← Акыда

Акыда · id 37782

شرح القواعد السبع من التدمرية

يوسف الغفيص

Полный текст (320 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

حكم إطلاق وصف (شيء) على الله تعالى وقوله: [وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئاً، وربما قالت الجهمية: هو شيء لا كالأشياء، فإذا نفي القدر المشترك مطلقاً لزم التعطيل التام]. الإنكار الذي روي ونقل عن الجهم هو قدر من التعطيل الذي كان عليه، لكن من المعلوم أن وجوده ، وقيامه بنفسه أمر معلوم عند سائر أهل القبلة؛ بل وعامة بني آدم, وهذا أصل معنى ربوبيته . لكن التعبير عنه بأنه (شيء) ليس من التعبير الفاضل؛ لأنه لو قيل -ولله المثل الأعلى- عن بني آدم: إن هذا شيء، كان هذا تعبيراً قاصراً؛ لأن هذا الوصف وصف كلي تشترك فيه جميع الأشياء، بخلاف إذا ما قيل: إنه رب العالمين ، وإنه العلي الأعلى، وإنه الأول والأخر والظاهر والباطن؛ فإن هذه هي الأسماء التي سمى الله بها نفسه. وحينما يقال: إن هذا الاسم ليس فاضلاً، ليس معناه أن ثمة تردداً في معناه المراد به على الوجه الصحيح، وإنما المقصود أنه حتى المعاني اللائقة به ، فإنه يخبر بها فيما يتعلق به بالأسماء الشرعية، أو الأسماء التي تصححها الشريعة تصحيحاً مطلقاً وتمتدحها، وهي ما قد يسميه أهل العلم: بباب الإخبار عن الله تعالى.

стр. 282

ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم قال المصنف ﵀: [والمعاني التي يوصف بها الرب ، كالحياة والعلم والقدرة؛ بل الوجود والثبوت والحقيقة، ونحو ذلك، تجب له لوازمها، فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم, وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلاً]. لو تسلسل بحثهم, وقال أهل التأويل: إن الاشتراك في المسمى الكلي الذهني يلزم عليه إثبات اللوازم، فإن كل شيء من الحقائق يكون له لوازم، ومعلوم أن ثبوت هذا يكون موجباً لثبوت هذا، فيلزمكم أن تثبتوا اللوازم من المعنى الكلي. فيقال: إن اللوازم من المعنى الكلي تكون حقاً، فإن ما كان حقاً يلزمه حق، لكن لا يمكن أن يقال: إن هذا معنىً كلي، وإن لازمه من باب الخصائص والإضافات, فإن هذا تناقض؛ لأنه إذا كان الملزوم كلياً؛ لزم أن يكون اللازم كلياً، إذا كان الملزوم ليس مختصاً إضافياً؛ لزم أن يكون اللازم كذلك, فإنه تبع له، وعليه فلا يكون هناك إشكال. فمن قال: إن من لازم المسمى الكلي ما هو من النقص المختص بالمخلوقين أو ما إلى ذلك، قيل: هذا ليس بلازم للمعنى الكلي، إنما هو لازم للمسمى الإضافي، والمسمى الإضافي ليس مثبتاً عند أهل السنة والجماعة. قال ﵀: [بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق، من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك، والله منزه عن خصائص المخلوق وملزومات خصائصه]. وهذا مما يعترض به بعض النظار من أهل التأويل، فيقولون: إن المسمى الكلي يلزم له لوازم -كقاعدة- فإثباته يستلزم إثبات لوازمه، ثم إذا قيل لهم: ما هي لوازمه؟ فسروا اللوازم بما هو من مقام الخصائص والإضافة، فيقال: هذا غلط من جهة العقل نفسه، فإن ما كان كلياً؛ لزم أن يكون لازمه كلياً، وما كان مختصاً؛ لزم أن يكون لازمه مختصاً.

стр. 283

غلط المتكلمين في مسألة اللازم والملزوم قال المصنف ﵀: [وهذا الموضع من فهمه فهماً جيداً وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات، وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام]. قوله: (زالت عنه عامة الشبهات)؛ لأن هذه القاعدة -وهي أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص بين المخلوقات- قاعدة عقلية ضرورية الثبوت، فإذا كان ذلك بين المخلوقات، فبين الخالق والمخلوق من باب أولى؛ بل إن الأمر بين الخالق والمخلوق يكون ممتنعاً. فما دام أن هذه قاعدة ثابتة في الشريعة، وثابتة في العقل الكلي المجرد، المبني على الحقائق الكلية المجردة الضرورية، وعلى الاطراد الحسي والدليل العقلي، فلماذا اشتبه الأمر على عامة الأذكياء من النظار والمتكلمين؟ الجواب: إن الذي دخل على عامة الأذكياء من النظار هو في مسألة التلازم، فإنهم في أول مقام يستشكلون مسألة الاسم، ثم ورد عليهم المقام الثاني وهو مسألة المسمى الكلي، فاقتضى مقام النظر الأول أنهم لا يستشكلونه، ولكن دخل عليهم وهمٌ من هنا، وهو أنهم قطعوا -وقطعهم صحيح من حيث الأصل- بأن ثبوت المعنى الكلي يستلزم إثبات لوازمه، وهذا المعنى من حيث الإطلاق يسلم به، كضرورة عقلية؛ أن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم. فلما وصلوا إلى هذا المقام من الحكم العقلي الضروري، أخطئوا في تفسيره، فذهبوا لا يعينون اللوازم إلا بالخصائص، فكأن المصنف يقول هنا: إنهم ظنوا أن اللوازم لا تكون إلا مختصة، فلم يفرقوا بين لازم كلي ولازم مختص؛ بل جعلوا اللوازم في موردها الأول وموردها الثاني لا تكون إلا مختصة، ومن هنا نفوا المعنى الكلي من جهة لازمه؛ لأنه لزم عندهم تحته لازم مختص ينزه الله عنه. وإن كان كلامهم صحيحاً، وهو أن هذا اللازم المختص ينفى عن الله؛ لكن نفيه لا يوجب نفي الملزوم الكلي؛ لأن هذا اللازم المختص إنما هو تبع للملزوم المختص، وليس للملزوم الكلي. إذاً: هذا المورد الذي يشير المصنف إليه في قوله: (وهذا الموضع من فهمه فهماً جيداً)، وهو مسألة اللزوم، هو مكان الإشكال، فإنهم رتبوا على المعنى الكلي لازماً كضرورة عقلية، أو أن الملزوم يقتضي لازماً بحكم العقل، وهذا صحيح كقاعدة عقلية، ولكنهم لم يفهموا اللوازم إلا مختصة معينة، فلما جعلوا اللوازم مختصة إضافية معينة على المعنى الكلي؛ لزم من ذلك عندهم النفي للمعنى الكلي، وهذا هو وجه الغلط. والقاعدة العقلية تقول: إن اللازم تابع للملزوم، فإذا كان الملزوم كلياً لزم أن يكون اللازم كلياً، وإذا كان مختصاً لزم أن يكون مختصاً.

стр. 284

معنى القدر المشترك بين الأشياء قال المصنف ﵀: [وقد بسط هذا في مواضع كثيرة، وبين فيها أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معيناً مقيداً، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدها الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله]. قوله: (لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدها الآخر في شيء موجود فيه): أي: في معنىً إضافي مختص، فإن قيل: هل المعنى الكلي هو الذي يقال، ويفرق بينه وبين المعنى الإضافي؟ قيل: المعنى الكلي لا وجود له في الخارج، ولهذا لو قالوا: هل المعنى الكلي لائق بالله أم لائق بالمخلوق؟ قيل: إيراد هذا السؤال بهذه الصورة لا يكون محكماً من جهة العقليات؛ لأنه حينما يقال: إما أن يكون لائقاً بالله، وإما أن يكون لائقاً بالمخلوق, فإن كان لائقاً بالله امتنع في حق المخلوق، وإن كان لائقاً بالمخلوق امتنع في حق الخالق, فيكون هذا من باب التشبيه. فيقال إذاً: إن هذا من باب الفروضات الذهنية، فإذا دخلنا في مسائل الإضافات، امتنع الإطلاق الكلي في الذهن، فإذا قيل: هذا المعنى هل هو لائق بالله أم بالمخلوق؟ قيل: هو معنى كلي. وأما المعنى المختص بالخالق فلا شك أنه يختلف عن المعنى المختص بالمخلوق، وأما المعنى الكلي فإنه ليس مضافاً إلى الخالق بحيث يختص به ويكون ممنوعاً على مخلوقه، وليس مختصاً بالمخلوق فيكون مختصاً به ولا يليق بالله؛ بل هو معنى كلي مشترك.

стр. 285

عدم فهم هذا المعنى يوقع في الغلط والتناقض قال المصنف ﵀: [ولما كان الأمر كذلك، كان كثير من الناس يتناقض في هذا المقام، فتارةً يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل، فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات، حذراً من ملزومات التشبيه، وتارة يتفطن أنه لا بد من إثبات هذا على كل تقدير، فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة]. وهذا هو مقام الاضطراب بين هؤلاء وهؤلاء.

стр. 286

أمثلة على تناقض النفاة واضطرابهم

стр. 287

المثال الأول: وجود الرب هل هو عين ماهيته أو زائد على ماهيته ؟ قال ﵀: [ولكثرة الاشتباه في هذا المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته، أو زائد على ماهيته؟] ولا شك أن هذه الجمل وهذه السؤالات لم يبتدئها أئمة السنة، فإذا قيل: كيف تقرر هذه الجمل في الاعتقاد؟ قيل: هذا ليس من باب التقرير الأول، فإن هذه الجمل -كمسألة الذات، والماهية، وهل هي زائدة أو ليست زائدة- هذه السؤالات لم تكن واردة في الأصل؛ لأن الحقائق السابقة المرادة هنا حقائق بينة، قائمة في الفطر، وقائمة في العقول, وإذا عبر عنها أمكن أن يعبر بألفاظ مختلفة. فالقول بأنه هو رب العالمين، الموصوف بصفات الكمال، هذه كلمات محكمة، بخلاف هذه الكلمات التي يعبر بها من يعبر بها من المتكلمين. ومسألة الزيادة على الذات أو عدم الزيادة على الذات، لا شك أنه استدعاء استدعاه المتكلمون، ولكن لما كثر استدعاؤه عندهم، وكان موجباً لغلطهم إما بالإفراط أو بالتفريط؛ كان لا بد من دفع هذا الغلط، وبيان الحق لهم ولغيرهم من المسلمين الذين قد يكون عندهم شيء من التأثر بهم.

стр. 288

المثال الثاني: هل لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي أو بالتواطؤ أو بالتشكيك ؟ قال ﵀: [وهل لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي، أو بالتواطؤ، أو التشكيك؟] الاشتراك اللفظي: هو أن يكون الاشتراك في الاسم اللفظي وحده، دون أن يكون هناك قدر من المعنى المشترك، وأما التشكيك -بمعنى أنه يشكك السامع له- فإنه يدخل في التواطؤ على التحقيق، وإن كان بعض المصطلحين يجعله ثالثاً، فهذا باب من الاصطلاح ليس إلا. والفرق بين التواطؤ وبين التشكيك: أن التواطؤ يكون المعنى المشترك نسبته واحدة؛ بخلاف التشكيك؛ فإن النسبة تكون متفاضلة، فإذا كانت النسبة متفاضلة، سماه المصطلحون من باب التشكيك، وإذا كانت النسبة واحدة سموه متواطئاً, وإذا كانت النسبة ليست موجودةً سموه: مشتركاً لفظياً. وهذا كله اصطلاح, ولك أن تقول: إنه كلام لا معنى له؛ لأن هذه الأشياء أصلاً هي موجودة في أذهان الناس، ولا تحتاج أن يصطلح عليها بهذا الاصطلاح المدقق المعين، ولذلك يقول ابن تيمية عن المنطق: "إنه لا يحتاجه الذكي، ولا ينتفع به البليد"، وهذه الاصطلاحات كذلك، فإنه يمكن أن تسمى بجملة من الأسماء، فمسألة أن يقال: هذا تواطؤ وهذا تشكيك، هي مصطلحات، وليس معنى ذلك أن فقه باب الاعتقاد، أو فقه أسماء الشريعة، أو فقه أصول الفقه لا يكون إلا من هذه المشكاة، فإن هذا كلام لا معنى له، وهو كما قال ابن تيمية عن المنطق: " إنه لحم جمل غث على رأس جبل، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل"، فلا يفهم فاهم، ولا يظن ظان أن فقه ما يتعلق بصفات الله، أو ما يتعلق بأسماء الشريعة وفقهها وفروعها لا يكون إلا من هذه المشكاة، وأن من لم يفقه حد المتواطئ وحد التشكيك وحد الترادف، والفرق بين المشكك وبين المتواطئ، وبين المشترك اللفظي وغير اللفظي، والجنس، والخاص، والفصل القريب، وما إلى ذلك من أسماء المنطق -أن من لم يفقه هذا لا يكون أصولياً يعرف أصول الشريعة، ويعرف قواعدها. وهذا ليس معناه الإبطال لهذا الباب، لكن الإبطال لهذه الأسماء، وأن هذه الأسماء والحدود هي أسماء جائزة موجودة، لكن لا يلزم أن الحقائق لا تعرف إلا من مشكاتها وحدودها. ولما بالغ وغلا من غلا في مسألة المنطق، ركبوا صعباً، ولم يحصلوا فقهاً صحيحاً, وهناك فرق بشكل بدهي بين المنطق وبين علم أصول الفقه، ولكن بعض الأصوليين يجعل للأصول مقدمة منطقية، أو يبني كثيراً من معانيه على المصطلح المنطقي. ومن الذين بالغوا في علم المنطق مثلاً: أبو محمد ابن حزم، فقد امتدح المنطق مدحاً صارماً؛ بل إنه يقول: "إن أرسطو كان نعمة من الله على خلقه لما وضع هذا المنطق ورتبه"، ويقول ابن حزم: "إننا نتقرب إلى الله بتقريب هذا المنطق إلى العامة"، وإذا قيل: إن المنطق هو الأسماء، فإن هذا حقيقة باطلة؛ لأن المنطق هو العقليات، فإذا جعل المنطق له اصطلاح، قيل: إن من الممكن منازعة شخص لا يتكلم العربية، والحقائق عندهم واحدة، ويكون موجب الاختلاف أوجه أخرى. إذاً: هذا الاصطلاح هو اصطلاح داخل لغة واحدة، هذا إذا سلم أن المصطلحات مصطلحات عربية فصيحة، فلو كانت مصطلحات عربية فصيحة، لقلنا: إنه اصطلاح داخل لغة. فالمنطق إذا ما فسر بالاصطلاح قيل: لكل أحد أن يصطلح بمصطلح، وإذا ما فسر المنطق بالحقائق، فإن الحقائق موجودة عند بني آدم، والوجه الذي قد يكون حسناً في المنطق -حتى يكون الكلام معتدلاً مقتصداً- هو أن بعض الطرق المنطقية تكون منظمة للجدول العقلي الذهني، فإذا ما فسر المنطق بأنه نوع من التنظيم فيما كان صحيحاً؛ فإن هذا كلام صحيح. أما إذا فسر بأنه نوع من التأويل، فالحق أنه ليس تأويلاً؛ لأن الحقائق قائمة في نفوس الناس بأي اسم عبروا بها، وأما أنه نوع من التنظيم فهذا صحيح، ولذلك قال ابن تيمية: "لا يحتاجه الذكي"؛ لأن الذكي يستطيع أن ينظم بأكثر من طريقة، "ولا ينتفع به البليد"؛ لأن البليد به يعرف التعيين لكن لا يعرف التنظيم. فمثلاً: إذا تلكم متكلم بنظام عقلي منطقي معين، فإن السامع يصدق هذا الكلام، ويعتبره من الأشياء البينة، لكن هل يستطيع أن ينظم هذا التعيين على هذا التقرير الذي قرره هذا المعين؟ الجواب: لا يلزم ذلك. ولذلك يقول ابن تيمية: إن الأصل في بني آدم أنه تقوم في نفوسهم من المعارف والعلوم ما لا يستطيعون أن يعبروا عنه من جنس هذا التعبير، وهو التعبير المنطقي، ولذلك فإن المتفلسفة عندما صرفوا أنظار العالم حقيقةً ليس ذلك من باب أنهم يعينون حقائق؛ بل غلطهم في الحقائق أكثر من صوابهم، ولكن الذي جعل الكثير ينصرف إليهم، ويكون معجباً بهم، حتى عندما دخلت على المسلمين تأثر بها من تأثر، هو أن هؤلاء عندهم نوع من التنظيم للمعارف، سواء قيل: إنها صادقة، أو قيل: إنها غلط. إذاً: هذا باب ينبغي أن يكون مقتصداً فيه، حتى لا يظن أو يفهم من هذا النقد للمنطق إهداره جملة؛ بل إن من يقرأ المنطق ليتعلم طرق التنظيم، وطرق التحصيل بمسائل الحجج وما إلى ذلك، فإن هذا وجه حسن، لكن من يقرأ المنطق، ويظن أنه يعين به الحقائق، أو أن الحقائق الشرعية والعلمية لا تعين إلا من مشكاته؛ فهذا غلط. وهذا هو الوسط في علم المنطق بين من غلا في شأنه، وبين من حرمه وسفهه من كل وجه.

стр. 289

المثال الثالث: هل المعدوم شيء أم لا ؟ قال المصنف ﵀: [كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟ وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟] هذه كلها سؤالات مجملة، والإشكال: أن هذه السؤالات المجملة المبنية على اصطلاح دخله الاشتراط، قد جعلها البعض هي المحصل، فإذا حصل جواباً عن هذا السؤال، ربما جعل هذا الجواب موجباً لحكمه على قاعدة ضرورية من قواعد العقل والفطرة، وربما خالف ما هو فطريٌ عقلي ضروري من باب التزامه لجوابه عن هذا السؤال أو ذاك. فمثلاً: هل المعدوم شيء؟ نجد أنهم التزموا نتيجة لهذا الجواب الذي رتبوه بطريقة محصلة في علوم الفلسفة، وبعض من التزم بهذا الجواب التزم له لوازم غالية، ولذلك فإن ابن عربي بنى ما عرف في فلسفته بوحدة الوجود على مقدمات فلسفية؛ بل بناه في جملته على أحد هاتين المقدمتين. وهل المعدوم شيء؟ هذه الكلمة إذا أطلقت على بسائط العقول فإنه يقال: إن المعدوم ليس بشيء؛ لأن بسائط العقول الآدمية إذا ذكر الشيء عندها قصد به ما كان موجوداً، وأما قول من يقول: إن الشيء قد يفسر بالممكن، فيقال: هذا التفسير صحيح، ولكن يبقى أن هذا الاسم لا يكون على إطلاقه إلا حيث اقترن به التفسير. فالمقصود: أن هؤلاء ربما دخلوا على بعض هذه السؤالات فأجابوا عنها، والتزموا لهذا الجواب ما هو من اللوازم الغالية في البطلان، كبناء مسألة وحدة الوجود على مثل هذه المقدمات التي ليس لها شأن عند التحقيق؛ لا من جهة الحقائق العقلية، ولا من جهة الحقائق الشرعية من باب أولى.

стр. 290

تناقض النظار في هذه المقامات واضطرابهم قال المصنف ﵀: [وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات، فتارةً يقول أحدهم القولين المتناقضين، ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها، وتارة يبقى في الشك والتحير]. قوله: (فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين): وهذا لا عجب منه؛ لأن هذه الجمل وهذه السؤالات يدخل عليها اشتراك كثير، ولا سيما أنها جمل وكلمات مركبة، أي: أنها ليست من بسائط الجمل الدارجة في لسان العرب؛ بل إما أن تكون ليست من لسانهم، وإما أن تكون قد دخلها ترتيب لا يستطاع به أن تفهم فهماً عربياً على بسائط لغة العرب، فإذا كانت كذلك فهو يغلب عليها الاشتراك في المعنى، كما حصل الاشتراك في لفظها، فتجد أن بعض النظار يتناقضون، فربما صحح المعنى ونفى الآخر، وفي مقام آخر يكون على عكس ذلك.

стр. 291

الصواب في الماهية والوجود قال المصنف ﵀: [وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة ما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة، وبينا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في الخارج]. قوله: (وبينا أن الصواب ...) لك أن تقول: إن هذا قاله في مسألة الوجود، أما المسائل الأخرى فقاعدة المصنف فيها: أن الصواب هو الاستفصال. وهذا كقاعدة عقلية مطردة أو عامة: (ما كان مشتركاً فإن من حسن الجواب فيه هو الاستفصال)، وهذا هو أحكم من جهة، وأبسط من جهة، فإذا أتيت إلى كلمة مشتركة، أو جملة مشتركة تحتمل أكثر من معنى، واستعملت معها التفصيل؛ كان هذا التفصيل أحكم من جهة ربط المعاني، وأبسط من جهة تحصيل الحقائق للسامع أو للمخاطب، وهذه القاعدة هي ما درج عليها المصنف في مناظراته، وهذا هو الذي يحرج المخالف الإحراج العلمي، بمعنى: أنه يقطع إشكاله واعتراضه. قال ﵀: [بخلاف الماهية التي في الذهن، فإنها مغايرة للموجود في الخارج]. وذلك حتى يفرق بينها وبين الماهية المختصة، ولذلك فإن المصنف يقول: إنما نفي عن الله ما كان مختصاً، بخلاف ما كان مطلقاً، فإن هذا قدر مطلق لا يضاف إلى الخالق ولا إلى المخلوق؛ بل هو كلي في الذهن، والذهن لا يعينه بمعين مختص. قال ﵀: [وأن لفظ الوجود كلفظ الذات، والشيء، والماهية، والحقيقة، ونحو ذلك، وهذه الألفاظ كلها متواطئة، وإذا قيل: إنها مشككة لتفاضل معانيها، فالمشكك نوع من المتواطئ العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك، سواء كان المعنى متفاضلاً في موارده أو متماثلاً]. سبق أن التشكيك هو أن تكون النسبة متفاضلة، والمتواطئ في اصطلاحهم: هو أن تكون النسبة متماثلة، فإذا تماثلت النسبة سموه: تواطئاً، وإذا تفاضلت النسبة سموه: تشكيكاً، وبعضهم يقول: إن كل هذا يسمى متواطئاً.

стр. 292

تعقيد علم الكلام للبسائط العقلية من الإشكالات في علم الكلام: أنه عقَّد البسائط العقلية، بمعنى: أنه أصبح الإدراك لبسيطة من البسائط العقلية يحتاج إلى سلسلة من التنظيمات العقلية والاصطلاحية وما إلى ذلك، وفي الأخير يكتشف أن النتيجة سهلة ويسيرة، فإذا أرادوا -مثلاً- أن يثبتوا أن زيداً موجود، دخلوا في مسألة طويلة، وقالوا: إن الإنسان حيوان، وتقوم به صفة الحيوان، وهو حيوان ناطق، ثم يفسرون هذا الكلام، وفي الأخير يخلصون إلى أن زيداً موجود لأنه حيوان, والحيوان متصل بالحياة، والحياة تقود إلى الوجود وهكذا. ونجد في المنطق أن الإنسان حيوان ناطق، مع أنه لو قيل: الإنسان، لعرف مباشرة؛ لأن الإنسان هو الذي يستوعب نفسه، فهذا التعريف -وهو أن الإنسان حيوان ناطق- هل اكتشف بعض الخصائص في الإنسان لم يصل إليها العلم؟ وهل فصل نظام الروح في الإنسان؟ وهل فسر كل حقيقة الحياة في الإنسان؟ وهل ذكر علاقة الروح بالجسد؟ وما إلى ذلك، فهل أفاد هذا التعريف هذه المعاني الدقيقة المعتاصة على إدراك الإنسان نفسه؟ الجواب: لا. بل لم يفد إلا أن الإنسان شيء يتكلم. إذاً: فهم أحياناً يعقدون القضية، مع أنها من الواضحات. وعلى كل حال: فإن كتب المنطق وكتب علم الكلام لا فائدة فيها في الجملة إلا -كما سبق- أنها نظمت معلومة، ولا سيما في علوم آلات المنطق، وقد تقوى بها بعض الناس على الفك والربط والجدل والمناظرة، وإن كان هذا غير داعٍ إلى قراءتها، لكن من اشتغل بها فإنه ربما استفاد هذا الوجه، فتجد مناظرة الماتريدية مثلاً للمعتزلة فيها مثل هذا الفوائد من هذا الوجه.

стр. 293

الأصل الذي بنى عليه ابن عربي قوله بوحدة الوجود قال المصنف ﵀: [وبينا أن المعدوم شيء أيضاً في العلم والذهن، لا في الخارج, فلا فرق بين الثبوت والوجود]. وهذا من باب مما يقوله ابن عربي، فقد بنى فلسفته في وحدة الوجود على مسألة المعدوم، وهل هو شيء أم ليس بشيء؟ وعلى مسألة: هل يفرق بين الثبوت والوجود أم لا يفرق؟ فعلى جوابه عن هاتين المقدمتين بنى قوله في مسألة وحدة الوجود، وهي نظرية فلسفية، وليس المقصود هنا أن نجيب عنها، إنما المقصود أن يقال: إنها لم تنشأ من سلوك فاضل عند ابن عربي، فإنه وإن كان متصوفاً وله سلوك معروف على طريقته، إلا أن هذه لم تنشأ عنده عن حال من التعبد الخاص، وإن كان الرجل له اشتغال بمقام من التنسك على طريقته، وهي طريقة غير مناسبة للطريقة الشرعية، فالرجل صوفي، وأيضاً متفلسف، وليس بالضرورة أن كل الصوفية متفلسفة، فإن جمهور الصوفية ليس متفلسفاً؛ بل من الصوفية من هم مقتصدون، ومنهم من هو من أهل السنة والجماعة، وهو لم يسمِ نفسه صوفياً، وإنما سماه بعض الناس صوفياً، وذلك كالفضيل كـ الفضيل بن عياض، وسهل بن عبد الله التستري، فهؤلاء لم يكونوا يسمون أنفسهم صوفية، إنما سماهم الناس صوفية، وبعضهم قد يسمي نفسه صوفياً، وينتسب إلى طريقة التصوف، لكن تكون حاله في الجملة مقاربة للسنة والجماعة، فهو ينتسب إلى أهل السنة والجماعة، وإن كان يوصف بالبدعة والتصوف من وجه آخر. ولذلك فإن ابن تيمية يقسم الصوفية فيقول: صوفية المتفلسفة، وصوفية المتكلمين، وصوفية أصحاب السنة والحديث. وهذا من باب التفصيل؛ لأن الإطلاق على الصوفية بحكم واحد لا يكون عدلاً في الجملة.

стр. 294

الفرق بين الوجود العيني والوجود العلمي قال المصنف ﵀: [لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العيني ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به]. أي أن ثمة فرقاً بين الوجود العيني والوجود العلمي (المطلق)، بين الوجود المطلق في الذهن، وبين الوجود المعين في الخارج، وهذه كلها من بدهيات الإدراك، ولذلك فإن من خالفها من متقدمي المتفلسفة -كـ أفلاطون الذي تكلم في مسألة الكليات المجردة القائمة في الخارج- فإنه هو الذي تكون مخالفته ممتنعة من جهة العقل والتحصيل، وذلك عندما قال: إن ثمة كليات موجودة في الخارج، وهذا ممتنع، فلا يوجد في الخارج إلا ما هو معين، فمثلاً: لا يوجد في الخارج إنسان كلي، إنما يوجد في الخارج الإنسان على معنى زيد وعمرو، وما إلى ذلك من أعداد بني آدم. قال ﵀: [وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة، وصفاتها القائمة بها المعينة، فتتشابه بذلك وتختلف به. وأما هذه الجمل المختصرة، فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة، من فهمها علم قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى، وإمكان إغلاق باب الضلال، ثم بسطها وشرحها له مقام آخر، إذ لكل مقام مقال]. من أحسن ما يراجع في هذا كتاب: درء تعارض العقل والنقل، وبغية المرتاب، والصفدية، وكتاب منهاج السنة، ففيه اصطلاحات وأبحاث في بعض الموارد مناسبة لهذا المقام. فهذه الكتب الأربعة في الجملة أن كلام المصنف يكون مجموعاً فيها. قال ﵀: [والمقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفى عن الرب، وينزه عنه -كما يفعله الكثير من المصنفين- خطأ لمن تدبر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة]. وهذا من باب الاحتجاج، وهناك فرق بين أن تقول: الاعتماد في النفي على مجرد نفي التشبيه، وبين أن تقول: إن التشبيه منفي، والمصنف لا يريد أن يقول: إن التشبيه مثبت، وليس منفياً، إنما يقول: إن الاعتماد (الاعتماد بالحجة) على مجرد نفي التشبيه ليس محكماً، ومعنى قوله: (على مجرد نفي التشبيه) أي: هذا الاسم بإطلاقه، أما إذا ذكر مفصلاً، أو مقترناً بما يفسره، وما إلى ذلك؛ فإن هذا يكون وجهاً آخر ليس على ما ذكر المصنف، إنما الذي يمنعه، ويقول بأنه ليس محكماً من جهة الحجج: هو الاعتماد على مجرد نفي التشبيه في مقام الاحتجاج.

стр. 295

شرح القواعد السبع من التدمرية [٢٠] هناك ضوابط في باب الصفات لابد من مراعاتها في مقام الإثبات، وفي مقام الرد على نفاة الصفات، من تلك الضوابط: أن الاحتجاج على نفي النقائص عن الله تعالى بنفي التجسيم أو التحيز لا يفيد شيئاً؛ ولا يحصل به المقصود، ومنها: أن الاكتفاء في الإثبات بمجرد نفي التشبيه خطأ، وكذلك الاعتماد في النفي على عدم مجيء السمع خطأ أيضاً، والصواب في ذلك كله هو إثبات لله تعالى ما كان كمالاً لائقاً به سبحانه مع الدليل عليه، وتنزيهه سبحانه عن كل ما ضاد الكمال اللائق به .

стр. 296

الاحتجاج على نفي النقائص بنفي التجسيم أو التحيز لا يحصل به المقصود قال المصنف ﵀: [فصل: وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزهه عنه مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، والذين يقولون بإلهية بعض البشر، وأنه الله. فإن كثيراً من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم أو التحيز ونحو ذلك، ويقولون: لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسماً أو متحيزاً، وذلك ممتنع]. قوله: (فإن كثيراً من الناس): أي: كثيراً من المتكلمين، الذين بنوا هذا الباب على مسألة نفي التشبيه والتجسيم، حتى إنه من ضيق حالهم إذا أرادوا أن يردوا على من قال: إن الله بكى ممن كفر به ، فإنهم يقولون: إنه لا يوصف بالحزن والبكاء؛ لأن هذا يستلزم التجسيم والتشبيه، فيقول المصنف: إن تنزيه الله عن هذا لا ينبغي أن يعبر عنه من هذه المشكاة؛ لأن هناك من الألفاظ والمعاني والمدارك ما هو أكثر بياناً وأكثر تحقيقاً للامتناع، وهو النقص الذي وصف بعض الواصفين -ممن كفر بالله به الخالق، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! فمن نفى النقص لأن الله منزه عن التجسيم، يقال له: أرأيت لو غلبك مغالب، وجوز التجسيم جدلاً، فإن حجتك تنقطع، فمن يجعل مبنى إبطال هذا الكلام من الكفار أو من قوم من الكفار على أن الله منزه عن التجسيم، فيقال له: فيلزم عندك أن من جوز التجسيم، أو إطلاق التجسيم كما هو شأن ابن كرام -وإن كان ابن كرام لا يقول: إن الله جسم كالأجسام، بل يقول: إنه جسم لا كالأجسام، ويجعل كلمة (جسم) من جنس (سمع) أو (بصر)، من حيث الاشتراك- فيلزم أن لا يفهم أن ابن كرام ممثل لله بخلقه التمثيل المطرد المطلق. قال ﵀: [وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة نفاة الأسماء والصفات، فإن هذه الطريق لا يحصل بها المقصود لوجوه]. قوله: (لا يحصل بها المقصود)؛ لأنها قد تنقل، وقد يغلب غالب، كما فعل ابن كرام؛ لأنه غالب المتكلمين -وليس المراد أنه انتصر بحجة صحيحة- ولكن المقصود أنه غالبهم فقال: لا بأس أن يقال: إن الله جسم، لكن نقول: لا كالأجسام.

стр. 297

الوجه الأول: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص أشد فساداً من نفي التحيز والتجسيم قال المصنف ﵀: [أحدها: أن وصف الله تعالى بهذا النقائص والآفات أظهر فساداً في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم، فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والدليل معرِّف للمدلول، ومبين له، فلا يجوز أن يستدل على الأظهر الأبين بالأخفى؛ كما لا يفعل مثل ذلك في الحدود]. قوله: (أظهر فساداً من نفي التحيز والتجسيم)؛ لأن كلمة (التحيز) و (التجسيم)، كلمات فيها اشتراك وإجمال، وربما أن بعض العامة لا يستطيع أن يفهم ما المقصود بالتحيز أصلاً إلا إذا فسر له ببسائط من المعاني. وهؤلاء كما يقال: (صنعوا زحمة في التاريخ!!)، وإلا فما كانت هذه المسائل تحتاج إلى كل هذا الكلام، فإن مسائل الصفات -كما سبق كثيراً- مسائل كانت واضحة للمسلمين في زمن النبوة؛ بل وحتى المشركين الذين كانوا يسمعون القرآن ولم يصدقوا به لم يكونوا يستعملون من طرق عدم التصديق أن فيه ذكراً لهذه الصفات والأفعال، لكن لما دخل هذا العلم (علم الكلام) وهو علم -كما أسلفت كثيراً- مبني على مقدمات فلسفية، أو مرتب من جملة مواد فسلفية، فلما دخل جاءت هذه الإشكالات، وهذه الفرضيات، وهذا التناقض بين أصحابه، ولذلك فإن المتكلمين لم يتفقوا على حكم واحد في باب الصفات؛ بل منهم من نفى الصفات، ومنهم من نفى بعضاً وأثبت بعضاً, ومنهم من أثبت الصفات وأثبت التجسيم، فإن الكرامية متكلمة، ومحمد بن كرام متكلم، وكذلك المعتزلة متكلمة، والكلابية والماتريدية وأمثالهم من متكلمة الصفاتية متكلمة؛ فتبين بذلك أن علم الكلام يستلزم التناقض، وأصحابه قد حصلوا به نتيجة مختلفة متناقضة.

стр. 298

الوجه الثاني: أنه يمكن من يصفون الله بالنقائص أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز قال المصنف ﵀: [الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الآفات يمكنهم أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز، كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم، فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة صفات الكمال]. قوله: (أن هؤلاء الذين يصفونه) المقصود بهم: الكفار، وليسوا من المتكلمين. فيقول المصنف: إنهم قد يقولون: إذا انتهى الإشكال في مسألة التجسيم، فإن هذه صفات تجوز مع نفي التجسيم، كما أن المثبتة من أهل السنة قالوا: إنه تثبت صفات الكمال مع نفي التجسيم، وحتى بعض المتكلمين أثبتوا جملة من الصفات -كالصفات العقلية عند متكلمة الصفاتية- مع نفي التجسيم، وهذه الحجة ليست بلازمة على هذا الاطراد؛ لا عند المتكلمين، ولا عند أهل السنة. قال ﵀: [فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال وصفات النقص واحداً، ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد]. أي: أنه يلزم أن يكون الطريق إلى تكذيب الباطل أو نفي ما هو حق طريقاً واحداً، وهذا غاية التناقض والفساد.

стр. 299

الوجه الثالث: أن المعتمدين على نفي التجسيم ينفون عن الله صفات الكمال بهذه الطريقة قال المصنف ﵀: [الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه بصفات الكمال واجب، ثابت بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلاً على فساد هذه الطريقة]. وهذا من الأدلة على فساد هذه الطريقة: أن هؤلاء الذين يردون على هؤلاء القوم من الكفار بحجة نفي التجسيم قد نفوا صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، فإذا ما أبطل نفيهم لصفات الكمال؛ فإنه يلزم أن بطلان الدليل يستلزم الاطراد، فإنه إذا بطل في مقام، نظر في المقام الآخر لما كان المناط واحداً. وهذا لا شك أنه غاية في الامتناع، وغاية في التناقض.

стр. 300

الوجه الرابع: أن أصحاب هذه الطريقة متناقضون قال المصنف ﵀: [الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئاً منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئاً منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي، فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع البصر، إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنا لا نعرف موصوفاً بالصفات إلا جسماً. قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حي عليم قدير, وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجوداً حياً عالماً قادراً إلا جسماً، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن]. فلذلك لا بد من التمييز بين هذا وهذا، والتمييز على هذا الاصطلاح عندهم ممتنع، فتكون النتيجة: أن قولهم يكون فاسداً، والموجب لفساده: أنهم متناقضون، ومعلوم أن الأقوال إذا دخلها التناقض فإن هذا غاية في فسادها العقلي؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين. قال ﵀: [وقالوا لهم: أنتم أثبتم حياً عالماً قادراً، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، وهذا تناقض يعلم بضرورة العقل]. ومعنى ذلك: أنهم يقولون -أي: نقاة الصفات-: إن من كان حياً بحياة، سميعاً بصيراً بسمع وبصر؛ لزم أن يكون جسماً موجوداً، فيلزم النفي، ويقولون: من كان حياً بلا حياة، سميعاً بصيراً بلا سمع ولا بصر؛ لزم أن يكون شيئاً معدوماً؛ لأن ما يسمى كذلك ولم تقم الحقائق بذاته، فإن هذا لا يكون إلا شيئاً يتخيله الذهن. قال المصنف ﵀: [ثم هؤلاء المثبتة إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء، أو بالوجه واليد ونحو ذلك -إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم؛ لأنا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم. قالت لهم المثبتة: فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، وهذا هكذا، فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم، فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك، فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين]. هؤلاء الذين يثبتون الرضى والغضب هم أهل السنة والجماعة، فإنه يحصل منازعة بينهم وبين متكلمة الصفاتية الذين ينازعون في هذه الصفات، أي: الذين ينفون الرضى والغضب ونحوها، ومما ينبه إليه: أن ابن كلاب كان يثبت الغضب والرضى والمحبة كما يثبت الإرادة، لكنه لا يفسر الرضى والمحبة والغضب بالإرادة، بل يجعلها صفات واحدة، كما أنه يجعل الكلام واحداً. أما الذين فسروا المحبة بالرضى، والرضى بالإرادة، فهم: الأشعري والمتقدمون من أصحابه؛ بل وعامة أصحابهم.

стр. 301

طريقة السلف والأئمة عدم الخوض في الجسم والجوهر والتحيز قال المصنف ﵀: [ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقاً فاسداً؛ لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد في حق الله تعالى بالجسم لا نفياً ولا إثباتاً]. كما قال أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة: "وأجمعوا على أن الله ليس بجسم"، وهذا الإطلاق اللفظي من كلامه ليس محكماً، وليس معنى هذا: أنهم يقولون بأنه جسم؛ بل يقال: إن هذا اللفظ لم يتكلم به السلف، لا نفياً ولا إثباتاً، وإنما الذي تكلموا به أن الله موصوف بالكمال منزه عن النقص، وأما الألفاظ المجملة الحادثة المخترعة، فليس من المحكم عقلاً وشرعاً أن يتكلم بها إطلاقاً؛ سواء في الإثبات أو في النفي. قال ﵀: [ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة، لا تحق حقاً، ولا تبطل باطلاً، ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع؛ بل هذا هو من الكلام المبتدع الذي أنكره السلف والأئمة]. أي أن الإبطال للآلهة المعبودة من دون الله -كما حصل في أصحاب العجل- لم يكن لأن الصفات قامت به، ولا يوصف بهذه الصفات إلا جسم مركب إلخ؛ بل كان الإبطال في المقام الثاني، وهو لأنه لم يتصف بصفات الكمال؛ إذ قال الله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] فعلم أن عدم ثبوت الصفات هو النقص.

стр. 302

خطأ الاكتفاء في الإثبات بمجرد نفي التشبيه قال المصنف ﵀: [فصل: وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضاً أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه؛ إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف الله من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه]. ولذلك فإن من حكى عن أهل السنة وزعم أنهم يصفون الله تعالى بالصفات، ولكنهم يقولون: بلا تشبيه، كـ ابن الجوزي وبعض أصحابه، فإنهم يقولون: إنهم -أي: أهل السنة- يصفون الله بالنقائص ويقولون: بلا تشبيه؛ فإن هذا نوع من التحكم عليهم، وإن كان بعض الحنابلة قد غلطوا في الإثبات وزادوا فيه، فهذا مقام آخر، لكن المعتقد الذي كان عليه الأئمة ﵏ لم يكن بهذه الطريقة؛ بل إنهم يصفون الله بما يليق به، مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، ولكن من تحقيقهم أنهم إذا ذكروا ما وصف به نفسه قالوا: بلا تشبيه ولا تمثيل. مع أنه من حيث الاقتضاء العقلي الأول أن مجرد إثبات الكمال للرب يعني أنه منزه عن النقص، وقد سبقت الإشارة إلى أن أدلة الإثبات تدل على الإثبات وتدل على التنزيه، كما أن أدلة التنزيه والتشريف له عن خلقه تدل على التنزيه، وتدل على لزوم ووجوب الإثبات. قال ﵀: [كما لو وصفه مفترٍ عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه، وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم، حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله عنه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً!]. وهذا التفصيل لم يقل به أحد من أهل القبلة، وإنما ذكره من ذكره مضافاً إلى بعض المذاهب: إما أنه أضيف إلى مذهب أهل السنة من مخالفيهم، وزعموا أنهم يقولون بمثل هذا الكلام، وهذا كذب عليهم، أو أن بعض من رد من المتأخرين على بعض المجسمة -كالكرامية من الحنفية- ربما أضاف إليهم في رده أنهم يقولون بهذا، فإن هذا من مفهوم التجسيم عندهم، مع أنه إذا ذكرت الأقوال فلا بد أن تذكر على حقائقها، ويفرق بين ما كان من الأقوال حقيقة عند صاحبه وما كان لازماً له. فإن قال قائل: فإن الأئمة قد ذكروا في وصف مذاهب بعض أهل البدع ما كان لازماً لهم. قيل: ذكره هنا ينبغي أن يفقه على ما ذكر أنه من باب اللازم، فإن قيل: لماذا ذكروه وهو ليس من قولهم؟ قيل: ذكروه لكونه لازماً، ومعلوم أن اللازم إذا كان معلوم الفساد بديهة، عرف به أن القول في أصله معلوم الفساد، فإن الحكم على اللازم يلزم في ملزومه. فمثلاً: من أقوال مرجئة الفقهاء: أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، ويقولون: إن الإيمان واحدٌ من كل وجه، لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ويقولون: إن إيمان جبريل وأبي بكر كإيمان الفساق، فالجملة الثالثة - وهي قولهم أن إيمان جبريل وأبي بكر كإيمان الفساق- تسمى من باب اللوازم، وإلا فلا يوجد أحد من الفقهاء أو المرجئة أو عامة من يتكلم بهذا يقول بذلك، إنما هذا يقوله بعضهم في رده على حماد بن أبي سليمان وغيره. إذاً: لو أن أحداً من النظار بنى مسألة الإثبات على نفي التشبيه، فإنه يجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: هو ما قرره المصنف، وهو أن الطرق الشرعية يمكن أن يستعمل فيها ما هو أفصح وأصدق من هذه المادة. الوجه الثاني: أن يقال: لو سلم أن هذا صحيح -مع أنه صحيح من وجه، وهو إذا كان مفسراً أو مقترناً- لأمكن أن يوصف بالأكل والشرب مع نفي التشبيه؛ ولكن هذا اللازم لا يلزم من قال: إن الإثبات مبني على نفي التشبيه لزوماً صادقاً، بمعنى: أنه حتى لو قال: إن باب الإثبات مبني على نفي التشبيه، فإن هذا يمكن أن يفسر على المعاني الصحيحة، وأما أن يقال: إن هذا يلزم منه أن يوصف بالأكل والشرب مع نفي التشبيه، فإنه يجاب عنه بأن وصفه بالأكل والشرب مع نفي التشبيه تناقض؛ إذ كيف يقال: إنه يوصف بالأكل والشرب، ثم يقال: مع نفي التشبيه؟! وهذا هو كقول القائل: يوصف بالأكل والشرب مع نفي ذلك عنه، فإن هذا تناقض، فكذلك إذا قال: يوصف بالأكل والشرب مع نفي التشبيه كان متناقضاً؛ لأن صفة الأكل والشرب هي وجه من أوجه التشبيه والنقص. ومما ينبه إليه: أنه لا ينبغي لأحد أن يستطرد فهمه في مسألة التشبيه ليظن أنها مسألة لا توجد قدراً من الصواب، إنما المصنف يسوقها على نوع من الاختصاص في التعبير، والاختصاص في المراد، فمن قرأها أو شرحها فلابد أن يفهم مراده في معناها، ولا بد أن يكون مدركاً لطريقة سياق كلامه وموجبه. قال ﵀: [فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافياً في الإثبات؟ فلابد من إثبات فرق في نفس الأمر]. وهذا من باب الإلزام في الحجة: أنه إذا نفى بعض الصفات وأثبت بعضاً على هذه المادة، فإنه يكون متناقضاً؛ لأنه لا فرق بينهما، ولا بد عليه أن يثبت الفرق وإلا كان متناقضاً.

стр. 303

خطأ الاعتماد في النفي على عدم مجيء السمع قال المصنف ﵀: [فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يجئ به السمع. قيل له: أولاً: السمع هو خبر الصادق عما هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبَر عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتاً في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع إذا لم يكن قد نفاه]. بين المصنف أن عدم الدليل السمعي حقيقته هو عدم الدليل المعين، وعدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول؛ لأنه يمكن أن يثبت بغيره، بمعنى: أنه لو سلم جدلاً أن الدليل السمعي دل على هذه وحدها، فإن عدم الدليل المعين ليس دليلاً على عدم الدليل من كل وجه، وهذا يقال لمثبتة الصفات الخبرية، كما يقال لمثبتة الصفات السبع، كما ذكر المصنف سابقاً فقال: (قولهم: إن الدليل على تخصيص هذه السبع في الإثبات هو العقل. يجاب عنه من وجوه، منها: أن عدم الدليل العقلي ليس علماً بعدم الدليل)، فإنه لو لم يدل العقل إلا على هذه وحدها -جدلاً- فإن: غيرها قد ثبت بدليل السمع. مع أنه معلوم أن الدليل السمعي لم يدل على هذه الصفات السبع، أو على الصفات التي تسمى بالصفات الخبرية وحدها، كالوجه واليدين؛ بل إنه قد دل على المحبة، والرضى، والغضب، وغيرها من الصفات التي يعلم أنها ذكرت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . قال ﵀: [ومعلوم أن السمع لم ينف كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة، فلا بد من ذكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها، كما لا يجوز إثباتها. وأيضاً فلا بد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفى عنه، فإن الأمور المتماثلة في الجواز والوجوب والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض بالجواز والوجوب والامتناع، فلابد من اختصاص المنفي عن المثبت بما يخصه بالنفي، ولا بد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت]. المصنف هنا يعالج أصولاً للمذاهب، فإن من أثبت ما يسمى بالصفات الخبرية كالوجه واليدين، فإن هذا الإثبات لا شك أنه حق ويحمد لهم، لكن المصنف ينظر إلى الأصول التي يثبتون بها هذا الإثبات، فيقول: إن من يعلق إثباته للوجه واليدين ونحوها من الصفات الخبرية على حجة أن هذه ورد السمع بها، فلما ورد السمع بها تعذر عليه نفيها، فلزم أن يثبتها من غير تشبيه، فمن كان من هؤلاء لا يشهد فرقاً بين صفة اليدين وبين صفة الأكل والشرب، إلا أن صفة اليدين جاء بها السمع، وصفة الأكل والشرب لم يأت بها السمع من كان هذا هو مقام إثباته ونفيه فقد وقع في الغلط؛ لأنه يجوز في نفس الأمر أن تكون صفة الأكل والشرب مما أثبته السمع، ولذلك فلا علة لنفيها عنده إلا أن السمع لم يأتِ بها، ولا سيما أن هذا التعليل يأتي إذا ضاق عليه الأمر وسئل: بم أثبت صفة الوجه واليدين؟ قال: بالسمع، فكأن المسألة لا دخل لها بالكمال ولا بالنقص، والحقيقة أن صفة اليدين جاء بها السمع، لكنها صفة كمال، بخلاف صفة الأكل والشرب، فإنها لم يأتِ بها السمع، لكنها صفة نقص. ومعلوم أن تفصيل النفي لم ينطق به السمع في الجملة إلا في مقامات مختصة سبقت الإشارة إليها. إذاً: مراد المصنف ﵀ أن المخالفين ينقسمون إلى قسمين: إما مخالف في أصل إثبات، بمعنى: أنه ينفي ما هو من الصفات، وإما قوم أثبتوا ما أثبتوه من الصفات، واشتركوا مع أئمة السنة في الإثبات؛ لكنك إذا راجعت أصولهم في الإثبات وأصولهم في النفي؛ وجدت أنها أصول مضطربة متناقضة، فهو يريد أن يعالج المسألة من جهتين: الجهة الأولى: جهة النفاة نفياً صريحاً، أو المخالفين مخالفة صريحة في الدلائل والمسائل. الجهة الثانية: هم القوم الذين يشاركون أهل السنة في جملة من النتائج، ولكنك إذا رجعت إلى المقدمات عندهم؛ وجدت أنها مقدمات ليست منضبطة. قال ﵀: [وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لا بد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله تعالى، كما أنه لا بد من أمر يثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافياً كان مخبراً عما هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟ فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر، فإذا علم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القدم -علم امتناع العدم والحدوث عليه، وعلم أنه غني عما سواه]. وهذا مقام عرض لبعض متكلمة الصفاتية، ولا سيما الذين غلب عليهم تعظيم السنة والأئمة، فإنهم لما كان بعضهم مائلاً إلى المعتزلة، ثم اشتغلوا بالرد عليهم لما ظهرت السنة، وانفكت بعض الممانعات التي كانت متبناة من قبل بعض السلاطين -صار هؤلاء يقصرون الإثبات على محض السمع، بمعنى: أن ما يثبتونه لا يكون إلا سمعياً من حيث الدلائل، أو من حيث المسائل، أو يقال: يجعلون المقدمة سمعية والنتيجة سمعية، ويجعلون هذا وجهاً فاضلاً في مفارقة المعتزلة، فإذا قيل لهم: فالوجه واليدين؟ قالوا: نثبتها خلافاً للمعتزلة، فالنتيجة أنهم أثبتوها بخلاف المعتزلة, فإذا قيل لهم: فما موجب إثباتها؟ قالوا: لأن السمع جاء بها. وهذا الكلام سياقه ليس فيه اطراد، فلا يفهم أحد اطراداً في هذا الكلام؛ لا في كلام المصنف، ولا في هذا الشرح. وهذا الكلام من حيث الجملة كلام صحيح، وهو قولهم: نثبت الوجه واليدين، هذا لا اعتراض عليه، فإن قيل: ما الدليل على إثباته؟ قالوا: السمع، وهذا الكلام أيضاً صحيح لا إشكال فيه. لكن فرق بين أن يأتي هذا السياق ضمن مفهوم صحيح من مسألة النفي والفرق بين النفي والمنفي، وبين أن يأتي على باب أن هذا نطق به السمع، وأن ثمة صفات أخرى لو نطق بها السمع لسلمنا بها. فإن قيل لهم: ما الفرق بين اليدين وبين الأكل والشرب ونحوها؟ لم يكن عندهم فرق إلا أن هذه جاء بها السمع، وهذه لم يأت بها السمع، وقد فات أصحاب هذه الطريقة أنهم لم يحققوا ويفقهوا حقائق الكمال اللائقة بالله ، وحقائق النقص والعيب التي ينزه الله عنها، فهم يثبتون ما يثبتونه لا لكونهم فقهوا أنه كمال، وإنما لكون النص جاء به، وينفون ما ينفونه لا لكونهم فقهوا أنه ليس بكمال، أو أنه نقص ينزه الله عنه، وإنما لعدم مجيء النص به.

стр. 304

ينفى عن الله تعالى ما ضاد صفات الكمال قال المصنف ﵀: [فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه نفسه ليس هو موجوداً بنفسه؛ بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه، فلا يوجد إلا به، وهو غني عن كل ما سواه، وكل ما نافى غناه فهو منزه عنه، وهو قدير قوي، فكل ما نافى قدرته وقوته فهو منزه عنه، وهو سبحانه حي قيوم، فكل ما نافى حياته وقيوميته فهو منزه عنه]. هذه طرق شرعية وطرق عقلية، فيقال: إن الأكل والشرب ينفى عن الله لا لعدم مجيء السمع به؛ بل لكونه نقصاً؛ ولذلك فهو منافٍ لحياة الله وقيوميته، ومنافٍ لكونه الأول الذي ليس قبله شيء, وهذا أصل شرعي في نفي الصفات التي لا تليق بالله تعالى. قال ﵀: [وبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه المثل والكفء، فإن إثبات الشيء نفي لضده ولما يستلزم ضده، والعقل يعرف نفي ذلك، كما يعرف إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه]. ولذلك لم تصرح النصوص بتفصيل النفي؛ لأنه إذا ثبت أحد المتقابلين لزم نفي الآخر. قال ﵀: [فطرق العلم بما ينزه عنه الرب متسعة، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم، كما فعله أهل القصور والتقصير، الذين تناقضوا في ذلك وفرقوا بين المتماثلين، حتى إن كل من أثبت شيئاً احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه]. لأن هذا يوجب الاضطراب والتناقض عندهم من جهة، ويوجب عدم التحقيق لمباني الإثبات والنفي من جهة أخرى، وإنما كان الأمر كذلك لأن هذا اللفظ (التشبيه والتجسيم) لفظ صار فيه إجمال واشتراك كثير، ولا سيما إذا حقق المتكلم من هذا الوجه المجرد مراده على طريقة غلط؛ كقولهم: إن الفرق بين هذا وهذا: أن هذا جاء به السمع، وهذا لم يأت به السمع، دون أن يفقهوا أن ما جاء به السمع فإنه يكون كمالاً، وما لم يأت به السمع فإنه يكون نقصاً، فإن تجويز النقص ولو لم يوصف به الباري -أي: فرض قبول إمكان الرب له- هو بحد ذاته نقص، فإن من قال مثلاً: إن الله لا يوصف بالأكل والشرب؛ لأنه لم يصف نفسه بذلك، وإن كان قابلاً أو يجوز عليه هذا الأمر؛ فإن هذا قد أتى باباً من أبواب التشبيه والنقص. قال ﵀: [وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور، حتى نفوا النفي، فقالوا: لا يقال: موجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي؛ لأن ذلك تشبيه بالموجود أو المعدوم، فلزمهم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعاً، ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات أعظم مما فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين، فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا]. وهذا سبق بيانه، ولا حاجة إلى التعليق عليه هنا. وقوله: (فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا): كأن هذه الجملة تفسر ما أراده المصنف بهذه الطريقة التي استعملها فيما سبق من كلامه، لما واجه مصطلح التشبيه من هذا الوجه، ولكن يقال: إن مسألة التشبيه نطق بها أهل العلم، وكذلك المصنف نفسه في كتبه ورسائله، فقد نطقوا بأن الله منزه عن التشبيه، وهذه مسألة لا يجادل فيها أحد من حيث هي، لكن حينما تكون هي المبنى في الإثبات والنفي، ويقصر الإثبات والنفي على هذا المبنى وحده، ويفسر تفسيراً غلطاً، ثم يلتزم له بلوازم خاطئة، فيجعل الفرق بين الكمال والنقص: أن هذا نطق به السمع، وهذا لم ينطق به السمع؛ فهذا لا شك أنه هو المقصود عند المصنف في إبطاله لهذه المادة من هذا الوجه. ومعلوم أن الإبطال لطريقة الاعتماد على نفي التشبيه في الإثبات من وجه لا يلزم أن يكون إبطالاً لها من كل وجه، ولذلك إذا قيل: إن المصنف منع استعمالها هنا، فأيضاً نقول: إنه من المعلوم أن المصنف استعملها في مقام آخر، لكن ثمة فرق بين الوجه الذي منعه، والوجه الذي استعمله، وذلك عندما استعمل مادة التشبيه في مسائل التشبيه، أو في مسائل التقرير، أو في مسائل الرد. فهو يقرر أن ما أثبت لله يكون مثبتاً له مع تنزيهه عن التشبيه، أو أنه ينفي بعض التفسيرات لكونها وجهاً من التشبيه، وهو يجعل كل ما يثبت لله من باب الإثبات الذي لا يقارنه وجه من التشبيه والنقص، كما يجعل كل ما نفي عن الله فهو وجه من التشبيه والنقص.

стр. 305

النفي المجرد لا مدح فيه ولا كمال قال المصنف ﵀: [وقد تقدم أن ما يُنفى عنه -يُنفى لتضمن النفي الإثبات؛ إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال، فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجود، وليس هذا مدحاً له؛ لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلق، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه ينزه عن الرب ]. فمثلاً: من قال: إنه لا يوصف بالأكل والشرب؛ لعدم ذكر السمع لذلك، فإن هذا -لو فرض جدلاً- من باب النفي المجرد، والنفي المجرد لا كمال فيه، بخلاف من قال: إنه لا يوصف بالأكل والشرب؛ لكون هذا منافياً لقيوميته وكماله، وما سواه من المعاني, فإن النفي بهذه الطريقة يتضمن أمراً ثبوتياً، ولما تضمن النفي في هذا المقام أمراً ثبوتياً؛ تبين أن وجه نفي هذه الصفات عنه هو لكونها منافية لكماله، وليس لأن السمع لم يأت بها، وإن كان يقال: إن كل ما نافى كماله فإنه يمتنع أن يأتي به السمع، وفرق بين أن يقال: إن السمع لم يأت به، وبين أن يقال: إنه يمتنع أن يأتي به السمع. فقول المصنف: إننا لا نعلل ذلك بأن السمع لم يأت به، ليس معناه أنه يفرض ذلك؛ بل معناه: أن هذه الصفات تنفى عنه لكونها منافية لغناه عما سواه، ولكونها منافية لقيوميته ، وما نافى غناه عما سواه وكذلك قيوميته ؛ امتنع أن يجيء به السمع.

стр. 306

تنزيه الله تعالى عن كل ما ضاد الكمال قال المصنف ﵀: [والنقص ضد الكمال، وذلك مثل أنه قد علم أنه حي، والموت ضد ذلك، فهو منزه عنه، وكذلك النوم والسنة ضد كمال الحياة، فإن النوم أخو الموت، وكذلك اللغوب نقص في القدرة والقوة، والأكل والشرب ونحو ذلك من الأمور فيه افتقار إلى موجود غيره]. فهذه المادة تنفى عنه -وإن كان المصنف لم يفصل نفيها- لأن العلم بنفيها علم واجب؛ فإنه لما استقر في العقل والشرع والفطرة أن الله غني عما سواه، فإن كل صفة تنافي غناه عما سواه؛ فإنه ينزه عنها، وذلك كصفة الأكل والشرب؛ فإنها تتضمن الاحتياج إلى المأكول والمشروب، وهذا شيء آخر، فيلزم من تجويزها هذا اللازم، بخلاف صفة اليدين؛ فإنها لا تتضمن أنه يحتاج إلى غيره، ولا تنافي غناه عما سواه؛ لأن اليدين ليست سواه؛ بل إنها صفة من صفاته، بخلاف المأكول والمشروب؛ فإنه لابد أن يكون سوى الله ، فإذا قيل: إنه يأكل ويشرب -تعالى الله عن ذلك- علم أن هذا من باب النقص الممتنع عليه .

стр. 307

معنى الصمد قال المصنف ﵀: [كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد به ونحو ذلك يتضمن الافتقار إليه والاحتياج إليه، وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته أو أفعاله .. فهو مفتقر إليه ليس مستغنياً بنفسه, فكيف من يأكل ويشرب، والآكل والشارب أجوف، والمصمت الصمد أكمل من الآكل والشارب، ولهذا كانت الملائكة صمداً لا تأكل ولا تشرب]. من معاني الصمد -كما قال ابن عباس وغيره-: (الصمد السيد)، ومن معانيه: أن الصمد هو المصمت، بمعنى: أنه ليس بأجوف، وقد ذكر المصنف أن الملائكة صُمُد؛ لأنهم لا يأكلون ولا يشربون، ولأن التجويف نوع من الافتقار إلى المادة التي يحتاجها هذا التجويف، ولذلك لما خلق الله آدم -كما في الصحيح- جعل إبليس يطوف به، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقاً لا يتمالك.

стр. 308

تنزيه الله تعالى عن صفة الأكل والشرب لأنها صفة نقص قال المصنف ﵀: [وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك، والسمع قد نفى ذلك في غير موضع كقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] والصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهذه السورة هي نسب الرحمن، وهي الأصل في هذا الباب. وقال في حق المسيح وأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] فجعل ذلك دليلاً على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى]. من الأدلة على تقرير مسألة الربوبية لله وحده: أنه لما ألَّه أهل الكتاب عيسى بن مريم وأمه، قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] والدليل في هذه الآية على عدم ألوهيته وربوبيته: أنه يأكل الطعام، والإله الحق لا يأكل الطعام، وهذا من بسائط الاستدلال، وقال الله لأهل العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] وقال إبراهيم لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم:٤٢] فعلم أن مادة الكمال من النتائج المهمة. والأنبياء والرسل كانوا يخاطبون قومهم، وهم مشركون كفار، ينازعون في مقام الربوبية -كانوا يخاطبونهم بمثل قول الله تعالى: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم:٤٢] وقوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] فعلم بذلك أن ثمة استقراراً عقلياً عند المخاطبين أن عدم الكلام نقص، وأن الأكل والشرب نقص، وأن عدم السمع والبصر نقص، ولكن هذا الباب قد اضطرب على قوم من أهل القبلة، لما استعملوا ما استعملوه من الطرق الباطلة، وهي الطرق الفلسفية، التي ليس فيها تحقيق للحق ولا إبطال للباطل، ولا إبقاء لمدارك العقول على أصلها واستقرارها الأول. فإن قال قائل: فكيف كان هؤلاء المشركون أكثر استقراراً في هذا الباب؟ قيل: كانوا أكثر استقراراً في هذا الباب لأنهم لم يستعملوا طرقاً توجب إفساد المادة العقلية؛ فضلاً عن المادة الفطرية، بخلاف الطرق التي دخلت على قوم من المسلمين. وإن كان هؤلاء المسلمون -بلا شك- خيراً من أولئك من أهل الكتاب وغيرهم، فإن هؤلاء المسلمين الأصل فيهم الإسلام، وإن كانوا قد وقعوا في أخطاء؛ بخلاف أولئك فإنهم ليسوا بمسلمين، ولا يدينون بدين الإسلام، لكن الحقائق والمعاني قد يكون عند بعض الكفار بعض المعنى الصحيح الذي يفوت بعض المسلمين، ولا نقول: إنه يفوت المسلمين، ولا نقول: إنه ليس في الإسلام، فإن ما كان غلطاً امتنع أن يكون من الإسلام، وما كان غلطاً امتنع أن يكون عليه المسلمون. ولذلك قال النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم) , فدل على أن مادة التشبه تدخل على المسلمين، فربما تشبه بعض المسلمين ببعض طرق قوم من غير المسلمين، ويكون هؤلاء الذين تُشُبه بهم من شر طوائف الكفر، ويوجد في الكفار من هو أقرب منهم إلى الحق، كما يوجد ذلك في كتاب الله، فإن الله لما ذكر أهل الكتاب بين أنهم أقرب إلى الحق في الجملة من عبدة الأوثان، ولما ذكر أهل الكتاب بين أن بعضهم أقرب إلى الحق من البعض الآخر. قال ﵀: [والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك، بخلاف اليد، فإنها للعمل والفعل، وهو موصوف بالعمل والفعل؛ إذ ذلك من صفات الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل]. هذا وجه من أوجه التفريق بين صفة اليدين وبين الأكل والشرب، وهناك وجه آخر أبسط منه، وهو يقود إلى هذا الوجه، وهو أن يقال: إن اليدين صفة قائمة بالرب ، فلا يرد عليها أنه محتاج إلى ما سواه؛ لأن ما كان صفة للموصوف كان داخلاً في اسم ذاته، أي: في حقيقة وماهية الذات.

стр. 309

تنزيه الله تعالى عن الصاحبة والولد قال المصنف ﵀: [وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد، وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم للضعف والعجز الذي ينزه الله عنه، بخلاف الفرح والغضب، فإنه من صفات الكمال، فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البكم؛ فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن، وبالضحك دون البكاء، ونحو ذلك]. لقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أن بعض أهل الكتاب نسبوا إليه الولد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] ولكن القرآن الكريم لم يفصل كثيراً في الجواب عن هذه الفرية العظيمة، إنما أجاب عنها في كثير من الموارد إجمالاً, كقوله : ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٢] وسياق (ما ينبغي) إذا جاء في القرآن فإنه يكون في الأمور الممتنعة، فهو من أخص موارد النفي: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٢] أي: إن هذا أمر ممتنع في حقه؛ لأنه الرحمن، وهو الإله المعبود وحده، وهو الرب سبحانه، فما ينبغي له أن يتخذ ولداً. قال ﵀: [وأيضاً فقد ثبت في العقل ما أثبته السمع، من أنه لا كفء له، ولا سمي له، وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات]. ولهذا كانت طريقة من ضل من أهل الكتاب طريقة متناقضة، فإنهم إذا قالوا: إن عيسى ابن الله، وجعلوا له مقاماً من الإلهية؛ كان هذا من باب التناقض؛ لأن الإله لابد أن يكون قديماً؛ لأنه إذا كان مستحقاً للعبودية، فإنه استحقاقه للعبودية يطرد في سائر بني آدم، وإذا قالوا: إنه إله عند خلقه، أو عند وجوده، أو عنده تخلصه الروحاني، أو ما إلى ذلك من هذيانهم، فإنه يرد عليهم أنه قبل وجوده هل كان الإله الحق موجوداً أو ليس موجوداً؟ وإذا كان موجوداً فهل كان وجوده وجوداً كاملاً؟ وهم يسلمون بأن الإله الحق كان موجوداً، فهل كان وجوده وجوداً كاملاً أم ناقصاً؛ فإن كان وجوداً كاملاً في ألوهيته وربوبيته امتنع أن تدخله الزيادة، وإن كان وجوده الأول وجوداً ناقصاً؛ فإن هذا نفي للربوبية والألوهية؛ لأنه لا يوجد في معنى الربوبية والألوهية ربوبية أو ألوهية نسبية؛ بل إما ربوبية أو عدم ربوبية، وإما ألوهية -أي: استحقاق للعبادة- أو عدم ألوهية، وهذا من باب تقابل السلب والإيجاب، فإما أن يوجد هذا المعنى وإما أن ينفى. وهذه من طرق المناظرة مع أهل الكتاب الذين ظلوا في عيسى ﵊ ومجادلتهم. فالمقصود: أن الطرق العقلية التي يسلكها الأئمة ﵏ هي أصدق الطرق؛ خلافاً لطرق مخالفيهم، وهي متضمنة في كتاب الله ؛ خلافاً لمن يقول: إن القرآن لم يذكر الدلائل العقلية، كما سيعلق على ذلك المصنف لاحقاً.

стр. 310

مباينة حقيقة الخالق لحقيقة المخلوقين قال المصنف ﵀: [فيعلم قطعاً أنه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة، ولا السماوات، ولا الكواكب، ولا الهواء، ولا الماء، ولا الأرض، ولا الآدميين، ولا أبدانهم ولا أنفسهم، ولا غير ذلك؛ بل يعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر]. وهذا هو معنى قول الحق سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ولذلك فكل صفة لا يقبلها الله ، فإنها تكون مما ينزه الله عنها من جهة حقيقتها وماهيتها اللائقة بالمخلوق، وأما الاشتراك في اسمها، أو في المعنى الكلي والذهني، فهذا باب آخر. قال ﵀: [فإن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى, ووجب لها ما وجب لها، وامتنع عليها ما امتنع عليها، فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدث المخلوق من العدم والحاجة، وأن يثبت لهذا ما يثبت لذاك من الوجود والغنى، فيكون الشيء الواحد واجباً بنفسه غير واجب بنفسه، موجوداً معدوماً، وذلك جمع بين النقيضين. وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بصر كبصري، ويد كيدي، ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.]. قوله: (وهذا جمع بين النقيضين)؛ لأنه إذا ثبتت صفة عن جهة التماثل بين الخالق والمخلوق، فيلزم على ذلك عقلاً أحد وجهين: الوجه الأول: دخول مسألة الإمكان على الخالق، أي: عدم وجوب الوجود، أو عدم الربوبية. الوجه الثاني: دخول مادة من الربوبية على المخلوق. فمن أثبتها بطريقة تناسب الرب ، فيلزم إذا جعل هذا من باب التماثل أن يكون المخلوق موصوفاً بما هو من مقام الربوبية، وإذا فسرها على معنى يناسب المخلوقين، وجعلها للخالق؛ لزم أن يكون الخالق متصفاً بصفات المخلوقين على جهة التشابه والتماثل في الخصائص والإضافات، وهذا إسقاط لمقام ربوبيته . قال المصنف ﵀: [وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له، وما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك؛ لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه، وما سكت عنه السمع نفياً وإثباتاً، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه، فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته، والله أعلم]. هذه هي الخاتمة للقاعدة السادسة، وقد بين فيها نوعاً من الاحتراز في كلامه، أي: أنه لا يفهم على غير وجهه ومراده، وبين أنه لم يقصد التنبيه إلى الطرق المفصلة، وإنما اشتغل بطريقة فيها إجمال، والطرق التي استعملت في هذا المقام ثلاث طرق: الطريقة الأولى: هي الطريقة الصحيحة المفصلة المحكمة؛ كمسألة: أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص، وعن مماثلة غيره؛ فإن هذه طريقة محكمة عقلاً وشرعاً، ومحكمة بين المسلمين أجمعين. الطريقة الثانية: هي الطرق الباطلة، وهذه لم يتكلف المصنف كثيراً في هذا المقام بذكرها على التفصيل؛ لكون المقام لا يسع ذلك، ولكونها بينة البطلان. الطريقة الثالثة: وهي الطرق المجملة، كمسألة التشبيه والتجسيم، فإن هذه الطريقة قد استعملت في مقام الإثبات والنفي، وهي طريقة إذا كانت وحدها مجردة وصفت بأنها طريقة مجملة، وجمهور مادة هذا الإجمال الذي دخلها هو من المتكلمين أنفسهم، والدليل على ذلك: أن كل ما نفوه من الصفات التي أثبتها أهل السنة يجعلون الموجب لنفيها: أن إثباتها يستلزم التشبيه والتجسيم، فهي طريقة دخل فيها الإجمال، وإن كان جمهور هذا الإجمال إنما جاء بسببهم. ومن هنا صارت طريقة غير محكمة إذا ما ذكرت مجردة، ويزيد الأمر سوءاً إذا ما فسرت تفسيراً باطلاً، فإن القصور في التقرير إما أن يكون قصوراً في الألفاظ، وإما أن يكون قصوراً في المعاني، فمن عبر بها وحدها ففسرها تفسيراً صحيحاً قيل: تفسيره صحيح، ولكنه لو قرنها بالتفسيرات المفصلة لكان أحكم، بخلاف من استعملها وحدها وفسرها تفسيراً غلطاً؛ فإن هذا يكون قد قصر لفظاً ومعنى.

стр. 311

ما سكت عنه السمع ولم يثبته العقل ولم ينفه سكتنا عنه وقوله: (وما سكت عنه السمع نفياً وإثباتاً، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه, سكتنا عنه، فلا نثبته ولا ننفيه). فمثلاً: ما يتعلق بالأكل والشرب، فهل سكت عنه السمع أو لم يسكت عنه؟ الجواب: أنه إذا قصد اللفظ فإنه سكت عنه، وسكوت السمع عنه بذكر لفظه بالتفصيل هو من كمال السمع، أي: من كمال القرآن في تحقيق الإثبات، وفي تحقيق التنزيه، وأما أنه سكت عنه من حيث المعنى فلا؛ فإن الله لما ذكر مقامه من الربوبية؛ علم غناه عما سواه، ومما سواه ما يتعلق بالمأكول والمشروب ونحو ذلك. إذاً: فما يتعلق بالصفات اللازمة؛ فإن هذه صفات في الجملة يكون شأنها بيناً، لكن ما يتعلق بمفصل الأفعال التي سكت السمع عنها, والعقل لا ينفيها ولا يثبتها، فإن هذه يجب السكوت عنها. فمثلاً: أخبر النبي ﷺ أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فهذا فعل معين مختص، وأخبر الله تعالى في القرآن أنه يجيء لفصل القضاء، وهذا فعل مختص، ولا شك أن أفعالاً كثيرة مختصة لم ينطق بها السمع على التعيين، فإذا ما فرضت قيل: إن هذا مما لا يمنعه العقل، فلا يجوز نفيه، وما لم ينطق به السمع بالتصريح فلا يجوز إثباته؛ لأنه قد يكون ليس كذلك، ليس لعدم قابلية الرب له، وإنما لعدم ذكر السمع له بالتصريح. إذاً: ما يتعلق بأفعال الرب ، كإخباره بأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر:٢٢] فإن هذه أفعال تثبت؛ لأن السمع جاء بها، وهي صفات كمال، وما كان من نوع هذه الأفعال ولكن السمع لم يذكرها على التخصيص، كفعل مفرد من أفعاله، فلو فرضه فارض فإنه لا يثبت؛ لأن السمع لم يأت به، ولا ينفى؛ لأن العقل لم يدل على نفيه. وقد يقول قائل: لماذا لم يدل العقل على نفيه؟ فيقال: إما أن يكون الشيء منفياً لعدم مجيء السمع به، وهذا وجه، لكن قد يكون الشيء واقعاً في نفس الأمر، ولكنك لم تستطع العلم بوقوعه لأن الله لم يخبر بوقوعه، وقد يكون هذا الفعل ليس واقعاً في نفس الأمر، فيكون نفيه لعدم مجيء السمع به، ولعدم وقوعه في نفس الأمر، وإن كان العلم بعدم وقوعه علماً ممتنعاً، لكن عدم الوقوع ليس لعدم قابلية الرب له، وإنما لعدم إرادته ومشيئته.

стр. 312

اعتراض لنفاة الصفات الفعلية والجواب عنه لذلك أورد نفاة الصفات الفعلية -كالنزول والمجيء ونحوها- أوردوا إشكالاً لابد من الجواب عليه، فقالوا: إن النزول والمجيء ونحوها من الصفات إذا لم تفسر بالتأويل على طريقتهم يلزم من ذلك إما أن يكون كمالاً، وإما أن يكون نقصاً، فإن قلتم: إنه نقص، فالله منزه عنه، وإن قلتم: إنه كمال؛ لزم أن يكون هذا الكمال قد فاته قبل حدوث هذا الفعل المعين، وفوات الكمال نقص. وهناك عدة أجوبة عن هذا الإشكال، وهناك أجوبة صحيحة ولكنها ليست ملزمة, وهناك أيضاً أجوبة صحيحة ولكنها ليست محكمة. ومن طرق الجواب أن يقال: إن هذه الصفات ذكرت على نوع من الحدوث، وما كان حادثاً امتنع أن يكون قديماً في العقل، فإن الحدث ينافي القدم، والشيء إذا وصف بأنه حادث امتنع أن يوصف بأنه قديم، فيقال هنا: إن هذه الصفات ذكرت على معنى الحدوث، أي: أنها متعلقة بمشيئة الرب، وما كان حادثاً امتنع أن يكون قديماً, وما كان ممتنعاً لم يكن عدمه نقصاً؛ لأن النقص هو فوات الكمال الممكن، وليس هو فوات الممتنع، فما كان ممتنعاً فإنه يمتنع أن يكون فواته نقصاً؛ لأنه ممتنع، والكمال يتعلق بالأمور الوجودية. وهذا جواب محكم من جهة العقل. وهناك جواب من جهة القياس: وهو أنه يستلزم التناقض عندهم، فإنه يمكن أن يقلب عليهم هذا الباب بطريقة بسيطة في الإدراك، وهي قوية من جهة الحكم أيضاً، فيقال: إن هذا يلزمكم في خلق السماوات والأرض، فإن الله هو الخالق للسماوات والأرض، فإما أن تقولوا: إن خلقه لهما كمال، وإما تقولوا: إنه نقص. فسيقولون: إنه كمال, وحينئذ فما كان جوابهم عن خلقه للسماوات والأرض، فهو الجواب عن نزوله، وإن قالوا: إن النزول إذا قيل: إنه كمال؛ لزم أن يكون قد فاته من قبل، وفوات الكمال نقص. قيل: فخلقه للسماوات والأرض أزلاً ممتنع؛ لأن ما كان مخلوقاً امتنع أنه يكون أزلياً، فإن الله هو المختص بالأولية المطلقة، فما كان حادثاً امتنع أن يكون قديماً. وهذا من سفسطة العقل. وهذا الدليل هو الدليل المحكم لنفي الصفات الفعلية، وهو ما يذكره محمد بن عمر الرازي ويسميه: الدليل المركب، ومعلوم أن أصحابه هم الذين ينفون أو يتأولون الصفات الفعلية، وهي ما يسميها أصحاب أبي الحسن الأشعري: حلول الحوادث، فجاء الرازي -ولا سيما في آخر أطواره- وقال: إن ما عمل به أصحابنا في التأويل لهذا الباب فهي علل منقوصة، وجاء بعلل أصحابه، ثم أجاب عنها، ورد عليها، وإذا لم يرد على الحجة فربما اكتفى بإيراد السؤالات عليها، فقال: "إن سائر ما ذكروه إما أن يرد عليه الجواب، أو يرد عليه سؤال"، ثم قال: "وإن الحجة الصحيحة الاعتماد في هذا على الدليل المركب"، وقد ذكر أن أصحابه اعتمدوا على الدليل العقلي، وقالوا: أما الاعتماد على السمع وحده فلا؛ لأن السمع في آيات كثيرة ظاهره الإثبات لما هو من حلول الحوادث. ثم قال: "وحججهم في هذا إما مجاب عنها، وإما عليها سؤالات" , فهو عطل الحجة السمعية وحدها، والحجة العقلية وحدها، وقال: "إنما المعتبر في نفي حلول الحوادث هو الدليل المركب من السمع والعقل"، ثم جاء بالدليل المركب، فجعل مادة العقل لها السبق في هذا الدليل، وأما مادة السمع فقد قال: "إننا نقول: إن كانت ناقصاً، فإن الله منزه عن النقص بالإجماع"، فجعل كلمة (الإجماع) هي الوجه السمعي في دليله، فإن الإجماع كلمة سمعية وليست عقلية. وهذا من خطئه، فإن تنزيه الله عن النقص يعلم بالعقل، وإن كان بالضرورة يعلم بالسمع أو بالإجماع ونحو ذلك.

стр. 313

شرح القواعد السبع من التدمرية [٢١] القاعدة السابعة في إثبات الصفات والرد على نفاتها: أن كثيراً مما دل عليه السمع يعلم بالعقل، بل جميع صفات الله تعالى لا يقضي العقل بعدم إمكانها، وبهذا يعلم فساد قول المتكلمين بأن هناك تعارضاً بين العقل والنقل، وهو قول فاسد باطل، لا دليل عليه لا من النقل ولا من العقل؛ بل إن الدلائل الشرعية والعقلية البينة تدل على بطلان هذا القول، وعلى أنه لا تعارض بين العقل والنقل أبداً.

стр. 314

القاعدة السابعة: دلالة العقل على كثير مما دل عليه السمع قال المصنف ﵀: [القاعدة السابعة: أن يقال: إن كثيراً مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضاً، والقرآن يبين ما يستدل به العقل، ويرشد إليه، وينبه عليه، كما ذكر الله ذلك في غير موضع؛ فإنه بين من الآيات الدالة عليه، وعلى وحدانيته، وقدرته، وعلمه، وغير ذلك، ما أرشد العباد إليه ودلهم عليه، كما بين أيضاً ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه. فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع أخبر بها، ومن جهة أنه بين الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها. والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. وهي أيضاً عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضاً]. هذه هي القاعدة السابعة، وقد بين فيها المصنف ﵀ أن المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أنها خبرية، ومن جهة أنها عقلية، وكلا السياقين نطق به القرآن، ومعنى هذا الكلام: أن الشرعي -وهو ما كان من القرآن أو السنة- فإن سياقه في القرآن إما أن يكون سياقاً خبرياً محضاً مبنياً على صدق المخبر، كقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فهذا حكم شرعي خبري مبني على صدق المخبر، وإما أن يكون حكماً شرعياً عقلياً، كقول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ..﴾ [المؤمنون:٩١] فهذا حكم شرعي عقلي. أما أنه شرعي فلكونه قرآناً، وأما أنه عقلي فلكونه مخاطباً للعقول، وهو ليس فرعاً عن تصديق المخبر أو عدم تصديقه، ولذلك فإنه يلزم المخاطب عقلاً التصديق بهذا الحكم، حتى من لم يسلم بأن هذا القرآن كلام الله، أو ما إلى ذلك من أحوال المشركين.

стр. 315

فساد قول المتكلمين بالتعارض بين العقل والنقل قال المصنف ﵀: [وكثير من أهل الكلام يسمي هذه (الأصول العقلية)؛ لاعتقاده أنها لا تعلم إلا بالعقل فقط، فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق، وخبر الصادق -الذي هو النبي- لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل]. قوله: (فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق): هذا هو كلام المخالف، فإن هؤلاء -وهم غلاة المتكلمين- يجعلون النصوص القرآنية لم تنطق بالأحكام العقلية؛ بل السمع عندهم مجرد الإخبار المبني على صدق المخبر, وهذا عدم فقه للقرآن, فإن من قرأ القرآن بان له أن فيه حكماً عقلياً، وهي الأمثال المضروبة التي ضربها الله تعالى في كتابه، كقوله : ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم:٢٨] وكقول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] أو يأتي على سياق ليس فيه ذكر للمثل؛ كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] إلى غير ذلك من الآيات، فهذه الطريقة هي الطريقة التي عليها جمهور المسلمين، وفضلاء المتكلمين والنظار، خلافاً لغلاتهم الذين قالوا: إن القرآن لم يأت بالأحكام العقلية. ولذلك إذا بان هذا الأمر؛ بانت نتيجة مهمة في الأصول، وهي: أن الدليل النقلي في الكتاب والسنة -أي: الدليل السمعي- لا يقابله الدليل العقلي، فإن الدليل السمعي هو الدليل الشرعي، وما يقابله هو ما ليس شرعياً؛ سواء سمي بدعياً، أو قيل: هو ما لم يأت ذكره في السمع، وليس هو العقلي؛ لأنه إذا قيل: إن الدليل السمعي يقابله العقلي، فيلزم كضرورة عقلية وكبدهيات أساسية أن يكون النقل مجرداً عن الحكم العقلي. وهذا التناقض هو الذي وقع فيه غلاة المتكلمين، وجاء في كلامهم، حتى فرضوا ما يسمى بقانون تعارض العقل والنقل، وإن كان هذا القانون قد دخل على بعض فضلاء النظار، الذين لا يلتزمون بمثل هذه الحقائق على التحقيق. فيقول غلاة المتكلمين: إن التعارض إذا وقع بين السمعي والعقلي، فإما أن يعمل بهما جميعاً, وإما أن يرفعا جميعاً، والعمل بهما جميعاً ورفعهما جميعاً كلاهما ممتنع؛ لأن الجمع لهما جمع للنقيضين، والرفع لهما رفع للنقيضين. قالوا: فلم يبق إلا أن يقدم الدليل السمعي على الدليل العقلي، أو يقدم الدليل العقلي على الدليل السمعي، وتقديم الدليل السمعي على العقلي ممتنع؛ لأن الدليل على صدق السمع هو العقل. فإن قيل لهم: كيف ذلك؟ قالوا: إن السمع إنما جاء عن الأنبياء والرسل، والدليل على صدق الرسول هو معجزته, ومعجزته حكم عليها بكونها معجزة بحكم العقل، فإذا قدمنا الدليل السمعي على العقلي؛ لزم الشك في الدليل العقلي المصدق للمعجزات، فيلزم على هذا الإسقاط للسمع والعقل. وهذا كله سفسطة, وتناقض في الكلام العقلي؛ والجواب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن القول بأن ثمة تعارضاً بين العقل والنقل خطأ من جهة العقل نفسه؛ لأنه يلزم -كضرورة أولية- أن تكون الدلائل السمعية مجردة من العقل. الوجه الثاني: لو فرض أن ثمة تعارضاً بين العقلي والسمعي، فإن ما كان عقلياً امتنع أن يكون معارضاً للسمع، إلا أن يكون عقلاً فاسداً, وما كان فاسداً امتنع أن يكون معارضاً للصواب، فإن السمع كله صادق، فما كان صادقاً امتنع أن يعارضه صادق؛ لأنه يلزم أن يكون بين الصادقين تمانع، ومعلوم أن الصادقين لا يمكن أن يكونا متناقضين أبداً، فعلم بذلك أن السمع لا يعارضه بنفس الأمر إلا عقلي ليس صادقاً؛ لأن العقلي إما أن يكون صادقاً، وإما أن يكون كاذباً. فإن كان كاذباً وقد عارض سمعياً صادقاً، فإن القاعدة: أن الصادق إذا عارضه كاذب قدم الصادق. فإن قالوا: إن الدليل العقلي لا ينقسم إلى صادق وكاذب؛ بل إن العقل كله صادق. فيقال: إن العقل إما أن يكون صادقاً، وإما أن يكون كاذباً، وإما أن يكون بعضه صادقاً وبعضه كاذباً، ومنازعتهم مبنية على كل واحد من هذه الأوجه الثلاثة، فإن قالوا: إن العقل كله صادق؛ لزم من ذلك امتناع التعارض؛ لأنه يمتنع أن يتعارض الصادقان، وإن قالوا: إن العقل جميعه كاذب؛ لزم من ذلك إبطال العقل وتعظيم السمع، وإن قالوا: إن العقل منه ما هو صادق، ومنه ما هو كاذب، قيل: ما كان كاذباً من العقل فإنه يرد، وما كان صادقاً منه فإنه يمتنع أن يعارض السمع. وهناك أوجه كثير في مسألة درء تعارض العقل والنقل، وأن الشريعة لا يمكن أن تعارض حكماً من أحكام العقل الصحيح، وأما العقل الفاسد فإنه متسلسل عند بني آدم، وهو من الأحكام الفاسدة، وهو الظن، ولذلك فإن ما يذكره الكفار على سبيل القضاء في الحكم العقلي، سماه الله في القرآن بالظن فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣] ففي باب الحكم العقلي نجد أن حجتهم حجة ظنية، وفي موارد الإرادات والأحوال والسلوكيات وما إلى ذلك نجد أن موجب القبول عندهم وعدم القبول هو هوى النفس؛ بخلاف أهل الإيمان، فإنهم في باب الإرادات والأحوال والسلوكيات لا يكون المحرك لهم هو هوى النفس، وفي باب العقليات لا يكون المحرك لهم هو الظن، وإنما العلم اليقيني.

стр. 316

النبوة ثابتة بالمعجزة وبغير المعجزة قال المصنف ﵀: [ثم إنهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها]. إثبات النبوة يكون بأصل العقل، وقد تثبت النبوة بغير العقل، أي: بغير دليل معجزة، وإلا فليس هناك شك أن المجنون الذي نزع عقله من أوله إلى آخره لا يستوعب هذه المسائل على التفصيل، ولذلك فإن هرقل -كما جاء عن ابن عباس في الصحيحين وغيرهما- لما سأل أبا سفيان عن صفات النبي ﷺ ، لم يسأله عن حدوث المعجزات الخارقة للعادة، كخروج الماء من بين أصابعه، ونحو ذلك، إنما سأله عن نسبه، وعمن يتبعه، وعن أبيه، وهل كان ملكاً؟ إلخ، وهذه ليست معجزات، إنما هي صفات، ولذلك قال هرقل: (إن يكن ما تقول به حقاً فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم ...) إلخ. إذاً: النبوة تثبت بالمعجزة، وتثبت بغيرها، والمقصود بالمعجزة هنا: الآية الخارقة للعادة. قال المصنف ﵀: [فطائفة تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك، ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل. وطائفة تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول، وأن العلم بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه، وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام]. قوله: (وأن العلم بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه)، أي: بإثبات حدوث العالم، وأن إثبات حدوث العالم لا يكون إلا بإثبات كونه جسماً، ومن هنا قالوا: إن الصفات تنفى؛ لأنها تستلزم التجسيم. قال ﵀: [وحدوثها يعلم إما بحدوث الصفات، وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، فيجعلون نفي أفعال الرب ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها.]. فمن قال: إن حدوثها يعلم بحدوث الصفات، فهذا طريق لقوم من أهل الكلام، ومن قال: إن حدوثها يعلم بحدوث الأفعال القائمة بها، فهذا طريق آخر، ولذلك فإن المعتزلة نفت سائر الصفات؛ لأنه لو ثبتت صفة عندهم تقوم بذات الرب؛ لبطل الدليل المصحح عندهم لحدوث العالم، وكذلك متكلمة الصفاتية نفوا ما يتعلق بالصفات الفعلية التي يسمونها: حلول الحوادث؛ لأنهم لو أثبتوها لبطل عندهم الدليل المصحح لحدوث العالم، والدليل المصحح لحدوث العالم هو الدليل المصحح لوجود الصانع. قال ﵀: [ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم؛ لظنهم أن العقل عارض السمع -وهو أصله- فيجب تقديمه عليه، والسمع إما أن يؤول، وإما أن يفوض]. قوله: (وهو أصله) أي: أن أصل الدليل السمعي عندهم هو العقل؛ وذلك لأنهم يقولون: إن دليل ثبوت السمع هو النبوة، والنبوة دليلها المعجزة. وهذا غلط من وجهين: الوجه الأول: أن النبوة تثبت بغير المعجزة. الوجه الثاني: أنه لو سلم جدلاً أن الدليل العقلي هو الذي صدق المعجزة، ودليل المعجزة بصدقه صدقت النبوة، فإن هذا دليل معين من أدلة العقل، ومعلوم أن الدليل المعين لا يلزم أن يكون حكمه مطرداً في سائر الأدلة، وإلا لزم من ذلك التصديق بكل ما يقال أنه عقلي، وهذا معلوم الامتناع بين العقلاء، فإن عقول بني آدم بينها قدر من الاختلاف والتضاد والتناقض في أحكامها العقلية. إذاً: عندما يقولون: لو قدمنا السمعي للزم من ذلك الطعن في أصل ثبوت السمعي، يقال: هذا ليس بلازم؛ لأنه يمكن أن نقدم السمعي على العقلي الذي عارضه. أما الدليل العقلي الذي قالوا: به ثبتت النبوة، فهل عارض السمع أو أثبته؟ فإن قالوا: إن به ثبت السمع، فمعناه: أنه عارضه أو صدقه، فإذا كان صدقه فهذا لا جدال فيه، ولا يرد في مسألة تعارض العقل والنقل، إنما الكلام هو في العقلي المعارض، وهذا العقلي ليس هو الذي أثبت السمع، مع أن هذا الكلام -كما سبق- ليس محكماً من أصله. قال المصنف ﵀: [وهم أيضاً عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم، لما تقدم. وهؤلاء يضلون من وجوه: منها: ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة، وليس الأمر كذلك؛ بل القرآن يبين من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النقل، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية]. قوله: (منها: ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة)، كلمة (تارة) ليست صحيحة؛ بل هي غلط في السياق، وقد أشار المحقق إلى ذلك؛ لأن مقصود المصنف هو ظنهم أن السمع بطريق الخبر المجرد، أي: أن السمع هو الخبر المجرد، أما إذا قيل: إن السمع هو الخبر المبني على صدق المخبر تارة، فيلزم أن يكون ظنهم صحيحاً؛ لأن السمع هو خبر المخبر المبني على صدق هذا المخبر تارة، كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فهذا حكمه -كما سبق- ليس من ابتداع العقل. إذاً: إما أن يكون السياق هو: (ظنهم أن السمع بطريق الخبر المجرد)، وهنا يكون الكلام صحيحاً، وإما أن يكون السياق: (ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة)، وهذا الكلام خطأ؛ لأنهم لو ظنوه تارةً لكان ظنهم صحيحاً، وإنما غلطهم أنهم ظنوه مطرداً. وقد يقال: إن السمع طريق الخبر المجرد، أي: المجرد عن الحكم العقلي، المبني على الإطلاق، بمعنى أنه في سائر موارده يكون كذلك، هذا هو وجه الغلط، وأما أن في القرآن ما هو سمعي محض، أي: ليس مبنياً على أوائل الحكم العقلي المحصل له قبل ورود السمع فيه، فهذا لا جدال في عدم وجوده في القرآن. قال ﵀: [ومنها: ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريق المعينة التي سلكوها، وهم مخطئون قطعاً في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه، فإن طرق العلم بصدق الرسول كثيرة، كما قد بسط في غير هذا الموضع]. إن خطأهم ليس في هذه الطريق وحدها؛ بل إن جمهور ما يذكرون من الطرق المحصلة للنبوة هي تحصيل للنبوة من وجه، فيكون غلطهم من وجهين: الوجه الأول: أنهم قصروا طريق تحصيل النبوة على هذا الطريق. الوجه الثاني: أنهم ربما استعملوا طرقاً قاصرة في إثبات النبوة، مع أن ثمة طرقاً أصدق منها وأحكم في نفس الأمر. قال ﵀: [ومنها: ظنهم أن الطريق التي سلكوها صحيحة، وقد تكون باطلة]. وإن كان جمهور ما يذكرونه في إثبات النبوة صحيحاً، ومنه ما قد يكون باطلاً، وإنما يؤخذ عليهم أنهم قصروا الطريق عليه، واستعملوه هو وفي الباب ما هو أولى منه. قال ﵀: [ومنها: ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، ويكونون غالطين في ذلك، فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من المجهولات لا من المعقولات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع]. لأن المعارض للسمعي إما أن يكون سمعياً، وإما أن يكون عقلياً، وإما أن يكون لا سمعياً ولا عقلياً، فأما إن كان سمعياً فهذا ممتنع؛ لأنه يلزم فيه التعارض بين السمعيين، وهذا ممتنع، وأما إن كان عقلياً، فإنه يعود القول فيه إلى ما سبقت الإشارة إليه من الأوجه, وأما إن فرض أنه لا سمعي ولا عقلي، فيقال: ليس في الأمر ما يكون كذلك؛ بل الحكم إما أن يكون سمعياً، وإما أن يكون عقلياً.

стр. 317

من صفات الله تعالى ما يعلم بالعقل قال المصنف ﵀: [والمقصود هنا أن من صفات الله تعالى ما قد يعلم بالعقل، كما يعلم أنه عالم، وأنه قادر، وأنه حي، كما أرشد إلى ذلك قوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] وقد اتفق النظار من مثبتة الصفات على أنه يعلم بالعقل -عند المحققين- أنه حي عليم قدير مريد، وكذلك السمع والبصر والكلام يثبت بالعقل عند المحققين منهم؛ بل وكذلك الحب والرضا والغضب يمكن إثباته بالعقل، وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يعلم بالعقل، كما أثبتته بذلك الأئمة، مثل أحمد بن حنبل وغيره، ومثل عبد العزيز المكي، وعبد الله بن سعيد بن كلاب]. كل هؤلاء أثبتوا الدليل العقلي على علو الله ، ومن هؤلاء من هو من النظار؛ كـ ابن كلاب، ومنهم من هو من أهل الحديث؛ كالإمام أحمد. وإنما ذكر المصنف الإمام أحمد وابن كلاب؛ ليعلم بذلك أن العلم بالدلائل العقلية معروف ليس عند أهل السنة وحدهم؛ بل حتى عند الفضلاء من المتكلمين ومقتصدة النظار؛ فإنهم يعلمون ويفصلون الدلائل العقلية، وحتى المعتزلة، فإنهم -وإن عبروا بما عبروا به- يمتنع عليهم تجريد المسائل المقولة في صفات الله وفي ربوبيته وكماله عن الأحكام العقلية، فإنه إذا تعذر العقل في هذا المقام؛ امتنع التقرير لمسألة وجود الرب في طريقتهم، فإن طريقتهم في إثبات وجوده طريقة عقلية، وما كان طريقاً عقلياً في إثبات وجوده لزم أن يكون طريقاً مطرداً في تحقيق وجوده، ولا شك أن تحقيق وجوده لا يكون إلا بإثبات صفات الكمال اللائقة به.

стр. 318

إثبات الرؤية بالعقل قال المصنف ﵀: [بل وكذلك إمكان الرؤية بالعقل، لكن منهم من أثبتها بأن كل موجود تصح رؤيته، ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه تمكن رؤيته، وهذه الطريق أصح من تلك. وقد يمكن إثبات الرؤية بغير هذين الطريقين، بتقسيم دائر بين النفي والإثبات، كما يقال: إن الرؤية لا تتوقف إلا على أمور وجودية، فإن ما لا يتوقف إلا على أمور وجودية يكون الموجود الواجب القديم أحق به من الممكن المحدث. والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع]. أشار المصنف إلى مثلين من الطرق العقلية لإثبات الرؤية، فإنها قد ثبتت بالسمع، كما هو في الدلائل، وتثبت أيضاً بالعقل، فإنه يقال: إن العقل يقضي أن كل موجود يمكن رؤيته، وهذه الطريقة فيها بعض التأخر عن الطريقة الفاضلة، وهي أن يقال: إن كل قائم بنفسه يمكن رؤيته، ورؤيته لا تستلزم نقصاً؛ لأن النقص إنما يكون في إدراكه، أي: إذا دخله الرؤية والإدراك لزم أن يكون ناقصاً ممكناً؛ وذلك كالمخلوقات كلها، فإنها إما أن تدرك، وإما أن تكون قابلة للإدراك؛ بخلاف الباري سبحانه فإنه يرى ولا يدرك، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] مصدقاً لقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] وموافقاً له.

стр. 319

من الطرق العقلية في إثبات الصفات: أنه لو لم يوصف الله تعالى بأحد المتقابلين للزم وصفه بالآخر قال المصنف ﵀: [والمقصود هنا: أن من الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نظار السنة في هذا الباب: أنه لو لم يكن موصوفاً بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى، فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت، ولو لم يوصف بالقدرة لوصف بالعجز، ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف بالصمم والخرس والبكم]. لقد سبقت الإشارة إلى هذا سابقاً، وهو أن من الطرق العقلية التي يسلكها الأئمة: أنه لو لم يوصف بأحد المتقابلين للزم أن يوصف بالآخر، فإذا ما علم أنه منزه عن الجهل بالاتفاق؛ لزم أن يكون موصوفاً بالعلم، ولما علم بالاتفاق أنه منزه عن العمى؛ لزم أن يكون موصوفاً بالبصر .. وهكذا في سائر الصفات. فيكون ذلك من طرق إثبات الصفات بالعقل: أن العلم بتنزيهه عن أحد المتقابلين -وهو النقص- علم ضروري، فإذا عرف أنه منزه عن هذا النقص بالضرورة الشرعية والفطرية والعقلية؛ لزم أن يكون المقابل ثابتاً؛ لأن نفي المتقابلين يكون ممتنعاً. قال ﵀: [وطرد ذلك أنه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلاً فيه، فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى، وتلك صفة نقص ينزه عنها الكامل من المخلوقات، فتنزيه الخالق عنها أولى]. قوله: (وتلك صفة نقص) أي: دخوله في العالم، فلما علم أنه منزه عن هذا النقص بالضرورة وبالاتفاق؛ علم أنه مباينٌ للعالم، وإذا كان مبايناً للعالم، فإما أن يكون العالم هو العالي، وإما أن يكون العالم هو السافل، ولا شك أن الله يمتنع أن يكون محايداً أو أسفل من مخلوقاته؛ فلزم أن يكون الحكم العقلي يقضي بأن الله فوق خلقه، كما نطق به القرآن في قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] إذاً: فما ذكره الله تعالى في كتابه موافق من كل وجه لحكم العقل.

стр. 320

كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به قال المصنف ﵀: [وهذه الطريق غير قولنا: إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق فالخالق أولى، فإن طريق إثبات صفات الكمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها]. هذه طريقة عقلية ثانية في إثبات الصفات، وهي: أن كل كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالخالق أولى به، وهي محصلة من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] وربما سماها بعض نظار السنة: قياس الأولى، وقد سبق أن هذه التسمية ليست محمودة، إلا في مقام المناظرة عند الحاجة إليها، أما من حيث الابتداء فلا ينبغي أن تسمى بذلك؛ بل تسمى بما سمى الله هذا الأمر به وهو: المثل الأعلى. وهذه القاعدة فيها إشارة من الفقه، وهي أنه إذا قيل: إن كل كمال ثبت للمخلوق، فالمقصود هنا: الكمال المطلق، وإن كان المخلوق لا يتحقق فيه ما هو من الكمال المطلق، فإن النقص في هذا الكمال المطلق إنما دخل من حيث الإضافة، بمعنى: أنه لا يرد على هذا أن يقول قائل: إن وجود الولد كمال في المخلوق، والرجل الذي له ولد أكمل من العقيم عند الناس. فلا يرد هذا الأمر؛ لأن هذا نقص؛ وذلك لأن صفة الولد فرع عن الحاجة، وكذلك الأكل والشرب، فإن عدمه يكون عن علة، فهي إذاً صفة نقص، وإنما المقصود: الكمال المطلق؛ كالكلام، والسمع، والبصر. فإن قال قائل: فهل في المخلوق كمال مطلق؟ قيل: المقصود هو ليس ما في المخلوق، وإنما المقصود الصفة إذا كانت مجردة، فإن الكلام إذا ذكر مطلقاً مجرداً فهو كمال مطلق، بخلاف الولد، فإنه إذا ذكر مجرداً فإنه يكون نقصاً؛ بل الولد لا يمكن أن يكون إلا أمراً إضافياً، فإذا قيل: الابن؛ لزم من وجوده وجود الأب. إذاً: لا ينبغي دخول هذا الإشكال على هذه القاعدة، وهي أن كل كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالخالق أولى به. قال ﵀: [وقد اعترض طائفة من النفاة على هذه الطريقة باعتراض مشهور لبسوا به على الناس، حتى صار كثير من أهل الإثبات يظن صحته ويضعف الإثبات به، مثل ما فعل من فعل ذلك من النظار حتى الآمدي وأمثاله، مع أنه أصل قول القرامطة الباطنية وأمثالهم من الجهمية]. الآمدي هو من متكلمة أصحاب الأشعري، وهو من كبار متأخريهم، وقوله: (وقد اعترض طائفة من النفاة على هذه الطريقة) مقصوده: الطريقة الأولى، وهي مسألة التقابل. قال ﵀: [فقالوا: القول بأنه لو لم يكن متصفاً بهذه الصفات، كالسمع والبصر والكلام، مع كونه حياً لكان متصفاً بما يقابلها، فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلين وبيان أقسامهما. فنقول: أما المتقابلان فما لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة، وهو إما أن لا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين]. قوله: (في الصدق ولا في الكذب): المقصود بالصدق: الإثبات، وبالكذب: النفي، أو يقال: الصدق هو الإيجاب, والكذب هو السلب, فكل هذه مترادفة. قال ﵀: [فالأول: هما المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهو تقابل التناقض، والتناقض هو اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه لا يجتمعان في الصدق ولا في الكذب لذاتيهما، كقولنا: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان، ومن خاصيته استحالة اجتماع طرفيه في الصدق والكذب، وأنه لا واسطة بين الطرفين ولا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر؛ من جهة واحدة ولا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، إذ كون الموجود واجباً بنفسه بنفسه وممكناً بنفسه لا يجتمعان ولا يرتفعان]. مقصوده: أنه يمتنع ارتفاعهما ويمتنع اجتماعهما، فإنه إذا قيل: إن زيداً ليس بحيوان؛ لزم أن يكون ليس بحيوان. وقوله: (وأنه لا واسطة بين الطرفين ولا استحالة ...): أي: أنه لا بد من ثبوت أحدهما، فأما أن يرفعا جميعاً فهو ممتنع، فإذا قيل: إن زيداً معدوم؛ لزم أن لا يكون موجوداً، وإذا قيل: زيدٌ حيوان؛ لزم أن يكون حيواناً، فإنه إذا ذكر الإثبات امتنع النفي، وإذا ذكر النفي امتنع الإثبات.