مسلم]. هذه الرواية من حديث ابن عمر حدث بها عن أبيه عمر ﵄، وهذا هو حديث جبريل المعروف، وقد اتفق العلماء على قبول هذا الحديث وصحته، وفيه ذكر أصول الديانة. فإن الإيمان والإسلام والإحسان، ولما ذكر الإيمان ذكر جملة من الأصول التي يقع بها التصديق، ويقع بها اعتبار القلب، ولما ذكر الإسلام ذكر فيه أصول الشرائع الظاهرة، وهي: الشهادة والصلاة والزكاة والصوم والحج، ولما ذكر الإحسان ذكره على مقام تحقيق العبادة والديانة؛ ولهذا يقال: إن هذا الحديث جامع لمسائل أصول الدين، فقد ذكر فيه الأصول القلبية الباطنة والأصول العملية الظاهرة، وكذا ذكر العبادة ومنهجها الشرعي بقول النبي ﷺ : (أن تعبد الله كأنك تراه)، فهذا الحديث جامع لسائر مسائل أصول الدين. ويريد المصنف بذكره له هنا أن النبي ﷺ جعل من أصول الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره، ولا يراد من ذلك أن في أفعال الرب شر محض، بل كما قال النبي ﷺ : (والشر ليس إليك)، وهذا الشر باعتبار حال الفعل، وباعتبار حال الفاعل، فإن الفعل في نفسه يسمى شراً، ومعلوم بإجماع أهل السنة أن الخالق لأفعال العباد هو الله، إلا أنه ليس معناه أن الله هو الفاعل لها، تعالى الله عن ذلك، بل الفاعل للفعل هو العبد، والمصلي والصائم والمزكي والمجاهد، وفي المقابل: السارق والزاني وشارب الخمر هم العباد، فأفعال العباد هي أفعالهم، وإن كان الله خالق لها، فثمة فرق بين مقام الخلق لأفعال العباد، وبين مقام أن العباد فاعلون لأفعالهم، ولذلك ما عبر به بعض الشراح من أن أهل السنة يقولون: إن الله هو خالق أفعال العباد، وأنه الفاعل لها، فهذا ليس صحيحاً، فإن كلمة الفعل لم تستعمل عند السلف إنما يستعملون كلمة الخلق؛ لأنها الكلمة الشاملة في القرآن، أن الله هو الخالق لكل شيء، وأما كلمة الفعل فإنها معلقة بالإرادة في قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦]، ولهذا فالفعل من جهة أفعال العباد هو أفعال العباد، ولهذا وصفهم الله بأنهم: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ [التوبة:١١٢]. إذاً: ليس في أفعال الله سبحانه ولا في خلقه ما هو من الشر المحض بل هو من جنس قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، فإنه وإن رميت عائشة ﵂ بالزنا إلا أنه من الإفك والباطل والشر، ولهذا قال الله في كتابه: (لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ)، فهو مضاف، مما يدل على أن أوجه الإضافة تتعدد، فالفعل باعتبار ما وقع من بعض الإضافات يكون شراً، وباعتبار حال سواد المسلمين ليس شراً، ولهذا لم يقل: (لا تحسبوه شراً) وإنما قال: (لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ) فهذه إضافة تبين المقصود بذلك. ثم إن كلمة (الشر) في استعمال أهل اللغة، واستعمال صاحب الشريعة محمد ﷺ أعم من كلمة (الشر) الذي يراد بها الفجور والفسوق، كما جاء في حديث ابن مسعود: أنهم أدركوا حية بمنى وهم مع رسول الله ﷺ ، فابتدرها القوم ليقتلوها، فذهبت فلم يدركوها، فقال النبي ﷺ : (وقاها الله شركم كما وقاكم شرها) فقوله: (وقاها الله شركم) مع أن قتلهم إياها لم يكن شراً على معنى الفسوق أو الفجور أو ما إلى ذلك. قال الموفق ﵀: [وقال النبي ﷺ : (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره)، ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت)]. هذا الدعاء رواه الإمام أحمد وغيره وهو حديث حسن، أن النبي ﷺ علم الحسن بن علي ﵄ ذلك، وفي جملة هذا التعليم من النبي ﷺ قوله: (وقني شر ما قضيت)، وهذا يرجع إلى القاعدة السابقة في تفسير معنى الشر، وأن الله سبحانه لا يضاف إليه الشر، وإنما الشر يكون باعتبار الفعل، أو باعتبار الفاعل، ولذلك ما من أمر هو شر باعتبار الفعل إلا ويمكن إضافته بوجه آخر يكون خيراً، وهذا هو الذي جاء ذكره في القرآن والسنة.

стр. 81

حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية قال الموفق ﵀: [ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه]. من أصول أهل السنة الجمع بين الشرع والقدر، وهذا من أشرف الأصول في الديانة؛ فإن من أسقط الشرع بالقدر فهذا حجته من جنس حجة المشركين الذين قالوا فيما ذكره الله عنهم في غير مقام في القرآن: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، فهذا هو معنى إسقاط الشرع بالقدر، أي: أنهم قالوا: إن الله هو الذي كتب علينا الشرك، وقدره علينا، وسبق هذا القضاء والقدر قبل أن يخلق الخلق، فهل أن الله كتب عليهم الشرك وقدره، وعلم أنهم سيشركون، هذا صحيح؛ لكنهم جعلوا هذا العلم المسبق وهذه الإرادة والمشيئة والكتابة السابقة جعلوها حجة لهم على الله؛ وقد سمى الله هذا الاستدلال من المشركين في كتابه كذباً، قال الله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام:١٤٨]، والتكذيب هنا يراد به أحد أمرين: - إما أن هذه الحجة لا تعد حجة بل هي كذب. - وإما أن هذا هو طريق تكذيب من كان قبلهم. وعلى المعنيين فإن هذه الحجة إما أن تكون كذباً مطابقاً أو متضمناً، أو مستلزماً للكذب. ووجه كونها كذباً؛ لأنها خلاف ما في نفوسهم، وفيها هوى. وقد يقول قائل: لعلها حجة قد اقتنعوا بها؟ والصواب ليس كذلك، بل هي خلاف ما في نفوسهم من جهة أنهم يعلمون أن القدر والمشيئة في قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] مختصة بسائر أحوالهم لا بشركهم فقط، فكما أن شركهم بقدر وبمشيئة الله وعلمه، فكذلك أكلهم وشربهم ونكاحهم وتوارثهم، وقتالهم وقتلهم .. إلى آخر أمورهم. ولا بد أن يعلم أن من أقر بالقدر من المشركين أقروا به في الجملة، لا على التحقيق والتفصيل، فإن التحقيق والتفصيل دائماً لا يقع إلا لأتباع الأنبياء. مسألة: الإقرار بالقدر هل يراد به في مسائل الشرائع؟ أم في سائر أفعال العباد خيرها وشرها؟ أم يختص في مسائل التكليف والتشريع؟ أم أن القدر يعم جميع أفعال العبد؟ الجواب: إن القدر يعم جميع أفعال العباد، ولذلك من جعل القدر حجة على ما يريد لا يسلم له ذلك، كمن جعل القدر حجة على ترك التوحيد، كما هي حجة المشركين، أو حتى على ترك بعض الشرع، كما هي حجة بعض العصاة، مما يزينه الشيطان لهم يقال له: لمَ لم تصلِّ؟ فيقول: هذا قدر الله. ويقال للسارق: لم سرقت؟ فيقول: إن الله قدر عليَّ ذلك. فقوله: "إن الله كتب عليَّ ذلك قبل أن أخلق"، صحيح أنه كتب على هذا السارق أنه سيسرق، وعلم قبل خلقه أنه سيسرق، والنبي ﷺ يقول: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض ...) إلخ، ولكن الغلط في كونه جعل القدر السابق حجة على ترك الشرع. فإن من يعرض له هذا في بعض الواجبات من عصاة المسلمين، لو قيل له: إن فلاناً قتل ابنك، وأنه لا يحق لك أن تجازيه أو تعاقبه على قتله؛ لأن قتله لابنك كان قدراً، كان بين أحد أمرين: إما أن يسلم أن هذا قدر ولا يجازيه، وإما العكس فيكون من باب القناعة في النفس أن القدر ليس حجة لأحد، فإذا كان القدر ليس حجة للقائل في قتل القتيل، فكيف يكون القدر حجة للعاصي على ترك أمر ربه. ولهذا يقول الإمام ابن تيمية ﵀: (إن الاحتجاج بالقدر لم يذهب إليه عند التحقيق واحد -ليست طائفة- من العقلاء) لماذا؟ لأن الشخص لو احتج بالقدر وطبقه باطراد ربما يكون عند الناس أبلغ ممن هو في درجة الجنون، حتى المجنون لا يرضى بهذا؛ لأنه يلزمه أمور كثيرة، من يضربه يلزم أن يقر بالضرب؛ لأن الضارب إنما ضرب قدراً، ويلزمه أن من قتل ولده لا يجازيه؛ لأن القتل كان قدراً، وأن من سرق ماله لا يجازيه؛ لأن من سرق ماله إنما سرق قدراً، وهلم جراً، فلا تجد شيئاً إلا وهو داخل في القدر. إذاً: إذا كان القدر ليس حجة للعباد بعضهم على بعض، فمن المتعذر عقلاً أن يكون القدر حجة لأحد من العباد على الله. قاعدة: ما من أصل من الأصول تقرر ثبوته إلا وثبوته بالشرع والعقل، وما من معنىً تقرر نفيه بالضرورة الشرعية إلا ويعلم نفيه بالعقل، لكن دلائل الشرع في الجملة هي على قدر من التفصيل، بخلاف دلائل العقل فقد يلحقها في كثير من المقامات قدر من الإجمال. فمثلاً: مسألة الاحتجاج بالقدر هي حجة داحضة، وليست بشيء لا عقلاً ولا شرعاً، ويلزم من ذلك: أن يكون عذاب المشركين والجهاد من المسلمين للمشركين، وغير ذلك من الأحكام الكونية والشرعية .. يلزم على هذا أن تكون ظلماً، والله منزه عن ذلك.

стр. 82

المقصود بإقامة الحجة على الخلق قال الموفق ﵀: [بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]]. الحجة قامت بالرسل والقرآن، وفي كتاب الله تقرير كثير في كون الحجة إنما تكون بالرسل عليهم الصلاة والسلام، ولهذا من لم يدرك رسالة ولا نبوة، وانطمست عليه المعالم؛ فهذا يفوض أمره إلى الله، كأهل الفترة الذين ماتوا قبل بعثة النبي ﷺ ولم يدركوا توحيداً صريحاً ولا شريعة صحيحة، ولا يقال: إنهم في الجنة أو النار، بل يقال: إن مردهم إلى الله تعالى، ولا يشكل على ذلك ما ثبت في الصحيح أن رجلاً قال: (يا رسول الله! أين أبي؟ قال: في النار، فلما ولى قال: إن أبي وأباك في النار)، فهذا الحديث فيه أن أباه ﵊ في النار، مع أنه توفي في الفترة، فهل هذا يدل على أن سائر من كان حاله كحال أبي النبي ومن كان في الفترة يكون في النار؟ الجواب: لا، هذا قياس فاسد، بل الصواب: أن هذا خبر مختص بأبي الرسول ﷺ ، وأما بقية أهل الفترة فإنه لا يلزم فيهم ذلك، بل أمرهم إلى الله، مع أنهم كانوا في حقيقة حالهم يرتكبون الشرك الأكبر، لكن لا يقال: إنهم في النار؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥]، ويقول: ﴿لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، فالرسل لا بد من قيام حجتهم، ولا تقوم الحجة -كما يقرره بعض المتأخرين- بالفطرة السابقة المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]، أو بالعقل؛ مع أن الفطرة والعقل يدلان على التوحيد والإيمان، لكن حجة الله لا تقوم على العباد إلا بالرسالة.

стр. 83

أسباب الخلاف في العذر بالجهل وهنا مسألة وهي: استعمال الأسماء في القرآن، ودلالتها على المقصود، ويتفرع عنها: هل الجهل حجة أم ليس بحجة؟ الجواب: هذا فيه تفصيل، وكما يقرر ابن تيمية ﵀: "أن جمهور الأسماء أصبحت عند المتأخرين مجملة، وصار يراد بها أكثر من معنى". من يقول: إن الجهل ليس عذراً أو ما إلى ذلك. ما دليله؟ الجواب: دليله أن ينظر في مواضع من كتاب الله فيجد أن الله وصف الكفار الذين توعدهم بالنار والعذاب والخلود في النار، مع أنه وصفهم بالجهل، كقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]، فيقول بعض من يقرر هذه المسائل: إن هؤلاء وافوا ربهم بالكفر وعلى هذا الشرك، فدخلوا النار، مما يدل على أنهم ما عقلوا ولا انضبط سمعهم، فتكون نتيجة مثل هذا النظر في كلام الله: أن الكفار حكم الله عليهم بالخلود في النار مع أنهم جاهلون، وليسوا على عقل وسمع حقيقي أو تام للقرآن. وهذا غلط في الفهم، وليس الذي يراد بآيات الكتاب هذا المعنى. ونجد في الطرف الآخر من المسألة من يبالغ في تقرير مسألة الحجة، وأن الكفر لا بد له من كذا وكذا، ثم يضع شروطاً متكلفة في ثبوت الكفر، ويستدل في مقابل القول الأول بأن الله وصف الكفار بالجهل وعدم العقل، وأن ثمة آيات من كتاب الله فيها وصف الكفار بالمعرفة التي تقابل الجهل، كقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، وقال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]. وهنا يقع نوع من التردد عند من يجمع المقامين، إلا أن من ينظر إلى المسألة من زاوية واحدة ولا يتصور السياق الثاني. إذا قيل له: ما حكم أهل الفترة؟ يقول: في النار. فيقال: لكن ما بلغتهم الحجة؟ فيقول: لا، الحجة الفطرة السابقة، والعقل، ولا يلزم العلم. فيقال: متى تقوم الحجة على الإنسان؟ فيقول: بمجرد أن يسمع آية من القرآن ولا يسلم بها فإنه تقوم عليه بها الحجة. فيقال: هل يلزم المعنى؟ فيقول: لا يلزم؛ لأن النبي ﷺ بمجرد أن يسمع العرب منه آية من القرآن أو دعوة واحدة كان يكفيهم سواء عقلوا أو لا. فيقال: هذا تخرص، ما معنى أن القرآن حجة على الناس؟ وما معنى أنه بينات من الهدى والفرقان؟ وأن العرب كانوا يدركون جملة أن الدعوة تدعو إلى توحيد الله؛ ولذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [ص:٥]؟ فيقال جواباً لهذا: هم كانوا مدركين ومتصورين له على التمام، فهم قبل البعثة كانوا إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فكان هدف النبوة أو مقصودها واضحاً أمامهم، دعك من كونهم لم يتصوروا جملة الشرائع وما إلى ذلك، لكن مقصود الديانة الأول الذي به يحصل الدخول في الإسلام كان مقصوداً واضحاً، وهو أن الله هو الواحد المعبود، وهم يفهمون هذا ويطبقونه أحياناً إذا ركبوا في الفلك. يقول ابن المنذر: "إن النبي ﷺ خاطب العرب بالإسلام ولم يسأل من عقل ومن لم يعقل، وكان يقاتل الكفار وهو لم يتأكد هل قامت عليهم الحجة أو لم تقم عليهم الحجة". ومسألة قيام الحجة ليس معناها أنك تتكلم مع كل شخص وحده: هل قامت عليه الحجة أو لم تقم؟ فالمعنى الذي يراد في سائر النبوات والشرائع: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فهذا هو المقصود ذكره، وهو متحقق عند جملة الكفار الذين بعث فيهم الرسل، ولكنهم كذبوا به ولم يأتمروا بأمره. إذاً .. مسألة العلم أصل في ثبوت الإيمان، وكما أن العلم يكون أصلاً في ثبوت الإيمان فإنه لا بد من اعتباره في ثبوت الكفر، كما ينبغي أن تعلم أن الأسماء في كتاب الله فيها تنوع بحسب السياق، ولا يجوز قطع الآيات عن سياقها، وكذلك لا بد من اعتبار القدر المراد في مراد الله ورسوله بالأسماء وبين مراد أهل الاصطلاح الذي قد يكون وجهاً في اللغة لكن اللغة تجيزه ولا توجبه، مثل الجهل ماذا يراد به في كتاب الله؟

стр. 84

حقيقة الجهل في كتاب الله الجهل يراد به أكثر من وجه، فأحياناً يكون الجهل عدم معرفة العلم الإدراكي، كشخص حديث عهد بالإسلام لا يعرف أن صيام عاشوراء مشروع، فهذا تسميه فوات علم الإدراك لا القبول. وأحياناً يراد بالجهل في كتاب الله -وهو الغالب على مسائل الكفر والإيمان والمخالفة- فوات علم القبول، ألا ترى أن الله يقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧] فالسياق هنا من جهة بلاغة اللغة فيه قصر وحصر بـ: (إنما)، فالله قصر التوبة على من يعمل السوء بجهالة، ومفهوم هذا السياق أن من لم يعمل السوء بجهالة لا يتاب عليه، والمفهوم ليس له وجود. لأنه لا يمكن أن يوجد شخص يعمل السوء إلا وهو يعمله بجهالة؛ خصوصاً إذا فسرنا الجهالة بفوات علم القبول، ولهذا قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا: [كل من عصى الله فهو جاهل]، أي: كل من ترك الائتمار بالعلم الذي عرفه فقد سمي جاهلاً؛ لأن العلم النظري له لوازم، وإذا عدم اللازم عدم الملزوم. تقول مثلاً: العلم في تحريم السرقة له لازم شرعي وهو الكف عن السرقة، فإذا ما سرق وهو يقول: إني أعلم أن السرقة حرام ترك اللازم، وفوات اللازم يستلزم فوات الملزوم، ولهذا يصح أن يسمى جاهلاً، ولهذا فإن العلم في كلام الله يراد به تارة علم القبول، وتارة يراد به علم الإدراك والمعرفة واليقين كذلك، ولهذا لما قال الله عن اليهود: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، هذا علم إدراك. وهنا قاعدة: كل علم أو معرفة أو يقين وصف به جنس من الكفار فيراد به علم الإدراك، وكل علم ذكر في القرآن أو السنة مضافاً إلى المؤمنين فهو علم القبول. ولهذا جاء في صحيح مسلم وغيره عن عثمان أن النبي ﷺ : (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) وهذا الحديث عام يخصصه حديث ابن مسعود: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) وحديث أبي أمامة الحارثي: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة)، فنحن إذا وضعنا هذه السياقات أمام سياق: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)، هل يقال: الوعيد يراد به التغليظ وليس الحقيقة؟ أو يقال -كقول المتأخرين-: هذا له شروط، فإذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع حصل الوعد؟ الجواب: لا. بل أحاديث الوعد على ظاهرها، وأحاديث الوعيد على ظاهرها، لكنها تحتاج إلى تأمل لطيف من جهة اللغة، ولهذا لم يقع هذا الإشكال لصحابي واحد؛ لأنهم كانوا يفقهون اللغة، ويدركون مراد صاحب الشريعة. فقوله ﵊: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)، جملة (وهو يعلم) حالية .. لكن قد يرد إشكال وهو أن صاحب الكبيرة قال الله فيه: (بِجَهَالَةٍ) إذاً: اجتمع له مقام من العلم ومقام من الجهل، فإذا كان بمعصيته جاهلاً يكون علمه ناقصاً؛ فإذا نقص علمه تأخر ثوابه بحسب النقص، وقد يعذب وقد لا يعذب، ولكنه يؤخر عن الجنة .. إلخ. إذاً .. معنى الحديث أنه قد يعذب إذا ما قصر في العلم، لكن لا بد أن يعلم أنه لا يوجد في الشريعة من يحقق هذا العلم ثم يدخل النار، ومثل هذا قول النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) فإن معناه: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، لكن عندما يزول أثرها عن القلب إما بالتوبة، أو بحسنات ماحية، عندها يدخل الجنة. يقول ابن تيمية: "لما قال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة) كان لفظه واضحاً ولا يحتاج إلى تأويل، أي: أنه إذا دخل الجنة لا يدخل وفي قلبه أثر ذنب من الذنوب التي سماها الشارع، وما زال الأثر إلا بسبب توبة، أو زال بحسنات ماحية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، أو زال بالشفاعة .. إلى غير ذلك من المكفرات".

стр. 85

مسألة تكفير الكبائر بالحسنات الكبيرة الحسنات الكبيرة كالحج والجهاد تكفر الكبيرة اطراداً والتوبة الخاصة تكفر الكبائر عروضاً، وفي هذا الحديث: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) والحديث متفق عليه. وكثير من المتأخرين يرون هذا في الصغائر، وهذا ليس بصحيح، ومن يحكي إجماع السلف على ذلك فقد غلط كما نبه على ذلك الإمام ابن تيمية ﵀. نعم! السلف أجمعوا على أن لا يقال: إن الحسنات تطرد بتكفير الكبائر، لقول النبي ﷺ : (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة .. كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر) وهذا ليس مشكلاً ودليلاً على أن الصلاة لا تكفر الكبائر؛ لأن الرسول ﷺ هنا التكفير المطرد، وهذا الحديث هو الذي أشكل على أكثر المتأخرين، وفسروا حديث: (من حج فلم يرفث ...) أنه في الصغائر، وأن النبي ﷺ قال: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه ...) في الصغائر، وقول النبي ﷺ لـ عمرو بن العاص: (الهجرة تهدم ما كان قبلها) في الصغائر، و: (الحج يهدم ما كان قبله) في الصغائر، بل الله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، يقولون: في الصغائر. من أين هذا؟ ومن زعم أن هذا إجماع السلف فقد غلط، إنما السلف أجمعوا على أن التكفير المطرد يكون بالتوبة، وأما التكفير العارض فيكون بأسباب كثيرة، ومنها: الحسنات؛ كالصلاة والجهاد والحج إلخ. وأما قوله: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما) فالشارع هنا يذكر التكفير المطرد؛ لأنه يقول: كفارة لما بينهما، هل قال: لبعضها، أو قال: لما قد يعرض؟ أو قد تكفر؟ إنما قال: (كفارة لما بينهما)، وهذا تكفير مطرد عام للصغائر ولا شك، لكن هل يمنع أن الصلاة تكفر كبيرة من الكبائر؟ لا يمنع ذلك، وليس في القرآن ولا السنة نفي ذلك، بل في الكتاب والسنة تقرير ذلك، كما في الصحيح عن عمرو بن العاص لما أتى يبايع الرسول ﷺ بسط يده، قال عمرو: (فقبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟! قال: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قال: أن يغفر لي) فهل كان عمرو بن العاص يسأل عن مغفرة الصغائر أم كان يسأل عن تكفير الجرائر الكبرى؟ وهل كان في قاموس الجاهليين مسألة الصغائر والكبائر، وهل كان عمرو بن العاص يقتنع أن الإسلام يكفر الشرك والكبائر، ولم يبق إلا الصغائر لذا أراد أن يشترط تكفيرها؟! لا. بل قال ﵊: (يا عمرو! أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله) الإسلام هو التوحيد، لكنه قال بعد ذلك ﵊ بعد ذلك: (الهجرة تهدم ما كان قبلها، والحج يهدم ما كان قبله) هذا كلام على الحقيقة، ومن قال من المتأخرين: هذا طمأنة لنفس عمرو فهو مخطئ على الشارع، إذ كيف يكون طمأنة لنفس عمرو وهو لا حقيقة له؟ بل هو طمأنة لنفس عمرو مع كونه على الحقيقة. أما المتأخرون في الغالب فإنهم يشتغلون بفرضيات نظرية لا وجود لها في الخارج، فلو حقق الحج أركان الإسلام بصدق ظاهراً وباطناً هل هو من أصحاب الكبائر؟ لا. يستحيل أن يوجد مثل هذا في الواقع، فالنبي ﷺ تكلم عن قراءة الخوارج، وقال: (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم)، مع أنه قال: (وقراءتهم خير من قراءتكم) أي: من جهة الأحوال الظاهرة التي قد يراها الناس، وقال: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم)، ومع ذلك فإن الأعظم والأضبط في الإيمان وتحقيقه هم الصحابة ﵃، فصلاة الصحابة وصيامهم وقراءتهم هي المحققة والمؤثرة، فقضية الاعتبار بالظواهر تتمثل في أهل البدع، فهو يحسن الصلاة، أو الحج، إلا أنه يأتي الكبائر. فالتحقيق تحقيق في الظاهر وتحقيق في الباطن، وتحقيق الباطن معناه ثبوت أمرين: الأمر الأول: متابعة السنة، وصاحب البدعة ليس على سنة في كثير من أفعاله. الأمر الثاني: الإخلاص لله، وهذا هو العمل الحسن المذكور في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢]، أي: يكون خالصاً صواباً، ظاهراً وباطناً، ولذلك يقول الله في القرآن: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]؛ لأن من حققها نهته. فهذه المعاني يجب أن تفقه في القرآن، لأن القرآن يصدق بعضه بعضاً، والسنة كذلك، وكل حديث نطق به الرسول فهو على ظاهره، لكن يحتاج إلى قدر من التأمل والاعتبار، وأما فرض ظهور التعارض كثيراً في كلام الرسول كما هو دارج على ألسنة كثير من المتأخرين فلا. والأصل في هذا: أن من أشكل عليه بعض الأحاديث فعليه الرجوع إلى المجتهدين فيسأل عنها، أما أن تصنف أحاديث كثيرة، ويقال: ظاهرها التعارض كأحاديث الوعد والوعيد. فهذه من بدع المبتدعين، فالأحاديث ليس ظاهرها التعارض لا ظاهراً ولا باطناً، ولذلك تجد نوعاً من الأحاديث سماها أئمة السنة من المتقدمين: هذا ظاهره التعارض، نعم! قد تشكل على بعض المجتهدين، فيكون ظاهر الأحاديث عنده هو فقط، لكن أن تقرر للمسلمين أن أحاديث كذا وكذا ظاهرها التعارض، وأن كل مسلم يفترض أن يؤمن بهذه الحقيقة، هذا غير صحيح، الأصل أنه لا يوجد تعارض بين حديث وحديث أو آية وحديث، لكن من عرض له هذا التعارض فلا يجعل هذا سنة في الأحاديث.

стр. 86

امتناع الجبر حساً وشرعاً قال الموفق ﵀: [ونعلم أن الله ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة]. هذا مدرك بالحس، فمن يقع في معصية يشعر أنه مجبور عليها، أليس للإنسان حساً فلا يفعل فعلاً سواء كان خيراً أو شراً، طاعة أو معصية، عادةً أو عبادة، إلا وهو يشعر أنه ممكن أن يفعل وممكن أن لا يفعل. إذاً: الجبر أمر ممتنع في الحس، وإذا تأمل الإنسان ذلك الحس وجد أنه ليس هناك أحد مجبور، بل الله من حكمته ولطفه أن جعل القدرة والإرادة إذا عدمت سقط التكليف .. بل لو نقصت القدرة والإرادة نقص التكليف؛ فالمميز من الصبيان الذي لم يبلغ مع أنه قادر وله إرادة، لكن قدرته وإرادته لم تستتم فإنه لا يكلف. إذاً: مسألة الجبر ممتنعة بالعقل، ولا يمكن أن يتبادر إلى عقل الإنسان أنه مجبور، بل كل إنسان يرى من نفسه أنه يقدر على الفعل والترك سواء بسواء، وإنما هي شبهة من إبليس زينها للبعض كما زينها للمشركين ولكثير من الفساق في بعض المعاصي، فهي حجة شيطانية، ولذلك فإنها ترد في ترك الطاعات فقط لا في فعل المعاصي، فلم يقل الشيطان له يوماً من الدهر: أنت مجبور على الخير وترك الشر مع أنها ممكنة.

стр. 87

الجمع بين كون الفعل مخلوقاً لله وكسباً للعبد قال الموفق ﵀: [قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]؛ فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً]. للعبد فعل وكسب، قال الله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، والتعبير بلفظ الكسب لا بأس به، لكنه ينهى عنه إن اقتصر على أفعال العباد فقط؛ لأن هذا يكون فيه مشاركة لمذهب الأشاعرة الذين يقولون: أفعال العباد كسب لهم، ثم يفسرون الكسب تفسيراً جبرياً في الغالب، وأما مجرد التسمية لأفعال العباد بأنها كسب لهم ضمن مجموعة أسماء فهذا لا ينكر، ومن غلَّط الموفق ﵀ وقال: "إن من أغلاطه أنه قال: إن للعبد فعلاً وكسباً وهذا من كلام الأشاعرة، نقول له: هذا غير صحيح؛ ففي كتاب الله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، إنما الغلط أن يقتصر على لفظ الكسب في تسمية أفعال العباد، والموفق ﵀ إنما أراد بها مرادها الشرعي، أي: من اكتسابه وتحصيله وليس من إجبار الله للعباد أو من إكراهه لهم. هذا استعمال لا بأس به؛ لأنه مخالف للأشاعرة حيث يقولون: إن العبد ليس له فعل على الحقيقة وإنما له كسب، فلما جمع المصنف الاسمين دل على أنه ينفي استعمال الأشاعرة. قال الموفق ﵀: [يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره]. قوله: (وهو واقع) أي: أفعاله وكسبه واقعة بقضاء الله وقدره.

стр. 88

شرح لمعة الاعتقاد [١٠] يعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا أصل من أصول الدين عند أهل السنة، وقد خالفهم في ذلك بعض الفرق الضالة، كالخوارج والمعتزلة ومن وافقهم من طوائف الشيعة، وهؤلاء هم الوعيدية، وخالفهم كذلك المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، وهم في ذلك طوائف ودرجات.

стр. 89

عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان

стр. 90

أركان الإيمان قال الموفق ﵀: [والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان]. القول في مسمى الإيمان هو أول أصل حصل فيه نزاع بين أهل القبلة، والمراد بأهل القبلة؛ هم السواد من المسلمين من أهل السنة أو غيرهم. وهذا الخلاف ظهر في خلافة علي بن أبي طالب، لما أظهر الخوارج القول بأن مرتكب الكبيرة كافر، وأنه مخلد في النار، وهذا مبني على قولهم الباطل في مسمى الإيمان. وأئمة السلف ﵏ أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل، وإنما اختلفت ألفاظهم وحروفهم، فالجمهور من أئمة السلف قالوا: الإيمان قول وعمل، وبعضهم قال: الإيمان قول وفعل، كما عبر بذلك البخاري في الرواية المشهورة عنه في صحيحه .. ومنهم من عبر بأن الإيمان: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، كما هو التعبير الذي ذكره المصنف، وهو قول الشافعي وجماعة من السلف، وهذا التعبير الثالث هو المشهور في كلام المتأخرين من أهل السنة. ومن التعابير السلفية أيضاً ما ذكره بعض عباد السلف ونساكهم؛ كـ سهل بن عبد الله التستري أنه قال: "الإيمان قول وعمل ونية واتباع للسنة". وهذه التعابير السلفية وغيرها هل الخلاف بينها لفظي، أم خلاف تنوع، أم خلاف تضاد؟ نقول: الاختلاف بينها لفظي والخلاف اللفظي تكون فيه المعاني من جهة مراد أصحاب الألفاظ معانٍ واحدة لا فرق بينها، ولا اختصاص لواحد منها عن الآخر، أما خلاف التنوع فلا تكون المعاني يصدِّق بعضها بعضاً، ولكن بينها اختصاص، كأسماء الله ، فهي متعددة: السميع، البصير، العزيز، الحكيم فتجد أن كل اسم يختص بمعنى لم يذكر في الآخر بنفس الدرجة، وإن كان قد يكون لازماً في الاسم الآخر .. وهلم جراً. إذاً .. تعابير السلف في مسمى الإيمان الاختلاف بينها لفظي محض. فإذا قيل: أي هذه التعابير أجمع وأحكم من جهة التعبير؟ قيل: أحكمها ما عبر به جمهورهم، وهو قولهم: الإيمان قول وعمل؛ وهذه الجملة أحكم من التعبير الذي ذكره الموفق ﵀. لأن فيها إبانة لتضمن العمل للظاهر والباطن، والقول الظاهر والباطن، كما أن فيها إشارةً إلى التلازم بين الظاهر والباطن، فإن العبارة التي ذكرها المصنف هي الصحيحة، لكن حين يقال: الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان. فإن هذا يُفهم منه أن الجنان -الذي هو القلب- ليس فيه إلا الاعتقاد، وأن الأعمال هي أعمال الجوارح، مع أنك تعلم أن الأعمال القلبية في الجملة أجل وأعظم من أعمال الجوارح الظاهرة التي أعمال الأركان. والمتكلمون من السلف يقصدون دخول أعمال القلب في الإيمان، لكن هذا التعبير فيه اختصار، ولذلك نقول: إن التعبير الذي يقول: الإيمان قول وعمل أتم وأحسن، وهو الذي عبر به جمهور السلف. لكن قد يقول قائل: إن هذا التعبير ليس فيه ذكر للاعتقاد. نقول: لما قال السلف: الإيمان قول وعمل. أرادوا بالقول: قول القلب وقول اللسان، وأرادوا بالعمل: عمل القلب وعمل الجوارح. أما قول القلب: فهو كل تصديق شرعي أخبر الله أو رسوله ﷺ به. وقول اللسان: النطق بالشهادتين وغيرها مما يكون باللسان. وعمل القلب: هو حركته بهذا التصديق بأعماله المناسبة له، مثل: المحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل وغير ذلك. وعمل الجوارح: كالصلاة والطواف بالبيت، والحج إلى غير ذلك من الأعمال الظاهرة. والأعمال القلبية ثبوتها في النفس من جنس ثبوت الأعمال الظاهرة، فإن كل عاقل يدرك ما في قلبه من المحبة أو الخوف أو الرجاء أو التعظيم أو الإنابة أو الاستعانة أو غير ذلك من أعمال القلوب، بل إن ثبوت أعمال القلوب أخص من ثبوت أعمال الجوارح؛ ولذلك ليس هناك في الشريعة عمل واحد من أعمال الجوارح إلا وهو مبني على عمل القلب، فإذا تجرد أي عمل ما من أعمال الجوارح الشرعي عن القلب تصديقاً وعملاً لا يصير عملاً شرعياً، فقد يكون نفاقاً كالمنافق إذا أظهر الصلاة وليس في قلبه التصديق، وقد تكون صورته صورة العمل الشرعي وهو ليس شرعياً، كشخص اغتسل من الجنابة أو لغسل الجمعة أو نحو ذلك مما شرع الغسل له كدخول مكة، فإذا اغتسل على قصد التقرب، قيل: غسله عبادة مشروعة، وإذا اغتسل تبرداً أو تنظفاً فهذا ليس من العبادات المقصودة لذاتها. إذاً: عمل القلب أثبت من أعمال الجوارح، وذلك لأنه لا يمكن أن يوجد عمل من أعمال الجوارح إلا وهو مبني على عمل القلب وتصديقه، فهذا التعبير الذي عليه الجمهور من السلف هو الصواب من جهة إحكام الألفاظ، وإلا فمعاني السلف كلها متفقة.

стр. 91

زيادة الإيمان ونقصانه قال الموفق ﵀: [يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان]. هذا التعبير (يزيد وينقص) اختلف كلام السلف فيه اختلافاً لفظياً. منهم من يقول: يزيد وينقص. وهذا هو الذي عبر به جمهورهم. ومنهم من يقول: إن الإيمان يتفاضل، وهذا تعبير عبد الله بن المبارك وجماعة من السلف. ومنهم من يقول: إنه يزيد، ويسكت عن لفظ النقصان، وهو أحد أجوبة مالك، وإلا فعن مالك جواب بالتصريح بلفظ الزيادة والنقصان، ولذلك نرى طائفة من المالكية وبعض من تكلم عن مذهب مالك في الإيمان من المرجئة وبعض أهل السنة المتأخرين ولا سيما الشراح قالوا: إن مالكاً في إحدى الروايتين عنه يذهب إلى زيادة الإيمان، ولكنه لا يقول بنقصانه، ثم منهم من يقول: إنه ينفي نقص الإيمان، ومنهم من يقول: إنه يتوقف في نقص الإيمان، وكلا الفهمين لقول مالك غلط، فإن مالكاً ﵀ إنما توقف في لفظ النقصان؛ لأن لفظ النقصان لم ينطق به القرآن، إنما في القرآن ذكر زيادة الإيمان وليس فيه ذكر نقصه، والتوقف في اللفظ لا يستلزم التوقف في المعنى؛ فضلاً عن نفي معناه. فمن هنا قال مالك ﵀ في بعض جواباته قطعاً لشبهة المرجئة وغيرهم الإيمان: يزيد. ومن أقر بالزيادة لزمه أن يقر بالنقصان، ولهذا إذا قلت: ما دليل السلف على نقص الإيمان؟ قيل: الأدلة على زيادته؛ ولهذا سئل الإمام أحمد: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعم. قيل: أين هو في كتاب الله؟ فذكر الآيات التي فيها ذكر زيادته، قيل: ونقصه؟ قال: كما يزيد ينقص، أي: إذا سلم بزيادته لزم ضرورةً عقلية أنه ينقص، فهذا من فقه الإمام مالك ﵀. ومن التعبيرات الشائعة عند المتأخرين أنهم يقولون: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو في الغالب يرتبط بالتعبير الذي يقول: الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان إلخ. وأتم هذه التعبيرات من يقول: يزيد وينقص؛ وذلك لأنك أعدت الزيادة والنقصان على جميع موارد الإيمان، بخلاف ما إذا عبرت بكلمة (يتفاضل) فإنها أقل في التحصيل والتفصيل من عبارة (يزيد وينقص)، وإن كانت صحيحة لكنْ فيها إجمال، وعبارة: (يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) صحيحة، لكن قد يتبادر منها أن زيادة الإيمان ونقصانه متعلق بأعمال الجوارح، وهذا ليس صحيحاً، بل الإيمان يزيد وينقص في سائر موارده، وإن كان يُقصد بالطاعة: الظاهرة والباطنة، لكن الناس غالباً يتبادر إلى ذهنهم الطاعات الظاهرة والمعاصي الظاهرة، ولذلك يُقال: يزيد وينقص؛ ليبين أن هذا شمول وعموم؛ وإلا فلا شك أن التعبير بأن الإيمان يزيد بالطاعة تعبير صحيح. ودليل القول بزيادة الإيمان ونقصانه: الكتاب والسنة والإجماع، وما من أصل من أصول السلف إلا ودليله الكتاب والسنة والإجماع. أما المخالفون لقول السلف في هذه المسألة فهم على قسمين: القسم الأول: الوعيدية من الخوارج والمعتزلة ومن يشاركهم من بعض طوائف الشيعة الذين تأثروا بقول المعتزلة وذهبوا إلى طريقتهم من الزيدية، هؤلاء يقولون: إن الإيمان قول وعمل، وهو عندهم لا يزيد ولا ينقص، فمن ترك واجباً من واجبات الإيمان فقد عدم الإيمان، وإذا عدم الإيمان يسمونه إما كافراً كما تقول الخوارج، وإما فاسقاً قد عدم الإيمان، وأخذ منزلة الفسق المطلق كما هي طريقة المعتزلة. وقول الوعيدية لا شك أنه قول غلاة المسلمين، وهم الخوارج الذين أخبر النبي ﷺ بشأنهم، وقولهم بدعة وضلالة وخروج عن السنة والهدى. القسم الثاني: المرجئة، والإرجاء هو مسلك في الإيمان؛ وكل من سلك مادة هذا المسلك سمي من المرجئة، وقد قال أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين: "إن المرجئة ثنتا عشرة فرقة، منهم الغلاة، ومنهم دون ذلك". فغلاة المرجئة هم الجهمية الذين يقولون: الإيمان هو العلم والمعرفة، وأخف المرجئة إرجاءً هم من يسمون بمرجئة الفقهاء. إذاً: بقية الأقوال في الإيمان كلها بدع وضلال، وأصحابها ليسوا من العارفين بالسنة ولا من أهلها، وإنما هم من أئمة البدعة والضلالة، باستثناء القول الذي يوصف بأنه قول مرجئة الفقهاء، هذا هو القول الذي نحتاج أن نقف معه. مرجئة الفقهاء: هم قوم من علماء السنة والجماعة من أهل الكوفة، كانوا على عناية بالفقه أكثر من عنايتهم بالحديث والأثر وذلك لما صاحب حال الكوفة في ذلك الزمان من اشتهار الفقه وعدم اشتهار الرواية، فكانت الرواية في بعض الأمصار العراقية والشامية والحجازية أكثر مما وقع لأهل الكوفة؛ ولهذا غلب على أئمة الكوفة القياس والفقه والرأي. والمقصود: أن طائفة من علماء أهل السنة والجماعة غلطوا في هذه المسألة، وقالوا: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وأعمال الجوارح لا تسمى إيماناً، فهم لا يدخلون أعمال الجوارح في مسمى الإيمان، ولهم نتائج أخرى في قولهم، لكن هذا هو أخص ما ذهبوا إليه. والذي ابتدع هذا القول هو حماد بن أبي سليمان، وقد كان من كبار فقهاء الكوفة، ومن علماء أهل السنة والجماعة، ولكنه أخطأ في هذه المسألة وخالف غيره من السلف، بل وخالف شيوخ الكوفة من قبله، وخالف شيخه إبراهيم النخعي، الذي كان شديداً على الإرجاء والمرجئة، وأشهر من تقلد هذا المذهب بعد حماد هو الإمام أبو حنيفة النعمان صاحب المذهب المعروف، فبتقلد أبي حنيفة لقول حماد اشتهر هذا القول؛ لكثرة أصحاب أبي حنيفة وشيوعهم فيما بعد. إذاً: قول مرجئة الفقهاء هو إخراج الأعمال الظاهرة عن مسمى الإيمان، لكنهم يجعلونها براً وتقوىً وطاعة إلى غير ذلك، فهم يسمونها إسلاماً، لكنهم لا يجعلونها داخلة في مسمى الإيمان، ويحتجون ببعض الدلائل التي يأتي التنبيه إليها، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧] فقالوا: إن الله فرق بين الإيمان والعمل إلى نحو ذلك من استدلالاتهم. ومرجئة الفقهاء لم يطعنوا في أحاديث الصحابة كما تطعن الخوارج، ولم يستدلوا بعلم الكلام كما يستدل به المرجئة الغالية كـ الجهم بن صفوان وأمثاله، بل كان استدلالهم من جنس استدلال السلف، كما أنهم لم يعرفوا ببدعة أخرى. وقولهم هذا لا يسمى اجتهاداً مما يسوغ فيه الاجتهاد بل هو بدعة مخالف للإجماع؛ وشيخ الإسلام ابن تيمية له سياقان في هذه المسألة: فتارة يقول: والجمهور من السلف يقولون: الإيمان قول وعمل، وخالف في ذلك حماد بن أبي سليمان ومن وافقه من فقهاء الكوفة، وبهذا السياق عند ابن تيمية قد يفهم البعض أنه قول الجمهور. وهناك سياق آخر يقول فيه: وقد أجمع السلف على أن الإيمان قول وعمل، وحكى هذا الإجماع غير واحد كـ وكيع وعبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد والشافعي إلخ. وليس بين سياقي كلام شيخ الإسلام شيء من التعارض؛ لأننا إذا أردنا تقرير دليل السلف على قولهم: الإيمان قول وعمل، وأن أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان، قيل: دليلهم الكتاب والسنة والإجماع. أما حماد بن أبي سليمان ومن وافقه فهم مخصومون بالإجماع قبلهم؛ من الصحابة ثم التابعين إلخ، وقبل حماد ليس هناك اختلاف بين أهل السنة، وحكاية إجماع السلف لا تستلزم أن حماداً ليس من أهل السنة؟ فـ شيخ الإسلام ﵀ إذا أراد تقرير الدليل على قول السلف قال: وهو إجماع عند السلف، وإذا أراد بيان حقيقة حماد ومن معه ومقامهم عند أهل السنة قال: إنه قول الجمهور؛ فليس بين كلام شيخ الإسلام ﵀ شيء من التعارض. وبدعة حماد ليست من بدع العقائد المغلظة، وإنما هي من بدع الأقوال والأفعال، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، فالسلف عدوا قوله بدعة وذموه ذماً شديداً على قوله، وذموا مقالته، لكنهم لم يخرجوا حماداً ومن وافقه من دائرة السنة والجماعة بهذا القول. وهذا من فقه السلف، وبه تعرف أن من زل في بدعة ما قد لا يخرج من دائرة أهل السنة، وأحياناً قد تكون بدعةً يسيرة، وأحياناً قد تكون بدعة فعلية وبدعة قولية؛ بمعنى أن لا تقارن أبداً ببدعة من أخرج العمل عن مسمى الإيمان، ومع ذلك تجد من يتعجل ويصف من خالف في هذه البدعة المعينة -التي ليست بقدر بدعة حماد - مباشرة بخروجه من دائرة أهل السنة، ويصفه بأنه من أرباب البدعة، ومن دعاة الضلال، ويشنع عليه، والسلف ﵏ ذموا حماداً ومقالته، لكن بقي لهم بقية أنهم يجعلونه من أئمة السنة والجماعة وإن كان قوله بدعة.

стр. 92

مسميات الإيمان في الكتاب والسنة قال الموفق ﵀: [قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] فجعل عبادة الله تعالى، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة كله من الدين]. قد يقول قائل: إن هذه الآية ليس فيها ذكر لاسم الإيمان، وإنما فيها ذكر لاسم الدين. قيل: هذه الآية كثر استدلال السلف بها على مسمى الإيمان؛ وذلك من جهة أن الدين إذا أطلق يراد به الإيمان، ومن الممتنع أن يكون الدين تمامه ليس بتمام الإيمان. وهذه الآية إنما ذكروها؛ لأن فيها ذكراً لإخلاص القلب، وذكراً للأعمال الظاهرة والباطنة، ومن هنا يقال: إن استدلال السلف ﵏ -في سائر مسائل أصول الدين عامة، وفي هذا الأصل بوجه خاص -هو من باب التنوع في الاستدلال؛ ولهذا فإن ذكر اسم الإيمان في الكتاب والسنة هو ذكر متعدد من جهة السياقات ومرادات المعاني. قال شيخ الإسلام ﵀: "الاسم الواحد يثبت وينفى بحسب السياق المقارن له، قال: والإيمان استعمل مطلقاً واستعمل مقيداً". مثلاً: قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] وبعدها أوصاف ظاهرة وباطنة، كما وصف الله المؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] وهذا عمل القلب، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً﴾ [الأنفال:٢] أي: زادتهم تصديقاً في القلب، وزادتهم إيماناً في أعمالهم أيضاً، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] وهذا في القلب .. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣] وهذه هي أعمال الجوارح. إذاً: قد يذكر الله الإيمان ويدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، والأقوال الظاهرة والباطنة، وهذا الإيمان المطلق في كتاب الله هو الإيمان الواجب. وأحياناً يذكر اسم الإيمان على التصديق اللازم للدخول في الدين، وإن كان صاحبه مقصراً في الزكاة أو الصلاة أو في كثير من الواجبات، ومع ذلك يذكر هذا الاسم؛ كقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ولا يراد بالرقبة المؤمنة هنا الذي ذكره الله في أول سورة (المؤمنون)، أنه لا بد أن يكون خاشعاً، معرضاً عن الجهل إلخ. ولو كان المعتَق فاسقاً فإنه يصح عتقه بالإجماع، مع أن الله يقول: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: محققة لأصل الإيمان، وإن كانت قد تكون مقصرةً في واجباته التي لا تخالف أو لا تسقط أصلاً. وهذه قاعدة مهمة في معرفة الأسماء؛ لأن غلط الغالطين حتى من أهل السنة المتأخرين والمعاصرين في مسائل التكفير وغيرها، تراهم يجدون استعمالاً في كتاب الله فيجعلونه مطرداً عاماً، مع أن ثمة استعمالات في القرآن قد تعارض هذا الاستعمال في الظاهر، والصواب: أنه ليس بين القرآن تعارض أبداً، ولا يمكن أن يكون ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] فيمتنع أن يكون فيه اختلاف وهو كلامه . كما أنك تجد ذلك في كلام الرسول ﷺ ، ففي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال: (قسم النبي ﷺ قسماً -أي: مالاً- فقلت: يا رسول الله! أعط فلاناً فإنه مؤمن قال: أو مسلم. أقولها ثلاثاً ويردها علي ثلاثاً: أو مسلم، ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار) فالنبي ﷺ منع سعداً أن يسمي هذا الرجل مؤمناً، مع أن الرجل عنده أصل الإيمان، وإلا لما زكاه سعد. وفي قصة الجارية حين قال لها النبي ﷺ : (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة) فالنبي ﷺ سمى الجارية مؤمنة، مع أن الجارية إنما أجابت جوابين: أن الله في السماء، وأن محمداً رسول الله، والرجل الذي زكاه سعد يؤمن بأن الله في السماء، وأن محمداً رسول الله، ولو كان لا يؤمن برسول الله ولا يؤمن بأن الله في السماء، فلا يجوز أن يسمى مسلماً. إذاً: الذي جعل الرسول ﵊ يمنع سعداً من إطلاق اسم الإيمان على هذا الرجل، وقد أعطاه الجارية، يقال: إن إيمانها أقل من إيمان الرجل الذي ذكره سعد، فإن ظاهر الحال أن هذا الرجل كان من القاصدين إلى الخير والمعروفين به حتى زكاه سعد ولم يزك غيره، ولأن المقام في قصة سعد مقام ثناء ومدح، وإذا ذكر الثناء والمدح فلا يُثنى ولا يمدح إلا من بان استمامه لواجبات الإيمان، وإذا ذكر مقام الأحكام الدنيوية كالعتق والميراث والولاية ونحو ذلك فإن ذلك الشخص يسمى مؤمناً. ولهذا فإن كل من كان مسلماً حقاً فإنه لا بد أن يكون مؤمناً، فإن الناس أحد ثلاثة: إما مؤمن ظاهراً وباطناً، وإما كافر ظاهراً وباطناً، وإما المنافق المسلم في الظاهر والكافر في الباطن، والله يقول: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] فهم إذا أسلموا حقاً لا بد أن يكون معهم أصل الإيمان؛ لأنهم إن عدموا الإيمان كفروا. إذاً: لماذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] وقال: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]؟ لأن الأعراب قالوا هذا من باب التزكية، والثناء، والإيمان كتحقيق ليس سهلاً، ليس كل من قال الإسلام وصدق به يكون محققاً للإيمان، فإن الدين طبقات ودرجات؛ ولذلك فإن كل شخص من المسلمين مهما كثرت جرائره وكبائره وعظائمه مادام أن معه أصل التوحيد والإسلام يسمى مسلماً، ويسمى فاسقاً لما معه من الفسق، وهل يسمى مؤمناً أو لا يسمى؟ قيل: فيه تفصيل ففي مقام الدعوة والمخاطبة بالحق يسمى مسلماً، وفي مقام أحكام الدنيا كالزواج والمواريث والعتاق ونحوها يسمى مؤمناً، ولا غضاضة في ذلك؛ لأن معه أصل الإيمان، أما ما يقرره بعض متأخري أهل السنة حين يقولون: الفاسق صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمناً بحال .. فهذا غلط، بل يجوز تسميته مؤمناً في مقامات، ألا ترون أن الله يقول في القرآن: (يأيها الذين آمنوا) كثيراً، يخاطب به سائر المسلمين من بر وفاجر، ولما ذكر الله الاصطفاء العام قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢] المصطفون من هم؟ قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]. وعليه: إذا قيل: أصحاب الكبائر أيُّ الأسماء هي الأصل فيهم؟ نقول: العصاة من أهل الكبائر الأصل فيهم أنهم يسمون مسلمين، وهذا هو الغالب على المسلمين، وإلا يلزم على هذا أن يفسق جماهير المسلمين؛ لأنه لا يسلم أحد من ارتكاب كبيرة، ولذلك فإنما الله سمى عباده والذين يتبعون أنبياءه سماهم مسلمين كما قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] فالإسلام هو اسم أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، سواءً كانوا أهل كبائر أو غير أهل كبائر، ولكن إذا أريد ذكر كبيرته أو إسقاط ما أوجبت الشريعة إسقاطه كإسقاط ولاية بعض العصاة، قيل: هذا سقطت ولايته لكونه فاسقاً، وهو لا يتناسب أن تقول: سقطت ولايته لكونه مسلماً؛ لأنه تضاد في الترتيب. فإذاً: إذا أريد بيان ما عند الرجل من المعصية بأن اقتضت المصلحة والسياق ذلك سمي فاسقاً، وإذا اقتضت المصلحة والسياق في مقامٍ آخر سمي مؤمناً؛ وإذا أريد الأصل العام في التسمية قيل: الأصل العام هو الإسلام، ولذلك ما يتداوله البعض كثيراً: الفساق .. والفساق، فهذا ليس عدلاً، ولا انضباطاً على السنن والآثار المذكورة في كتاب الله، وأنت لا ترى في كتاب الله ذكر الفسق في الغالب إلا ويراد به الكفر، وإن كان أحياناً يستعمل في ما دون ذلك، كقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات:٦] فسمي فاسقاً لأن المقام يستدعيه؛ ولهذا لو أن شخصاً كذب على شخص وأراد الآخر تنزيه نفسه أو تنزيه غيره عن هذا الكذب يقول لمن حدث بهذا الكلام: الذي جاءك بهذا الكلام رجل فاسق، وهذا المقام مناسب، أما أنه لا يُعرف إلا بهذا الاسم فهذا ليس بصحيح، بل العدل والسنة أنه يسمى مسلماً؛ لأن هذا هو الأصل فيه؛ ولأن ما عنده من الحسنات أعظم مما عنده من السيئات قطعاً، ولأن حسنة التوحيد أجل من سائر ما عنده من السيئات والمعاصي. فعليه: يكون اسم الإيمان يستعمل في مقام، والفسق في مقام، والإسلام في مقام هو الأصل فيه.

стр. 93

شعب الإيمان قال الموفق ﵀: [وقال رسول الله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فجعل القول والعمل من الإيمان]. هذا الحديث يعتبر من أشرف الدلائل عند السلف على مسألة الإيمان، وأصله في الصحيحين، وهو بهذا السياق رواه مسلم في صحيحه، وقد رواه البخاري مجملاً: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة)، وفسره مسلم في هذه الرواية، قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان). من خصائص هذا الحديث مسائل: المسألة الأولى: أن الحديث فيه بيان لكون الإيمان متعلقاً بالقلب واللسان والجوارح، فإنه قال: (فأعلاها قول لا إله إلا الله) وهذا دليل على أن الإيمان يكون باللسان خلافاً لغلاة المرجئة، وفي قوله: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فيه بيان لكون الإيمان يتعلق بأعمال الجوارح، (والحياء شعبة من شعب الإيمان) فيه دليل على أن أعمال القلوب تدخل في مسمى الإيمان. المسألة الثانية: فيه أن سائر الأعمال المشروعة تدخل في مسمى الإيمان، سواء كانت واجبة أو ركناً أو مستحبة، فإن إماطة الأذى عن الطريق ليست من الواجبات في سائر المقامات، ومع ذلك جعلها الشارع من شعب الإيمان. المسألة الثالثة: أن هذا الحديث يمنع التأويل فيه؛ لأن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) فدل على أن كل ما سماه النبي ﷺ في هذا فهو إيمان على الحقيقة ليس من باب المجاز، لأنه قال: (والإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون) على اختلاف الرواية، فدل على أن هذه الشعب كل واحد منها يسمى إيماناً ولا بد، وإذا دخلت الأعمال المستحبة باسم الإيمان فمن باب أولى دخول الواجبات والفرائض الكبرى.

стр. 94

أصل الإيمان وكماله قال الموفق ﵀: [وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [التوبة:١٢٤]، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً﴾ [الفتح:٤]]. هذه أدلة على زيادة الإيمان، وأن الله ذكر زيادة الإيمان في كتابه ذكراً محكماً، والإيمان يزيد من جهة التصديق، ويزيد من جهة أعمال القلوب، ويزيد من جهة أقوال اللسان، ويزيد من جهة أعمال الجوارح، فالإيمان في سائر هذه الموارد يزيد وينقص، وهذا يدلك على أن الإيمان له أصل وكمال وأصله: ما يقع به الدخول في الدين. فإذا قيل: ما معنى نفي الشارع للإيمان؟ قيل: نفي الإيمان عن شخص مسلم يكون سببه أنه ليس محققاً لواجبات الإيمان المطلق، فإن من لم يحقق واجبات الإيمان المطلق المذكورة في قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] .. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] إلى آخر الآيات، فإن اسم الإيمان ينفى عنه حال فعله للكبيرة أو حال ذكر التزكية له. والله في كتابه قد نفى اسم الإيمان لمن معه أصل الإيمان وهو من المسلمين في أحد مقامين: إما أن يكون المقام نفياً للتزكية؛ كقوله الله تعالى: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] فهم أرادوا أن يسووا بالمهاجرين والأنصار، والقوم في الغالب على أقل من هذا، فقال الله: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا) أي: لم تؤمنوا الإيمان المطلق الواجب، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] أي: لم يتحقق؛ لأن الإيمان إذا تحقق بالقلب تحقق في أعمال الجوارح الظاهرة. إذاً: ينفي الله أو رسوله ﵊ اسم الإيمان عن قوم ذكروا التزكية وهم ليسوا من أهل تحقيقها، أو ينفي الإيمان عن صاحب كبيرة أثناء إصراره على كبيرته وقبل توبته منها، مثل قول النبي ﷺ في الصحيحين عن أبي هريرة: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه بها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن). وهنا لم النبي يرد ﵊ أنه تجرد من الإيمان كله، حتى من قال من بعض المتأخرين على هذا الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) أنه عند الزنا يعدم الإيمان، ثم إذا انتهى من الزنا أو من كبيرته أو من سرقته رجع إليه الإيمان، هذا قول فهمه غلط من كلام أبي هريرة وابن عباس، وهما لم يردا أنه حال الزنا يعدم الإيمان، ثم يرجع الإيمان إليه، هذا كجدل عقلي -أيضاً- ممتنع، ويلزم عليه أنه لو مات حال شرب الخمر أو حال السرقة يكون كافراً، ويلزمه أن يكون خرج من الإسلام إلى الكفر ثم رجع إليه، وهذا لم يرد عن أحد من الصحابة. والشاهد من الحديث: أن النبي ﷺ لم يرد نفي أصل الإيمان، والدليل على ذلك من السنة حديث أبي ذر في الصحيحين، قال: (أتيت النبي ﷺ وهو نائم عليه ثوب أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا هو وأني رسول الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة -وفي رواية: -إلا حرم الله عليه النار- قال أبو ذر: يا رسول الله! وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق. قال: وإن زنا وإن سرق. قال: وإن زنا وإن سرق. قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر). إن فقه الأسماء الشرعية في القرآن من أجل الفقه، فهو لا يؤخذ مقاماً واحداً، ومن يأخذ مقاماً واحداً فتلك طريقة أهل البدع، فتجد من يقول: الجهل ليس عذراً في التكفير، ويستدل بقول الله تعالى: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] ونقول له: إن الله وصف كل من خالف الرسول بأنه من الجاهلين. وقال في موضع آخر: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] مع أنهم جاهلون، ودخلوا في اسم الجاهلين في الآية الأخرى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] إلخ. إذاً .. لا بد من جمع مقامات القرآن وسياقاته؛ حتى لا يقع تعارض في الفهم بين كلام الله، أو يؤخذ بعضه ويترك بعضه كما صنعت الخوارج والمرجئة، هؤلاء أخذوا أحاديث آيات وأحاديث الوعيد، وهؤلاء على العكس.

стр. 95

أهل الكبائر لا يخلدون في النار قال الموفق ﵀: [وقال رسول الله ﷺ : (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذُرة أو خردلة أو ذَرة من الإيمان) فجعله متفاضلاً]. هذا الحديث متواتر الرواية عن جماعة من الصحابة أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وهذا دليل على أن الإيمان له كمال وله أصل، وأنه يزيد وينقص، وهو دليل على أن سائر أهل الكبائر لا يخلدون في النار وأن معهم أصل الإيمان ولا بد.

стр. 96

مسألة الاستثناء في الإيمان الاستثناء في الإيمان، وهو قول الرجل: هو مؤمن إن شاء الله، وهذه المسألة ليست من مسائل الأصول عند السلف، ولكن بعض أهل البدع تكلم فيها على مبنى أقوالهم البدعية، فهنا يقال: إن قولهم بدعة. إذاً .. هل السنة الاستثناء في الإيمان، أم عدم الاستثناء؟ قيل: هذا بحسب المراد والمقام، فمن قصد أنه مؤمن -أي: محقق للإيمان- فلا بد أن يقول: إن شاء الله؛ لأن تحقيق الإيمان لا يجوز لأحد الجزم به، ولا يجوز لأحد أن يزكي نفسه أنه حقق الإيمان تحقيقاً كاملاً. وكذلك إذا أريد الخاتمة، فإنه يُستثنى في الإيمان؛ لأن الإنسان لا يدري بماذا يختم له. فإذا أريدت هذه المرادات فيكون السنة ذكر الاستثناء، وأما إذا أريد أصل الإيمان فإن ذكر الاستثناء لا يلزم؛ ولهذا إذا قال شخص عن فلان: هذا الرجل مؤمن. لا يلزمك أن تقول: قل: إن شاء الله؛ لأنك إنما تتكلم عن أصل الإيمان، وأصل الإيمان يجزم به. والصواب أنه يجوز تقييده بالمشيئة، ومشيئة الله تعالى لا تعني التردد، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح:٢٧] مع أن دخولهم كان متحققاً. إذاً: تعليق الأمر بمشيئة الله لا يلزم منه التردد، ومسألة الاستثناء في الإيمان تكون بحسب المقام والمراد، فتجوز في مقام، وتجب في مقام، وتمنع في مقام، فهي مسألة واسعة على هذه المرادات، ومن هنا تنوع جواب السلف فيها ﵏.

стр. 97

الفرق بين الإسلام والإيمان لا شك أن اسم الإيمان أشرف وأعظم وأجل من اسم الإسلام، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وقول النبي ﷺ ( أو مسلم ...) إلى غير ذلك، فدل على أن الإيمان أعلى وأتم. ومع ذلك فإن كل مؤمن يكون مسلماً، ولكن هل كل مسلم يكون مؤمناً؟ نقول: هذا فيه تفصيل؛ فإن أريد أصل الإيمان فنعم، وإن أريد تمامه فلا يلزم؛ فالإسلام المطلق هو الإيمان المطلق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] .. ﴿هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ﴾ [الحج:٧٨] وفي قول الله تعالى عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]. أما من قال: اسم الإسلام أشرف أو مساوٍ لاسم الإيمان لقول الله عن إبراهيم: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) ولم يقل: مؤمنين، فهذا غلط في الفهم؛ فإن قوله: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) الإسلام هنا هو الإسلام المطلق، وإذا ذكر الاسم المطلق فليس هو الإسلام المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] الإسلام المطلق هو الإيمان. إذاً .. اسم الإيمان يكون مطلقاً ويكون مختصاً أو مقيداً؛ وكذلك اسم الإسلام، يكون مطلقاً كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ويكون مختصاً أو مقيداً كقول تعالى: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا). وهذان الاسمان هما من أسماء الديانة، ولكن اسم الإيمان أتم، قال بعض المتأخرين: إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، وهذا ليس بمطرد ولا لازم.

стр. 98

شرح لمعة الاعتقاد [١١] من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر، فيجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ عن اليوم الآخر وما يتعلق به، كالقبر وعذابه ونعيمه، وكالبعث والنشور، والحساب والجزاء، والجنة والنار، ونحو ذلك، وهذه الأمور من الغيبيات التي لا مجال للاجتهاد فيها؛ بل يجب الإيمان والتسليم بما جاء عن النبي ﷺ فيها.

стр. 99

مسائل في الإيمان باليوم الآخر قال الموفق ﵀: [ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ ، وصح به النقل عنه فيما شاهدناه، أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه]. كلام المصنف هنا يتعلق بما يسمى عند المتأخرين بالسمعيات، فإنهم إذا ذكروا مسائل اليوم الآخر وما يتعلق بالمغيبات سموا هذا القسم بالمسائل السمعية، وهذه التسمية مستعملة في كلام متكلمة أهل الإثبات، والصفاتية المنتسبين للسنة كالأشاعرة وأمثالهم، وهذه التسمية مستعملة أيضاً في كلام بعض أهل السنة المتأخرين، وأما المتقدمين من السلف فإنهم لم يخصوا هذا الباب بهذه التسمية، فإن هذه التسمية أحسن ما يقال فيها: إنها مما يتوسع في شأنه إذا بيّن المراد به على وجه صحيح، وإلا فإن هذه التسمية ليست مقصودةً لذاتها، ولا ينبغي القصد إليها، لأن القصد إليها ليس من التحقيق لذكر أصول السلف أو فصولهم في مسائل أصول الدين، بل التحقيق لمذهب السلف إنما يكون بذكر حقائق أقوالهم، المقولة في كلام الله ورسوله ﷺ وما أجمعوا عليه، وإن لم ينطق بمثل هذه التقاسيم التي قد تتضمن مفهوماً، وإن لم يكن مراداً إلا أنه قد يكون مشكلاً على كثير من الخاصة والعامة. وهي تشابه تلك التقاسيم المقولة في باب الأسماء والصفات، فإنك تجد في كلام المتأخرين أن الصفات تنقسم إلى: ذاتية وفعلية، أو إلى صفات اختيارية وخبرية وما إلى ذلك. إذاً: تسمية ما يتعلق بالمغيبات واليوم الآخر وأمثال ذلك بالسمعيات هي تسمية متأخرة، وهذا أحسن ما يقال فيها، وإلا فجميع أصول الدين معلومة بالسمع: (الكتاب والسنة). وإذا قيل: إن جملة الأصول يُعلم قدرها الكلي وبعض مقاماتها التفصيلية بالعقل، وأن هذا باب خبري محض فهذا ليس على اطراده، فإن دلائل العقل قد تذكر فيما هو من هذا المقام، فإن الله لما ذكر البعث ذكر له دليلاً من العقل، بمثل قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. فتخصيص هذا الباب بهذا الاسم فيه قدر من التحكم.

стр. 100

حكم الإيمان باليوم الآخر وما يتعلق به قال الموفق ﵀: [يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه]. مراده بذلك: جميع ما جاء ذكره في كلام الله ورسوله ﷺ ، وإنما قال: بكل ما أخبر به النبي ﷺ ، ولم يقل: بما جاء في كلام الله ورسوله .. لأن هذا من باب التجوز في العبارات، وإلا فإذا قيل: يجب الإيمان بما في كتاب الله؛ لزم من ذلك وجوب الإيمان بما جاء عن النبي ﷺ ، ومثله إذا قيل: يجب الإيمان بما جاء به النبي ﷺ ، فإن هذا التعبير يدل من باب اللزوم والضرورة على أنه يجب الإيمان بما أخبر به في كتاب الله . أما ما يتعلق باليوم الآخر؛ فإن النبي ﷺ جعل الإيمان به من أصول الإيمان، كما في حديث جبريل قال ( وتؤمن بالبعث الآخر) وفي رواية أخرى: (وتؤمن بلقائه) أي: بلقاء الله، وهو كثير في كلام الله في القرآن وفي كلام النبي ﷺ . ويراد باليوم الآخر: ما يقع بعد الموت في القبر من الفتنة والسؤال والعذاب والنعيم، وذلك داخل في عموم هذا المقام.

стр. 101

حكم التفقه والاجتهاد في هذا الباب هذا الباب وأمثاله لا يدخله التفقه ويقال فيه بالاجتهاد، فالناظر إلى دلائل الإسلام يجد أن منها ما هو تقرير لكليات من الأصول العلمية، وهذا لا يقال فيه بالتفقه القابل للاجتهاد والظن، واختلاف أقوال المجتهدين وما إلى ذلك، وإنما يوقف فيه على الصريح من الخبر، فما جاء عن الله أو صح عن رسوله ﷺ فإنه يقال به، ويكون الإيمان به واجباً ولازماً. وأما ما كان من المعاني محتملاً؛ فإنه لا ينبغي القصد إلى الجزم به إثباتاً أو نفياً، وإن كان من يثبته أو ينفيه يمكنه أن يستدل على إثباته أو نفيه بنوع من الاستدلال، أي: أن الإثبات والنفي في هذه المقامات لا يكون إلا بدليل صريح، وأما إذا تعذر الدليل الصريح فإنه لا يصار إلى الإثبات أو النفي، فإن المقام هنا ليس مقام الأفعال التكليفية، فأنت إذا جئت إلى مسائل الصلاة والزكاة والحج أو إلى مسائل المعاملات والشهادات ونحوها؛ وجدت هذا النوع من المسائل أحياناً يستدل على مسائله بوجه من الاستدلال ليس لازماً، وإنما هو وجه ممكن محتمل، ومع ذلك فإن هذا النوع من الاستدلال إذا لم يمكن إلا هو فإنه يكون صحيحاً؛ لأن المسألة لا بد فيها من حكم؛ لأنها مسألة تكليفية، فمثلاً: لحم الإبل هل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟ هذه المسألة ليس فيها نصوص صريحة قطعية، وإنما فيها نصوص محتملة، كقول النبي ﷺ في حديث جابر بن سمرة لما قيل له: (يا رسول الله! أنتوضأ من لحم الغنم؟ قال: لا. قيل: أنتوضأ من لحم الإبل؟ قال: نعم) وفي رواية أخرى: (إن شئت)، فهل قوله ﷺ : (نعم). أراد به الوجوب أم الاستحباب؟ هذا محل نزاع بين الفقهاء، فذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة إلى عدم نقض الوضوء بلحم الإبل، وذهب الإمام أحمد ﵀ في أصح الروايتين عنه وهي مذهبه إلى أن لحم الإبل ناقض للوضوء. فالاستدلال بهذا الحديث ليس استدلالاً قطعياً، ولذلك لا بد من الترجيح، ولا يمكن لقائل أن يقول: إن هذه المسألة لا نقول فيها بشيء، لأنه ليس عندنا دليل قاطع فيها، فمسائل التكليف يعتبر فيها التفقه والاجتهاد أخذاً بالعمومات أو الخصوصيات ترجيحاً أو جمعاً، أو غير ذلك من طرق الاستدلال والترجيح. لكن في باب أصول الإيمان والخبريات المحضة، كالإيمان باليوم الآخر ومسائله مما يكون في القبر من عذاب أو نعيم، أو ما بين يدي يوم القيامة كأحاديث عذاب القبر وأشراط الساعة، هذا لا يقال فيه بالتفقه والاجتهاد، بل يوقف فيه على صريح النص، فإذا ثبت صريح النص قيل به، وإذا لم يثبت أو لم يكن صريحاً لزم السكوت. وعلى طالب العلم أن يفقه الأمور المتعلقة بما يكون بين يدي قيام الساعة، فإن النبي ﵌ حدث بأحاديث كثيرة أن بين يدي الساعة فتناً، وذكر جملةً من هذه الفتن على التفصيل، وذكر جملةً منها على الإجمال. وهذه الفتن منها ما هو ثابت بالسنة الصحيحة المتفق عليها أو المستفيضة الصحة عند الأئمة، كأحاديث اتفق عليها الشيخان، أو لم يتفقا عليها، ولكنها أحاديث انضبطت صحتها عند أئمة الحديث .. فهذا قدر. وثمة أحاديث في الفتن التي تكون بين يدي الساعة فيها أوصاف لبعض الأمصار أو لبعض الأعيان من الناس، أو لبعض الأفعال، أو لبعض الأحوال، وتجد أن هذه الأحاديث ليست من الأحاديث البينة صحتها، بل هي إلى الضعف أقرب، وإن كانت قد تقبل التحسين بوجه ما. وهنا إشكال: وهو أن بعض السالكين من طلبة العلم أو الباحثين في مسائل أحاديث الفتن يعنون بجبر هذه الأحاديث وتقويتها، كأنهم يبحثون في مسألة فقهية تكليفية، احتيج إلى تقرير هذا الدليل وإلى جبره فيها مع مجموع أدلة أخرى، فيصير تحت هذا التحصيل الجزم بثبوت مثل هذه الفتن، وأشد من ذلك حين يصار إلى تفصيل تحقيقها، فربما استقرئت بعض الحوادث القائمة أو المستشرفة القيام على أنها هي التي حدَّث بها النبي ﷺ في حديث كذا وحديث كذا، كاستشراف كثير من الناس لأحاديث المهدي وما يتبعها، وما يقارن خروج المهدي من الأحوال والفتن وما إلى ذلك. وهذا ليس من الانضباط السليم في المنهج الشرعي العلمي. وأشد من ذلك حينما تستقرأ الفتن التي بين يدي الساعة من كتب بني إسرائيل التي أحسن ما يقال فيها كما قال الرسول ﵊: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) فالشارع قد بين أن ما في كتبهم لا يصدق ولا يكذب، وإن قال ﵊: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) لكن التحديث ليس هو التصديق وبناء الأحوال أو الأقوال أو الأفعال على مثل هذه النصوص. هذا فضلاً عن أن مراده ﷺ بما في كتب أنبيائهم أو المنسوبة إلى أنبيائهم التي دخلها التحريف، وليس مراده ﷺ بذلك ما كتبه بعض أحبارهم ورهبانهم ورجال الدين عندهم من متأخريهم، فإن كثيراً من هذا الكلام اخترعه وابتدعه بعض متأخري رجال النصرانية واليهودية، وكذبوا على أنبيائهم وعلى أصحابهم المتقدمين في ديانتهم. فهذا الباب لا بد من ضبطه على هذا الاعتبار، ولا ينبغي لطالب العلم أن ينتظر التفصيل في غير ما صرح النص بتفصيله؛ ولهذا يوقف في هذه الأحاديث على قدرها التي ذكرت من التعبير، وأما ما فوق ذلك فإنه لا يقال فيه لا بإثبات ولا بنفي.

стр. 102

الإيمان بمعجزة الإسراء والمعراج قال الموفق ﵀: [مثل حديث الإسراء والمعراج]. الإسراء ذكره الله في كتابه صريحاً، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] وأما المعراج فإنه متضمن الذكر في كلام الله سبحانه، ولكن جاء تفصيله في كلام النبي ﵌ كما في الصحيحين وغيرهما من رواية جماعة من الصحابة كـ أبي ذر، وأبي هريرة، ومالك بن صعصعة وغيرهم. والنبي ﷺ قد أسري به من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، ثم عرج به ﵊ إلى السماء، وكان مسراه يقظةً لا مناماً، وهذا الذي درج عليه أئمة السلف ﵏، وهو الذي حدث به الرسول ﷺ أصحابه، فإن ما كان حديثه ﷺ عن وقوع هذا على سبيل اليقظة. وأما أن هذا -كما يزعم بعض من ينكر ذلك- يخالف العقل فليس بصحيح، بل هذه قدرة الله، والله على كل شيء قدير، ألم تر إلى كلام الله في قصة سليمان عندما قال عفريت من الجن: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩] فكان هذا من قدرات الجن. وهنا قاعدة لا بد للمسلم أياً كان مقامه أن يتفطن لها، وهي: أن العقل لا يعارض النقل، وأما الشبهات التي أثيرت على الإسلام عند الماديين أو الشيوعيين أو بعض المنتسبين للإسلام ممن أبطلوا بعض الحقائق الشرعية باسم العقل أو ما إلى ذلك، فإنه ليس هناك تعارض في مسألة واحدة بين العقل والنقل، ولكن يفرق بين ما يسمى بالضرورة العقلية والضرورة الحسية المعينة، فالضرورة العقلية لا تخالف النقل، لكن الحس المعين قد يقع، ولكن هذا الحس ليس محكماً ولا معتبراً. مثال ذلك: لو قال قائل: كيف يعذب الإنسان أو ينعم في قبره مع أنه مطمور في هذا التراب، فهذا مما يخالف العقل؟ نقول: الصحيح أنه لا يخالف العقل، لكنه يخالف الإدراك الحسي، والإدراك الحسي ليس معتبراً، ولا تقاس به النصوص، وإلا لما أمكن الإيمان بحقائق الأسماء والصفات وغير ذلك؛ لأن الكيف مجهول كما قال السلف. كذلك النائم يرى في منامه نعيماً ويتنعم به، مع أن من يشاهده لا يشاهد أنه تأثر بشيء، وقد يرى هو نفسه في ليلة أخرى أنه يعذب ويتألم بهذا العذاب، وربما قام كريه النفس، متأثر بما مسه من النصب أو العذاب أو ما إلى ذلك في منامه، وهذه أمور مشاهدة عند جملة من بني آدم، فهذا دليل عقلي على إمكان ما يقع في القبر من النعيم والعذاب. ولو أن إنساناً غمر في الماء ساعةً فإنه يموت؛ لأنه لم يستطع التنفس، لكن حيوانات البحر إذا أخرجت من الماء ماتت؛ لأنها لم تستطع التنفس. إن وجود هذا التعاكس يبين أنه ليس هناك ضرورات حسية مطردة، بل إنها إذا انتقلت إلى عالم حس آخر تغيرت، أما الضرورة العقلية فهي ثابتة، وهي لذلك لا تخالف النقل. قال الموفق ﵀: [وكان يقظةً لا مناماً، فإن قريشاً أنكرته وأكبرته ولم تنكر المنامات]. هذا من فقه الاستدلال؛ فإن قريشاً أنكرت معراج النبي ﷺ ، ولو كان مناماً لما أنكرته على التخصيص. قال الموفق ﵀: [ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فرد عليه عينه]. هذا الحديث ثابت في الصحيح، وهنا أراد المصنف أنه يؤمن به على ظاهره، ولا يجوز أن يتكلف فيه بتأويل، كأن يقال: إن هذا كان مناماً، كما فسره بعض المتأخرين من أهل البدع، والصواب: أنه على حقيقته.

стр. 103

شرح لمعة الاعتقاد [١٢] مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر: الإيمان بأشراط الساعة، أي: علاماتها التي تكون قبل قيامها، وهي تنقسم إلى: صغرى وكبرى، فالصغرى تظهر قبل قيام الساعة بوقت طويل، وقد ظهر كثير منها، وأما الكبرى فلا تظهر إلا قرب قيام الساعة، وهي: خروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها.

стр. 104

الإيمان بأشراط الساعة قال الموفق ﵀: [ومن ذلك أشراط الساعة]. التسمية بأشراط الساعة ثابتة في كلام الله ، وقد قسم أهل العلم أشراط الساعة إلى: كبرى وصغرى وهذا تقسيم واسع، ولكنه ليس بالضرورة أن يكون تقسيماً مقصوداً لذاته، فإنه قد يتعذر على كثيرين التمييز بين العلامات الصغرى من العلامات الكبرى، فإذا اعتبروا ذلك بالزمان أشكل، وإذا اعتبروا ذلك بالماهية أشكل ربطه إلخ. فإذا قلت: إن هذه الآيات منها ما هو آيات كبرى، ومنها ما هو آيات دون ذلك، فهذا لا بأس به، وأما التزام التعيين بأن المتقدم هي العلامات الصغرى والمتأخر هي العلامات الكبرى، فهذا ليس صحيحاً، فإنها لا تقاس بالزمان، والنبي ﷺ بعث بين يدي الساعة كما ثبت عنه ذلك في الصحيح، قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، وفي لفظ الترمذي: (بعثت أنا والساعة نستبق، كادت أن تسبقني فسبقتها).

стр. 105

الإيمان بخروج الدجال قال الموفق ﵀: [مثل خروج الدجال]. الدجال: هو كافر من الكفار من ولد آدم، وليس كما يزعم بعض أهل البدع أنه مخلوق مختص، بل هو من ولد آدم جعل الله له هذا المعنى الذي يصير إليه من فتنة الناس. وقد أشكل أمر الدجال في ابتداء الأمر على جملة من الصحابة، واطرد هذا الإشكال على كثير من أهل العلم بخصوص ابن صياد، وقد كان رجلاً من اليهود، حتى أن عمر بن الخطاب ظن أنه هو الدجال، وقد سماه النبي ﷺ كذاباً وأفاكاً، والذي عليه الجمهور وهو الصواب: أن ابن صياد لم يكن هو الدجال المراد بآخر الزمان، وإنما كان منافقاً كذاباً، وقد أظهر الإسلام -كما في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيح- ولكن لم يكن صادق الديانة، بل كان من المنافقين وعلى دين أهل الكتاب.

стр. 106

الإيمان بنزول عيسى ﵇ قال الموفق ﵀: [ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله]. عيسى ﵊ هو من أولي العزم من الرسل، رفعه الله إليه ولم يمت، بل رفع إلى السماء الثانية؛ ولهذا لما عرج بالنبي ﷺ رأى عيسى في السماء الثانية ومعه يحيى بن زكريا، ولهذا قال: أو قال: (رأيت ابني الخالة: عيسى ويحيى). وهذه هي عقيدة المسلمين في عيسى ﵇، خلافاً لعقيدة اليهود والنصارى. هذا النبي الكريم ينزل آخر الزمان بعد خروج الدجال، فيقتل الدجال ويحكم في المسلمين بشريعة محمد ﷺ وسنته، ولقد جاءت قصة نزول عيسى في الصحاح، وفي صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان في سياق طويل ذكر النبي ﷺ فيه الدجال، وأنه يخرج ويمكث في الأرض أربعين يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، وأنه أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية إلى آخر ما ذكره النبي ﷺ في صفة الدجال. فينزل عيسى ﵊ فيتبع الدجال فيقتله في فلسطين، وكان نزول عيسى ﵊ في دمشق كما في حديث النواس بن سمعان قال: (فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهربتين، واضعاً يديه على أجنحة ملكين، كأن رأسه يقطر ماءً، إذا طأطأ رأسه تحدر منه جمان كاللؤلؤ) وقد ذكر النبي ﷺ صفة موسى وعيسى فيما جاء عنه في الصحيحين وغيرهما.

стр. 107

الإيمان بخروج يأجوج ومأجوج قال الموفق ﵀: [وخروج يأجوج ومأجوج]. قيل: إنهم ليسوا من بني آدم، وهذا قول ضعيف، والذي عليه الجمهور أنهم من بني آدم، وهم من أمم الكفر كثيرو النسل، ولهذا قال النبي ﵊ كما في الصحيحين عن أبي سعيد: (يقول الله: يا آدم! أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فاشتد ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، وقالوا: أينا ذلك الرجل؟! قال: أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رجل). وقد اشتغل بعض المتأخرين في تعيينهم، فبعضهم ذكر أنهم أهل الصين، وهذا من التكلف، فليس المقصود أن يعينوا بمقام أو بزمان معين، إنما الذي ينبغي أن يعرف أنهم قوم من بني آدم من الكفار، وهم موجودون، والدليل على وجودهم ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من قوله ﵌: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وأشار إلى السبابة وحلقها). لكن إذا قيل: هؤلاء قوم كثر فأين هم الآن؟ قيل: لا يلزم أنهم قبل ميعاد خروجهم على هذا الحد من الكثرة، فإن خروجهم في آخر الزمان، ولربما أنه في آخر الزمان يهلك كثير من الناس ويكثر هؤلاء القوم ويكثر نسلهم، ثم يكون خروجهم. وإذا قال قائل: نحن الآن في آخر الزمان وليسوا هم الأكثر، إلا إذا فسرناهم بأجناس الكفار من النصارى في أوروبا وأمريكا، كما ذهب إلى ذلك بعض المعاصرين؛ فهذا أيضاً ليس بصحيح، وأقل ما يقال فيه: إنه قول بلا علم، فإن هؤلاء الكفار من النصارى واليهود لا يظهر من النصوص أنهم هم الذين يرادون بذلك. وإذا قيل: هم في آخر الزمان، فأين هم وأين كثرتهم؟ قيل: وما يدريك أنك في آخر الزمان الذي معناه أنك بين يدي سنوات على قيام الساعة أو على خروجهم، أما إذا أريد بآخر الزمان، أن هذا الأمة في آخر الزمان فنبيها يقول: (بعثت أنا والساعة نستبق) فالنبي ﵊ كان في آخر الزمان، أي في أيام الله التي قضاها لعباده في هذه الأرض قبل اليوم الآخر الذي يجمع فيه الناس. ولذلك لا يصح أن يقال: إن الفتن بين أيدينا، وانتظروا خروج الدجال، وانتظروا خروج يأجوج ومأجوج .. وليس المقصود أن نقول: إنها بعيدة، وإنما المقصود أن يقال: الله أعلم، ولا يجوز أن يظن أن الأمور بين يديه، كما لا يجوز أن يظن عكسه، إنما الذي يجب أن يقال: الله أعلم. وقد يقع هذا حتى من بعض أهل العلم، ففي القرن التاسع قال بعضهم: إن بين يديهم المهدي، وظنوا أن المهدي هو الذي يختم القرن العاشر، وأن الأمة لن تتجاوز القرن العاشر، ثم سلفت الأمة بعدهم ما يقارب الخمسة قرون. وأحياناً يصنف بعضهم كتاباً في مثل هذه المسألة الغيبية، مثل من يستدل بحديث ابن عمر الثابت في البخاري وغيره لما قال النبي ﷺ : (أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا إلى نصف النهار، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم أوتينا القرآن إلى غروب الشمس) فبدءوا يقارنون: كم مدة اليهود، وكم مدة النصارى، وكم ما بين العصر وغروب الشمس؟ فتحصل من هذا أن هذه الأمة بقي عليها كذا من السنوات هذا كله من السفسطة والجهل والتعدي على أحكام الله، والساعة لا يعلم موعدها إلا الله . إذاً .. هذه الأمور لا ينبغي أن يتقدم فيها بين يدي الله ورسوله .. هذه جهة. الجهة الثانية: ما الفائدة من هذه الفروضات؟ فمن يسأل عن المهدي: ما الذي هل سيأتي بجديد؟ هذه المسائل ليس عند الناس إلا قال الله، وقال رسوله ﷺ ، وهذا الكتاب محفوظ بحفظ الله له، وكذلك سنة النبي ﷺ من جهة أصلها لا بد أنها محفوظة. فإذاً: الناس ليسوا محتاجين إلى أن ينتظروا أحداً قادماً، وهذه الأمة لم يرد لها الله ولا حتى غيرها من الأمم أنها تنتظر موعوداً، بل انتظار الموعود من البدع التي أدخلت على المسلمين عند بعض طوائفهم، فجاءوا ببدعة الانتظار لبعض أوليائهم وأئمتهم.

стр. 108

الإيمان بخروج الدابة قال الموفق ﵀: [وخروج الدابة]. هي دابة خلقها الله تعالى، وهي من أمارات الساعة الكبرى، تكتب في جبين من أدركته: إما مسلماً أو مؤمناً وإما كافراً، فالناس يهربون منها فيصيرون إليها، ولم يذكر لها النبي ﷺ إلا هذا الاختصاص.

стр. 109

الإيمان بطلوع الشمس من مغربها قال الموفق ﵀: [وطلوع الشمس من مغربها وأشباه ذلك مما صح به النقل]. الشمس تطلع من مشرقها، وإذا جاء ميعادها خرجت من مغربها، وحينئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.

стр. 110

شرح لمعة الاعتقاد [١٣] عذاب القبر ونعيمه حق بإجماع أهل السنة وبصريح الكتاب والسنة، وهو يقع على الجسد والروح، خلافاً لبعض المبتدعة الذين قصروا عذاب القبر ونعيمه على الروح دون الجسد.
следующие страницы →