← Акыда

Акыда · id 37782

شرح القواعد السبع من التدمرية

يوسف الغفيص

Полный текст (320 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

شبهة حول الحوادث وقول المصنف: (وكذلك كونه لا يتكلم أو لا ينزل ..): قد يقول قائل: هل من لازم الإله الحق أن يكون متصفاً بالنزول؟ أليست هذه الصفة صفة خبرية سمعية لم يثبتها العقل ابتداء كصفة العلم والكلام ونحوها؟ والجواب: أن يقال: إن نفاة الصفات التي تسمى: الصفات الخبرية، أي: التي نطق بها القرآن أو السنة، والعقل لم يدل عليها ابتداء، ولكنه لا ينافيها، وذلك كصفة النزول، نفاة هذا النوع من الصفات لا ينفونها لذات الصفة وحدها، ولذلك فلو كانت العلة عندهم أن حديث النزول آحاد، وسلمنا جدلاً أنه من الآحاد، وسلمنا جدلاً أن الآحاد لا يحتج به في العقيدة، فماذا يقولون في صفة الإتيان والمجيء الذي ذكره الله في القرآن؟! فهم -إذاً- يضطربون في النفي والتأويل، فهذا يردونه لكونه آحاداً، وهذا يتأولونه، إلى غير ذلك. فالإشكال عندهم ليس لأن هذا النص في ذاته مشكل، ولكن الإشكال عندهم هو في القاعدة التي بها ينفون الصفات، وهي ما يسمونها: (حلول الحوادث)، ولتقريب المعنى نقول: ما يسمونه بمسألة الحركة، فأي صفة تتضمن في المعنى العام ما هو بمعنى الحركة فلا يكون عندهم صفة ثابتة. ولذلك فإن الإمام الدارمي ﵀ في رده على الجهمية ذكر إثبات الحركة لله ، مع أن القرآن الكريم لم يذكر كلمة الحركة، وكذلك الرسول ﷺ ، وهذه الكلمة ليست من الكلمات التي تعرض ابتداءً، إنما الذي يعرض هو الأفعال المفصلة في القرآن، لكن في تفصيل الرد على المخالف لابد من إبانة مثل هذه المعاني، ولذلك فقد عرضت هذه الكلمة لبعض الأئمة، واستعملوها على هذا الوجه, وقد جوز الإمام ابن تيمية الاستعمال على هذا الوجه من المناسبة، وذكره عن الإمام الدارمي، وهو موجود في رده على الجهمية، وذكره عن جماعة آخرين. فالمقصود: أن هؤلاء ينفون مسألة الحركة التي سموها باصطلاح علم الكلام: حلول الحوادث. وهذا المعنى هو في حقيقته يرجع إلى المعاني الفلسفية القديمة التي كان أصحابها لا يثبتون الفعل في حق الإله ، فهي نزعة مشتقة من الفلسفة. والغريب في الأمر: أن أبا الحسن الأشعري لما رجع عن الاعتزال قال: "إن دليل الأعراض الذي بنت المعتزلة عليه قولها في صفات الله تعالى هو متلقى من الفلسفة". وهذا أمر مهم جداً، فإن القائل لهذا الكلام ليس هو ابن تيمية أو بعض العلماء من أئمة السنة؛ بل إنه أبو الحسن الأشعري، وقد كان إماماً في مذهب المعتزلة سابقاً، وإماماً من أئمة المتكلمين، ولم يزل على هذا العلم مع انتسابه في آخر أمره إلى أهل السنة والجماعة، فقد نص على أن دليل الأعراض الذي بنت المعتزلة عليه القول في الصفات متلقى من الفلسفة. والعجب أن الأشعري قال هذا الكلام ولم يسقط هذا الدليل؛ بل استعمله، ولكنه عدل فيه شيئاً، وأثبت بهذا التعديل أصول الصفات؛ كالحياة، والكلام، والسمع والبصر، ونحو ذلك, ونفى صفات الأفعال التي سماها: حلول الحوادث، فنفيه لما سماه: حلول الحوادث، بقية بقيت عليه من دليل المعتزلة ومن مذهبها، وقد نص على أن دليل المعتزلة دليل فلسفي، فيلزم من هذا -كنتيجة علمية- أن يكون الأشعري قد بقي عليه بقية من هذا الدليل الفلسفي، وبقي عليه بقية من نتيجته، وهي ما سماها بمسألة: حلول الحوادث، أي: نفي مسألة الحركة. ولذلك نجد أنهم يتأولون الاستواء على العرش، والأشعري يثبت الاستواء، لكنه لا يثبته على بابه من الفعل المعروف في الإثبات عند الأئمة، ونجد أنهم يتأولون النزول والمجيء والإتيان، وإذا تكلموا في إرادة الله قالوا: إن هذه إرادة واحدة، وعندما تكلم الأشعري وابن كلاب عن صفة الكلام قالوا: إن الله يتكلم لأن الكلام صفة عقلية ضرورية، لكن عندما قيل: إنه يتكلم بحرف وصوت، عرضت لهم مسألة حلول الحوادث، فلزم أن يكون هذا على تقديرهم من باب حلول الحوادث، فرجع ابن كلاب وتبعه الأشعري في ذلك، فقالوا: إن الكلام هو معنى يكون في النفس واحد، ليس بحرف ولا صوت. وقد أتوا بهذه الفلسفة في تعريف الكلام -وهي فلسفة لم يعرفها الناس، لا من أهل اللسان العربي، ولا من أهل العقل، ولا غير ذلك- ليتخلصوا من مشكلة نفي صفة الكلام، وهي صفة عقلية كمالية بينة، فأثبتوا صفة من صفات الكلام لضرورة إثباتها، ولكنهم فسروها هذا التفسير ليتخلصوا مما سموه: حلول الحوادث، وهو: كل ما أوجب حركة. والمقصود بالحركة هنا هو معناها الفلسفي، وليس المعنى اللغوي العربي، فالمقصود بكل ما يتضمن حركة هو المعنى الفلسفي التي كان يقصد أرسطو طاليس وأمثاله كـ ابن سينا، فإنه في كثير من تعبيره ينص على أن الإله الحق مجرد عن الحركة، ويفسر الحركة تفسيراً فلسفياً. ولسنا نقول: إن الأشعري مثل ابن سينا .. كلا! فإن الأشعري رجل عظم السنة وانتسب إليها, وهو رجل له علم وديانة، وقصد لأهل السنة والجماعة، وإن كان على بدعة وأغلاط، ولكن دين الإسلام لا يرجع فيه إلى رجل أو أهل بيت، أو طائفة من الطوائف، فإن النبي ﵊ قد عظم أهل بيته، وقال: (والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرئ الإيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي)؛ ولكنه لم يوجب على المسلمين أن يرجعوا في دينهم وفي معتقدهم، أو في أصولهم إذا أشكل عليهم شيء أن يرجعوا إلى أحد من أهل بيت النبوة؛ بل إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]. إذاً: مسألة التعصب يجب على الأمة أن تنفك عنها في أي واد كان هذا التعصب, سواء كان تعصباً فقهياً, أم تعصباً لرجل في الاعتقاد، أو غير ذلك. فالمقصود: أن هذه الإشكالات التي دخلت على الأشعري وعلى غيره، وشوشت على أمرهم، مادتها مادة جاءت بمثل هذا التدرج. إذاً: ابن سينا -كما مر- يتكلم عن مسألة تجريد الله عن الحركة على هذا المعنى الفلسفي، أي: تجريده عن الفعل ونحو ذلك، ولذلك قال: إن العالم تولد عن العقول العشرة، والنفوس التسعة، ونحو ذلك، ويحقق نفي الحركة نفياً فلسفياً فيقول: أن الباري يعلم الأشياء ليس بعلم جزئي وإنما بعلم كلي. وهو يقول هذا الكلام ليتخلص -بزعمه- من مسألة الحركة. وحقيقة هذا التخلص الفلسفي أنه يقود إلى تعطيل الله عن صفات الفعل؛ سواء ما سمي بالفعل اللازم، أو بالفعل المتعدي, ولذلك فإن أساطين الفلسفة الأوائل -أي: قبل الإسلام- لم يكونوا يثبتون أن الله أو أن الإله عندهم هو الخالق للعالم؛ لأن هذا من معاني الحركة التي هم يقصدون إلى تجريد الإله منها, وهذا الذي كان عليه أرسطو طاليس وأمثاله. إذاً: هذه نزعات تأثر بها هؤلاء من أهل القبلة، كـ الأشعري وغيره.

стр. 177

رفع النقيضين وجمعهما ممتنع قال المصنف ﵀: [فمن قال: لا هو مباين للعالم، ولا مداخل للعالم، فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له]. وذلك لأن هذا من باب رفع النقيضين، وهي جملة: لا هو مباين للعالم -أي: منفك عنه وخارج عنه- ولا هو داخل العالم. وهذه من طرق إثبات العلو بالعقل، أن يقال: إن رفع النقيضين ممتنع، وإن جمعهما ممتنع، فإما أن يكون الخالق داخل العالم، وإما أن يكون خارجه. ولا شك أن الله يمتنع أن يكون داخل خلقه، فلزم أن يكون خارجاً عن خلقه، وإن كان خارجاً فإما أن يكون موصوفاً بالعلو على الخلق، أو بعلو الخلق عليه، أو محايدتهم له، ولا شك أن علو الخلق عليه أو محايدتهم له من باب النقص، إذاً لابد أن يكون موصوفاً بالعلو؛ لأن ذلك من تمام كماله سبحانه. وقد يقول قائل: هل نحن بحاجة إلى مثل هذا الاستدلال على إثبات العلو مثلاً؟ فنقول: نعم، فإنه لما ظهر قوم ينفون العلو ويقولون: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، احتيج لمثل هذا الكلام وهذا الدليل العقلي على إثبات علو الله ، وقد استدل به الإمام أحمد ﵀ في بعض مناظراته، وذكره أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب في كتاب الصفات في ذكره لمسألة العلو، وذكره أبو الحسن الأشعري، فهو من أدلة المثبتين للعلو من أئمة أهل السنة والمنتسبين إليها من أعيان المتكلمين المائلين إلى السنة والجماعة؛ كـ أبي محمد ابن كلاب، وأبي الحسن الأشعري وأمثالهما.

стр. 178

يلزم من نفي صفة الكمال عن الله وصفه بما يقابلها قال المصنف ﵀: [ومن قال: إنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم؛ لزمه أن يكون ميتاً أصم أعمى أبكم]. وذلك لأن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر، وهذا لا ينفك عنه هؤلاء إلا بجواب سيشير إليه المصنف هنا إشارة، كما أشار إليه سابقاً، وسيفصله في القاعدة السابعة. وقد اعترض هؤلاء على هذه القاعدة -وهي: أن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر- اعترضوا عليها باعتراض مشهور، وهو قولهم: إن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر في القوابل, أما في غير القوابل فلا يلزم. وقد أجاب المصنف عن هذا الإيراد وهذا الإشكال بعدة أجوبة كما في الفقرة التالية:

стр. 179

قول النفاة أن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر فيما يقبل والرد عليه قال المصنف ﵀: [فإن قال: العمى عدم البصر عما من شأنه أن يقبل البصر، وما لا يقبل البصر كالحائط لا يقال له: أعمى ولا بصير]. فإذا قالوا هذا يقال لهم ابتداءً: لماذا نفيتم أن الله موصوف بالكلام أو بالرؤية أو بالبصر؟ فسيقولون: إن هذا النفي من باب التنزيه عن التشبيه، فيقال لهم: أي تشبيه هذا؟ فسيقولون: التشبيه بمخلوقاته التي توصف بتلك الصفات، فيقال: وما ليس قابلاً هو أيضاً من مخلوقاته، فإن الجبل ونحوه مما ليس قابلاً هي من مخلوقات الله، ومعلوم أنه يقصد تنزيهه عن سائر مخلوقاته؛ بل يقصد تنزيه الباري عن غيره؛ أياً كان ذلك الغير، فإن الله ليس كمثله شيء، فلا مانع إذاً -على حد قولهم- أن يقال: إنه لا يرى؛ لأن المخلوق موصوف بذلك, أو إنه لا يتصف بهذه الصفات؛ لأن المخلوق كذلك. ولذلك فإنهم يعلمون أن الإله الحق لا بد أن تثبت له هذه المعاني، فإن المعتزلة -مثلاً- الذين لا يثبتون الصفات، هل معنى ذلك أنهم لا يصفون الله تعالى بمعنى العلم، فيصفونه بالجهل، أو أن الله لا يوصف بإدراك المبصرات والمسموعات؟ لا. بل إنهم يثبتون ذلك، ولذلك إذا قيل للمعتزلي مثلاً: هل الله يدرك مكاننا هذا الإدراك السمعي والإدراك البصري؟ فسيقول: نعم، فإنه لا يخفى عليه شيء من خلقه؛ لا من حركاتهم، ولا من أفعالهم، ولا من أصواتهم، ولا من أفكارهم، ولا غير ذلك، ولكنه لا يسمع بسمع, بل هو سميع بذاته، وبصير بذاته .. ويفسرون السمع والبصر بالإدراك، وليس بأنه صفة تقوم بذات الرب على المعنى المعروف. إذاً: فهم يثبتون ما يتعلق بحكم الصفة، ولم يستطيعوا أن ينفوه؛ لأن هذا من الإلحاد في حقه ، لكنهم لم يقولوا: إن لله تعالى سمعاً وبصراً يقوم بذاته .. وغير ذلك.

стр. 180

الوجه الأول: أن غير القابل يمكن وصفه بالموت والصمم والعمى ونحو ذلك قال المصنف ﵀: [قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام، يمكن وصفه بالموت والصمم والعمى والخرس والعجمة]. هذا هو الوجه الأول في الرد عليهم، وهو أن يقال: إن هذا اصطلاح, ولغة العرب واسعة، ولاسيما أن الذين يتكلمون بهذه الاصطلاحات -من أئمة المعتزلة مثلاً- هم الذين يتكلمون بمسألة الحقيقة والمجاز، ولسان العرب واسع في باب المجازات. فيقول المصنف: إن هذه الأشياء -أي: الجمادات- يمكن أن توصف، وقد ورد في كلام العرب، بل وفي القرآن أن الله تعالى وصف بعض الجمادات ببعض صفات الأحياء، كمثل قول الله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] فقد وصف الله الجدار بأنه يريد أن ينقض، وسواء قلتم: إن هذا من باب المجاز، أو من باب الحقيقة، فإن هذا وجه آخر، لكن المهم أن هذه الصفة ترد حتى في حق الجمادات. وهذا الرد لك أن تقول: إنه رد اصطلاحي لفظي من باب اللغة، وليس هو بالضرورة الرد المحكم اللازم.

стр. 181

الوجه الثاني: أن كل موجود يقبل الاتصاف بهذه الصفات وما يقابلها قال المصنف ﵀: [وأيضاً: فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإن الله قادر على جعل الجماد حياً، كما جعل عصا موسى حية ابتلعت الجبال والعصي]. هذا هو الوجه الثاني في الرد، وهو رد عقلي، يقول فيه المصنف: إنكم تقولون: إن ثمة من الموجودات ما لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات, كالجمادات، فإنها لا توصف بالسمع ولا بالبصر، وليست قابلة لها، فلو سلمنا أنها لا توصف بذلك في كلام العرب، فهل عدم قبولها لها يدل على أن هذه الصفات ممتنعة عليها، أم أن هذه الصفات ممكنة في حقها؟ يقول المصنف: إن كل مخلوق يمكن أن تقوم به صفة من الصفات، ولا يلزم من هذا القيام أن تنقلب حقيقته, وضرب لذلك مثلاً بعصا موسى، وهذا مثال صحيح، ولكن لو مثل بمثال أقرب إلى التحقيق العقلي لهذا الرد لكان أولى، وهو أن يقال: لقد ثبت في الصحيح من حديث جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث)، فهل انقلب هذا الحجر وقت السلام على النبي ﷺ -كما انقلبت عصا موسى- إلى شخص يسلم ثم يرجعه الله حجراً، أم أنه يصدر هذا الصوت وهو على حجريته؟ الجواب: أنه يصدر هذا الصوت وهو على حجريته. والله تعالى يقول عن السماوات والأرض: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] فما هو هذا التسبيح؟ هل هو شيء مدرك أم غير مدرك؟ لو كان ظاهراً لنا كسير السحاب مثلاً، وثبوت الجبال، وما إلى ذلك؛ لكان شيئاً مدركاً. فيقال إذاً: إن الله وصفها بصفة لا ندركها، مما يدل على أن هذه الصفة تقوم بها، وأنها تسبح تسبيحاً خارجاً عن ظواهرها؛ كحركة السحاب وثبوت الجبال، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] مما يدل على أن هذه الصفات ممكنة في حق الجمادات؛ بل إن التحقيق: أن هذه الجمادات التي تسمى جمادات وهي متحركة حركة تناسبها، أو قائمة قياماً يناسبها, أنها تقوم بها صفات، ومن الصفات التي تقوم بها -ولا تزال قائمة بها قياماً حقيقياً لا يقبل الإدراك- تسبيحها, فإن الله تعالى قال ولم يستثن شيئاً: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء:٤٤]. إذاً: قول المتكلمين وغيرهم: إن هذه ليست قابلة، ليس بصحيح؛ بل هي قابلة، بل إنها تقوم بها بعض الصفات، وإذا قامت بها صفة واحدة وهي أنها تسبح لله، فإن هذا يكفي حتى نحكم عليها أنها من القوابل. فتكون النتيجة: أن سائر المخلوقات من باب القوابل، إما قوابل حقيقة قائمة، وإما قوابل من جهة إمكانها. ولو قال قائل: إن كل المخلوقات قابلة لصفات ما يخلقها الله فيها قيام قبول على الحقيقة، لم يكن بعيداً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] والتسبيح هو صفة لا بد أن يكون عن قيام صفة تنتج هذه الصفة الثانية، فإن الصفة الأولى هي فرع عن صفة سابقة لها، والفعل يتسلسل إلى فعل آخر .. وهكذا. فالمصنف يريد أن يصل إلى أنه لا يوجد في الموجودات إلا شيء تكون الصفات قائمة به، أو يقبل قيام الصفات به. وأنتم تقولون -أي: المخالفون- إن الإله ليس قابلاً، أي: تمتنع عليه الصفات، فيقول: إنه يمتنع أن يكون هناك شيء موجود ويقال فيه: إنه تمتنع عليه الصفات؛ بل لا بد من ثبوت الصفات، إما ثبوت تحقق، وإما ثبوت إمكان. فإذا استقرت هذه القاعدة، وهي أن كل موجود إما أن يكون موصوفاً بالصفات، أو قابلاً لها؛ فإن ما كان في حق الله فإنه من باب الواجب؛ لأن ما أمكن له وجب، ولذلك فإن صفات الكمال صفات واجبة له، وإذا كانت الأشياء الممكنة تقبل هذه الصفات، فكيف بواجب الوجود، الذي لا معنى لوجوب وجوده إلا أنه متصف بربوبيته ، وأنه الخالق وما سواه مخلوق، وأنه موصوف بالكمال، وأنه المعبود بحق، وما إلى ذلك من الصفات، وهذا هو معنى التوحيد. وهذا وجه شريف وقوي من جهة الدليل العقلي.

стр. 182

الوجه الثالث: أن الذي لا يقبل الصفات أعظم نقصاً ممن يقبل الصفات ونقائضها قال المصنف ﵀: [وأيضاً: فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصاً ممن يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا العمى، ولا الكلام ولا الخرس، أعظم نقصاً من الحي الأعمى الأخرس]. هذا هو الوجه الثالث في الرد، وهو من باب التسليم الجدلي. فيقول المصنف: لو سلمنا جدلاً بصحة الاصطلاح، وسلمنا جدلاً بصحة المعنى -أي: أن الموجودات قوابل وغير قوابل، أي: يمتنع عليها القبول- لو سلمنا بذلك، فأيهما أكمل في العقل: الأشياء القابلة أم غير القابلة؟ لا شك أن القوابل أكمل من غير القوابل، فيقول: أنتم فررتم من تشبيهه بشيء من مخلوقاته -على حد زعمكم- فشبهتموه بشيء من مخلوقاته أنقص منها، وقطعاً في حكم العقل أنها أنقص منها، وهي الأشياء غير القابلة للصفات، فإن غير القابل أنقص من القابل عقلاً. وقد يقول قائل: هل معنى هذا أن أهل العلم ومن نظر في باب الصفات لا يستطيعون الانفكاك إما عن التشبيه بالقوابل أو بغير القوابل؟ والجواب: لا. إنما هؤلاء عندما لم يحسنوا تفسير التشبيه الذي نفته النصوص، ونفاه العقل، ونفته الفطرة؛ وقعوا في هذه المضايق وهذه الإشكالات؛ لأنهم لم يفهموا معنى التشبيه الذي نفته النصوص، وظنوا أن التشبيه الذي نفته النصوص هو الاشتراك في الاسم المطلق، فذهبوا يهربون هذه المهارب, فوقعوا في نظير ما فروا منه؛ بل في شر منه، وإلا فلو فقهوا التشبيه الذي نفته النصوص لما لزم منه أن يكون الله مشابهاً لشيء؛ لا لما يسمونه قابلاً، ولا لما يسمونه غير قابل. قال المصنف ﵀: [فإذا قيل: إن الباري لا يمكن اتصافه بذلك، كان في ذلك من وصفه بالنقص أعظم مما إذا وصف بالخرس والعمى والصم ونحو ذلك، مع أنه إذا جعل غير قابل لهما، كان تشبيهاً له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منهما، وهذا تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات، فكيف ينكر من قال ذلك على غيره ما يزعم أنه تشبيه بالحي؟!]. مع أن التحقيق الشرعي والعقلي أن الله لا يوصف لا بهذا ولا بهذا، ولكن المصنف يقول: إن من نفيت عنه صفة وهو قابل لها، فهو أكمل في العقل ممن نفيت عنه صفة لكونها ممتنعة عليه. وبعبارة أخرى: إذا نفيت صفة الكمال عن معين وهو قابل لها، فإن هذا أكمل مما إذا نفيت عن معين وهو غير قابل لها. ثم يذكر المصنف أنهم يقولون: إن أئمة السنة قد شبهوا الله تعالى بالمخلوقات، فشبهوه ببني آدم ونحوهم الذين يتكلمون، ويسمعون، ويبصرون، ويعلمون .. إلخ، وتقوم بهم هذه الصفات، فيقول المصنف: إذا كان هذا هو مفهوم التشبيه عندكم، فإن قولكم: إنه لا يتكلم، ولا يوصف بالسمع، ولا بالبصر، ولا بغير ذلك من الصفات، يعتبر تشبيهاً له بالجمادات، فلماذا كان ذلك التشبيه -بزعمكم- شناعةً على الأئمة، وهذا التشبيه الذي هو شر منه لم يكن شناعة عليكم؟ فإن قيل: فما المخرج؟ قيل: المخرج أن عندهم إشكالاً في تفسير التشبيه الذي نفته النصوص، فإنهم لم يفقهوه، وإلا فلو فقهوه لما لزم لا هذا ولا هذا، فإن الله منزه عن مشابهة سائر مخلوقاته.

стр. 183

الوجه الرابع: أن نفي الصفات نقص وإثباتها كمال قال المصنف ﵀: [وأيضاً: فنفس نفي هذه الصفات نقص، كما أن إثباتها كمال، فالحياة من حيث هي، هي -مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها- صفة كمال]. هذا هو الوجه الرابع في الرد، يقول المصنف: إننا أثبتنا صفة العلم من باب أن عدم إثباتها يستلزم الجهل، وهذا دليل عقلي على أن نفي أحد المتقابلين يستلزم ثبوت الآخر، فعندما علم بالعقل أن الله منزه عن الجهل؛ دلَّ العقل ضرورة على أن الله متصف بالعلم. هذا هو وجه الإثبات، لكن هل الإثبات بحكم العقل فضلاً عن حكم الشرع يقتصر على ذلك؟ نقول: لا. فهناك أوجه وأدلة من العقل تقضي بهذه الصفات، ومن هذه الأوجه ما ذكره المصنف في الوجه الرابع، وهو أن هذه الصفات -كالحياة، والكلام، والسمع، والبصر، ونحوها- هي صفات كمال إذا كانت مطلقة ولم تضف لا إلى الله ولا إلى المخلوق، وهذا الكمال الذي هو كمال ضروري للموجود لا بد أن يكون واجب الوجود متصفاً به. ومعلوم أن بني آدم حينما وصفوا بأنهم يعلمون ويسمعون ويبصرون؛ دل ذلك على كمالهم؛ لأن هذه صفات كمال، فكيف تصفون المخلوق بهذا الكمال وتعطلون الخالق عنه؟! سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً! إذاً: من الأدلة على إثبات هذه الصفات: أن هذه الصفة بتجريدها عن الإضافة صفة كمال، والله تعالى أولى بأن يوصف بالكمال؛ ولذلك فقد سبق أن الله تعالى يذكر الصفات المطلقة على الإطلاق، وهي الكماليات المطلقة، وذلك كصفة العلم، فإن الله تعالى قد ذكرها مطردة مطلقة، بخلاف صفة الكيد والمكر، فإن الله تعالى لم يذكرها إلا مقيدة، كما قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] وغير ذلك من الآيات. قال المصنف ﵀: [وكذلك العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والفعل ونحو ذلك، وما كان صفة كمال فهو أحق بأن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به؛ لكان المخلوق أكمل منه]. قوله: (لكان المخلوق أكمل منه): وهذا غلط من جهة العقل وغلط من جهة الشرع؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] ولذلك فإن المحققين من المتكلمين -كـ ابن كلاب والأشعري وأمثالهم- مهما كان عندهم من الميل عن السنة والجماعة من المسائل، إلا أنهم أثبتوا جملة من الصفات وسموها: الصفات العقلية، وقد سبق أن قال المصنف: إن من يثبت الصفات السبع لو روجع فيها وقيل له: لماذا أثبتها ولم تثبت غيرها؟ لقال: لأنه دل عليها العقل، أي: أنها صفات لازمة من حيث الضرورة العقلية. وقوله: أنها لازمة من حيث الضرورة العقلية، كلام صحيح؛ لكن من الصحيح أيضاً أن هناك جملة أخرى من الصفات لازمة من حيث الضرورة العقلية، وأن ما لم يثبته العقل لم يثبت في الشرع.

стр. 184

مقارنة بين من ينفون عن الله النقيضين وبين من يصفونه بالنفي فقط قال المصنف ﵀: [واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين، حتى يقولوا: ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي. ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول، كالجمع بين النقيضين]. قوله: (الجهمية المحضة كالقرامطة): فإن جهماً ظهر قبل ظهور القرامطة، والقرامطة منزع غير منزع المتكلمين، والجهمية المحضة هم الغلاة من نفاة الصفات, ولذلك ربما قال ابن تيمية: "وابن سينا وأمثاله من الجهمية الغلاة", مع أن ابن سينا جاء بعد الجهم بن صفوان، وهو يرى أن الجهم بن صفوان ليس على جادة محكمة. فالمقصود بكلمة التجهم على هذا التقرير: الغلاة من نفاة الصفات، كما أنهم ربما استعملوا كلمة التجهم على معنى الوقوع في شيء من نفي الصفات, وربما استعملوها على معنى الغلو، وربما استعملوها على معنى القصر, أي: أن ما وقع من نفي الصفات سموه تجهماً، أو سموا مقالته: من أقوال الجهمية، ولذلك يقول الإمام أحمد: "من قال: إن القرآن مخلوق فهو جهمي"، والمقصود أن هذه المقالة جهمية، لا أن من قالها فهو جهمي محض، وإن كان منتسباً للسنة. قال المصنف ﵀: [وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليس بحي ولا سميع ولا بصير، وهؤلاء أعظم كفراً من أولئك من وجه، وأولئك أعظم كفراً من هؤلاء من وجه]. قوله: (وآخرون وصفوه بالنفي فقط): أي: بالسلوب المحضة, وربما زادوا على مسألة السلوب فتكلموا بما يسمونه: الإضافات، وقد سبق أن ذكر ابن تيمية عن ابن سينا وغيره أنهم يصفونه بالسلوب والإضافات، كقولهم: إنه مبدأ العالم، أو علة العالم، وما إلى ذلك. وقوله: (وهؤلاء أعظم كفراً من أولئك من وجه): أي: الذين هم على طريقة ابن سينا وأمثاله، الذين يصفونه بالنفي، ولا يصفونه بسلب النقيضين. وإذا اعتُبرت الحقائق المتناهية فإن مقالة رفع النقيضين -وهي مقالة غلاة الباطنية- أشد مناقضة من مقالة ابن سينا وأمثاله، وإن كانت كلا المقالتين مخالفة للعقل والنقل. لكن قوله: (وهؤلاء أعظم كفراً من أولئك من وجه)؛ وذلك لأنهم يتكلمون بالنفي، والنفي وحده يقود إلى العدم، بخلاف من يستعمل رفع النقيضين؛ فإنه يعارض نفيه برفعه. ومن هنا صارت المقالة الثانية من هذا الوجه شراً من المقالة الأولى، ثم يقول بعد ذلك: (وأولئك -أي: الباطنية- أعظم كفراً من هؤلاء من وجه)؛ وذلك لأن مخالفة طريقة الباطنية لأوائل العقول أظهر من مخالفة ابن سينا بما يسميه بالسلوب والإضافات، فهؤلاء أعظم كفراً من وجه، وأولئك أعظم كفراً من وجه, لكن من حيث الحقائق المتناهية فإن طريقة الباطنية أبعد عن الشرع والعقل من طريقة ابن سينا وأمثاله. قال المصنف ﵀: [فإذا قيل لهؤلاء: هذا يستلزم وصفه بنقيض ذلك؛ كالموت والصمم والبكم. قالوا: إنما يلزم لو كان قابلاًَ لذلك. وهذا الاعتذار يزيد قولهم فساداً]. قوله: (يزيد قولهم فساداً)؛ لأنه أولاً: ممنوع لفظاً، وثانياً: يلزمهم أن يقعوا في شر مما فروا منه. مقالة: أنه ليس بداخل العالم ولا خارجه: قال ﵀: [وكذلك من ضاهى هؤلاء، وهم الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه] الذين يقولون: ليس هو بداخل العالم ولا خارجه، هم نفاة العلو، لكن هذه الكلمة كلمة فلسفية، أي: تكلم بها المتفلسفة كـ ابن سينا وأمثاله، وتكلم بها غلاة المتكلمين، ولما جاء من تأثر بهم من متأخري متكلمة الصفاتية؛ كـ محمد بن عمر الرازي وأمثاله، عدلوا قليلاً في العبارة فقالوا: (ولا يقال: أنه داخل العالم ..)، وحاولوا التفريق بين مقالتهم وبين مقالة المتفلسفة بمثل هذا الاستثناء، فإن ابن سينا يصرح فيقول: ليس بداخل العالم ولا خارجه، والرازي يقول: ولا يقال أنه داخل العالم ولا خارجه. والفرق بينهما قد يكون له مقصود عام، لكنه عند التحقيق فرق لفظي فقط. إذاً: فالمتأخرون من متكلمة الصفاتية كـ محمد بن عمر وأمثاله من نفاة العلو قد شاركوا المعتزلة، أما المقتدمون منهم؛ كـ أبي الحسن الأشعري، وأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، والقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني، وأبي علي الثقفي، وأمثال هؤلاء المتقدمة من أصحاب الأشعرية، كانوا مثبتة لعلو الله ، وحتى من مال منهم إلى التصوف والسلوك كـ الحارث بن أسد المحاسبي وغيره.

стр. 185

الرد على قول النفاة: إن العلو لا يكون إلا للمتحيز قال المصنف ﵀: [إذا قيل لهم: هذا ممتنع في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث، ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره، قالوا: هذا إنما يكون إذا كان قابلاً لذلك، والقبول إنما يكون من المتحيز، فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين النقيضين]. وهذا هو الممتنع: أن ما ليس بداخل العالم ولا خارج العالم، لا يكون إلا شيئاً معدوماً أو شيئاً ممتنعاً، أما ما كان موجوداً -ولا سيما إذا قيل: إنه موجود قائم بنفسه- فهذا لا بد أن يكون متصفاً بحقيقة الوجودية، وهذا ليس له صلة بالعلم بالكيفيات؛ بل يعتبر من العلم بأوائل الكليات العقلية، أن الموجود لا بد أن يقال: إنه داخل العالم، أو إنه خارج عنه؛ لأن هذا من باب النقيضين، وهو كقولنا: إما أن يكون موجوداً، وإما أن يكون معدوماً. لكنهم يعترضون على هذا بمسألة القابلية، فيقولون: إن هذا في المتحيز، فإنه يقال عن الإنسان أو عن الجبل مثلاً: إما أن يكون داخل العالم، وإما أن يكون خارج العالم. فيقال: إن هذا الوصف يصح للمتحيز، لكنه ليس وصفاً للمتحيز فقط، وإنما قبله المتحيز -على تسميتكم- لكون المتحيز موجوداً، فالآدمي قابل لهذا المعنى لأنه موجود، وهو إما أن يكون خارج العالم أو داخل العالم، ولما علم امتناع كونه خارج العالم؛ دل على أنه داخل العالم. إذاً: هذا الوصف يصح للآدمي لكونه موجوداً؛ لأن كل ما سوى الله تعالى سيكون داخل العالم, والعالم هو كل ما سوى الله تعالى، وكل شيء موجود مهما كانت طريقة قيامه أو صفته أو ما إلى ذلك لا بد أن يكون داخل العالم, فعلم من ذلك اختصاص الباري بأنه بائن عن خلقه. لكن هذا التعبير -وهو قولهم: داخل العالم وخارج العالم- لا يوجد في القرآن؛ لأن الله تعالى قد عبر في القرآن بأشرف السياقات المذكورة في قول الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ولا شك أن العلو تحقيق للمباينة على معنىً فاضل؛ لأن المباينة قد تكون على معنى ناقص، وهو أن يكون الخلق أعلى منه، أو ما إلى ذلك، ولذلك وصف الله تعالى نفسه بالعلو، وبالفوقية، وأنه في السماء .. إلى غير ذلك.

стр. 186

المراد بلفظ التحيز قال المصنف ﵀: [فيقال لهم: علم الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين هو علم مطلق، لا يستثنى منه موجود، والتحيز المذكور إن أريد به كون الأحياز الموجودة تحيط به، فهذا هو الداخل في العالم]. قوله: (فهذا هو الداخل في العالم): والله تعالى منزه عن ذلك باتفاق المسلمين، أي: منزه عن أن يكون داخل العالم. ويستفاد من هذا السياق -خاصة في المناظرات- أن كل دليل عقلي يستعمله نفاة العلو، فهو إذا أمكن صدقه دل على نفي أن يكون الله داخل العالم، ولا شك أن هذا النوع من الدليل إذا صدق على هذا الوجه صار دليلاً على إثبات العلو؛ لأن من الأغاليط التي وقع فيها من وقع، وفرعوا عليها: أنهم ظنوا أن مفهوم قول الأئمة: (إن الله في السماء) هو من جنس قول المسلمين: (إن الملائكة في السماء)، ولذلك فإنهم يقولون: إذا قيل: إنه في السماء؛ لزم أن يكون في جهة، ثم يسلسلون مسألة الجهة، وأن الجهة أكبر منه، وما إلى ذلك من الفلسفة. وهذا كله فرع عن غلط في الفهم؛ لأن قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] لا يعني أن الله في السماء مثل قولك: إن الملائكة في السماء, أو إن عيسى في السماء, فإن قولك: إن الملائكة في السماء، هو بمعنى قولك: إن بني آدم في الأرض، أما قولنا: إن الله في السماء، فليس المقصود بالسماء هي السماوات السبع المخلوقة، وأن الله فيها كظرفية وحلول الملائكة فيها وما إلى ذلك؛ بل السماء هنا بمعنى العلو، أي: أن الله فوق سماواته, ولذلك ذكر الله الكرسي فقال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فما بالك بعرشه الذي هو أعظم من ذلك؟! وما بالك بما يتعلق بذاته ؟! فإنه لا يقدر أحد من الخلق قدر عرشه، فضلاً عن أن يقدر قدر ذاته جل وعلا. إذاً: فهم عندما فهموا فهماً خاطئاً ذهبوا ينفونه، وظنوا أن هذا هو ظاهر القرآن، ولهذا قالوا: كيف يقال: إنه في السماء؟ وقالوا: إنه يلزم من ذلك التحيز، وأن تكون الجهة مخلوقة مع الله؛ لأن السماء مخلوقة، مع أنه لا يقصد بالسماء الشيء المخلوق أن الله فيه، كما يقال: إن الملائكة في السماء، ونحو ذلك. قال ﵀: [وإن أريد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي: مباين لها، متميز عنها، فهذا هو الخروج]. وهذا لا دليل من العقل على نفيه، ولذلك قلنا سابقاً: إن كل ما يذكره المتكلمون أو المتفلسفة من دليل على نفي العلو، فإنه إذا تحقق وصدق يدل على نفي أنه داخل العالم، وهذه حقيقة بدهية، لم يكن هناك حاجة إلى دفعها، ولم يكن أحد يقول بها. ولذلك فإن الرازي يقول: "اعلم أن المسلمين أجمعين لم يذهبوا إلى أن الله داخل العالم إلا الحنابلة والكرامية"، وهذا من عدم إدراك محمد بن عمر الرازي لحقيقة الأقوال والمذاهب، ولذلك يقول ابن تيمية وغيره: "إن أئمة المقالات هم من أكثر الناس علماً بمقالات بني آدم، لكنهم من أجهل الناس علماً بحقيقة أقوال أئمة السنة والجماعة"، وهذا بين، فمثلاً: كتاب الملل والنحل للشهرستاني، نجد أنه يذكر أقوال البراهمة، وأقوال الفرس، وأقوال المتفلسفة الأوائل، وغير ذلك، ويذكر أقوال الطوائف الإسلامية؛ كالمعتزلة وأصناف المعتزلة، ومفصل أقوال أصناف الشيعة، وغير ذلك، لكن عندما يأتي إلى حقيقة أقوال السلف يضطرب في تقريره اضطراباً شديداً. ولذلك فإن الحاذق منهم إذا أراد أن يعرف قول الأئمة، إما أن يعرفه معرفة مجملة؛ كشأن أبي الحسن الأشعري، فقد عرف جملاً من كلامهم، مع أنه قصد الانتصار لهم والتعظيم لشأنهم, لكن القارئ في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) -مع أنه يعد من أجود كتب المقالات، ومصنفه يعد من أعدل المصنفين في المقالات- يلاحظ أنه كتب عن المعتزلة كثيراً، وفصل في حقائق مذهبهم، مع أنه ليس بمعتزلي عندما ألف الكتاب, وكذلك كتب عن طوائف الشيعة كثيراً, وعن طوائف المرجئة، ونحوهم، لكن عندما ذكر مقالة أهل السنة والحديث ذكرها مجملة، وربما أدخل عليها جملاً ليست منها. إذاً: من أكبر الإشكالات عند علماء الكلام والنظار: أنهم لم يفهموا حقيقة المذهب الذي عليه أئمة السنة؛ بل فهموه فهماً خاطئاً, وربما فهموه على وجهه في مسائل ولكنهم لم يقتدوا ولم يعتبروا به، ولا سيما في مسائل الإيمان وأصول التشريع، فإن هذا الباب أقرب إلى الإدراك والانضباط في فهمهم من باب الإلهيات. قال ﵀: [فالمتحيز يراد به تارة ما هو داخل العالم, وتارة ما هو خارج العالم، فإذا قيل: ليس بمتحيز، كان معناه أنه ليس بداخل العالم ولا خارجه]. ولذلك يقال: إن الفاضل منهم إذا أراد أن يعرف مذهب الأئمة، إما أن يعرف مجمله، وإما أن يعرفه بأنه تفويض عام، كشأن إمام الحرمين الجويني، فإنه صنف كتباً؛ كالشامل، والإرشاد الذي سماه: الإرشاد إلى قواطع الأدلة، وانتصر في هذه الكتب انتصاراً صريحاً لمذهبه، ثم بعد ذلك بان له الغلط في هذا الطريق، وصنف الرسالة النظامية، ولكنه زعم أن طريقة الأئمة هي التفويض، وهذا التفويض الذي ينسبه إلى الأئمة المتقدمين، أو يقول: إنه مذهب للسلف، لا يفهم منه الجويني أكثر من كونه ليس تأويلاً، فيقول: إن باب الصفات إما أن فيه تأويلاً، وهو يعلمه علماً مفصلاً، ثم تبين له في الأخير أن التأويل خطأ، فرجع من التأويل إلى التفويض، وربما أن أقرب ماهية للتفويض عنده أنه تركُ التأويل، وعدم الدخول في تفصيل المعاني، ويرى أن أي تحقيق للمعنى يعود إلى مسألة التأويل. إذاً: هذا النقص في العلم سببٌ لهذا الاضطراب الذي وقع فيه هؤلاء النظار من المسلمين الذين خرجوا عن السنة إلى طرق من طرق الابتداع في الدين. قال المصنف ﵀: [فهم غيروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنىً آخر، وهو المعنى الذي علم فساده بضرورة العقل، كما فعل أولئك في قولهم: ليس بحي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل]. إذاً: قولهم: إن إثبات العلو يستلزم التحيز، يقال: ما المقصود بالتحيز؟ فإن قصدتم أن إثبات العلو يستلزم التحيز، أي: أن يكون الله داخل المخلوقات، فهذا لا يلزم، وليس هو المقصود بإثبات العلو؛ لأن إثبات العلو هو بمعنى إثبات مباينة الله وعلوه على خلقه، وإن أردتم أنه يستلزم التحيز، أي: أن الله منحاز عن الخلق، وأنه منفك عنهم مباين لهم, فهذا لا ينفيه العقل؛ بل إن من ينفي هذا فإنه لم يحقق ربوبية الله؛ لأنه يلزمه إذا لم يقل بمباينة الله لخلقه أن يدعي مداخلة الباري للخلق، وهذا هو النقص. إذاً: كلمة (التحيز) من الكلمات المجملة، وسيذكر المصنف في القاعدة الثانية بعض الكلمات التي فيها إجمال، وسيذكر القاعدة في شأنها. إذاً: هذه هي القاعدة الأولى، وقد قصد المصنف منها إلى تفصيل معنى من معاني السلف، وتقرير بعض دلائلهم، والرد على شبه المخالفين لهم.

стр. 187

شرح القواعد السبع من التدمرية [١٥] القاعدة الثانية التي ذكرها شيخ الإسلام في إثبات صفات الله تعالى والرد على نفاتها: أنه يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ عن ربه، فيجب الإيمان بكل ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله ونحوها من خبر أو أمر أو نهي، وكذلك يجب الإيمان بكل ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وما تنازع فيه المتأخرون ففيه تفصيل في قبوله أو رده.

стр. 188

القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به وإن لم يفهم معناه قال المصنف ﵀: [القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه]. هذا السياق من كلام المصنف لو أراد بعض المتكلفين في الفهم وغير المنصفين في وزن أقوال أهل العلم، لربما تكلف حمقاً فقال: إن المصنف نزع في هذه الجملة إلى مسلك التفويض. وهذا إنما أشير إليه ليس من باب الدفاع عن المصنف، وأنه لا يذهب مذهب التفويض؛ لأن المصنف أكبر شأناً من أن يتوهم في شأنه هذا الأمر، ولكن لعل هذا السياق من كلامه يكون مناسبةً لتقرير مقام العدل في وزن أقوال الرجال ولا سيما أهل العلم، وأنه لا يحل لأحد ولا يجوز له شرعاً أن يأخذ المجمل من الأقوال، فيجعل هذا المجمل المشترك المحتمل لأكثر من معنى -يجعله على سيئ المعاني، حتى ولو كان اللفظ أو السياق يمكن أن يفسر بهذا، فإنه لو جوز أحد لنفسه أن يستعمل مثل هذا المنهج؛ لوقع في كلام كثير من أهل العلم من أهل السنة بعض الجمل المجملة التي يمكن أن تفسر إما بنوع من التفويض، أو بنوع من التأويل، أو بنوع من الغلو، أو بنوع من التفريط، أو ما إلى ذلك من أوجه المخالفة والنقص. وقد كان أهل العلم ﵏ لا يرون الزيادة في تفسير المعاني حتى على مخالفيهم, إلا من باب تقرير لوازم أقوالهم، ليعلم أن أقوالهم خطأ، وأما أن ينسب لمعين أنه يقول كذا وكذا من جهة التحقيق والمطابقة لأقواله بلازم من لوازمه، أو بمجمل كلامه، أو ما إلى ذلك، فإن هذا ليس عدلاً. وعليه: فإنه يجب إذا فسر كلام أحد من الأعيان أن يُعتبر حال هذا المعين، فإن كان هذا المعين معروفاً بالسنة والجماعة، وإثبات الصفات مثلاً، لكن جاء في جملة من كلامه سياق فيه اشتراك، بمعنى: أن هذا السياق استعمله المفوضة، فإنه لا يحل لأحد أن يقول: إن هذا المصنف قد غلط وفوض، ونحو ذلك. ولكن لا بأس أن يقال: لو أن المصنف عبر بغير هذا السياق لكان أحسن وأجود، فإن هذا من باب الضبط والتحقيق، وبيان أن الألفاظ المشتركة مع المخالفين لا ينبغي أن يعبر بها، لكن أن يلزم المصنف بحقيقة هذا اللفظ المشترك على معنى من المعاني المخالفة، فإن هذا لا يقع فيه إلا من كان عنده إما نقص من جهة العلم, أو نقص من جهة العدل، فإن الله يقول: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] فمن دخلت عليه مادة من الجهل، أو مادة من الظلم؛ ركب هذا المرتقى الصعب، وعد ذلك من باب الانتصار، أو من باب التحقيق، أو من باب تمييز الحق، أو ما إلى ذلك. ولا شك أن من قواعد الحق وأصوله: العدل بين الخلق، فإن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، فلابد أن يكون العدل منهجاً لطالب العلم، فإن أولى الناس بالعدل هم أهل العلم؛ لأن العدل حقيقته: هو العمل بقضاء الله ، وقضاء رسوله ﷺ . إذاً: هذه الجملة من كلام المصنف تفسر على أحد وجهين: الوجه الأول: أن يقال: إن المصنف قصد بقوله: (أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف)، قصد به أن الأصل في قواعد الشريعة أن كل ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه حق يجب الإيمان به، وليس الإيمان بما أخبر به الرسول ﷺ فرعاً عن المعرفة بمفصل المعنى؛ بل إن مجرد كونه خبراً من رسول الله ﷺ يكون هذا موجباً للإيمان والتصديق، بخلاف بعض المعاني التي لا تكون من صاحب النبوة، فإنها لا تصدق إلا إذا بان صدقها من جهة الإدراك لمعناها الصادق. أما إذا كان المعنى مجملاً أو منغلقاً، فإن الإنسان ليس مكلفاً بتصديقها, لكنها لما جاءت من صاحب النبوة ﵊، فإن الأصل أنه يؤمن بما أخبر به وإن لم يعرف معناه. وعلى هذا التفسير فلا يلزم أن يكون المصنف قصد أن هناك جملة من خبر الرسول عن ربه لا يعرف معناه، بل هو يقول: إن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به من حيث أنه خبر من صاحب النبوة، حتى لو فرض جدلاً أن المعنى هنا ليس معلوماً، فإن عدم العلم بالمعنى لا يوجب التأويل أو الرد؛ لأن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى، وهذا من التعبير الذي يستعمله أهل العربية في كلامهم، فيكون هذا من باب اللزوم الذاتي، أنه يلزم الإيمان بما أخبر به النبي من حيث هو، وليس الذي أوجب الإيمان بالذي أخبر به النبي هو العلم بمفصل المعاني؛ بل إن مجرد كونه خبراً يجب الإيمان به, ولذلك لو سمع أعجمي كلاماً من كلام صاحب النبوة، فقيل له: إن هذا كلام نبي الله ﵊؛ لوجب عليه أن يصدق هذا الكلام، وإن لم يكن في قلبه تصديق بهذه الكلمات، وإيمان بها، وتعظيم لها، وقبول لها، وإن كان ليس فقيهاً لسائرها. فهذا من باب أن العلم بما أخبر به الرسول عن ربه هو علم إيماني؛ لأن هذا هو من تحقيق نبوة محمد ﵊، ومن تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله. الوجه الثاني: أن يقال: ربما قصد المصنف بالمعنى هنا: التمام من المعنى، وهو ما يتعلق بإدراك المعنى إدراكاً تاماً، بحيث يكون هذا من باب العلم بالكيفيات، فكأنه قصد أن ما أخبر به النبي عن ربه فإنه يجب الإيمان به، وإن لم نعرف تمام المعنى الذي هو الإحاطة بماهية المعنى، والإحاطة بماهية المعنى قد تفسر بمعنى الكيفية. وقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال: "نؤمن بها لا كيف ولا معنى"، وهذا الذي روي عن الإمام أحمد -إذا ما صح عنه- فإنه يفسر بأن المعنى الذي نفاه الإمام أحمد ليس هو المعنى الذي كانت تنفيه المعتزلة وغيرهم من الطوائف، ولكن إما أنه ينفي المعنى الفاسد، وإما أنه ينفي العلم بالكيفيات. وقد يقول قائل: إن هناك فرقاً في لسان العرب بين كلمة (المعنى) وبين كلمة (الكيفية)، وهذا يقود إلى أن هذه التعبيرات قد لا تكون هي المناسبة على كل تقدير، لكنها إذا وردت من أحد من المعروفين بالسنة والجماعة لزم أن تفسر على هذا الوجه. فالمقصود: أن هذا الكلام من كلام المصنف يخرج على أحد هذين الوجهين، وكأن التخريج الأول أصح، بمعنى: أنه يقول: إن ما أخبر به النبي ﷺ عن ربه فإنه يجب الإيمان به من حيث هو خبر صاحب النبوة، وإن كان من موجبات الإيمان به ما تضمنه من المعنى اللائق بالله ، فيصير الإيمان به متحركاً في نفوس الخلق من جهتين: من جهة أنه كلام صاحب النبوة، ومن جهة أنه تضمن معنى من الكمال اللائق بالله .

стр. 189

ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها يجب الإيمان به قال المصنف ﵀: [وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصاً في الكتاب والسنة متفقاً عليه بين سلف الأمة]. قوله: (وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها): أي: أن ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها فإنه يجب الإيمان به، والاتفاق -الذي هو الإجماع- لابد أن يكون مبنياً على نص، والمقصود بالنص: الدليل الشرعي، سواء كان هذا من باب النص المعروف في مصطلح الأصوليين، وهو الجملة الصريحة في الدلالة، أو كان من باب الحكم على خبر معين، فربما كان الإجماع مبنياً على مثل هذا, وربما كان الإجماع مبنياً على جملة من الدلائل، بمعنى: أن العلماء أجمعوا في مسألة من المسائل، وتجد أن دليل الإجماع هو جملة من الأدلة، وقد يكون بعض هذه الأدلة نصياً، وبعضها من باب الظاهر. وقوله: (مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصاً في الكتاب والسنة، متفقاً عليه بين سلف الأمة): أي: باب أصول الديانة، وباب صفات الله الذي ذكر المصنف تقريره، فباب الصفات ليس مما يثبت بالكتاب وحده، أو بالسنة وحدها، أو بالإجماع وحده؛ بل عامة هذا الباب نجد أن الأدلة متواترة في شأنه، وهكذا هو شأن قواعد هذا الباب، فإن قواعد باب الأسماء والصفات -أي: القواعد الكلية في هذا الباب- لا شك أنها ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. وكذلك جمهور التفصيل في هذا الباب ثابت أيضاً بالكتاب والسنة والإجماع، وربما ذكر النبي ﷺ في حديثه صفة لم يذكرها القرآن، لكن نجد أن نوعها مذكور في متواتر القرآن، كالنزول مثلاً، فإن الله لم يذكر في كتابه أنه ينزل إلى السماء الدنيا، لكن نجد أن نوع هذه الصفات قد جاء ذكره في القرآن في ذكر مجيء الله، وإتيانه، واستوائه على عرشه، ونحو ذلك. إذاً: هذه هي الأصول الثلاثة في تقرير الاعتقاد، وهي: الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة.

стр. 190

الألفاظ التي لم يرد بها دليل شرعي قال المصنف ﵀: [وما تنازع فيه المتأخرون نفياً وإثباتاً، فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحداً على إثبات لفظه أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقاً قبل، وإن أراد باطلاً رد]. مقصود المصنف بالمتأخرين هنا: الذين جاءوا بعد ظهور البدع في مسائل الصفات، فهؤلاء المتأخرون الذين انحرفوا عن هدي السلف، وخرجوا بشيء من الأقوال المحدثة، ولم يقتدوا بكلمات القرآن وكلمات النبي ﵌، واستعملوا ألفاظاً مجملة، فصارت القاعدة هنا: (أن كل لفظٍ مجملٍ حادث فيما يتعلق بأسماء الرب وصفاته وأفعاله، فإنه لا يجوز أن يطلق إثباتاً ولا نفياً)، فلابد أن يجتمع فيه الأمران: الأول: أنه مجمل، أي: أنه يحتمل أكثر من معنى، والثاني: أنه حادث، أي: مبتدع لم يذكر في الكتاب والسنة, ولا في إجماع كلمات الأئمة، وهذه الألفاظ المجملة الحادثة قال المصنف: ليس على أحد بل ولا له أن يطلق إثباتها أو أن يطلق نفيها. وقولنا: (كل لفظ مجمل)، المقصود بالإجمال هنا: الإجمال بوضع اللغة، وباستعمال المستعملين من النظار، فاللفظ قد يكون مجملاً من حيث اللغة، وقد يكون مجملاً باستعمال المستعملين له, فإن هناك بعض الألفاظ هي من حيث اللغة ليست مجملة، بمعنى: أنه إذا عبر بها بان المقصود بالتعبير بها، لكن باستعمال المستعملين من النظار ونحوهم صار هذا اللفظ مجملاً، ومن المعلوم أن باب الأخبار باب واسع، لكن لما دخلها الإجمال من حيث الاستعمال، أغلق شأنها، فقد يكون اللفظ من الألفاظ السائغة، لكن لما طرأ الاستعمال وتعدد وجه تفسيره، صار مجملاً من جهة الاستعمال, ولهذا أصبح إطلاقه إثباتاً ونفياً لا يكون حسناً؛ بل لا بد من التفصيل: فينظر في المعنى المراد، فإن كان المعنى المراد حقاً قبل المعنى، وإن كان المعنى المراد باطلاً رد المعنى, وإذا قبل المعنى أو فسر المعين كلامه بمعنىً صحيح، فهل من لازم قبول المعنى قبول اللفظ؟ الجواب: لا. بل يقبل المعنى ويعبر عنه بالكلمات الشرعية. والله لم يضيق أمر المكلفين في عقيدتهم وفي دينهم، فإن الله تعالى قد ذكر من الكلمات التي لا يأتيها الباطل، وهي كلمات القرآن، وقد قال الله عنه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] وكذلك كلمات صاحب النبوة، وهي الكلمات الجامعة المانعة، وقد أوتي جوامع الكلم، كما أخبر ﵊. فهذه الكلمات الشرعية لا شك أنها أفصح وأصدق وأضبط في تعيين الحق، فلا يكون المعنى الحق موجباً للتكلم بلفظ مجمل؛ بل المعنى الحق يعبر عنه بالكلمات المفصلة، وهي الكلمات الشرعية، أو ما جاز من الكلمات، وهي الكلمات التي ليس فيها إجمال ولا ابتداع. قال المصنف ﵀: [وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً، ولم يرد جميع معناه؛ بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى، كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك] هذا التفصيل من المصنف في قوله: (قبل .. رد، لم يقبل مطلقاً, ولم يرد ..) هذا كله في المعنى، وأما في اللفظ فإنه لا يجوز استعماله في هذا المقام، لكن ربما ساغ استعماله أثناء المناظرة، فيكون من باب مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم، فهذا الاستعمال مقيد بحال المناظرة التي يقصد بها الدعوة إلى حق أو الدفع لباطل. ولذلك فإن ابن تيمية لما تكلم عن لفظ الجهة ونحوه قال: "إن مثل هذه الكلمات لا بأس أن تستعمل إذا قامت المصلحة الراجحة حال المناظرة"، وهذا من باب مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم، أما أن تكون هذه الكلمة مما يعرض في مقام التقرير لعقيدة المسلمين وعقيدة أهل السنة وسلف الأمة، فهذا لا يصح. وقوله: (كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك): هذا مثال للكلمات المجملة التي قصدها المصنف في قوله: (وما تنازع فيه المتأخرون)، أي: ما تنازع فيه المتكلمون وبعض المنتسبين للسنة والجماعة من الكلمات.

стр. 191

لفظ (الجهة) قال المصنف ﵀: [فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله، فيكون مخلوقاً، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم]. هذان معنيان للفظ الجهة: فإما أن يراد بالجهة شيء موجود، أي: شيء مخلوق؛ لأن الشيء إذا كان موجوداً لزم أن يكون مخلوقاً؛ لأنه ليس ثمة إلا الخالق والمخلوق، فإذا قيل: جهة موجودة؛ لزم أن تكون مخلوقة. فإن أريد بالجهة الشيء المخلوق؛ كالسماوات السبع، أو السماء السابعة، أو ما إلى ذلك؛ فإن الله منزه عن أن يكون في شيء من مخلوقاته. وإن أريد بالجهة ما ليس مخلوقاً مما باين العالم، وما فوق العالم، وما فوق السماوات؛ فإن هذا لا يسمى جهة، ولكنه يسمى فوقاً وعلواً، وما إلى ذلك من كلمات القرآن. قال ﵀: [ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه، ونحو ذلك. وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلاً في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله تعالى فوق العالم بائن من المخلوقات]. إذا تضمن لفظ الجهة أكثر من معنى، كما عبر المصنف في بعض كتبه كدرء التعارض عن ذلك بقوله: فيقال لمن تكلم بلفظ الجهة ماذا يريد بالجهة؟ الجهة الوجودية، أو الجهة العدمية، فإن أريد الجهة الوجودية -أي: الشيء الموجود- فإن الله منزه عن أن يكون في شيء موجود؛ لأن هذا الشيء الموجود مخلوق، وإن أريد الجهة العدمية، وهي ما فوق العالم -أي: ما ليس مخلوقاً مما باين العالم- فإن الله بائن عن خلقه. وهذا التعبير إنما يستعمله المصنف في مقام المناظرات، أما في مقام تقرير المعتقد الحق، ومعتقد المسلمين للعامة، أو الدعوة إلى ذلك، فلا ينبغي أن يعبر بلفظ الجهة ثم يفسر فيقال: الجهة الوجودية، أو الجهة العدمية، ونحو ذلك, وإنما يعبر بالكلمات التي نطق بها القرآن؛ كالاستواء على العرش، والعلو، والفوقية، ونحو ذلك. قال المصنف ﵀: [وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل]. قوله: (فإن أردت الأول): وهو أن الله فوق العالم، فهذا صحيح، ولكن لا يعبر عنه بلفظ الجهة؛ بل يعبر عنه بكلمات القرآن، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وغير ذلك من الآيات.

стр. 192

لفظ (المتحيز) قال المصنف ﵀: [وكذلك لفظ المتحيز، إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات، فالله أعظم وأكبر؛ بل قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟!)، وفي حديث آخر: (وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة)، وفي حديث ابن عباس: (وما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم)]. الحديث الأول في الصحيحين، ومصطلح (الصحاح) هو ما التزم مصنفه أن ما يخرجه في كتابه يكون صحيحاً, سواء صُدق في هذا، أي: اطرد التصديق له، كما في صحيح البخاري مثلاً، فإن من بعده شهد له بذلك، واستقر الأمر في الجملة على أن كل ما في صحيح البخاري فهو صحيح, وإن كان هناك بعض الأحاديث التي تلكم فيها بعض الأئمة المتقدمين، وكان لهم فيها نظر آخر. وكذلك ما في صحيح مسلم، ومن المعلوم أن الأئمة المتقدمين ومن بعدهم قد تكلموا في بعض الأحاديث التي رواها مسلم، لكن في الجملة أن هذا وهذا قد شاء القول بالصحيح. وقد تسمى بعض الكتب بالصحاح وإن كان النظر فيها من جهة عدم الموافقة كثيراً، كما في صحيح ابن خزيمة , أو صحيح الحاكم، إذا سمي صحيحاً، وهو مستدرك على الصحيحين، فصحيح الحاكم أو صحيح ابن خزيمة ليس الأمر فيها كما في البخاري ومسلم. فالمقصود: أن مصطلح الصحاح على هذا الوجه، أي: ما قصد المؤلف منه أن يذكر الصحيح من الحديث فقط. والحديث الثاني والثالث رواهما ابن جرير وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]. قال ﵀: [وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي: مباين لها، أي: منفصل عنها، ليس حالاً فيها، فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه]. وهذا المعنى -أي: المعنى الثاني- صحيح، وهو أنه منحاز عن المخلوقات، مباين لها، منفصل عنها، لكن التعبير بلفظ (التحيز) تعبير ليس صحيحاً؛ لأنه ليس شرعياً، ثم إنه لفظ مجمل، أراد به المتكلمون ما كان حقاً من المعاني، وربما أرادوا به ما كان حقاً وما كان باطلاً.

стр. 193

شرح القواعد السبع من التدمرية [١٦] القاعدة الثالثة في إثبات صفات الله تعالى والرد على نفاتها: أن القول بأن ظاهر نصوص الصفات مراد أو غير مراد يحتاج إلى تفصيل، فإن أريد بظاهر النصوص المعاني الصحيحة اللائقة بالله، فإن هذا الظاهر مراد، وإن أريد بالظاهر التشبيه الذي يليق بالمخلوقات، فإن هذا المعنى غير مراد، ولكن لا يجوز أن يقال: إنه هو ظاهر النصوص، فإن ظاهر نصوص الصفات هو إثبات الصفات لله تعالى على ما يليق بجلاله سبحانه، وهذا لا يقتضي تشبيهاً ولا تمثيلاً.

стр. 194

القاعدة الثالثة: أن القول بأن ظاهر نصوص الصفات مراد أو غير مراد يحتاج إلى تفصيل قال المصنف ﵀: [القاعدة الثالثة: إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد، أو ظاهرها ليس بمراد؟]. هذه هي القاعدة الثالثة، وقد يقال: إنها تعتبر جملة من جمل القاعدة الثانية؛ لأن المصنف لا يزال يتكلم في الألفاظ المجملة الحادثة المشتركة، سواء كان اللفظ لفظاً فرداً؛ كلفظ الجهة، أو كان اللفظ لفظاً مركباً؛ كقول: ظاهر النصوص مراد أم ليس مراداً. فما يقال فيه: إنه يستفصل فيه، قد يكون كلمةً، وقد يكون جملةً مركبة، لكن المصنف عني بإفراد هذه الجملة في هذه القاعدة؛ لأن هذه الجملة من الجمل التي شاع النظر فيها كثيراً، فإن سائر من تأول الصفات أو بعضها، يسمي ما تأوله ظاهراً، ويجعل ما يقابل هذا الظاهر هو المؤول. فيذكر المصنف أنه إذا قيل: ظاهر النصوص مراد أو ليس بمراد؟ فإن هذه الجملة من الجمل المجملة التي لا بد فيها من استفصال، وهذا الإجمال إنما هو باستعمال المستعملين من النظار لهذه الجملة، وليس هو إجمالاً بأصل اللغة، فلولا أن هؤلاء الذين خالفوا الأئمة تكلموا بلفظ الظاهر على قدر من التأويل له، أو التعطيل للمعاني الصحيحة، أو ما إلى ذلك؛ لكان الأصل أن من تكلم في التقرير فقال: إن ظاهر النصوص مراد؛ فإن كلمته هذه كلمة سائغة جائزة، لكن لما جاء الاشتراك من جهة استعمال المستعملين لها؛ لزم أن يقال بالتفصيل؛ لأن المتكلم بذلك قد يكون فهم من الظاهر التشبيه، فإذا قيل له: إن ظاهر النصوص مراد، فكأنه قيل له -في زعمه-: إن التشبيه مراد. ولذلك فلابد أن يقال: ماذا يقصد بالظاهر؟ فإن قصد بالظاهر المعاني الصحيحة، فإن ظاهر النصوص مراد، وإن قصد بظاهر النصوص التشبيه الذي يليق بالمخلوقات وما إلى ذلك، فإن هذا المعنى ليس مراداً، لكن لا يجوز لأحد أن يقول: إنه هو ظاهر النصوص, وهذا من طرق الرد على المخالفين الذين سموه بظاهر النصوص, أي: فهموا فهماً من التشبيه وسموه: ظاهر النصوص، ونقول: إنه يلزم على ذلك أن يقال: إن ظاهر القرآن كفر؛ لأن التشبيه نقص, والله منزه عن النقص، ومن نقص الله فقد كفر. فمن قال: إن ظاهر النصوص هو التشبيه، فهي بحاجة إلى التأويل، فيقال له: ليس ظاهر النصوص هو التشبيه؛ لأنه يلزم على هذا أن ظاهر القرآن كفر. ومن المعلوم أن غالب الناس لا يعلمون التأويل؛ ولا سيما أن هؤلاء يجعلون التأويل على طرق كلامية، فيلزم من ذلك أن جمهور من يقرأ القرآن ويعتقد بظاهره، أن هذا الظاهر عندهم كفر؛ لأنه نقص وتشبيه. قال المصنف ﵀: [فإنه يقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك, فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهراً, ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلاً، والله أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال]. فلا يجوز لأحد أن يقول: هذا هو ظاهر القرآن، حتى وإن قال: إنه سيتأول هذا إلى معنى صحيح بزعمه، فإن مجرد تسميته لظاهر القرآن بهذه الحقائق الكفرية، من تشبيه الله بخلقه؛ فإن هذا طعن في كلام الله .

стр. 195

غلط من يجعل ظاهر النصوص يقتضي التشبيه قال المصنف ﵀: [والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجاً إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك، وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ؛ لاعتقادهم أنه باطل]. أي أنهم يفسرون الآية بمعنى من معاني التشبيه والتمثيل، فيقولون: إن ظاهر الآية يدل على كذا وكذا، ويكون هذا الذي فسروا الآية به غلطاً، أي: أنه ليس لائقاً بالله ، ويتفق أهل السنة معهم على أن هذا المعنى ليس لائقاً بالله، فإذا فسروها بذلك قالوا: فهذا ظاهر القرآن, فهو يحتاج إلى تأويل. والحق أن معنى الآية ليس هو ما فسروها به ابتداء وسموه ظاهراً، ولا ما فسَّروها به ثانياً وسموه تأويلاً؛ بل إن معناها يكون صحيحاً مناسباً ليس من باب التشبيه، ولا من باب النفي والتعطيل الذي سموه تأويلاً. فمثلاً: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] يقولون: إن ظاهر هذه الآية أنه استوى مثل جلوس المخلوق على شيء مخلوق، وهذا يلزم منه قدم هذا المخلوق معه، ويلزم منه مماسة، ويلزم منه تحيزات، ويلزم منه حاجة الباري إلى الاستواء على العرش، أو إلى العرش، وغير ذلك من الكلمات التي يقحمونها على هذا النص. فهذا المعنى -أي: أنه محتاج إلى العرش، وليس غنياً عما سواه ونحو ذلك- لا شك أن الله منزه عنه؛ ولذلك يتأولون الآية فيقولون: إن المخرج من هذا التفسير الظاهر أن يقال: إن (استوى) بمعنى: استولى. فيكون الجواب هنا: أن تفسير الآية بالمعنى الأول الذي سميتموه ظاهراً، وبالمعنى الثاني كلاهما غلط، وثمة معنى ثالث وهو المعنى الصحيح، وهو أن يقال: إن الله مستو على عرشه، أي: علا على عرشه علواً يليق بجلاله، وهذا المعنى لا يلزم فيه تلك اللوازم التي ادعوها لازمة للتفسير الأول. وقوله: (وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ؛ لاعتقادهم أنه باطل): هذا هو الوجه الثاني من غلطهم، وهو أنهم ربما قالوا: إن ظاهر النص هو كذا وكذا، وهو ليس مراداً، ويكون تفسيرهم لظاهر النص تفسيراً صحيحاً, لكنهم ينازعون في نفيه، ولا ينازعون في أصل التفسير. فمثلاً: قول النبي ﷺ : (إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن)، قالوا: إن ظاهر هذا الحديث يدل على أن الله موصوف بهذه الصفة وهي الأصابع، وهذا ليس مراداً، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] قالوا: إن ظاهر ذلك أن الله خلق آدم بيديه، وهذا المعنى صحيح؛ لأن الله أخبر عن نفسه كذلك. إذاً: فهم ربما فسروا الآية بمعنىً حق، لكنه عندهم يكون باطلاً، فتكون منازعتهم في نفيه وليس في أصل التفسير، وهذا يختلف عن الوجه الأول، وهو أنهم يفسرون الظاهر بمعنى يُتفق معهم على أنه غلط، لكن ينازع في كونه هو ظاهر اللفظ.

стр. 196

أهمية اعتبار السياق في فهم النصوص قال المصنف ﵀: [فالأول: كما قالوا في قوله: (عبدي جعت فلم تطعمني ...)، وفي الأثر الآخر: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه)، وقوله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن)، فقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق. فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لا تدل إلا على حق]. إن من أسباب التوهم الذي عرض لهؤلاء، مع ما دخل عليهم من علم الكلام ومادته، إلا أن من أسباب التوهم الإشكالي الذي طرأ على هؤلاء: أنهم لم يفقهوا القرآن وحديث النبي ﵌ باعتبار السياق، وإنما يأخذون حرفاً أو كلمة ويبنون عليها، وهذا الأمر -وهو عدم فقه الشريعة وأصولها باعتبار السياق- إذا دخل على أحد في مسائل أصول الدين؛ خرج من السنة إلى البدعة، ومن فاته الفقه للسياق في باب الفقه وفروع الشريعة؛ خرج من الأقوال المحكمة إلى الأقوال المتشابهة الشاذة، مع أنه ربما يظن أن هذا هو عين المتمسك بصريح النص، أو بالحقائق الظاهرة. إذاً: فلابد من اعتبار السياق في فهم النصوص؛ لأن فقه الأئمة ﵏ -حتى في فروع الشريعة- هو فقه سياق، بمعنى: أنهم يعتبرون قواعد هذا الباب، وأصوله، وغير ذلك، ولذلك لا بد لطالب العلم المقتدي بهدي الأئمة وهدي الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن يكون متبعاً لهذا الفقه، وهذا هو معنى قول النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، فاعتبار السياق مهم جداً. ومن الأمثلة على ذلك: ما جاء في الصحيحين أن النبي ﵌ قسم قسماً، فأعطى رجالاً ولم يعطِ رجلاً، فقال سعد: (يا رسول الله! أعطِ فلاناً فإنه مؤمن. فقال النبي ﷺ : هو مسلم، قال سعد: أقولها ثلاثاً ويكررها علي ثلاثاً: هو مسلم، ثم قال: إني لا أعطي الرجل ...) الحديث. وما جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي أن النبي ﷺ قال له: (ائتني بها، فجاءه بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة). وهنا سؤال: لماذا منع النبي ﷺ سعداً أن يسمي ذلك الرجل مؤمناً، مع أن النبي ﷺ قد قال عن جارية معاوية بن الحكم: إنها مؤمنة، لما أجابته بأن الله في السماء وأنه رسول الله؟ والرجل في حديث سعد يعلم بالقطع أن سعداً ما زكاه وما مدحه إلا لكون ذلك من البدهيات؛ وذلك لأنه يقر بأن الله في السماء، وأن محمداً رسول الله، فالحقيقة التي مع الجارية يعلم أنها معه؛ بل إن معه أكثر من ذلك. ولكن الفرق هو من جهة اعتبار السياق. كذلك المنافقون، فإنه قد يقال: إن القرآن جعل المنافقين من جملة المسلمين، وقد يقال أيضاً: إن القرآن لم يجعل المنافقين من جملة المسلمين، أي: من جهة الاسم، وإلا فإن المنافق من حيث الباطن كافر. والقائل بأن المنافقين في القرآن ليسوا من جملة المسلمين قد يستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٦] والله تعالى يقول في موضع آخر من كتابه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب:١٨] والمعوقون هنا هم المنافقون، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب:١٨] وهناك في آية التوبة يقول: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨] ولذلك يقول ابن تيمية: "إن القرآن إذا ذكر المنافقين في سياق ربما أدخلهم في الإسلام، وإذا ذكرهم في سياقٍ آخر ربما أخرجهم منه، ويكون الاعتبار بحال السياق، وبحال فقه السياق". مثال آخر: مسألة التكفير، قد يقول قائل: إن فقه الحجة ليس لازماً, فإن الله تعالى كفّر الكفار وحكم عليهم بالنار، وقد قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك:١٠] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] فحكم الله بكفرهم، وذرأهم لجهنم، مع أنه وصفهم بأنهم لا يفقهون. وقد يقول آخر: بل لا بد من فقه الحجة، ونحو ذلك من تسلسل المعاني، والدليل على ذلك أن الله لما كفر أصحاب فرعون قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] وقال تعالى عن أهل الكتاب: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] مع أن الكلام في حقيقته ليس متناقضاً، بمعنى: أن القوم الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] هؤلاء يدخل فيهم فرعون ومن معه الذين قال الله فيهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] فهل يثبت القرآن مرةً أنهم يعرفون، ومرة يثبت أنهم يجهلون، ومرة يثبت أنهم يعقلون، ومرةً يثبت أنهم لا يعقلون؟ الجواب: لا، ولكن هذا من تنوع مادة السياق. ولذلك فإن الخوارج عندما قرءوا قول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج:٢٢] وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢] ظلوا لأمرين: أولاً: لأنهم لم يعتبروا سياق الآيات الأخرى، وهذا نقص فاتهم، فلم يقرءوا قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وغيرها من الآيات الدالة على أن الله تعالى يغفر الذنوب لمن يشاء. ثانياً: لأنهم لم يفقهوا سياق الآية، فلو قرءوا ما قبل الآية وما بعدها، وتأملوا في سياق الآية نفسها؛ لبان لهم أن هذا السياق في قومٍ كفار. إذاً: لا بد من اعتبار فقه السياق، سواء في أصول الدين، أو في فروعه، ولذلك يقال: إن من فاته فقه السياق، فإذا كان في باب أصول الدين؛ فإنه يخرج من السنة إلى البدعة، كما فعلت الخوارج، فإنهم لم يفقهوا سياق القرآن؛ بل أخذوا بعض الكلمات من القرآن وبنوا عليها، وهذا من الضلال التي ضل فيه أهل الكتاب، الذين قال الله فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] وربما كان هذا الكفر كفر جحود، وربما كان من باب التحريف، أو من باب الترك، أو من باب عدم الفقه، أو من غير ذلك.

стр. 197

الكلام على حديث: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) قال المصنف ﵀: [أما الحديث الواحد، فقوله: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمنيه) صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه؛ لأنه قال: (يمين الله في الأرض)، وقال: (فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه)، ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، ففي نص الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحاً لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفراً وأنه محتاج إلى التأويل؟! مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس]. يبين المصنف أنه لسنا بحاجة إلى أن نقول: إن هذا من باب المجاز؛ بل إن من قرأ هذا الأثر، وقرأ سياقه كاملاً، لا يفقه منه أن الحجر الأسود هو يمين الله، أي: على الحقيقة، أنه صفة من صفاته القائمة بذاته، ولذلك قال ابن عباس: (فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله)، فقد جاء السياق هنا من باب الكناية والتشبيه ونحو ذلك، وليس من باب الحقائق التي هي من باب الصفات التي تليق بالله ، ومعلوم أن الحجر الأسود هو حجر مخلوق خلقه الله ، فيمتنع أن يكون صفة من صفات الباري القائمة بذاته؛ كيديه ونحو ذلك. والإضافة في قوله: (يمين الله)، هي من باب إضافة التشريف، ومن المعلوم أن المضافات إلى الله تعالى ليست بالضرورة من باب الصفات والأفعال، وهذا مثل قولنا: (رسول الله)، فليس معنى ذلك أن الرسول صفة من صفات الله، إنما سمي برسول الله، أو نبي الله لأن الله أرسله، وبيت الله إنما سمي بذلك لأن الله جعلها قياماً للناس، وهذا من باب إضافة الاختصاص والتشريف.

стр. 198

الكلام على حديث: (عبدي جعت فلم تطعمني ...) قال المصنف ﵀: [وأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسراً: (يقول الله: عبدي! جعت فلم تطعمني، فيقول: رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي! مرضت فلم تعدني، فيقول: رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض، فلو عدته لوجدتني عنده)، وهذا صريح في أن الله لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبده وجاع عبده, فجعل جوعه جوعه، ومرضه مرضه، مفسِّراً ذلك بأنك: (لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، لو عدته لوجدتني عنده)، فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل]. فقوله: (أما علمت أن عبدي فلاناً ..) إلخ، هذا هو التفسير لقوله: (جعت فلم تطعمني)، وهذا معروف في كلام العرب، ولذلك فلا يقال: إن هذا النص يحتاج إلى تأويل؛ بل هو مفسر في نفس سياقه، فمن قال: إن الأئمة تأولوا حديث: (عبدي! جعت فلم تطعمني)، فيقال: إن هذا ليس من باب التأويل، فليس في كلام الأئمة أبداً استعمال للتأويل بمعنى التأويل الذي يستعمله المتكلمون، أما التأويل بمعنى التفسير للآية أو للحديث، كما يقول ابن جرير: "وتأويل قوله تعالى كذا"، فهذا لا إشكال فيه، لكن التأويل بمعنى التأويل الكلامي، فهذا لم يقع. إنما قد يظن البعض أن ظاهر النص شيء آخر، فزعم أن الخروج عنه من باب التأويل، والحق أن كلمات الله، وكلمات نبيه ﷺ في الإخبار عنه ، هي كلمات تقصد على معنى واحد، وقد سبق أن أشرت إلى أن ابن تيمية تكلم في المجاز من جهة كونه من عوارض المعاني، فقال: "لا يمكن أن يكون هناك خبر عن الله له معنى باطل، ومعنى صحيح، والأول يسمى حقيقة والثاني يسمى مجازاً ... " إلخ، بل إن الآية لا تدل إلا على معنى واحد وهو المعنى الحق، وهذا هو ظاهر الآية وهو باطنها، وليس لها أكثر من ذلك. ولذلك إذا قرئ هذا الحديث على العامة من المسلمين قراءة تامة؛ بل لو قرئ على غير المسلم وقيل له: إن في حديث نبي الإسلام ﵊ مثل هذا الحديث، فلن يستشكل السياق؛ لأن السياق هنا سياق اجتماعي كامل, لكن لو قرئ عليه قوله: (عبدي؛ جعت فلم تطعمني)، وقطع الحديث عن سياقه، فهنا ربما يتبادر الإشكال إلى بعض الأذهان.

стр. 199

الكلام على حديث: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن) قال المصنف ﵀: [وأما قوله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن)، فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه. ولا في قول القائل: هذا بين يدي، ما يقتضي مباشرته ليديه. وإذا قيل: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤] لم يقتض أن يكون مماساً للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة]. فالبينية لا تستلزم المماسة، وإن أمكن ذلك في بعض السياقات من كلام العرب، فإن هذا ليس مطرداً لازماً؛ بل إن جمهور لغة العرب إذا ذكروا البينية وقالوا: إن هذا الشيء بين يدي الشيء، ونحو ذلك، فليس هذا من باب المماسة. فإذا جاز في سياق من كلام العرب، فلا يلزم أن يجوز في سائر السياقات، ولذلك فإن القرآن الكريم يفسر بكلام العرب، ويبنى تفسيره على كلام العرب، لكن لا بد من اعتبار السياق، فإن أهل اللسان العربي من أكثر الأمم تعدداً في السياقات، فكلماتهم يتعدد سياقها تعدداً كثيراً، ولكثرة هذه السياقات ظهر ما يسمى بنظرية الحقيقة ونظرية المجاز، مع أن الأمر لم يكن محتاجاً إلى مثل هذا التقسيم. فالمقصود: أن كلمة البينية لا تستلزم المماسة، ولذلك فإن الله تعالى يقول: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤] ولم يلزم من ذلك أن يكون السحاب مماساً للأرض ولا مماساً للسماء، مع أن هذا كلام عربي معروف، وقد ذكره الله تعالى في كتابه. ومن رد تفسيره المخالف لإجماع الأئمة إلى لسان العرب، فإنه ينظر معه في مقامين: المقام الأول: التحقق من أن لسان العرب يجوز هذا المعنى على هذا اللفظ فرداً, فإذا ما وجد أن في لسان العرب تجويزاً لهذا المعنى على هذا اللفظ من حيث هو لفظ فرد، قيل: ينظر معه في المقام الثاني. المقام الثاني: التحقق من أن لسان العرب يجوز هذا المعنى فيما شاكل أو ماثل السياق القرآني الذي تأوله. وأحياناً ينقطع المتأول في المقام الأول، فمثلاً: قولهم: إن (استوى) بمعنى: استولى، إذا نظر في لسان العرب فإنهم لا يستعملون هذا المعنى حتى في مقام الإفراد، ولو فرض أنهم يستعملونه، قيل: لا بد من النظر في السياق، فإنه لو صح -كما زعموا- أن العرب نطقوا بهذا المعنى، كما في قول الأخطل: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ولا دم مهراق فيقال: هذا سياق آخر، أما السياق الذي في القرآن فليس هو كذلك؛ لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] والله لا يوصف بالاستيلاء؛ لأن الاستيلاء يكون عن مغالبة، وعن انتزاع، وكأن أحداً نازعه أو غالبه في ملكه، أو ما إلى ذلك. وحتى إذا فسر الاستيلاء بالملك الذي ليس عن مغالبة، فإن ملكه ليس مختصاً بالعرش وحده؛ بل هو ملك السماوات والأرض ومن فيهن. وهذا يدل على أهمية اعتبار السياق.

стр. 200

فرق بين قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) وبين قوله: (مما عملت أيدينا) قال المصنف ﵀: [ومما يشبه هذا القول أن يجعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله، كما قيل في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فقيل: هو مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس:٧١]]. فهنا ثلاثة سياقات: فقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] أي: بقوة، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] هذا فيه إثبات صفة اليدين، ومعنى ذلك: أن الله خلق آدم بيديه على الحقيقة، على ما يليق بجلاله، من الفعل الذي لا نعلم كيفيته. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس:٧١] أي: مما عملنا. وهذا التفسير ليس من باب التضاد؛ بل إنه من باب التنوع الذي جميعه لائق بالله تعالى، وقد فسرت هذه الآيات بهذه الأوجه من باب اعتبار السياق. قال ﵀: [فهذا ليس مثل هذا؛ لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي، فصار شبيهاً بقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] وهناك أضاف الفعل إليه فقال: (لما خلقت)، ثم قال: (بيدي)، وأيضاً فإنه هناك ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] وهنا أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]]. وهذا تفريق من المصنف من جهة السياق، فإن هذا سياق مضاف، وهذا سياق مفرد، وهذا سياق جمع .. وغير ذلك. قال ﵀: [وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران:٢٦] في المفرد، فالله يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد، مظهراً أو مضمراً، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] وأمثال ذلك، ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط؛ لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور، وهو مقدس عن ذلك]. من المعلوم أن الله إذا ذكر نفسه فإما أن يكون بصيغة المفرد، وإما أن يكون بصيغة الجمع، أما صيغة التثنية فإن هذا لم يقع إلا فيما هو من صفاته ، كما قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ولم يقل: لما خلقت أيدينا، ونحوه. وقوله: (وربما تدل على معاني أسمائه): هذا من جهة أن صيغة الجمع إذا ذكرت دلت من جهة سياقها على جملة من معاني أسماء الرب ، فقد سبق أن الاسم من أسماء الرب، أو الفعل من أفعاله يكون دالاً على جملة من المعاني، كالسميع؛ فإنه يدل على صفة السمع، ويدل على إثبات صفة العلم، ويدل على إثبات صفة البصر؛ لأن من اتصف بالسمع لزم أن يتصف بنظيره وهو البصر، ولزم أن يكون متصفاً بالحياة؛ لأنه لا يكون سميعاً إلا إذا كان حياً .. وهلم جرا. فالاسم الواحد يقتضي إثبات جملة من كمالات الرب . قال ﵀: [فلو قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت يدي، كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] وهو نظير قوله: (بِيَدِهِ الْمُلْكُ)، و (بِيَدِكَ الْخَيْرُ)، ولو قال: خلقت بيدي، بصيغة الإفراد؛ لكان مفارقاً له، فكيف إذا قال: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) بصيغة التثنية]. وهذا صريح في أن هذا فيه ذكر لصفة اليدين، ولهذا جاء بصيغة التثنية المضافة، ولا يوجد في كلام العرب أنهم يجوزون تأويل مثل هذا السياق على معنى النعمة أو القوة، أو غير ذلك. قال ﵀: [هذا مع دلالة الأحاديث المستفيضة بل المتواترة، وإجماع سلف الأمة على مثل ما دل عليه القرآن، كما هو مبسوط في موضعه، مثل قوله: (المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)، وأمثال ذلك]. أي أن هذا السياق في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ليس سياقاً واحداً في القرآن؛ بل له نظائر في كلام الله وكلام رسوله، وقد أجمع سلف الأمة على هذا المعنى، وعلى هذا الإثبات لصفة اليدين. وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.

стр. 201

من يقول في بعض الصفات: الظاهر مراد أو ليس بمراد يلزمه ذلك في جميع الصفات قال المصنف ﵀: [وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع، فإن الله تعالى لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير, واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد -كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا]. ولذلك إذا قيل: هل الأصل أن يقال: إن ظاهر النصوص مراد أم ليس مراداً؟ قيل -مع القول بأن هذا الكلام دخله إجمال باستعمال بعض الطوائف له-: الأصل أن يقال: إن ظاهر النصوص مراد, وقد سبق أن أشير إلى أن كلمة (الظاهر) لم يأتِ ذكرها على هذا الوجه، وإنما جاء في القرآن مثل قول الله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] أما المستعملون للظاهر وما يقابله فهم درجات: فمنهم من يستعمل الظاهر ويجعل المؤول مقابلاً له، وهذا هو استعمال جملة المتكلمين لكلمة الظاهر، أما الباطنية فإنهم يجعلون الباطن مقابلاً للظاهر. وقد وقع في كلام الإمام الشافعي أن قال في رسالته: "إن بعض الأدلة تدل على حكم ظاهر، فيكون الحكم المحصل منها حكماً ظاهراً، وبعض النصوص إذا قضت بحكم كان هذا الحكم ظاهراً وباطناً". وكلام الشافعي ﵀ ليس هو من باب المشاكلة لكلام الباطنية وما إلى ذلك, إنما مقصود الشافعي: أنه إذا قيل عن حكم بأنه واجب، وأن دليله من القرآن كذا وكذا، كمسألة شرعية، فإذا كانت الدلالة قطعية صريحة فإنه يقال: إن هذا الحكم ظاهراً وباطناً. وقوله: (ظاهراً) أي: أن هذا هو نظرنا واجتهادنا، و (باطناً) أي: أننا نقطع ونعلم أن هذا الحكم هو في نفس الأمر عند الله تعالى، فمثلاً: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] قال الشافعي: إن حج البيت الحرام واجب، وهذا هو الحكم المأخوذ من الآية ظاهراً، أي: بنظرنا في الآية، وهو باطناً، أي: أنه يعلم أن الحكم عند الله في نفس الأمر أن الحج واجب. لكن قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] قد اختلف العلماء في المراد بالقرء، فمنهم من فسره بالطهر، ومنهم من فسره بالحيض، فيقال: إن هذا الحكم حكم ظاهر؛ لأنه اجتهاد المجتهد، ولكن لا يقطع بأنه الباطن، أي: الحكم في نفس الأمر. فهذا هو مقصود الشافعي: أن دلالة الآيات والأحاديث تكون على وجهين: فإما أن يقال: إن الحكم ظاهر باطن، وإما أن يقال: إن الحكم ظاهر، ولا يجزم بأنه باطن، وليس هذا من باب مشاكلة الباطنية في كلامهم. قال ﵀: [وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالمٌ حقيقة، قادرٌ حقيقة، لم يكن مرادهم أنه يكون مثل المخلوق الحي الذي هو حي عليم قدير، فكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] إنه على ظاهره، لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حباً كحبه، ولا رضاً كرضاه]. وهذا يرجع إلى أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر؛ بمعنى: أن من طرأت له شبهة في صفة من الصفات، فإنه يرد ذلك إلى صفات أخرى محكمة لم تدخل عليها شبهة، أي: محكمة عنده، لم تدخل عليه فيها شبهة، فمن كانت عنده شبهة في صفة النزول، رد ذلك إلى صفة العلم، وصفة العلو، وغيرها من الصفات، فإذا ما بان له أن هذا الباب محكم، وسلم بإحكامه؛ قيل: إن باب الصفات باب واحد. قال ﵀: [فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين؛ لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مراداً، وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به، لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مراداً إلا بدليل يدل على النفي]. هذا نتيجة البحث السابق: أن ظاهر النصوص مراد أم ليس مراداً، فيقال: الأصل أن يقال: إن ظاهر النصوص مراد، لكن هذه الجملة لما استعملها من استعملها على معنى من الاشتراك المجمل، وضمنوها بعض المعاني الباطلة، احتيج إلى الاستفصال في بعض مقامات ذكرها. قال ﵀: [وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحداً]. أي: أنه لا يجوز في العقل ولا في السمع أن يختص السمع أو العقل بنفي صفة معينة دون غيرها؛ بل إذا فرض أن السمع يدل على النفي؛ لزم أن يدل على نفي سائر الصفات، وإذا فرض جدلاً أن العقل يدل على النفي؛ لزم أن يكون دالاً على نفي سائر الصفات، ومعلوم أنه يمتنع أن يكون العقل -فضلاً عن السمع- دالاً على نفي سائر الصفات، فإذا علم هذا الامتناع؛ علم امتناع التأويل لصفة من الصفات؛ لأن الشرع جاء بإثبات الصفات، فإذا علم امتناع اطراد النفي لصفات الله في الشرع وفي العقل؛ علم من هذا الامتناع امتناع النفي لصفة واحدة، فإن القول في سائر الصفات كالقول في آحادها.

стр. 202

صفات المخلوقين أعيان وأعراض قال المصنف ﵀: [وبيان هذا: أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام, وهي أبعاض لنا، كالوجه واليد, ومنها ما هي معانٍ وأعراض، وهي قائمة بنا، كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة]. بين المصنف أن من كان موجب النفي عنده لصفة الوجه واليدين أنها أبعاض لنا، فيقال له: ليس النقص فيها أنها أبعاض لنا؛ بل وجه النقص هنا أنها صفات لنا على تقديرك، فيلزمه أن ينفي صفة العلم؛ لأن صفة العلم قائمة للمخلوقين. فمن كان وجه النفي عنده أن هذه الصفات جائزة للمخلوق، فيقال له: إن الذي جاز للمخلوق ليس فقط صفة اليدين؛ بل مما جاز للمخلوق: صفة العلم، والسمع، والبصر، وما إلى ذلك، فإذا جاز له نفي صفة اليدين؛ جاز له نفي صفة العلم، ومعلوم أن هذا لا يتناهى إلا بتعطيل سائر الصفات، وهذا معلوم الفساد ببديهة العقل.

стр. 203

امتناع كون صفات الخالق كصفات المخلوق قال المصنف ﵀: [ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير، لم يقل المسلمون: إن ظاهر هذا غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه، لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا؛ بل صفة الموصوف تناسبه]. لأنها مضافة إليه، ولذلك -ولله المثل الأعلى- كما يمتنع أن تفسر صفة مخلوق بصفة مخلوق آخر، بعد إضافتها إلى المخلوق الأول، كذلك يمتنع من باب أولى أن تفسر صفة من صفات الباري بما هو من حقائق وكيفيات صفات مخلوقاته، ثم يذهب إلى نفيها، فإن النفي هنا لا شك أنه نفي صحيح، لكن الإشكال هو في أصل التفسير، أي: أنهم لم يفهموا من صفاته إلا ما كان مشابهاً لصفات المخلوقات، ولذلك قال أهل العلم: (كل معطل ممثل)؛ وذلك لأنه لم يذهب إلى التعطيل إلا لأنه لم يكن في عقله وإدراكه عن الصفة إلا حقائق من حقائق التشبيه والتمثيل، ولذلك نفاها، وإلا فلو تحقق عنده الكمال اللائق بالله ، ولم يدخل عليه مادة من التشبيه؛ لما انقاد عقله إلى مقام التعطيل.

стр. 204

صفة كل موصوف تكون مناسبة له قال المصنف ﵀: [فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته كذاته ليست مثل صفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه]. وهذا من مدارك العقل الأول: أن صفة كل موصوف تكون مناسبة له، ولهذا لم يقع لعاقل أن يفسر صفة من صفات المخلوقين بصفات الله؛ بل ولا بصفة مخلوق آخر، فإذا علم ذلك فإن ما وصف الله به نفسه من الصفات لا بد أن يكون لائقاً به. وأما أن يكون موجب الرد لظواهر القرآن والسنة هو أنه قد يفهم منها هذا الفهم الغلط، فإنه يقال: إن هذا الفهم لو كان ممكناً لمدارك العقول؛ لسبق إلى عقول قوم لا يؤمنون بأن محمداً رسول الله، فإن العرب في جاهليتهم لما سمعوا القرآن، لم يعترضوا أبداً ويقولوا: إن هذا السياق في صفات الله في اليدين أو في غيرها يفهم منه في لساننا أن الله موصوف بكذا وكذا، ولا سيما أن الجاهليين كانوا يؤمنون برب، ومفهوم الربوبية عندهم من حيث الأصل مفهوم كمال، وهو أن الله هو الخالق للسماوات والأرض، وأنه هو الرب .. ونحو ذلك، فلو كان يفهم من سياق آيات الصفات أنها من باب النقص، وأن لسان العرب يقتضي هذا التفسير، كما زعم الزاعمون من أئمة التعطيل؛ لفهم ذلك العرب الجاهليون، ولاعترضوا على القرآن بذلك، ولكنهم قالوا في اعتراضهم عليه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] فلماذا لم يفهموا من آيات الصفات ما هو من التشبيه، فيكون من طعنهم على القرآن، ومن طعنهم على صاحب النبوة: أن صاحب النبوة قد جاء بتشبيه الخالق وإسقاط مقام الربوبية؟! إذاً: فعدم اعتراض العرب على آيات الصفات يعد دليلاً على أن هذه السياقات في كلامهم العربي لا تقتضي التشبيه، ويدل على أن هذه السياقات في عقولهم لا تقتضي نقصاً وتعطيلاً, ولذلك إذا قال قائل: إن النصوص بحاجة إلى التأويل، قيل: لو كانت بحاجة إلى التأويل للزم أن يعترض العرب على ظاهره. وقد يجيب المعتزلة على هذا الكلام فيقولون: إن العرب سكتوا ولم يطعنوا على القرآن بهذا لأنهم يعرفون بأن لها تأويلاً، ونقول: من هو الذي يسكت لأنه يعرف أن لها تأويلاً لو جاز هذا الكلام؟ ذلك هو المؤمن، أما الذي يريد أن يطعن على القرآن، أو على النبي ﷺ ؛ فإنه يكفيه في الطعن أن يقول: إن ظاهر هذا الكلام النقص. والعرب قد قالوا كلاماً هم يعرفون غلطه، فقالوا عن النبي: إنه مجنون, وساحر، وكاهن، وغير ذلك، وهذا يدل على أن الحجج قد تناهت عندهم، حتى استعملوا كلاماً هم يفهمون غلطه، وحتى نساؤهم وصبيانهم يعرفون أن هذا الرجل ليس مجنوناً، فهل يعقل أنهم وصلوا إلى هذا الحد من الانغلاق في الحجج مع أنه كان يمكنهم أن يقولوا: إن القرآن قد نطق بظواهر لا تليق برب العالمين؟! لو كان هذا متبادراً أو ممكناً في عقولهم أو في لسانهم، لكان أقوى بكثير من الحجج التي يستعملها هؤلاء في الاعتراض على القرآن. أما قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣] فإن هذا من باب التحكم، فلما لم يجدوا دليلاً على أن محمداً مجنون قالوا هذا الكلام. ومن الأدلة على إثبات الصفات أيضاً: أن النبي ﷺ كان ينزل عليه القرآن، وكان يحدث ويخبر عن ربه ، وما نقل أن أحداً لا من المسلمين ولا من الذي وفدوا من المشركين الذي أسلموا أو لم يسلموا -لم ينقل أن أحداً سمع هذا القرآن أو هذا الحديث فاستشكل صفة واحدة، مما يدل على أن المعاني معروفة ومستقرة. وهذا الذي ذكر في كلام العرب الجاهلين، كما أنه يبطل التأويل، فهو أيضاً يبطل التفويض؛ لأنه لو كان الحق في تفويضها، لكان من اعتراض العرب: أنك يا محمد تأتي بكلام أو ينزل عليك كلام تقول: إنه كلام الله، وهو كلام غير معقول الحقائق، فهذا من الأمور البدهية: أن العرب في جاهليتهم كانوا يقرون بجملة الصفات، وإن كان تفصيلها لا يتلقى إلا عن صاحب الكتاب ﵊. قال ﵀: [كما قال النبي ﷺ : (ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر)، فشبه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي]. قوله: (فشبه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي): فإن الله منزه عن مشابهة خلقه، ولذلك قال بعض المخالفين: إن هذا من نصوص التشبيه، فيقال: إن النبي ﷺ لما حدث به لم يستشكل أحد من أصحابه أو يتبادر إلى فهمه ما هو من التشبيه، إنما شبه ﵊ الرؤية بالرؤية، وليس هذا من باب التشبيه الذي هو تشبيه المرئي بالمرئي. وهذا التشابه ليس من باب المطابقة التامة، فإن الله ليس كخلقه، لكنه ﵊ أراد أن يبين أنهم يرون ربهم حقيقة كما يرون القمر ليلة البدر، وكما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، لا يضامون في رؤيته.

стр. 205

شرح القواعد السبع من التدمرية [١٧] القاعدة الرابعة في إثبات صفات الله تعالى والرد على نفاتها: أن هناك محاذير يقع فيها من يتوهم أن نصوص الصفات فيها تمثيل، الأول: أنه مثل صفات الله بصفات خلقه، الثاني: أنه عطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، الثالث: أنه نفى الصفات عن الله بغير علم، الرابع: أنه يصف الله تعالى بنقيض تلك الصفات.

стр. 206

القاعدة الرابعة: المحاذير التي يقع فيها من يتوهم التمثيل في نصوص الصفات قال المصنف ﵀: [وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة: وهي أن كثيراً من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فيقع في أربعة أنواع من المحاذير]. قوله: (وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة): أي: ما سبق ذكره في القاعدة الثالثة، أو المعاني المتضمنة فيما ذكر قبل ذلك، فإنه ذكر في القاعدة الثالثة مسألة الظاهر، وأن هذا اللفظ صار لفظاً مشتركاً باستعمال بعض المستعملين له، فقال: (وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة)، وهذا كقوله في أول الرسالة: (ويتبين هذا بأصلين شريفين ومثلين مضروبين). وهذا الربط في المعاني والقواعد هو من باب التسلسل العلمي، ولا شك أنه من فقه المصنف وضبطه لتقريره؛ فإن الاطراد في المعاني لابد أن يكون وجهاً من أوجه الفقه في كلام أهل العلم؛ ولذلك كلما كان الناظر في كلام العلماء عارفاً بمسائل اطرادهم، سواء من جهة الدلائل، أو من جهة الأقوال نفسها، أو بموجب هذه الأقوال أو القرائن في هذا الباب أو غيره، فإن هذا نوع من الفقه، وبه يعلم الناظر ما يبنى من المسائل على بعض، وما يتفرع من المسائل عن البعض الآخر .. وهكذا. وقوله: (وهي أن كثيراً من الناس): ولم يقل: جميع الناس، أو ما إلى ذلك؛ لأنه من المعلوم إذا ذكر جمهور المسلمين فليس المقصود بذلك جمهور الطوائف، وإنما المقصود بجمهور المسلمين: هم جمهور أمة محمد ﵌، فإن العامة من المسلمين الذين لم تشوش مذاهبهم أو لم يشوش نظرهم وإدراكهم وبصائرهم، فإنهم لا يفقهون من القرآن ومن كلام النبي ﵌ إلا أن الله موصوف بالكمال، منزه عن النقص، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ولذلك فإن النظار من المتكلمين في هذه المسائل، إنما أخطئوا وضلوا لما أدخلوا ما سموه (علم الكلام) على مداركهم وعلى تحصيلهم، ولو استقروا على أصل لسان العرب، وفقهوا القرآن على أصل هذا اللسان، وأخذوا الكتاب والسنة على ما جاء ذكره في كلام الله أو كلام رسوله؛ لما ظهر عندهم هذا الإشكال. فالمقصود: أن كثيراً من النظار الذين غلطوا في هذا الباب من أهل القبلة، من المعتزلة أو غيرهم، قال: (يتوهم في بعض الصفات، أو كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين)، وهذا التعدد في كلام المصنف هو فرع عن تعدد المذاهب؛ فإن البعض من النظار إنما يتوهم هذا في بعض الصفات، كما هي طريقة متقدمي متكلمة الصفاتية المنتسبين للسنة والجماعة؛ كـ عبد الله بن سعيد بن كلاب وجماعته؛ من متكلم أو متنسك متصوف كـ الحارث بن أسد المحاسبي ونحوه. فهذه هي طريقة المتقدمين من متكلمة الصفاتية الذين توهموا ذلك في بعض الصفات. وقوله: (أو كثير منها) وهؤلاء عندهم توهم أكثر من النوع الأول، وهذا هو الذي غلب على جمهور متكلمة الصفاتية المنتسبين للسنة والجماعة من أصحاب أبي الحسن الأشعري , وأصحاب أبي المنصور الماتريدي، وهؤلاء -ولا سيما أصحاب أبي الحسن الأشعري - هم أكثر توهماً في هذا الباب من متقدمي أصحابهم؛ كـ أبي الحسن الأشعري، وعبد الله بن سعيد بن كلاب وأمثال هؤلاء، ومعلوم أن عبد الله بن سعيد بن كلاب جاء قبل أبي الحسن الأشعري، لكن الأشعري وأمثاله نسجوا على طريقته في الجملة والصفات؛ ولذلك ذكر ابن حزم أنه شيخ قديم للأشعري، والبغدادي -وهو من متكلمة الأشعرية- تجد أنه في كلامه ربما قال: "وذهب شيخنا أبو الحسن الأشعري "، وربما قال أيضاً: "وذهب شيخنا عبد الله بن سعيد بن كلاب ", فبناء هذا المذهب على بعض كلام ابن كلاب أو على جملة قوله شيء مشهور حتى عند الأشعرية أنفسهم. وقوله: (أو أكثرها) وهذا هو الذي غلب على الغلاة من متكلمة الصفاتية، الذين باعدوا طريقة الجمهور منهم فضلاً عن مقدميهم، وعلى بعض مقتصدة المعتزلة. وقوله: (أو كلها) كما هو الأصل في مذهب أئمة المعتزلة الأوائل؛ كـ إبراهيم بن سيار النظام، وأبي الهذيل العلاف، وأمثال هؤلاء، فضلاً عن جهم بن صفوان ونحوه من متقدمي الجهمية الأولى. وقوله: (أنها تماثل صفات المخلوقين) بمعنى: أن من عطل صفة أو تأولها، فإن ذلك لكونه ظن أن إثبات هذه الصفات يكون من باب التشبيه والتمثيل، وبهذا يُعلم أن الأصل في طريقة هؤلاء أنهم فروا من التشبيه -وإن كانوا لم يحققوا الحق في هذا الباب- لكنهم غلطوا في تقرير هذا الباب بمثل هذه الطرق التي أحدثوها. والمصنف هنا يريد أن يصل إلى أن كل من تأول شيئاً من الصفات فإنه ممثل، وكما يقال: إن أهل السنة وسط بين أهل التعطيل وأهل التشبيه والتمثيل، فإن المصنف ينتهي إلى أن ثمة تلازماً ذهنياً تصورياً بين التعطيل وبين التمثيل والتشبيه، بمعنى: أنه ما عطل معطل -بما يسمى تأويلاً عند أصحابه- إلا وقد توهم أن الإثبات يستلزم التمثيل، فقام التمثيل في ظنه، فذهب ينفيه بما سماه تأويلاً. وقوله: (فيقع في أربعة أنواع من المحاذير) وهي ما سيذكرها هنا.

стр. 207

المحذور الأول: أنه مثل صفات الله بصفات خلقه قال المصنف ﵀: [أحدها: كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل]. وهذا هو المحذور الأول، وقد كان يسعه عقلاً وشرعاً أن يفهم من النصوص ما يليق بالله؛ لأن الصفة تبع لموصوفها، فالعقل والشرع والفطرة لا يقضيان بهذا الوهم الذي توهمه، وهو أنه ظن أن هذه النصوص أو أن بعضها يقضي بالتمثيل والتشبيه، بل كان يسعه أن يقول: إن هذه صفات تليق بذات الله، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

стр. 208

المحذور الثاني: أنه قد عطل النصوص عما دلت عليه من إثبات الصفات قال المصنف ﵀: [الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله، بقيت النصوص معطلةً عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله -حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل- قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه]. وهذا هو المحذور الثاني، ومجمله: أن المصنف يريد أن يقول: لو فرض جدلاً أن هذا التأويل الذي استعملوه كان حقاً، فإن غايته أنه ينفي التشبيه الذي توهموه، لكنه لا يحقق معنىً صحيحاً في تفسير هذا النص من جهة ثبوت الصفة على الوجه اللائق بالله . إذاً: هذا التأويل وما سبقه من الوهم الذي استوجب هذا التأويل، تضمن تعطيل النص عما دل عليه من المعنى اللائق بالله ، فإن التأويل -كما هو معلوم- إنما قصد أصحابه به نفي التشبيه الذي توهم في ظاهر السياق. فيقول: لو فرض أن الأمر كذلك فإن غاية التأويل هو دفع التشبيه، أما أن التأويل يتضمن التحقيق لمدلول هذه النصوص على الوجه الصحيح، فإن هذا لم يقع، فتبقى النصوص -حتى مع تأويلها- معطلةً عن معاني الكمال اللائقة بالله .

стр. 209

المحذور الثالث: نفي الصفات عن الله بغير علم قال المصنف ﵀: [الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون معطلاً لما يستحقه الرب تعالى]. قوله: (أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم): لأنه لم يبن نفيه لهذه الصفات -التي ذهب إلى تأويلها- على علم؛ لا من الشرع ولا من العقل، وقد سبق كثيراً أن الشرع والعقل يقضيان بأن هذه الصفات صفات كمال، ولذلك عندما تكلم المصنف سابقاً عن مسألة القابلية، وما قالوه من تقابل السلب والإيجاب، والعدم والملكة، وما إلى ذلك؛ ذكر من أوجه الرد: أن هذه الصفات من حيث هي صفات كمال، فإثباتها إثبات واجب من حيث الإثبات الذاتي، وليس من جهة قرائن أخرى استلزمت هذا الإثبات. فمثلاً: صفة العلم، إذا ذكرت هذه الصفة على باب الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، فإنها عند سائر العقلاء، وبأي لسان عبر عنها صفة كمال، وقد علم كمالها من وجهين: الأول: من جهة الأدلة. الثاني: أن العلم بكون هذه الصفات صفات كمال علم ضروري؛ لأن سائر العقلاء من بني آدم إذا ما ذكرت لهم صفة العلم -مثلاً- فهموا أن هذه الصفة من صفات الكمال، وإذا ذكرت لهم صفة الجهل فهموا أن هذه الصفة صفة نقص. فيقول المصنف: بأي دليل تأولوا هذه الصفة لينفوا وجهاً من التشبيه الذي ظنوا أنه لازم لها؟ وقد تضمن هذا النفي لهذا الوجه من التشبيه الذي توهموه التعطيل لسائر الصفات. ثم إن العقل لو عرض عليه سؤال: أيمكن أن تثبت هذه الصفة لله دون أن تكون مشابهة لصفات خلقه؟ لكان جواب العقل بالإيجاب، ولابد أن يكون الأمر كذلك؛ لأن الله تعالى يفعل، والله يقول: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] والخلق يفعلون، ومع ذلك لم يكن هذا الفعل منه كفعل مخلوقه وهكذا.

стр. 210

المحذور الرابع: أنه يصف الله تعالى بنقيض تلك الصفات قال المصنف ﵀: [الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الموات والجمادات، أو صفات المعدومات]. هذا هو المحذور الرابع، وهو أنه يلزمه إذا لم يثبت هذه الصفة، أن يصف الرب بصفات الجمادات، أو صفات المعدومات؛ لأنه لا يصح عقلاً -وهذا ما يسمى بالسبر والتقسيم العقلي- أن يقال: إما أن تثبت هذه الصفة -كالعلم مثلاً- على وجه من التشبيه، وإما أن تثبت على وجه مختص بالله يليق به، لا يشاركه فيه غيره، وإما أن تنفى عن الله مطلقاً .. فهذه ثلاثة أوجه: الأول: أن تثبت الصفة على وجه من التشبيه. الثاني: أن تثبت الصفة على وجه مختص بالله يليق به لا يشاركه فيه غيره. الثالث: أن تنفى هذه الصفة بأي طريقة من طرق النفي، وطرق النفي كثيرة، لكنها في النتيجة ترجع كلها إلى أن هذا نفي للصفة. هذا هو السبر العقلي، بمعنى: أن الحكم العقلي الضروري لا يخرج عن أحد هذه الأوجه، فيقول المصنف: أما الوجه الأول -وهو أن تثبت الصفة بوجه من التشبيه- فهذا مما لا يقول به الأئمة, ولا يحل لأحد أن يقول به، ولم يقل به أحد على جهة القصد، أي: أنه قصد تشبيه الله بخلقه، وإن كان ربما تضمن كلام بعض الطوائف تشبيهاً، لكنهم لم يقصدوا هذا النقص. قال: وأما نفي هذه الصفة فإنه تعطيل للكمال، ووصف للباري بنوع من التشبيه الذي فروا منه في الوجه الأول، فإن الوجه الأول إنما فر عامة المسلمين منه لأنه تشبيه لله بخلقه، حتى من وقع في مادة من التشبيه فإنه لا يحقق هذا التشبيه ويقول: إن الله مشابه للمخلوقات على نوع من الاشتراك في الاختصاص. فيقول: إن الوجه الذي أوجب فرارهم يرد عليهم في الوجه الثالث، وهو النفي؛ لأن النفي إما أن يكون تشبيهاً بالجمادات، أو بالمعدومات، أو بالممتنعات، ومعلوم أن التشبيه الذي نفاه العقل والشرع هو أن الله منزه عن مشابهة غيره، سواء كان هذا الغير مخلوقاً حياً، أو مخلوقاً جامداً، أو كان شيئاً متخيل الوجود أو كان غير ذلك. وعليه: فإن هذا السبر والتقسيم يدل على لزوم إثبات الصفة، وهذه القاعدة العقلية -وهي السبر والتقسيم- يصح استعمالها في أي صفة من الصفات، فيقال: إما أن تثبت الصفة بوجه من التشبيه، أو تنفى، أو تثبت بوجه من الاختصاص اللائق بالله تعالى. قال المصنف ﵀: [فيكون قد عطل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثله بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحداً في أسمائه وآياته]. وهذه هي المحاذير الأربعة: أنه عطل، ومثل، وحرف الكلم عن مواضعه، وهذا هو باعتبار الحقائق، وإلا فلو سئل أحد من هذه الطوائف: ما حكم تحريف القرآن؟ لقال: تحريف القرآن كفر، فإن قيل: فما وقع في كلامكم؟ لقال: هذا من باب التأويل. فكون هذا من التحريف إنما هو باعتبار الحقائق اللازمة، وليس لأن هؤلاء يقصدون إلى التحريف؛ لأن من قصد التحريف على معناه وعلى لفظه فإنه لا يكون من أهل القبلة والإسلام.

стр. 211

دلالة السمع والعقل على إثبات الصفات قال المصنف ﵀: [مثال ذلك: أن النصوص كلها دلت على وصف الله بالعلو والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش، فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل الموافق للسمع، وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع، وليس في الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينه ولا مداخله]. يشير المصنف هنا إلى بعض طرق الاستدلال، وذلك عندما ذكر صفة العلو والاستواء، فإن العلو يعلم بالعقل الموافق للسمع، ويدخل في هذا الباب كثير من الصفات، أي: أنها تعلم بالعقل وتعلم بالسمع، أو يقال: تعلم بالعقل الموافق للسمع. ومعنى أنها تعلم بالعقل: أنه يعلم ثبوتها بالعقل ابتداءً واختصاصاً، وإن كان قد جاء السمع بذكرها؛ كصفة العلو، والعلم، والسمع، والبصر، ونحو ذلك. والنوع الثاني من الصفات: هو ما يعلم بالسمع، وقد مثل له المصنف بصفة الاستواء على العرش، وما علم بالسمع المقصود به: أن العقل لا يحصل العلم به ابتداءً، لكن السمع -أي: الدليل من القرآن والسنة- إذا وردا به فإن العقل يكون مصدقاً بذلك، ولا يكون معارضاً أو منافياً له. فلو قيل: هل تثبت الصفات بالعقل؟ فإن الجواب: أما قواعد الصفات الكلية فإنها معلومة بالعقل، كقاعدة: أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص، أما تفصيل الصفات، أو مفصل الصفات، فإن منها نوعاً يعلم بالعقل الموافق للسمع، ومنها ما يكون معلوماً بالسمع، وإذا ورد السمع به صدقه العقل وإن لم يعلمه ابتداءً.

стр. 212

صفة الاستواء قال المصنف ﵀: [فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش، كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف:١٢] .. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف:١٣] فيتخيل أنه إذا كان مستوياً على العرش كان محتاجاً إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فلو انخرقت السفينة لسقط المستوي عليها، ولو عثرت الدابة لخر المستوي عليها. فقياس هذا: أنه لو عدم العرش لسقط الرب ﵎، ثم يريد -بزعمه- أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار، ولا يعلم أن مسمى القعود والاستقرار يقال فيه ما يقال في مسمى الاستواء، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار، وليس هو بهذا المعنى مستوياً ولا مستقراً ولا قاعداً، وإن لم يدخل في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى الاستواء، فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكم]. يقول المصنف: إن هؤلاء يفرضون لازماً من النقص على ظاهر النصوص؛ كقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فيفرضون لازماً لهذا الظاهر، فيقولون: لو أخذ بهذا الظاهر للزم أن يكون الله تعالى محتاجاً إلى عرشه، ونحو ذلك؛ ومن ثم يفسرون الآية بأن هذا ليس باستقرار وليس بقعود. مع أنه من المعلوم أنه لو كان هذا اللازم ممكناً أو متحققاً -جدلاً- لما كان مختصاً من جهة النفي والإشكال بمسألة القعود وحدها؛ بل حتى لو فسر الاستواء بأي معنىً من المعاني، فإن هذا اللازم يوجب نفي ذلك المعنى، ولا يختص هذا بالتفسير بالقعود أو بغيره. يقول ﵀: فعلم أن الإشكال ليس من هذا التفسير نفسه، وإنما من هذا اللازم الذي أدخلوه؛ ولذلك فإن هذا التوهم في تفسير الآية لا شك أنه وجه من التشبيه؛ وإلا فإن من عرف قدر الله ؛ عرف أن الاستواء يختص به ، وإذا كان مختصاً به امتنع فرض مثل هذه اللوازم من النقص؛ لأن هذه اللوازم لا تكون إلا لمن كان ناقصاً، وهو المخلوق، أما الخالق فإنه مجرد عن هذا النقص، وعن عروضه، وعن لزومه لصفاته . وأما تفسير الاستواء: فإنه يفسر -كما سلف-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: علا على العرش علواً يليق بجلاله. وقوله: (وإن لم يدخل في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى الاستواء، فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكم): أي: أنه ليس الإشكال في تفسير الاستواء بالاستقرار أو بغيره، إنما الإشكال في فرض هذا اللازم، وهذا ليس من باب أن المصنف يسلم بهذا التفسير، أو يريد أن يسلم بهذا التفسير، فإنه قد درج في تفسيره لآيات الاستواء على العرش على ما درج عليه الأئمة من أن معنى قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: علا على العرش، ونحو ذلك من المعاني التي هي مرادفة لهذا المعنى، وأما طريقته هنا فأراد منها بيان أن هؤلاء متحكمون فيما يثبتونه وما ينفونه، أو فيما يفسرونه وما يمنعون التفسير به.

стр. 213

منهج السلف في تفسير الاستواء قال المصنف ﵀: [وقد علم أن بين مسمى الاستواء والاستقرار والقعود فروقاً معروفة، ولكن المقصود هنا أن يعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره]. يبين المصنف ﵀ هنا التناقض الذي وقع في طريقتهم، ولم يقصد المصنف أن الاستواء يفسر بهذا، فإن هذا قد يكون من باب الفرق، وقد سبق أن بعض أهل العلم -من باب تحقيق الإثبات- قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: جلس؛ ولذلك فإن من يريدون أن يعترضوا على كلام السلف وكلام الأئمة يذكرون مثل هذه الأفراد من الجمل التي قالها من قالها؛ ولهذا يقال: إن من الحكمة أن يقال: إن هذا اجتهد في كلامه ولم يصب الحق في التفسير الذي درج عليه الجمهور والعامة من الأئمة، وكلامه ليس حكماً مناسباً في تفسير الكلمة؛ ولهذا فلا ينبغي الانتصار لمثل هذا التفسير؛ لما فيه من الفرق، وكما يشير المصنف هنا: أن ثمة فرقاً في لسان العرب بين قولك: جلس زيد، واستوى زيد، فالجلوس والاستواء بينهما فرق، وقد يشتركان في قدر من المعنى، ولكنهما يختلفان. ولا ينبغي أن يفسر القرآن بمعان تتضمن زيادة عن القدر المشترك؛ فإن هذه الزيادة قد ينازع المنازع فيها ويقول: من أين ثبت هذا القدر من الزيادة؟ فليس هناك حاجة أن يفسر النص بمثل هذا؛ بل يفسر بما درج عليه الأئمة، وبما كان معروفاً من جهة التحقيق في كلام العرب، وهو العلو .. هذا أمر. والأمر الثاني: أن البعض يتوهم أن كل كلمة في القرآن لابد لها من تفسير بكلمة أخرى، وهذا ليس بلازم عقلاً ولا شرعاً، إنما يفسر الكلام في أعراف بني آدم إذا احتيج إلى بيانه وتفصيله، فمثلاً: لو قيل: جاء زيد، فإن هذا الكلام مفهوم ولا يحتاج إلى تفسير، فلو قيل في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] إن هذه صفة تليق بجلال الله، فإن الاستواء لا يحتاج إلى تفسير بالضرورة، لكن إذا قيل: ما معنى استوى؟ فيقال: أي: علا .. وهكذا. ولذلك فإن الإمام مالكاً لما سئل عن الاستواء كان يسعه أن يقول: الاستواء هو العلو على العرش .. وهذا معنى صحيح، لكنه قال: "الاستواء معلوم". أي: أن الكلمة نفسها كلمة بينة مفصلة؛ ولذلك فإن الأجود أن يقال في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] الاستواء معلوم، فإذا قال قائل: ما معنى استوى؟ وما معنى أنه معلوم؟ أو توهم معنىً ليس مناسباً للاستواء، فيقال: هو بمعنى علا وارتفع .. ونحو ذلك. وقوله: (ولكن المقصود هنا أن يعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره): أي: أن المقصود هنا ليس هو الموافقة لهذا التفسير، إنما المقصود أن يعلم أنهم متحكمون.

стр. 214

إضافة الاستواء إلى الله تعالى يدل على أنه منزه عن مشابهة المخلوقين قال المصنف ﵀: [وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك، وليس في اللفظ ما يدل على ذلك؛ لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما أضاف إليها سائر أفعاله وصفاته، فذكر أنه خلق ثم استوى، كما ذكر أنه قدر فهدى، وأنه بنى السماء بأيد، وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى، وأمثال ذلك، فلم يذكر استواءً مطلقاً يصلح للمخلوق، ولا عاماً يتناول المخلوق، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواء أضافه إلى نفسه الكريمة]. قوله: (وليس في اللفظ ما يدل على ذلك): ولهذا فإن تنزيه الله عن هذا التوهم يعلم بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ويعلم بقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فكما أن تنزيه الله عن مشابهة الخلق في استوائه يعلم بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فهو يعلم بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لأن الاستواء هنا أضيف إلى الله، فعلم اختصاصه به عن غيره. وقوله: (فلم يذكر استواءً مطلقاً يصلح للمخلوق، ولا عاماً يتناول المخلوق): بل ذكر استواءً خاصاً، وهو استواؤه على العرش، وأضاف هذا الاستواء إلى نفسه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فكان هذا كلاماً مفصلاً مخصصاً، وليس كلاماً مجملاً مطلقاً. قال المصنف ﵀: [فلو قدر -على وجه الفرض الممتنع- أنه هو مثل خلقه -تعالى الله عن ذلك- لكان استواؤه مثل استواء خلقه. أما إذا كان هو ليس مماثلاً لخلقه؛ بل قد علم أنه الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، وهو لم يذكر إلا استواءً يخصه، لم يذكر استواءً يتناول غيره، ولا يصلح له، كما لم يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه وخلقه إلا ما يختص به، فكيف يجوز أن يتوهم أنه إذا كان مستوياً على العرش كان محتاجاً إليه، وأنه لو سقط العرش لخر من عليه؟! سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً!]. وهذا كلام بين من جهة العقل والشرع، فإن المصنف يقول: لو قدر أنه هو مماثل لخلقه، فأمكن إيراد مثل هذه الأوجه من الإشكال، من جهة احتياجه إلى العرش، أو نحو ذلك من اللوازم الباطلة .. لكن من المعلوم عند سائر المسلمين؛ بل وعامة بني آدم، أن الله ليس كمثله شيء، ولا أحد يقر بربوبية الله -حتى ولو كان مشركاً في ألوهيته- إلا ويشهد أن الله مختص عن خلقه، فإذا كان هذا معروفاً حتى عند جمهور وعامة المشركين؛ فضلاً عن المسلمين وأتباع المرسلين، فإنه لا يمكن أن يتوهم في صفة من الصفات مثل هذا الإيراد. ومن طرق المصنف ﵀ في رسالته -وهي من الطرق الشرعية العقلية الفاضلة، وقد سبق الإشارة إليها-: أنه يبني القول الحق على قواعد منضبطة بضرورة العقل أو ضرورة الشرع، كما أنه يجعل الأقوال المخالفة التي خالف أصحابها قول الأئمة أو إجماع الصحابة، يجعل هذه الأقوال مستلزمة لمخالفة القواعد الضرورية من الشرع أو من العقل، فالمصنف يرد كثيراً إلى أصول مستقرة، فيجعل الحق الذي ذكره مناسباً لهذه الأصول، ويجعل القول الذي أراد إبطاله مفارقاً ومنافياً لهذه الأصول. وهذا المنهج أجود في المناظرة والمجادلة من الرد إلى أصول أو كلمات أو أدلة يرد عليها التوهم، أو الظن، أو الاشتباه، أو المنازعة، أو ما إلى ذلك، وهذا من فقه المصنف ﵀، وهي طريقة معروفة في القرآن، ومن أمثلتها: ما ذكره الله في قصة إبراهيم مع قومه، وفي قصته مع الرجل الكافر الذي ناظره لما قال إبراهيم: ﴿رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨]. إذاً: الحق يتسلسل، والحق المفصل يرجع إلى حق كلي مجمل، ويكون تفصيل هذا المجمل بهذا المفصل، وربما صار بعض التفصيل محل اجتهاد في جمل الاستدلال ونحو ذلك؛ فمثلاً: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] إذا نازع منازع في مسألة أن هذا دليل على الرؤية، فهل المخالف قد بنى سائر ما يقول على هذا الإشكال الذي ذكره؟ الجواب: لا. إذاً: الرد إلى الأصول المتفق عليها من حسن المناظرات، وهذا الأمر معروف في المناظرات عند عامة الأمم, أنه إذا كان المعنى الذي تذكره حقاً؛ فإنه يلزم عقلاً وشرعاً أن يكون مناسباً للأصول المستقرة في العقل والشرع عند جميع المسلمين. مثلاً: من الأصول المستقرة عند جميع المسلمين أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص؛ ولذلك ذكر المصنف أن هذه الصفات من حيث هي صفات كمال، كما أنه من المعلوم بالضرورة أن كل معنى باطل يلزم أن يكون منافياً للأصول المعلومة الصحة بالعقل والشرع, فيرد المشتبه أو المشكل أو المختلف فيه إلى الحكم المستقر المؤتلف في شأنه.

стр. 215

ضلال النفاة في قولهم أن ظاهر الآية يدل على أن الاستواء كاستواء المخلوقين قال المصنف ﵀: [هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك، أو توهمه، أو ظنه ظاهر اللفظ ومدلوله، أو جوز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق. بل لو قدر أن جاهلاً فهم مثل هذا، أو توهمه؛ لبين له أن هذا لا يجوز، وأنه لم يدل عليه اللفظ أصلاً، كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب نفسه، فلما قال : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] فهل يتوهم متوهم أن بناءه مثل بناء الآدمي المحتاج، الذي يحتاج إلى زبل، ومجارف، وأعوان، وضرب لبن وجَبْل طين؟!]. يقول المصنف: إنه يكفي غلطاً عند هؤلاء أنهم ظنوا أو فرضوا أن القرآن دلَّ بظاهره على هذا المعنى الباطل الذي أجمع المسلمون على أنه باطل، فيقول: مجرد أنهم فرضوا أن القرآن بظاهره يدل على هذا المعنى الذي استقر عند المسلمين جميعاً أنه غلط ينزه الله عنه، وهو الاستواء اللائق بالمخلوق، أو الذي يختص بالمخلوق، أو الذي يشارك المخلوق في خصائصه -يقول: تفسير النص بذلك وحده يكون كافياً في بيان أن هذا من التوهم الغلط؛ لأن الحق -وهو القرآن- لا يمكن أن يكون محتملاً .. وهذه من القواعد التي سبق أن أشرت إليها. ويمكن أن يقال في المناظرة: من المستقر عند المسلمين أن القرآن لا يمكن أن يكون محتملاً من جهة الدلالة لمعنىً باطل؛ فضلاً عن أن يفسر به؛ فضلاً عن أن يقال: إنه هو ظاهر اللفظ، فيذهب إلى نفيه؛ فإن هذا يلزم عليه لوازم باطلة، منها: هذا المعنى الذي نفوه وقالوا: نفيناه بالعقل؛ مع أن ظاهر السمع أثبته .. فيلزم من هذا أن لا يكون القرآن هدىً للناس؛ بل يلزم أن يكون الناس بعقولهم قبل القرآن أضبط في باب الصفات؛ لأنهم قبل ورود القرآن لم تأتهم ظواهر تشكل على هذه الحقائق العقلية الموجودة عندهم. وقد عني المصنف بهذا الأمر في الرسالة الحموية، فقد ذكر مثل هذا التسلسل، وأنه يلزم على هذا أن لا يكون القرآن هدىً للناس، ولا بينات من الهدى والفرقان، ولا أن النبي ﵌ بعثه الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويلزم أن يكون الناس قبل الأنبياء أحسن حالاً منهم بعد الأنبياء الذين شوشوا عليهم بهذه الظواهر التي لا يليق ظاهرها بالله تعالى .. ونحو ذلك.
следующие страницы →