← Акыда

Акыда · id 37782

شرح القواعد السبع من التدمرية

يوسف الغفيص

Полный текст (320 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأصل الثاني: القول في الصفات كالقول في الذات قال المصنف ﵀: [وهذا يتبين بالأصل الثاني: وهو أن يقال القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات]. هذا هو الأصل الثاني الذي ذكره المصنف ﵀ في الرد على نفاة الصفات، ومجمله: أن من بدهيات العقول عند المسلمين أجمعين؛ بل وعند غير المسلمين ممن يقرون بالرب : أن الله له ذات، وأن ذاته منزهة عن مشابهة الذوات، فيقول المصنف: فمن أثبت ذاتاً لزمه أن يثبت الصفات، ومن أثبت ذاتاً من غير تشبيه لزمه أن يثبت الصفات من غير تشبيه، وأما أن يقال: إن ثمة ذاتاً، لكنها مجردة عن الصفات والفعل، فهذا من باب التناقض، وهو بمعنى قولنا: إن هذا الشيء موجودٌ ومعدوم. فيقول: ما دام أنكم تؤمنون بأن لله تعالى ذاتاً، وأنه سبحانه واجب الوجود القائم بنفسه الغني عما سواه ما دام أنكم تؤمنون بهذه الحقيقة في مقام ذاته ، فهذه الحقيقة متضمنة لإثبات الصفات، ولهذا لا يمكن أن يُقال: إن صفاته هي غيره؛ فإن هذا الاستعمال لما استعمله من استعمله حكم الأئمة بأنه بدعة، والسؤال الذي يقول: هل الصفات غير الذات أم ليست غير الذات؟ فمنهم من يقول: هي غير الذات، ومنهم من يقول: ليست غير الذات، هذا كله من الكلام المجمل المحدث الذي يجب الإعراض عنه؛ بل يقال: إن الله موصوف بصفات الكمال، وهذا من ضرورات العقل. ولذلك فإنه إذا قيل: إن ثمة ممكناً قائماً حياً؛ لزم أن يكون متصفاً بصفات وأفعال تليق به، وإذا جُرد عن صفاته وأفعاله اللائقة به امتنع وجوده؛ لأن من صفاته الحياة، فإذا جرد عن الحياة أصبح ميتاً عدماً، فكذلك ما يتعلق بالذات، وهذا في حق المخلوق، فالخالق من باب أولى. وقد انتقل المصنف من مسألة الذات إلى مسألة الصفات لأن مسألة الذات مسألة لا خلاف فيها؛ فإن جميع المسلمين، بل وغير المسلمين المقرين بربوبية الله يقولون بحقيقة عامة، وهي: (أن الله واجب الوجود، غني عما سواه)، فيقول المصنف: إن هذا المعنى في إثبات الذات يتضمن ضرورة عقلية إثبات الصفة والفعل، أما إذا قيل: لكنه ليس له صفة ولا فعل، فأين وجوب وجوده إذاً؟! وأين أنه غني عما سواه؟! وقوله: (فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذاوت، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات): لأن تجرد الذات عن الصفات تجرد ممتنع في العقل، وإن كان ابن سينا استطال على الحقائق العقلية، أي: ظلمها وكذب عليها، وأطال في السفسطة لما قرر مسألة: أن واجب الوجود يمكن أن تنفك ذاته عن الصفات؛ وذلك لأن ابن سينا ينطلق من أساسيات مذهب أرسطو، ولا نقول بالضرورة: إنه يلتزم كل مذهب أرسطو، لكنه لا شك ينطلق من أساسيات مذهبه. وأرسطو طاليس كان يثبت ما يسميه بالعلة، والعلة إما أن تكون علة غائية أو علة فاعلية، وأرسطو يثبت العلة الغائية ويجردها عن الصفة والفعل، ولذلك لم يجعل الإله -تعالى الله عن ذلك- علة فاعلية؛ لأن أرسطو يدرك أن ثمة تناقضاً بين التجريد عن الصفة والفعل، وبين إثبات الفعل؛ ولذلك قال: إنه علة غائية، ومعنى العلة الغائية: أن الأشياء تنتهي إليها، فإن الأشياء تنقسم إلى: علة ومعلول، والأشياء تنتهي إلى هذه العلة الغائية. لكن إذا قيل لـ أرسطو: هل العلة الأولى أو العلة الغائية عندك هو الخالق؟ فإنه سيقول: لا، ولكنه فاض عنه فيضاً، أو صدر عنه، كما شرحه ابن سينا وأتمه بنظرية الصدور، ونظرية الفيض، والعقول العشرة، والنفوس التسعة، وغير ذلك من السفسطات العقلية. إذاً: هذا المذهب الذي يجرده أرسطو عن الصفة والفعل، هو ينطلق من نظرية لا تؤمن بالرب الخالق للعالم، وإنما يثبت رباً غائياً، أي: تنتهي إليه الأشياء فقط، دون أن يكون له فعل، أو اختصاص، أو إرادة، أو ملكوت، أو ما إلى ذلك، ولا شك أن هذا ليس إثباتاً للربوبية؛ لا عند المسلمين ولا عند المشركين؛ لأن المشركين يقولون كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] وهذا من بداهة العقول والفطر، فالمقصود: أن ثمة تناقضاً بين مسألة التجريد، وبين مسألة إثبات الفاعل الرب الخالق.

стр. 142

جواب من سأل عن كيفية الاستواء على العرش قال المصنف ﵀: [فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له -كما قال ربيعة ومالك وغيرهما-: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه]. قوله: (الاستواء معلوم): أي: معلوم في الكتاب والسنة؛ فإن القرآن الكريم، وكذلك النبي ﷺ قد نطقا بالاستواء، ومعنى ذلك: أنه معلوم اللفظ ومعلوم المعنى، فالاستواء معلوم بالشرع، والشارع -وهو القرآن الكريم وكذلك النبي ﷺ لا يأتي بألفاظ مجردة عن المعاني؛ فإن التكلم بكلام مجرد عن المعنى ممتنع؛ خاصة إذا كان الإنسان يتكلم بكلام منتظم، ويقول: إنه ليس له معنى، فإن هذا ممتنع، ولذلك فإن من يؤمن بالآية يلزمه أن يؤمن بمعناها، أو يلزمه أن يؤمن بمعنى فيها، أياً كان هذا المعنى، وسواء أصاب في تفسيرها أو أخطأ. أما أن يقال: إن الآية موجودة، والمعنى غير موجود، فإن هذا لا يكون، إلا أن يكون اللسان ليس لساناً مناسباً لهذا السامع أو لهذا المتكلم. إذاً: قوله: (الاستواء معلوم) أي: معلوم المعنى، فإن معنى (استوى على العرش)، أي: علا على العرش، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: الرحمن علا على عرشه واستوى استواءً وعلواً يليق بجلاله، لا كما يقول المؤولة: أنه استولى، ولا كما يقول المفوضة: أنه استوى على العرش، ولا نعلم معنى ذلك .. كيف لا يعلمون والله تعالى قد نطق به في كتابه، وقد قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢]! وهذا من تدبر القرآن. وقد وقع في بعض كلام أهل العلم في تفسير الاستواء بالجلوس، وهذا اللفظ غلط، وإن قال به من قال، ولا يعتبر به، ولا يُقال: إنه مذهب للسلف، فإن مذهب السلف تراعى فيه أكثر من جهة: الجهة الأولى: أن الكلمات القرآنية والنبوية دائماً أشرف وأصدق وأتم وأبين من الكلمات التي تكلم بها من تكلم بعدهم، حتى ولو كان المتكلم إماماً عالماً؛ ومن الكلمات القرآنية: الاستواء، والعلو، والفوقية إلخ. الجهة الثانية: أن المذهب لا يرد فيه تفسيران للسلف إلا إذا اضطرب عندهم، أما إذا ورد أن بعضهم قال: (استوى على العرش) أي: جلس على العرش، فإن التعبير لا يكون مناسباً؛ لأن كلمة (جلس) في لسان العرب ليست مرادفة في معناها ومرادها لكلمة (استوى)؛ بل فيها قدر من الزيادة، وقدر من التفصيل الذي لم تنطق به الكلمة القرآنية. وقد يقصد بعض العلماء الذين ينطقون بمثل هذا أحياناً درء التأويل، أي: أنهم يريدون أن يبينوا أننا نحقق الإثبات، فيقعون في قدر من الزيادة؛ إما في اللفظ، وإما في المعنى. وقد نبه ابن تيمية على هذا الأمر، وهذا يقع في هذا العصر أحياناً عند بعض الناس، سواء في مسائل الصفات أو في غيرها، يقول ابن تيمية: "إن بعض المنتسبين للسنة والجماعة، المعظمين لطريق الأئمة، ربما زادوا إما في الحروف وإما في المعاني في مقام الإثبات، من باب التحقيق ودرء التأويل"، وضرب مثلاً لذلك بـ أبي حامد من الحنابلة، يقول: "إنه شديد في الإثبات"، فينبغي لطالب العلم في تقريره للسنة أن يبتعد عن الزيادة، سواء كانت الزيادة في الكلمات أو في المعاني، إلا أن تكون كلمة اقتضاها السياق، وقد سبق معنا أن الكلمات منها ما يجب استعماله، ومنها ما يسوغ استعماله، ومنها ما يرخص استعماله لداعٍ دعا إلى ذلك، ومنها ما يمنع استعماله. والفقه أن يستعمل الإنسان الكلمات الشرعية، ويستعمل في الدرجة الثانية ما يحتاج العامة فيه إلى البيان والإيضاح. وقوله: (والكيف مجهول) أي: يمتنع العلم به، وهذا نفي لإمكان العلم به، وليس نفياً للكيفية نفسها، فإن الصفات لها كيفية، فنزول الله واستواؤه له كيفية، ولكنها مجهولة. وقوله: (والإيمان به واجب)؛ لأنه خبر من أخبار الله في كتابه، فيجب الإيمان به. وقوله: (والسؤال عنه بدعة) أي: عن الكيفية؛ لأنه قول على الله، وسؤال في حق الله بغير علم.

стр. 143

جواب من سأل عن كيفية نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا قال المصنف ﵀: [وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه ونزوله واستوائه، وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟!]. مقصود المصنف: أن من كانت حجته على نفي نزول الرب أن يورد هذا السؤال: كيف ينزل الله إلى السماء الدنيا؟ فإذا لم يُجب بمفصل من العلم وبتقرير يبين كيفية النزول قال بنفيه، يقول: فهذا انطلق من فرضية عقلية خاطئة، وهي أن ثمة تلازماً بين العلم بالمعنى والعلم بالكيفية، وهذا غلط عقلي؛ فإن العلم بالمعنى لا يستلزم العلم بالكيفية عقلاً؛ لأنه لو كان العلم بالشيء يستلزم العلم بكيفيته؛ للزم أن يقال له: إن الله موجود، فسيقول: نعم. فكيف وجود الله؟ والله له ذات فكيف هذه الذات؟ إذاً: ليس ثمة تلازم بين العلم بالمعنى وبين العلم بالكيفية؛ بل إن ثمة انفكاكاً بين العلم بالمعنى وبين العلم بالكيفية، فإنه لا يلزم من علمنا بمعنى نزوله واستوائه أن نعلم الكيفية، كما أنه لا يلزم من علمنا بذاته أن نعلم كيفية ذاته . والعلم بالكيفيات -أي: بكيفيات الصفات- إذا تسلسلت انتهت إلى نتيجة وهي: العلم بكيفية الذات، وهذا ممتنع، فكما أن العلم بكيفية الذات ممتنع؛ فإن العلم بكيفية الصفات ممتنع؛ لأن القول في الصفات فرع عن القول في الذات.

стр. 144

عود لمناقشة من يثبت بعض الصفات دون بعض قال المصنف ﵀: [وإذا كنت تقر بأن له ذاتاً حقيقةً ثابتة في نفس الأمر، مستوجبةً لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره، وكلامه، ونزوله، واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم، وكلامهم ونزولهم واستواؤهم. وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئاً ونفى شيئاً بالعقل، إذا أُلزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته، وطولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا، لم يجد بينهما فرقاً]. قوله: (لم يجد بينهما فرقاً): وذلك كما سبق فيمن يؤول صفة المحبة بالإرادة، فيقال له: ما الفرق بين إرادة الله وإرادة المخلوق؟ ولماذا أثبتَّ الإرادة ونفيت المحبة؟! وهكذا.

стр. 145

لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض قانون مستقيم قال ﵀: [ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض -الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ- قانون مستقيم، فإذا قيل لهم: لم تأولتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جواب صحيح، فهذا تناقضهم في النفي]. لا يوجد عندهم قانون مستقيم، ولذلك مثلاً الذين يثبتون سبع صفات فقط إذا قيل لهم: لماذا أثبتم الصفات السبع وحدها؟ فليس لديهم جواب صحيح، وغاية ما يقول قائلهم: إن هذه الصفات السبع دل عليها العقل، وقد سبق الجواب عن هذا. فيقول المصنف: ليس لهم قانون مستقيم فيما يثبتونه وفيما ينفونه، أي: أن كل ما أثبتوه يرد عليهم ما أورده في مقام النفي.

стр. 146

طريقة النفاة فيما لا يثبتونه من الصفات وقوله: (الذين يوجبون فيما ينفونه إما التفويض، وإما التأويل): الطريقة التي سار عليها المتأخرون من متكلمة الصفاتية: أن ما لا يثبتونه من الصفات يجوزون فيه أحد الوجهين: إما التأويل، وإما التفويض، وهذا المنهج قد ذكره محمد بن عمر الرازي في كتبه وشرحه، فذكر أن النصوص التي ليست على ظاهرها -كما يقول- إما أن تؤول، وإما أن تفوض، قال: "والاشتغال بتأويلها ليس من باب الوجوب، بل هو من باب التبرع". أي: أنه يجوز عنده التأويل ويجوز التفويض.

стр. 147

معنى التفويض ومعنى التفويض: ترك المعنى دون تعليق، وهذا ممتنع، فإن العقل لا بد أن يقدر معنىً إذا سمع الكلام، فإن هناك تلقائية عقلية بين سماع الكلام وبين تقدير المعنى لذلك الكلام، فمثلاً: إذا قال رجل لقوم جالسين: قوموا. فلا يمكن لأحد منهم أن يقول: أنا قررت إرادياً وعقلياً أن لا أفهم هذا الكلام؛ لأن هناك تلقائية في الفهم. إذاً: مسألة التفويض مسألة ممتنعة، إلا أن يكون القارئ أو المستمع لا يفهم اللسان العربي، فهنا لا بأس أن يقول: أنا أعلم أن هذا قرآن، لكني لا أدري ما معناه؛ لأنه لا يفقه اللسان، أما أن يكون ممن يعرف اللسان العربي، فإنه لا بد أن يفهم المعنى بشكل تلقائي. ولذلك فإن المتكلمين الأوائل -كأئمة المعتزلة- لم يتخلصوا من هذا الإشكال بمسألة التفويض، مع أنها أسهل من التأويل؛ لأنهم يدركون أن مسألة التفويض مسألة ممتنعة في العقل، فلا يمكن أن تقرأ كلاماً فصيحاً بيناً وأنت على لسانه ثم تقول: إنه لم تتحرك إرادتك، أو أنه منعت إرادتك العقلية في المعاني أن تحدد أو تدرك معنىً .. هذا كله من الفرضيات الذهنية.

стр. 148

تناقض النفاة في الإثبات قال المصنف ﵀: [وكذلك تناقضهم في الإثبات، فإن من تأول النصوص على معنىً من المعاني التي يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنىً آخر؛ لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه، فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب؛ كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط، ولو فسر ذلك بمفعولاته -وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب- فإنه يلزمه بذلك نظير ما فر منه، فإن الفعل المعقول لا بد أن يقوم أولاً بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب، فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك، فكذلك سائر الصفات]. مراد المصنف أنه إذا فسر النفاة ما ينفونه من الصفات بالمفعول، قيل لهم: والمفعول يستلزم فعلاً، ولذلك فإن هؤلاء الذين يفسرون هذا المقام بهذا التفسير، درج جمهورهم على عدم التفريق بين الفعل وبين المفعول، وهذه المسألة تكلم عنها الإمام البخاري ﵀؛ لأنها من المقدمات التي كان متقدمو المتكلمين يستعملونها في تنظير هذه المسائل في الصفات أو في مسائل القدر؛ ولذلك عني البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) بتنظير هذه المسألة تنظيراً عقلياً، وهي مسألة: الفرق بين الفعل والمفعول، والفرق بين الخلق والمخلوق. وقوله: (فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك، فكذلك سائر الصفات): أي: إن أثبتوه على ما هو معروف في الشاهد، فهذا من باب التشبيه، وإن تجردوا عن ذلك، فهذا الذي يلزم في سائر الصفات.

стр. 149

شرح القواعد السبع من التدمرية [١٢] هناك مثلان ذكرهما شيخ الإسلام في الرد على نفاة الصفات، وهما مثلان عقليان يقودان إلى حقيقة عقلية قطعية، وهي: أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص بين المخلوقات، فبين الخالق والمخلوق من باب أولى، والمثل الأول: هو الجنة وما فيها من النعيم، فإنها تشترك مع بعض ما في الدنيا في الأسماء، من اللذة والنعيم ونحو ذلك، ومع ذلك لم يلزم من هذا الاشتراك مماثلة ما في الجنة لما في الدنيا من النعيم.

стр. 150

المثلان المضروبان في الرد على نفاة الصفات

стр. 151

المثل الأول: الجنة قال المصنف ﵀: [فصل: وأما المثلان المضروبان: فإن الله أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبناً وعسلاً وخمراً وماءً ولحماً وفاكهةً وحريراً وذهباً وفضةً وحوراً وقصوراً، وقد قال ابن عباس ﵄: (ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء)، فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا؛ إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بين واضح]. بعد أن ذكر المصنف ﵀ الأصلين السابقين، انتقل إلى بيان المثلين المضروبين في الرد على نفاة الصفات، وهما مثلان عقليان يقودان إلى ضرورة عقلية قطعية، وهي: أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص بين المخلوقات، فبين الخالق والمخلوق من باب أولى. والمثل الأول هو: الجنة وما فيها من النعيم، فإنها تشترك مع بعض ما في الدنيا في الأسماء؛ من اللذة أو النعيم أو نحو ذلك، فحصل اشتراك في الاسم، وحصل اشتراك في المسمى الكلي الذهني، ولم يلزم من ذلك بعد الإضافة والتخصيص -أي: إذا قلت: خمر الدنيا وخمر الآخرة- لم يلزم أن تكون خمر الدنيا مماثلة أو على حقيقة وماهية خمر الآخرة، ولا الثانية كالأولى. وبهذا المثل يتبين أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص، وهو بين المخلوقات، فبين الخالق والمخلوق من باب أولى، بل بين الخالق والمخلوق يكون ممتنعاً.

стр. 152

افتراق الناس فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر قال المصنف ﵀: [ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق: فالسلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وأن مباينة الله لخلقه أعظم]. وهؤلاء هم الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان، وهذا هو الذي عليه جمهور المسلمين، وهو الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع العلم أن الحقائق في اليوم الآخر تختلف عن الحقائق والصفات في الدنيا، فمن باب أولى أن الصفات في حقه تختلف عن صفات مخلوقاته. قال المصنف ﵀: [والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيراً مما أخبر به من الصفات، مثل طوائف من أهل الكلام: المعتزلة، ومن وافقهم]. علم الكلام منهج تندرج تحته مدارس عدة، ومن أخص مدارسه: المعتزلة، والماتريديه ونحوهم، والمتكلمون لم يشتغلوا بالتأويل في باب اليوم الآخر؛ بل يرون أن اليوم الآخر حق على حقيقته وظاهره ولا يحتاج إلى تأويل، فيقول المصنف: كما أنكم أقررتم باليوم الآخر، مع أن ثمة اشتراكاً ولم يلزم منه مطابقة، فيلزمكم أن تقروا بالصفات من باب أولى. قال المصنف ﵀: [والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا، كالقرامطة الباطنية، والفلاسفة أتباع المشائين، ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر]. هؤلاء ينفون الأمرين جميعاً، وهذه طريقة ابن سينا ومن وافقه من المتفلسفة، ولذلك كتب الرسالة الأرحوية في تأويل المعاد، فإنه يؤويل المعاد تأويلاً روحانياً، ولا يقر بالنعيم ولا بالعذاب، وغيرها من الحقائق البدينة، فهو رجل يميل إلى تقرير مسألة الأرواح في هذا الباب، وأن باب اليوم الآخر باب روحاني وليس من باب الحقائق الجسدية أو الجسمانية المشاهدة على حقيقتها، كما قرر ذلك في الرسالة الأرحوية. وابن رشد يقارب بعض هذا المقام، وإن كان يتهيب من كثير من التصريح، لكنه يشارك في بعض هذه المادة.

стр. 153

تأويل الباطنية للأمر والنهي قال المصنف ﵀: [ثم إن كثيراً منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب، فيجعلون الشرائع المأمور بها، والمحظورات المنهي عنها، لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، كما يتأولون الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وإن صيام شهر رمضان كتمان أسرارهم، وإن حج البيت السفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل صلوات الله عليهم، وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله]. هؤلاء هم الغلاة من الباطنية الذين يسقطون التشريع، فيزيدون على هذا بتأويل أو إسقاط الشرائع أيضاً، وهذا لا يسلكه إلا الغلاة من الباطنية.

стр. 154

حكم عوام الباطينة وغيرهم من الفرق الضالة ومما ينبه إليه: أنه إذا وجد في كتب المقالات -كالملل والنحل للشهرستاني، أو الفصل لـ ابن حزم، أو المقالات للأشعري، أو حتى في كلام شيخ الإسلام ﵀ وغيره- إذا وجد أن هذا يستعمله كذا وكذا من طوائف الباطنية، ووُجد أن بعض الناس في بعض البيئات يضافون إلى طائفة من هذه الطوائف؛ فلا يلزم أن هذا السواد من العامة يقرون بهذه الحقائق الخاصة من المذهب، أو أنهم عارفون أو مدركون أو آخذون بهذه الحقائق الخاصة من المذهب؛ وذلك لأن المذهب الباطني يقوم على مسألة: الخاصة والعامة، وأن الظاهر يعطى للخاصة، والباطن سرٌ مكتوم لا يصل إليه إلا المتدرج في التسلسل المعروف عندهم. وهذا يفيد في مسألة إطلاق الأحكام، فإذا نسب لطائفة أن لها حقائق معينة بعيدة عن الشريعة الإسلامية، فلا يلزم أن كل من انتسب إلى هذه الطائفة يدان بكل هذه الحقائق، مع أن مجرد انتسابه إلى هذه الطائفة، وتعظيمه لها ولشيوخها، يصيبه بقدر من البدعة والضلالة، وهذا لا جدال فيه، إنما الذي يراد تقييده: أن انتساب أحد إلى طائفة معينة قد يكون انتساباً من حيث اللفظ العام، ومن حيث الكليات العامة التي يتداولها عامتهم، ولا يلزم أن يكون ملتزماً بتلك الدقائق التي يرى أئمتهم كتمانها عن العامة، فإذا كانوا يقررون في كتبهم أنها سر مكتوم عن العامة، فلا يجوز أن يُحكم على العامة بها وهم لم يصرحوا بالتدين أو الأخذ بها. فهذا باب يجب فيه الإدراك؛ لأن بعض الناس قد يقول: إن عوام الطائفة الفلانية -مثلاً- كفار خارجون من الملة .. لماذا؟ قال: لأنهم من هذه الطائفة، وهذه الطائفة من عقائدها كذا وكذا. وهنا لا بد أن يتأكد هل هذه العقائد فعلاً موجودة عند العامة، أم أنها سطرت في كتب وأضيفت إلى قوم من غلاتهم أو قوم من خاصتهم؟ فإنه لا يحكم على معين بكفر إلا بعد أن يعلم أن هذا الكفر الذي نسب إلى طائفته موجود عنده، وهو عارف به، وإلا فقد يوجد عند بعض أئمتهم من الغلو ما لا يعرفه هؤلاء العامة، فلا يدان العامة بحكم هذا الرجل. قال المصنف ﵀: [وقد يقولون: إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا صار الرجل من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم، رفعوا عنه الواجبات، وأباحوا له المحظورات]. يبين المصنف ﵀ أن الباطنية إذا وصل الرجل عندهم إلى مرحلة معينة، وصار من عارفيهم ومحققيهم، كشفوا له الباطن، وهذه إشارة من المصنف إلى أن هؤلاء لا يكشفون هذا الباطن في تفسيرهم للشرائع أو ما إلى ذلك للعامة، وعليه فلا يحكم على العامة بهذا الحكم من هذا الوجه، وإن كان لك أن تحكم على العامة بحكم أنهم ينتسبون لبدعة، وأنهم يقولون بكذا، فهذه أحكام أخرى. قال ﵀: [وقد يوجد في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخلُ في بعض هذه المذاهب. وهؤلاء الباطنية الملاحدة أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى]. قوله: (وقد يوجد ...) أي: يوجد في بعض المتصوفة الغلاة قوم يميلون إلى بعض الباطنية. فمثلاً: ابن عربي، المعروف أنه صوفي، ويأتي في درجات الصوفية المتقدمة في الغلو، لكن هناك كثير من المسلمين يعظمون ابن عربي، سواء ممن تصوف على طريقته -طريقة وحدة الوجود- أو ممن كان متصوفاً وليس على طريقته، فهل يلزم أن من يعظم شأن ابن عربي، أو من يدافع عنه أو ينتصر له أو يثني عليه، هل يلزم بالضرورة أن يكون مداناً بالحقائق المفصلة التي يقول بها ابن عربي؟ الجواب: لا. فهذه مسائل لا بد من إدراكها، فمن يقول: أنا على طريقة ابن عربي، لكنه لا يعرف ما هي طريقة ابن عربي، فلا يلزم أن تقول: ما دام أنه ينتسب إلى ابن عربي إذاً يحكم عليه بحكمه، ولذلك فإن بعض أهل العلم الفضلاء ما تجرأ على الكلام في ابن عربي؛ لأنه كان مشتغلاً بعلم الحديث والرواية والرجال، ولما سئل عن ابن عربي رأى أن في كلامه بعض الرمز وبعض الإشارة التي لا يلزم الجزم بظاهرها؛ بل إن ابن تيمية ﵀ ذكر في كلام له في فتاواه: أنه كان في أول طلبه وفي أول إقدامه وسلوكه قال: "كنت أجتمع أنا وإخوة لي نقرأ في كلام ابن عربي في الفتوحات المكية، وكنا نرى في بعض كلامه خيراً وكلاماً حسناً مفيداً في مسائل السلوك"، فالرجل له أحياناً كلام مفيد وصحيح، فهل هذا الكلام الصحيح هو الذي يمثل ابن عربي؟ لا. كما أن الكلام الغلط الذي عند ابن عربي لا يجوز أن ينسب إلى كل من أخذ بشيء من تعظيمه أو ما إلى ذلك. قال المصنف ﵀: [وما يحتج به أهل الإيمان والإثبات على هؤلاء الملاحدة، يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يشرك هؤلاء في بعض إلحادهم، فإذا أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات، كما دل على ذلك الآيات البينات، كان ذلك هو الحق الذي يوافق المنقول والمعقول، ويهدم أساس الإلحاد والضلالات]. يقول المصنف: إن المتكلمين يعارضون المتفلسفة في مسألة اليوم الآخر، ويطالبون المتفلسفة بإثباته على التحقيق، يقول: فهذا مما يمكن أن يقلب عليهم، فإن المتفلسف يمكن أن يقول لهم: وأنتم قد تأولتم باب الصفات!!

стр. 155

ما يجوز وما لا يجوز في حق الله تعالى من الأقيسة قال المصنف ﵀: [والله لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه]. قياس التمثيل: هو قياس الفرع على الأصل، وقياس الشمول: هو القياس الكلي، وقياس التمثيل ينتهي في الحقيقة إلى قياس الشمول، لكن التفريق بينهما هو من باب التقسيمات. فالله سبحانه ينزه عن قياس التمثيل، وينزه عن قياس الشمول، وهو القياس الذي يقود لنتائج كلية، وإنما يستعمل في حقه تعالى المثل الأعلى، وهو ما يسميه بعض المصطلحين: (قياس الأولى)، وقد سبق أن قياس الأولى من الدرجة الثالثة من الكلمات وهي: التي يجوز استعمالها عند الحاجة إليها، أما قبل الحاجة إليها فلا يعبر بها، وإنما يعبر بأن الله له المثل الأعلى، وله الوصف الأعلى .. وما إلى ذلك. وقياس الأولى: هو أن كل كمال اتصف به المخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهو الكمال الإضافي في حق المخلوق، فإن الخالق أولى به. وهذا من قواعد الإثبات العقلية، وذلك كصفة الكلام والسمع والبصر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] وغير ذلك من الآيات. قال المصنف ﵀: [فإذا كان المخلوق منزه عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم]. فكما أن من النقص أن يتصف الرب بصفات المخلوقات، فإن من النقص أن يكون معطلاً عن الصفات، فإذا قلتم: إن هذا التشبيه نقص، قيل: ونفي الصفات أيضاً نقص؛ لأنه تعطيل عن الكمال.

стр. 156

شرح القواعد السبع من التدمرية [١٣] المثل الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام في الرد على نفاة الصفات هو: الورح، فإن الروح متصفة بصفات معلومة، كالحياة والوجود والسمع والبصر، ونحوها، ومع ذلك فإن العقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها؛ لعدم مشاهدتها أو مشاهدة نظيرها، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات، فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته، مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته.

стр. 157

المثل الثاني: الروح قال المصنف ﵀: [وهكذا القول في المثل الثاني: وهو الروح التي فينا، فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تقبض من البدن، وتسل منه كما تسل الشعرة من العجين]. هذا هو المثل الثاني الذين ذكره المصنف في الرد عل النفاة، وهو الروح؛ فإن الروح قد وصفت بصفات وصف الجسد بها على حركته، ومع ذلك لا يلزم أن تكون ماهية صفة الروح كماهية صفة الجسد، فهذا تباين في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص بين مخلوقين، فبين الخالق والمخلوق من باب أولى.

стр. 158

اضطراب الناس في ماهية الروح قال المصنف ﵀: [والناس مضطربون فيها: فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءاً من البدن، أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التي تتردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة، أو المزاج، أو نفس البدن. ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض]. وهذه هي طريقة ابن سينا، وله قصيدة مشهورة في هذا، مطلعها: هبطت إليك من المحل الأرفع ... . فهذه طريقة هؤلاء المتفلسفة: أنهم يعظمون مقام الروح، ويصفونها بما يصفون به واجب الوجود. وفي الجملة: الكلام في الروح جمهوره لا أصل له، إنما الذي يُقر به من مسألة الروح: أنها مخلوقة، وأنها تقوم بالجسد، وأنها تتصف بما وصفها الله به، وأن لها حركة تناسبها، وأنها تقبض ... إلخ. وأما الزيادة على ذلك فإن هذا من باب التكلف، والله تعالى يقول: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] ولذلك فلا ينبغي الزيادة والنظر في مسألة الروح، وليست من المسائل التي عُني الأئمة المتقدمون من الصحابة ومن بعدهم بتفصيلها، وليس ذلك من العلم الشريف -أي: التفصيل فيها- وليست الإحاطة بذلك هو موجب الهداية، أو عدم الإحاطة به هو موجب الضلالة، ولذلك فلو كانت الإحاطة بتفصيل العلم بها هو موجب الهداية لبينه الله لمّا قال لنبيه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥] فعُلم أن عدم العلم بتفصيلها لا يوجب ضلالهم عند الحقيقة إلا أن يكون مكابرة منهم. ومما ينبه إليه: أن ابن القيم ﵀ في كتابه الروح، وإن كان قد رد رداً حسناً على بعض الأقوال الفلسفية وغيرها، إلا أنه توسع في مسألة الروح، وقال أقوالاً تخالف أقوال المتفلسفة، لكن لا يلزم أن تكون هي أيضاً صحيحة، فكثير من المباحث في كتاب الروح لا أرى أن له أهمية أصلاً، ولعله كان الأفضل أن لا يبالغ في هذا التفصيل، إنما يقال: إن الروح هي حقائق عامة، فهي موجودة، وهي مخلوقة من خلق الله، وتتصف بصفات تناسبها إلى غير ذلك من صفاتها، ويذكر ما جاء فيها من نصوص الكتاب والسنة، والحقائق العامة المعروفة بالعقل والحس، أما ما زاد على ذلك من التكلفات، فهذا كله نوع من التخيل ليس إلا.

стр. 159

قول المتفلسفة بأن الروح تعلم الأمور الكلية المطلقة قال المصنف ﵀: [وقد يقولون: إنها لا تدرك الأمور المعينة، والحقائق الموجودة في الخارج، وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة]. وهذا ما يزعمون أنه حق واجب الوجود، تعالى الله عن ذلك! ولذلك يقول ابن سينا: "إن الله يعلم الأشياء علماً كلياً"، وقد نُسب المتفلسفة إلى أنهم ينكرون علم الله بالجزئيات، مع أنه يوجد في كلام ابن سينا أنه يقول: "وواجب الوجود يعلم الأشياء كليها وجزئيها"، ولكن معنى كلامه هذا: أنه يعلم الأشياء كليها وجزئيها بعلم كلي، هذا هو مقصود ابن سينا، وإلا فهو لا ينفي العلم بالجزئيات على المعنى البسيط الذي قد يتبادر للذهن، فهو يقول: إنه يعلم الأشياء كليها وجزئيها، وهذا نص كلامه في التعليقات، والإشارات، والتنبيهات، وفي كتاب الشفاء، وغيرها من كتبه يصرح بأن الله يعلم الكليات والجزئيات، لكنه يقول: إنه بعلم كلي؛ لأنه يمتنع عنده مسألة الفهم والمشيئة، وورود الأفعال، وتعلق الفعل بالمفعول .. وغير ذلك، فهذا كله من باب التحقيق للتجريد عنده، الذي هو التعطيل في حقيقته. قال ﵀: [وقد يقولون: إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة. وربما قالوا: ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، مع تفسيرهم للجسم بما يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها، ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم والممتنع]. وهم يزعمون أن هذا تشريف لها؛ لأن واجب الوجود عندهم كذلك.

стр. 160

وجود الكليات في الأذهان فقط قال المصنف ﵀: [وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل. قالوا: بل هذا ممكن؛ بدليل أن الكليات ممكنة موجودة، وهي غير مشار إليها]. هذه الفلسفة العقلية التي كانت بين أرسطو وبين أفلاطون، وما يسمى بالمثل الأفلاطونية، وهي المسائل الكليات، بمعنى: أن ثمة كلياتٍ مجردة موجودة قائمة في الخارج، والحقيقة أنه لا يوجد في الخارج إلا المعينات، أما الكليات المجردة فليس لها ماهيات قائمة بنفسها موجودة. قال ﵀: [وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان، فيعتمدون فيما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال، الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال]. فلا توجد كلية إلا في الأذهان، فالكليات موجودة وجوداً ذهنياً، أي: معقولة ومعلومة، أما في الخارج فلا يوجد إلا المعينات.

стр. 161

سبب اضطراب الناس في ماهية الروح قال المصنف ﵀: [واضطراب النفاة والمثبتة في الروح كثير، وسبب ذلك: أن الروح -التي تسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة- ليست هي من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمولدات منها، بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس، فصار هؤلاء لا يعرفونها إلا بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة، وكلا القولين خطأ]. العناصر: هي الأشياء الأولى، وقد اختلفوا في ما هي العناصر؟ فمنهم من يقول: الهواء والماء، ومنهم من يزيد النار .. وغير ذلك، فهذه العناصر هي المبادئ الأولى لوجود الأشياء في تقدير الفلسفة، ثم المولدات من هذه العناصر، وهي المركبات من عنصرين فأكثر. فيقول المصنف: إن الروح عند هؤلاء ليست هي الجسد، ولا هي العناصر، ولا هي المولدة من العناصر، وإنما هي من باب العالم الآخر الذي لا يستطيعون كشفه. وقوله: (فصار هؤلاء لا يعرفونها إلا بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة): أي: يعرفونها بالسلوب حتى لا تشارك العناصر، وحتى يميزوها عن العناصر والمولدات عنها. وقوله: (وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة، وكلا القولين خطأ): وذلك من باب الرد على المتفلسفة، (وكلا القولين خطأ)، فإنها وسط بين هذا وهذا، وسط بين السلب المحض، وبين المرحلة الثانية وهي مسألة الأرواح.

стр. 162

إطلاق لفظ الجسم على الروح وأقوال الناس في الجسم قال المصنف ﵀: [وإطلاق القول عليها بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل، فإن لفظ (الجسم) للناس فيه أقوالٌ متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي. فأهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن. وبهذا الاعتبار فالروح ليست جسماً، ولهذا يقولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] وأما أهل الكلام فمنهم من يقول: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المنفردة. ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة، وكل هؤلاء يقولون: إنه مشار إليه إشارة حسية. ومنهم من يقول: ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا؛ بل هو ما يشار إليه، ويقال: إنه هنا أو هناك. فعلى هذا إذا كانت الروح مما يشار إليه ويتبعه بصر الميت -كما قال النبي ﷺ : (إن الروح إذا خرج تبعه البصر)، وإنها تُقبض ويعرج بها إلى السماء- كانت الروح جسماً بهذا الاصطلاح]. ولذلك قال الأئمة: إن الله لا يقال: إنه جسم، ولا يقال: إنه ليس بجسم؛ لأن هذا لفظ مجمل حادث، وكذلك الروح، فإذا قيل: هل الروح جسم أم ليست بجسم؟ قيل: ما المقصود بالجسم؟ فإن قصد بالجسم الموجود، فهي جسم، وإن قصد بالجسم البدن، فليست جسماً من هذا الوجه، فالمعنى فيه تفصيل. والغالب على المتكلمين ونظار المتكلمين أنهم يقاربون الروح إلى نظام وعالم الأجساد، بخلاف المتفلسفة، فإنهم يسلكون معها طريقة التجريد والسلوب.

стр. 163

المقصود بضرب المثل بالروح قال المصنف ﵀: [والمقصود: أن الروح إذا كانت موجودة حية عالمة قادرة، سميعة بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها؛ لأنهم لم يشاهدوا لها نظيراً، والشيء إنما تدرك حقيقته إما بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات، مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات، فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته، مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول هم أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها، فإذا كان من نفى صفات الروح جاحداً معطلاً لها، ومن مثلها بما يشاهده من المخلوقات جاهلاً ممثلاً لها بغير شكلها، وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات، فالخالق أولى أن يكون من نفى صفاته جاحداً معطلاً، ومن قاسه بخلقه جاهلاً به ممثلاً، وهو سبحانه ثابت بحقيقة الإثبات، مستحق لما له من الأسماء والصفات]. قوله: (والعقول قاصرة عن تكييفها): فمن باب أولى عن تكييف صفاتها، وهذا بين، فإذا قيل لأحد: كيف تصعد الروح وكيف تنزل؟ فلن يستطيع أن يعطيك علماً مفصلاً بالكيفية، فإذا كانت العقول قاصرة عن تكييفها، فمن باب أولى أن تكون العقول قاصرة عن تكييف صفات الله تعالى. وقوله: (والشيء إنما تدرك حقيقته إما بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره): أي: تدرك كيفيته وماهيته، والروح لم نشاهدها، ولم نشاهد لها نظيراً، فإذا كان هذا في الروح -ولله المثل الأعلى- فمن باب أولى في حقه . وعدم علمنا بماهية وكيفية صفات الروح، لم يلزم منه عدم الإقرار بصفاتها؛ بل نقر بصفاتها، وهذا إقرار ضروري، ومع ذلك نقر بعدم العلم بكيفية صفاتها، وهذا أيضاً إقرار ضروري، فحصل انفكاك بين هذا وهذا.

стр. 164

شرح القواعد السبع من التدمرية [١٤] ذكر شيخ الإسلام ﵀ في خاتمة كلامه عن توحيد الصفات سبع قواعد نافعة جامعة في إثبات صفات الله تعالى، وفي الرد على المخالفين من النفاة والمعطلين والمؤولين ونحوهم، والقاعدة الأولى هي: أن الله تعالى موصوف بالإثبات والنفي، فالإثبات كالعلم والقدرة والسمع والبصر ونحوها، وهي متضمنة للكمال المطلق، والنفي يتضمن إثبات الكمال لله تعالى، كنفي الظلم، فإنه يتضمن إثبات كمال العدل المطلق لله .

стр. 165

القواعد السبع في صفات الله تعالى قال المصنف ﵀: [فصل: وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة]. سبق أن قال المصنف ﵀: (وهذا يتبين بأصلين شريفين، ومثلين مضروبين، وبخاتمة جامعة فيها قواعد نافعة)، فهذه القواعد السبع التي ذكرها المصنف في هذا الفصل هي تمام لما قدمه في تقريره لمسألة الصفات، وقد سبق أن المصنف ابتدأ بتقرير: أن هذا الباب باب خبري، وأنه باب معتبر بالدليل السمعي الذي هو الكتاب والسنة، وبين مقام الدليل العقلي في هذا المورد، وبين مذهب السلف، ثم ذكر أصول المذاهب التي انحرفت عن سبيلهم، ثم ذكر الأصل الكلي الذي أشكل على عامة هؤلاء، وبين أنه أصل مجاب عنه بمتواتر الشريعة، وبضروري العقل، بأصلين ومثلين سبق ذكرهما. ثم انتقل المصنف إلى بيان هذه القواعد السبع، وهي تمام في هذا الباب، وهي كذلك رد لشبهات المخالفين، وتقرير لدلائل من العقل، وتفصيل لبعض مقاصد أئمة السنة والجماعة في مذهبهم في باب الصفات. فهي قواعد مجملة في هذا الباب، قصد المصنف منها الإحكام لهذا المذهب الذي ذكره في مقدمة رسالته، فإنه لما ذكر مذهب أهل السنة والجماعة جعل هذه القواعد السبع من باب الإحكام لهذا المذهب؛ إما إحكام في تفصيل بعض المراد به، وإما إحكام في تقرير بعض دلائله، وإما إحكام في الجواب عما قد يعارض به المعارض، فهذه القواعد ليست وجهاً واحداً من هذه الأوجه الثلاثة أو ما يشاكلها، إنما هي مادة مشتركة بين هذه الأوجه. ولذلك فليس بالضرورة أن يكون بين هذه القواعد قدر من التسلسل الضروري؛ ككونه جملة من الأدلة، أو جملة من الردود، أو جملة من التفصيل؛ لأن المقصود منها هو الإحكام للمذهب، والإحكام للمذهب يكون تارةً بتقرير دليل، وتارة بالجواب عن شبهة، وتارة بتفصيل مجمل من القول أو المعنى.

стр. 166

القاعدة الأولى: أن الله موصوف بالإثبات والنفي قال المصنف ﵀: [القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي، فالإثبات كإخباره أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك، والنفي كقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]]. هذه هي القاعدة الأولى، وهي من أشرف القواعد، وهي: أن الله موصوف بالإثبات والنفي، وإن كان المصنف قد نص على هذه الجملة بل على أكثر منها فيما تقدم من كلامه، فإنه قد ذكر في مذهب أهل السنة والجماعة أن الله موصوف بالإثبات والنفي، وذكر أن الله بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل. وهذا قد سبقت الإشارة إليه. وإنما فصله المصنف هنا كقاعدة ابتدأ بها القواعد من باب الإحكام للمذهب؛ لأن الكمال من جهة العقل فضلاً عن الشرع، لا يمكن أن يكون بتقرير الإثبات وحده، كما أن الكمال لا يمكن أن يكون بتقرير النفي وحده، فكما تقدم وكما سيذكر المصنف أن النفي المجرد عن الإثبات ليس كمالاً، فكذلك يقال: إنه يمتنع تحقق إثبات لا يتضمن نفياً؛ لأن إثبات أحد المتقابلين يستلزم نفي الآخر، فعندما وُصف الله بالعلم؛ لزم من ذلك أن يتضمن هذا الإثبات نفي الجهل. وقد أجمع المسلمون على أن الله تعالى مستحق للكمال، ومنزه عن النقص، والكمال في حكم العقل فضلاً عن حكم الشرع لا يمكن أن يكون إلا بإثبات هذين الأصلين: أن الله موصوف بالإثبات، والإثبات لا بد أن يتضمن نفياً، وهو نفي المقابل، وهو ما يدخل في مادته من النقص. وكذلك نقول: إن النفي يتضمن إثباتاً. فهذه القاعدة أشار بها المصنف إلى التحقيق، كما أنه أشار بها إلى الوسطية، فإن النبي ﷺ قد ذكر حال الطائفة المنصورة من هذه الأمة الناجية، وقد بين المنصف كثيراً أن أهل السنة وسط بين الطوائف، ومن وسطيتهم في هذا الباب: أنهم يحققون الإثبات على وجهه الشرعي العقلي، كما أنهم يحققون النفي على وجهه الشرعي العقلي، بخلاف من غلا في مقام النفي؛ كجمهور النفاة، أو غلا في مقام الإثبات؛ كجمهور المائلين إلى التشبيه والتجسيم ونحو ذلك. فيكون التحقيق لمقام الإثبات والنفي هو تحقيق الوسطية، وأما من لم يحقق الإثبات والنفي -بمعنى: أنه لم يستعمل إلا النفي وحده، أو لم يستعمل إلا الإثبات وحده، أو استعمل إثباتاً على وجه من الغلو، أو نفياً على وجه من الغلو، أو ما إلى ذلك- فإن هذا ليس وسطياً في تقريره.

стр. 167

صفات النفي تتضمن إثبات الكمال قال المصنف ﵀: [وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتاً، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل: ليس بشيء، فضلاً عن أن يكون مدحاً أو كمالاً. ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال]. الكمال يتعلق بالأمور الوجودية؛ لأن الكمال صفة ثبوتية، فالكمال وجه من الثبوت، فلا بد أن يتعلق بأمر وجودي وليس بأمر عدمي، فإن قيل: إنه جاء في القرآن ما هو من وصف العدمي، أي: الوصف السلبي، أو وصف النفي. قيل: كل ما ذكر مفصلاً في القرآن من النفي في مقام الصفات، فإنه لا بد أن يكون متضمناً لصفة ثبوتية؛ بل أكثر من ذلك. فإن قيل: هل النفي المفصل من حيث حكم العقل يستلزم أمراً ثبوتياً، أم أن النفي المفصل لا يستلزم أمراً ثبوتياً؟ قيل: من جهة حكم العقل فإن النفي المفصل لا يستلزم أمراً ثبوتياً في بابه المطلق في حق غير الله ، فإذا وصفت شيئاً من الأشياء بنفي، فلا يلزم أن يكون هذا من باب تحقيق الإثبات له. لكن عندما جاء ذكر شيء من نفي صفات النقص عن الله تعالى على وجه التفصيل؛ فإن كون هذا السياق مضافاً إلى رب العالمين هو من باب تحقيق الكمال، فإن الله لما نفى عن نفسه الظلم؛ دل ذلك على كمال عدله. فإن قيل: فما هي الحاجة إلى أن نقول: إن قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] تضمن إثبات العدل؟ لماذا لا نقول: إنه يدل على نفي الظلم؟ قيل: الدلالة على نفي الظلم وحده دون تحقيق العدل ليس مدحاً؛ لأن الأشياء التي لا تقبل الظلم ولا تقبل العدل توصف بأنها لا تظلم. فهذا هو مقصود المصنف: أن كل نفي مفصل في القرآن يتضمن أمراً ثبوتياً، وهو كمال الضد، وما لحقه من المعاني المناسبة. وقوله: (ولأن النفي المحض) أي: المجرد عن إثبات المقابل، فالنفي المحض هو الذي لم يتضمن أمراً ثبوتياً، والشيء المحض هو ما يسمى بالشيء الخالص، أو الشيء المجرد عن التعلق بغيره، أو عن تعلق غيره به.

стр. 168

آيات قرآنية تدل على أن النفي يتضمن إثبات الكمال قال المصنف ﵀: [فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من نفي متضمناً لإثبات مدح، كقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى قوله: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥]]. إن النفي المفصل المتضمن أمراً ثبوتياً يرد في القرآن في سياق مناسب له، فإن الله نفى عن نفسه السنة والنوم بعد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فصار التقديم بالإثبات دليلاً على أن هذا النفي ليس نفياً محضاً. وعليه: فكل نفي مفصل في القرآن فإنه يدل على إثبات كمال الضد، فإن قيل: فمن أين دل على إثبات كمال الضد؟ قيل: دل على ذلك من حيث القاعدة العامة أنه في حق الله، وما كان في حق الله فلابد أن يكون كذلك، ودل من جهة السياق، فإنك إذا نظرت في سائر السياقات، وفي سائر الآيات التي ذكرت نفياً مفصلاً؛ تجد أنها مسوقة مساق الكمال، وإثبات صفات الكمال. وقد جاء عن كثير من السلف -بل فيها آثار مرفوعة- أن الحي القيوم هو الاسم الأعظم، وهذا ليس فيه نص بين الصحة، لكنه مما ينبغي أن يجتهد في القصد إليه؛ لشرف هذه الآية، فإنها أعظم آية في كتاب الله، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره.

стр. 169

صفات الله تعالى تستلزم الكمال المطلق بخلاف صفات المخلوقين قال ﵀: [وكذلك قوله: (وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيب في قوته]. وهذا من الفروق بين صفة المخلوق وصفة الخالق وإن اشتركا في الاسم، فإن القدرة في أصلها صفة كمال، لكن كل ما أُضيف إلى المخلوق من الصفات فلا بد أن يكون ناقصاً؛ لأن المخلوق ناقص أصلاً، والصفة تبع لموصوفها، فإن المخلوق ممكن، وصفته تكون ممكنة، والإمكان نفسه يكون نقصاً. وقد يقول قائل: كيف نسلسل مسألة النقص على صفة المخلوقين؟ فيقال: إن النقص يلحقها من أوجه، لكن هناك وجه عام في كون صفات المخلوقين فيها نقص، وهو: أن كل ما فُرض من صفات المخلوقين فهو ممكن، وهذه القاعدة العامة من النقص مطردة في سائر صفاتهم، فإنه يقال: إن العلم المضاف إلى المخلوقين -الذي يكتسبونه ويحصلونه- علم ناقص، فهو علم ممكن وليس علماً واجباً، ولذلك فضل الله رسله عليهم الصلاة والسلام بأن علمهم ليس من باب الاكتساب الذهني والتتبع، كما يحصل لغيرهم من أتباعهم أو من غير أتباعهم، إنما علمهم من باب الوحي الذي أوحى الله به إليهم.

стр. 170

التفصيل في مقام النفي لتحقيق كمال الإثبات قال المصنف ﵀: [وكذلك قوله تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٣] فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السماوات والأرض]. ولذلك فإن هذا النفي لما جاء في هذا السياق دل على كمال الإثبات، وعلى تحقيق الإثبات وتفصيله، وقد سبق أن قدم المصنف أن الله بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل، لكن بعض مقامات الصفات يناسب في سياقها أن يُفصل في مقام النفي من باب تحقيق الكمال، ومن باب تحقيق سياق الكمال. ولذلك فإن ما ذكره بعضهم من أن النفي المفصل في القرآن لا يستعمل إلا في نفي ما ادعاه المكذبون للرسل، أو ما إلى ذلك من الأوجه؛ كأن فيه شيئاً من الحصر؛ لأن الاستقراء للقرآن فيما فصل لا يلزم منه أن يكون كذلك .. صحيح أن ما يذكره الباري من تنزيهه عن السنة والنوم، وعن عزوب شيء في السماوات والأرض عنه، ونحو ذلك، لا شك أنه رد على من يشكك أو يجحد ما هو من ذلك، أي: مما يليق به، أو يصفه بما لا يليق به ، فلا شك أن القرآن بهذا السياق يتضمن رداً، لكن أن يكون هذا هو الموجب، وأنه لولا هذا المحرك لما حصل هذا، فليس بالضرورة أن يكون ذلك صحيحاً؛ فإن السياق إذا كان كذلك كان هذا أتم في كماله سبحانه، فعندما قال الله سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ثم قال: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] علم أن قوله: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) أتم في تحقيق الكمال من السياق لو كان مختصراً على المقام الأول وحده، وإن كان المقام الأول فيه تحقيق للكمال. إذاً: إنما يذكر ذلك من باب تحقيق كماله ، وهذا التحقيق يكون متضمناً للرد على من خالف هذا من وجه آخر لا إشكال في ثبوته. قال المصنف ﵀: [وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] فإن نفي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة، ونهاية القوة، بخلاف المخلوق الذي يلحقه من النصب والكلال ما يلحقه]. لأن هذا السياق من القرآن من باب قطع الوهم، وليس بالضرورة أنه رد على قوم معينين، فإنه من باب قطع الوهم الذهني الذي قد يعرضه الشيطان لبعض نفوس بني آدم. وقد سبق أن خلق الله يكون على أحد وجهين -على ما ذُكر في القرآن- فإما أن يكون خلقاً على جهة الفعل الذي هو الأمر المحض منه ، وهو المذكور في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] وإما أن يكون من باب الخلق الذي هو توسط السبب في وجود المُسَبّبَ، ويكون الله هو الخالق للسبب والمسبب.

стр. 171

الكلام على قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) قال المصنف ﵀: [وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء]. قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] هذه الآية من كتاب الله هي من نصوص التفصيل في مقام النفي لتحقيق كمال الإثبات، وقد استدل نفاة الرؤية من المعتزلة وغيرهم بهذه الآية على أن الله لا يُرى. وهذه الآية إذا تأملت فيها وجدت أن الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ومعلوم أن الإدراك للأشياء -سواء كان إدراكاً بصرياً، أو إدراكاً علمياً، أو ما إلى ذلك من أوجه الإدراك- ليس هو أصل المعنى السابق له، فإنه إذا قيل لك: هل تعلم أن الله هو الخالق الرازق .. إلخ؟ فإن الجواب سيكون: نعم. فإننا نعلم من شأن الله وفعله وصفاته شيئاً، والعباد يعلمون ربهم، ولولا أنهم يعلمون ربهم، ويعلمون ربوبيته ووجوده وألوهيته ... إلخ؛ لما أمكنهم أن يعبدوه وأن يعرفوه، فهل هذا العلم الذي يُقر به المسلمون وغير المسلمين ممن يقر بالربوبية -هل استلزم عند المسلمين بسائر طوائفهم الإحاطة به سبحانه؟ الجواب: لا. وهذا أمر مستقر، فإذا تحقق أنه يمكن أن يثبت الشيء ولا يثبت الإحاطة به، فكذلك الذي نفي في القرآن هنا هو الإدراك فقط؛ ومعلوم أن الإدراك قدر زائد على أصل رؤية الشيء، وهذا أمر معروف بحكم العقل الضروري المبني على الاطراد الحسي، فإنه مستقر عند بني آدم من المسلمين وغير المسلمين، من العرب وغير العرب- أن رؤية الشيء ليست هي الإدراك له، كما أنه يُعلم أن من رأى شيئاً لا يلزم أن يكون مدركاً له. فهذا أمر مستقر عند أهل اللسان العربي وغير العربي من جهة المعاني، وإن كان أهل العربية يقصدون بهذه الكلمة هذا المعنى، فإن هذا لا يلزم أن يكون على اللسان المعبر، فكل من عبر بلسانه فإن هذا المعنى يكون ثابتاً عنده؛ لأنه معنى معلوم بالاطراد الحسي، وهو دليل قاطع. فلما قال الحق سبحانه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] فإن الآية نفت القدر الزائد على الرؤية، وهنا يقال: إن الآية دليل على إثبات الرؤية، ووجه ذلك: أن يقال: إن تخصيص القدر الزائد بالنفي وحده دليل على أن ما دونه يكون ثابتاً؛ لأن ما دونه -وهو أصل الرؤية- لو كان منفياً أو ممتنعاً؛ لما كان هناك قصد إلى تخصيص القدر الزائد بالنفي، فلما خُص القدر الزائد وحده بالنفي؛ دل على أن ما تحته وما دونه داخل في الإثبات، ومن هنا يقول أهل العلم: إن هذه الآية دليل على إثبات الرؤية، وليست دليلاً على نفيها، ومن المعلوم أن مذهب الأئمة ﵏ -أي: مثبتة الرؤية- أن الله سبحانه يراه المؤمنون ولكنهم لا يحيطون به. فهذا من تحقيق الإثبات عندهم. ولم يقل أحد من الأئمة من السلف ونحوهم: إن المؤمنين يرون ربهم ويحيطون به إبصاراً؛ بل إنهم متفقون على أن قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: لا يحاط به مع رؤيته؛ ولذلك فإنه لكماله ولتعذر أن يُحاط به ، فإن الخلق لا يمكنهم لا في الدنيا ولا في الآخرة -حتى عندما يراه المؤمنون في دار كرامته- لا يمكن أن يحيطوا بذاته ، أو أن تكون أبصارهم مدركة له إدراكاً على التفصيل.

стр. 172

نفي الرؤية لا يتضمن كمالاً لله تعالى قال المصنف ﵀: [ولم ينف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يرى، وليس في كونه لا يرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحاً]. يذكر المصنف هنا أن الآية إذا فسرت كما تفسرها المعتزلة بأن قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: لا تراه الأبصار، فإن هذا ليس من باب المدح؛ بل إنه من باب النفي المجرد، وقد عُلم بالعقل فضلاً عن الشرع أن النفي المجرد -وهو النفي المحض- ليس مدحاً، وليس كمالاً؛ لأنه لو كان المقصود بقوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: لا تراه الأبصار؛ لعدم إمكان رؤيته ليس إلا؛ فإن الأشياء المعدومة والأشياء الممتنعة تتصف بهذه الصفة في كونها لا ترى، أو لا يمكن أن ترى. قال ﵀: [وإنما المدح في كونه لا يحاط به وإن رئي، كما أن لا يحاط به وإن علم]. وهذا وجه اختصاصه عن خلقه، ولك أن تقول: هذا وجه اختصاصه عن غيره. وبهذا يُعلم أن طريقة الأئمة هي لتحقيق الكمال، فإن ما أثبتوه له في هذا المقام يتحقق به اختصاصه عن غيره؛ سواء كان هذا الغير مخلوقاً، أو شيئاً ممكناً، أو شيئاً معدوماً، ولكنه ليس من باب الممكن، بل من باب الممتنع، فإن غير الله إما أن تمتنع رؤيته؛ كالمعدوم والممتنع أيضاً، فإن رؤيته تكون ممتنعة، وإما أن تكون رؤيته غير ممتنعة عند وجوده؛ كالأشياء التي تُرى وتكون مدركة، وهي الأشياء القائمة، وإما أنه يرى ولا يدرك. فإن قال قائل: إن في مخلوقات الله ما يرى ولا يدرك، كالسماء، فإن كل بني آدم يرون السماء، ومع ذلك لم يدرك أحد سائر أنحائها واتساعها وامتدادها، وما إلى ذلك، فكيف قيل: إن من اختصاصه عن خلقه أنه يرى ولا يدرك، مع أن في أعيان مخلوقاته القائمة المشاهدة أنها ترى ولا تدرك؟ فالجواب: أن يقال: إن كل مخلوق يُرى ولا يدرك فإنه ممكن الإدراك، بخلاف الباري ، فإن الإدراك له ممتنع، فإن السماء لا يدركها أحد، ولكن هذا الإدراك غير ممتنع، فإنه من الممكن أن يخلق الله مخلوقاً يدرك أبعاد السماء، وهذا غير مستحيل في حقه ، فإدراك المخلوقات إدراك ممكن، وإن لم يكن حاصلاً في كثير من الأحيان، بخلاف إدراك الخالق من جهة أن من أبصره أدركه، فإن هذا إدراك ممتنع. إذاً: قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) لامتناع إدراكها، ولعدم إمكان إدراكها له، بخلاف قولنا: لا تدرك الأبصار السماء، فإن ذلك لعدم ثبوت الإدراك، وإن كان الإدراك في نفس الأمر ممكناً. قال ﵀: [فكما أنه إذا علم لا يحاط به علماً، فكذلك إذا رئي لا يحاط به رؤية]. وعليه فقد يقول قائل: إن في مخلوقات الله ما يعلم ولا يحاط به، كالروح مثلاً، فإننا نعلم منها شيئاً، ولكننا لا نحيط بها علماً. فيقال: إن الإحاطة بالروح علماً ممكن، وإن لم يحصل، ولم يقدر الله أنه يحصل لأحد، ولكنه ممكن، بخلاف الإحاطة بالباري ، فإنه ممتنع. قال المصنف ﵀: [فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحاً وصفة كمال، وكان ذلك دليلاً على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها]. قوله: (مع عدم الإحاطة)، أي: مع عدم الإدراك، وهذا هو معنى الإدراك (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: لا تحيط به، وهذا معنى معروف في الأذهان، وذلك كقولك: رأيتُ السماء، وأنت لم تدركها. وقوله: (وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها): هو الحق، وهو أيضاً الكمال عقلاً وشرعاً، أما إذا نفيت الرؤية فلا يكون كمالاً، وإذا أُثبتت الرؤية مع إثبات الإحاطة والإدراك، فإن هذا أيضاً لا يكون كمالاً، إنما الكمال هو إثبات الرؤية مع نفي الإدراك والإحاطة.

стр. 173

كل نفي لا يستلزم ثبوتاً فليس من صفات الله قال المصنف ﵀: [وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتاً هو مما لم يصف الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهاً محموداً؛ بل ولا موجوداً]. الذين لا يصفون الله تعالى إلا بالسلوب المحضة التي لا تتضمن أمراً ثبوتياً، يقول عنهم المصنف: هؤلاء لم يصيبوا القرآن لا في مجمله، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ولا في مفصله، كقوله تعالى: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ)؛ لأن كل نفي في القرآن فإنه تضمن إثباتاً، سواء كان هذا الإثبات إثباتاً مفصلاً، أو إثباتاً مجملاً؛ بل حتى المجمل من النفي، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فإنه يتضمن التنزيه ويتضمن إثبات الكمال؛ لأن الله تعالى لم يقل: ليس كخلقه شيء؛ بل قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذا مما يختص به عن غيره، فكذلك قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، سواء كان هذا الشيء مخلوقاً قائماً، أم مخلوقاً غائباً عن المشاهدة، أم كان معلوماً ولكنه ممكن، أم كان متخيلاً، أم كان ممتنعاً، فكل ما يعرض عن غير مقامه فهو داخل في هذا النفي، ولذلك يكون النص -كما سبق- محقق للإثبات كما أنه محقق للتنزيه. والذين يصفون الله تعالى بالسلوب المحض هم المتفلسفة كـ ابن سينا وأمثاله.

стр. 174

مذهب المتكلمين الأوائل كالجهمية في نفي الصفات قال المصنف ﵀: [وكذلك من شاركهم في بعض ذلك، كالذين قالوا: إنه لا يتكلم، أو لا يرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي مستلزمة صفة ثبوت، ولهذا قال محمود بن سبكتكين لمن ادعى ذلك في الخالق: ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم]. هذا هو مذهب أئمة المتكلمين من أئمة الجهمية الأولى، الذين ينفون سائر الصفات، ولهذا قال المؤلف: (من شاركهم في بعض ذلك) أي: شارك المتفلسفة في هذه الطريقة، وإن كان هؤلاء قد ظهروا وتكلموا بكلامهم قبل ظهور ابن سينا وأمثاله، لكن المادة مستقاة من جوهر واحد، إلا أن ابن سينا وأمثاله أفصح بالفلسفة، وهؤلاء قد أجملوا وركبوا ما حصلوه من الفلسفة تحت مقدمات مجملة؛ إما من العقل، وإما من الشرع، وهو ما سمّوه بعلم الكلام. هذه طريقة أئمة الجهمية نفاة الصفات، الذين يقولون: إنه لا يتكلم، ولا يرى، وليس فوق العالم ولا تحته إلخ، وربما عبروا بعبارات كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، وهذا من باب رفع النقيضين، بمعنى: أن طريقتهم هذه مخالفة للعقل؛ لأن رفع أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر، فقولهم: إنه لا يتكلم، يستلزم نقصاً، ولزم أن يكون متصفاً بضد ذلك، والله تعالى منزه عن الضد بإجماع المسلمين. ومن الأدلة على أن الإله الحق المعبود قابل للصفات: أنه لو كان الأصل في العقل، أو في الفطرة، أو في دلائل العقل الكلية، أن الإله المعبود لا يكون قابلاً للصفات؛ لما أبطل الله ألوهية العجل بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] لأن أصحاب العجل قد يكون جوابهم: إن الإله الحق ليس قابلاً للصفات، كما تزعم المعتزلة، فإنهم يقولون: إن الله لا يتكلم، ولا يلزمنا أن يكون الله موصوفاً بالخرس، فإن قيل: فكيف ذلك؟ قالوا: لأن الله ليس قابلاً، فيقال: هذا خلاف حكم العقل، وخلاف حكم الشرع، فإن الله قابل للصفات, والإله الحق لا بد أن يكون قابلاً؛ ولذلك قال إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم:٤٢] فلو كان الإله الحق ليس قابلاً؛ لما قال إبراهيم ذلك لأبيه. وقوله: (ولهذا قال محمود بن سبكتكين لمن ادعى ذلك في الخالق: ميز لنا بين هذا الرب الذي تعبده وبين المعدوم): أي: أن هذا المذهب يستلزم القول بالعدم، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوه في الحقيقة إلها محموداً ولا موجوداً، وهذا من باب لوازم المذهب.

стр. 175

نفي الصفات عن الله تعالى ليس فيه مدح ولا كمال قال المصنف ﵀: [وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال؛ بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجماد أو الناقص]. قوله: (بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات)؛ لأن العقل نفسه -فضلاً عن الشرع- يدل على كمال الرب في صفاته، ومن صفاته: الكلام، فإثبات الكمال لله معلوم بالسمع، ومعلومٌ أيضاً بالعقل، والإله الذي لا يتكلم لا يكون إلهاً حقاً، كما قال الله تعالى عن عبدة العجل.

стр. 176

شبهة حول الحوادث وقول المصنف: (وكذلك كونه لا يتكلم أو لا ينزل ..): قد يقول قائل: هل من لازم الإله الحق أن يكون متصفاً بالنزول؟ أليست هذه الصفة صفة خبرية سمعية لم يثبتها العقل ابتداء كصفة العلم والكلام ونحوها؟ والجواب: أن يقال: إن نفاة الصفات التي تسمى: الصفات الخبرية، أي: التي نطق بها القرآن أو السنة، والعقل لم يدل عليها ابتداء، ولكنه لا ينافيها، وذلك كصفة النزول، نفاة هذا النوع من الصفات لا ينفونها لذات الصفة وحدها، ولذلك فلو كانت العلة عندهم أن حديث النزول آحاد، وسلمنا جدلاً أنه من الآحاد، وسلمنا جدلاً أن الآحاد لا يحتج به في العقيدة، فماذا يقولون في صفة الإتيان والمجيء الذي ذكره الله في القرآن؟! فهم -إذاً- يضطربون في النفي والتأويل، فهذا يردونه لكونه آحاداً، وهذا يتأولونه، إلى غير ذلك. فالإشكال عندهم ليس لأن هذا النص في ذاته مشكل، ولكن الإشكال عندهم هو في القاعدة التي بها ينفون الصفات، وهي ما يسمونها: (حلول الحوادث)، ولتقريب المعنى نقول: ما يسمونه بمسألة الحركة، فأي صفة تتضمن في المعنى العام ما هو بمعنى الحركة فلا يكون عندهم صفة ثابتة. ولذلك فإن الإمام الدارمي ﵀ في رده على الجهمية ذكر إثبات الحركة لله ، مع أن القرآن الكريم لم يذكر كلمة الحركة، وكذلك الرسول ﷺ ، وهذه الكلمة ليست من الكلمات التي تعرض ابتداءً، إنما الذي يعرض هو الأفعال المفصلة في القرآن، لكن في تفصيل الرد على المخالف لابد من إبانة مثل هذه المعاني، ولذلك فقد عرضت هذه الكلمة لبعض الأئمة، واستعملوها على هذا الوجه, وقد جوز الإمام ابن تيمية الاستعمال على هذا الوجه من المناسبة، وذكره عن الإمام الدارمي، وهو موجود في رده على الجهمية، وذكره عن جماعة آخرين. فالمقصود: أن هؤلاء ينفون مسألة الحركة التي سموها باصطلاح علم الكلام: حلول الحوادث. وهذا المعنى هو في حقيقته يرجع إلى المعاني الفلسفية القديمة التي كان أصحابها لا يثبتون الفعل في حق الإله ، فهي نزعة مشتقة من الفلسفة. والغريب في الأمر: أن أبا الحسن الأشعري لما رجع عن الاعتزال قال: "إن دليل الأعراض الذي بنت المعتزلة عليه قولها في صفات الله تعالى هو متلقى من الفلسفة". وهذا أمر مهم جداً، فإن القائل لهذا الكلام ليس هو ابن تيمية أو بعض العلماء من أئمة السنة؛ بل إنه أبو الحسن الأشعري، وقد كان إماماً في مذهب المعتزلة سابقاً، وإماماً من أئمة المتكلمين، ولم يزل على هذا العلم مع انتسابه في آخر أمره إلى أهل السنة والجماعة، فقد نص على أن دليل الأعراض الذي بنت المعتزلة عليه القول في الصفات متلقى من الفلسفة. والعجب أن الأشعري قال هذا الكلام ولم يسقط هذا الدليل؛ بل استعمله، ولكنه عدل فيه شيئاً، وأثبت بهذا التعديل أصول الصفات؛ كالحياة، والكلام، والسمع والبصر، ونحو ذلك, ونفى صفات الأفعال التي سماها: حلول الحوادث، فنفيه لما سماه: حلول الحوادث، بقية بقيت عليه من دليل المعتزلة ومن مذهبها، وقد نص على أن دليل المعتزلة دليل فلسفي، فيلزم من هذا -كنتيجة علمية- أن يكون الأشعري قد بقي عليه بقية من هذا الدليل الفلسفي، وبقي عليه بقية من نتيجته، وهي ما سماها بمسألة: حلول الحوادث، أي: نفي مسألة الحركة. ولذلك نجد أنهم يتأولون الاستواء على العرش، والأشعري يثبت الاستواء، لكنه لا يثبته على بابه من الفعل المعروف في الإثبات عند الأئمة، ونجد أنهم يتأولون النزول والمجيء والإتيان، وإذا تكلموا في إرادة الله قالوا: إن هذه إرادة واحدة، وعندما تكلم الأشعري وابن كلاب عن صفة الكلام قالوا: إن الله يتكلم لأن الكلام صفة عقلية ضرورية، لكن عندما قيل: إنه يتكلم بحرف وصوت، عرضت لهم مسألة حلول الحوادث، فلزم أن يكون هذا على تقديرهم من باب حلول الحوادث، فرجع ابن كلاب وتبعه الأشعري في ذلك، فقالوا: إن الكلام هو معنى يكون في النفس واحد، ليس بحرف ولا صوت. وقد أتوا بهذه الفلسفة في تعريف الكلام -وهي فلسفة لم يعرفها الناس، لا من أهل اللسان العربي، ولا من أهل العقل، ولا غير ذلك- ليتخلصوا من مشكلة نفي صفة الكلام، وهي صفة عقلية كمالية بينة، فأثبتوا صفة من صفات الكلام لضرورة إثباتها، ولكنهم فسروها هذا التفسير ليتخلصوا مما سموه: حلول الحوادث، وهو: كل ما أوجب حركة. والمقصود بالحركة هنا هو معناها الفلسفي، وليس المعنى اللغوي العربي، فالمقصود بكل ما يتضمن حركة هو المعنى الفلسفي التي كان يقصد أرسطو طاليس وأمثاله كـ ابن سينا، فإنه في كثير من تعبيره ينص على أن الإله الحق مجرد عن الحركة، ويفسر الحركة تفسيراً فلسفياً. ولسنا نقول: إن الأشعري مثل ابن سينا .. كلا! فإن الأشعري رجل عظم السنة وانتسب إليها, وهو رجل له علم وديانة، وقصد لأهل السنة والجماعة، وإن كان على بدعة وأغلاط، ولكن دين الإسلام لا يرجع فيه إلى رجل أو أهل بيت، أو طائفة من الطوائف، فإن النبي ﵊ قد عظم أهل بيته، وقال: (والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرئ الإيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي)؛ ولكنه لم يوجب على المسلمين أن يرجعوا في دينهم وفي معتقدهم، أو في أصولهم إذا أشكل عليهم شيء أن يرجعوا إلى أحد من أهل بيت النبوة؛ بل إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]. إذاً: مسألة التعصب يجب على الأمة أن تنفك عنها في أي واد كان هذا التعصب, سواء كان تعصباً فقهياً, أم تعصباً لرجل في الاعتقاد، أو غير ذلك. فالمقصود: أن هذه الإشكالات التي دخلت على الأشعري وعلى غيره، وشوشت على أمرهم، مادتها مادة جاءت بمثل هذا التدرج. إذاً: ابن سينا -كما مر- يتكلم عن مسألة تجريد الله عن الحركة على هذا المعنى الفلسفي، أي: تجريده عن الفعل ونحو ذلك، ولذلك قال: إن العالم تولد عن العقول العشرة، والنفوس التسعة، ونحو ذلك، ويحقق نفي الحركة نفياً فلسفياً فيقول: أن الباري يعلم الأشياء ليس بعلم جزئي وإنما بعلم كلي. وهو يقول هذا الكلام ليتخلص -بزعمه- من مسألة الحركة. وحقيقة هذا التخلص الفلسفي أنه يقود إلى تعطيل الله عن صفات الفعل؛ سواء ما سمي بالفعل اللازم، أو بالفعل المتعدي, ولذلك فإن أساطين الفلسفة الأوائل -أي: قبل الإسلام- لم يكونوا يثبتون أن الله أو أن الإله عندهم هو الخالق للعالم؛ لأن هذا من معاني الحركة التي هم يقصدون إلى تجريد الإله منها, وهذا الذي كان عليه أرسطو طاليس وأمثاله. إذاً: هذه نزعات تأثر بها هؤلاء من أهل القبلة، كـ الأشعري وغيره.

стр. 177

رفع النقيضين وجمعهما ممتنع قال المصنف ﵀: [فمن قال: لا هو مباين للعالم، ولا مداخل للعالم، فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له]. وذلك لأن هذا من باب رفع النقيضين، وهي جملة: لا هو مباين للعالم -أي: منفك عنه وخارج عنه- ولا هو داخل العالم. وهذه من طرق إثبات العلو بالعقل، أن يقال: إن رفع النقيضين ممتنع، وإن جمعهما ممتنع، فإما أن يكون الخالق داخل العالم، وإما أن يكون خارجه. ولا شك أن الله يمتنع أن يكون داخل خلقه، فلزم أن يكون خارجاً عن خلقه، وإن كان خارجاً فإما أن يكون موصوفاً بالعلو على الخلق، أو بعلو الخلق عليه، أو محايدتهم له، ولا شك أن علو الخلق عليه أو محايدتهم له من باب النقص، إذاً لابد أن يكون موصوفاً بالعلو؛ لأن ذلك من تمام كماله سبحانه. وقد يقول قائل: هل نحن بحاجة إلى مثل هذا الاستدلال على إثبات العلو مثلاً؟ فنقول: نعم، فإنه لما ظهر قوم ينفون العلو ويقولون: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، احتيج لمثل هذا الكلام وهذا الدليل العقلي على إثبات علو الله ، وقد استدل به الإمام أحمد ﵀ في بعض مناظراته، وذكره أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب في كتاب الصفات في ذكره لمسألة العلو، وذكره أبو الحسن الأشعري، فهو من أدلة المثبتين للعلو من أئمة أهل السنة والمنتسبين إليها من أعيان المتكلمين المائلين إلى السنة والجماعة؛ كـ أبي محمد ابن كلاب، وأبي الحسن الأشعري وأمثالهما.

стр. 178

يلزم من نفي صفة الكمال عن الله وصفه بما يقابلها قال المصنف ﵀: [ومن قال: إنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم؛ لزمه أن يكون ميتاً أصم أعمى أبكم]. وذلك لأن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر، وهذا لا ينفك عنه هؤلاء إلا بجواب سيشير إليه المصنف هنا إشارة، كما أشار إليه سابقاً، وسيفصله في القاعدة السابعة. وقد اعترض هؤلاء على هذه القاعدة -وهي: أن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر- اعترضوا عليها باعتراض مشهور، وهو قولهم: إن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر في القوابل, أما في غير القوابل فلا يلزم. وقد أجاب المصنف عن هذا الإيراد وهذا الإشكال بعدة أجوبة كما في الفقرة التالية:

стр. 179

قول النفاة أن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر فيما يقبل والرد عليه قال المصنف ﵀: [فإن قال: العمى عدم البصر عما من شأنه أن يقبل البصر، وما لا يقبل البصر كالحائط لا يقال له: أعمى ولا بصير]. فإذا قالوا هذا يقال لهم ابتداءً: لماذا نفيتم أن الله موصوف بالكلام أو بالرؤية أو بالبصر؟ فسيقولون: إن هذا النفي من باب التنزيه عن التشبيه، فيقال لهم: أي تشبيه هذا؟ فسيقولون: التشبيه بمخلوقاته التي توصف بتلك الصفات، فيقال: وما ليس قابلاً هو أيضاً من مخلوقاته، فإن الجبل ونحوه مما ليس قابلاً هي من مخلوقات الله، ومعلوم أنه يقصد تنزيهه عن سائر مخلوقاته؛ بل يقصد تنزيه الباري عن غيره؛ أياً كان ذلك الغير، فإن الله ليس كمثله شيء، فلا مانع إذاً -على حد قولهم- أن يقال: إنه لا يرى؛ لأن المخلوق موصوف بذلك, أو إنه لا يتصف بهذه الصفات؛ لأن المخلوق كذلك. ولذلك فإنهم يعلمون أن الإله الحق لا بد أن تثبت له هذه المعاني، فإن المعتزلة -مثلاً- الذين لا يثبتون الصفات، هل معنى ذلك أنهم لا يصفون الله تعالى بمعنى العلم، فيصفونه بالجهل، أو أن الله لا يوصف بإدراك المبصرات والمسموعات؟ لا. بل إنهم يثبتون ذلك، ولذلك إذا قيل للمعتزلي مثلاً: هل الله يدرك مكاننا هذا الإدراك السمعي والإدراك البصري؟ فسيقول: نعم، فإنه لا يخفى عليه شيء من خلقه؛ لا من حركاتهم، ولا من أفعالهم، ولا من أصواتهم، ولا من أفكارهم، ولا غير ذلك، ولكنه لا يسمع بسمع, بل هو سميع بذاته، وبصير بذاته .. ويفسرون السمع والبصر بالإدراك، وليس بأنه صفة تقوم بذات الرب على المعنى المعروف. إذاً: فهم يثبتون ما يتعلق بحكم الصفة، ولم يستطيعوا أن ينفوه؛ لأن هذا من الإلحاد في حقه ، لكنهم لم يقولوا: إن لله تعالى سمعاً وبصراً يقوم بذاته .. وغير ذلك.

стр. 180

الوجه الأول: أن غير القابل يمكن وصفه بالموت والصمم والعمى ونحو ذلك قال المصنف ﵀: [قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام، يمكن وصفه بالموت والصمم والعمى والخرس والعجمة]. هذا هو الوجه الأول في الرد عليهم، وهو أن يقال: إن هذا اصطلاح, ولغة العرب واسعة، ولاسيما أن الذين يتكلمون بهذه الاصطلاحات -من أئمة المعتزلة مثلاً- هم الذين يتكلمون بمسألة الحقيقة والمجاز، ولسان العرب واسع في باب المجازات. فيقول المصنف: إن هذه الأشياء -أي: الجمادات- يمكن أن توصف، وقد ورد في كلام العرب، بل وفي القرآن أن الله تعالى وصف بعض الجمادات ببعض صفات الأحياء، كمثل قول الله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] فقد وصف الله الجدار بأنه يريد أن ينقض، وسواء قلتم: إن هذا من باب المجاز، أو من باب الحقيقة، فإن هذا وجه آخر، لكن المهم أن هذه الصفة ترد حتى في حق الجمادات. وهذا الرد لك أن تقول: إنه رد اصطلاحي لفظي من باب اللغة، وليس هو بالضرورة الرد المحكم اللازم.
следующие страницы →