← Акыда

Акыда · id 37782

شرح القواعد السبع من التدمرية

يوسف الغفيص

Полный текст (320 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثبوت الحقائق يعرف بصدق دليلها لا بدفع الشبهات عنها قال المصنف ﵀: [وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات، حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود، فظنوا أنه هو، فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق، مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحداً به، أو حالاً فيه من الخالق مع المخلوق]. وذلك أن ثبوت الحقائق يعرف بصدق دليلها، وليس بدفع الشبهة المعينة عنها، وهذه قاعدة في التحصيل، وهي التي جاء ذكرها في القرآن وفي هدي الصحابة ﵃: أن الحقائق تصدق باعتبار دليل الحق الموجب لتصديقها، وليس بالضرورة أن التصديق بالحقائق يكون طريقه مستلزماً دفع التسلسل من الشبهات. ولذلك فإن أهل العلم والبصراء يعرفون الحق بدليله، ويدفعون الشبه التي تعرض له، لكن العامة من المسلمين قد استقر عندهم كثير من الحق، أو استقر عندهم الحق في الجملة، مع أنه قد لا تقوى عقولهم على الجواب عن كل ما يعارض به المعارض من الشبهات، فلو أُورد عليهم إيراد -مثلاً- في بعض المسائل، فإن عدم العلم بالجواب عن هذه الشبهة المعينة لا يحصل علماً أن هذا الحق الذي كان عليه تبين أنه ليس كذلك؛ بل يقال: إن الأصل أن الحق يعرف بدليله، وهذا هو الذي يناسب العامة ويناسب الخاصة، وإن كان الخاصة -أي: أهل العلم- لابد لهم مع هذا من دفع الشبهات. ولذلك فإن الله لما ذكر الدعوة وما إلى ذلك جعلها في نفر من أهل الإيمان فقال: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٢] فما يتعلق بمسألة التصحيح هذا لا تستطيعه العامة؛ وعليه: فالعامة يعرفون الحق بدليله، وليس بفساد الشبه العارضة عليه، إلا إذا كان هناك شبهة شاعت بين العامة، فهنا يكون من الحكمة الشرعية أن يحدث العامة بدفعها، كما اعترض بعض الكفار على إحياء الأموات، فجاء جوابه في القرآن في قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨]. إذاً: المنهج الشرعي أن العامة لا يحدثون بالشبهات ثم يقصد إلى الجواب عنها إلا إذا علم أن هذه الشبهة قد شاعت بينهم، وهذا يختلف باختلاف البيئات، واختلاف الأزمنة والأمكنة، وإلا فإن الأصل: أن العامة يحدثون بدلائل الحق الشرعية والعقلية القاضية بصدق الحق، وأما أنه يتسلسل معهم في مسائل الشبه ودفعها، فهذا ليس من الحكمة، وعقولهم لا تقوى على الاستتباع، وربما كان المقرر بمسألة الشبهة ودفعها ضعيفاً في دفعها قوياً في تقريرها .. وما إلى ذلك، وهذا مما ينبغي أن يلاحظ في مسائل تعليم العقيدة. وقد سبق أن أشير إلى أن ثمة فرقاً بين تقرير العقيدة وبين الرد على المخالفين، ولا ينبغي أن يخلط هذا المقام بهذا المقام، فإن مقام تقرير العقيدة له وجه: وهو تعليم الحق بدليله، ودفع الشبه الشائعة، أما الاستفصال في مقام الرد فإن هذا يكون وجهاً آخر من أوجه التعليم، وهو ليس من شأن العامة.

стр. 247

أصل مقالة وحدة الوجود والقائلين بها قال المصنف ﵀: [فمن اشتبه عليهم وجود الخالق بوجود المخلوقات حتى ظنوا وجودها وجوده؛ فهم أعظم الناس ضلالاً من جهة الاشتباه؛ وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، فرأوا الوجود واحداً، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع]. يشير المصنف إلى طريقة أهل وحدة الوجود من غلاة المتفلسفة المتصوفة، ومما ينبغي أن ينبه إليه هنا: أن من قال بهذا المذهب -وهو ما يسمى بمذهب وحدة الوجود- هم قوم من الباطنية المتفلسفة، الذين نسجوا على طريقة الصوفية، وأما أن قوماً من العباد والسالكين والصالحين الذين ينظرون في كلام الله ورسوله، وينظرون في مقامات الورع ومقامات الديانة والنسك، تحصلت عندهم هذه النتائج، فهذا ليس كذلك؛ لأن هذا المقام لم يصل إليه إلا قوم استعملوا المقدمات الفلسفية، ولهذا فإن كل من تكلم بهذا من أئمة هؤلاء يكون معروفاً بمقام من العلم بالفلسفة. لكن إنما يشتبه ذلك على بعض الناس لأنه إذا ذكرت الفلسفة تبادر إلى عقله أن الفلسفة هي العلم بالعقليات، أو أنها نظر في العقليات، وهذا ليس كذلك؛ فإن الفلسفة وجهان: إما أن تكون فلسفةً عقلية، وهذه هي التي نظر فيها من يسمون بالفلاسفة الإسلاميين؛ كـ ابن رشد وأمثاله، وإما أن تكون فلسفةً نفسية. وقد درج نظار بني آدم الذين لم يتلقوا الرسالات السماوية ويصدقوا بها -وهم من يسمون بالفلاسفة وأتباع الفلاسفة- درجوا على أن العلم بالحقائق يكون بأحد طريقين: إما بالطريق العقلي، وإما بالطريق النفسي. ولما جاء الإسلاميون -أي: من انتسب إلى القبلة وصحح الفلسفة، كـ ابن سينا وابن رشد وأمثال هؤلاء- فمنهم من استعمل الطريق العقلي لتحصيل الحقائق -أي: الفلسفة العقلية- ومنهم من استعمل الفلسفة العرفانية الإشراقية الغنوصية؛ كحال العفيف التلمساني وأمثاله، ومنهم من جمع بين الفلسفتين، فاستعمل هذا تارة وهذا تارة، وهذا على مقام وهذا على مقام، كـ ابن سينا ونحوه.

стр. 248

القائلون بأنه يلزم من الاشتراك في الاسم التشابه والتركيب قال المصنف ﵀: [وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى الوجود؛ لزم التشبيه والتركيب، فقالوا: لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات]. وهذا هو غاية التعطيل؛ لأنهم إذا قالوا: إنه من باب المشترك اللفظي؛ لزم أن يكون معنى الوجود المضاف إلى الله غير معلوم؛ وهذا من تعطيل وجوده . وهذا اللازم لا أحد يلتزم به، لكنهم يريدون أن يفروا من الإشكال دون أن يتبينوا أن ما فروا إليه هو شر مما فروا منه، وإلا فلا شك أن القول بالمشترك اللفظي شؤمه وإشكاله أكثر من القول بالتواطؤ، مع أن القول بالتواطؤ إذا ما حقق لم يلزم منه إشكال، وقولنا: (إذا ما حقق) أي: إذا ما فرق بين الاسم والمسمى من جهة، وفرق بين المسمى الذهني العام والمسمى العيني الخاص، فإذا ما حقق التواطؤ لم يوجب إشكالاً. قال المصنف ﵀: [وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود؛ لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة، مثل: وجود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق، ونحو ذلك، فخالفوا الحس والعقل والشرع، وجعلوا ما في الأذهان ثابتاً في الأعيان، وهذا كله من أنواع الاشتباه]. وهذا قد عرض لقوم من الفلاسفة الأولى؛ كالمثل الأفلاطونية التي كان أفلاطون صاحب الأكاديمية يستعملها، وكذلك جاء ما هو أكثر تقييداً من هذا المذهب الذي عليه أفلاطون عند أرسطو طاليس، فإن ثمة فرقاً بين مذهب أفلاطون وبين مذهب أرسطو، كما هو معروف في كلامهم. فيقول المصنف: إن مسألة الوجود -مع أنها من أوائل وأبسط المسائل العقلية- لما بالغ هؤلاء في اصطلاحها وتقسيمها وفلسفتها وتشقيقها؛ خرجوا بها عما يعلم بضرورة العقل فضلاً عن ضرورة الشرع، حتى زعم يعضهم أن الوجود واحد، وحتى زعم بعضهم أن ثمة حقائق مفارقة كلية، مع أنه لا يوجد في الخارج إلا المعينات، فقالوا -كـ أفلاطون وأمثاله-: لما كان هناك الوجود الكلي الذهني؛ لزم أن يكون هذا الوجود الكلي الذهني موجوداً في الخارج، فقال أفلاطون بالمثل المفارقة الكلية، وهي المثل الأفلاطونية، أي: الحقائق الكلية الذهنية، وقال: إنها موجودة في الخارج، وأن وجودها غير وجود المعينات، وربما سلسل بعضهم هذه الفلسفة، وأن وجود المعينات يرجع إلى وجود هذه الكليات .. إلى غير ذلك، فهذا كله من باب الاشتباه.

стр. 249

المنهج الوسط في بيان الحقائق الشرعية وهذا يبين معنى من الفقه في الحقائق؛ سواء كانت حقائق شرعية أو غير شرعية, وهو أن التشقيق الزائد للأشياء ليس هدياً من جهة العقل، ولا هدياً من جهة الشرائع، فإن بسائط الأشياء لا ينبغي أن يبالغ في تشقيقها وتقريرها، وهذه الإشارة لها تفصيل يسع، وذلك مثلما قيل في مسألة التفسير، فعندما يقال: تفسير القرآن. لا يفهم من هذا أن كل آية من القرآن لابد أن يستعمل لإبانة معناها حرف آخر؛ بل يقال: إن كثيراً مما في القرآن، أو أكثر ما في القرآن، بالنسبة لأهل العلم، وأهل المعرفة بالشريعة، وحتى الكلمات النبوية هي في ذاتها كلمات بينة، وكلمات مفسرة من نفسها. وعليه: فلا يلزم أن كل سياق يحتاج إلى تفسير، وأن كل حقيقة تحتاج إلى تقسيم. وهذا التشقيق والتقرير في الغالب هو نوع تميل إليه كثير من النفوس، ولا سيما النفوس التي تكون متربصة بمسائل العلم -إن صح التعبير- أي: داخلة في مسائل العلم دون أن تكون محصلة لفقهه على الوجه الصحيح، فتجد أنهم يعنون بهذه التقسيمات، وهذه التشقيقات والاصطلاحات والتفريعات، وفي الغالب أن مثل هذه الطرق التي كثرت في كلام بعض المتأخرين لا تحصل فقهاً كثيراً. فتجد بعضهم مثلاً يقول: إن هذا الشيء ينقسم إلى ثلاثة أوجه، ثم يذكرها، ويظن أن الإحاطة بمثل هذه الأوجه الثلاثة في مسألة معينة هو من التحقيق العلمي، مع أن هذا الأمر الذي يدور حوله، وربما علمه وتعلمه، وكرره، وعده من نفائس العلم وما إلى ذلك، يعد في الأصل من البدهيات، ولو نظرنا من هو الذي تكلم بهذا التقسيم من العلماء المتقدمين لوجدنا أن فلاناً من أهل العلم ربما ذكره على نوع من الذكر العادي، ولم يقصد به الإبراز والإثارة المطلقة لهذا الكلام. فلابد من العناية بالفقه على الطريقة التي جاء ذكرها في القرآن في تقرير الشريعة، في أصولها أو فروعها، أو جاء في كلام النبي ﵌ في طريقة مخاطبته لأصحابه، وفي طريقة تعليمه، وفي طريقة قضائه، وفي طريقة أمره ونهيه، هذه الطريقة العلمية القرآنية النبوية التي درج عليها الصحابة هي الطريقة الفاضلة. وعندما تأخر عصر الأمة، وضعف اللسان، ودخلت الرواية بعض التردد عند بعض الرواة لها، وما إلى ذلك؛ طرأت هذه الإشكالات بلا شك، لكن لا ينبغي أن يبالغ في ترسيم هذه الإشكالات أكثر من اللازم، فإن اللسان العربي لم يفسد، والناس لا يزالون عرباً، لكن ذهبت فصاحتهم، ولذلك فإن العربي الذي ولد عربياً ونشأ عربياً، إذا قرأ القرآن فإنه يفهم جمهور ما في خطاب القرآن، فيفهم معنى (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) ويفهم معنى أن الله يأمر بالعدل، ويفهم قصة موسى من أولها إلى آخرها، ويفهم معنى ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٤٣] ويفهم (وكلمه ربه)، فلا يزال اللسان العربي قائماً. لكن هناك بعض الحقائق العلمية الخاصة التي تحتاج إلى إنسان فصيح. فلا ينبغي أن يبالغ في تكريس علوم الآلة تكريساً استطرادياً مطولاً لا يحصل في النتيجة فقهاً عادلاً، ولذلك فإن كل من استطاع أن يختصر المسافة بين فهم المخاطبين وبين النص بطريقة علمية عادلة وصادقة، بحيث يكون فهمهم للنص أكثر بياناً وأكثر وضوحاً، فهذا نوع من الفقه ونوع من التجديد الشرعي، بخلاف من يضع سلسلة متسلسلة معقدة للوصول إلى الحقيقة التي نطق بها النص، مع أن الإشكال والتعقيد إنما هو في الفهم وليس في النص نفسه، وهو أيضاً في إدراك هذه السلسلة المطولة. ولعل من الأمثلة على ذلك: حال المتكلمين، فإنهم إذا أرادوا أن يقرروا دليل الربوبية -أن الرب واحد- قالوا: وهو المذكور في قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون:٩١] الآية، ثم يقولون: وهذا دليل التمانع، ويذكرون معناه، وأنه مبني على مقدمتين: ثم يأتون بسلسلة عقلية في تقرير دليل التمانع، وفي الأخير يقولون: دليل التمانع هو المذكور في قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون:٩١]. ومن المعلوم أن فهم العامة لدليل التمانع على الصورة الكلامية يكون فهماً صعباً، وليس هذا فحسب؛ بل يقولون بعد ذلك: ولكن هذا الدليل عليه سؤالات، فإنه مبني على تعارض الإرادتين، فلو فرض جدلاً أن ثمة اتفاقاً في الإرادتين ثم يقولون: وهذا يجاب عنه بكذا ... إلخ، فتجد أنهم -إن صح التعبير بالعبارة الدارجة- قد عقدوا القضية، مع أنه من يقرأ من المسلمين -وإن لم يكن عربياً، ويترجم له المعنى- قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون:٩١] يفهم أن هذا تقرير بين واضح لمسألة الربوبية، دون أن يحتاج إلى ذلك التعقيد؛ ولذلك حينما سمع جبير بن مطعم قول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦]-كما في البخاري - تحركت نفسه إلى التصديق عندما سمع هذا الكلام. فالمقصود: أن تقريب الفهم إلى النصوص منهج حسن، بشرط أن يكون على وجه من العدل، لا أن تسقط العلوم التي اشتغل بها العلماء، فإن بعض الناس يريد أن يفهم النصوص والحقائق دون أن يرجع للقواعد وأصول الفقه وما إلى ذلك، فإن هذا ليس منهجاً عدلاً، وليس هو المقصود، لكن المقصود أيضاً ألا يبالغ في هذه القضايا.

стр. 250

رد المتشابه إلى المحكم قال المصنف ﵀: [ومن هداه الله سبحانه فرق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينها من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق، الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق، وهذا كما أن لفظ (إنا) و (نحن) وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم به الواحد الذي له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد العظيم، الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له، فإذا تمسك النصراني بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر:٩] ونحوه على تعدد الآلهة، كان المحكم كقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنىً واحداً يزيل ما هناك من الاشتباه، وكان ما ذكره من صيغ الجمع مبيناً لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات، وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم]. وهذا كله محكم، ولا ينبغي أن يكون إشكالاً؛ لأن الإشكال ينشأ عن فرض غلط، كما إذا قيل: إن لفظ (إنا) هي للجمع، فكيف عبر بها في حق المفرد؟ مع أنه لا أحد يفهم من هذا السياق أن ثمة تعدداً في الذات، ولذلك فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يستشكلوا شيئاً من هذه الإشكالات، ولم يفرضوا على أنفسهم ما لم يقتضه المقام. وقد يقول قائل: إنه لفصاحة لسانهم. وأقول: إنه لفصاحة لسانهم ولسلامة نفوسهم، واستعدادهم العقلي والذهني، وصفاء مداركهم وفطرهم التي فطرهم الله عليها. فمثلاً: حينما قال النبي ﷺ : (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، هل استشكل صحابي واحد هذا الكلام وقال: يا رسول الله! كيف تقول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)؟! وحينما ذهب رسول الله ﷺ هل جلسوا فيما بينهم واستشكلوا هذا الكلام؟ لا، لم يستشكلوا شيئاً منه؛ بل فهموه فهماً تلقائياً. ولو رجعنا إلى أحاديث النبي ﵌ وبحثنا فيها؛ لم نجد ولا مرةً واحدة أن الصحابة استشكلوا إشكالاً عاماً أي: مطرداً بين جميع الصحابة؛ بل في الغالب أنه لا أحد منهم ينطق بشيء. نعم. هناك أحاديث استشكل بعضهم فيها فسأل عن تفصيل بعض ما ورد فيها، منها: حديث: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو من النار، فقال بعض الصحابة: يا رسول الله! ففيم العمل؟ ... إلخ). لكن هل الذين قالوا ذلك هم كل الصحابة؟ هل قال ذلك أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي؟ لا. ولا شك أن الذي يقول هذا ليس بدرجة أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي. إذاً: ليس السبب فقط هو فصاحة اللسان عندهم .. هذا شيء له أثره، لكن هناك تخلص من كثير من هذه الافتراضات والإشكالات التي تفرض على النص.

стр. 251

لا أحد يحيط بالله علماً قال المصنف ﵀: [وأما حقيقة ما دل عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات، وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله، فلا يعلمه إلا هو ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر:٣١] وهذا من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، بخلاف الملك من البشر إذا قال: قد أمرنا لك بعطاء، فقد علم أنه هو وأعوانه -مثل كاتبه، وحاجبه، وخادمه، ونحو ذلك- أمروا به، وقد يعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك، والله لا يعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها، من صفاته، وصفات اليوم الآخر، ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة، ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة]. قوله: (بخلاف الملك من البشر ...) إلخ، وهذا بخلاف الباري ، فإنه لا يحاط به علماً؛ ولهذا كانت حكمته في أفعاله وفي شرعه وأمره لعباده ونحو ذلك غير معلومة على الإحاطة، والعباد قد يعلمون ما هو من مقام هذه الحكمة العالية، لكنهم لا يمكن أن يقع لهم إحاطة بهذه الحكمة وتفصيلها.

стр. 252

التشابه يقع في الألفاظ المتواطئة والمشتركة قال المصنف ﵀: [وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة، وإن زال الاشتباه بما يميز أحد المعنيين من إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: (فيها أنهار من ماء) , فهنا قد خص هذا الماء بالجنة، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا، لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا، وهو -مع ما أعد الله لعباده الصالحين مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر- من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله]. التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة بمعنى: أنها تكون متشابهةً من وجه محكمةً من وجه، فإذا قيل: إن الأسماء المذكورة في صفات الله قد جاء ذكرها في صفات المخلوقين كالرضا والمحبة ونحوها، قيل: هي متواطئة من وجه، وهو إذا ما قصد بذلك المعنى الذهني الكلي، ومتشابهة من وجه آخر، وهو إذا ما تكلم بالكيفية التي اختص الله بها في صفاته وأفعاله. وقول المصنف: (وبهذا يتبين أن التشابه ...) إلخ، يبين أن التشابه يقع في المقامين: في الألفاظ المتواطئة، والألفاظ المشتركة، وإنما كان كذلك لأنه التشابه الخاص، ومعلوم أن التشابه الخاص -كما سبق- أمر نسبي إضافي. قال ﵀: [وكذلك مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته، لا يعلمها إلا هو]. وهي الكيفيات، أي: كيفيات الأسماء والصفات.

стр. 253

ذم الأئمة للتأويل الفاسد قال المصنف ﵀: [ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال الإمام أحمد في كتابه الذي صنفه في "الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله"، وإنما ذمهم لكونهم تأولوه على غير تأويله، وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وإن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينف مطلق التأويل، كما تقدم من أن لفظ "التأويل" يراد به التفسير المبين لمراد الله تعالى به، فذلك لا يعاب بل يحمد، ويراد بالتأويل: الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع]. ولذلك ذكر المصنف -أعني شيخ الإسلام - في مواضع أن الإمام أحمد لم يذم التأويل مطلقاً، وإنما ذم تأويل القرآن على غير تأويله؛ لأن المتقدمين ينطقون بالتأويل على معنى التفسير.

стр. 254

نسبة كتاب الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد وكتاب (الرد على الزنادقة والجهمية) هو رسالة محدودة الصفحات، وهي مطبوعة ومشهورة، وهل هي للإمام أحمد أو ليست له؟ هناك قولان للأصحاب وغيرهم: فمنهم من يصحح هذا الرسالة ويقوي أنها للإمام أحمد، ومن أخص هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه يعتمد أن هذه الرسالة للإمام أحمد، وينقل عنها في كتبه كثيراً، ويقرر عليها تعليقات، ويصلها بكلام له، وينقل عن الإمام أحمد، ويبني نقله على هذه الرسالة. ومن أهل العلم -كما ذكر الذهبي ﵀ من لا يصحح أن هذه الرسالة للإمام أحمد. وسواء قيل: إنها لـ أحمد أو ليست له، فإن ما عليه الإمام أحمد من القول في مسائل أصول الدين أمر شائع، سواء صحت هذه الرسالة أو لم تصح.

стр. 255

غلط من ينفي التأويل مطلقاً قال المصنف ﵀: [ومن لم يعرف هذا اضطربت أقواله، مثل طائفة يقولون: إن التأويل باطل، وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره، ويحتجون بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل. وهذا تناقض منهم؛ لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلاً لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقاً. وجهة الغلط: أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو، وأما التأويل المذموم والباطل فهو تأويل أهل التحريف والبدع، الذين يتأولونه على غير تأويله، ويدّعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك]. قوله: (بغير دليل يوجب ذلك): حتى وإن كانوا قد اشترطوا دليلاً للتأويل، فإنهم -أي: أهل التأويل الكلامي المخالف للسنة والجماعة- ينازعون في ثلاثة مقامات: أولاً: ينازعون في كون هذه النصوص محتملة لمعنيين متنافيين: أحدهما يسمى بالحقيقة وهو الظاهر، والآخر يسمى بالمجاز، فإن هذا من باب تحميل القرآن للمعاني المتناقضة المتنافية، وهذا يصان القرآن عنه. ثانياً: أنه لو فرض أن ثمة احتمالاً في المعنى، فإنهم قد اشترطوا أن التأويل لابد أن يكون بدليل، وهذا الدليل الذي بنوا عليه التأويل هو الدليل الكلامي، وليس هو دليلاً شرعياً ولا عقلياً يعرف بمدارك العقل الأولى، وإنما هو دليل كلامي، وهو ما سموه: دليل الأعراض، أو دليل التركيب، أو ما إلى ذلك. إذاً: فهم قد صرفوا اللفظ عن ظاهره -كما يقولون- وحجتهم في هذا الصرف هو الدليل الكلامي الذي زعموه معارضاً للقرآن، فينازعون في صحة الدليل الصارف. ثالثاً: أنه لو فرض أن هذا الدليل صحيح، أي: أن الدليل الكلامي يمكن أن يكون حجةً في هذا التأويل، فإن هذا الدليل غاية ما يقضي به الجواز وليس الوجوب، بمعنى: أنه إذا صح هذا الدليل الصارف، لم يحصِّل إلا أن المعنى يفسر بهذا التفسير، ولو صح صرفه للّفظ عن ظاهره فإنه يمنع ورود المعنى الأول الذي تركوه عن اللفظ، وهذا يجعل الإشكال باقياً، ووجه بقاء الإشكال: أنه يلزم منه أن القرآن تضمن جملةً من المعاني التي لا تليق بالله، وحتى لو قالوا: إنها ليست مرادة، فيقال: إن القول بأنها مدلول من مدلولات القرآن، ثم يقال: إنها ليست مرادة، فإن هذا من باب التناقض؛ لأن ما كان مما يدل عليه القرآن؛ لزم أن يكون مراداً. وأما إذا لم يكن مراداً فإنه يمتنع أن يكون من مدلول القرآن، وإذا كان كذلك صار هذا التقسيم لا وجه له. قال المصنف ﵀: [ويدعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحذور اللازم فيما أثبتوه بالعقل، ويصرفونه إلى معان هي نظير المعاني التي نفوها عنه، فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه، فإن كان الثابت حقاً ممكناً كان المنفي مثله، وإن كان المنفي باطلاً ممتنعاً كان الثابت مثله. وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقاً ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يفهم منه شيء]. من المعلوم أنه لم تقع بدعة أو لم يقع غلط في مسائل الأصول إلا ووقع ما يناقضه؛ ولهذا قيل: إن طريقة الأئمة أنهم وسط بين الطوائف. فلما وجد الغلاة من أهل التأويل؛ وجد الغلاة من أهل دفع التأويل في سائر موارده.

стр. 256

تناقض من ينفون التأويل وتعطيلهم للنصوص قال المصنف ﵀: [وهذا مع أنه باطل فهو متناقض؛ لأنا إذا لم نفهم منه شيئاً لم يجز أن نقول: له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه، لإمكان أن يكون له معنىً صحيح، وذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا، فإنه لا ظاهر له على قولهم، فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالةً على خلاف الظاهر، فلا يكون تأويلاً، ولا يجوز نفي دلالته على معانٍ لا نعرفها على هذا التقدير، فإن تلك المعاني التي دلت عليها قد لا نكون عارفين بها، ولأنا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله المراد، فلأن لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أولى؛ لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به، فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنىً من المعاني، ولا يفهم منه معنىً أصلاً، لم يكن مشعراً بما أريد به، فلأن لا يكون مشعراً بما لم يرد به أولى. فلا يجوز أن يقال: إن هذه اللفظ متأول، بمعنى: أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فضلاً عن أن يقال: إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله، اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف الظاهر المختص بالمخلوقين، فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا، فلابد أن يكون له تأويل يخالف ظاهره]. لكنه إذا قيل: إن هذا السياق ليس معيناً للمعنى المراد به؛ لزم من باب أولى ألا يكون معيناً للمعنى الذي ليس مراداً به، فإن الأصل هو عدم دخول المعنى الذي ليس مراداً في النص؛ لأن النصوص إنما جاءت بذكر حقائق معينة، وليس بذكر امتياز عن جملة من المعاني المتسلسلة. ولذلك إذا قيل: هل يراد بسياق من السياقات كذا وكذا؟ فقيل: لا؛ قيل: العلم بعدم هذه الإرادة فرع عن العلم بإرادة الأول، بمعنى: أنه إنما نفي الثاني لكونه منافياً للأول الذي يفسر الكلام به، فإذا ما قيل: إن الكلام لا يفسر بالأول -وهو المعنى الموجب، المعنى الإثباتي- امتنع أن يسلسل النفي فيقال: هذا ليس مراداً، بمعنى: أنه إنما يعرف أن هذا المعنى الثاني والثالث والرابع -وهلم جرا- ليست مرادةً في هذا النص لأنها تنافي معناه اللائق به. فإذا زعم زاعم وقال: إن المعنى المراد ليس معلوماً، فهل يمكنه عقلاً أن يقول: إن المعاني التي ليست مرادةً تكون معلومةً؟ الجواب: لا، فإذا جهل المراد لزم أن يجهل ما ليس مراداً؛ لأن ما ليس مراداً إنما عرف كونه ليس مراداً بالعلم بالأول، فلما امتنع العلم بالأول امتنع العلم بالثاني، فيكون السياق ليس معلوماً من كل وجه، وهذا غاية التعطيل للنصوص؛ ولذلك سبق أن أشرت إلى أن مسألة التفويض في المعاني مسألة ممتنعة من جهة العقل.

стр. 257

أسباب الاضطراب في فهم أصول الدين قال المصنف ﵀: [لكن إذا قال هؤلاء: إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر، أو إنها تجري على المعاني الظاهرة منها، كانوا متناقضين، وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى وهنا معنىً في سياق واحد من غير بيان، كان تلبيساً، وإن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ، أي: تجري على مجرد اللفظ الذي يظهر من غير فهم لمعناه؛ كان إبطالهم للتأويل أو إثباته تناقضاً؛ لأن من أثبت تأويلاً أو نفاه فقد فهم منه معنىً من المعاني. وبهذا التقسيم يتبين تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها في هذا الباب]. ولذلك فإن هذا الاضطراب في فهم بعض مسائل أصول الديانة لابد أن يكون له أحد أسباب ثلاثة: فإما أن يكون صاحب هذا الاضطراب قد نقصت إرادته بتحصيل الفقه، وإما أن يكون قد نقص اجتهاده، وإما أن يكون قد استعمل وجهاً ليس مشروعاً في تحصيل الحق. ولذلك فإنه من المعلوم أنه إذا رجعنا إلى البسائط الأولى من الفطرة ومدارك العقل، ومقاصد الشريعة الأولى، فإن الإسلام بوجه عام يجب أن يكون ديناً واضحاً بيناً؛ لأن الإسلام ليس هو رسالة للعلماء أو للمثقفين -إن صح التعبير- أو للأذكياء، أو للبصراء، أو للمكاشفين ونحو ذلك فحسب؛ بل هو رسالة لسائر الناس. فيجب أن يكون الإسلام رسالة بينة في أصوله وفي فروعه، أما أصوله فهي واضحة منضبطة، وقد اضطرب قوم من أهل القبلة في مسائل الأصول لأحد هذه الأسباب الثلاثة: السبب الأول: أن يغلب عليهم التعصب لبعض الطوائف والأعيان، فلما غلب عليهم التعصب عَميت نفوسهم وعقولهم عن تحصيل الحق، ومن غلب عليه التعصب لأحد فلابد أن يكون تعصبه هذا منقصاً لإبصاره الحق؛ ولذلك فلم يشرع التعصب بمعناه اللغوي -الذي هو التمسك تمسكاً مطلقاً- لم يشرع هذا التمسك تمسكاً مطلقاً إلا لصاحب الحق المحض وهو الرسول ﵊، فهو الذي لا يؤخذ من قوله ويرد؛ بل يؤخذ سائر ما يقوله ﵌؛ لأن التعصب له لا يمكن أن يعمي عن الحق، أو عن شيء من الحق؛ لأنه لا يقول إلا حقاً، بخلاف من تعصب لمعين، حتى ولو كان عالماً فقيهاً، فضلاً عن أن يكون مبتدئاً؛ فهذا يصيبه كثير من الاضطراب. إذاً: من أهم مقاصد طالب العلم: أن ينفك عن التعصب، ولكن أقول: ينفك عن التعصب بفقه، وليس بهوج، فيذهب يتعصب لنفسه، أو ينفك عن التعصب لأحد من الأكابر فيتعصب للأصاغر، فإن هذا قد يعرض أحياناً. السبب الثاني: عدم الاجتهاد في تحصيل الحق. السبب الثالث: الأخذ بوجه غير مشروع في تحصيل الحق، والوجه المشروع هو أن يكون تحصيل الحق من جهة الرسول ﷺ فقط. إذاً: الأصل أن دين الإسلام بين في أصوله وفروعه، أما أصوله -كما أسلفت- فإنها بينة، وأما فروعه فحتى لو اختلف العلماء فيها، فإن هذا الخلاف في كثير من موارده -بل في أكثرها- هو نوع من السعة، وليس معنى ذلك: أن الناس يخيرون ويتذوقون ما يشاءون، ولكن القصد: أنه ليس من الإشكال وليس من الحرج.

стр. 258

شرح القواعد السبع من التدمرية [١٩] القاعدة السادسة في إثبات الصفات والرد على نفاتها: أنه لابد من بيان الضابط الذي يعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات في الصفات؛ وذلك لأن الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه اعتماد غير صحيح؛ لأنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، وقد بين شيخ الإسلام هذا الضابط بياناً تاماً، وشرحه الشيخ شرحاً وافياً.

стр. 259

القاعدة السادسة: بيان الضابط الذي تعرف به الطرق الصحيحة والباطلة في النفي والإثبات قال المصنف ﵀: [القاعدة السادسة: أن لقائل أن يقول: لابد في هذا الباب من ضابط يعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات؛ إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد؛ وذلك أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميز]. هذه هي القاعدة السادسة، وفيها يبين المصنف أنه لكثرة هذه المصطلحات، ولكثرة استعمال المستعملين لبعض الجمل التي دخل بسببها قدر من الاشتراك، قال: لقائل أن يقول: فما هو الحد الفاصل في مسألة الإثبات ومسألة النفي؟ والقاعدة السادسة والسابعة هي خاتمة ختم بها المصنف هذه المسألة، وهي أشبه ما تكون بنوع من الطريقة التي قد يحتاجها بعض المناظرين، فهذه القاعدة هي حق محتاج في باب المناظرة في الجملة. ولو قال قائل: إن الإثبات هو إثبات ما أثبته الله لنفسه مع نفي التشبيه، أو أن ما ينزه الله عنه هو مشابهة المخلوقات، قيل: إن هذا الكلام كلام صحيح، وإن كان قد دخل هذا أو هذا شيء من الاشتراك عند بعض الطوائف. فهذا التقرير من المصنف هو تقرير تفصيلي يُحتاج إليه في مقام المناظرات في الجملة.

стр. 260

خطأ الاعتماد في النفي على مجرد ادعاء التشبيه قال المصنف ﵀: [فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه، قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه، أو مشارك له في الاسم؛ لزمك هذا في سائر ما تثبته، وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له. ومعلوم إن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة. ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسراً بمعنىً من المعاني، ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا: إنه مشبه، ومنازعه يقول: ذلك المعنى ليس هو من التشبيه]. فصار لفظ التشبيه لفظاً مشتركاً باستعمال المستعملين له، كالمعتزلة الذين يرون أن كل من قال بقيام الصفة بذات الله فإنه يلزم منه التشبيه، قال: فإن المنازع يقول: إن هذا ليس تشبيهاً .. وهلم جرا.

стр. 261

من شبه المعتزلة: أن إثبات الصفات يستلزم تعدد القدماء قال المصنف ﵀: [وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل، وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبه ممثل، فمن قال: إن لله علماً قديماً، أو قدرةً قديمةً، كان عندهم مشبهاً ممثلاً؛ لأن القدم عند جمهورهم هو أخص وصف الإله، فمن أثبت لله صفةً قديمة فقد أثبت له مثلاً قديماً، فيسمونه ممثلاً بهذا الاعتبار]. تكلم النظار في أخص وصف للإله، فجمهور المعتزلة يقولون: أخص وصف لله هو القدم, وجمهور متكلمة الصفاتية يقولون: أخص وصف لله هو القدرة على الفعل. ومعلوم أن الرب سبحانه هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الفاعل والخالق لكل شيء، إلا أن ثمة مقاماً من مقامات التفصيل في القرآن المتضمنة لهذا وهذا، بمعنى: أن من أخص وصفه أنه رب العالمين، وهذه الكلمة التي ذكرها الله في كتابه عن نفسه -وهي أنه رب العالمين- هي متضمنة لفعله، ومتضمنة لكونه الأول الذي ليس قبله شيء، ومتضمنة لكونه الخالق وما سواه مخلوق، ومتضمنه لتدبيره وإرادته .. إلى غير ذلك، فهذه الجملة هي أجمع من هذه التعبيرات التي يعبر بها هؤلاء. فالمقصود: أنهم يجعلون من أثبت صفة قديمة مشبهاً؛ لأن القدم أخص وصف للإله عندهم، قالوا: فيلزم من ذلك تعدد القدماء. وهذه سفسطة في العقل؛ لأن فرض تعدد القدماء مبني على أن الصفة شيء مفارق منفك عن الموصوف، فإذا قالت المعتزلة: إن القول بقدم شيء من الصفات يستلزم تعدد القدماء، يقال لهم: هذا اللازم فرع عن كون الصفة شيء مفارق منفك عن موصوفها.

стр. 262

الجواب عن هذه الشبهة قال المصنف ﵀: [ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخص وصفه حقيقة ما لا يتصف به غيره، مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد، ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك]. وهذا هو أكثر تحقيقاً، وإن كان ما تذكره المعتزلة ليس باطلاً وهو ما يتعلق بالقدم، فإنه يعلم عند جميع المسلمين أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء. وقول المصنف: (ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخص وصفه حقيقة ما لا يتصف به غيره ...)، ليس معناه أن المصنف يريد أن مثبتة الصفات يدفعون كلام المعتزلة لأنه ليس القدم أخص وصف للإله، فإنه من المعلوم أن القدم -الذي هو بمعنى الأولية المطلقة- لا شك أن الله كذلك، وإنما المصنف يريد أن يراجعهم في أصل الإطلاق، وإلا فإن الجواب العلمي عن هذا الإيراد هو ما تقدم: أن القول بتعدد القدماء إنما هو فرع عن فرض انفكاك الصفة عن موصوفها، وأنها مجردة قائمة بنفسها عن موصوفها. فهذا هو التعدد الذي يقال: إنه ينافي مقام الربوبية، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون صفةً له؛ بل تكون شيئاً آخر مع الله .

стр. 263

أقوال الصفاتية في قدم الصفات قال المصنف ﵀: [ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات: إنها قديمة، بل يقول: الرب بصفاته قديم. ومنهم من يقول: هو قديم وصفته قديمة، ولا يكون هو وصفاته قديمان. ومنهم من يقول: هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه]. وهذه الأقوال كلها -من جهة الألفاظ- أقوال مجملة، لا ينبغي الإطلاق فيها والقول بها؛ لأن ثمة ألفاظاً أو حروفاً محكمة، وهي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] فهذه الكلمات كلمات محكمة، والمسلمون يفهمون منها فقهاً واحداً صحيحاً، وهو أن الله موصوف بالكمال منزه عن النقص. أما التكلم بمسألة: هل الصفة هي الموصوف أم ليست هي الموصوف؟ وهل يقال: هو قديم بصفاته، أم صفاته قديمة؟!! فإن هذا كله من الاستفصالات المتكلفة. قال ﵀: [فإن القدم ليس من خصائص الذات المجردة؛ بل هو من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم، فضلاً عن أن تختص بالقدم، وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم، والصفات متصفة بالقدم، وليست الصفات إلهاً ولا رباً، كما أن النبي محدث وصفاته محدثة، وليست صفاته نبياً]. وهذا جواب بعض متكلمة الصفاتية على إيراد المعتزلة، وهذا الجواب إنما بني على أصل غلط عندهم من جهة العقل، فإن منهم من يسلم ويقول: إن الصفة قديمة والموصوف قديم، ثم يقول: إنه لا يلزم أن تكون الصفة رباً, وهذا كله من باب السفسطة العقلية؛ لأن هذا يرجع إلى أن ثمة انفكاكاً بين الصفة وموصوفها، وهذا ليس كذلك، وتجد أنهم يجعلون من مثاله ما يتعلق بالنبي ﷺ ، فإن النبي ﵌ محدث -أي: مخلوق- فيقولون: إن نبوته من الله ، مع أنه مخلوق من مخلوقات الله. فهذا التفصيل إنما ورد عليهم بهذه الكلمات المجملة التي نطقوا بها، ولك أن تقول: إن هذه الحقائق البسيطة في الفطرة ومدارك العقل الأول وما قضت به الشرائع بينة واضحة، وهذا هو معنى البساطة المذكورة هنا (بسيطة) أي: بينة واضحة مفصلة، من بسط الشيء وبيانه. ولكن عندما أدخلوا عليها هذا التقسيم، وهذه الفروضات واللزومات؛ لزمتهم هذه الإشكالات.

стр. 264

العبرة بحقائق المعاني لا بحقائق الألفاظ قال المصنف ﵀: [فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل، كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك، ثم يقول لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهاً، فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية، والقرآن قد نفى مسمى (المثل) و (الكفء) و (الند) ونحو ذلك، ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفأه ولا نده، فلا تدخل في النص، وأما العقل فلم ينف مسمى التشبيه في اصطلاح المعتزلة]. ينتهي المصنف هنا إلى نتيجة فاصلة في هذا المقام، ولا سيما أنه قد كثر المصطلحون، وكثر الاشتراك في كلام الطوائف في مسألة التشبيه، فمنهم من فسر التشبيه بما هو من الحق، ومنهم من فسر التشبيه بما هو مما ينزه الله عنه .. وما إلى ذلك، فيقول المصنف: إن من القواعد العقلية عند بني آدم: أن العبرة في مقام الإثبات، أو في مقام النفي للأشياء وللموجودات، أو للحقائق، أو للصفات، أو لغير ذلك -العبرة هي بالحقائق من جهة المعاني، وأما الألفاظ فإنها لا تكون حكماً على المعاني؛ إما لكون اللفظ مشتركاً في نفسه، أو لكون المستعملين له جعلوه مشتركاً. فلا ينبغي أن تكون المناظرة على الألفاظ .. وهذه من قواعد المناظرة الصحيحة، فلابد -أولاً- من تحقيق المعاني، فإذا حُققت المعاني الصحيحة، وعرف ما يخالفها من المعاني الباطلة؛ أمكن أن يسمى المعنى الصحيح إما بالأسماء الشرعية المذكورة في الكتاب والسنة، أو بأسماء يتفق عليها، لكن أن يكون هناك جدل في الأسماء دون أن يكون هناك تحقيق للمقصود بهذه الأسماء التي حصل الجدل عليها، فإن هذا ليس فقهاً، ولذلك فقد يوجد أن طائفة ينفون اسماً، وآخرين يثبتونه؛ لأن هؤلاء قصدوا به معنى فنفوه، وأولئك قصدوا به معنى آخر فأثبتوه. فلابد إذاً من الاستفصال في المعاني، ولا سيما بعد كثرة المصطلحات والاشتراكات في استعمال المستعملين.

стр. 265

نفي التشبيه معلوم بالسمع ومعلوم بالعقل وقوله: (وأما العقل فلم ينف مسمى التشبيه في اصطلاح المعتزلة): هذه مسألة من مسائل الخلاف بين النظار وهي: تنزيه الله عن التشبيه هل هو معلوم بالسمع أم معلوم بالعقل؟ فالذي عليه محققوهم أنه معلوم بالعقل، وإذا قيل: إنه معلوم بالعقل، فمن باب أولى أنه معلوم بالسمع، وإنما الغلط ما ذهب إليه بعض غلاتهم الذين زعموا أن تنزيه الله عن النقص إنما علم بالسمع، ولم يعلم بالعقل، فإن هذا من الضلال المبين؛ بل هو معلوم بالسمع ومعلوم بالعقل؛ لأنه قدر كلي. والقاعدة: أن كل كلي علم بالسمع لزم أن يكون معلوماً بالعقل، وأما الذي يمكن أن يكون معلوماً بالسمع وحده فهو المفصلات، أو ما هو من المفصلات؛ لأنهم إذا قالوا: إنه علم بالسمع ولم يعلم بالعقل، يقال لهم: ما معنى قولكم: إنه لم يعلم بالعقل؟ هل معناه أن العقل يجوز مسألة التشبيه؟ لأنه ليس في الحقائق إلا أحد ثلاث إضافات: إما أن يقال: إن هذا الشيء واجب، وإما أن يقال: إن هذا الشيء جائز ممكن، وإما أن يقال: إن هذا الشيء ممتنع، وهنا يرد عليهم السؤال: هل العقل يقضي بأن التشبيه جائز، أم واجب، أم ممتنع؟ فإن قالوا: ممتنع؛ فمعناه: أن العلم بنفي التشبيه علم بالعقل، وإن قالوا: إنه جائز؛ فهذا لا شك أنه عين الضلال المبين، بمعنى: أن عقولهم قضت بمسألة التشبيه، وهذا ما يبين حقيقة المذهب، وأنه ليس ظاهر القرآن هو الذي قضى بالتشبيه، كما يزعمون أن ظاهر القرآن هو التشبيه، وأن الدليل العقلي هو الذي صرف النص عن التشبيه إلى التأويل. فإذا كانوا يقولون: إن الدليل العقلي هو الذي صرف النص، فمن أوائل المقدمات أن يقال: إن العلم بنفي التشبيه معلوم بالعقل، أما أن يقال: إنه ليس معلوماً بالعقل، ثم يقال: إن العقل هو الذي قضى بنفي التشبيه، فإن هذا من باب التناقض، فإن العقل إذا لم يكن عالماً به؛ امتنع أن يكون دافعاً له. وهذا ليس مذهباً للمتكلمين أجمعين؛ بل هو مذهب لقوم من غلاتهم.

стр. 266

من شبه النفاة: أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم والأجسام متماثلة قال المصنف ﵀: [وكذلك أيضاً يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز، والأجسام متماثلة، فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلاً لسائر الأجسام، وهذا هو التشبيه. وكذلك يقول هذا كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات، وينفون علوه على العرش، وقيام الأفعال الاختيارية به، ونحو ذلك]. وهذا هو ما يعرض في كلام بعض المتأخرين من المتكلمين، الذين استعملوا ما يسمونه بالدليل المركب في صفات الأفعال، وإن كنت لا أحب أن أسميهم هنا؛ لأنهم حقيقة يضطربون في تقرير هذا الأمر، فمثلاً: نجد أن الرازي مرة يقرر أن هذه مسألة معلومة بالسمع، ويجعل السمع هو دليل الإجماع، ومرة يجعلها معلومة بالعقل، وقد سبق التنبيه إلى أن من يريد أن يحكم على الطوائف فلا ينبغي أن يكون حكمه مبنياً على جملة عرضت في بعض كلامهم؛ بل لابد أن يكون بصيراً بحقيقة أقوالهم، وحتى لو حكوا الإجماع، فإنه أحياناً يحكي بعض المتكلمين إجماع طائفة من الطوائف، أو إجماع الطائفة عندهم على قول، فلا يلزم أن يكون الأمر كذلك؛ بل قد يكون في الأمر كثير من الخلاف عندهم. قال المصنف ﵀: [فيقولون: الصفات قد تقوم بما ليس بجسم، وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسماً، فلو أثبتنا علوه للزم أن يكون جسماً، وحينئذ فالأجسام متماثلة، فيلزم التشبيه]. وعن هذا التفريق الذي زعموه بالعقل أثبتوا ما يسمى بالصفات العقلية؛ كالعلم، والحياة، والسمع، والبصر، ونحوها، ونفوا الصفات الفعلية التي يسمونها: حلول الحوادث، وغلاتهم -أعني غلاة متكلمة الصفاتية- نفوا ما يتعلق بعلو الرب ، وجعلوا الموجب لنفي علوه من جنس الموجب لنفي صفة الفعل في حقه ، أي: أنهم جعلوا هذا مستلزماً للتشبيه والتجسيم. أبو المعالي الجويني: قال المصنف ﵀: [فلهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه مشبهاً، ولا يسمون من أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبهاً، كما يقوله صاحب الإرشاد وأمثاله]. صاحب الإرشاد هو أبو المعالي الجويني، صنف كتاب الشامل، وصنف كتاب الإرشاد، وسماه: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، وهو -أي: أبو المعالي الجويني إمام الحرمين- من فقهاء الشافعية، وهو أصولي معروف في علم الأصول على الطريقة الكلامية، وهو منتحل لمذهب أبي الحسن الأشعري، ولكنه ممن عدل في هذا المذهب كثيراً؛ فإنه شرد بهذا المذهب إلى نوع من طريقة المعتزلة.

стр. 267

تأثر بعض الحنابلة بمعتقدات النفاة كالأشاعرة ونحوهم وأبو الحسن الأشعري لما رجع ومال إلى السنة وعظم الأئمة، وجاء كبار أصحابه كالقاضي أبي بكر ابن الطيب وأدرك قوماً من مقتصدة الحنابلة؛ بل من المائلين من الحنابلة إلى بعض مسائل التأويل، وهم قوم من التميميين من الحنابلة الذين كانوا يجوزون بعض المسائل ويتأثرون بطرق الكلابية. والحنابلة هم أخص الطوائف التي كانت معنية بمسألة إثبات الظاهر ودفع التشبيه وما إلى ذلك، كتاريخ وليس كحقيقة، فإن الحقيقة أن السنة والجماعة موجودة في الشافعية والحنبلية والمالكية والحنفية وأهل الحديث ونحوهم، لكن كتصورات تاريخية عامة. فالمقصود: أن هؤلاء الحنابلة كانوا متوالفين مع القاضي أبي بكر ابن الطيب وأمثاله من شيوخ الأشعرية، حتى إن القاضي أبا بكر ابن الطيب الباقلاني لتسالمه وتوالفه مع الحنبلية إذ ذاك -مع بعض الاختلاف الذي كان موجوداً، كما يذكره ابن تيمية وأهل الأخبار في التراجم- كان يوقع جواباته الفقهية للأمصار حينما يستفتى ويكتب: (محمد بن الطيب الحنبلي)، مع أنه ليس فقيهاً حنبلياً، أي: ليس على مذهب الإمام أحمد في الفقه، لكن هذا نوع من التوالف والتسالم الذي كان بينهم. ثم لما جاءت فتنة (الفراعية) أتباع القاضي، حصلت بعض النزاعات التي كان لها أثر سلطاني، فإن السلطان ربما ساعد بعض الطوائف الخارجة عن السنة، كما حصل في بعض الدول كحال المأمون وغيره. ثم بعد ذلك انقطع هذا التوالف بينهم، فلما كثر الاختلاف بين الحنابلة والأشعرية صار كل قوم يقصدون إلى الانتصار لمذهبهم، فنجد أن بعض الحنبلية ربما تعدوا بالانتصار إلى نوع من الزيادة في الإثبات، وكذلك الأشعرية تعدوا بالانتصار فخرجوا عما كان عليه أبو الحسن الأشعري وقدماء أصحابه إلى نوع من طريقة المعتزلة، ولذلك يقول ابن تيمية: "وأبو المعالي الجويني لما كثر النزاع بينهم وبين الحنبلية شرب كتب أبي هاشم الجبائي ". أي: أنه درس كتب الجبائي؛ لأنها كتب منظرة على طريقة الردود المفصلة، فتأثر بها؛ ولذلك فإنه من أخص من قرر الصفات السبع وحدها، أما الأوائل كـ الأشعري والباقلاني فكانوا مثبتين للصفات الخبرية؛ كصفة الوجه واليدين ونحوها. فالمقصود: أن المذهب الأشعري دخله هذا التقصير على يد جماعة منهم الجويني، وإن كان الجويني ركض في هذا المقام كثيراً، وصنف هذه الكتب، وانتصر لها، وبالغ في التقرير، وشدد في المذهب الأشعري على غير طريقة محققي الأشعرية المتقدمين، ثم تبين لـ أبي المعالي الجويني أن هذه الطريقة التي ركض فيها ليست طريقةً محكمةً من جهة الشرع ولا من جهة العقل، فأعلن رجوعه عنها، وكتب الرسالة النظامية، وهي رسالة تدل على رجوعه عن نظرية التأويل، وإن كان لم يصب التحقيق، فقد ذهب إلى تمجيد التفويض، وزعم أنه لا بد من التأويل أو التفويض، وأن التفويض هو درب الأئمة والسابقين الأولين، وهذا غير صحيح، وإن كان يحمد للجويني الرجوع في الجملة، فإنه يحمد لهؤلاء؛ لأن الجويني وأمثاله كـ أبي حامد، الأصل فيهم أنهم قصدوا اتباع الحق، وإن كان هذا القول هو قول مجمل، فإن الله هو العالم بأحوال العباد. وإن كان يقال أيضاً -مع القول بأنهم قصدوا الحق-: قد ظهر عندهم شيء من مقامات التعصب، وهذا التعصب لما دخل على الفقهاء أفسد كثيراً من فقههم، ولما دخل على المخالفين للسنة والجماعة أقامهم في بدعتهم، ولم يقربهم إلى السنة، ولذلك ينبغي أن ينفك طالب العلم عن التعصب للأعيان، ويكون تعصبه للحق، لكنه يكون على قدر من الفقه كما سبق. قال المصنف ﵀: [وكذلك قد يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله من مثبتة الصفات والعلو]. القاضي أبو يعلى من شيوخ المذهب الحنبلي كما هو معروف، وقد كان في أول أمره متأثراً بشيء من كلام الكلابية، ثم رجع عن ذلك في الجملة. وقد عرض لبعض الحنبلية أنهم تأثروا بشيء من هذا الكلام؛ كـ أبي الوفاء ابن عقيل، فإنه درس علم الجدل وعلم الكلام على بعض شيوخ المعتزلة؛ كـ أبي علي ابن التبان، وأبي القاسم ابن الوليد المعتزليين، وكانا من أصحاب أبي الحسين البصري المعتزلي الحنفي. فدرس أبو الوفاء ابن عقيل على هذين، وتأثر بشيء من طرق المعتزلة، ولا سيما في منهج الاستدلال، وتأثر بجملة من نتائج الكلابية في مسائل الصفات، وإن كان ابن عقيل رجع عن كثير من ذلك أو عن أكثره، وصنف (الانتصار لأهل الحديث)، وكتب توبةً معروفةً شائعةً في ذلك العصر. فهؤلاء من الحنابلة أو غير الحنابلة قد عرضت لهم بعض المسائل التي خالفوا فيها المنهج الحق.

стр. 268

عدم تحقيق المتأثرين بالنفاة للحق من الباطل قال المصنف ﵀: [ولكن هؤلاء قد يجعلون العلو صفةً خبرية، كما هو أول قولي القاضي أبي يعلى، فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه، وقد يقولون: إن ما يثبتونه لا ينافي الجسم، كما يقولونه في سائر الصفات. والعقل إذا تأمل وجد الأمر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق]. أي أنهم لما لم يحققوا المعاني الصادقة من جهة العقل والشرع، ربما نفوا وجهاً من الغلط، ولكنهم لم ينفوا الوجه الآخر، والحكمة العقلية والشرعية ليست هي أن تعرف وجهاً من الحق دون بقيته، ولا أن تنفي وجهاً من الباطل دون بقيته، فإن الذي عرض لجمهور أهل القبلة من الطوائف المخالفة للسنة والجماعة: أنهم أثبتوا وجهاً من الحق ونفوا وجهاً من الباطل، ولذلك إذا قيل مثلاً عن المعتزلة: هل لا يوجد عندهم إثبات لشيء من الحق ولا يوجد عندهم نفي لشيء من الباطل؟ فالجواب: لا؛ بل عندهم إثبات لحق ونفي لباطل، ولكن امتياز أهل السنة والجماعة في هذا المقام، ولا يمكن أن يقال عن طائفة من طوائف المسلمين أنها تجردت عن الحق من كل وجه؛ لأن من تجرد عن الحق من كل وجه لم يكن مسلماً، فمن لم يعرف معنى (لا إله إلا الله)، ولا الربوبية، ولا النبوة، ولا الكمال .. فإن هذا لا يكون مسلماً. إذاً: هؤلاء عرفوا وجهاً من الحق، ولكنهم لم يعرفوا الباطل، أو أثبتوا وجهاً من الحق ولم يثبتوا بقيته، ونفوا وجهاً من الباطل ولم ينفوا بقيته؛ والبقية الأولى من الحق إما أنهم غافلون ساكتون عنها، وإما أنهم يظنونها من الباطل، فهم يثبتون حقاً ويسكتون عن بقيته، أو ينفونه لكونهم يظنونه من الباطل، وينفون وجهاً من الباطل ويسكتون عن بقيته غفلةً عنه، أو يظنونه شيئاً من الحق, فربما أثبتوا وجهاً من الغلط والباطل.

стр. 269

الجواب عن شبهة أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم قال المصنف ﵀: [وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، والأجسام متماثلة]. هذا ما يسمى بدليل الأعراض، فهم قالوا: إن الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بجسم، والأجسام متماثلة. لكنهم ينازَعون في هذه المقدمات؛ فيقال مثلاً: ما معنى أن الأجسام متماثلة؟ فإذا قصد بالتماثل أن الأجسام موصوفة بالصفات، فهذا وجه، ثم ما المقصود بالأجسام نفسها؟ فيقال: كلمة الأجسام كلمة فيها إجمال، فما المقصود بالجسم؟ فإن قصدتم بالجسم الموصوف بالصفات أو القائم بنفسه، فهذا معنى، ولا يلزم أن يسمى جسماً في لسان العرب على هذا الاطراد، فإن الجسم في لسان العرب هو البدن الكثيف. وأيضاً: ما معنى التماثل الذي يقال في الأجسام؟ فإن هذه كلها كلمات مجملة مشتركة، ما أنزل الله بها من سلطان. قال المصنف ﵀: [والمثبتون يجيبون عن هذا تارةً بمنع المقدمة الأولى، وتارةً بمنع المقدمة الثانية، وتارة بمنع كلتا المقدمتين، وتارةً بالاستفصال]. وهذا من فقه المناظرة والجواب، أنه تارةً تمنع المقدمة الأولى، وتارةً تمنع المقدمة الثانية، وتارة تمنع المقدمتان، وتارةً بالاستفصال، فإنهم يقولون: إن إثبات الصفات يستلزم التجسيم -وهذه هي المقدمة الأولى- والأجسام متماثلة -وهذه هي المقدمة الثانية- والنتيجة نفي الصفات. فيقول المصنف: إما أن تنفى المقدمة الأولى، فيقال: إثبات الصفات لا يستلزم التجسيم، أو تنفى المقدمة الثانية، وهي قولهم بتماثل الأجسام؛ بل يقال: هي مختلفة، أو تنفى المقدمتان، أو يستفصل، فيقال: ماذا تقصدون بالتجسيم؟ وماذا تقصدون بالتماثل؟ قال المصنف ﵀: [ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل، سواء فسروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب من الهيولى والصورة، ونحو ذلك]. لأن معنى التماثل في العقل: أن الماهيتين ليس بينهما قدر من الامتياز، وهذا المعنى بيِّن الامتناع بين المخلوقات، فإذا كان بين الامتناع بين المخلوقات -كما سبق في المثلين المضروبين- فبين الخالق والمخلوق من باب أولى. وقوله: (أو بالمركب من الهيولى والصورة): أي: من المادة والصورة.

стр. 270

مسألة الجوهر والعرض قال المصنف ﵀: [فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة على أنها متماثلة، فهذا يبنى على صحة ذلك، وعلى إثبات الجواهر المفردة، وعلى أنها متماثلة، وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك]. قوله: (الجواهر المفردة): هذا مصطلح مولد من الفلسفة، وهم يجعلون الجوهر ما يقابل العرض، ويجعلون الأشياء مركبة إما من الجواهر، وإما من الأعراض، ويجعلون العرض مقابلاً للجوهر، ويجعلون الجوهر: إما جوهراً فرداً، وإما جوهراً مركباً، ويجعلون الجوهر الفرد هو الجزء من المادة الذي لا يقبل الانقسام، ويقولون: إن الأجسام مركبة من الأعراض والجواهر. وهذا كله سفسطة خيالية عقلية، مناسبة لحال الممكنات، ولو صحت هذه الفرضية فإنها فرضية من خيال الذهن، ومعروف أن العقل إذا تخيل فإنه يتخيل شيئاً ممكناً. وهذه النظرية المولدة من الفلسفة هي دخيلة على المسلمين، ولذلك يروى في كتب الأخبار: أن إبراهيم بن سيار النظام قال لـ أبي الهذيل العلاف -وكان العلاف أكبر منه سناً-: يا أستاذ! فررت من أن يكون الرب عرضاً، فيلزم أن يكون جوهراً. فإن المعارض إذا قيل له: لا يلزم ذلك، قيل: فلا يلزم الأول، بمعنى: أنه إما أن يكون القول في المسائل الإلهية يتصل بمسألة العرض والجوهر أو لا يتصل، فإن لم يتصل لم يلزم لا العرضية ولا الجوهرية، وإن اتصل ونفيتم العرضية؛ لزم أن تبقى الجوهرية وهي التجسيم. يقول: أنتم إذا فرضتم أن يكون الرب عرضاً؛ لزم أن يكون جوهراً، وإذا فرضتم أن يكون جوهراً؛ لزم أن يكون عرضاً، فإن قلتم: إن هذا لا يلزم؛ علم أن هذا المقام بعيد عن هذا القول من أصله. حتى قيل: إن العلاف بصق في وجهه، وقد كان إبراهيم بن سيار من أكثر الناس ذكاءً؛ بل كان من أعيان الأذكياء والمناظرين؛ لكنه زل زلات كثيرة، وإن كان بعض ما نقل عنه قد لا يصح. ولذلك فإن بعض الناس تردد في تكفير النظام؛ لأنه نقل عنه ما يوجب ذلك، وفي نظري أن ما لم يعلم انضباطه من المسلمين من أهل القبلة فلا ينبغي أن يتكلف فيه، فما دام أنها رواية تاريخية، فلا يجوز أن يحكم على شخص بمجرد تلك الرواية التاريخية، لكن يقال: من قال كذا وكذا فإنه يكفر، كمن يقول مثلاً بالصدفة، فإن هذا الكلام كفر، لكن هل قال النظام بذلك أم لم يقل؟ الله أعلم. وفي الغالب أنه لم يقل به؛ لأنه لم ينقل عنه إظهار الزندقة إظهاراً صريحاً، كما نقل عن ابن الراوندي مثلاً، وإن كان الناقلون لذلك هم المعتزلة؛ لأن ابن الراوندي قد رد على المعتزلة كثيراً. فهنا يجب أن تكون الحقائق بينة، فما كان معلوماً في التاريخ مستفيضاً منضبطاً، أخذ به وبني عليه، وأما ما نقله بعض الإخباريين، فلا يلزم أن يضاف حكم شرعي إلى معين على رواية معينة من الروايات التاريخية التي قد تصدق وقد تكذب.

стр. 271

بطلان القول بتماثل الأجسام قال المصنف ﵀: [والمقصود أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيماً بناءً على تماثل الأجسام، والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم، كإطلاق الرافضة للنصب على من تولى أبا بكر وعمر ﵄، بناء على أن من أحبهما فقد أبغض علياً ﵁، ومن أبغضه فهو ناصبي، وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى]. إذاً: مسألة تماثل الأجسام يجاب عنها بأحد جوابين: الأول: بالمنع، فإن الأجسام مختلفة؛ لأن التماثل بين المعنيين يعني امتناع الامتياز، وهذا لا وجود له في الخارج؛ فإن الأشياء بينها امتياز، وهذا من ضرورات تعدد الماهيات بين المخلوقات، فبين الخالق والمخلوق من باب أولى. فتماثل الأجسام باطراد أمر لا وجود في الخارج، وهو مخالف لمدارك العقل الأول، ومخالف للاطراد الحسي، فإن العلم بتباين واختلاف الماهيات من العلم الضروري في العقل فضلاً عن الشرع. الثاني: أن يقال بالاستفصال: ما المقصود بتماثل الأجسام؟ فإن قيل: المقصود أنها تشترك في إثبات الصفات مثلاً، فإن هذا ليس هو التماثل المعروف عند العقلاء. وقوله: (كإطلاق الرافضة للنصب على من تولى أبا بكر وعمر ﵄، بناء على أن من أحبهما فقد أبغض علياً ﵁، ومن أبغضه فهو ناصبي، وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى): فإنه لا يلزم من محبة أبي بكر وعمر البغض لـ علي؛ بل طريقة أهل السنة والجماعة وعامة المسلمين هي التولي لسائر أصحاب النبي ﵌، ويحفظون ما حفظه رسول الله ﷺ ؛ بل وما ذكره الله في القرآن من مراتبهم، فيقدمون من قدم الله، ويفضلون من فضل الله، مع القول بأن جملة الصحابة عدول خيار، وإن كانوا يفضلون أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وأمثالهم على جمهور الصحابة.

стр. 272

سبب انحراف المتكلمين وضلالهم قال المصنف ﵀: [ولهذا يقول هؤلاء: إن الشيئين لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه. وأكثر العقلاء على خلاف ذلك، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبينا فيه حجج من يقول بتماثل الأجسام وحجج من نفى ذلك، وبينا فساد قول من يقول بتماثلها]. قد يقول قائل -وهذا سؤال قد يرد على البعض ولا سيما الناظر في كتب المتكلمين-: إن هؤلاء أوتوا ذكاءً، وعندهم سعة في العلم في مسائل النظر والجدل والعقليات وما إلى ذلك، فلماذا اضطرب أمرهم؟ فيقال: إن الاضطراب إنما دخل عليهم ليس لنقص في ذكائهم، ولا لنقص في أحاطتهم بالمعارف التي قد يدركها من هم دونهم بمراتب في العلم، ولكنهم لما فرضوا بعض المعاني، وأرادوا تصديق هذه المعاني التي فرضوها؛ اصطدموا بقدر متسلسل من الحقائق العقلية والحقائق الشرعية، فذهبوا يتأولون الشرعي، ويوردون السؤال على العقلي، ومن هنا حصل عندهم هذا الاضطراب، وإلا فإنهم أهل نظر، ولذلك فإن محمد بن عمر الرازي -وهو عمدة المتأخرين من أصحاب الأشعري - رجل واسع العلم، وفقيه، وأصولي، وقد صنف كتباً مطولة؛ كالمطالب العالية، والمباحث المشرقية، وصنف في آخر عمره كتاباً سماه: (أقسام اللذات)، وقال في هذا الكتاب: "إن لكل قوة وحاسة لذة، ولذة العقل العلم، وأشرف العلم: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله"، ثم قال: "وعلى كل واحدةٍ منها عقدة لم تنحل"، أي: أن عنده إشكالاً، ثم قال: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً"، أي: أن من عنده شبهة فهو بمنزلة المريض المعلول، وهذه الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، لا يجد جواباً محققاً فيها. وقوله: (ولا تروي غليلاً) أي: أن الرجل الذي ليس هو صاحب شبهة ولا ثقافة معينة، هو بمنزلة العطشان، فهو يريد أن يعرف الحقائق من جهة المناهج الكلامية والفلسفية، ولكنها لا ترويه، فهي لا تصلح لا لمن جهله بسيطاً، ولا لمن جهله مركباً، أي أنها لا تدفع شبهة صاحب الجهل المركب. قال: "ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن". وكذلك أبو حامد الغزالي، خاب في هذا الباب، وانتهى إلى أن هذا الباب لا يحصل نتائج علمية دقيقة، لكنه قال: إنه باب من باب المناظرة، ودفع صول الصائلين على الإسلام، فنجيبهم بهذه الطرق، وهذه التشقيقات، وهذه النظريات، وهذه المحاولات العقلية. إذاً: هؤلاء لم ينقص مقامهم في الذكاء، أو في ذات المعارف؛ لكنهم لما وضعوا أصولاً ليست محكمة، وتعصبوا لها، وتسلسل تعصبهم؛ وصلوا إلى هذا المقام، ولذلك فإن من وفقه الله إلى نوع من الصدق، فإنه ينفك انفكاكاً ليس بالضرورة أنه يعرف الحق المفصل، لكنه يعرف أن الذي هو فيه كان غلطاً؛ كأمثال أبي الحسن الأشعري لما أعلن رجوعه عن الاعتزال، والجويني لما أعلن رجوعه عن التأويل، والغزالي لما أعلن رجوعه عن الطريقة الكلامية، وتمسك بالطريقة الصوفية، وإن كان لم يحقق الصواب مع أنه كان قاصداً له.

стр. 273

الاعتماد بالقول بتماثل الأجسام على نفي التشبيه اعتماد باطل قال المصنف ﵀: [وأيضاً: فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتماد باطل؛ وذلك أنه إذا ثبت تماثل الأجسام، فهم لا ينفون ذلك إلا بالحجة التي ينفون بها الجسم، وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم، وثبت امتناع الجسم؛ كان هذا وحده كافياً في نفي ذلك، لا يحتاج نفي ذلك إلى نفي مسمى التشبيه]. أي أنه إذا كان القول بأن الأجسام متماثلة قول صحيح؛ اقتضى هذا المقام بذاته، دون أن يبنى على مقدمة أن هذا من باب التشبيه. قال ﵀: [لكن نفي الجسم يكون مبنياً على نفي هذا التشبيه، بأن يقال: لو ثبت له كذا وكذا لكان جسماً، ثم يقال: والأجسام متماثلة، فيجب اشتراكها فيما يجب، ويجوز ويمتنع، وهذا ممتنع عليه. لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمداً في نفي التشبيه على نفي التجسيم، فيكون أصل نفيه نفي الجسم، وهذا مسلك آخر سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى]. وهذا فيه تفريق من المصنف رحمه الله تعالى بين الطريقتين، فإن من اعتمد في نفيه على نفي التشبيه، يقول المصنف: إن حقيقة هذه الطريقة، وإن ركبها من نفس مسألة التجسيم، فإن مقام التشبيه عندهم يختلف عن مقام التجسيم، فإنهم إذا فسروا التشبيه بالتجسيم امتنع أن يكون هذا الاشتراك الذي ورد به القرآن من باب التشبيه، أما إذا كان التشبيه عندهم على معنى الاشتراك، فإنه يمتنع أن يكون هو التجسيم، فيكون المقام منفكاً بين الجهتين.

стр. 274

الاعتماد في نفي ما ينفى على نفي التشبيه لا يفيد في مقام الاحتجاج قال المصنف ﵀: [وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما ينفى على مجرد نفي التشبيه لا يفيد؛ إذ ما من شيئين إلا ويشتبهان من وجه ويفترقان من وجه، بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب، ونحو ذلك مما هو مقدس عنه، فإن هذه طريقة صحيحة]. قوله: (وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما ينفى على مجرد نفي التشبيه لا يفيد): هذا في ذكر مقام الاحتجاج، وإلا فمعلوم أن الله منزه عن مشابهة مخلوقاته، وأن التشبيه قد استقر عند سائر أهل العلم بل عند جماهير المسلمين أن الله منزه عنه، ولكن قول المصنف ﵀: (إن مجرد الاعتماد) أي: في باب الاحتجاج، (على مجرد نفي التشبيه لا يفيد)، وقوله: (لا يفيد) فيه قدر من التعيين لمراده, بمعنى: أنه لا يصح أن يفهم أحد عن المصنف أنه يصف الله بالتشبيه، فإن قوله في هذه الحجة بهذا الوجه، ليس معناه أنه يقول: إن الله موصوف بالتشبيه، وإنما مقصوده: أنه إذا ذكرت الحجج في مقام الإثبات ومقام النفي، فإن تعليق الحجة على هذا اللفظ -وهو لفظ التشبه- لا يكون محكماً من كل جهة؛ لأن هذا اللفظ متضمن لقدر من الاشتراك، فضلاً عما أدخل عليه من الاشتراك؛ ولهذا فإن من نفى صفات الله من المعتزلة ونحوهم يجعلون الحجة في نفيهم: أن هذا الإثبات يستلزم التشبيه. فيقول المصنف: إن كلمة التشبيه من هذا الوجه كلمة مجملة متضمنة لغير معناه، فإن التشبيه إذا ما فسر بالاشتراك في الاسم فهذا وجه، وإذا فسر التشبيه بالاشتراك في المسمى الكلي الذهني فهذا وجه آخر، وإذا فسر التشبيه بالاشتراك فيما هو من الخصائص فهذا وجه ثالث، فإن المصطلح والمخالف لطائفة قد يسمي هذا تشبيهاً، أو هذا تشبيهاً، أو هذا تشبيهاً. ولذلك يقول: إن المعتزلة عندما جعلت الاشتراك في المسمى الكلي تشبيهاً، وذهبت تتأول الصفات، لأن هذا من التشبيه الذي نفاه القرآن، قال: فإن هذا يمكن أن يتسلسل عليهم في سائر الموارد، بمعنى: أنه يتسلسل في موارده الثلاثة: في باب الاسم واللفظ، أو في باب المسمى الكلي الذهني، أو فيما هو من الخصائص. وإن كان يعلم بالضرورة أن المصنف إذا ما ورد عليه ما يتعلق بالوجه الثالث -وهو الاشتراك فيما هو من الخصائص- فإنه لا شك ينفي التشبيه بهذا المعنى؛ فإنه لا هو ولا غيره من أهل السنة؛ بل ولا من جماهير المسلمين؛ بل لا يوجد أن أحداً من المسلمين يلتزم بمسألة الخصائص التزاماً مطلقاً؛ أي: يقول بأن المخلوق تتحقق له صفات الكمال المطلق اللائقة بالخالق، أو يقول بأن الخالق تتحقق له صفات النقص اللائقة بالمخلوق، أي: أن تكون الصفة المضافة إلى الخالق هي من حيث الماهية والحقيقة بمعنى الصفة المضافة للمخلوق، فلا يفرق بين ما أضيف إلى الله ، وبين ما أضيف إلى المخلوقين، بل يقول: إن عين صفة الخالق من حيث المعاني المختصة الإضافية هي عين صفة المخلوق، فيجعل صفة الله كصفة خلقه؛ وهذا قدر من التشبيه، أو يقول بعكس ذلك، فيجعل صفات بعض المخلوقين كصفات الباري المطلقة بالكمال. فهذا الوجه من التشبيه قد اتفق المسلمون على إبطاله، وإن كان بعض أهل القبلة -وهم من سموا بالمجسمة وغيرهم- قد عرض لهم مقام من هذا التشبيه، ودخلت عليهم مادة من هذا التشبيه، لكن الذي يقصد قوله: أنه لم ينضبط عن أحد من المسلمين أنه قال: إن الباري مثل المخلوق من كل وجه، أي: لم يجعل ثمة فرقاً بين الخالق والمخلوق، فإن من التزم بهذا القول على هذا التحقيق والجزم والكمال؛ فإنه لا يكون من أهل القبلة، وإن كان يقال: إن مادة من التشبيه الذي قد علم إبطاله بالإجماع قد دخلت على بعض أصحاب الطوائف كالمجسمة. ثم إن المصنف لم يقصد منع تسمية ما يعلم نفيه -وهو ما لا يليق به من المعاني المشابهة أو المماثلة لصفات المخلوقين- لم يقصد منع تسمية هذا من باب التشبيه، فإنه ينفيه؛ بل ويسميه نقصاً، ويسميه أيضاً تشبيهاً. وقد سبق في تقريره لمذهب أهل السنة أن قال: إنهم يثبتون صفات الله من غير تشبيه ولا تمثيل. إذاً: لا بد أن يفهم كلامه هنا أنه لا يقصد عدم القول بنفي التشبيه عن الله ، وإنما يقول: إنه في باب الاحتجاج إذا ما كانت الحجة مبنية على هذا اللفظ الذي دخله كثير من الاشتراك من وجه آخر، فإنّ هذه الحجة لا تكون منضبطة على هذا التقدير؛ لأنه يلزم أن تكون مطردة في سائر مواردها الثلاثة، فإذا ما جوز واحد منها، فقد ينازع المنازع في تجويز غيره، وإذا ما نفي واحد منها، فقد ينازع المنازع في نفي غيره. فهذا وجه من كلام المصنف: أنه يقول: إن التشبيه هنا يراد به الشبيه في الاسم، أو في المسمى الذهني، أو في المعنى الإضافي المختص، فهنا قال: إن نفي التشبيه لا يفيد في مقام الاحتجاج؛ لأنه إن جُوز وجه واحد من هذا التشبيه؛ فإن المنازع قد يحتج على جواز غيره، وإذا نفي واحد منها، فإن المنازع قد يحتج على نفي غيره، ومن المعلوم شرعاً وعقلاً أن نفي واحدٍ من هذه الأوجه عند التحقيق لا يلزم منه النفي للآخر، كما أن إثبات واحد منها لا يستلزم شرعاً وعقلاً إثبات الآخر؛ فإن من قال: إن الاشتراك في الاسم المطلق تشبيه، وجوز ذلك، وصححه؛ لم يلزم منه أن يجوز غيره، وإن كان ينازَع في تسمية هذا تشبيهاً؛ بل يقال: إن هذا ليس من باب التشبيه، لكن تصحيح المعنى هنا لم يستلزم تصحيح المعنى الثاني. ولذلك لو قال: إذاً أجوز غيره من الأوجه ولا أسميها تشبيهاً، قيل: هذا لا يصح، فإن جواز واحد منها -وهو الاشتراك في الاسم المطلق- لا يستلزم أن يجوز الثالث، وهو الاشتراك في الخصائص، أو يقال: الاشتراك في المسمى الذهني لا يستلزم الاشتراك في الخصائص، كما تقدم أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التطابق في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص. إذاً: هذا هو معنى كلام المصنف ﵀، فإنه عندما قال هذا الكلام، لم يقصد به أن ما لا يليق بالباري يمنع أن يسمى تشبيهاً؛ بل ما ينفى عنه لك أن تقول: إن الله منزه عن هذا؛ لأنه نقص وعيب وتشبيه بما لا يليق بالله من خصائص المخلوقين. كما أنه ليس معنى كلام المصنف أن ما يكون ثابتاً في نفس الأمر يجوز أن يسمى تشبيهاً بإطلاق، والثابت في نفس الأمر عند أهل السنة هو الاشتراك في الاسم المطلق، فالمصنف لا يقول: إن هذا يسمى تشيبهاً بإطلاق، فهو لم يقصد نفي الأول، ولا إثبات الثاني، وإنما مقصوده ما تقدم، ولعله قد تحقق مراده هنا. وقد غلط بعض المعلقين على هذه الرسالة، فعلق على كلام المصنف بما لا يصح ولا يجوز أن ينسب إليه أو إلى أمثاله.

стр. 275

صحة الاعتماد في نفي ما ينفى على التنزيه عن النقص والعيب ولذلك قال المصنف بعد ذلك: (بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب)، فإن من بنى حجته على أن الله منزه عن النقص والعيب؛ كان هذا أحكم، ووجه كونه أحكم: لأن ما هو نقص أو عيب لا يمكن أن يكون مشتركاً، فبعضه ثابت، والبعض الآخر غير ثابت؛ بل إن هذا الاسم معناه مطرد في النفي على التحقيق، ولهذا لا يسوغ بحال أن يسمى ما يكون ثابتاً في نفس الأمر نقصاً، بخلاف الأول. وقد يقول قائل: إن الاشتراك في الاسم المطلق تشابه في الاسم المطلق. فإذا قال قائل هذا فإنه قد بنى نفيه على اسم التشبيه، فيكون هذا اللفظ ليس محكماً من هذا الوجه، بخلاف الاشتراك في الاسم المطلق، فلا يحق لأحد لا من جهة اللغة ولا من جهة الاصطلاح أن يقول: إن الاشتراك في الاسم المطلق هو نقص، فإن هذا يكون ممتنعاً من جهة العقل، ومن جهة الأسماء والمصطلحات. إذاً: لفظ النقص أحكم في النفي، ولا شك أن كل ما نفي عن الله يلزم أن يكون نقصاً، أو يسمى كذلك، ومن هنا كان التعليق في مناط الحجة على هذا الاسم أحكم من جهة اللفظ، وأحكم من جهة المعنى.

стр. 276

صحة الاعتماد في نفي ما ينفى على نفي المماثلة في صفات الكمال قال المصنف ﵀: [وكذلك إذا أُثبت له صفات الكمال، ونٌفي مماثلة غيره له فيها، فإن هذا نفي المماثلة فيما هو مستحق له، وهذا حقيقة التوحيد، وهو أن لا يشركه شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه، وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا يماثله فيه أحد، ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف به نفسه من الصفات، ونفي مماثلته لشيء من المخلوقات]. يقول المصنف: إن من الطرق الصحيحة أيضاً: الاعتماد في تقرير مسألة النفي على نفي المماثلة، وهذا بين من جهة العقل، ومن جهة الشرع في مثل قوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] وقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].

стр. 277

قول النفاة: أن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه قال المصنف ﵀: [فإن قيل: إن الشيء إذا شابه غيره من وجه، جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه]. لا يقصد المصنف في هذا المقام من تقريره إلى دفع جهة من جهات الغلط، وهذا من شرف فقهه، وإن كانت حالاً لا يصل إليها إلا أصحاب التحقيق، فإن الذي يسع الكثير من المناظرين والمجادلين في المسائل أنه ربما استطاع أن ينفي جهة من جهات الإشكال على قوله, لكن إذا حقق نفي هذه الجهة من جهات الإشكال، فإنه لا يتفطن أنه أغلق جهة، لكن هذا الطريق من الإغلاق قد يستعمل عليه في جهة مقابلة، بمعنى: أنه يعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة وسط بين أهل التعطيل وأهل التشبيه. فمثلاً: من قال: إن الله ليس بجسم، وأطلق، لم يكن إطلاقه محكماً؛ لأن هذا لفظ مجمل حادث، ومن قال: إن الله جسم -تعالى الله عن هذه الإطلاقات- أيضاً لم يكن إطلاقه محكماً، لا في الإثبات ولا في النفي. فالمقصود: أن المصنف أراد التحقيق في رده على من خالف من أهل النفي والتأويل, أو من أهل التجسيم والتمثيل والتشبيه، فإنه إذا تكلم بالكلام الأول، فلا بد أن يكون له قدر من الالتزام به، حتى لا يرد عليه من طائفة أخرى فيكون متناقضاً. بمعنى: أنه إذا تكلم مع أهل التأويل تكلم بوجه, وإذا تكلم مع أهل التجسيم لم يتكلم بوجه يناقض الحجة الأولى؛ بل أراد أن تكون حجته مطردة، بمعنى: أنه قال: إن الاعتماد على نفي التشبيه المفسر بالنقص والعيب والمماثلة اعتماد صحيح، فإنه نفى التشبيه عن الله، والمقصود بالتشبيه هنا: ما ثبت في نفس الأمر وفي الحقائق العقلية والشرعية أنه نقص, ولهذا فإن أهل السنة نطقوا بنفي التشبيه، والمصنف نفسه نطق بنفي التشبيه، فهو لا يريد هنا رفع هذا الاسم مطلقاً، ولكنه يقول: إنه لفظ مشترك، فإذا ذكرت الحجج فإما أن يفصل هذا الاسم، وإما -عند الإطلاق- أن يذكر اسم لا لبس فيه ولا اشتباه ولا اشتراك. فالخلاصة: أنه يريد أن يقول: في مقام الاحتجاج إما أن يذكر الاسم المشترك مفسراً، وإما أن يستعمل غيره من الأسماء التي ليس فيها مادة من الاشتراك والاشتباه. فيقول المصنف: (فإن قيل: إن الشيء إذا شابه غيره من وجه ...) أي: إذا قيل: إن مجرد الاعتماد على نفي التشبيه لا يكون محكماً؛ لأن هذا اللفظ فيه اشتراك، وهو أحد أوجه ثلاثة في استعمال المستعملين واصطلاح المصطلحين، فمعنى ذلك: أن منه ما هو يكون جائزاً؛ لأن الأوجه الثلاثة لو كانت كلها ممنوعة لكان اللفظ مفصلاً أو مشتركاً، أي: مفصلاً من جهة الحكم، وإن كان مشتركاً من جهة تعدد المراد به، لكن الإشكال ليس في تعدد المراد فحسب؛ بل الإشكال في تعدد المراد واختلاف الحكم، فإن المعنى الأول -وهو الاشتراك في الاسم- له حكم يختلف عن المعنى الثالث، وهو الاشتراك في الإضافة والتخصيص، فتعدد المعنى واختلف الحكم. فيقول المصنف: لو اعترض معترض فقال: ما دام أنه تعدد المعنى واختلف الحكم؛ فقد صار أحد معانيه جائزاً، فإننا نسلم أن المعنى الأول جائز، وقد نطق به القرآن، فإن الله قد سمى نفسه سميعاً بصيراً، ووصف عبده بأنه سميع بصير، وسمى نفسه بالملك، وسمى بعض عباده بالملك، وما إلى ذلك. وإن سلمنا أن الأول ثابت وصحيح، وهذا مطرد في الأسماء واللغات، فإننا لا نسلم أن هذا من باب أن يسمى تشبيهاً؛ لأن هذا اللفظ -وهو لفظ التشبيه- إذا أطلق تبادر منه قدر مشترك من النقص, ولذلك وجب نفيه في موارد الإطلاق، وإن كان لا يصلح حجة في موارد النفي.

стр. 278

الجواب عن هذا الاعتراض قال المصنف ﵀: [قيل: هب أن الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب ، ولا نفي ما يستحقه، لم يكن ممتنعاً؛ كما إذا قيل: إنه موجود حي عليم سميع بصير، وقد سمى بعض المخلوقات حياً عليماً سميعاً بصيراً، فإذا قيل: يلزم أن يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه موجوداً حياً عليماً سميعاً بصيراً. قيل: لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعاً على الرب تعالى؛ فإن ذلك لا يقتضي حدوثاً، ولا إمكاناً، ولا نقصاً، ولا شيئاً مما ينافي صفات الربوبية]. فقول المعترض: إن الشيء إذا شابه غيره من وجه -أي: اشترك معه من وجه- جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه. يقال له: هذا التلازم فيه إجمال، فإن قصد بالجواز الجواز الاسمي، فهذا الاسم ليس ممنوعاً، لكن الجواز الاسمي لا حقيقة له -حتى في مقام الأسماء- إلا مضافاً مختصاً، بمعنى: أن الجواز الاسمي لا حقيقة له في الأسماء إلا مضافاً مختصاً، فمثلاً: إذا قيل: السمع، فإنه إذا أطلق كان هذا لفظاً مطلقاً، بخلاف إذا ما أضيف فقيل: سمعه لكلام خلقه، أو قيل: سمع زيد لكلام عمرو، فإن الاسم هنا وقع مختصاً، ووقوعه مختصاً يقطع التماثل الاسمي من كل وجه، حتى في السياق والكلمات، فإنه لا يوجد في الخارج تطابق مطلق عند الإضافة والتخصيص؛ بل إن الاسم إذا أضيف كان المعنى مختصاً عند الإضافة والتخصيص، وإنما الاشتراك في الاسم المطلق ليس اسماً إضافياً، ولذلك سمي مطلقاً. فالمقصود: أن المصنف يقول عن قولهم: إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه: ماذا تقصدون بالجواز؟ فإن قصدتم الجواز الاسمي، قيل: هذا يقع، لكنه لا يوجد في الأسماء إلا مضافاً أو مختصاً, وأما إذا أطلق فإنه يمتنع أن يكون معيناً بالخالق ، أو بمخلوق معين من المخلوقات. وكذلك إذا ما قصدوا بالاشتراك الجائز هنا ما يتعلق بالمسمى الكلي، فإن هذا مقام آخر، أو قصدوا بالجواز ما يتعلق بالمسمى الإضافي المختص، فإن هذا مقام آخر، فالمقصود: أن قولهم: إن الشيء إذا شابه غيره جاز عليه ما يجوز عليه، يقال لهم: ما المقصود بهذا التشابه؟ وما المقصود بهذا الجواز؟ فإذا فسَّروا التشابه والجواز بما هو من الحقائق الصادقة؛ صدقت هذه الحقائق، وإن كان ينازع في تسمية هذا تشبيهاً.

стр. 279

القدر المشترك لا يستلزم التشبيه والتمثيل قال المصنف ﵀: [وذلك أن القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود، أو الحياة أو الحي، أو العلم أو العليم، أو السمع والبصر، أو السميع والبصير، أو القدرة أو القدير]. القدر المشترك: هو الاسم المطلق، والمسمى الكلي الذهني, وهذا من باب تحصيل المناظرات، وإلا فإنك لو ابتدأت الكلام لم تحتج إلى تقرير هذا المعتقد، وقد نبهت عليه فيما سبق، ومما يؤكد هذا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يستعمل هذه الطريقة في باب تقرير المعتقد لآحاد المسلمين، وإنما في بيان الحقائق العلمية، حتى لا يعترض المخالف على الحقائق الشرعية بحجج يظنها إما شرعية وإما عقلية؛ بل يقول: إن ما يتكلمون به من الحجج فإنها حجج مجملة. ومن القواعد التي يستعملها المصنف أنه يقول: إن المخالفين لأهل السنة والجماعة إما أن يتكلموا بحجة باطلة في نفس الأمر، أي: باطلة من أصلها, وإما أن يتكلموا بحجة صحيحة، فما كان من الحجج صحيحاً فإنه غير مفصل فيما عينوه من المعاني؛ بل يكون حجة مجملة قد دلّت على نفي معنى ليس هو المعنى الذي يعينونه بالنفي؛ كاستدلالهم بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فهذه حجة صحيحة، لكنها تدل على معنى قد أجمع المسلمون على نفيه، وأما أن هذه الحجة تدل على أن الله لا يوصف بالصفات، أو لا تقوم به الصفات، فإن هذا استدلال غلط، وموجب الغلط: أن هذه الحجة فيها إجمال، فإن قدراً من معناها يعلم بالضرورة عند سائر المسلمين الإحاطة به في تقرير كمال الرب . قال ﵀: [والقدر المشترك مطلق كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه]. أي: أنه لم يقع اشتراك حتى يقال بنفيه، أو يقال: إن من أثبته يكون مجسماً مشبهاً، فإن هذا القول إنما يكون فرعاً عن الأمور الإضافية، فلما لم يقع اختصاص وإضافة؛ امتنع أن يقال: إن هذا يجب نفيه، بمعنى أن من أثبته كان مجسماً، فإن التشبيه بمعين آخر لا يقع إلا في مقام الإضافة والتخصيص، وليس في مقام الإطلاق، فليس هناك تعيين لواحد بصفة يكون الآخر مماثلاً له فيها، أو ما إلى ذلك. قال ﵀: [فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال؛ كالوجود، والحياة، والعلم، والقدرة، ولم يكن في ذلك ما يدل على شيء من خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق؛ لم يكن في إثبات هذا محذور أصلاً؛ بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودين لابد بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود]. قوله: (لم يكن في إثبات هذا محذورٌ أصلاً): فإن من يسمي هذا تشبيهاً، فإن هذه حجة داحضة؛ لأنه لا يمكن أن ترفع الحقائق الشرعية العقلية باسم مشترك؛ بل للمنازع أن ينازع فيقول: إن لفظ التشبيه -وهذا من باب التسلسل في المناظرات- لم يرد ذكر نفيه في الكتاب ولا في السنة. فإن قيل: إن المسلمين درجوا على أن الله منزه عن مشابهة خلقه. قيل: ما درج عليه المسلمون هو قدر مما يقوم في عقولهم وفطرهم ومحكم الشرائع، فإذا تكلم به المسلمون على هذا الوجه فقد صدقوا في كلامهم، وهو أن الله منزه عن مشابهة خلقه. إذاً: فأهل العلم بل وعامة المسلمين درجوا على أنه يقال: إن الله منزه عن مشابهة خلقه, فإذا ما حكيت هذه الجملة على قدر من الحقائق البينة المنضبطة عند عامة أهل الإسلام من أهل السنة أو غيرهم، فإن هذا الإطلاق على مثل هذا المورد من السياق وعلى مثل هذا المورد من المعنى يكون مناسباً، لكن إذا تكلم قوم بالتأويل، وبقدر من الاصطلاح، فإنهم ينازعون ويناظرون بحسب ما يسلمون به من تعدد مادة الاصطلاح.

стр. 280

اعتماد الجهمية على نفي التشبيه هو عين التعطيل قال المصنف ﵀: [ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية، سموهم معطلة، وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئاً، وربما قال الجهمية: هو شيء لا كالأشياء، فإذا نفى القدر المشترك مطلقاً لزم التعطيل التام]. حينما يقول المصنف: إنه لا يعتمد في النفي على مجرد نفي التشبيه، فإن المقصود: أن مجرد الاعتماد على نفي التشبيه في المناظرات فيه تضييق لتحصيل الحقائق ودفع الشبه؛ بل يعتمد في المناظرات أو التقريرات على نفي التشبيه ونفي النقص والعيب، فإذا ذكر مقترناً معه مفسراً له؛ كان اللفظ هنا منفكاً عن الإشكال والاشتباه. ولذلك يقول: إن السلف سموا الجهمية معطلة، مع أن الجهمية وأمثالهم يجعلون قولهم نفياً للتشبيه. وقد يقول قائل: وأيضاً فإن المعتزلة الجهمية وأمثالهم يجعلون قولهم نفياً للنقص، فهل يلزم من ذلك أنه يفصل في مسألة النقص كما فصل المصنف في مسألة التشبيه؟ والجواب: لا يلزم ذلك؛ لأنه مع أن الجهمية يجعلون قولهم نفياً للتشبيه ونفياً للنقص، لكنهم حين يقولون: إن إثبات الصفات من باب النقص، فإن منع ذلك يكون منعاً بدهياً من جهة الأسماء ومن جهة المعاني: أن هذا ليس نقصاً لا في الاسم ولا في المعنى، لكن إذا قالوا: إن الإثبات يكون من باب التشبيه، فإنه قد يشكل على مخالفيهم؛ لأن الاشتراك في الاسم وجه من أوجه التشبيه في الاصطلاح، ولا يوجد في الاصطلاح أن الاشتراك في الاسم وجه من أوجه النقص، فإن هذا ليس اصطلاحاً، ولا حكماً عقلياً مطرداً؛ لا حكماً عقلياً نظرياً اصطلاحياً، ولا حكماً عقلياً بسيطاً مضبوطاً بكليات العقول أو ما إلى ذلك.

стр. 281

حكم إطلاق وصف (شيء) على الله تعالى وقوله: [وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئاً، وربما قالت الجهمية: هو شيء لا كالأشياء، فإذا نفي القدر المشترك مطلقاً لزم التعطيل التام]. الإنكار الذي روي ونقل عن الجهم هو قدر من التعطيل الذي كان عليه، لكن من المعلوم أن وجوده ، وقيامه بنفسه أمر معلوم عند سائر أهل القبلة؛ بل وعامة بني آدم, وهذا أصل معنى ربوبيته . لكن التعبير عنه بأنه (شيء) ليس من التعبير الفاضل؛ لأنه لو قيل -ولله المثل الأعلى- عن بني آدم: إن هذا شيء، كان هذا تعبيراً قاصراً؛ لأن هذا الوصف وصف كلي تشترك فيه جميع الأشياء، بخلاف إذا ما قيل: إنه رب العالمين ، وإنه العلي الأعلى، وإنه الأول والأخر والظاهر والباطن؛ فإن هذه هي الأسماء التي سمى الله بها نفسه. وحينما يقال: إن هذا الاسم ليس فاضلاً، ليس معناه أن ثمة تردداً في معناه المراد به على الوجه الصحيح، وإنما المقصود أنه حتى المعاني اللائقة به ، فإنه يخبر بها فيما يتعلق به بالأسماء الشرعية، أو الأسماء التي تصححها الشريعة تصحيحاً مطلقاً وتمتدحها، وهي ما قد يسميه أهل العلم: بباب الإخبار عن الله تعالى.

стр. 282

ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم قال المصنف ﵀: [والمعاني التي يوصف بها الرب ، كالحياة والعلم والقدرة؛ بل الوجود والثبوت والحقيقة، ونحو ذلك، تجب له لوازمها، فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم, وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلاً]. لو تسلسل بحثهم, وقال أهل التأويل: إن الاشتراك في المسمى الكلي الذهني يلزم عليه إثبات اللوازم، فإن كل شيء من الحقائق يكون له لوازم، ومعلوم أن ثبوت هذا يكون موجباً لثبوت هذا، فيلزمكم أن تثبتوا اللوازم من المعنى الكلي. فيقال: إن اللوازم من المعنى الكلي تكون حقاً، فإن ما كان حقاً يلزمه حق، لكن لا يمكن أن يقال: إن هذا معنىً كلي، وإن لازمه من باب الخصائص والإضافات, فإن هذا تناقض؛ لأنه إذا كان الملزوم كلياً؛ لزم أن يكون اللازم كلياً، إذا كان الملزوم ليس مختصاً إضافياً؛ لزم أن يكون اللازم كذلك, فإنه تبع له، وعليه فلا يكون هناك إشكال. فمن قال: إن من لازم المسمى الكلي ما هو من النقص المختص بالمخلوقين أو ما إلى ذلك، قيل: هذا ليس بلازم للمعنى الكلي، إنما هو لازم للمسمى الإضافي، والمسمى الإضافي ليس مثبتاً عند أهل السنة والجماعة. قال ﵀: [بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق، من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك، والله منزه عن خصائص المخلوق وملزومات خصائصه]. وهذا مما يعترض به بعض النظار من أهل التأويل، فيقولون: إن المسمى الكلي يلزم له لوازم -كقاعدة- فإثباته يستلزم إثبات لوازمه، ثم إذا قيل لهم: ما هي لوازمه؟ فسروا اللوازم بما هو من مقام الخصائص والإضافة، فيقال: هذا غلط من جهة العقل نفسه، فإن ما كان كلياً؛ لزم أن يكون لازمه كلياً، وما كان مختصاً؛ لزم أن يكون لازمه مختصاً.

стр. 283

غلط المتكلمين في مسألة اللازم والملزوم قال المصنف ﵀: [وهذا الموضع من فهمه فهماً جيداً وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات، وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام]. قوله: (زالت عنه عامة الشبهات)؛ لأن هذه القاعدة -وهي أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص بين المخلوقات- قاعدة عقلية ضرورية الثبوت، فإذا كان ذلك بين المخلوقات، فبين الخالق والمخلوق من باب أولى؛ بل إن الأمر بين الخالق والمخلوق يكون ممتنعاً. فما دام أن هذه قاعدة ثابتة في الشريعة، وثابتة في العقل الكلي المجرد، المبني على الحقائق الكلية المجردة الضرورية، وعلى الاطراد الحسي والدليل العقلي، فلماذا اشتبه الأمر على عامة الأذكياء من النظار والمتكلمين؟ الجواب: إن الذي دخل على عامة الأذكياء من النظار هو في مسألة التلازم، فإنهم في أول مقام يستشكلون مسألة الاسم، ثم ورد عليهم المقام الثاني وهو مسألة المسمى الكلي، فاقتضى مقام النظر الأول أنهم لا يستشكلونه، ولكن دخل عليهم وهمٌ من هنا، وهو أنهم قطعوا -وقطعهم صحيح من حيث الأصل- بأن ثبوت المعنى الكلي يستلزم إثبات لوازمه، وهذا المعنى من حيث الإطلاق يسلم به، كضرورة عقلية؛ أن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم. فلما وصلوا إلى هذا المقام من الحكم العقلي الضروري، أخطئوا في تفسيره، فذهبوا لا يعينون اللوازم إلا بالخصائص، فكأن المصنف يقول هنا: إنهم ظنوا أن اللوازم لا تكون إلا مختصة، فلم يفرقوا بين لازم كلي ولازم مختص؛ بل جعلوا اللوازم في موردها الأول وموردها الثاني لا تكون إلا مختصة، ومن هنا نفوا المعنى الكلي من جهة لازمه؛ لأنه لزم عندهم تحته لازم مختص ينزه الله عنه. وإن كان كلامهم صحيحاً، وهو أن هذا اللازم المختص ينفى عن الله؛ لكن نفيه لا يوجب نفي الملزوم الكلي؛ لأن هذا اللازم المختص إنما هو تبع للملزوم المختص، وليس للملزوم الكلي. إذاً: هذا المورد الذي يشير المصنف إليه في قوله: (وهذا الموضع من فهمه فهماً جيداً)، وهو مسألة اللزوم، هو مكان الإشكال، فإنهم رتبوا على المعنى الكلي لازماً كضرورة عقلية، أو أن الملزوم يقتضي لازماً بحكم العقل، وهذا صحيح كقاعدة عقلية، ولكنهم لم يفهموا اللوازم إلا مختصة معينة، فلما جعلوا اللوازم مختصة إضافية معينة على المعنى الكلي؛ لزم من ذلك عندهم النفي للمعنى الكلي، وهذا هو وجه الغلط. والقاعدة العقلية تقول: إن اللازم تابع للملزوم، فإذا كان الملزوم كلياً لزم أن يكون اللازم كلياً، وإذا كان مختصاً لزم أن يكون مختصاً.

стр. 284

معنى القدر المشترك بين الأشياء قال المصنف ﵀: [وقد بسط هذا في مواضع كثيرة، وبين فيها أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معيناً مقيداً، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدها الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله]. قوله: (لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدها الآخر في شيء موجود فيه): أي: في معنىً إضافي مختص، فإن قيل: هل المعنى الكلي هو الذي يقال، ويفرق بينه وبين المعنى الإضافي؟ قيل: المعنى الكلي لا وجود له في الخارج، ولهذا لو قالوا: هل المعنى الكلي لائق بالله أم لائق بالمخلوق؟ قيل: إيراد هذا السؤال بهذه الصورة لا يكون محكماً من جهة العقليات؛ لأنه حينما يقال: إما أن يكون لائقاً بالله، وإما أن يكون لائقاً بالمخلوق, فإن كان لائقاً بالله امتنع في حق المخلوق، وإن كان لائقاً بالمخلوق امتنع في حق الخالق, فيكون هذا من باب التشبيه. فيقال إذاً: إن هذا من باب الفروضات الذهنية، فإذا دخلنا في مسائل الإضافات، امتنع الإطلاق الكلي في الذهن، فإذا قيل: هذا المعنى هل هو لائق بالله أم بالمخلوق؟ قيل: هو معنى كلي. وأما المعنى المختص بالخالق فلا شك أنه يختلف عن المعنى المختص بالمخلوق، وأما المعنى الكلي فإنه ليس مضافاً إلى الخالق بحيث يختص به ويكون ممنوعاً على مخلوقه، وليس مختصاً بالمخلوق فيكون مختصاً به ولا يليق بالله؛ بل هو معنى كلي مشترك.

стр. 285

عدم فهم هذا المعنى يوقع في الغلط والتناقض قال المصنف ﵀: [ولما كان الأمر كذلك، كان كثير من الناس يتناقض في هذا المقام، فتارةً يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل، فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات، حذراً من ملزومات التشبيه، وتارة يتفطن أنه لا بد من إثبات هذا على كل تقدير، فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة]. وهذا هو مقام الاضطراب بين هؤلاء وهؤلاء.
следующие страницы →