← Акыда

Акыда · id 37782

شرح القواعد السبع من التدمرية

يوسف الغفيص

Полный текст (320 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح القواعد السبع من التدمرية [١] الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من الرسائل المهمة في باب الاعتقاد، وقد كتبها جواباً لمن سأله من أهل تدمر، وقد تضمنت الكلام في أصلين شريفين من أخص أصول الديانة، وهما: توحيد الله تعالى وصفاته، ومقام الشرع والقدر. وقد تكلم ﵀ عن هذين الأصلين لبيان المنهج الحق والعقيدة الصحيحة التي كان عليها سلف الأمة في هذين الأصلين، والتي يجب أن يعتقدها كل مسلم، ولأن كثيراً من الفرق الضالة قد ضلوا في هذين الأصلين، وخاضوا فيهما بغير علم، فضلوا وأضلوا، فقصد إلى الرد عليهم بالدلائل الواضحة البينة من الكتاب والسنة ومن كلام سلف الأمة، كما رد عليهم أيضاً بالدلائل العقلية البينة الواضحة.

стр. 2

مقدمة شرح القواعد السبع من التدمرية الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذه الرسالة لـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهي المسماة بـ (الرسالة التدمرية)، وسبب هذه التسمية بيِّنٌ من جهة النسبة، فإنها رسالة كتبها جواباً لمن سأله من أهل تدمر -وهي بلدة في الشام-. وقد تضمن ما ذكره في هذه الرسالة كلاماً في أصلين شريفين من أخص أصول الديانة؛ بل هما أخص أصول الديانة، وهما: توحيد الله وصفاته، ومقام الشرع والقَدَر. كما تضمنت هذه الرسالة قواعد وأصولاً في مقام الصفات، وطرق الرد على المخالفين. وعندما تكلم عن الأصل الثاني ذكر القاعدة الشرعية في مقام الشرع ومقام القدر، والتحقيق الذي بعث به الرسل عليهم الصلاة والسلام في الجمع بين مقام الشرع والقَدَر. ولك أن تقول: إن الجمع بين الشرع والقَدَر هو بمعنى قولك: التحقيق لتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فإن شهود مقام القدر هو شهود لمقام ربوبية الله ، وشهود مقام الشرع هو شهود لمقام عبودية الله ، فمن حقق الجمع بين الشرع والقدر فقد حقق توحيد الله في مقام ربوبيته، وفي مقام ألوهيته وعبوديته؛ لأن أخص أصول الشرع وأشرفها وأولاها هو أمره بعبادته وحده لا شريك له، فإن الشرع إذا ذكر قصد به الأمر والنهي، وأخص الأمر الذي أمر الله به سائر العباد هو أمره بإفراده بالعبادة، كما أن أخص النهي الذي نهى الله عنه العباد هو نهيهم عن الإشراك به. ولهذا إذا ذكر الشرع تضمن توحيد الألوهية، وإذا ذكر القدر فإن مقام القدر من أخص مقامات الربوبية.

стр. 3

ظهور المدارس الفقهية قال المصنف ﵀: [بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام، مفتي الأنام، أوحد عصره، وفريد دهره، ناصر السنة، وقامع البدعة، تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية الحراني ﵁ وأرضاه]. هذه الرسالة معروفة بأنها لـ شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، وهو من علماء الحنابلة -من جهة الأصول الفقهية- هو وأهل بيته، فإنهم كانوا من شيوخ المذهب الحنبلي، وإن كان شيخ الإسلام عُرِف بعنايته بالتحقيق، وعدم التقيد بمسألة التقليد على المذهب الحنبلي أو غيره من المذاهب، ولذلك لا يعد حنبلياً على معنى التقليد. ومن هنا نقول: إن من انتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة هم الغالب من أهل العلم بعد طبقة القرون الثلاثة الفاضلة، وقد ظهرت جملة من المدارس، وإن كان الذي استقر منها خمس مدارس، وهي: ١ - المدرسة الحنفية. ٢ - المدرسة المالكية. ٣ - المدرسة الشافعية. ٤ - المدرسة الحنبلية. ٥ - المدرسة الظاهرية. فهذه المدارس الخمس من المدارس الفقهية المعروفة هي التي استقرت وبقيت، إلا أن كان المذهب الظاهري كان ضعيفاً، ثم نشره وبسطه أبو محمد ابن حزم. وأصول هذه المدارس الخمس أصول سلفية، وأئمتها كلهم من الأئمة المعروفين بالتحقيق وصحة الاعتقاد، وإن كان قد أخذ على أبي حنيفة مسألة في الإيمان، وهي مسألة لا تعد من بدع العقائد الكبرى، وإنما هي -كما ذكر الإمام ابن تيمية وغيره- من بدع الأقوال، وكذلك داود بن علي الظاهري أخذت عليه مسائل يسيرة لفظية ليست من أصول الاعتقاد، وله كلمات تعقبه عليها جملة الإمام أحمد في بعض كلماته، لكن أصوله -أعني: داود بن علي الظاهري - هي أصول أهل السنة والجماعة. فهؤلاء الأئمة أصولهم واحدة من حيث الاعتقاد، ثم اختلفوا من حيث المذاهب، وثمة قدر من الوفاق فيما بينهم، ولاسيما بين الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، فهؤلاء أكثر توافقاً من جهة الأصول، ثم يليهم الإمام أبو حنيفة، ثم داود بن علي؛ فإن له أصولاً اختص بها في بعض المسائل، وإن كان يقال: إن داود بن علي ﵀ لم يشرح سائر هذه الأصول شرحاً مستفيضاً، بمعنى أنه تكلم بجمل، ثم جاء أبو محمد ابن حزم وبسط هذه الجمل. فلا يلزم أن يكون سائر ما أضافه ابن حزم إلى المذهب الظاهري منضبطاً في كلام داود بن علي، فإنه متقدم عنه كثيراً، ولم يفصح بكثير من هذه التفصيلات. ولا يقال عن مذهب من هذه المذاهب الخمسة: إنه أصح المذاهب، فإن هذا لا يقوله إلا مقلد متعصب لمذهبه. وإنما الصواب أن يقال: إن هذه المذاهب الخمسة في كلام الفقهاء، أو حتى ما يضاف إلى أحد من الأئمة المتقدمين، وأخصهم أصحاب رسول الله ﵌، ومن بعدهم من التابعين ومن بعدهم، فإن أي قول من الأقوال الفقهية يضاف لإمام متقدم -سواء كان هذا الإمام أحد هؤلاء الخمسة، أو من قبلهم، أو من عاصرهم- فإنه يكون قولاً له وجهه، وينظر في دليله من جهة الكتاب والسنة والإجماع، وأصول الاستدلال المعروفة. إذاً: لا يصح الانتصار المطلق لمذهب من المذاهب الفقهية، وإن كان لا يُمنع من التأصيل على مذهب من هذه المذاهب الأربعة، وثمة فرق بين مسألة التأصيل على مذهب واحد، كما هو شأن المحققين من أصحاب الأئمة الأربعة، وبين التقيد بسائر فروع المذهب وفتاواه ومحتملاته، وما إلى ذلك مما يفصله فقهاء المذاهب، فمن التزم بسائر الفروع فهذا لا ينبغي إلا أن يكون مقاماً لمقلد، سواء كان عامياً أو مبتدئاً في العلم، فهذا هو الذي قد يسعه هذا المقام، وأما من بان له الدليل على خلاف مذهب فقهي -وهو أهل للنظر في الدليل- فإنه يلزمه أن يكون متبعاً لصريح الدليل أو ظاهره، أو ما دل عليه الدليل بحسب درجات الاستدلال. فالمقصود: أن شيخ الإسلام ابن تيمية أصوله -في الجملة- حنبلية، مع أنه لم يتعصب أو يلتزم المذهب الحنبلي في جميع فروعه ومسائله. وقد ضمن شيخ الإسلام هذه الرسالة أصولاً من أصول أهل السنة والجماعة، كما ضمنها أصولاً من أصول الرد على المخالفين. وبالمناسبة: فإن ما كتبه علماء السنة والجماعة في الاعتقاد يقع على أحد وجهين: الوجه الأول: أن يكون تقريراً للمعتقد. الوجه الثاني: أن يكون رداً على المخالف. وهذه الرسالة تضمنت هذا وهذا في مقام الشرع والقدر، وفي مقام التوحيد والصفات.

стр. 4

ظهور الفرق في الإسلام قال المصنف ﵀: [الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فقد سألني من تعيَّنت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر]. لقد كان المصنف ﵀ في عصر اختلطت فيه كثير من المقالات، فإنك إذا نظرت -مثلاً-: إلى الجيل الأول وهم جيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ فإنك تجد أن خلافة أبي بكر ﵁ انتهت، ثم جاءت خلافة عمر ﵁، إلى أن قتل ولم يحدث في الإسلام بدعة. ثم لما جاءت خلافة عثمان ﵁ لم تظهر البدع في أول خلافته، وإنما ظهرت جملة من الفتن، وكانت هذه الفتن التي ظهرت مقدمة لظهور شيء من البدع.

стр. 5

ظهور الخوارج في آخر خلافة الخلفاء الأربعة الراشدين ظهر الخوارج الذين حدَّث النبي ﵌ بشأنهم، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من نحو عشرة أوجه، وجاء أيضاً في صحيح البخاري، فالحديث متفق عليه من غير وجه، وهو مخرج في الصحاح والسنن والمسانيد، وقد قال الإمام أحمد: "صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه". وقد ظهروا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وكان ابتداء إخباره ﵌ بظهورهم لما جاءه ذهب من اليمن فقسمه ﵊ بين أصحابه، فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: (اعدل يا محمد فإنك لم تعدل! فقام خالد بن الوليد -وفي رواية في الصحيح: فقام عمر بن الخطاب - وقال: دعني أضرب عنقه، فقال النبي ﵊: لعله أن يكون يصلي، قال: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال ﵊: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم، ثم نظر إليه النبي ﵌ وقد ولى الرجل، فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر -أي: الرامي- إلى نصله فلا يجد فيه شيئاً، ثم ينظر إلى قذذه فلا يجد فيه شيئاً، قد سبق الفرث والدم). وفيه إخباره ﵌ بقتالهم .. وما إلى ذلك. وقد ظهر هؤلاء في خلافة علي بن أبي طالب وكفروا المسلمين بالكبائر؛ بل بما يرونه من الكبائر، فقد زعموا أن علي بن أبي طالب ﵁ أتى كبيرة فكفروه بها، وكلا المقدمتين باطلة؛ فإن علياً لم يأت كبيرة، ثم لو فرض أنه أتى كبيرة من الكبائر فإن الكبيرة في الشريعة لا توجب كفر صاحبها. ثم بعد ذلك حصل الاقتتال، وقاتلهم الصحابة بإمارة علي بن أبي طالب، وكان قتالهم -أعني: الخوارج- مشروعاً بالنص والإجماع، ليس لكفرهم، وإنما دفعاً لصولهم وعدوانهم على المسلمين بالدماء، فإنهم أهل سيف، وإلا فإن في أهل البدعة المخالفين للصحابة رضي الله تعالى عنهم من هو شر منهم من جهة البدع، ولكن الخوارج إنما شرع قتالهم وأجمع الصحابة على قتالهم لما عندهم من السيف والصول على المسلمين؛ فإن الذي عليه جمهور السلف- وهو ظاهر مذهب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما نص على ذلك الإمام ابن تيمية وانتصر له انتصاراً واسعاً في منهاج السنة وغيره- أن الخوارج الأول الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ليسوا كفاراً، وإنما هم من أهل البدع والبغي، وقتالهم من باب دفع صولهم وليس من باب كفرهم، وهذا هو ظاهر سنة علي بن أبي طالب ومن معه من الصحابة، فإنهم ما جروا في قتالهم على سنة قتال الكفار، فإنه من المعلوم أن قتال الكفار يشتمل على السبي، والإجهاز، وما إلى ذلك من الأمور المعروفة في الجهاد مع الكفار، فالصحابة لم يستعملوا هذه السنن عندما قاتلوهم، فدل ذلك على أن علياً وغيره من الصحابة وإن أجمعوا على قتالهم إلا أنهم لا يرون كفرهم؛ ولكنهم من أهل البدع والعدوان والضلال، وقد ذمهم النبي ﵌، وذكر مروقهم من الدين، وما يتعلق بذلك من انحرافهم عن أصول الحق والسنة والجماعة.

стр. 6

ظهور الشيعة والقدرية والجبرية ثم بعد ذلك ظهر التشيع، وكانت الشيعة على مقامات ثلاثة معروفة. ثم بعد خلافة الخلفاء الراشدين، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبين بني أمية، ظهر القول بنفي القدر. ثم ظهرت مقالة الجبرية المقابلة لمقالة القدرية.

стр. 7

ظهور التعطيل والتشبيه في صفات الله ثم بعد عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم -أي: بعد وفاة سائر الصحابة- ظهر القول بنفي الصفات. ثم ظهر القول بالتشبيه. وهكذا تسلسلت البدع على هذا النحو. والذي كان شائعاً زمن القرون الثلاثة الفاضلة أو من أدرك بقية عصر الصحابة، ثم القرن الذي بعده، والقرن الذي بعده -كان شائعاً امتياز السنة عن البدعة، بمعنى: أن أصحاب البدعة لم يكن أحد منهم ينتحل مذهب أهل السنة والجماعة؛ بل كان المعتزلة متحيزين ببدعتهم، لا ينتسبون إلى السنة والجماعة، وكانت الخوارج أيضاً لا تنتسب إلى طريقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم .. وهَلُمَّ جَرّا.

стр. 8

ظهور متكلمة الصفاتية ثم لما جاء عبد الله بن سعيد بن كلاب، وجماعة من المتكلمين وبعض المتصوفة؛ كـ الحارث بن أسد المحاسبي؛ صار هؤلاء ينتسبون إلى مذهب أهل السنة والجماعة، مع إظهارهم لشيء من البدع؛ إما في مقام الصفات، أو في مقام القدر، أو غير ذلك، فحصل من هذا التاريخ الذي توافق فيه عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهو أخص من تكلم في مسائل الصفات الفعلية وهو ينتسب إلى السنة والجماعة- حصل من كلام عبد الله بن سعيد ومن شاركه في هذا الكلام من متكلم أو متصوف ظهور قوم ينتسبون إلى مذهب أهل السنة والجماعة، ويعظمون جُمَلَهُمُ العامة، ويعظمون أسماء أئمتهم؛ ولكنهم وقعوا في كثير من البدع المخالفة لإجماع أئمة السنة والجماعة المتقدمين من الصحابة ومن بعدهم. ولكن هؤلاء هم أقرب إلى السنة والجماعة من أهل البدع الذين لم يكن أحد منهم ينتسب إلى السنة والجماعة. ولذلك يقول ابن تيمية ﵀: "أهل البدع المغلظة لا ينتحلون مذهب أهل السنة والجماعة". فالغالب؛ بل الأصل العام في هذه البدع المغلظة أن أصحابها لا ينتسبون إلى السنة والجماعة وطريقة الأئمة، بل هم متحيزون ببدعهم، وعندهم من الطعن في أئمة السنة والجماعة ما هو معروف. ولعله يُذْكَر ما شاع في التاريخ من موقف أئمة المعتزلة من الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة؛ حتى إنهم أفتوا بقتل أئمة السنة لما رأوا من السلطان ميلاً لهم إذ ذاك. وهذا يبين لنا عدل أهل السنة والجماعة: أنهم يقضون بين الناس بالحق، ولا يقابلون الأمر بالأمر؛ فضلاً عن أن يبغوا على أحد، فإن السلطان كان موافقاً لمذهب أئمة السنة والجماعة في جملة الدولة الأموية والدولة العباسية فضلاً عما قبل ذلك، ومع ذلك لم ينقل أن أحداً من أئمة السنة والجماعة قصد إلى قتل سائر المخالفين بالسيف، بخلاف المعتزلة عندما كان المأمون العباسي مائلاً إلى طريقتهم ومنتصراً لها، ثم جاء بعده المعتصم العباسي، وأفتى من أفتى من أئمة المعتزلة بقتل الأئمة الذين لا يقولون بخلق القرآن. أما عبد الله بن سعيد بن كلاب وبعض أفراد طبقته من متكلم أو متصوف، فقد انتسبوا لأهل السنة والجماعة، ولذلك فإن ابن كلاب إذا ذكر بعض المقالات يقول: وقول أهل السنة الذي نقول به. وأحياناً يذكر لأهل السنة قولين، وفي الحقيقة ليس لهم إلا قول واحد. إذاً: هؤلاء انتسبوا لأهل السنة والجماعة، وأيضاً وافقوا أهل السنة والجماعة في مسائل لم تكن المعتزلة أو غيرها يوافقونهم فيها، ولكنهم مع موافقتهم لهم في بعض المسائل، ومع انتسابهم للسنة والجماعة، إلا أنهم خالفوا السنة في مسائل كثيرة، إما في الصفات، أو في القدر، أو في غير ذلك. ثم جاء بعد ذلك إمامان مشهوران، وهما: أبو الحسن الأشعري، وأبو منصور الماتريدي الحنفي، وقد كانا في عصر واحد؛ لكن الأشعري كان في بلاد العراق وما إليها، والماتريدي كان في بلاد ما وراء النهر. وبعد رجوع الأشعري عن مذهب المعتزلة انتسب هذان الرجلان لأهل السنة والجماعة، وصارا من جنس عقيدة عبد الله بن سعيد بن كلاب. فتحصل من هذا: أن أقواماً يخالفون طريقة الأئمة المتقدمين في مسائل أصول الدين؛ في التوحيد، أو في الإلهيات .. في الصفات، أو في القدر، أو في غير ذلك، ويوافقونهم في مسائل أخرى، وينتسبون إلى الأئمة؛ ولكنهم ليسوا على علم مفصل بكلام الأئمة، ولعل هذا أخص الأسباب في عدم تحقيقهم لأقوال السلف الأول، وهو أنهم لم يكونوا على علم مفصَّل بأقوالهم. أضف إلى ذلك: أن الأشعري والماتريدي جاءا في عصر استقرت فيه المدارس الفقهية، وكثر الانتساب لأحد هذه المدارس: إما الشافعية، أو الحنفية، أو المالكية، أو الحنبلية، أو ما إلى ذلك. فلأجل هذا الجامع الفقهي بين العلماء في أكثر موارد التاريخ بعد عصر الأئمة، ولكون هؤلاء ينتسبون إلى السنة والجماعة؛ لم يكن هناك في كثير من الأحوال قدر من التمييز لما كان من الأقوال صواباً، وما كان من الأقوال خطأً. بمعنى: أن الفقهاء الذين ينتسبون للأئمة الأربعة، أتباع الإمام مالك، وأتباع أبي حنيفة، وأتباع الشافعي، وأتباع أحمد، من هؤلاء من هو على عقيدة إمامه على التحقيق؛ كـ أبي عمر ابن عبد البر من أصحاب مالك مثلاً، ومنهم من اختلط عليه الأمر، بمعنى: أنه تأثر بجمل من جمل الأئمة، وتأثر بجمل من جمل هؤلاء المتأخرين الذين اختلطت عندهم السنة بالبدعة. فلهذا السبب صار عند هؤلاء -أتباع الأشعري، والماتريدي، فضلاً عن أتباع ابن كلاب، ومن يشارك هؤلاء من متكلم، أو متصوف، أو فقيه، أو مستعمل لطريقة أهل الحديث؛ كـ البيهقي مثلاً- صار عندهم أخطاء في مسائل، وصواب في مسائل، وتعظيم لطريقة أهل السنة والأئمة من جهة الانتساب والانتصار، والرد على أهل البدع المغلظة من أصول المخالفين المتقدمة. لقد جاء الإمام ابن تيمية ﵀ في هذا العصر، وهو عصرٌ الشيوع والغلبة في كلام الفقهاء إذ ذاك لمثل هذا النوع؛ ولذلك حصل له مناظرات مع فقهاء وقضاة من الشافعية، والمالكية، والحنفية، ناظروه وتكلموا معه لأنهم كانوا على أصول أبي الحسن الأشعري، ولم يكونوا أيضاً محققين لأصول أبي الحسن الأشعري؛ بل كانوا مائلين إلى الطريقة المتأخرة التي ركَّبها أبو المعالي الجويني من أصحاب الأشعري، وطريقة الأشعري خير من طريقة متأخري أصحابه. ومما سبق نعلم أن العصر الذي أدركه الإمام ابن تيمية ﵀ هو العصر الذي انتشرت وشاعت فيه المقالات التي ينتسب أصحابها للسنة والجماعة، وقد يصيبون في مقام، ولكنهم يخلطون ويخطئون ويخرجون عن السنة في مقامات كثيرة؛ سواء في مسائل الصفات، أو في مسائل القدر، أو غيرها. ولذلك إذا قرأنا في كلام شيخ الإسلام لا نجد له تفصيلاً واسعاً في تتبع بعض المقالات، مثل مقالة الجبرية الغالية؛ لأن هذه المقالة حتى من كان يخالفه من معاصريه كانوا مخالفين لها، وإنما عُنِي ﵀ ببيان امتياز طريقة الأئمة المتقدمين عن بعض الطرق المتأخرة التي خلط أصحابها الحق بشيء من الباطل، فكان مقصوده هذا التمييز مع عنايته ﵀ بمقام العدل؛ ولذلك لم يكن يكفر المخالفين المنتسبين للسنة والجماعة، وإن كان عندهم بدع شديدة في بعض المسائل؛ كالعلو مثلاً، فإنه ناظر بعض المتكلمين في مسألة العلو، ومعلوم كلام السلف في هذه المسألة؛ ولكنه كان يلتزم بالأصل المعروف وهو: أن ثمة فرقاً بين المقالة وبين قائلها، وأنه لا يلزم من الحكم على المقالة أن يكون الحكم مطرداً على جهة التسلسل واللزوم فيمن قال هذه المقالة؛ بل لا بد من مقدمات، ومن قيام حجة .. إلى غير ذلك.

стр. 9

شرح القواعد السبع من التدمرية [٢] توحيد الله هو اعتقاد وحدانيته في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وقد تكلم شيخ الإسلام ﵀ في هذه الرسالة عن توحيد الصفات، وتوحيد الشرع والقدر، وذكر الأسباب الداعية إلى الكلام عن هذين الأصلين.

стр. 10

الكلام على التوحيد وتقسيمه قال المصنف ﵀: [أما بعد: فقد سألني من تعيَّنتْ إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر]. قوله ﵀: (من الكلام في التوحيد والصفات): توحيد الله هو اعتقاد وحدانيته من جهة ربوبيته، ومن جهة ألوهيته وعبوديته. ومن المعلوم أن المتقدمين من الأئمة -وأخصهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم- لم يستعملوا التقاسيم في زمنهم، وإنما ظهرت كثير من التقاسيم والتراتيب فيما بعد، وقد ظهر ترتيبان في تقسيم التوحيد: فمنهم من يقول: إن التوحيد يتنوع إلى ثلاثة مقامات، ومنهم من يقول: ينقسم إلى ثلاثة أقسام. والحقيقة: أن الأولى أن لا يعبر بلفظ (الانقسام)؛ لأن التوحيد واحد، بمعنى: أن من حقق توحيد الألوهية لزم أن يكون محققاً لتوحيد الربوبية، وكذلك من حقق توحيد الربوبية فإن تحقيقه إياه يستلزم أن يكون منقاداً للإيمان والإقرار بتوحيد الألوهية. فإن قال قائل: المشركون الذين بُعِث النبي ﷺ فيهم قد ذكر الله في كتابه كثيراً في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [العنكبوت:٦١] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف:٨٧] فتجد أن الجواب أنهم يقولون: (الله)، وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وذكر الإمام ابن تيمية أن إنكار الربوبية مطلقاً لم تذهب إليه أمة من الأمم. هذا هو الذي يرد في كلام أهل العلم، وقبل ذلك هذا هو ظاهر كتاب الله في ذكر المشركين وما يقرون به من مسألة خلق السماوات والأرض، وخلق أنفسهم ولكن هل يلزم من ذلك أن هؤلاء المشركين كانوا محققين لتوحيد الربوبية؟ الجواب: لا؛ بل هناك فرق بين أن يقال: إن مشركي العرب وغيرهم كانوا مقرين ببعض أصول الربوبية، وبين أن يقال: إنهم كانوا مقرين بالربوبية في الجملة. إذاً: مشركو العرب وغيرهم من المشركين كانوا غير محققين للإيمان الصحيح بتوحيد الربوبية؛ فإن من المعلوم أن المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام وغيرها من المعبودات كانوا يسألونها قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، ولا شك أن تعلق العبد بغير الله في مسألة قضاء الحاجات وتفريج الكربات هو جمع بين شركين: الأول: الشرك في الربوبية. والثاني: الشرك في الألوهية. أما الشرك في الألوهية فلأنه دعا غير الله، وصرف عبادة الدعاء لغير الله. وأما الشرك في الربوبية فلأنه اعتقد أن هذا المعبود من الصنم أو غيره قادر على قضاء الحاجات، وكشف الضر، وتفريج الكربات؛ ومعلوم أن هذا هو مقام رب العالمين، كما قال إبراهيم ﵊ في براءته من عبودية المعبودات: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] أيضاً: استقسامهم بالأزلام، فإنهم كانوا يستقسمون بالأزلام ويمضون على إمضائها ويردون على ردها، ولما قدم النبي ﷺ أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت: فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال ﵊: (قاتلهم الله! أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط) رواه البخاري عن ابن عباس. فالاستقسام بالأزلام على معنى الإمضاء والرد هو وجه من الشرك في ربوبية الله تعالى. فالمقصود: أن ما ذكره الله في كتابه عن مشركي العرب أنهم يقرون بأن الله هو الخالق؛ هذا صحيح؛ لكن هذا الإقرار ليس على التحقيق التام والإيمان الصحيح بربوبية الباري جل وعلا، وإلا فإن من آمن على التحقيق بربوبية الباري انقاد لعبوديته وحده لا شريك له. ومعلوم أن مشركي العرب كان يعرض لهم في بعض الصور أنهم يقرون بتوحيد الألوهية، فهل يصح أن نقول: إنهم مقرون بتوحيد الألوهية؟ الجواب: لا؛ فقد ذكر الله عنهم هذا الإقرار في مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] فهذه حالة عارضة، ولكن الأصل في شأنهم هو أنهم مشركون. إذاً: لا شك أن ثمة فرقاً في حال مشركي العرب وغيرهم بين مقام الربوبية، ومقام الألوهية، فإنهم ينكرون مقام الألوهية ويعجبون من شأنه ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] وأما مقام الربوبية فإن الأصل أنهم يقرون به في الجملة. وهناك فرق بين قولنا: إنهم يقرون به في الجملة، وبين قولنا: إنهم محققون له، ومؤمنون به إيماناً شرعياً صحيحاً؛ فإن هذا لا يقع لمشرك، وإنما يقع للمسلمين من أتباع المرسلين عليهم الصلاة والسلام. إذاً: التوحيد شيء واحد، وعندما يذكر أهل العلم أن التوحيد ينقسم إلى: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات؛ فإن هذا من باب التراتيب العلمية، وليس من باب البدع. ومن أهل العلم من قال: إن التوحيد ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: التوحيد العلمي: ويقصد به توحيد الربوبية والأسماء والصفات. القسم الثاني: التوحيد الطلبي: ويقصد به توحيد الألوهية. وهذا الاصطلاح يستعمله ابن تيمية وجماعة من أهل العلم. فهذا الترتيب من باب التراتيب العلمية، وهذه مسألة لا بد لطالب العلم أن يفقهها، حتى لا يُخْلَط عليه ما كان من البدعة وما كان من باب التراتيب العلمية. فإذا قلنا: إنه ترتيب علمي، فمعنى ذلك: أن من تكلم به من أهل العلم قصدوا به الإيضاح والبيان، ولا يلزم أن يكون هذا الاصطلاح لازماً لكل أحد، وإنما الذي يلزم سائر المكلفين هو العلم بحقيقة هذا التوحيد، سواء علمها على أن التوحيد يتنوع إلى: علمي، وإرادي، أو علمها على أن التوحيد: ألوهية، وربوبية، وأسماء وصفات، أو علمها على أن التوحيد هو: وحدانية الله رباً، ومعبوداً، ومعظَّماً، ومنزَّهاً، ومفرَداً بالعبادة .. إلى غير ذلك من سلسلة المعاني الشرعية. فالذي يلزم سائر المكلفين أن يعلموه ويعملوا به: أن يتبعوا المعنى الشرعي، سواء عُبر عنه بهذا الاصطلاح أو بغيره، ولذلك ينبغي أن يكون طالب العلم على فقه في هذا المقام، فلا يتعصب لتقسيم أو اصطلاح معين من اصطلاحات أهل العلم، وينفي غيره من الاصطلاحات الصحيحة، ولا يطعن في هذا الاصطلاح بدعوى البدعة وما إلى ذلك، فإن هذا ليس من باب البدع؛ بل هو من باب التراتيب العلمية والإيضاح والبيان، وقد كثرت هذه التراتيب في العصور العلمية المتأخرة، وإلا فإننا إذا نظرنا إلى عصر الصحابة لا نجد أن عندهم حاجة إلى هذه التراتيب. ولو قال قائل: لِمَ لَمْ يستعمل الصحابة هذه التراتيب؟ فالجواب: لقوة فقههم، وشرف علمهم، وسلامة فطرتهم، وقلة الشُّبَهِ في زمنهم، لم تظهر مثل هذه التقاسيم والتراتيب التي تبين الحقائق وتفصل الأمور، حتى لا يقع ضعف، أو اختلاط، أو تقصير في تحقيق المعاني الشرعية.

стр. 11

توحيد الصفات وقوله ﵀: (والصفات)، أي: صفات الله تعالى، وصفات الله تعالى من توحيده؛ حتى قال بعض أهل العلم: إن توحيد الربوبية هو توحيد الأسماء والصفات، ومن المعلوم أن أسماء الرب وصفاته هي من مقام ربوبيته، وإنما ذكرها من ذكرها من أهل العلم على سبيل الاختصاص لأن قوماً ممن ينتسبون إلى الديانة والإسلام والقبلة حصل عندهم أغلاط وأخطاء في مقام صفات الله ؛ إما بتعطيلها، أو تشبيهها بصفات المخلوقين، فلما ظهر هذا الغلط في تاريخ المسلمين بعد عصر الصحابة عني أئمة السنة وأئمة المسلمين من الفقهاء والمحدثين بذكر مسألة الصفات وتخصيصها؛ لما وقع فيها من الغلط بسبب تلك البدع التي ظهرت على يد المتكلمين والمتفلسفة.

стр. 12

توحيد الشرع والقدر وقوله: (وفي الشرع والقدر): المقصود بالشرع: الأمر والنهي. وأخص الأمر: هو أمره لعباده بأن يعبدوه وحده لا شريك له، ولا شك أن هذا متضمنٌ لمقام ربوبيته . وأخص النهي: هو النهي عن الشرك به، عن أن يكفروا أو يشركوا بربهم . والقدر: هو قدر الله في خلقه. وقولنا: (في خلقه) الخلق اسم عام، وليس خاصاً بالعباد من بني آدم؛ بل هو قدره سبحانه المطرد، فإن الله هو الخالق وما سواه مخلوق، والله هو الباري وما سواه عالم مخلوق، وهو رب العالمين أجمعين من بني آدم، ومن الملائكة، والجن، والأحياء والأموات والجماد، وما إلى ذلك. فقدره مطرد في سائر خلقه، وهذا القدر له أصول ومعانٍ سيأتي -إن شاء الله تعالى- التعليق عليها فيما بعد. وقد ذكر المصنف هذه المسألة لأن مقاماً في هذا الأصل -وهو القدر- حصل فيه غلط عند قوم من أهل القبلة، وهو ما يتعلق بأفعال العباد، وصلتها بقدر الله . والقدر: هو قضاء الرب على خلقه فيما يتعلق بحركاتهم وسكناتهم وأفعالهم ومآلهم .. وما إلى ذلك.

стр. 13

معنى قول المصنف: (أهل النظر والعلم والإرادة والعبادة) قال المصنف ﵀: [لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين وكثرة الاضطراب فيهما، فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما، ومع أن أهل النظر والعلم والإرادة والعبادة لا بد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال].

стр. 14

المقصود بأهل النظر قوله: (ومع أن أهل النظر). المقصود بأهل النظر: هم أصحاب النظر العقلي، وهذا هو الغالب على مصطلح النُّظَّار إذا ذكر، فإنه مصطلح متأخر، والغالب على هؤلاء الذين اختصوا بمسألة النظر أنهم من علماء الكلام، ولا يلزم من مصطلح النظر أن يكون نظراً عقلياً على طريقة المتكلمين؛ بل يمكن أن يكون نظراً شرعياً صحيحاً على طريقة المرسلين، فإن النظر العقلي ليس هو النظر بعلم الكلام، ومعلوم أن دليل العقل ليس هو دليل علم الكلام فقط، فإن الله تعالى أمر عباده بالنظر، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] ولكن هل أمر الله سائر المكلفين بالنظر من جهة معرفة وجوده ومعرفة ربوبيته؟ الجواب: لم يأمر الله سائر العباد أن ينظروا إلى معرفة وجوده؛ لأن وجوده وربوبيته فطرة فطر الله سبحانه الخلق عليها، ولكن من اختلطت فطرته بشيء من الضلال والشك فإن هذا يكون النظر في حقه مشروعاً؛ لدرء هذا الإشكال، وهذه الشبهة والظلمة التي طرأت عليه. وأما إذا قصد بالنظر: التفكر في خلق السماوات والأرض على جهة التحقيق والتأمل والتدبر، فإن هذا لا شك أنه مشروع لسائر المكلفين، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] ولذلك فإن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: "إن الله لم يأمر سائر المكلفين بالنظر"، ومقصوده بهذا النظر أي: من جهة معرفة الرب رباً موجوداً، فإن هذا فطرة في قلوب بني آدم، ولهذا لم يأمر به الباري سائر المكلفين.

стр. 15

المقصود بأهل العلم وأما (أهل العلم) فإن هذا الاسم إذا ذكر يراد به أهل علم الشريعة، وقد عُنِي طائفة من أهل العلم بتمييز هذا عن هذا؛ لأن علم الكلام الذي يستعمله جمهور النظار علم مبتدَع، وقد ظهر بعد عصر الصحابة.

стр. 16

تعريف علم الكلام وذم الأئمة له لقد تكلم جماعة في تعريف علم الكلام وحدِّه، ومِن أخصِّ مَن تكلم في ذلك وشاع كلامه عند المعاصرين ابن خلدون صاحب المقدمة، فضلاً عن علماء الكلام أنفسهم؛ فإنهم يعرفون في مقدمة كتبهم هذا العلم، ويقولون: "هو معرفة العقائد الإيمانية بالحجج العقلية". هذا هو التعريف الشائع في كلام النظار وبعض الأصوليين وغيرهم، وهذا التعريف غير صحيح؛ لأن هذا العلم لو كان من هذا الوجه فلا يمكن أن يكون معارضاً للشرع ومذموماً هذا الذم الذي ذُكِرَ في كلام الأئمة المتقدمين الذين أدركوه، فإنه قد تواتر عن أئمة السنة والجماعة كالأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من الفقهاء والمحدثين -تواتر عنهم أنهم ذموا علم الكلام وذموا أصحابه. ومعلوم أن الدليل العقلي لم يشتهر في كلام الأئمة ذمه، وكذا نجد أن الله تعالى في كتابه ذم مسألة العقل؛ بل ذكر في كتابه أن العقل موجب ومحرك للهداية في مثل قول الله عن المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك:١٠] فدل على أن العقل لو حققوه لاستجابوا للحق، وفي مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] فالعقل ليس مذموماً في القرآن، وإنما يذم العقل إذا استعمل على غير وجهه، ووضع في غير موضعه، أو عورضت به الشريعة، أو ما إلى ذلك؛ فإن هذا هو الذي يذم. أما علم الكلام فإنه قد تواتر عن الأئمة ذمه، واقرأ كتاب أبي إسماعيل الأنصاري الهروي الحنبلي فقد حكى روايات متواترة عن الأئمة في ذمه. أما سبب ذم الأئمة لعلم الكلام: فهو فساد معانيه، وقد قال بعض المتأخرين كـ أبي حامد الغزالي: "إن الأئمة كـ الشافعي وغيره ذموا علم الكلام لما فيه من الألفاظ المحدثة". أي: التي لم يوجد ذكرها في القرآن والسنة، مع أن أبا حامد الغزالي وغيره يستعملون علم الكلام، وقد دافع الغزالي ﵀ عن استعماله، فقال: "ولما كان في زمننا هذا احتجنا لاستعماله؛ لدفع صول الفلاسفة وغيرهم على الإسلام"، ومثل لذلك بقوله: "مثل لبس ثياب الكفار؛ فإنها لا تجوز، ولكن إذا قصد من لبسها المصلحة والنكاية وما إلى ذلك بالكفار كان ذلك جائزاً وليس من باب التشبه". وهذا المثل الذي ذكره أبو حامد ليس هذا مورده ولا موضعه؛ بل الصواب أن علم الكلام مذموم، وذلك لسببين: السبب الأول: لما فيه من الألفاظ المحدثة؛ فإن العقائد الإسلامية ينبغي أن يعبر عنها بحروف وكلمات الكتاب، وكلمات الرسول ﵊، ولا يصح أن يلقن المسلمون ويعلموا العقائد بألفاظ كان يتكلم بها المتفلسفة، أو ولدت من الفلسفة، أو ما إلى ذلك؛ بل لا بد أن يتكلم بكلام الله وكلام رسوله، وما نطق به الصحابة، وما يقارب ذلك، أما أن تُهجر هذه الكلمات الشرعية ويؤخذ بكلمات مخترعة محدثة في الإسلام فهذا ليس منهجاً عدلاً ولا صواباً. السبب الثاني: أن هذا العلم تضمن معاني فاسدة، قال ابن تيمية ﵀ في غير موضع في درء التعارض وغيره: "وذم الأئمة لعلم الكلام من جهة فساد معناه أعظم من جهة ذمه لحدوث ألفاظه". وقد تولد عن هذا العلم بدعة المعتزلة بتعطيل صفات الله ، وما إلى ذلك من البدع المعروفة في تاريخ المسلمين التي انحرف من انحرف بها من أهل القبلة.

стр. 17

التعريف الصحيح لعلم الكلام إذاً: الصحيح في تعريف علم الكلام أن يقال: هو علم حادث بعد عصر الصحابة، أحدثه قوم من النظار المائلين عن طريقة الأئمة من الفقهاء والمحدثين. وهو مركب من ثلاث مواد: الأولى: مادة فلسفية مفصلة. الثاني: مادة من الكليات العقلية العامة. الثالثة: مادة من الجمل الشرعية العامة. وهذا من باب الضبط والعدل؛ لأن الحقائق العلمية لا بد أن يتكلم فيها بعلم وعدل؛ حتى مقام الرد على المخالف لا يجوز أن تبغي عليه بحكم، ولا يجوز أن تزيد على مقالته بغير ما قاله. ومن الملاحظ أن المقام العقلي فيه مقام كلي، وأن المقام الشرعي فيه مقام مجمل، أي أن عندهم بعض الجمل الشرعية، ومن الجمل الشرعية التي يراعيها هذا العلم: قاعدة: (أن الله مستحق للكمال، منزه عن النقصان)، فهم يرون أنها قاعدة شرعية، والصحيح أنها شرعية وعقلية أيضاً؛ فإن تنزيه الله عن النقص معلوم بالعقل، وليس كما يقول البعض: إنه معلوم بالشرع وحده. إذاً: هم قصدوا إلى جمل شرعية، وإلى كليات عقلية، ولكن جوهر هذا العلم الذي ينبني عليه ويقوم عليه من جهة التفصيل هي مقدمات لخصت من الفلسفة. كيف دخلت الفلسفة على أهل الكلام؟ لقد كانت البلاد التي فتحت زمن عمر بن الخطاب ﵁ وما بعده -ولا سيما أعالي العراق- كانت بلاداً مليئةً بالثقافات الفلسفية، وقد بدأت الترجمة منذ زمن متقدم في دولة بني أمية، فلما ظهرت الترجمة لهذه العلوم دخلت هذه المولَّدات الفلسفية على المسلمين بما يسمى بـ (علم الكلام)؛ ولذلك تكلم أصحابه بالجوهر، والعَرَض، ومسائل معروفة هي مركبة في الجملة من كلام أرسطو طاليس وأمثاله من فلاسفة اليونان. هذه المادة الفلسفية التي لخصت وأضيفت إليها كليات عقلية، وجمل شرعية، هي ما يسمى في الحقيقة بعلم الكلام؛ ولذلك فليس هذا العلم مجرد استدلال بالأدلة العقلية على العقائد الإيمانية؛ فإنه لما كان هذا العلم مبنياً على هذه المواد الثلاث، ولا سيما المادة الفلسفية المأخوذة عن قوم من الفلاسفة الذين لم يكونوا على دين سماوي صحيح، فقد كان أرسطو طاليس قبل المسيح عيسى ابن مريم ﵊ بثلاثمائة سنة، وكان رجلاً ليس على ديانة شرعية، وإنما كان على فلسفة وإلحاد في تعطيل الباري عن أسمائه وصفاته وغير ذلك؛ فلأجل هذا السبب نجد أن من انتحل هذا العلم -علم الكلام- قد عطلوا صفات الله عن معانيها الشرعية، أو عطلوا ما هو منها، وهذا بحسب استعمال أصحاب هذا العلم له.

стр. 18

المقصود بأهل الإرادة والعبادة قوله: (والإرادة والعبادة): أهل الإرادة في الغالب إشارة إلى العُبَّاد والمتصوفة. والإرادة مسألة نفسية قلبية، فإذا ذكر أهل الإرادات فهو اصطلاح يقصد به النُّسَّاك والمتصوفة، وهناك اصطلاحات في كلام شيخ الإسلام بنحوها، فأحياناً يقول: "أهل الأحوال، المتفقِّرة، المتصوفة"، وهذه المصطلحات تأتي على هذا المعنى، أي: المائلون عن طرق أهل النظر والعقل إلى الطرق الإرادية النفسية السلوكية.

стр. 19

الأصول التي يعرف بها الحق من الباطل قال المصنف ﵀: [لا سيما مع كثرة مَن خاض في ذلك بالحق تارةً وبالباطل تارات، وما يعتري القلوب في ذلك من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات]. لقد خاضت طوائف أهل القبلة في هذين الأصلين، وقد خلط كثير من هؤلاء -بل أكثرهم- خلطوا الحق بالباطل في هذين الأصلين. والصواب في هذا: هو ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، وما نطق به القرآن، وما جاءت به السنة؛ فإن هذه الأصول الثلاثة وهي: إجماع الصحابة، وما دل عليه الكتاب والسنة، هي الأصول التي يوزن ويُعْرَف بها الحق؛ فإن الحق لا يُعْرَف بفلان، وهذه من قواعد الإسلام وشريعة الديانة: أن الحق لا يعرف بفلان وفلان من الأئمة، فإن هذه لم تكن من طرق أئمة السنة والجماعة؛ أنهم يعرفون الحق بفلان أو فلان من الآحاد، وإنما الحق يُعْرَف من جهة كلام الله، أو كلام رسوله، أو إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإذا عُرِف الحق بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع؛ فإن هذا يكون من الحق اللازم من جهة الاتباع. وأما إذا لم يكن هناك دليل صريح من الكتاب أو السنة، أو إجماع في المسألة، فإن النظر في هذه المسألة التي بهذه الصورة يكون من باب المحتمل، ومن باب الاجتهاد الذي يسع فيه الخلاف. وأما إذا انضبط الدليل من النص والإجماع، فإن هذا يكون ديناً لازماً لا تجوز مخالفته؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].

стр. 20

شرح القواعد السبع من التدمرية [٣] الكلام في التوحيد والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، أي أنه مما أخبر الله تعالى ورسوله ﷺ به، فيجب تصديقه ويحرم تكذيبه، والكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب الذي يجب اتباعه والعمل به، وهذان الأصلان يتضمنان توحيد العبادة وتوحيد العلم والقول، والأصل في توحيد الصفات أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، وينفى عنه سبحانه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ .

стр. 21

الكلام في التوحيد والصفات من باب الخبر وفي الشرع والقدر من باب الطلب قال المصنف ﵀: [فالكلام في باب التوحيد والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، والكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب والإرادة الدائر بين الإرادة والمحبة، وبين الكراهة والبغض نفياً وإثباتاً]. قسم اللغويون والبلاغيون الكلام إلى عدة تقاسيم، ومن تلك التقاسيم: أن الكلام ينقسم إلى قسمين: خبر، وإنشاء. والمقصود بالخبر: ما احتمل التصديق والتكذيب، والنفي والإثبات. فالمصنف هنا يقول: إن الكلام في باب التوحيد والصفات هو من باب الخبر، والكلام في الشرع والقدر من باب الإنشاء والطلب الذي هو الأمر والنهي، ويتعلق بالإرادة والمحبة. وهناك في النظر وتراتيب العلوم -ويذكره المنطقيون- ما يتعلق بصيغ الدلالات الثلاث، وهي: ١ - دلالة المطابقة. ٢ - دلالة التضمُّن. ٣ - دلالة التلازم. فإذا قيل: الكلام في التوحيد والصفات من باب الخبر، فمعناه: أن توحيد الله هو قول أخبر الله ورسوله ﵊ به، فيجب تصديقه ويحرُم تكذيبه؛ كقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فإنه هذا نص خبري يجب تصديقه .. وهَلُمَّ جَرَّا. وهل الأخبار الشرعية لا تتعلق بمسألة الطلب والأمر؟ الجواب: لا. بل كل ما كان من باب الخبر فإنه من وجه آخر من باب الطلب، وكل ما كان في الشريعة من باب الطلب فهو من وجه آخر من باب الخبر. إذاً: فكل حقيقة شرعية فإنه يتعلق بها باب الخبر وباب الطلب، ففي الصفات قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] يتعلق به الخبر من جهة أن هذا نص خبري يجب تصديقه، ويتعلق به الطلب من جهة أن الله أمر العباد أن يؤمنوا بالقرآن، وهذا منه. وهكذا ما أخبر به النبي ﷺ ، كقوله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) كما في الصحيحين وغيرهما. وكذلك كل أمر شرعي فإنه يجب اتباعه من باب الطلب والإرادة والأمر، وهو خبري من جهة أنه خبر رباني -أي: في القرآن- أو خبر نبوي. وأيضاً مثل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] فهذا من باب الطلب، ومن باب الخبر أيضاً؛ لأن هذه آية من القرآن، فيجب التصديق بأنها آية من كلام الله .. وغير ذلك كثير في الكتاب والسنة. إذاً: هناك تلازم بين الخبر الشرعي وبين الأمر الشرعي، بمعنى: أن ما كان خبراً فإنه أمر من جهة، وما كان أمراً في الشريعة فإنه يجب التصديق به من جهة أخرى، باعتباره كتاباً من كلام الله، أو باعتباره سنة من كلام رسول الله ﷺ . وقد يقول قائل: ما دام أن ثمة تلازماً في النتيجة، فلماذا ذكر المصنف هذا التقسيم وقال: (فالكلام في التوحيد والصفات هو من باب الخبر .. والكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب)؟ والجواب: أن هذا باعتبار الابتداء، فالتوحيد -من حيث الابتداء- باب خبري، والأمر والشرع باب طلبي، وأما إذا اعتبرت اللوازم والنتائج المتسلسلة، فإن الطلب من جهة هو طلب، ومن جهة أخرى يجب التصديق به لأنه نص من كلام الله أو كلام رسوله. - معنى (الخبر) في قولنا: (التوحيد باب خبري): وقولنا: (التوحيد باب خبري) هل معنى (خبري) أي: الحكم الذي ثبت بالنص وحده، أم الذي ثبت بالعقل؟ نقول: إن المصنف ﵀ في كتبه -ولا سيما في كتابه درء التعارض- قد نبه إلى أن كثيراً من أصحاب علم الكلام زعموا أن القرآن ليس فيه دلائل عقلية، بل هو دلائل خبرية مبنية على صدق المخبر. قال شيخ الإسلام: "وهذا قول من لم يقدر القرآن حق قدره". ومعنى هذا: أن الأخبار التي في القرآن في التوحيد والصفات ليست مخاطبات من جهة التصديق فحسب، بل هي مخاطبات عقلية وخبرية معاً. فمثلاً: قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] هذا نص خبري، لكن هناك نصوص في القرآن هي أخبار ولكنها مخاطبة للعقل أيضاً؛ كقول الله مثلاً: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] فهذه مخاطبة للعقول. إذاً: قد ذكر في القرآن الكريم دلائل عقلية كثيرة تبيِّن ما يتعلق بربوبية الله، واستحقاقه للعبادة، وما إلى ذلك. وأُبْطِلتْ في القرآن الطرق الباطلة في عبودية غير الله سبحانه بالعقل أيضاً، كقول الله تعالى عن أصحاب العجل: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف:١٤٨] فهذه المقدمة من الآية خبر، ثم جاء الإبطال لهذه الآلهة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] وهذا إخبار عقلي، أي: مخطابة للعقل، بمعنى: أنه يمتنع أن يكون إلهاً مستحقاً للعبادة وهو لا يتكلم. ولذلك فإن أهل السنة والجماعة لما أثبتوا صفة الكلام قالوا: دل عليها الشرع والعقل، أما دلالة الشرع: فلأن الله ذكر في كتابه أنه متكلم وأنه يتكلم: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] وهذا نص خبري، وأما دلالة العقل فقول الله تعالى عن أصحاب العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] فهذا يدل على أن الإله الحق يتصف بصفة الكلام؛ لأن الله تعالى قال عن العجل ولمن اتخذه إلهاً معبوداً: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] فدل على أن الإله الحق لا بد أن يكون متصفاً بصفة الكلام. فالقرآن الكريم تضمن دلائل عقلية كثيرة، وهي براهين قاطعة على صحة الربوبية والألوهية، ونبوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

стр. 22

إذا تعلق التصديق والطلب بأمور الشريعة كانت النتيجة متلازمة قال المصنف رحمه الله تعالى: [والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات، والتصديق والتكذيب، وبين الحب والبغض، والحض والمنع، حتى إن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الآخر معروف عند العامة والخاصة، معروف عند أصناف المتكلمين في العلم، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الأيمان، وكما ذكره المقسمون للكلام من أهل النظر والنحو والبيان، فذكروا أن الكلام نوعان: خبر وإنشاء، والخبر دائر بين النفي والإثبات، والإنشاء أمر أو نهي أو إباحة]. يشير المصنف إلى أن سائر المكلفين والناس يشهدون الفرق بين ما كان من باب التصديق وما كان من باب الطلب، ولكن تقدم معنا أنه إذا تعلق ذلك بأمور الشريعة، سواءً كانت في الأصول أو في الفروع، فإن هذا يكون في نتيجته متلازماً.

стр. 23

الواجب على العبد في باب الصفات والشرع والقدر قال المصنف ﵀: [وإذا كان كذلك فلا بد للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات الكمال، وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال، ولا بد له في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره، فيؤمن بخلقه المتضمِّن كمال قدرته، وعموم مشيئته، ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدره إيماناً خالياً من الزلل]. هذه هي الجملة العامة في باب الصفات، وباب القدر. أما في باب الصفات: فإنه يجب على العبد أن يؤمن بما يجب لله من الكمال، وينفي عنه ما يضاد هذا الكمال، كما قال المصنف ﵀: (وإذا كان كذلك فلابد للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات الكمال)، فعبَّر بالوجوب؛ لأن سائر الصفات التي ثبتت له هي صفات واجبة في حقه، بمعنى: أنه متصف بها، ولا يجوز أن يتصف بها أحد من خلقه، أو ما سوى الله . وقوله: (وينفي عنه ما يجب نفيه مما يضاد هذه الحال)، أي: ما يضاد الكمال. وهنا إذا قيل: هل أهل القبلة متفقون في باب الصفات أم مختلفون فيه؟ قيل: ثمة أصل قد اتفقوا عليه، وهذا الأصل الكلي المتفق عليه بين سائر أهل القبلة هو: (أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص)، وهذه قاعدة مُجْمَعٌ عليها بين سائر المسلمين من سائر الطوائف. بمعنى: أن من نازع في هذه الجملة كجملة علمية إيمانية فلم يسلِّم بها، فإنه لا يُعَد من أهل القبلة، ولذلك قال ابن تيمية ﵀: "إن سائر أهل القبلة متفقون على أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص"، ثم قال: "ولكنهم اختلفوا في تحقيق المناط"، أي: اختلفوا في ماهية الكمال، وماهية النقص، هل كمال الله بإثبات هذه الصفات كما هو طريق جمهور الأمة وجمهور المسلمين والأئمة والصحابة؟ أم أن الكمال يكون بهذا النفي الذي دخل عليهم من علم الكلام؟ هذا هو معنى (تحقيق المناط).

стр. 24

قاعدة أهل السنة والجماعة في باب الصفات إن جميع أهل القبلة يسلِّمون بهذه الجملة: (أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص)، ولكنهم إذا جاءوا لتفاصيلها وما يسمى بتحقيق المناط، فإن أئمة السنة والجماعة -وأخَصُّهم أصحاب رسول الله ﵊، ثم من بعدهم من الفقهاء والمحدثين كالأئمة الأربعة وغيرهم- هؤلاء يستعملون في هذا الباب قاعدة واحدة، وهي ما نص عليه الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة -وهي قاعدة ميسرة سهلة من جهة الإدراك للخاصة والعامة- قال الإمام أحمد ﵀: "يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث". هذه قاعدة أهل السنة والجماعة، وقاعدة الأئمة، وقاعدة جمهور المسلمين؛ لأن جمهور المسلمين هم من أهل السنة والجماعة، وإن كان في بيئتهم بعض العلماء النظار أو المتكلمين، فإن العامة في الغالب هم على أصل الفطرة، وأصل السلامة، وأصل التصديق بظواهر الكتاب والسنة، لم ينتحلوا هذا العلم الكلامي الفلسفي الذي لا يستطيع كثير من المتعلمين والأذكياء والبصراء الإحاطة به لدقته في الفهم، وتعقيد مقدماته وتسلسلها وما إلى ذلك، وليس لقوته في العلم. وقد نطق كثير من أصحابه بأنه: علم ليس ميسَّراً للعامة؛ بل هو علم من علم الخاصة؛ ولذلك تكلموا في إيمان العامة: هل يصح بدونه؟ وما إلى ذلك، بكلام لا طائل من ورائه. وأما المخالفون لأهل السنة فإن لهم طرقاً شتى قد خاض أصحابها في هذا الباب بما لا يكون موافقاً للسنة، إما مطلقاً، وإما في بعض المقامات. فالمخالفون لأهل السنة في الصفات أصناف: فمنهم من خالف السنة مخالفةً عامة. ومنهم من خالف السنة في أكثر مواردها. ومنهم من خالف السنة في كثير من الموارد، وليس في أكثرها. فهم طوائف، ولهم درجات ومقامات، وليس المقصود هنا التفصيل في مقاماتهم وطرقهم ومنازلهم. ولما ذكر القدر ذكر أيضاً الإيمان بخلق الله، والإيمان بالقدر: هو الإيمان بخلق الله سبحانه، والإيمان بعلمه ، ومشيئته وإرادته، ثم يُجمع هذا مع الإيمان بأمره، حتى لا يكون للعباد حجة على الله بالقدر.

стр. 25

الأصلان يتضمنان توحيد العبادة وتوحيد العلم والقول قال المصنف ﵀: [وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده لا شريك له، وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل، والأول يتضمن التوحيد في العلم والقول، كما دلت على ذلك سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ودلت على الآخر سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وهما سورتا الإخلاص، وبهما كان يقرأ ﷺ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغير ذلك]. ذكر المصنف هنا ماهية التوحيد وأنها متنوعة: التوحيد العلمي وهو ما يتعلق بالعلم والقول، أو الخبري وهو ما يتعلق بالتوحيد والصفات. وما يتعلق بالقصد والإرادة والعمل، فهذا متعلق بالشرع والقدر، وبالجمع بين مقام الشرع والقدر.

стр. 26

توحيد الصفات قال المصنف ﵀: [فأما الأول وهو: التوحيد في الصفات، فألأصل في هذا الباب أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، ويُنفى عنه ما نفاه عن نفسه]. المصنف بعد مقدمته السالفة شرع في ذكر الجمل المبينة لقاعدة أهل السنة والجماعة في باب صفات الله ، فقال: (فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفياً وإثباتاً). وذكر المصنف للرسل عليهم الصلاة والسلام فيه تصريح بأن دين الرسل في باب أصول الدين واحد، وإنما اختلفت شرائعهم، فإن الله بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بأصول واحدة، وهي أصول الديانة الكلية؛ من توحيده وتنزيهه وكماله، وغير ذلك مما هو من أصول الديانة. ثم اختلفت شرائع الأنبياء، إلى أن جاءت الشريعة الخاتمة، وهي شريعة محمد ﷺ ، وبها ختمت الشرائع، ورضيها الله لعباده إلى يوم الدين. وإذا قيل: إن الرسل عليهم الصلاة والسلام توحيدهم وأصولهم واحدة؛ فإن هذا لا يمنع أن يكون بعض الرسل أفضل من بعض فيما نزل عليه من الكتاب، فإن الله آتى نبيه محمداً ﷺ الحكمة، وأنزل عليه القرآن، ولم يَنْزل على نبي من الأنبياء كتاب كهذا الكتاب الذي نزل على نبينا ﵊؛ ولذلك فإن في القرآن الكريم من التفصيل لأسماء الرب وصفاته ومسائل أصول الدين ما لم يقع في كتاب نبي من الأنبياء أو رسول من الرسل.

стр. 27

الإثبات يراعى فيه اللفظ والمعنى هذه القاعدة الشرعية الرسالية التي اتفق عليها الرسل في صفات الله ، يحصل بها التنبيه على مسائل الحروف والمعاني، بمعنى: أن صفات الله معتبرة بالكتاب والسنة من جهة الحروف ومن جهة المعاني. أما اعتبار المعاني: فإن هذه المعاني المثبتة لله لا بد أن تكون معلومةً من الكتاب والسنة. وأما اعتبار الحروف: فإنه يقصد به التنبيه على مسألة أن يكون الإثبات للباري موافقاً لنصوص الكتاب والسنة من جهة السياقات. ويقصد بمسألة السياقات: أن صفات الباري في القرآن جاءت على سياقين: الأول: سياق الإطلاق. الثاني: سياق التقييد. فإن بعض الصفات ذكرها الله مطلقة؛ كاتصافه سبحانه بالعلم، والحكمة، والقدرة، ونحو ذلك. وبعض الصفات جاء ذكرها في القرآن في سياق التقييد، كصفة المكر؛ قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] وكصفة الكيد؛ فإنه جاء في القرآن في سياق التقييد، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق:١٥ - ١٦] وما إلى ذلك. وعليه: فما ذكره الله في القرآن مطلقاً من الصفات فإن المشروع للعباد أن يثبتوه لربهم من جهة معانيه، ومن جهة سياقاته، أي: أن يذكروه مطلقاً كما ذكر، وما ذكره الله مقيداً فإنه يُذكر مقيداً ولا يسوغ إطلاقه، وإن كان بعض المتأخرين من أهل العلم توسعوا في الإطلاق، ولم يفرقوا بين المطلق وبين المقيد، والأصل أن يُقتدى بطريقة القرآن، فإنك إذا قلت: إن من صفات الله: العلم، والعزة، والحكمة، والقوة، والقدرة، فإن هذا عند العقلاء، وعند المخاطبين والمكلفين؛ بل وغير المسلمين، لا يُفهم منه ما يُشكِل في مقام صفات الباري. ولكن ليس من المناسب في العقل وحتى في الشرع أن يقال: إن من صفات الله الكيد، ومن صفات الله المكر؛ لأن هذا ليس من الحكمة ولا من الفقه، ولا من تحقيق كمال الباري ؛ لأن صفة الكيد ليست كصفة العلم مثلاً، فإن العلم صفة كمال في سائر موارده، وأما صفة الكيد والمكر فإنها تكون كمالاً في مقامها المناسب لها، فيقال مثلاً: إن الله تعالى يمكر بالماكرين، ويكيد على الكائدين من أعدائه .. وهكذا. ومن هنا قيل: إنه لا بد من اعتبار سياق القرآن في إثبات صفات الله ، وعليه: فتكون طريقة أهل السنة والجماعة معتبرة بسياق الحروف، ومعتبرة بالمعاني.

стр. 28

شرح القواعد السبع من التدمرية [٤] طريقة السلف الصالح رحمهم الله تعالى في صفات الله تعالى هي: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته.

стр. 29

طريقة السلف الصالح في إثبات الأسماء والصفات قال المصنف رحمه لله: [وقد عُلم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها: إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل]

стр. 30

المقصود بالسلف الصالح (وقد عُلم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها): المقصود بالسلف من جهة اللغة: التقدم، فإن السالف هو الشيء المتقدم. والمقصود بالسلف هنا: هم أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة الذين أثنى عليهم النبي ﵌، كما في حديث عمران بن حصين الثابت في الصحيحين، وأئمة السلف هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم بعد عصر الصحابة من اتبعهم بإحسان، فهؤلاء هم أئمة السلف من القرون الثلاثة الفاضلة، ومن بعدهم فإنه يكون مقتدياً بهم، وبطريقتهم وبشأنهم. ومن المسائل اللفظية أن يقال: من بعدهم من القرون -إذا كان على معتقدهم- هل يسمى من السلف، أم يقال: من أتباع السلف؟ الجواب: إذا قُصد الزمان والتقدم، فإنه يكون متبعاً لهم، وإذا قصدت الحقائق العلمية بالاسم فإنه يسمى من السلف. وهذه مسألة لفظية لا ينبغي أن يعاضل فيها كثيراً، إنما المهم أن يُفْقَه أن المقصود بالسلف هم: الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا شك أن الصحابة هم أضبط الطبقات في هذه الأمة، ولذلك لما ذكرهم الله تعالى ذكرهم بصيغة الإطلاق في رضاه عنهم، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ولما ذكر من اتبعهم قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] فقيد من ابتع الصحابة أن يكون متبعاً لهم بإحسان.

стр. 31

معنى التكييف في صفات الله قال ﵀: (إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف): المقصود بالتكييف: هو حكاية كيفية الصفة، وقد نفى المصنف هنا التكييف، أي: أن يُحكى عن صفة من صفات الله أن لها كيفية من الكيفيات، فيقال مثلاً: إن كيفية هذه الصفة -كالنزول، أو الإتيان، أو غيرها من الصفات- كذا وكذا. فالمصنف يذكر أن طريقتهم -أي: الصحابة ومن اتبعهم بإحسان- إثبات الصفات من غير تكييف. وهذا النفي للتكييف نفي علم وليس نفي وجود، وإلا فإن صفات الله وأفعاله لها كيفية؛ كنزوله، وإتيانه ، واستوائه على العرش، وغيرها من الصفات، هذه لها كيفيات؛ ولكنه لا يحاط به علماً؛ ولذلك قال الإمام مالك وغيره من السلف والأئمة: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"، وفي رواية عن مالك قال: "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول". فقوله: (والكيف غير معقول) أي: أن العقل البشري يمتنع عليه أن يحيط علماً بكيفية صفة من الصفات، فإن الله لا يحاط به علماً. فالنفي هنا نفي علم، وليس من باب نفي الوجود.

стр. 32

معنى التمثيل قال ﵀: (ولا تمثيل): التمثيل: هو ذكر مثيل لصفة الله من مخلوقاته. وهذا النفي من باب نفي الوجود، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء، كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] سواء كان هذا الشيء موجوداً، أو متخيَّلاً ومتصوراً في الذهن، وإن كان قد لا يستطيع الذهن أن يكون متصوراً له على التمام، فليس كمثله شيء في سائر موارد الإطلاق. وهذا النفي للتمثيل إنما ذكره المصنف رحمه الله تعالى لأن الله تعالى قد ذكره في كتابه في غير موضع، كقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وغير ذلك من الآيات المبيِّنة لتنزيهه .

стр. 33

أدلة تنزيه الله تعالى عن المثلية وتنزيه الباري سبحانه عن المثلية معلوم بالسمع، والعقل، والفطرة: أما الدليل السمعي: فإنه يراد به الكتاب والسنة. وأما الدليل العقلي فإنه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون معتبراً بالمجردات العقلية. القسم الثاني: أن يكون مركباً من القياس على المشاهدات الحسية، فإذا كان مركباً من القياس على المشاهدات الحسية فقد سماه البعض دليلاً حسياً، والصحيح أنه دليل عقلي، أي: حكم من العقل معتبر بحكم المشاهدات والحسيات. وأما إذا كان الدليل العقلي مبنياً على المجردات العقلية -وهو القسم الأول- فإن هذه المجردات العقلية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون من كليات العقل الضرورية، وهذا هو الدليل العقلي الضروري القطعي. القسم الثاني: أن تكون هذه المجردات العقلية -أي: غير الحسية- من قياسات العقل ونظره، وهذا هو الدليل العقلي الظني النظري. وعليه: فقد يكون الدليل العقلي قطعياً إذا اعتبر بالكليات واليقينيات، وقد يكون ظنياً إذا اعتبر بقياسات محتملة. وهنا سؤال وهو من مسائل النزاع في مقدمات الأدلة عند النظار: هل الدليل العقلي القطعي هو المعتبر بالكليات العقلية المجردة، أم أنه قد يكون قطعياً وهو معتبر بالحسيات؟ والجواب: يقول كثير من النظار: إنه لا يكون معتبراً عقلياً قطعياً إلا إذا كان معتبراً بالكليات العقلية القطعية المجردة، وهذا غير صحيح؛ بل يكون عقلياً قطعياً إذا اعتبر بالحسيات المطردة، فإن الحس إذا كان مطرداً أخذ حكم القطع، ودل على مناسب له من الحكم. وعليه: فيكون الدليل العقلي له أربعة أوجه: الأول: أن يكون قطعياً مبنياً على المجردات العقلية، وهي الكليات العقلية في الذهن. الثاني: أن يكون عقلياً ظنياً مبنياً على المجردات العقلية. الثالث: أن يكون حسياً قطعياً مبنياً على الاطراد الحسي. الرابع: أن يكون عقلياً ظنياً مبنياً على المحتملات الحسية القياسية. الفرق بين الدليل العقلي والدليل الفطري: والفرق بينهما: أن الدليل العقلي: هو الدليل الاعتباري المبني على الاعتبار والنظر، سواءً اعتمد على مقدمات قطعية، أو مقدمات ظنية. أما الدليل الفطري: فهو ابتداء من الله في نفوس العباد، أي: أن الله تعلى كما خلق العباد على صورة من الشكل الجسماني الجسدي المعروف، فكذلك خلق الإنسان وهو مبتدأ بهذه الحكمة الأولى وهي الفطرة، فهي مما استودعه الله في الإنسان عند ابتداء خلقه؛ ولذلك قال النبي ﵌ كما في الصحيحين: (كل مولود يولد على الفطرة)، مع أن المولود عند ولادته لا يكون متمتعاً بمسألة القياس والنظر والعقليات، ولا يفقه شيئاً. إذاً: الدليل الفطري: هو ما استودعه الله من الحكمة الأولى في نفوس بني آدم، وهي قول النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة)، وهي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] وأيضاً مثالها بيِّن من جهة الفقه لها، فكما خلق الله الإنسان ناطقاً متكلماً، خلقه كذلك فاقهاً لهذه الحكمة الأولى، أي: مؤمناً ومقراً بها؛ ولكنه إقرار وإيمان مجمل لا بد له من تفصيل، وهذا التفصيل هو الذي يقع في كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولذلك قال الله تعالى لنبيه ﵊: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] وإذا ثبت أن كل مولود يولد على الفطرة، فإن نبينا محمداً ﷺ هو أولى الناس بهذه الفطرة فضلاً عما له من الامتياز في غير مقام الفطرة وما هو زائد عليها. إذا ثبت ذلك فكيف قال الله تعالى في كتابه: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢]. والجواب: أن المقصود بالإيمان هنا هو تفصيله وليس أصله. وهذه الفطرة قد ينحرف الإنسان عنها بما يزينه له الشيطان، قال النبي ﷺ كما في حديث عياض بن حمار: (قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم)، فالله تعالى خلق الناس وهم مقرون بالحنيفية وهي التوحيد، وهذا هو معنى دليل الفطرة.

стр. 34

معنى التحريف قال رحمه الله تعالى: (ومن غير تحريف): ذكر المصنف التحريف مع أنه لا يوجد من أهل القبلة -أي: من المسلمين- من يصرح بتحريف كلام الله وصفاته المذكورة فيما أنزله الله على نبيه محمد ﵊، وإنما ذكره المصنف لأن الله تعالى لما ذكر من انحرف من أهل الكتاب ذكر سبحانه أنهم محرفون لكتابه، فلكون هذا الاسم من الأسماء الشرعية في ذم من خرج عن السنة والهداية النبوية ذكره المصنف من هذا الوجه، وبذلك علل ابن تيمية في مناظرته في الرسالة الواسطية، فقال: "إني ذكرت التحريف؛ لأنه مذكور في القرآن فيمن انحرف عن الحق"، والمصنف هنا قصد إلى الألفاظ والأسماء الشرعية.

стр. 35

نوع التحريف الذي وقع فيه بعض أهل القبلة والتحريف الذي وقع فيه من وقع من أهل القبلة في مقام صفات الباري : هو تحريف في المعاني وليس تحريفاً في الحروف والكلمات، وهذا التحريف -الذي في المعاني- لا يسمونه تحريفاً، وإنما يسمونه تأويلاً، وإن كان حقيقته أنه تحريف؛ لكن هناك فرق بين تسميتهم له تحريفاً وبين ما لو سموه تأويلاً. وهذا الفرق من جهة الحكم عليهم، فإنهم لما سموه تأويلاً كان هذا موجباً لنوع من الحكم، ولو سموه تحريفاً لكان موجباً لنوع آخر من الحكم، فالحكم على المتكلم بذلك يختلف باختلاف ما يستعمله من الأسماء، فإن كلمة (التحريف) في كتاب الله جاءت مذمومة، وأما التأويل فإنه جاء في القرآن على سياق الإقرار في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] فهو نوع من الإقرار، ولا سيما إذا قرئت الآية على الوصل.

стр. 36

معنى التعطيل وأنواعه وقوله: (ولا تعطيل): التعطيل: هو تفريغ الصفات عن حقائقها، إما بنفي ما هو من كلماتها؛ لعدم ثبوته، كنفي بعض الأحاديث بحجة أنها من الآحاد، أو مما لا يصح، وإما بتفريغ معانيها عن حقائقها الشرعية الدالة عليها. وهذا الاسم -أي: التعطيل- ليس من الأسماء المذكورة في القرآن؛ ولكن المصنف ذكره لأنه وصف يدل دلالة بينة على حقيقة هذه المذاهب، فكأن المصنف يريد أن يقول: إن هذه المذاهب التي استعملها من استعملها من المتكلمين نتيجتها التعطيل لصفات الله ، وإلا فلا أحد من المسلمين يقول: إنه معطل لصفات الله؛ لكن هذا المذهب الذي هو نفي معاني الصفات، ونفي قيام الصفات بالذات، وما إلى ذلك، حقيقته أنه تعطيل للرب عن كماله؛ فإن من خرج عن محكم آيات الكتاب والسنة فإنه يكون معطلاً للرب عن كماله؛ ولذلك ذكر المصنف هذا التعبير الذي نقول: إنه تعبير وصفي عن حقيقة هذا المذهب. وهذا التعبير الوصفي -وهو التعطيل- هو الذي سماه ابن سينا في كتبه: (التجريد)، ولذلك تجد في كتب ابن سينا عبارة التجريد الإلهي، وهو يَقصد بالتجريد الإلهي: نفي الصفات اللائقة بالله ، فلكلٍ استعمالٌ من النظار والمتفلسفة والمتكلمين؛ ولكن درج الأئمة المتقدمون من أهل السنة والجماعة على أن يسموا هذا تعطيلاً؛ ولذلك تبرءوا من طريقة المعطلة. وهذا السياق من كلام المصنف لما قال: (من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل) يبين به وسطية أهل السنة والجماعة، وأنهم يثبتون صفات الله على ما اقتضاه سياق القرآن، ولا يزيدون في الإثبات على الحقائق القرآنية، ويفقهون كتاب الله بما اقتضاه لسان العرب؛ فإن القرآن نزل بلسانهم، وقد أخبر الله في كتابه في غير موضع أنه نزل بلسان عربي مبين، فهم لا يزيدون على القرآن؛ لا في حروفه، ولا في معانيه، ويعتبرون هذه الوسطية بالبراءة من التكييف والتمثيل، وبالبراءة من التعطيل والتحريف، فهم وسط بين هؤلاء وهؤلاء.

стр. 37

مصطلح (التشبيه) لم يذكر المصنف هنا التشبيه، وقد قال بعض المتأخرين: إن كلمة (التشبيه) ذكرها غير مناسب؛ لأن هذه الكلمة لم تذكر في القرآن، وربما عللوا ذلك بأنه ما من شيئين إلا ويقع بينهما قدر من التشابه، ومن هنا تركوا هذه الكلمة. والصواب أن يقال: إن التصريح بنفي التشبيه صحيح، وإن لم يذكر في القرآن، وذلك لوجهين: الوجه الأول: أن العلم بتنزيه الباري عن مشابهة الخلق معلوم بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، وإن لم يصرح بهذه الكلمة في القرآن، فإن الله منزه عن التشبيه، ولذلك لا غرو ولا عجب من ذكرها، وإن لم ينطق بها القرآن؛ لأنه ذُكِر في القرآن ما هو أتم من جهة المعنى والمراد وهو التمثيل. ثم إن التشبيه والمشابهة وإن لم تذكر في القرآن بنصها؛ فإنه ذُكر في القرآن ما يدل عليها، كقوله : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] وغير ذلك من الآيات؛ مما يدل على أن مسألة التشبيه منفية في القرآن، وإن كان هذا الاسم لم يصرَّح بذكره. ومعلوم أنه إذا ورد سؤال: هل الباري منزه عن مشابهة خلقه؟ فإن الجواب يكون: نعم. عقلاً وشرعاً. الوجه الثاني: أنه إذا ذكر معتقد الصحابة ومن وافقهم واتبعهم بإحسان قيل: من غير تشبيه؛ لأن المخالفين الذين ظهروا بعد عصر الصحابة اتهموا وطعنوا في الأئمة بحجة أنهم أهل تشبيه، فطعنت المعتزلة وأئمة الجهمية الأولى على أئمة السنة والجماعة بأنهم مشبهة، وأكثروا من إضافة التشبيه إلى مذهب السلف، فلما اشتغل المخالفون بهذه الإضافة ونسبوا الأئمة إلى التشبيه؛ كان لا بد من التصريح بذلك. ولذلك فإن من الحكمة والفقه أن يقال: إن الله منزه عن التمثيل والتشبيه. والذي يعاب ويعد من التقصير أن يذكر نفي التشبيه ولا يذكر نفي التمثيل، وأما جمعهما فهو الحكمة، وإنما قيل: (هو الحكمة)؛ لأن كلمة (التمثيل) مذكورة بالنفي في القرآن، وكلمة (التشبيه) لو لم يكن من موجب ذكرها إلا أن المخالف أضاف مذهب أهل السنة والجماعة إلى التشبيه لكان هذا كافياً. ومما يُتعجب منه: أن بعضهم يقول: لا نذكر كلمة التشبيه. ويعلل ذلك ببعض التعليلات، ثم إذا ذكر القياس قال: إن الله يستعمل في حقه قياس الأَولى. مع أن كلمة (القياس) غير مذكورة في القرآن، وأصل كلمة القياس في لسان العرب تدل على نوع من التشابه والتشاكل بين الشيئين وبين الماهيتين.

стр. 38

أقسام الألفاظ المعبر بها في باب الصفات والكلمات التي يعبر بها في مقام صفات الله تكون على أربعة أوجه: الوجه الأول: أن تكون كلمات واجبة الاستعمال. الوجه الثاني: أن تكون كلمات سائغة الاستعمال. الوجه الثالث: أن تكون كلمات يرخص في استعمالها لمصلحة. الوجه الرابع: أن تكون كلمات ممنوعة الاستعمال. أما الكلمات الواجبة الاستعمال فهي: الكلمات القرآنية والنبوية؛ كالاستواء، والسمع، والبصر، والنزول، والإتيان، وما إلى ذلك. وأما الكلمات التي يسوغ استعمالها فهي: ما كان خبراً عن الباري مما لم يصرَّح بذكره في القرآن، وإنما يُخبر عنه على مقام الإثبات، أو يُخبر عنه على مقام النفي، ومن هذا كلمة (التشبيه)، فإنها من باب التنزيه له ، وإن لم تذكر بنصها في القرآن؛ فيُرخص في استعمالها. وأما الكلمات التي يسوغ استعمالها للمصلحة فهي: بعض الألفاظ المجملة في حال المناظرة، وقد ذكر ابن تيمية في درء التعارض أن مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم يكون مرخصاً فيه إذا اقتضت المصلحة الراجحة، ولكنهم لا يوافقون على شيء من المعاني الباطلة، ولا يلزم من هذه الكلمة التي ساغت في مقام أن تكون سائغة في سائر المقامات، بمعنى: أنه قد يسوغ لك المناظرة أن تتكلم ببعض المصطلحات، ولكن هذا مقيد بهذه المناظرة التي قضت الحاجة بها، ولا يلزم من ذلك أن يكون هذا المصطلح الذي تستعمله في هذا المقام مستعملاً في سائر المقامات. وأما ما كان ممنوع الاستعمال فهو: ما تضمن نقصاً، أو نفي كمال عنه ، فإن هذا لا يكون مرخصاً فيه. ومن هنا نقول: إن كلمة (القياس) يجعلها بعضهم من القسم الثاني، وبعضهم يجعلها من القسم الثالث. والفرق بينهما: أن القسم الثاني -وهو الألفاظ سائغة الاستعمال- يعني الألفاظ التي يسوغ أن يبتدأ بها من دون إجبار على ذلك، وذلك في غير مقام المناظرة، أو الرد، أو ما إلى ذلك. وهذا فيما يظهر أنه ليس صحيحاً؛ بل الظاهر أن (القياس) من القسم الثالث، فإنه لا يقال في حق الله : (يستعمل في حقه قياس الأولى) ابتداءً، ثم يقال: وقياس الأَولى هو المثل الأعلى المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] فتكون الآية دليلاً لهذا الاسم؛ بل الأصل أن يقال: إن الله له المثل الأعلى، ويُعلَّم المسلمون أن الله له المثل الأعلى، أي: الوصف الأكمل. أما أن المصطلحين من النظار بعد ظهور المصطلحات والمنطق وغير ذلك سمَّوا هذا: (قياس الأولى) فهذه مسألة اصطلاحية لا يبتدأ بها؛ ولكن عند المناظرة يقال: إن ما كان من باب قياس الأولى فإن معناه يكون صحيحاً لائقاً بالله، وإلا فإن الابتداء بكلمة القياس بيِّن الذم، فمجرد أنك تقول: إن الله يستعمل في حقه القياس، ثم تفسر هذا القياس ولو بمعنىً صحيح، فإن الكلمة من أصلها أقل ما يقال فيها: إنها كلمة مجملة. ومعلوم أن من يتكلم بهذا -ولا سيما بعد ظهور المصطلحات المتأخرة عند متكلمة الصفاتية- كـ ابن تيمية وغيره يذكرون قاعدة: (أن ما كان من الألفاظ مجملاً حادثاً فإنه لا يطلق)، وكلمة (القياس) أقل ما يقال فيها: إنها كلمة مجملة حادثة. إذاً: التباعد عن هذه الكلمة هو الفقه، وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر مسألة القياس في العقيدة الواسطية وقال: "إنه يُستعمل في حق الباري قياس الأولى"، قال: "وهو معنى قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، وهذا الكلام الذي ذكره ابن تيمية صحيح، لكن نقول: إنه يكون في مورد إبطال أدلة المخالفين والرد عليهم، وبيان أن معتقد أهل السنة والجماعة معتبر بالعقل كما هو معتبر بالشرع، وقد تقدم أن ما يتعلق بالمعتقد يذكر على طريقتين: الأولى: أن يكون من باب التقرير. الثانية: أن يكون من باب الرد. أما باب التقرير فإنه يقصد فيه إلى ذكر الكلمات والجمل الشرعية النبوية، وباب الرد لا مانع من استخدام الألفاظ المجملة.

стр. 39

منهج السلف في نفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله قال المصنف ﵀: [وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه -مع ما أثبته من الصفات- من غير إلحاد، لا في أسمائه، ولا في آياته، فإن الله ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠]]

стр. 40

معنى الإلحاد قوله: (من غير إلحاد): الإلحاد في أصل اللغة: الميل، ويُذكر الإلحاد ويراد به الكفر والجحود، ولم يقصد المصنف هنا الإلحاد الذي هو الكفر والجحود؛ لأن هذا لم يقع فيه أحد من أهل القبلة، وإنما حصل من الكفار، وهو الإلحاد في أسماء الرب وآياته، وإنما الذي وقع فيه من وقع من أهل القبلة -وهو ما قصده المصنف هنا-: هو الإلحاد الذي هو بمعنى الميل عن الحق، والإلحاد قد يذكر ويراد به الكفر، وقد يذكر ويراد به نوع من الميل والظلم، كقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥]
следующие страницы →