Полный текст (320 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
معنى التعطيل وأنواعه
وقوله: (ولا تعطيل):
التعطيل: هو تفريغ الصفات عن حقائقها، إما بنفي ما هو من كلماتها؛ لعدم ثبوته، كنفي بعض الأحاديث بحجة أنها من الآحاد، أو مما لا يصح، وإما بتفريغ معانيها عن حقائقها الشرعية الدالة عليها.
وهذا الاسم -أي: التعطيل- ليس من الأسماء المذكورة في القرآن؛ ولكن المصنف ذكره لأنه وصف يدل دلالة بينة على حقيقة هذه المذاهب، فكأن المصنف يريد أن يقول: إن هذه المذاهب التي استعملها من استعملها من المتكلمين نتيجتها التعطيل لصفات الله ، وإلا فلا أحد من المسلمين يقول: إنه معطل لصفات الله؛ لكن هذا المذهب الذي هو نفي معاني الصفات، ونفي قيام الصفات بالذات، وما إلى ذلك، حقيقته أنه تعطيل للرب عن كماله؛ فإن من خرج عن محكم آيات الكتاب والسنة فإنه يكون معطلاً للرب عن كماله؛ ولذلك ذكر المصنف هذا التعبير الذي نقول: إنه تعبير وصفي عن حقيقة هذا المذهب.
وهذا التعبير الوصفي -وهو التعطيل- هو الذي سماه ابن سينا في كتبه: (التجريد)، ولذلك تجد في كتب ابن سينا عبارة التجريد الإلهي، وهو يَقصد بالتجريد الإلهي: نفي الصفات اللائقة بالله ، فلكلٍ استعمالٌ من النظار والمتفلسفة والمتكلمين؛ ولكن درج الأئمة المتقدمون من أهل السنة والجماعة على أن يسموا هذا تعطيلاً؛ ولذلك تبرءوا من طريقة المعطلة.
وهذا السياق من كلام المصنف لما قال: (من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل) يبين به وسطية أهل السنة والجماعة، وأنهم يثبتون صفات الله على ما اقتضاه سياق القرآن، ولا يزيدون في الإثبات على الحقائق القرآنية، ويفقهون كتاب الله بما اقتضاه لسان العرب؛ فإن القرآن نزل بلسانهم، وقد أخبر الله في كتابه في غير موضع أنه نزل بلسان عربي مبين، فهم لا يزيدون على القرآن؛ لا في حروفه، ولا في معانيه، ويعتبرون هذه الوسطية بالبراءة من التكييف والتمثيل، وبالبراءة من التعطيل والتحريف، فهم وسط بين هؤلاء وهؤلاء.
стр. 37
مصطلح (التشبيه)
لم يذكر المصنف هنا التشبيه، وقد قال بعض المتأخرين: إن كلمة (التشبيه) ذكرها غير مناسب؛ لأن هذه الكلمة لم تذكر في القرآن، وربما عللوا ذلك بأنه ما من شيئين إلا ويقع بينهما قدر من التشابه، ومن هنا تركوا هذه الكلمة.
والصواب أن يقال: إن التصريح بنفي التشبيه صحيح، وإن لم يذكر في القرآن، وذلك لوجهين:
الوجه الأول: أن العلم بتنزيه الباري عن مشابهة الخلق معلوم بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، وإن لم يصرح بهذه الكلمة في القرآن، فإن الله منزه عن التشبيه، ولذلك لا غرو ولا عجب من ذكرها، وإن لم ينطق بها القرآن؛ لأنه ذُكِر في القرآن ما هو أتم من جهة المعنى والمراد وهو التمثيل.
ثم إن التشبيه والمشابهة وإن لم تذكر في القرآن بنصها؛ فإنه ذُكر في القرآن ما يدل عليها، كقوله : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] وغير ذلك من الآيات؛ مما يدل على أن مسألة التشبيه منفية في القرآن، وإن كان هذا الاسم لم يصرَّح بذكره.
ومعلوم أنه إذا ورد سؤال: هل الباري منزه عن مشابهة خلقه؟ فإن الجواب يكون: نعم.
عقلاً وشرعاً.
الوجه الثاني: أنه إذا ذكر معتقد الصحابة ومن وافقهم واتبعهم بإحسان قيل: من غير تشبيه؛ لأن المخالفين الذين ظهروا بعد عصر الصحابة اتهموا وطعنوا في الأئمة بحجة أنهم أهل تشبيه، فطعنت المعتزلة وأئمة الجهمية الأولى على أئمة السنة والجماعة بأنهم مشبهة، وأكثروا من إضافة التشبيه إلى مذهب السلف، فلما اشتغل المخالفون بهذه الإضافة ونسبوا الأئمة إلى التشبيه؛ كان لا بد من التصريح بذلك.
ولذلك فإن من الحكمة والفقه أن يقال: إن الله منزه عن التمثيل والتشبيه.
والذي يعاب ويعد من التقصير أن يذكر نفي التشبيه ولا يذكر نفي التمثيل، وأما جمعهما فهو الحكمة، وإنما قيل: (هو الحكمة)؛ لأن كلمة (التمثيل) مذكورة بالنفي في القرآن، وكلمة (التشبيه) لو لم يكن من موجب ذكرها إلا أن المخالف أضاف مذهب أهل السنة والجماعة إلى التشبيه لكان هذا كافياً.
ومما يُتعجب منه: أن بعضهم يقول: لا نذكر كلمة التشبيه.
ويعلل ذلك ببعض التعليلات، ثم إذا ذكر القياس قال: إن الله يستعمل في حقه قياس الأَولى.
مع أن كلمة (القياس) غير مذكورة في القرآن، وأصل كلمة القياس في لسان العرب تدل على نوع من التشابه والتشاكل بين الشيئين وبين الماهيتين.
стр. 38
أقسام الألفاظ المعبر بها في باب الصفات
والكلمات التي يعبر بها في مقام صفات الله تكون على أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن تكون كلمات واجبة الاستعمال.
الوجه الثاني: أن تكون كلمات سائغة الاستعمال.
الوجه الثالث: أن تكون كلمات يرخص في استعمالها لمصلحة.
الوجه الرابع: أن تكون كلمات ممنوعة الاستعمال.
أما الكلمات الواجبة الاستعمال فهي: الكلمات القرآنية والنبوية؛ كالاستواء، والسمع، والبصر، والنزول، والإتيان، وما إلى ذلك.
وأما الكلمات التي يسوغ استعمالها فهي: ما كان خبراً عن الباري مما لم يصرَّح بذكره في القرآن، وإنما يُخبر عنه على مقام الإثبات، أو يُخبر عنه على مقام النفي، ومن هذا كلمة (التشبيه)، فإنها من باب التنزيه له ، وإن لم تذكر بنصها في القرآن؛ فيُرخص في استعمالها.
وأما الكلمات التي يسوغ استعمالها للمصلحة فهي: بعض الألفاظ المجملة في حال المناظرة، وقد ذكر ابن تيمية في درء التعارض أن مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم يكون مرخصاً فيه إذا اقتضت المصلحة الراجحة، ولكنهم لا يوافقون على شيء من المعاني الباطلة، ولا يلزم من هذه الكلمة التي ساغت في مقام أن تكون سائغة في سائر المقامات، بمعنى: أنه قد يسوغ لك المناظرة أن تتكلم ببعض المصطلحات، ولكن هذا مقيد بهذه المناظرة التي قضت الحاجة بها، ولا يلزم من ذلك أن يكون هذا المصطلح الذي تستعمله في هذا المقام مستعملاً في سائر المقامات.
وأما ما كان ممنوع الاستعمال فهو: ما تضمن نقصاً، أو نفي كمال عنه ، فإن هذا لا يكون مرخصاً فيه.
ومن هنا نقول: إن كلمة (القياس) يجعلها بعضهم من القسم الثاني، وبعضهم يجعلها من القسم الثالث.
والفرق بينهما: أن القسم الثاني -وهو الألفاظ سائغة الاستعمال- يعني الألفاظ التي يسوغ أن يبتدأ بها من دون إجبار على ذلك، وذلك في غير مقام المناظرة، أو الرد، أو ما إلى ذلك.
وهذا فيما يظهر أنه ليس صحيحاً؛ بل الظاهر أن (القياس) من القسم الثالث، فإنه لا يقال في حق الله : (يستعمل في حقه قياس الأولى) ابتداءً، ثم يقال: وقياس الأَولى هو المثل الأعلى المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] فتكون الآية دليلاً لهذا الاسم؛ بل الأصل أن يقال: إن الله له المثل الأعلى، ويُعلَّم المسلمون أن الله له المثل الأعلى، أي: الوصف الأكمل.
أما أن المصطلحين من النظار بعد ظهور المصطلحات والمنطق وغير ذلك سمَّوا هذا: (قياس الأولى) فهذه مسألة اصطلاحية لا يبتدأ بها؛ ولكن عند المناظرة يقال: إن ما كان من باب قياس الأولى فإن معناه يكون صحيحاً لائقاً بالله، وإلا فإن الابتداء بكلمة القياس بيِّن الذم، فمجرد أنك تقول: إن الله يستعمل في حقه القياس، ثم تفسر هذا القياس ولو بمعنىً صحيح، فإن الكلمة من أصلها أقل ما يقال فيها: إنها كلمة مجملة.
ومعلوم أن من يتكلم بهذا -ولا سيما بعد ظهور المصطلحات المتأخرة عند متكلمة الصفاتية- كـ ابن تيمية وغيره يذكرون قاعدة: (أن ما كان من الألفاظ مجملاً حادثاً فإنه لا يطلق)، وكلمة (القياس) أقل ما يقال فيها: إنها كلمة مجملة حادثة.
إذاً: التباعد عن هذه الكلمة هو الفقه، وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر مسألة القياس في العقيدة الواسطية وقال: "إنه يُستعمل في حق الباري قياس الأولى"، قال: "وهو معنى قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، وهذا الكلام الذي ذكره ابن تيمية صحيح، لكن نقول: إنه يكون في مورد إبطال أدلة المخالفين والرد عليهم، وبيان أن معتقد أهل السنة والجماعة معتبر بالعقل كما هو معتبر بالشرع، وقد تقدم أن ما يتعلق بالمعتقد يذكر على طريقتين:
الأولى: أن يكون من باب التقرير.
الثانية: أن يكون من باب الرد.
أما باب التقرير فإنه يقصد فيه إلى ذكر الكلمات والجمل الشرعية النبوية، وباب الرد لا مانع من استخدام الألفاظ المجملة.
стр. 39
منهج السلف في نفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله
قال المصنف ﵀: [وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه -مع ما أثبته من الصفات- من غير إلحاد، لا في أسمائه، ولا في آياته، فإن الله ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠]]
стр. 40
معنى الإلحاد
قوله: (من غير إلحاد):
الإلحاد في أصل اللغة: الميل، ويُذكر الإلحاد ويراد به الكفر والجحود، ولم يقصد المصنف هنا الإلحاد الذي هو الكفر والجحود؛ لأن هذا لم يقع فيه أحد من أهل القبلة، وإنما حصل من الكفار، وهو الإلحاد في أسماء الرب وآياته، وإنما الذي وقع فيه من وقع من أهل القبلة -وهو ما قصده المصنف هنا-: هو الإلحاد الذي هو بمعنى الميل عن الحق، والإلحاد قد يذكر ويراد به الكفر، وقد يذكر ويراد به نوع من الميل والظلم، كقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥]
стр. 41
مناسبة ذكر الأسماء والآيات في باب الإلحاد
وقوله: (لا في أسمائه ولا في آياته):
وهنا تنبيه على طريقة بعض الشراح لكتب أهل العلم: فأحياناً يقف بعض الشراح مع بعض كلمات العلماء وقوفاً منغلقاً: لماذا عبر هذا العالم بهذا التعبير؟! ثم يأتون بأعجوبات هي في الحقيقة من التكلفات في تفسير سياقات العلماء.
والحقيقة أن هؤلاء العلماء بشر يخطئون ويصيبون، وهذه مقدمة ضرورية.
ومقدمة أخرى: لا يلزم بالضرورة أن تكون سائر السياقات التي عبروا بها لها معانٍ مختصة مقصودة، وإن كان لها معانٍ عامة، لكن قولهم: لماذا عبر بهذه الكلمة ولم يعبر بالكلمة الأخرى؟ هذا هو التكلف.
وقد يكون الجواب عن هذا السؤال: أن أمامه أكثر من تعبير، فعبر بواحد من هذه التعبيرات، فالتكلف في فك الكلام ليس هذا من الشرح في شيء؛ بل الشرح هو بيان المعاني المقصودة بهذا الكلام، أما التكلف في التعبير فلا.
وهنا سؤال: لماذا قال المصنف ﵀: (لا في أسمائه ولا في آياته) ولم يقل: (لا في أسمائه ولا في صفاته)؟
والجواب: أن المصنف هنا اعتبر طريقة القرآن، أي: أن الإلحاد ذُكر في القرآن منفياً عن أسماء الرب، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] ومنفياً عن آياته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [فصلت:٤٠] فلمناسبة سياق الآيات ذكر المصنف ذلك في كلامه.
قال المصنف ﵀: [فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتاً بلا تشبيه، وتنزيهاً بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد للإلحاد والتعطيل].
قوله: (فطريقتهم):
أي: طريقة الصحابة، ومن اتبعهم بإحسان.
وقوله: (تتضمن):
التضمُّن: هو تعبير عن اجتماع معانٍ متصلة أو معانٍ متسلسلة، فإذا كان السياق فيه جملة من المعاني المتصلة قيل: إن هذه الطريقة تتضمن أكثر من معنى، وبين هذه المعاني المتضمَّنة قدْر من الاتصال.
وقوله: (مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتاً بلا تشبيه):
المصنف في هذا المقام عبر بنفي التشبيه عن الله، وهو تعبير صحيح، وإنما الذي قد يقال: إنه من القصور أن يُذكر هذا ولا يُذكر نفي التمثيل، هذا هو القصور، أما أن يقصد إلى عدم ذكر التشبيه مطلقاً، فإن هذا ليس معروفاً عن المتقدمين من الأئمة، فإنهم صرحوا بنفيه كثيراً.
نصوص الإثبات والتنزيه تدل على التنزيه وعلى إثبات الكمال لله تعالى:
ومن القواعد في باب صفات الله تعالى: أن نصوص الإثبات تدل على إثبات صفات الله ، وتدل كذلك على تنزيه الباري عن النقص، وكذلك نصوص التنزيه ونفي التمثيل وما إلى ذلك تدل على تنزيه الباري، وتدل على إثبات الكمال.
فمثلاً: في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] دلالة واضحة وصريحة على نفي التشبيه والتمثيل؛ لكن نقول: إن هذه الكلمة من القرآن هي أيضاً دليل على إثبات الكمال، فإن من وصف نفسه بأنه ليس كمثله شيء، دل هذا على اختصاصه بصفات كمال لا تكون لغيره.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هذا دليل على إثبات الصفات، وهو أيضاً دليل على إثبات التنزيه؛ لأن الله لم يذكر في كتابه وصفاً يتصف به إلا وذكره في مقام اختصاصه به، وكذلك النبي ﷺ لم يذكر صفة من صفات الله تعالى إلا وذكرها في مقام اختصاص الله تعالى بها.
فمثلاً: قال النبي ﷺ -كما في الصحيحين وغيرهما-: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ...) إلخ، فأضاف النزول إلى الله تعالى، ثم قال: (فيقول: من يدعوني ..
من يسألني ..
من يستغفرني ..)، ومعلوم أن من يقول: من يدعوني، من يسألني، من يستغفرني، لا يكون إلا رب العالمين سبحانه، فظهر من هذا السياق النبوي أن هذا إثبات للكمال لهذه الصفة، وإثبات أيضاً للتنزيه؛ وذلك لأن اختصاص الباري بهذه الصفة يدل على إثبات الكمال، ويدل على إثبات تنزيه الباري .
وعليه: فإن العلم بكمال الله وصفاته يُعلم من نصوص الإثبات ونصوص التنزيه -أي: نفي التمثيل- ونحوها.
كما أن العلم بتنزيه الباري يُعلم بنصوص نفي التشبيه والتمثيل، كقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فهي تدل على التنزيه بالتصريح والبيان.
وكذلك فإن هذه النصوص تدل على الإثبات، فإن الله تعالى لَمَّا أخبر عن نفسه أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] عُلِم أنه مختص بكمال لا يشاركه فيه غيره؛ لأن هذا الشيء المنفي منه ما قد يتصف بشيء من الكمال؛ كالإنسان مثلاً، فإذا كان في مخلوقات الباري ما هو متصف بشيء من الكمال المناسب له، وقد قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وفي هذه المخلوقات شيء من الكمال في بعض مقاماتها وبعض صورها؛ عُلم بذلك أن الباري المنزه عن هذا المقام له كمال عظيم يختص به.
إذاً: سائر نصوص الإثبات تدل على إثبات الكمال، وعلى إثبات التنزيه، ونصوص التنزيه ونفي التشبيه والتمثيل تدل على إثبات التنزيه، ونفي التشبيه والتمثيل، وتدل على إثبات الكمال.
وأيضاً: فإن نصوص الإثبات المفصلة إنما دلت على إثبات التنزيه من جهة السياق، فإن الله ذكرها مضافة إلى نفسه، فدل على اختصاصه بها، وذكرها على معانٍ واختصاص، فدل على أنه منزه عن مشاركة غيره فيها.
стр. 42
شرح القواعد السبع من التدمرية [٥]
طريقة الكتاب والسنة في صفات الله تعالى هي: التفصيل في مقام الإثبات، والإجمال في مقام النفي، هذا هو اللائق بكمال الله تعالى في أسمائه وصفاته. وقد جاء في القرآن الكريم استخدام الأدلة العقلية في إبطال طرق المنحرفين الذين يصفون الله تعالى بالنقائص والعيوب.
стр. 43
الإثبات المفصل والنفي المجمل في باب الأسماء والصفات
قال المصنف ﵀: [والله بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل]
قوله: (والله بعث رسله):
وهذا من فقه المصنف أنه عبر بكلمة (الرسل)؛ لأن دينهم وأصولهم واحدة.
وقوله: (بإثبات مفصل):
أي: بإثباتٍ لصفاته وأسمائه على التفصيل.
وقوله: (ونفي مجمل):
الكلام المجمل: هو الكلام الكلي الذي لا يفصَّل على معانٍ، وهذا مشهود معروف في عرف الناس وذوقهم وفقههم، وإن عبروا عنه من جهة اللسان أو المنطق أو غيرها بأسماء مختلفة.
وقول المصنف: (والله بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل) لا يريد بذلك أنه لا يقع في القرآن إثبات مجمل ولا نفي مفصل، وإنما يريد هنا أن يبين أصل القاعدة عند أهل السنة المخالفة لقاعدة المخالفين لهم، وإلا فإنه قد جاء في القرآن إثبات مجمل في أسماء الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] فهذا إثبات مجمل، حيث لم تذكر الأسماء في هذا السياق، نحو: السميع، أو البصير، أو العزيز، أو ما إلى ذلك.
وقد جاء الإثبات المجمل في الصفات في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] أي: الوصف الأعلى، فهذا مجمل، حيث لم يذكر الله في الآية صفة الرضا، أو المحبة، أو العلم، أو القدرة، أو ما إلى ذلك من الصفات، إنما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]
ويأتي النفي مفصلاً في القرآن أحياناً؛ كقول الله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] وكقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهذا نفي لصفة السِّنَة، وصفة النوم، وصفة الظلم، وهو نفي مفصل.
إذاً: قول المصنف: (والله بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل) هذا من حيث الأصل والقاعدة، فإن الغالب في كلام الله وكلام نبيه ﷺ هو ذكر التفصيل في مقام الإثبات، وذكر الإجمال في مقام النفي، وإلا فإن هذا يقع وهذا يقع، لكنه ليس هو الأصل.
стр. 44
النفي المفصل يتضمن الإثبات
وكل نفي مفصل في القرآن فإنه يتضمن أمراً ثبوتياً؛ فلما نفى الله عن نفسه الظلم دل ذلك على إثبات العدل، ولما نفى عن نفسه السنة والنوم دل ذلك على كمال حياته وقيوميته؛ ولذلك فإن الله تعالى في كتابه الكريم لا يبتدئ بذكر النفي المفصل في أوائل الآيات، إنما الذي يُبتدأ به هي صفات الإثبات، ولذلك لما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] قال سبحانه بعد ذلك: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] من باب تحقيق كمال حياته وقيوميته، ولذكر كمال عدله قال الله : ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] فكان نفي الظلم يتضمن كمال العدل، ولذلك هذا النفي المفصل يقال: إنه يتضمن أمراً ثبوتياً وهو كمال الضد، ويقال: إنه إذا ذكر في حق الله -أعني: النفي المفصل- يذكر في مثل سياقه، وهذا هو المناسب له.
قال المصنف ﵀: [فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل].
قوله: (من التشبيه والتمثيل) هذا جمع حسن.
قال المصنف ﵀: [كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] قال أهل اللغة: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] أي: نظيراً يستحق مثل اسمه، ويقال: مسامياً يساميه، وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس: هل تعلم له مِثْلاً أو شبيهاً].
هذا معناه واحد، سواء قيل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] أي: شبيهاً، أو مثيلاً، أو نظيراً، أو ما إلى ذلك.
стр. 45
استخدام القرآن للأدلة العقلية لإبطال طرق المنحرفين
قال المصنف ﵀: [وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤] وقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] وقال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٠٠ - ١٠١]].
تأمل هذه الآيات تجد أن سياقها عقلي، يرد فيها الله ويبطل طرق المنحرفين عن الفطرة، وعن آثار الرسل ودينهم، في مثل قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام:١٠٠] أي: أن الله هو الذي خلقهم، ومع ذلك جعلوا له هؤلاء الشركاء؛ ولذلك تجد في سياق الآيات كقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٠١] أن هذا المعنى من الإثبات يُقصد به بيان الامتناع، فإذا تأملت هذه الآية في ذكر إبطال ما ذكره المشركون من الشركاء من الجن، أو من الولد، أو غير ذلك مما لا يليق به ، ولا بتوحيده، وربوبيته، وألوهيته، وعبادته، تجد أنه يستعمل في القرآن مبنياً على إثبات حقائق فطرية عقلية تكون مانعةً من هذا الطارئ الذي ادعاه المخالفون.
فالله هو بديع السماوات والأرض، وهذا من الحقائق الفطرية العقلية الضرورية.
ولذلك فإن الله ذكر في سياق الآية قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٠١] أي: لما كان هو بديع السماوات والأرض؛ امتنع أن يكون له شريك في الملك، أو أن يكون له ولد، أو نحو ذلك؛ ولذلك قال: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام:١٠١] أي: يمتنع أن يكون له ولد وهو بديع السماوات والأرض.
فهذه الطرق النبوية القرآنية في الرد على المخالفين للرسل عليهم الصلاة والسلام هي الطرق الصحيحة، وهي طرق عقلية، وبذلك يقضى على هذه الشُّبَه والطارئات بما هو من اليقينيات الضروريات.
وهنا قاعدة شرعية وهي: (أن كل من ادعى غلطاً أو نقصاً فيما جاءت به الرسل، فلا بد أن في دين الرسل من اليقينيات والضروريات ما يدفع هذا الإشكال)، فمن ادعى نقصاً في كلام النبي ﷺ ، أو في حديث أو حرف من كلامه؛ فإنه يراجَع في أصل الإيمان بالنبوة، فإذا أقر أنه نبي وآمن بحقيقة النبوة؛ فإن حقيقة النبوة وحقيقة الرسالة معناها أنه لا ينطق عن الهوى.
ولذلك إذا جاء شخص مثلاً متأثر بالغرب، أو مائل إلى شيء من طرقهم، أو منحرف عن الصواب، وأراد أن يجادل في بعض الحقائق الشرعية، فالإغلاق معه أن يُسأل: هل تقر بأن هذا شرعي أم ليس شرعياً؟
أما أن يؤخذ معه على التفصيل فإن هذا قد لا يحيط به أحد؛ لأن الحكم الإلهية لم تفصِّل للعباد، والله تعالى لم يذكر لعباده سائر الحكم؛ بل ذكر جملة منها.
قال المصنف ﵀: [وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الفرقان:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ﴾ [الصافات:١٤٩]].
هذا امتناع عقلي، وهذا من التنزيه لله ؛ أنه يمتنع أن يكون له شيء من البنات، وكيف يجعل المشركون له البنات ولهم البنون؟! إلى غير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات:١٤٩ - ١٥٠] هذا دليل عقلي بسيط يرد الله به زعم المشركين أن الملائكة إناث، فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات:١٥٠] أي: هم لم يشاهدوا ذلك، فكيف يقولون: إنهم إناث أو ليسوا إناثاً؟! فإن من بسائط وضروريات العقل أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فهم لم يشاهدوا خلق الملائكة، فكيف حكموا بأن الملائكة إناث؟!
стр. 46
أقوال المشركين الباطلة المذكورة في القرآن على وجهين
قوله: [﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات:١٥١ - ١٥٧]].
بيَّن الله سبحانه أنه ليس لهم سلطان ولا حجة، وإنما قولهم من باب الإفك، والله تعالى إذا ذكر ما تقوله الأمم المشركة فإن ما يذكره عنهم على أحد وجهين:
الوجه الأول: أن يكون من باب الإفك، وهو الشيء الذي يقولونه وليس عندهم مادة تدل عليه، فهذا يسميه الله تعالى في كتابه إفكاً، وهو القول الذي يقولونه وهو مجرد عن أدنى مواد الاستدلال، كقولهم: الملائكة إناث، مع أنهم لم يشهدوا خلقهم.
الوجه الثاني: أن يأتي ما يذكره هؤلاء في القرآن ويسمى ظناً، وهو المذكور في مثل قول الله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ [الأنعام:١١٦]
والغالب في المسائل الخبرية أن القرآن يسمي ما يقولونه: إفكاً، وإذا عارضوا في مقام التشريع يسمى ما يزعمونه ويعترضون به: ظناً، وهذا هو اللائق في المقامين، فإن المسائل الخبرية تدور على التصديق والتكذيب؛ ولذلك فإنهم إذا اخترعوا قولاً فإنه يسمى إفكاً وكذباً.
стр. 47
طريقة القرآن في الرد على المخالفين
وقوله: [﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٥٨ - ١٦٠] إلى قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]].
هذه سياقات تامة ومحكمة، وهي آيات الله وكلماته ، وفيها التحقيق لوحدانيته والدفع لسائر ما اعترض به المخالفون.
وهذه الآيات فيها عبرة من جهة تفصيلها ومن جهة كليتها، فالعبرة الكلية فيها أن يقال: إن طريقة القرآن في الرد على المخالفين للرسل عليهم الصلاة والسلام هي رد المختلف فيه إلى المجمع عليه؛ فإن الحقائق -وحتى الحقائق الشرعية- قد تكون متفقاً عليها، وقد يقع في شيء من المسائل الشرعية ما يكون مختلفاً فيه، والفقهاء إذا نظروا في مسائل الفقه -فضلاً عن مسائل الرد على المخالفين- فإنهم يردون المسألة التي فيها نزاع إلى الأصول المتفق عليها في بابها.
والحكم على المختلف يكون على ضوء القاعدة العقلية وهي: الحكم على المختلف بالمؤتلف، حتى لو خالف المخالف بالهوى، أو بالظن، أو بالإفك، وما إلى ذلك؛ فهؤلاء المشركون مع أنهم كذبوا، كما قال الله عنهم: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات:١٥١] ومع ذلك أبطل الله ما يذكرونه من هذا الذي يزعمونه مختلفاً مشتبهاً، أبطله الله بما هو عندهم من المؤتلف، فإن المشركين من المؤتلف عندهم والمستقر عندهم أن الله بديع السماوات والأرض ..
وهكذا إذا ناظرت أحداً ولو لم يكن من المخالفين لأهل السنة والجماعة؛ بل حتى في المسائل الفقهية، فإذا اختلفتَ أنت وآخر، أو قرأت في مسألة فقهية؛ تجد أن هذه المسألة الفقهية لها أصول في بابها، فترد المسألة المتنازَع فيها إلى أصول هذا الباب، فتقول: أنا أتمسك بهذا الأصل في هذا الباب، إلا أن يأتي دليل يخرج المسألة عن هذا الأصل.
مثال ذلك: إذا اختلفتَ أنت وآخر في زكاة حلي النساء -ومن المعلوم أن بين الفقهاء خلافاً في هذه المسألة، وأن الأئمة الثلاثة لا يرون وجوب الزكاة فيها خلافاً لـ أبي حنيفة ﵀ فلك أن تقول: إن قاعدة الشريعة في باب الزكاة: (أن أموال القنية والارتفاق ليس فيها زكاة)، فالإنسان ليس عليه في لباسه، ولا في سيارته، ولا في مسكنه زكاة، حتى لو سكن الإنسان بيتاً بمليون ريال أو أكثر فليس عليه فيه زكاة.
وهذا الحلي الذي تستعمله النساء وتلبسه هو من قنيتها وارتفاقها، فمقتضى القاعدة في باب الزكاة أن مال القنية والارتفاق لا زكاة فيه؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة).
فتقول أنتَ: أنا أتمسك بهذا الأصل، إلا أن يأتي دليل يدل على أن حلي النساء يُستثنى من هذا الأصل، فتكون قد رددت المختلف فيه بين العلماء إلى المؤتلِف.
فهذا منهج حسن في التفقه، وهو مستعمل في القرآن في تقرير الحقائق الشرعية، أو في الرد على المخالفين.
стр. 48
عامة الأمم لم يصفوا الله بالنقائص المطلقة
قال المصنف ﵀: [فسبح نفسه عما يصفه المفترون المشركون]
عامة الأمم لم يصفوا الله بالنقائص المطلقة؛ بل كانوا مقرين بأن الله هو رب العالمين، وأنه بديع السماوات والأرض، ويقرون بأصل الربوبية إقراراً مجملاً، لكن عرضت لهم بعض المقامات من جنس ما ذكره الله عنهم في القرآن، والأمم التي غلب عليها مقام النقص في حق الباري سبحانه هم اليهود، فإن الله قد ذكر عنهم من تنقيصه ما هو معروف، وهذا مذكور في كتاب الله في مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] وقوله: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة:٦٤] وغير ذلك.
قال المصنف ﵀: [وسلم على المرسلين؛ لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك، وحمد نفسه إذ هو سبحانه المستحق للحمد بما له من الأسماء والصفات وبديع المخلوقات].
من طرق استدلال الأئمة على إثبات صفات الله: أن العرب في جاهليتها لما نزل القرآن تكلفوا في دفع ما نزل على النبي ﷺ ، وقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣] وقالوا عن النبي ﷺ : إنه ساحر، وكاهن، وغير ذلك، ومع ذلك لما نزل القرآن وفيه ذكر للأسماء والصفات لم يعترض أحد من المشركين ويقول: إن هذا مخالف للعقل؛ فدل ذلك على أن باب استحقاق الباري لصفات الكمال، وأن تنزيهه سبحانه عن صفات النقص باب فطري من حيث الأصل، ولكن الشريعة فصلته؛ ولذلك لم يعترض عليه مشركو العرب.
فإن قيل: إن المشركين تكلموا لما قال النبي ﷺ في صلح الحديبية لـ علي ﵁: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: أما الرحمن فلا أدري ما هو).
فالجواب: أن هذا لا يدل على أنهم كانوا ينفون الأسماء، إنما كان بعض العرب من الجاهليين يقف في هذا الاسم، أو لا يعرف هذا الاسم فينفيه، وهذا لا يدل على أنهم ينفون سائر الأسماء؛ بل كان من الجاهليين من يتسمى بعبد الرحمن، كـ عبد الرحمن الفزاري الذي قتله أبو قتادة الأنصاري في غزوة ذي قَرَد، وقد كان هذا الأمر مألوفاً معروفاً في بعض بوادي العرب ومناطقهم.
فالمقصود: أن كون العرب لما نزل عليم القرآن لم يطعنوا في الأسماء والصفات بحجة المخالفة للعقل، هذا يدل على أن هذه السياقات موافقة للعقل والفطرة، ولو كانت مخالفة لعقولهم أو فطرهم لكان اعتراضهم عليها بالعقل أولى من قولهم عن الرسول قولاً يعلمون سقوطه، وهو قولهم: إنه ساحر، أو كاهن.
فيقول المصنف: إن الآيات السالفة هي من النفي المجمل، مع أنك إذا قرأت السياق وجدت فيه نفياً مفصلاً، وهذا ليس من باب أنها مقصورة على النفي المجمل، إنما أراد المصنف أن فيها تنزيهاً مجملاً، وإن كان فيها تنزيه مفصل، فالتنزيه المجمل في مثل ذكره لتنزيهه عن الولد، حيث بيَّن أنه منزه عن الولد وعن كل ما لا يليق به، وهذا معتبر بمراعاة السياق، ومراعاة سياق القرآن فيه حكمة شرعية لازمة لتحصيل المعاني.
ولذلك نقول: إن هذه السياقات لا تُسْتَشكل فيقال: كيف قال المصنف: إنها دلت على النفي المجمل وفيها نفي مفصل؟ وذلك لأن فيها نفياً مفصلاً، ونفياً مجملاً، وكل نفي مفصل فإنه يُذكر في مقام رده على جهة التنزيه المطلقة المتضمنة لتنزيهه سبحانه عن هذا النقص المذكور، وعن غيره.
стр. 49
شرح القواعد السبع من التدمرية [٦]
ذكر الله إثباتاً مفصل لأسمائه وصفاته في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، وكل نص في الإثبات يدل على الإثبات ويدل على التنزيه، وقد تنوعت دلائل الصفات في كتاب الله تعالى، ومن فوائد ذلك: الرد على المخالفين بتنوع السياقات، فإذا أوَّلوا دليلاً لم يستطيعوا أن يؤولوا الدليل الآخر.
стр. 50
الإثبات المفصل للصفات
قال المصنف ﵀: [وأما الإثبات المفصل فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]].
هذا إثبات مفصل: ﴿اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] وغير ذلك، فكل هذا من تفصيل أسماء الرب وصفاته.
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢] ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤] ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤] ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]].
هذا السياق وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] سياق مطلق؛ ولذلك يقال: من أسمائه: الغفور، الرحيم، ويقال: من أسمائه: الرحمن، الرحيم، فهذه السياقات في القرآن تختم بها الآيات.
على طريقة الإطلاق، وهذا النص فيه إثبات وتنزيه:
أما أنه إثبات فلتصريحه بالإثبات.
وأما أنه تنزيه فلأن السياق في قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] سياق اختصاص؛ ولذلك عبر هنا بقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ [يونس:١٠٧] فالسياق من جهة اللسان العربي سياق اختصاص.
стр. 51
تفسير أسماء الله: الأول، الآخر، الظاهر، الباطن
قال المصنف ﵀: [﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٤ - ١٦] ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]].
فسر ذلك النبي ﵌ في دعائه -كما في الصحيح- بقوله: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)، والثلاثة الأولى بيِّنة، وأما قوله: (وأنت الباطن فليس دونك شيء) فمعناه: أنه لا يخفى عليه شيء.
وقد قال بعض المتأخرين: إن هذه الأسماء مقترنة، فلا يذكر الأول إلا ويُذكر معه الآخر، ولا يُذكر الظاهر إلا ويذكر معه الباطن.
ونقول: هذا من باب الكمال، أما أنه من باب اللزوم فلا.
فلو قال قائل: إن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء.
وسكت، لكان كلامه صحيحاً، ولو قال: إن الله هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فإن كلامه يكون صحيحاً، ولو قال: إن الله هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، لكان كلامه صحيحاً ..
وهكذا.
وأيضاً: كيف يقال: إنه لا يمكن أن يذكر الظاهر إلا ويُذكر معه الباطن، مع أن هذا الاسم (الظاهر الذي ليس فوقه شيء) قد ذكر العلو والفوقية، وقد جاء ذكر العلو والفوقية مفرداً في آيات كثيرة في القرآن.
إذاً: هذا من باب الاقتداء والحكمة الشرعية، أما أنه شيء لازم، ولو ذُكر الأول وحده لكان غلطاً؛ فإن هذا ليس صحيحاً.
стр. 52
التنزيه وأنواعه
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] فيه ذكر التنزيه؛ لأنه قال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] والمخلوق له علم لكنه ليس بكل شيء عليم، فهذا يدل على الإثبات ويدل على التنزيه، والقاعدة في هذا الباب: (أن كل نص في الإثبات فإنه يدل على الإثبات ويدل على التنزيه).
والتنزيه نوعان:
النوع الأول: تنزيه عام.
النوع الثاني: تنزيه خاص.
والتنزيه الذي نقصده في نصوص الإثبات هو التنزيه العام الذي هو: تنزيه الباري عن كل ما لا يليق به.
وأما التنزيه الخاص: فهو التنزيه المناسب لهذه الصفة، بمعنى: أن الله لما قال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] دل ذلك على أنه منزه عن الجهل، والآية تتضمن هذا التنزيه الخاص، ومع تضمنها للتنزيه العام؛ فإن من كان بكل شيء عليماً كان هو الأول، وكان هو الآخر، وكان هو الرب ..
وهكذا.
ولذلك فإنه لم يذكر النفي المفصل في القرآن الكريم، فلم يذكر الله تعالى نفي الجهل، ونفي العجز، وغير ذلك من الصفات التي هي مقابلة لصفات الكمال؛ وذلك لأن هذا التفصيل لا معنى له، والله تعالى قد ذكر الإثبات مفصلاً، فإن كل نص في الإثبات يدل على نفي التشبيه والتمثيل، ويدل على التنزيه الخاص والتنزيه العام.
قال المصنف ﵀: [﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨] وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣]].
стр. 53
حكم القاتل عمداً
قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً) هذه الآية من أخص الآيات وعيداً في كتاب الله، ومعلوم أن قاعدة أهل السنة والجماعة: (أن مرتكب الكبيرة تحت مشيئة الله).
وقد جاء عن ابن عباس فيما ثبت عنه في الصحيح: (أن القاتل عمداً ليس له توبة)، وقيل: إنه رجع عن ذلك، وهذه مسألة أخرى؛ لكن المقصود أن ما ذكره ابن حزم وبعض المتأخرين من أن ابن عباس يذهب إلى أن القاتل عمداً يكون مخلداً في النار، فهذا غلط على ابن عباس؛ لأن ابن عباس لم يقل: إنه يعذب في النار، إنما قال: (لا توبة له)، ومعنى ذلك: أنه يوافي ربه بالكبيرة، ويكون مستحقاً للوعيد، أما أنه يلزم من قول ابن عباس: (إنه لا توبة له) أنه يعذب في النار، فلا يلزم ذلك، ولا يلزم أن يكون مخلداً في النار.
وهذا يدخل في قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وإن عذب -أي: إن لحقه العذاب- فإنه لا يكون مخلداً.
فمن حكى عن ابن عباس أن القاتل عمداً يخلد في النار فقد غلط عليه، ومن حكى عنه أيضاً أن القاتل عمداً يعذب في النار فقد غلط عليه؛ إنما الذي قاله ابن عباس أنه (لا توبة له) أي: يوافي ربه بذنبه، ويكون مستحقاً للوعيد، وأهل الكبائر دون الشرك -عند ابن عباس وغيره- إذا وافوا ربهم بالكبائر فإنهم تحت مشيئته.
ومسألة القتل من أشد المسائل في القرآن والسنة، وفي قتل النفس قال النبي ﷺ كما في الصحيحين عن أبي هريرة: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سماً ...) إلى آخر الحديث، وقد رواه غير الشيخين كـ الترمذي وغيره.
وقد أشكل على بعض أهل العلم قوله: (خالداً مخلداً فيها أبداً) مع أن القاعدة عند أهل السنة والجماعة: أن الكبائر لا توجب التأبيد في النار إلا كبيرة الشرك والكفر بالله، أما ما عدا ذلك فإنه إذا عُذِّب يعذب قدراً في النار، ثم يخرج منها إلى الجنة.
وعليه: فقوله: (خالداً مخلداً فيها أبداً) فيه طريقان:
الطريق الأول: أن يكون هذا من باب التعبير العربي في أنه يستحق قدراً كبيراً من العذاب.
الطريق الثاني: أن تكون اللفظة الأخيرة وهي قوله: (أبداً) لم تصح عن النبي ﷺ .
وكأن هذا هو الأقرب، وهو أن قوله: (أبداً) لفظة معلولة، فإسنادها غريب فرد، وقد أشار الإمام الترمذي إلى إعلالها، وإن كانت في الصحيحين، ومعلوم أن الشيخين إذا اتفقا على حديث لزمت صحته، كما ذكره جماعة من أهل العلم؛ لكن فرق بين أن يقال: إن الحديث ليس بصحيح، أو مطعون فيه، أو مُعَلّ، وبين أن يقال: إن لفظاً فيه دخله الإعلال.
إذاً: القاعدة الشرعية المنضبطة في الكتاب والسنة والإجماع لا يمكن أن يُخرج عنها بهذا؛ وهذا من باب رد المختلَف فيه إلى المؤتلف، أي: ما دام أن القاعدة منضبطة أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار، فلا يجوز لأحد أن يقول: إن من قتل نفسه يخلد في النار أبد الآبدين كالكفار؛ لأنه مخالف للقاعدة الأصل، وهو غير متمسك بالنص؛ لأن هذا النص الذي فيه قدر من الإشكال والاشتباه يرد إلى المؤتلف، وإلى المجمع عليه، وإلى البين المحكم؛ ولابد من مراعاة هذا الأمر في فقه الحروف؛ فإنه لا يفقه الحرف من القرآن وحده؛ بل لا بد أن يقاس وأن يعتبر في السياق وبمقارِنِه وبالأصول في هذا الباب ..
ونحو ذلك.
ولذلك فإن من يفقه الحروف وحدها يقع أحياناً في شيء من الإشكال، فمثلاً: وجد بعضهم أن النبي ﵌ قال -كما في الصحيحين- عن الخوارج: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، فقال: الحديث صريح في كفرهم.
وهذا غلط؛ لأن الصحابة وهم أفقه الناس لكلام النبي ﷺ ، لما أدركوا هؤلاء الخوارج أجمعوا على قتالهم، كما يقول ابن تيمية: أن هذا هو ظاهر مذهب الصحابة، ومع ذلك يقول: إنه من جنس الإجماع عند الصحابة الذين أدركوهم أنهم ليسوا كفاراً؛ فلا يمكن أن يكون بين الصحابة إطباق على فقه نص ويكون فقهه خطأً عندهم.
стр. 54
تنوع دلائل الصفات والحكمة من ذلك
قال المصنف ﵀: [وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠] وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم:٥٢] وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]].
يلاحظ تنوُّع الأدلة على بعض الصفات: فبعض الصفات جاءت بنص أو في سياق، وبعض الصفات -ولا سيما أصول الصفات؛ كعلم الله، وكعلوه، وكلامه، ونحو ذلك- جاءت دلائلها متنوعة.
ومن هنا قال بعض أهل العلم: إن أدلة العلو تقارب الألف دليل في الكتاب والسنة، وكذلك قالوا مثل ذلك عن كلام الله تعالى، وقد أخذوا ذلك من تنوع الأدلة، فمثلاً: صفة الكلام ثابتة بقول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] وثابتة بقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص:٦٢] وكل نص فيه ذكر مناداته سبحانه فإنه دليل على اتصافه بالكلام، وكل آية فيها ذكر قوله سبحانه فهي دليل على إثبات الكلام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ﴾ [يس:٨٢] وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وكل آية فيها ذكر أمره فهي دليل على اتصافه بالكلام، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [النساء:٥٨].
ومثله صفة العلو: فآيات ذكر الفوقية، وآيات ذكر أن الله في السماء، وآيات ذكر أنه في العلو، وغير ذلك، كلها دليل على إثبات صفة العلو.
ومن فوائد تنوع الأدلة -مع تحقيق الإيمان بذلك-: أنك إذا كنت عارفاً بتنوع الأدلة في هذه الصفة، وحاول المخالف تأويل آية من الآيات، فإن تأويل غيرها يكون ممتنعاً، فلو فرض جدلاً أن سياقاً من السياقات يمكن تأويله، فيقال: لو سلمنا أن هذا السياق يمكن تأويله فإن ثمة سياقات أخرى يمتنع فيها التأويل، وهذا أيضاً من باب رد ما يزعم المخالف أنه مختلف فيه إلى ما كان مؤتلفاً في حكمه.
стр. 55
أقسام خلق الله
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]].
خلق الله يقع على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون خلقه لشيء بمحض الأمر، وهو المذكور في مثل قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
الوجه الثاني: أن يكون خلقه على قدر من التقدير والتدبير وتسلسل الأسباب، كخلقه لآدم، وكخلقه للسماوات والأرض، وغير ذلك من مخلوقاته.
فإما أن يكون خلقاً سببياً، أي: معتبراً بتسلسل الأسباب؛ كخلق بني آدم، فإن زيد بن عمرو هو ولد لعمرو ولأمه، فخلق بهذين الأبوين على جهة السببية.
ومن خلقه ما كان مقطوعاً عن الأسباب، إنما يخلق الشيء بمحض الأمر، كخلقه للحية في قصة موسى، فإن العصا انقلبت حية لما أمرها الله أن تكون حيةً، فقد خلقت بمحض الأمر، والحيات الأخرى خلقت بتسلسل الأسباب، والله هو الخالق للسبب والمسبَّب.
وسائر ما يقع في الكون هو من تقديره وخلقه وأمره .
والملائكة سبب في خلق الله، وقد غلط بعض المتأخرين فقال كلمة يُعْجَب منها، وقد توجد في بعض الكتب التي يتداولها الناس، قال: "إن كل ما يحدث في الكون هو بأثر الملائكة وتدبيرهم"، وهذا غلط، فإن الملائكة عباد مكرمون، وقد بيَّن الله أن لهم عملاً، وأنهم مشغولون بأمر الله وتدبيره لهم؛ ولكن ليس في كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ أن الملائكة قد أحاطوا بشأن الملكوت، أو أنهم يدبرون سائر ما يكون، لكن هناك أمور من أمره تدبرها الملائكة بتدبير الله وأمره لهم، ولكن أن يقال: إن كل ما يقع هو بأثر الملائكة، فإن هذا غير صحيح؛ بل يقع ما هو بأثر الملائكة، ويقع ما هو بمحض أمره وخلقه، وغير ذلك.
قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٢ - ٢٤]].
هذا تفصيل لأسمائه تعالى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤] وغير ذلك من الأسماء الحسنى.
стр. 56
المقصود بتسبيح الجمادات
وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الحشر:٢٤] ما معنى أن ما في السماوات والأرض يسبح له ؟
الجواب: إن كثيراً من الأسئلة قد غُلط في أصلها، والذي أصبح كأنه شيء مألوف عند الناس أن كل سؤال لا بد له من جواب مفصَّل يتناسب مع السؤال.
والحق أن بعض الأسئلة يكون جوابها التوقف، وأن هذا مما اختص الله بعلمه، فلا يجوز أن نقول: إن تسبيح الجبال مثلاً هو سكونها، وإن تسبيح السحاب يكون بحركته، فإن هذا تفصيل والتماس غير صحيح؛ لأنه قول بغير علم، والله تعالى لما ذكر التسبيح قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] فلما قال: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] علم أن جواب هذا السؤال أن يقال: إنها تسبح حقيقةً، ولكن تسبيحها لا يُفْقَه، ولو كان تسبيحها هو محض حركة السحاب، أو سكون الجبال، لكان مما يُشاهَد فضلاً عن أن يُفْقَه، ولكن لما قال: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] عُلِم أن هذا مما يتوقف فيه، وأنه يُسَلَّم به، والإنسان لا يمكن لعقله أن يتصور سائر الممكنات التي قد يقدرها الله أو ينشئها.
стр. 57
حكم إطلاق لفظ الذات على الله تعالى
قال المصنف ﵀: [إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل].
قوله: (إثبات ذاته وصفاته):
أي: إثبات وجوده وكماله.
وكلمة (ذات) في حق الله هي من القسم الثاني من الأقسام الأربعة التي ذكرناها للكلمات وهو: ما يسوغ استعماله.
قال ﵀: [وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل صلى الله عليهم أجمعين].
وهذه الطريقة طريقة محكمة فطرية عقلية شرعية.
والدليل على كونها فطريةً عقلية أن مشركي العرب وغيرهم لم يعاضلوا ويناظروا النبي ﷺ فيها، فدل ذلك على أنها لا تخالف حكم العقل، ولا تخالف حكم الفطرة.
وإنما دخل على المسلمين بعض المقالات بعد عصر الصحابة من الفلسفة اليونانية ونحوها.
وقد ذكرنا فيما سبق: أن علم الكلام الذي حصَّل به المخالفون التعطيل لصفات الله مبني على ثلاث مقدمات:
المقدمة الأولى: مقدمة فلسفية مفصلة، وهي جوهره ومبناه الكلي.
المقدمة الثانية: مقدمة كلية من العقل.
المقدمة الثالثة: مقدمة مجملة من الشرع.
стр. 58
شرح القواعد السبع من التدمرية [٧]
الذين ضلوا وزاغوا عن سبيل المرسلين وعباد الله المؤمنين من الكفار والمشركين، ومن اتبعهم من الفلاسفة والفرامطة والجهمية والباطنية ونحوهم -هؤلاء يصفون الله تعالى بالصفات السلبية، ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له، وهذا القول يستلزم غاية التعطيل للصفات الذي يستلزم تعطيل الذات، ويستلزم غاية التمثيل؛ لأنهم مثلوا الله تعالى بالمعدومات والممتنعات، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
стр. 59
طريقة المخالفين للرسل ﵈ في الأسماء والصفات
قال المصنف ﵀: [وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب، ومن دخل في هؤلاء من الصابئة، والمتفلسفة، والجهمية، والقرامطة الباطنية، ونحوهم، فإنهم على ضد ذلك].
قوله: (وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم):
أي: خرج وضل عن سبيل المرسلين والمؤمنين.
وقوله: (من الكفار والمشركين):
ذكر الكفر والشرك، ولا شك أن كل كفر بالله فهو نوع من الشرك، والشرك المطلق الذي إذا ذكر في القرآن أريد به العبادة لغير الله، المذكور في مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢] هو أيضاً كفر.
أما أن الشرك الأكبر كفر فهذا أمر بين.
وأما أن الكفر شرك ولا بد؛ فلأن الكافر لا بد أن يكون قد اتخذ إلهاً غير الله؛ لأن الاتباع المطلق هو نوع من الشرك، وقد ذكر الله في كتابه أنواع الشرك، فذكر من أشرك بعبادة الأصنام والأوثان، ومن أشرك بعيسى ﵊، وذكر من الشرك اتخاذ الهوى إلهاً، مثل قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] فهذا الذي أعرض عن سائر أمر الله ولم يرفع بذلك رأساً، أو سمى نفسه لا دينياً، أو نحو ذلك من التسميات؛ فإن هذا يقال: إنه كافر، ويجوز أن يقال: إنه مشرك، وشركه هنا بأنه قد اتخذ إلهه هواه، والشرك إذا أطلق في القرآن دل على الشرك الأكبر؛ ولذلك اختلف العلماء: هل الشرك الأصغر يدخل في قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] أم أنه يدخل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] على قولين معروفين في كلام أهل العلم، وإن كان الأقرب أن بعض الشرك الأصغر من باب الكبائر، وليس من باب الشرك الأكبر المذكور في الآية.
وقوله: (والذين أوتوا الكتاب):
الذين أوتوا الكتاب إذا أطلق ذكرهم في القرآن فإنه يراد بهم اليهود والنصارى الذين انحرفوا عن كتابهم المنزل على أنبيائهم ورسلهم.
стр. 60
المقصود بالصابئة
وقوله: (ومن دخل في هؤلاء من الصابئة):
اسم الصابئة يستعمل في غير معناه، فقد ذكر الله تعالى في القرآن قوماً من الصابئة مؤمنين، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة:٦٢] على أحد التفسيرين.
وليس هذا هو قصد المصنف؛ بل مقصوده أتباع المتفلسفة، وقد ذكر المصنف في الرسالة الحموية أن الفلاسفة هم أئمة الصابئة وشيوخهم، وهذا أمر معروف في المقالات وكتب التاريخ: أن الصابئة يعتبرون دينهم أو طريقتهم بأئمتهم، وأئمتهم هم المسمون بالمتفلسفة.
فهذا الاسم (الصابئة) يفسر على هذا المعنى.
стр. 61
المقصود بالمتفلسفة
وقوله: (والمتفلسفة):
إشارة إلى من استعمل الفلسفة ممن انتسب إلى القبلة، ويقصد بذلك من صرح بفلسفته ممن انتسب إلى المسلمين، وقد تقدم أن علم الكلام مولّد من الفلسفة، ولكن أصحابه لا يتسمون بالفلاسفة ولا ينتسبون إليها؛ بل لهم اشتغال بالرد على مقالات المتفلسفة؛ كالقول بقدم العالم، وغيرها من المقالات.
ولما تأخر التاريخ بعض الشيء جاء قوم انتسبوا إلى القبلة وانتحلوا الفلسفة، وانتسبوا إليها، وسموا أنفسهم بهذا الاسم، وأخص هؤلاء: (أبو نصر الفارابي) و (الحسين بن عبد الله بن سينا)، ثم بعد ذلك كثروا وظهروا في بلاد المغرب، ومن أخص المغاربة: (أبو الوليد ابن رشد) و (ابن الطفيل) وجماعة.
стр. 62
الفرق بين المتكلمين والفلاسفة
وهناك فرق بين الفلاسفة وبين المتكلمين، وأخص تلك الفروق: أن المتكلمين لهم طريقة في تحصيل مسائل أصول الدين مبنية على أن نصوص الصفات قد نطقت بالحق، ولكنها تحتاج إلى تأويل عن ظاهرها، فهي حق إذا ما أولت، أما قبل تأويلها فإنها لا تدل على الحق في زعمهم.
أما ابن سينا وأمثاله من الذين صرحوا بالفلسفة وانتحلوها، ودافعوا عنها، فيرون أن الحق في باب صفات الرب، وفي باب ذاته، ووجوده، وأفعاله، وما إلى ذلك، يرون أن الحق في هذا الباب لم ينطق به القرآن، وإنما غاية ما في القرآن كما يقول ابن سينا: "إشارة مجملة إلى هذا التوحيد"، وإذا سألته: من أين يحصل ذلك؟ قال: يحصل الحق من الحكمة، ويقصد بالحكمة (الفلسفة)، فإن قيل له: أليس القرآن هدايةً للناس؟ فإن جوابه وجواب غيره من المتفلسفة: بلى! إن هذا القرآن هداية للبشرية، لكنه هداية للعامة، وأما الخاصة -على زعمه- فيرون أن الحق لم يذكر في القرآن؛ لقوة هذا الحق، وشدته، فلا تحتمله عقول العامة.
فالخاصة يحصلون الحق من الحكمة -أي: من الفلسفة- وأما العامة فإنهم يكتفون بهذه الظواهر؛ لأن عقولهم لا تستوعب إلا هذا.
ومن الفروق بينهم: أن المتفلسفة ينتسبون إلى الفلسفة، وأما المتكلمون فإنهم لا ينتسبون إليها؛ بل يطعنون فيها.
ولكن من حيث نتائج المذهبين فإنهم يشتركون في بعض النتائج؛ كتعطيل الصفات عن حقيقتها الشرعية، ويختلفون في المقدمات.
فمثلاً: ابن سينا لا يوجد في كتبه تأويل؛ بل إن ابن سينا شنع كثيراً على المعتزلة في مسألة التأويل، وقال: "إن نصوص القرآن لا تقبل التأويل"، وقد قال ذلك لأنه يزعم -تعالى كلام الله عن ذلك- أن هذا القرآن ليس هداية للخاصة، وإنما هو خطاب للعامة، فيقول: يجب أن يترك على ما هو عليه، بخلاف المعتزلة؛ فإنهم قالوا: إن الحق في حق الخاصة والعامة موجود في القرآن، ولكنه بحاجة إلى تأويل.
فهذا فرق بين الطائفتين في المقدمات، ولكن لا شك أن طريقة ابن سينا أضل.
стр. 63
حقيقة ابن سينا وابن رشد
وابن سينا لم يكن يريد التقريب بين الشريعة والفلسفة؛ لأنه رجل نشأ نشأةً فاسدة، فأهل بيته كانوا من الإسماعيلية الباطنية، فنشأ إسماعيلياً باطنياً، ولذلك لم يكن عنده توقيرٌ للشريعة وأحكامها، وقد عرف بإخلاله للآداب، وبشربه للمسكر، ويذكر عنه أنه كان يسهر في قراءة كتب الحكمة والفلسفة، فإذا أعياه الأمر أخذ شيئاً من الخمر أو ما إلى ذلك ..
فكان رجلاً فاسد الديانة، وفاسد الآداب، وفاسد العمل، عنده انحراف كثير.
بخلاف ابن رشد، فإنه كان فلسفياً، لكنه رجل معظم للشريعة، وفقيه على مذهب الإمام مالك، وله مصنف مشهور في هذا وهو: (بداية المجتهد)، وأبوه كان من القضاة ومن الفقهاء المالكية، إلا أنه أُشرب هذه الفلسفة وصدقها، ولا سيما فلسفة أرسطو طاليس، فإنه عُني بها، وشغف بها، وانتصر لها انتصاراً بالغاً، وزعم أن ابن سينا لم يفقهها، وأنه تكلم في مسائل الإشراق وما إلى ذلك.
مع أن الحق أن ابن سينا -وإن كان أضل سبيلاً من أبي الوليد ابن رشد - إلا أنه أفقه وأعلم بالفلسفة وطرقها ومواردها من أبي الوليد بن رشد، فإن ابن رشد إنما أخذ فلسفة أرسطو طاليس، بخلاف ابن سينا؛ فإنه ذكر هذه الفلسفة وغيرها.
ولذلك فإن ابن سينا له في كتبه أكثر من طريق، فمرة يستعمل الطريقة العقلية الفلسفية، وهي طريقة أرسطو، ومرة يستعمل الطريقة الإشراقية، وهي طريق الفلاسفة الإشراقيين، ومن كتبه في ذلك: كتاب (الشفا)، وهو أكبر كتبه في الفلسفة، وهو يقع في سبعة عشر مجلداً، قال في شأن هذا الكتاب في بعض رسائله: "وما أودعناه في هذا الكتاب فهو جري على عادة المشائين"، ويعني بالمشائين: أرسطو وأتباعه الذين يسمون بالمشائين.
قال: "وأما الحق الذي لا جمجمة فيه" أي: لا خفاء فيه ولا شوب، "فهو ما أودعناه بالحكمة المشرقية" ويقصد بها: الطريقة الصوفية الإشراقية.
إذاً: ابن سينا عقلاني في بعض كتبه، إشراقي صوفي في البعض الآخر، وفي كتاب (الإشارات والتنبيهات) جمع بين هذين السبيلين، كـ أبي حامد الغزالي؛ فإنه عقلاني متكلم في بعض كتبه؛ كقواعد العقائد ونحوها، وهو صوفي، وهو المشهور عنه.
وقد شاعت في القرن الرابع والخامس والسادس عند الصوفية أو الحكماء أو النظار نظرية تقول: (إن المذهب الشخصي للإنسان لا يلزم أن يكون واحداً)، ولهذا إذا قرأت لـ أبي حامد كتاباً تجد أنه لا يرى فيه للعقل مقاماً؛ بل يعظم الإشراق، والنفس، وطريقة الصوفية، وتقرأ له كتاباً آخر فتجده فيه رجلاً عقلانياً، وتقرأ له كتاباً آخر فتجده فيه رجلاً واعظِاً ..
وهكذا.
وقد ظن بعض الباحثين أن الغزالي كانت له أطوار، وهكذا إذا أشكل عليهم مذهب رجل قالوا: كانت له أطوار، والحق أن هذا ليس من باب الأطوار، وقد أجاب الغزالي عن هذا الإشكال فقال: "فإن سألت عن المذهب فالمذهب ثلاثة: مذهب الجدل، الذي يجادل به المخالف للحق -في زعمه- فهذا يكون بالعقل وبعلم الكلام"، وهو أشعري في هذا المقام على طريقة المتأخرين من الأشاعرة، كـ أبي المعالي الجويني ومن سلك طريقتهم ممن خالف طريقة مؤسس المذهب أبي الحسن الأشعري.
يقول: "وإن سألت عن مذهب العامة فهو وعظ الشريعة في الزواجر والدواعي، وإن سألت عن المذهب الحق، وهو اليقين السر بين العبد وبين ربه، فهو طريقة الصوفية".
فـ أبو حامد يستعمل هذه الطرق، ولذلك لما رد على الفلسفة وكتب كتاب (التهافت) استعمل الطريقة الكلامية، وقال: "إننا نستعين بالمعتزلة في ردنا على هؤلاء".
стр. 64
الجهمية
وقوله: (والجهمية):
الجهمية: نسبة إلى الجهم بن صفوان الترمذي، وهو رجل معروف ومشهور يسيء المقالات؛ فإنه قال كلاماً أحدثه في الإسلام ونشره وأظهره.
وهذا الاسم -أي: الجهمية- يطلق في كلام أهل العلم على أحد مرادين:
المراد الأول: الجهمية المحضة الغالية الذين يتبعون طريقة الجهم بن صفوان بغلوها وشدتها، وينفون الأسماء والصفات، وهذا المذهب نزعته نزعة فلسفية، وهؤلاء يسمون بالجهمية المحضة.
المراد الثاني: من اشتغل بنفي الصفات أو ما هو منها، فإنه يسمى جهمياً؛ ولذلك قيل: مناظرة الإمام أحمد للجهمية، مع أن جمهور من ناظره إذ ذاك كانوا معتزلة، ومن المعلوم أن المعتزلة ليسوا موافقين للجهم بن صفوان على عقائده؛ بل إن من أئمة المعتزلة -كما ذكره ابن الخياط في الانتصار للمعتزلة وهو معتزلي- من يكفر الجهم بن صفوان.
فالرجل عندهم ليس محمود الحال، وهو وإن كان قد شاركهم في مسألة الصفات نوع مشاركة إلا أن بينهم فرقاً حتى في الصفات، وكذلك في مسألة الإيمان، فـ الجهم من المرجئة الغلاة، بخلاف المعتزلة فإنهم وعيدية في باب الإيمان، وفي باب الأسماء.
فاسم التجهم هنا في كلام شيخ الإسلام يقصد به الإطلاق الثاني وهو: من نفى الصفات؛ وذلك لما كان الجهم هو الذي نشر مقالة نفي الصفات وأظهرها أضيفت إليه، فصار كل من نفى الصفات يسمى جهمياً.
стр. 65
القرامطة الباطنية
وقوله: (والقرامطة الباطنية):
نسبة إلى رجل يقال له: حمدان قرمط، وهو رجل باطني من الباطنية، وهم الذين يعتبرون الإسلام والقرآن له ظاهرٌ وباطن.
والتعبير بالظاهر -كما تقدم- موجود عند المعتزلة، إلا أن الظاهر عند المعتزلة يقابله المؤول، فالمعتزلة لا يسمون ما قابل الظاهر باطناً، وإنما يسمونه: مؤولاً، ويقولون: إن ظاهر النصوص ليس مراداً، إنما المراد هو التأويل.
أما الباطنية فإنهم يقولون: إن الظاهر يقابله الباطن.
والباطنية انتسبوا في فرق أهل القبلة إلى أحد طائفتين: إما إلى الشيعة، وإما إلى الصوفية، فهم إما باطنية الشيعة، وإما باطنية الصوفية، وهم الغلاة من كلا الطائفتين.
ثم باطنية الشيعة وباطنية الصوفية على مدارس وطوائف، وبينهم قدر من الخلاف والوفاق.
стр. 66
سبب الغلط في باب الصفات
وقوله ﵀: (وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب):
هذا إشارة من المصنف إلى أن أصل هذه المقالات التي زعمها من زعمها ممن انتسب إلى القبلة -وقد ينازَع في صحة ثبوت إسلامه- أن هذه المقالات أصولها من مقالات المشركين.
وهذا مما ينبغي أن يعنى به: أن الغلط في باب الإلهيات وفي باب الصفات ليس موجبه اشتباه النصوص عليهم؛ لأن الذين خالفوا في ذلك إما أن يكونوا من الباطنية، وإما أن يكونوا من المتكلمين، وإما أن يكونوا من المتفلسفين، وقد سبق أن الباطنية والمتفلسفة لا يرون القرآن نطق بهذا، وحتى من كان منهم متكلماً -كأئمة المعتزلة- لا يرون أن ظاهر القرآن نطق بهذا، بل هو -عندهم- بحاجة إلى تأويل.
فمراد الإمام ابن تيمية أن يقول: إن البدعة التي ظهرت بعد عصر الصحابة -من نفي صفات الله وإخراجها، عن ظاهرها الشرعي- ثم شرحها المتفلسفة -كـ ابن سينا ونحوه- ودخلت على بعض الفضلاء من الفقهاء المتأخرين المنتسبين للسنة والجماعة، ليس ذلك بسبب أن نصوصاً اشتبهت عليهم من القرآن؛ بل إن الفلسفة هي أصل هذه المقالة، بغض النظر عن التفاصيل التي قد يكون لها بعض الأحوال الخاصة.
وعلى هذا فالبدع التي ظهرت في الجملة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: بدع أصلها مادة منقولة.
القسم الثاني: بدع ليس لها مادة منقولة قديمة في الفلسفة وغيرها، إنما اشتبهت على قوم من المسلمين؛ لقلة علمهم، ولبغيهم، ولجهلهم، ولعدم اهتدائهم بهدي الصحابة، فظهرت عندهم بدعة ما، كبدعة الخوارج، فالخوارج لم يقرءوا كتب الفلسفة؛ بل كان كثير منهم أميين لا يقرءون ولا يكتبون؛ فلم يأخذوا بدعتهم من الفلاسفة، والخوارج كانوا عرباً، بخلاف أولئك الذين أدخلوا مقالة الفلاسفة وتكلموا في مسألة الإلهيات ونفي الصفات، فأكثرهم من الأعاجم، كـ أبي الهذيل العلاف وابن سينا وأمثالهم.
فالمقصود: أن الخوارج قالوا ببدعتهم تلك لأنه اشتبه عليهم القرآن، لا لكون القرآن محتملاً لهذه البدعة؛ وإنما لجهلهم ولظلمهم، وما إلى ذلك.
فنجد أن الخوارج استدلوا على أن مرتكب الكبيرة كافر، وأنه مخلد في النار، بقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢] وقد استدلوا بهذه الآية أمام جابر بن عبد الله كما جاء من حديث يزيد الفقير عند الإمام مسلم، وكذلك استدلوا بقول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠] ويجاب الخوارج عن هذه الآيات بما جاء عن ابن عباس وجماعة من الصحابة.
стр. 67
أقسام نفاة الصفات وطريقتهم في ذلك
أما بدعة نفي الصفات فهي بدعة منقولة، وقد انقسم أصحابها إلى ثلاث طوائف، وهذا ينبه عليه في كلام المصنف؛ لأنه قال: (ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة)، ولو حذفت الواو من قوله: (والمتفلسفة) -وقد تكون محذوفة في بعض النسخ مع أن المحقق لم يشر إليها- لكان أقرب إلى السياق هنا، فيكون السياق: (من الصابئة المتفلسفة)؛ لأن المصنف كأنه يريد هنا الإشارة إلى أن الذين حادوا عن سبيل أهل السنة والجماعة في باب الصفات وهم منتسبون إلى القبلة ثلاث نزعات، وأصولهم من الكفار والمشركين، ولا يعني هذا أنه يحكم عليهم بحكم الكفار ويقال أنهم كفار.
فالصابئة أئمتهم المتفلسفة، ومن هؤلاء الصابئة المتفلسفة ابن سينا وأمثاله -مع أن ابن تيمية في كتبه أحياناً يضيف ابن سينا إلى الباطنية- والجهمية هؤلاء يمثلون من يسمون بالمتكلمين كالمعتزلة ونحوها، والنزعة الثالثة: هي نزعة القرامطة الباطنية، مع أن الباطنية ليسوا وفقاً للقرامطة، ولكن كما أنه ذكر المتكلمين باسم الجهمية لكونهم هم أصل المادة، فكذلك القرامطة ذكر اسم الباطنية تحتهم لكونهم هم أصل المادة.
стр. 68
طريقة نفاة صفات الله تعالى
قال المصنف ﵀: [فإنهم يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان].
قوله: (فإنهم يصفونه بالصفات السلبية):
الصفات السلبية: هي صفات النفي، والسلب: هو النفي المجرد، ولا يوجد في القرآن نفي مجرد، إنما الموجود في القرآن هو النفي غير المجرد، أي: أنه يتضمن أمراً ثبوتياً، أما الذي يصفه به هؤلاء فهو السلب أو النفي المجرد، أي: المجرد عن أمر ثبوتي، فلا يتضمن أمراً ثبوتياً؛ لأنهم يقصدون النفي لتحقيق النفي، لا لإثبات كمال من الكمالات.
قال ﵀: (فإنهم يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل)، وقد سبق قول المصنف: (إن الله بعث رسله بإثبات مفصل ونفي ومجمل)، بخلاف طريقة هؤلاء فإنهم يستعملون النفي المفصل.
وقوله: (ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحصيل) (وجوداً مطلقاً) أي: مجرداً عن الأمور الثبوتية.
ولذلك يقول ابن سينا -وهو شارح نظرية التجريد-: "إن الباري وجود مطلق"، أي: مجردٌ عن الأمور الثبوتية، ويقول: "إنه واحد من كل جهة مجرد عن هذه الإضافات والتخصيصات ... " إلى آخر ما يزعم من الكلام.
وقوله: (وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان):
قوله: (وإنما يرجع) أي: الوجود المطلق، وهو أن الله موجود وليس له صفة ..
يقول المصنف: إذا جُرد الباري عن سائر صفاته؛ من العلم، والحكمة، والرحمة، والعزة، والقدرة ..
إلى غير ذلك من الصفات والأفعال، فإن هذا وجود لا يمكن أن يكون متحققاً في الأعيان، أي: في الوجود الحقيقي، في الخارج؛ وذلك لأن الشيء يكون موجوداً بصفاته، وأما إذا جُرد عن الصفات فإنه يبقى شيئاً ذهنياً، ولو قيل عن إنسان مثلاً -ولله والمثل الأعلى، وهذا في حق المخلوق فكيف بالخالق لو قيل عنه: إنه مجرد عن الصفات، فلا يتصف لا بمحبة، ولا بعلم
إلى آخر الصفات الجوهرية، وليس له يد، ولا رجل
إلخ؛ لأصبح هذا الإنسان معدوماً.
فأي شيء في الخارج قائم بنفسه أو قائم بغيره، إذا جُرد عن صفاته العرضية والجوهرية أصبح شيئاً معدوماً، ولذلك سيقول المصنف فيما سيأتي: إن هؤلاء فروا من تشبيه الله بالموجودات فشبهوه بالمعدومات.
стр. 69
استلزام قول النفاة لغاية التعطيل وغاية التمثيل
قال المصنف ﵀: [فقولهم يستلزم غاية التعطيل، وغاية التمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلاً يستلزم نفي الذات].
قوله: (فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل):
يستلزم غاية التعطيل لأنهم نفوا الكمال عن الله، فإن إثبات الصفات هو كماله .
وأما أنه يستلزم غاية التمثيل: فلأنهم مثلوه بأقل الممكنات وهي الأشياء المعدومة؛ بل ربما زاد غلاتهم ومثلوه بغير المعدومات وهي الأشياء الممتنعة.
والشيء الممكن أكمل من الممتنع، والممكن الموجود أكمل من الممكن المعدوم من جهة أنه موجود، فقولهم يستلزم غاية التمثيل؛ لأن من شبه الله بالمخلوق الموجود فقد مثل، فكذلك من شبهه بالمعدوم أو الممتنع فهذا غاية التمثيل له .
стр. 70
تمثيل النفاة لله تعالى بالممتنعات والمعدومات والجمادات
وقوله ﵀: (فإنهم يمثلونه بالممتنعات):
وهذا حينما يقولون: إنه ليس قابلاً للصفات، فإن الذي لا يكون قابلاً للصفات حقيقته أنه ليس قابلاً للوجود، وهذا تشبيه له بالشيء الممتنع؛ لأن الذي لا يكون قابلاً للوجود هو الشيء الممتنع، فإن تعريف الممتنع: هو ما لا يقبل الوجود، أما الشيء المعلوم فإنه قابل للوجود.
وقوله: (فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات):
وهذا بحسب مراتبهم، وإلا فهناك فرق بين المعدوم، والممتنع، والجماد، والسبب في أن هؤلاء يشبهونه تعالى بالجمادات -أي: بغير الحي- أنهم زعموا أن طريقة السلف تستلزم التشبيه ببني آدم؛ لأن بني آدم هم الذين يتصفون بالسمع والبصر ونحو ذلك، ففروا من هذه الطريقة فشبهوه إما بالموجودات الجامدة غير الحية، وإما بالمعدومات، وإما بالممتنعات، ولا شك أن هذه الثلاثة شر من التشبيه بالموجود الحي.
هذا لو فرض أن قول السلف يستلزم تشبيهاً بالموجود الحي، وإلا فطريقة السلف -طريقة أهل السنة والجماعة- لا تستلزم التشبيه لا بالحي ولا بغير الحي.
стр. 71
تعطيل الصفات يستلزم نفي الذات
وقوله ﵀: (ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلاً يستلزم نفي الذات):
أي أنهم إذا قالوا: إنه ليس قابلاً للصفات؛ لزم من ذلك أن لا يكون قابلاً للوجود؛ لأن وجود موجود قائم بنفسه، غني عما سواه -وهو الله يمتنع إلا أن يكون هذا القائم بنفسه الغني عما سواه متصفاً بصفات الكمال، والله قد أجمع المسلمون وعامة الأمم على أنه سبحانه هو الواحد الأحد، القائم بنفسه، الواحد في ربوبيته، وإن كانوا يشركون في الألوهية -أي: غير المسلمين- لكن من الفطرة المستقرة عند عامة بني آدم أن الله هو الرب الواحد في ربوبيته، القائم بنفسه، الغني عما سواه.
فإذا كان كذلك فلا بد لهذا القائم بنفسه الغني عما سواه أن يكون متصفاً بصفات الكمال، وإذا تجرد عنها أو عُطل عنها استلزم ذلك نفي الذات.
وقد ذكر الله تعالى قصة إبراهيم ﵇ لما جادل الصابئة، فإنه بعث في بلاد كان أئمتها المتفلسفة وأتباعهم هم الصابئة، وكانوا ينظرون في مثل هذه المقالات، ومما يدل على أن مقالة نفي الصفات أصلها مقالة صابئية فلسفية: أن إبراهيم ﵇ جادل قومه -وهم الصابئة- في مسائل تتعلق بأصول الربوبية والخلق والأفعال الإلهية، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٥ - ٧٦] ولما جاء ابن سينا إلى مسألة الأفول: (فَلَمَّا أَفَلَ) أخذ يُرجعها إلى نفس نزعة الصابئة القديمة فقال: إنه (لما أفل) أي: تحرك، فدل ذلك على أن الإله لا يتحرك.
وهذا غلط؛ ولأن معنى (أفل) أي: غاب واحتجب الكوكب.
وقد كان إبراهيم ﵇ يقول لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم:٤٢] فدل ذلك على أن الإله الحق لا بد أن يكون متصفاً بهذه الصفات، وإذا كان الله قد عطل ربوبية وألوهية هذه المعبودات لكونها لا تتصف بصفة أو صفتين، فمن باب الأولى ما يتعلق بسائر الصفات، كما قال تعالى عن أصحاب العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨].
стр. 72
شرح القواعد السبع من التدمرية [٨]
اختلفت مذاهب وآراء المخالفين للرسل ﵈ وللسلف الصالح ﵏ في صفات الله تعالى، فذهب غلاتهم من الباطنية إلى أن الله تعالى لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت ... إلخ، وذهب الفلاسفة إلى وصف الله تعالى بالسلبيات وهي النفي المجرد، وبالإضافات، كقولهم بأنه مبدأ العالم وعلة العالم، وذهب المعتزلة إلى إثبات الأسماء لله تعالى ونفي الصفات، فقالوا: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة .. إلخ، وكلام هؤلاء جميعاً باطل متناقض مردود بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول.
стр. 73
مذهب الغلاة -وهم الباطنية- في نفي الصفات
قال المصنف ﵀: [فغاليتهم يسلبون عنه التقيضين، فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل؛ لأنهم -بزعمهم- إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بدائه العقول، وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب، وما جاء به الرسول ﷺ ، ووقعوا في شر مما فروا منه].
شرع المصنف ﵀ في بيان مذاهب النفاة للصفات، وهم المنتسبون للطوائف الثلاث التي انتسب أصحابها للقبلة، وهي: الباطنية، والفلاسفة، والجهمية المتكلمة، فقال: (فغاليتهم يسلبون عنه النقيضين، فيقولون: لا موجود ولا معدوم) وهذه هي مقالة الباطنية، والمصنف لم يرتب الأمر كالترتيب السابق، إنما أراد أن يبدأ بالمقالة الغالية فما دونها، وقد بدأ بذكر مذهب الباطنية القائلين بأن الله لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت
إلخ.
وهذا المذهب لم يشتبه على أصحابه بسبب نصوص مجملة أو مفصلة، ولا بسبب العقل المجرد، وهو الدليل العقلي الذي يشترك فيه العقلاء، ولم يشتبه عليهم بالمعنى الفطري أو المعنى الحسي، ولكن هذه نزعة فلسفية منقولة، نقلها هؤلاء الباطنية إلى بيئة المسلمين، وزعموا أنهم على هذه الطريقة، ولذلك إذا قيل لهم: هل ذكر القرآن ذلك؟ قالوا: لا.
القرآن له باطن.
стр. 74
الفرق بين التفسير الباطني والتفسير التأويلي عند المتكلمين
وهنا قد يقول قائل: الباطنية يقولون: القرآن له ظاهر وله باطن، والمعتزلة وأئمة الكلام كالجمهية يقولون: القرآن له ظاهر وله تأويل، فما الفرق بين المعنى التأويلي والمعنى الباطني؟
والجواب: أن المعنى التأويلي أصحابه كالمعتزلة يوجهونه عبر طريق اللغة العربية، بمعنى: أنهم يحورون الآية تحويراً عربياً، وفي الغالب يعتمدون على مقدمات لغوية أكبرها وأخصها ما يسمى بنظرية المجاز اللغوي، فيحورون الآية عبر نظرية المجاز ومقدمات لغوية أخرى، فيجعلونها دليلاً على هذا المعنى الذي حصلوه، فإذا قيل لهم: هل نطق القرآن بهذا هذا المعنى؟ قالوا: نعم.
وهذا بحكم كلام العرب، ولكنه على الطريقة المجازية وليس على الطريقة الحقيقية.
فهم في النتيجة العامة يعتمدون على اللغة وعلى التفسير اللغوي للقرآن، أما كونهم يغلطون في ذلك فهذا مقام آخر، لكن المقصود بيان طريقة التحصيل.
أما الباطنية فلا يفسرون القرآن تفسيراً لغوياً، بمعنى أنهم لا يقولون: إن لغة العرب تدل على ظاهر وتدل على باطن، وإنما الباطن عندهم لغة إشارية تكشف -فقط- للرجل الباطني الذي قد وصل إلى سقف الباطنية، فيفسر -مثلاً- كلمة (الصلاة) بتفسير لا تدل عليه، فليست العبرة أنه متلقى من مادة لغة العرب، إنما هذا بحسب الحكمة الباطنية، وبحسب الفكر الباطني الفلسفي يكون التفسير للقرآن، ويسمون ذلك: (الإشارات) أي: أن القرآن أشار إشارات باطنية لطرقهم، وذلك مثل مسألة خلع النعلين في قصة موسى ﵇، فإن بعض الغلاة من باطنية الصوفية يقولون: ليس المقصود أنه فعلاً خلع نعليه، ولكن خلع النعلين يعني: التجرد من عالم المشاهدة إلى عالم الربوبية ..
وأمثال هذه التفسيرات.
فهذا هو الفرق بين التفسير الباطني والتفسير التأويلي عند المتكلمين.
стр. 75
مذهب الباطنية مردود بإجماع المسلمين
وهذا المذهب لا ينبغي أن يطالع فيه، ليس لأن أهل السنة والجماعة أجمعوا على رده؛ بل لأن عامة المسلمين أجمعوا على رده، حتى المتكلمين منهم -كالمعتزلة وغيرهم- فإنهم أجمعوا على إبطاله، وكذلك جمهور الشيعة وجمهور الصوفية ينكرون هذا المذهب على الباطنية الغلاة؛ فضلاً عن المتكلمين؛ فضلاً عن الفقهاء والعباد؛ فضلاً عن أئمة السنة والجماعة، فهو مذهب مهجور بيّن الغلط وواضح السقط.
следующие страницы →