Полный текст (214 стр.). Показаны 176–214 · переход к 181.
стр. 176
حكم أهل المعاصي عند أهل السنة
قال ﵀: [وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج].
أهل السنة بخلاف الخوارج، لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، ومن ضبط تعبيره أنه لم يقل: لا يكفرونهم بالمعاصي والكبائر؛ لأن الشرك معصية وكبيرة، والنبي ﷺ في حديث أبي بكرة قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله.
قال: الإشراك بالله ...)، وفي حديث ابن مسعود في الصحيح: (أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله نداً وهو خلقك).
فالقصد: أن تسمية الشرك كبيرة أمر ثابت في السنة، وإن كانت الكبيرة إذا اقترنت بذكر الكفر أو الشرك انصرفت إلى ما دون الكفر، بخلاف ما إذا انفردت فإنه يذكر بها الكفر وما دونه.
فمن ضبط المصنف هنا أنه قال: بمطلق المعاصي، أي: بآحاد الكبائر.
والذين يكفرون بها هم الخوارج، وجمهورهم يقولون: إنه يكفر كفر ملة، وقالت الإباضية منهم: إنه يكفر كفر نعمة، مع اتفاق الطائفتين على أنه في الآخرة مخلد في النار.
قال ﵀: [بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]].
الأخوة الإيمانية ثابتة ولو مع الكبائر التي لا تنافي أصل الإيمان؛ خلافاً للمعتزلة الذين جعلوا الكبيرة موجبةً لإسقاط أصل الإيمان، ومسقطةً لأصل الأخوة في الدين، فيسلبون الفاسق الإيمان، ويجعلونه في منزلة بين الكفر والإيمان، وهذه منزلة مخالفة لأصول النظر والعقل؛ ولذلك ما يُزعم من أن المعتزلة هم أرباب العقل والانضباط العقلي هو تلبيس عظيم؛ فإن أول مبدأ المعتزلة كان في مسألة الكبيرة، فجاءوا بحكم مخالف للعقل، مخالف للذوق، مخالف للشرع من جميع الجهات، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار.
فهذا مخالف -إن صح التعبير- للانفتاح العقلي، فكيف يزعم بعض الكتاب أن المعتزلة هم أرباب الانفتاح العقلي في تاريخ المسلمين، وهم رواد العقل والانفتاح والحرية العقلية، وأن الأئمة والمحدثين كانوا هم أهل الانغلاق والتشدد؟! فمن يزعم ذلك فلا شك أنه لم يفقه مذهب المعتزلة.
فإن المعتزلة جميعهم قد اتفقوا على أن من ارتكب كبيرة من المسلمين صار مخلداً في نار جهنم، وهذا من أصولهم، بل هو أول الأصول الذي انشقوا بها عن المسلمين، فأي انفتاح وأي اعتدال عقلي وأي سعة نظر يمكن أن يوصفوا بها مع هذا الأصل؟! هذه جهة.
الجهة الثانية: أنهم جاءوا باسم منغلق لا تستطيع أن تضع له مكاناً، فالخوارج على أقلِّ تقدير قالوا: هو كافر؛ لأن الناس إما كافر وإما مسلم، لكن هؤلاء قالوا: ليس بكافر وليس بمؤمن، بل في منزلة بين المنزلتين، فهذه المنزلة لا يوجد لها مكان في العقل، فمهما حاول العقل أن يثبت منزلة يكون صاحبها ليس مؤمناً وليس كافراً فإنه لا يستطيع.
قد يقول قائل: إن المعتزلة يقولون عنه: هو فاسق، فأقول: هذا الفاسق في مذهبهم ليس عنده شيء من الإيمان، ومن ليس عنده شيء من الإيمان يكون كافراً، فالكافر هو منعدم الإيمان.
ولذلك لما كانت هذه المنزلة منزلةً وهمية في العقل، وكانت القضية قضية أسماء، استطاع المعتزلة أن يوجدوا لها هذا الاسم في الدنيا، وفسروا اسم الفاسق في القرآن بمثل هذا، لكن لما جاءهم مقام الآخرة، ومقام الآخرة لا يوجد فيه أسماء وهمية، بل هناك حقائق؛ إما جنة وإما نار؛ انغلق عليهم القول، فجعلوه مخلداً في النار.
إذاً: مذهب المعتزلة في هذه المسألة مذهب ركيك من جهة العقل نفسه، وهم إنما تقووا بالعقل لما نقلوا هذا النقل من كتب الفلاسفة وما ركبوه في علم الكلام المولد من الفلسفة، وهذا ليس لهم فيه شرف؛ لأنه منقول عن غيرهم في الجملة.
قال المصنف ﵀: [وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]].
وجه الدلالة أن الله قال: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)، مع أنه يُعلم أنهم حال اقتتالهم لا بد أن يكون أحدهم ظالماً والآخر مظلوماً، فلا بد أن يكون أحدهما باغياً على الآخر، فسماهم مؤمنين، والمراد هنا أصل الإيمان، ولا يلزم بالضرورة أن يراد الإيمان الكامل؛ ولذلك قال بعد هذا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠].
قال ﵀: [ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية].
قيد المصنف اسم الفاسق بقوله: (الملي)؛ لأن الفسق يأتي في القرآن ويراد به الكفر بالله، قال الله تعالى عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]، وكالفسق المطلق في القرآن؛ فقد نص شيخ الإسلام على أن اسم الفاسق إذا أطلق في القرآن فإنه يراد به الكافر، بل هذا هو الغالب على موارد ذكره في القرآن، وإن كان قد استعمل في غير ذلك، كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات:٦]، فالفاسق هنا ليس المراد به الكافر، وإنما المراد به الكاذب أو ما إلى ذلك، هذا إذا فسرت الآية بما هو مشهور من جهة التفسير في سبب نزول هذه الآية.
قال ﵀: [ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]].
فالفاسق يدخل في اسم الإيمان، وإن كان لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، وهذه من حقائق مذهب السلف: أن اسم الإيمان ورد في كتاب الله مورداً متنوعاً، وهذه الحقيقة هي الموجبة لضبطهم لمسألة الإيمان، بخلاف غيرهم من الطوائف، فإن أصل غلطهم أنهم جعلوا مورد اسم الإيمان في القرآن واحداً؛ فالخوارج والمعتزلة وجدوا أن القرآن يذكر المؤمنين عند الإطلاق على التحقيق، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] وما بعدها من الآيات، وكقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً﴾ [الأنفال:٢]، فوجدوا أن الاسم المطلق للمؤمنين إنما يكون لمن حقق الإيمان، فاعتبر الخوارج والمعتزلة مثل هذه السياقات.
وأما المرجئة فإنهم اعتبروا ظاهر التفريق من مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧].
والصواب: أن مورد الإيمان متنوع في كتاب الله، ولذلك فقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] المقصود هنا بالمؤمنة: من حقق أصل الإيمان، ولذلك يصح عتق الفاسق بإجماع الفقهاء.
قال ﵀: [وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً﴾ [الأنفال:٢] وقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)].
المؤمن هنا هو المؤمن المطلق المذكور في قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، فالزاني حين زنى لم يكن داخلاً في هذا الاسم؛ لكنه يدخل في قول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢].
قال ﵀: [ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته].
الجملة الأولى أفصح في مخالفة المرجئة؛ لأن جماهير المرجئة يقولون عن مرتكب الكبيرة: إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، كالأشعرية ونحوهم، لكنهم لا يجعلون إيمانه ناقصاً بموجب هذه الكبيرة، والسلف كانوا يقولون عنه أنه مؤمن ناقص الإيمان، وهذا أفصح من جهة مخالفة المرجئة.
قال ﵀: [فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم].
قوله: (لا يعطى الاسم المطلق) هو اسم الإيمان المطلق في سائر موارده، (ولا يسلب مطلق الاسم) بحيث لا يسمى مؤمناً في سائر الأحوال، بل يسمى مؤمناً بحسب المقام المقتضي له، والمقام المقتضي له ما يتعلق بأحكام الدنيا؛ كالعتق وما يتعلق بالشهادة له بأصل الإيمان ..
وهلم جراً.
стр. 177
شرح العقيدة الواسطية [٢٠]
معتقد أهل السنة والجماعة في الصحابة أنهم خير خلق الله بعد أنبياء الله، وقد اصطفاهم الله لصحبة نبيه ولحمل دينه وتبليغه لمن يجيئون بعدهم، كما يعتقدون فيهم أنهم يتفاضلون فيما بينهم، وأن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر وأصحاب بيعة الشجرة، ويعتقدون لزوم السكوت عما شجر بين الصحابة وسلامة القلوب والألسنة لهم رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 178
موقف أهل السنة والجماعة من الصحابة
قال ﵀: [فصل: ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]].
قوله: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم)، ذكر القلوب والألسنة، لأن الواجب هنا أن يكون المسلم على فقه بشأن الصحابة وبما حصل من النزاع بينهم، يوجب له هذا الفقه ألا يقع في قلبه شيء على الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا يكفي في ذلك أنه لا يعبر؛ فإن بعض الناس قد يعرض في نفسه ما هو من الإشكال في شأن الصحابة ولا يعبر به، ومحقق الإيمان لابد أن يتصف بسلامة قلبه ولسانه لأصحاب النبي ﷺ .
وتعظيم شأن الصحابة قد قال بعض أهل البدع أنه لا يدخل في مسائل أصول الدين، وهذا غلط؛ لأن هذا من أخص مسائل أصول الدين، ومن طعن في الصحابة رضي الله تعالى عنهم فقد خالف ما هو من أهم الأصول وأخصها.
فإن قيل: فما موجب ذلك؟ قيل: لأن الله في القرآن جعل ثبات الإسلام ومنهج الإسلام مرتبطاً بأصحاب نبيه، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وهذه الآية من أقوى وأصرح ما في القرآن، وفيها خطاب شرعي وخطاب عقلي، فيمكن أن يستدل بها استدلالاً عقلياً في الرد على الروافض الذين يطعنون في الصحابة، فقوله جل وعلا: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) هذا أقوى مما لو كان في سياق الآية أن السابقين الأولين هم أهل الإيمان، أو هم أهل المنهج الحق، أو يجب اتباعهم؛ لأن الله قال: (رضي الله عنهم ورضوا عنه)، وهذه الدرجة -وهي الرضا- درجة عظيمة؛ قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فهي لا تكون إلا لأئمة المؤمنين المحققين للإيمان علماً وعملاً، ولذلك فما وصف الله أحداً بالرضا إلا إذا كان محققاً لهذه المنزلة؛ وهي أنه محقق للإيمان علماً وعملاً، فهذه شهادة صريحة من الله لهم بأنهم مؤمنون محققون للإيمان علماً ومحققون له عملاً؛ لأن بعض الناس قد يكون صاحب نسك ولكنه ليس صاحب علم.
فقوله: ﵃ هو أقوى من التصريح بكونهم مؤمنين؛ لأن الرضا لا يكون إلا لمن حقق الإيمان، ولأن الرضا حكم متعلق بالمآلات، بخلاف اسم الإيمان الذي قد تعقبه مخالفة أو كفر أو ما إلى ذلك، فقوله: ﵃ هو حكم متعلق بالمآل على التمام، ولو كانت الآية وقفت عند هذا لكان هذا كافياً في هذه الدلالة، ولكن الآية فيها تصريح أتم وأقطع لشبهة من عنده شبهة، فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فجعل هذا الذي عليه أصحاب نبيه هو الحق؛ لأنه قال: (والذين اتبعوهم)، فعُلم أن الهدي الذي كانوا عليه -أعني: السابقين من المهاجرين والأنصار- هو الحق الذي رضيه الله ديناً لعباده، فكان اتباع الصحابة حكماً مطرداً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى أن تقوم الساعة.
وكما أن قول الله تعالى عن القرآن: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] هو أمر باتباع ما أنزل؛ فكذلك الأمر باتباع الصحابة، فعُلم أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هديهم هو الدين الذي شرعه الله ورسوله، فمن خالفهم -فضلاً عمن طعن فيهم- لا شك أنه ليس على إيمان صحيح؛ لأن الإيمان الصحيح جعل الله له مساراً واحداً هو: (والذين اتبعوهم بإحسان)، فلم يقل: الذين اتبعوا القرآن، ولم يقل: والذين اتبعوا محمداً ﵊، مع أنه لا شك أن اتباع القرآن واتباع محمد ﵊ أشرف من اتباع الصحابة، ولكن المقصود هنا أن هؤلاء القوم -وهم الصحابة- متبعون للقرآن، متبعون لمحمد ﷺ ، فقال: (والذين اتبعوهم) ولم يقل: الذين اتبعوا مؤمنهم أو صادقهم، إنما قال: (اتبعوهم)، والضمير يعود إلى السابقين من المهاجرين والأنصار، وقد أضاف الاتباع إلى سائرهم.
وقال تعالى: (بإحسان) وهذا يدل على أن هذا الاتباع يجب أن يكون محققاً، وأنه لا يُجتهد بمخالفته بما يوجب مخالفتهم ولو كان هذا مبنياً على الاجتهاد؛ ولذلك فإن أي قول في العلم في الأصول أو في الفروع يخالف ما هو من قول الصحابة فلا يجوز الالتفات إليه، حتى ولو كان صاحبه قد بناه على نوع من النظر والاجتهاد، يخالف منهج الصحابة وأصول الصحابة وقاعدة الصحابة أو ما انضبط عن الصحابة، أو ما إلى ذلك من المسائل.
وإذا اختلف الصحابة جاز الاجتهاد.
والمقصود: أن ما كان من منهجهم المنضبط أو أقوالهم المنضبطة لم يجز العدول عنه، فهذا هو معنى قول الله: (بإحسان)، فقيد الاتباع بكونه بإحسان، أي: أنه اتباع مقتصد، لا غلو فيه ولا تقصير، ولا إفراط فيه ولا تفريط.
فهذا يدل على أن الطائفة التي تسير على منهجهم هي التي ينتظر لها من المنزلة ما حصل للصحابة، وذلك لقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فهؤلاء مستحقون لهذه المنزلة، ولا تستحق منزلة الرضا إلا بهذا الاتباع، فعُلم أنه لا مسار للمسلمين إلا ما كان عليه أصحاب رسول الله، فما خالفه فهو بدعة وضلالة في الدين.
стр. 179
الرد على شبهات الرافضة حول الصحابة ﵃
بعض من يشكل على هذا الاستدلال يقول: إن الله تعالى قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ [التوبة:١٠٠] فقال: (السابقون) وقال: (الأولون)، ولم يجعل هذا في سائر الصحابة، بل قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] ولم يجعله في سائر الصحابة.
فنقول: نعم، السابقون الأولون لهم منزلة أعظم من منزلة سائر الصحابة، كما قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠] فالسابقون الأولون الذين آمنوا من المهاجرين أولاً أو من الأنصار أولاً، هؤلاء المتقدمون زماناً هم الذين امتدحوا، وبقية الصحابة يدخلون في الذين اتبعوهم بإحسان؛ لأن الذين أسلموا كانوا يقتدون بمن سبقهم، ففي زمن النبوة كان الصحابة يقتدون بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ألم يقل النبي ﷺ : (فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا)؟! وهذا في الصحيح من حديث أبي قتادة في سياق طويل، مع أن النبي ﷺ كان وقتها حياً.
إذاً: من بعد السابقين الأولين من بقية الصحابة هم داخلون في مسألة الاتباع، أنهم اتبعوهم بإحسان ..
هذه جهة.
الجهة الثانية: أنه لا توجد طائفة من المسلمين تزكي السابقين الأولين بالتحقيق وتستثني من بعدهم، إنما هذه شبهة يستعملها من يريد أن يشكك العامة في دلالة الآية على امتداح الصحابة، وإلا فمعلوم أن إمام السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هو أبو بكر، ولو انكف الشيعة والرافضة بخاصة عن الطعن في أبي بكر لكان هذا مؤذناً بغيره، لكن أكثر من يقصدونه بالطعن هو أبو بكر ﵁.
إذاً: هذا متعذر أن يكون إيراداً على الآية؛ لأنه مجاب عنه على سائر الموارد.
ومنهم من فرض أن المقصود بالسابقين الأولين هم أئمة آل البيت، والنبي ﵊ في حياته ما أعطى آل البيت القداسة التي صنعها التاريخ الشيعي لآل البيت، نعم النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون بالله حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، فيجب محبة مؤمنهم لكونه من أهل بيت النبي ﷺ ، لكن ليس معنى ذلك أن المؤمن إنما يحب من هذا الوجه فقط، فالمؤمن يحب من هذا الوجه: من جهة أنه قد يكون من آل بيت النبي، كما يحب من جهة صدقه، ومن جهة بره، ومن جهة إحسانه، فموجبات المحبة للمؤمن كثيرة، فالنبي ﷺ في آل البيت جعل من موجبات محبة مؤمنهم أنه قريب منه.
وأبو بكر لا يوجد فيه هذا الوجه؛ لأنه ليس من آل البيت، لكن لا يعني ذلك أن من كان من آل البيت امتاز امتيازاً مطلقاً عن أبي بكر بوجه من أوجه المحبة، ولا شك أن عند أبي بكر من أوجه المحبة ما هو أعظم مما عند آل البيت في سائرهم ..
هذا مما يعرف.
وقد كان علي بن أبي طالب -وهو أفضل آل البيت ومن أصحاب النبي ﷺ يعرف هذه المنزلة لـ أبي بكر، ولو كان النبي ﷺ يريد بذلك تقديم آل البيت على غيرهم -كما تفعله الشيعة المتعصبة- لقدم علي بن أبي طالب على أبي بكر، والرسول ﷺ في حياته ما قدم علياً ولا مرةً واحدةً تقديماً مطلقاً على أبي بكر، بل دائماً الذي في المقدمة هو أبو بكر، إلا يوم خيبر حين قال: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله) وهذا لا إشكال فيه، فقد أعطاها علياً هذه المرة، لكن النبي ﷺ عقد رايات كثيرة وأمر أناساً كثيرين، فلم يكن في ذلك حجة لتقديمهم علياً على أبي بكر.
لماذا لم يدع قوم أن بلالاً له اختصاص مطلق لأنه أُعطي الأذان؟! فإن أعطي علي الراية، فقد أعطي بلال الأذان، وأعطي هذا كذا وأعطي هذا كذا ..
وكم عقد النبي من رايات لغير علي بن أبي طالب!! فلماذا لا يقف هؤلاء إلا مع راية علي بن أبي طالب؟!!
هذه طرق فاسدة في العقل والشرع.
علي بن أبي طالب هو أفضل رجل في الأمة بعد أبي بكر وعمر وعثمان، وإن كان القول في عثمان فيه خلاف معروف عند أهل السنة، إنما المقطوع به هو تقديم أبي بكر وعمر عليه، هذا هو المجزوم به إجماعاً صريحاً عند السلف، فإما أن يكون الثالث، وإما أن يكون الرابع، وهذا هو المشهور عند أهل السنة، فلا شك في فضله، ولا شك أن من موجبات فضل علي أنه من آل البيت، والنبي ﷺ لما قال عن الحسن والحسين: (إنهما سيدا شباب أهل الجنة) فليس ذلك لأنهما من آل البيت، وإنما لكونهما من أهل الإيمان، وقد كان من آل البيت من هم كفار، وأبو النبي قال النبي ﷺ : (إن أبي وأباك في النار).
قد يتفضَّل الله لآل البيت المؤمنين بدرجات لقربهم من رسول الله، فهذا يقع، ولكن موجبات الإيمان هي العبودية لله، لا أن هذا من آل البيت وهذا ليس من آل البيت.
والإسلام لم يأت ليكرِّس سلطة عائلة معينة، والنبوة ليست اكتساباً، ومن عقائد السلف بل من عقائد جمهور المسلمين إلا من شذ من المتفلسفة أن النبوة اصطفاء من الله، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فالإسلام ما جاء ليكرِّس سلطة عائلة، والسلطة في الإسلام -وهي السلطة وليست النبوة- وضع لهذا أنظمة كالشورى وغير ذلك، فما بالك أن تكرس القضية الدينية الإيمانية لسلطة عائلة، ويمكن أن تخلو هذه العائلة من العلماء؛ فهل ينزل عليهم وحي؟! هل هم معصومون؟! هذه أشياء يجب أن تُفقه.
الإسلام أكبر من ذلك، الإسلام دين الله، ومحمد ﵊ هو نبي اصطفاه الله، فتكريس مسائل السلطة في العائلة بحجة مسألة آل البيت، وجعل الإسلام كله كأنه يرجع للحسن والحسين وفاطمة وما حصل من قتل وظلم، فأين هي قضية العبودية والدين الإسلامي؟! هذا ضعف في تصوير الإسلام وبيان حقيقته العبادية الإيمانية.
والمقصود: أن هذه الآية دليل صريح من الشرع والعقل على أن هؤلاء القوم -أعني الصحابة- هم أهل الإيمان.
ورداً على من يقول: إن السابقين الأولين هم آل البيت، نقول: إن الله تعالى قال: (من المهاجرين والأنصار) وهب أن المهاجرين المقصودين في الآية كلهم آل البيت، فهل هناك أنصار من آل البيت؟! الأنصار معروف أنهم هم أهل المدينة النبوية، وهؤلاء ليسوا من قريش في الجملة أصلاً، وليسوا من آل بيت النبي ﷺ ، والله يقول: (من المهاجرين والأنصار).
وهناك من يقول: (الأنصار) هنا هم الذين نصروا علي بن أبي طالب؛ فنقول: إن الآية نزلت قبل أن توجد مسألة الانتصار لـ علي بن أبي طالب، فهذا تحريف للقرآن، ولا شك أن الآية لما نزلت كانوا يسمون الأنصار، وهذا متفق عليه تاريخياً وعلمياً وشرعياً: أن أهل المدينة النبوية كانوا يسمون: الأنصار، فالقرآن لما نزل عرف أن المهاجرين هم أهل مكة، والأنصار هم أهل المدينة، والأنصار ليس فيهم من آل البيت أحد، من جهة النسب، فإن آل البيت هم من قريش ومن بني هاشم، والأنصار قبائل معروفة منفكة عن هذا من جهة الأصل.
أما من يقول: إن هذا وقت إيمانهم قبل أن يحصل منهم ما حصل، فنقول: إن الله تعالى قال: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩] ونقول: إن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ [التوبة:١٠٠]، وهذا خطاب للأمة كلها، حتى الذين اتبعوهم بعد وفاة الرسول ﵊؛ لأنهم متبعون لهم.
وأما من يقول: إن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فكأنه إشارة إلى أنه قد يحصل منهم الكفر أو الظلم.
فنقول: إذا كان يحصل منهم الكفر امتنع اتباعهم لا بإحسان ولا بغير إحسان؛ لأن من كفر لم يبق فيه شيء حتى يتبع بإحسان أو بغير إحسان.
وأما من يقول: إنه قد يحصل منهم ما هو من الظلم.
فنقول: هذا لو سُلِّم جدلاً أثبت تحقيق إيمانهم، وأنه قد يعرض منهم ما هو من النقص ..
وهذا ليس من مورد النزاع؛ لأنه لا يقال بعصمة آحادهم، إنما المعصوم هو اجتماعهم.
فالمقصود: أن الآية ينبغي التفقه فيها على هذا المعنى، وأن يُخاطب بها من عنده شيء في شأن الصحابة؛ لأنها صريحة في تحقيق هذه المسألة.
قال ﵀: [وطاعة النبي ﵌ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)].
وإن كان هذا الحديث قد قاله النبي ﵊ مخاطباً به بعض الصحابة، وكان مقصوده ﵊ بالأصحاب هنا عند سبب ورود الحديث هم الأصحاب الأُوَل، ولكن إنما يذكره الأئمة لأنه إذا كان هذا في حال بعض الصحابة مع بعض، أي: أن متأخرهم لا يجوز أن يقع فيما هو من الذم أو السب لمتقدمهم، فمن باب أولى من بعدهم ممن ليسوا من الصحابة، فهذا من باب قياس الأولى.
فإذا قال عن بعض أصحابه: (فإن أحدكم لو أنفق) أي: أ
стр. 180
تفاضل الصحابة فيما بينهم
قال المصنف ﵀: [ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار].
تقديم المهاجرين على الأنصار هو باعتبار الجنس، أي: أن جنس المهاجرين أفضل من جنس الأنصار، وليس باعتبار الأعيان، بمعنى: أنه قد يوجد من أفراد الأنصار من هو أفضل من بعض أعيان المهاجرين، فتقديم المهاجرين باعتبار الجنس لا باعتبار الأعيان، وقد قدم المهاجرون لأن الله قدمهم في القرآن؛ فإنهم جمعوا بين الهجرة والنصرة، إلى غير ذلك من المعاني، لكن هذا تقديم باعتبار الجنس أو النوع لا باعتبار الأفراد والأعيان.
стр. 181
فضل أهل بدر
قال المصنف ﵀: [ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر -وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر-: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)].
هذه شهادة لأهل بدر ولأهل بيعة الرضوان: أن كل من شهد بدراً أو بيعة الرضوان فإنه في الجنة؛ لأن النبي ﷺ قد قال في أهل بيعة الرضوان: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة)، وهذا جاء في أحاديث من غير وجه في الصحيحين، وأما أهل بدر فقد قال النبي ذلك في قصة حاطب لما كاتب من كاتب من المكيين، فقال النبي ﷺ : (إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وهذا كان اعتذاراً لـ حاطب بن أبي بلتعة ﵁.
لكن مما ينبه إليه: أن من يقول: إن ما حصل من حاطب هو مظاهرة المشركين على المسلمين، وهذا كفر ..
أن هذا كجملة عامة، لكن هذه الجملة تحتاج إلى فقه، فمن يقول: إن حاطباً قد ظاهر المشركين -أي: ناصرهم على المسلمين- لما كتب يخبرهم ما كان من قصد النبي ﷺ ؟
بعضهم يقول: إن ما حصل من حاطب هو من المظاهرة، لكنه لم يكفر؛ لأن النبي قال: (إن الله اطلع على أهل بدر) فاستثنى حاطباً، فإن كان مقصوده أن هذا الفعل الذي حصل من حاطب لو لم يشهد بدراً لكان به كافراً مع إيمانه؛ فهذا غلط في التفسير؛ لأن شهادة بدر لا تمنع ارتباط الأحكام بأسبابها؛ من جهة الأصل الشرعي لا من جهة القضاء الرباني، فالقضاء الرباني سبق أن البدريين لم يكفروا، وهو معنى قول النبي ﷺ : (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، ولذلك من يقول: لو حصل منهم الكفر فإنه يُغفر لهم، نقول له: إن الله لما اطلع على أهل بدر وقال: (اعملوا ما شئتم) كان ذلك؛ لأن قضاءه القدري سبق أن البدري يثبت على الإيمان، وإن كان قد يعرض له ما هو من النقائص، فهذا هو معنى قوله: (فقد غفرت لكم)، فأخطاؤهم تغفر؛ مثل قول النبي ﷺ : (الحج يهدم ما كان قبله)، فكذلك من حضر بدراً فهي تهدم ما كان قبلها وما كان بعدها، مثل قول النبي ﷺ في بعض الأعمال: (غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).
وإن كان جمهور الأحاديث ليس فيها: (وما تأخر)، فإن هذا يذكر في حق النبي ﵊.
المقصود: أن هذه الإيراد جهل؛ لأن البدري سبق القضاء أنه لا يطبق على الكبائر، وهذا الذي حصل تاريخياً، فكل البدريين بقوا مؤمنين ثابتين على الإيمان.
والمقصود هنا: أن من يقول: إن حاطباً ما حصل منه قد كان به يكفر لو أنه لم يشهد بدراً ..
هذا غلط أولاً: من جهة الأصول الشرعية ليس هناك عمل يمنع الكفر، فمن قال: لا إله إلا الله ويحقق الألوهية ويصلِّي لله ثم يكفر فإنه يحكم عليه بالكفر، ولا يقال: ما دام قد صلَّى سابقاً فإنه لا يكفر، فإن هذا يخالف الأصول الشرعية، إنما الذي يقال هو من جنس قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ [النحل:١٠٦] فما حصل من حاطب رضي الله تعالى عنه لا شك أنه كان خطأً ومعصيةً لله ورسوله، وهذا يدخل في المعاصي التي تدخل في قول الله: (اعملوا ما شئتم)، لكن لم يكن الذي حصل من حاطب هو من الكفر، وإن كان هذا الكلام لا يفهم منه ..
كما يفهم بعض الناس إذا قرر له هذا الكلام أنه يلزم منه أن كل من كان يراسل الكفار مظاهرة لهم على المسلمين لا يكفر بهذا العمل؛ فما دمنا قلنا: إن فعل حاطب لم يكن كفراً منه، فيلزم منه أن كل من كاتب الكفار يخبرهم بأحوال المسلمين أنه لا يكفر بالعمل.
وهذا لا يلزم، فهذا الفعل قد يقع من معين ويكون به كافراً، وقد يقع من معين آخر ولا يكون به كافراً؛ هذا هو الجواب الشرعي الصحيح: أن مظاهرة المشركين كأصل عام كفر.
لكن هل هذا الفعل حقيقته أنه مظاهرة أم لا؟ هذا قد يختلف في بعض الأعيان، بمعنى: أن يغلب على معين ما هو من قصد درء المفسدة المتعلقة بأهله، ولا يظن أن هذا العمل مما يوجب الكفر، وتكون لديه جملة من الموانع، وهي أشبه ما يكون باجتماع الشروط وانتفاء الموانع، فما حصل من حاطب كان هناك مانع من كون هذا من الذي يكفر به.
إذاً: يبقى عندنا القاعدة: أن مظاهرة المشركين كفر، لكن الصور لا يلزم أن تطرد في سائر الموارد، بعض الصور من المظاهرة كفر لا يتردد فيه، وبعضها قد تكون من بعض الأعيان كفراً ومن بعض الأعيان دون الكفر، وهذا هو الذي حصل من حاطب رضي الله تعالى عنه.
أما إذا قيل: إن كل من كتب لا بد أن يكون كافراً على الإطلاق في سائر الموارد، والاستثناء في حاطب ليس من جهة إيمانه: أنه لم يشرح بالكفر صدراً، وليس من جهة الموانع، إنما من جهة بدر فقط لأن الله ضمن مغفرتهم ..
فهذا غير صحيح، أما إذا قيل: إنه من جهة أن البدري مؤمن، فهذا أمر آخر، إذا قيل: إن البدري لا يكون إلا مؤمناً ..
فهذا صحيح، لكن إذا قيل: إن البدري يغفر له حتى ما كان كفراً، فهذا لا شك أنه غلط على أحكام الله ورسوله؛ لأن الله لا يرضى لعباده الكفر، ولا يمكن أن يغفر الكفر لأحد، وقوله: (اعملوا ما شئتم) ليس معناه: أنه قد يقع منهم الكفر، هذا قاله رب العالمين الذي يعلم مآلهم وحالهم.
стр. 182
فضل أهل بيعة الرضوان
قال ﵀: [وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة كما أخبر به النبي ﷺ ، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ ؛ كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة].
الأفقه والأكثر اتباعاً أن تُستعمل النصوص في هذا، فيقال في أهل بيعة الرضوان: لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة، وفي أهل بدر: إن الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم، ومن سمَّاه النبي بعينه في الجنة يسمى كذلك ..
فهذا يكون أصدق في الاتباع للنصوص.
стр. 183
فضل الخلفاء الراشدين
قال ﵀: [ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃].
تواتر عن علي أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، وكان يقول على منبر الكوفة: (لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري)، هذا مما تواتر عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وحتى لو فرض أنه لم يتواتر عن علي أو لم يصح عنه، فإن الاعتبار ليس بصحة هذا عن علي، فإن علياً ليس هو الحاكم على الحقائق الشرعية، إنما هذا معتبر بأدلة الكتاب والسنة، وبإطباق الصحابة رضي الله تعالى عنهم زمن النبي وبعد زمن النبوة، ولذلك إذا قيل: إن علياً لم يبايع في أول الأمر، قلنا: نعم، علي بن أبي طالب ﵁ لم يبايع في أول الأمر، لكن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لو كانوا يرون أن علياً أفضل أو أن الخلافة في آل البيت أو ما إلى ذلك من المعاني لما بايعوا أبا بكر، فإن أبا بكر ما طلب منهم البيعة بقوة السيف، إنما المسلمون هم الذين قصدوا بيعته، ثم بايعوا من بعده عمر لما جعلها أبو بكر في عمر، ثم بايعوا من بعد عمر عثمان، فكان مستقراً أن أبا بكر أفضل، فلما جاءت الاستشارة وصار عبد الرحمن بن عوف يطوف في المسلمين ثلاثة أيام يستشيرهم في علي وعثمان ..
بعد أن نزلت الخلافة إلى اثنين في قصة الستة الذين جعلها عمر فيهم، استقر الأمر على اثنين، ورضي علي بن أبي طالب بأن يستشير عبد الرحمن بن عوف المسلمين، وكان واثقاً من ابن عوف، وإلا لو لم يثق لما رضي بذلك.
والنتيجة التي حصلت أن أكثر الأصوات -إن صح التعبير- كانت لـ عثمان، مما يدل على أمور:
أولاً: أنه لو كان من فقه المسلمين أن الخلافة في آل البيت لما خالفوا سنة النبي ﷺ ؛ ولذلك لا نقول عن علي بن أبي طالب ولا عن غيره أنهم كانوا يصرون على هذه المسألة، إنما كان علي بن أبي طالب قد اشتبه عليه الأمر في أول المقام أنه له في الأمر نصيب، لكنه بعد ذلك رضي وتابع.
стр. 184
تفضيل عثمان على علي ﵄
قال ﵀: [ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃ كما دلت عليه الآثار وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة قد اختلفوا في عثمان].
وإن كان هذا الإجماع فيه تردد من جهتين:
الجهة الأولى: أن المصنف ﵀ يقول: لكون الصحابة أجمعوا على تقديم عثمان في البيعة، فهذا -والله أعلم- ليس محققاً من جهة كونه إجماعاً؛ لأن عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما استشار المسلمين في علي وعثمان، وهما بمنزلة متقاربة، فمن المتعذِّر والبعيد كثيراً أن كل الصحابة سيقولون: نريد عثمان، إنما ظاهر الأمر والقريب من العقل والإمكان، هو أن أكثرهم اختار عثمان وبعضهم أشار بـ علي، ومن المعروف أن بعض الصحابة كان يميل لآل البيت، ويرى أن علياً أولى بهذا، وعلى أقل الأحوال آل البيت أنفسهم كان مجموعة منهم موجودة، فمن المتعذر أن الصحابة إذ ذاك كانوا قد حصلوا إجماعاً.
قد يقول قائل: إن مراد شيخ الإسلام بالإجماع هنا أن أغلبهم أطبق على ذلك.
فهذا يمكن أن يوجه بهذا التوجيه، لكن يبقى أنه ليس من الإجماعات القطعية أن الصحابة أطبقوا إطباقاً كلياً، إنما ظاهر الأمر أن جمهور الصحابة إذ ذاك قدموا عثمان، وإلا فإن الستة الذين جعلها عمر فيهم وهم أفضل الصحابة إذ ذاك في الجملة، حصل من هؤلاء أن أحدهم خرج فبقي خمسة، وهؤلاء الخمسة بقي منهم الثلاثة: علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، أما سعد والزبير فقد جعل أحدهما أمره لـ علي والآخر جعل أمره لـ عثمان، فظهر أن من الصحابة من كان يقدم علياً.
إذاً: المسألة ليس فيها إجماع، إنما كان مراد الشيخ ﵀ الأكثر، أو أن مراده أنهم أجمعوا عليه خليفةً بعد بيعته، فهذا لا يسمى إجماعاً على هذا الوجه، فحتى لو أجمعوا على علي بعد خلافته فإنه يقال: قد حصل الإجماع عليه.
والذي أريده من هذا: أن الاستدلال على فضل عثمان بكونه إجماعاً فيه تعذر، ولو فرض أنه إجماع فهو إجماع في البيعة والخلافة، وليس إجماعاً في الفضل، ولا شك أنه إذا قيل: من الخليفة بعد عمر؟ قيل: عثمان بالإجماع، لكن هل هو الأفضل؟ لا يلزم، والله يقول: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، وشيخ الإسلام نفسه يقول: إنه في مسائل الولاية يعتبر الأمانة الدينية والقوة، يقول: وإذا وجد من فيه القوة وقدر يكفي من الأمانة فهو أولى ممن غلبت أمانته الدينية وقلت قوته السلطانية؛ لأن هذا لا يسوس الناس، فقد يعتبر في التقديم في مسألة الخلافة بالأقوى وبمن يجتمع الناس عليه، ولا يلزم أن يكون هو الأفضل.
والقصد: أن مسألة عثمان وعلي ليس فيها نص وليس فيها إجماع، وقد أنكر الإمام أحمد على من بدَّع المخالف فيها، أي أنها مسألة لا يبدَّع المخالف فيها على الصحيح من مذهب أحمد، وإن كان المشهور عند أهل السنة أن عثمان أفضل.
ونقول هذا الكلام لأن هذه المسألة لا ينبغي أن يغالى فيها مع الشيعة: أن عثمان أفضل من علي، كان هذا من مستقرات مذهبنا أنا نقدم عثمان على علي بن أبي طالب ﵄، لكن من التكلُّف أن يقال: إنه من الإجماعات والمستقرات، إنما القضية المستقرة الإجماعية تقديم أبي بكر وعمر، هذه هي التي لا جدال فيها، أما مسألة عثمان ففيها مجال للاجتهاد، ولو أن سنياً ناظر بعض الشيعة وقال: إن علياً عندنا أفضل من عثمان، لم يُنكر عليه، لكن إذا تكلمنا في الكلام العام قيل: الذي درج عليه أكثر أهل السنة أن عثمان أفضل من علي، مع أن هذا ليس فيه نص، وإنما قدم أبو بكر وعمر على علي للنص ليس إلا، هذا هو السبب: أن هذه لا جدال فيها لوجود نصوص فيها، أما عثمان فلا توجد نصوص، فله فضائل ولـ علي بن أبي طالب فضائل.
أما قول ابن عمر: (كنا نقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت)، فهذا ليس بلازم، هذا يحكيه ابن عمر أنه كان يقال هذا، لكن أن هذا كان مستقراً عند المسلمين أو ما إلى ذلك، فهذا بعيد.
فالمسألة لا يقصد بها تفضيل علي على عثمان بقدر ما يقصد أنها ليست من مسائل الأصول، وليست مما يقطع فيه الجدل مع الشيعة.
قال ﵀: [مع أن بعض أهل السنة قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان ثم سكتوا أو ربَّعوا بـ علي، وقدَّم قوم علياً، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي].
والأقوال الثلاثة كلها ممكنة، من قدَّم عثمان أو قدَّم علياً أو من توقف، هذه كلها أقوال ممكنة من جهة الاجتهاد، ولا يبدع المخالف فيها.
стр. 185
ترتيب الخلافة
قال ﵀: [وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله].
وهذه الجملة نقلت عن الإمام أحمد وغيره أنه قال: من لم يربع بـ علي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله.
وهذه من عقائد أهل السنة: أنهم يجعلون الخليفة الراشد الرابع بعد عثمان هو علي بن أبي طالب ﵁، وخلافته خلافة راشدة، وهؤلاء الأربعة هم خلفاء الرسول، وهذا معنى كونهم خلفاء، بخلاف الخليفة من بعدهم كـ معاوية أو يزيد أو بني أمية أو بني العباس، فهؤلاء وإن سُموا خلفاء فالمقصود بكونهم خلفاء أنهم سلاطين، خلفاء على المسلمين، أي: استخلفهم المسلمون عليهم، أما الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فمعنى أنهم خلفاء: أنهم خلفاء الرسول في الأمة، أما من بعدهم فلا يسمَّى خليفةً للرسول، هو مستخلف من المسلمين عليهم؛ ولهذا فليس لهم سنة.
стр. 186
خطأ من جعل عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين
لا يدخل في خلفاء الرسول عمر بن عبد العزيز؛ وإن قال بعض أهل العلم: أن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، فهذا من التكلف، فـ عمر بن عبد العزيز ﵀ وإن كان فقيهاً عادلاً؛ إلا أنه لا يمكن أن يصل إلى شأن الصحابة أبداً ويقال: إنه خليفة خامس ..
وهذا أيضاً مخالف للسنة؛ لأن النبي ﷺ قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ..)، والإمام أحمد ﵀ لما بلغه عن بعض أهل العراق أنهم يقولون: إن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، أنكر ذلك، وقال: ألم يقل النبي: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)؟ فالخلافة ثلاثون سنة تنتهي بخلافة علي بن أبي طالب، ويبقى منها بضعة أشهر هي في إمارة الحسن بن علي بن أبي طالب، لكن لا يمكن أن تستوعب خلافة عمر بن عبد العزيز، ثم النبي قال: (ثلاثون)، أي: متصلة، فحتى لو فرض أنه بعد علي بن أبي طالب بقي سنة أو سنتان فإنها تكون لـ معاوية، ولماذا تذهب لـ عمر بن عبد العزيز؟ فلو فرض أنه بقي منها سنتان أو ثلاث أو أربع فإنها تكون لـ معاوية، فـ معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز، ولا جدال في هذا، أما كون عمر بن عبد العزيز موصوفاً بالعدل؛ فإن ذلك لأنه جاء والعدل سهل عليه؛ فـ عمر بن عبد العزيز ما واجه ابن الزبير في مكة معارضاً، ولا واجه الحسين بن علي معارضاً، ولا واجه غيرهم، عمر بن عبد العزيز جاء في ملك وسلطان ملكي مستقر، والدولة قوية، والسياسة قوية، والأمور كلها على التمام، والميزانية العامة قوية، وكل الأمور الداعية إلى الاستقرار قوية، لكنها تحتاج إلى صدق من الحاكم، فكانت كل أدوات الاستقرار موجودة، فجاء وعمر بن عبد العزيز، فصدق، فاستقر الأمر.
أما معاوية فالصدق موجود عنده، لكن أدوات الاستقرار السياسية -إن صح التعبير- غير موجودة، فهناك معارضون أقوى منه في الجانب الديني الشرعي، فـ ابن الزبير كان أقوى في الجانب الديني، وأهل مكة كانوا شبه مبايعين له إلى أن سمي بأمير المؤمنين، وقبل ابن الزبير كان علي بن أبي طالب، ومقامه عند المسلمين وشأنه أقوى من معاوية.
فـ عمر بن عبد العزيز ما واجه مثل هذا أصلاً، كان يواجه أناساً ليس لهم هذه المنزلة الشرعية كمنزلة علي بن أبي طالب أو بعض الصحابة من بعد علي بن أبي طالب كـ ابن الزبير ونحوهم.
فالمقصود: أن عمر بن عبد العزيز ﵁ هو من الخلفاء وأئمة الفقهاء، ولكن لا يصح أن يقال: إنه خليفة خامس؛ لأن هذا مخالف للسنة من جهة، ولأنه يوحي بأنه أفضل من معاوية بن أبي سفيان من جهة، ومعاوية أفضل منه، وإن كان ابن تيمية ﵀ يقول: إن العدل الذي حصل في زمن عمر بن عبد العزيز كثير منه أو أكثره لم يحصل زمن معاوية ..
وهذا صحيح، وكلام شيخ الإسلام لا جدال عليه، لكن كما ذكرت سابقاً أن أدوات الاستقرار العدلية عند عمر بن عبد العزيز كانت متوفرة، فلا يمكن أن يكون هناك استقرار بدون اقتصاد، والاقتصاد المنضبط كان موجوداً، حتى قال بعض أهل العلم في قوله ﷺ : (يوشك أن يسعى قوم بالصدقة لا يقبلها أحد).
أن ذلك كان في زمن عمر بن عبد العزيز، فكان هناك استقرار، ومن أين جاء عمر بن عبد العزيز بهذا الاستقرار؟ الميزانية العامة التي كانت من فتوحات من قبله جاءت لـ عمر بن عبد العزيز شبه باردة.
فلا ينكر مقامه ﵀، لكن لا ينبغي كثرة الإطراء والزيادة إلى خلط مسائل العلم بهذه الطريقة، ولذلك كان جواب الإمام أحمد في هذا حسناً وقوياً: أن هذا مخالف للسنة؛ لأن الخلفاء الأربعة هم خلفاء الرسول، وعمر بن عبد العزيز ليس له سنة، ومن قال: إنه له سنة فقد خالف السنة.
стр. 187
شرح العقيدة الواسطية [٢١]
يعتقد أهل السنة والجماعة أنه لا يتحقق الإيمان إلا بمحبة آل بيت النبي ﷺ ، ويكون ذلك بإكرامهم وحفظ منزلتهم وقدرهم، والذب عنهم ورفع الظلم عنهم.
стр. 188
من أصول أهل السنة: محبة أهل البيت رضوان الله عليهم
قال المصنف ﵀: [ويحبون أهل بيت رسول الله ﵌، ويتولونهم].
محبة المؤمن موجبها جملة من الأوجه: يحب من جهة بره، ومن جهة إحسانه، ومن جهة صدقه، ومن جهة قرابته، حتى التحاب بين المؤمنين فيما بينهم، فإن المحبة الإيمانية لأبيك ليست كالمحبة الإيمانية لغيره ممن هو بعيد مثل العم أو لغير ذي الرحم أو ما إلى ذلك.
فالمقصود: أن من أوجه الدين والإيمان المحبة لآل البيت من جهة كونهم من آل بيت النبوة، هذا أحد أوجه محبتهم، ولكن لا شك أن هذا ليس هو الوجه الأول، إنما هو فرع عن إيمانهم، ولهذا لم يكن هذا الوجه بإجماع المسلمين مشروعاً في كفارهم، فلا تشرع المحبة للكافر ولو كان ينتهي نسبه إلى آل البيت.
وقد وجد من آل البيت في التاريخ أناس من الشيوعيين ومن العلمانيين، وأنسابهم مثل الشمس لا إشكال عليها، فهؤلاء لا يشرع حبهم من جهة كونهم من آل البيت؛ لأن هذا فرع عن الإيمان، إذا تحقق إيمانهم فمن أوجه محبتهم الشرعية أنهم يُحبَّون لكونهم قرابة لرسول الله ﵊.
стр. 189
المقصود بالثقلين
قال ﵀: [ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي)].
حديث الغدير هو حديث زيد بن أرقم في الصحيح، وإن كانت الشيعة قد زادت فيه زيادات كثيرة، لكن فيه أن النبي قال: (إني تارك فيكم الثقلين)، وجاءت الرواية: (كتاب الله وأهل بيتي).
فهل كان السياق أن الثقلين هما: الكتاب وآل البيت، أم أن قوله: (وآل بيتي) هذا كان من باب الاستئناف وليس من باب العطف؟ هذه مسألة.
لكن لو فرضنا جدلاً أن الثقلين الذين قصد النبي ﷺ أنه تركهما هما: كتاب الله وآل البيت، فهذا لا جديد فيه، إذا فسرناه بهذا التفسير أنه ترك فينا ثقلين: كتاب الله وآل البيت، أما كتاب الله فالمقصود من تركه فينا أن يُتدين به، فحق كتاب الله الإيمان به والعمل، وحق آل البيت محبتهم وتوقيرهم والإحسان إليهم ..
وهلم جراً من المسائل المناسبة لهم.
فمن يقول: إن النبي قال: تركت فيكم كتاب الله وآل بيتي، نقول: نعم، هذا وصية من الرسول ﵊ بكتاب الله ووصية منه بآل البيت، ولا نعترض على هذا، فهذا صحيح، وقد قاله ﷺ في مواضع كثيرة، وليس حكماً جديداً اختص بغدير خم، فحتى لو لم ينطق به الرسول ﵊ فهذه الوصية حكمها ثابت في القرآن وفي السنة كثيراً.
فحق القرآن الإيمان به واتباعه والتمسك به، وأما آل البيت فإما أن يكون المقصود: (وآل بيتي) أي: تمسكوا بشريعتهم، واتبعوهم، وهذا غير ممكن، فلا يمكن أن نتبع كل واحد من آل البيت، وفيهم الفقيه وغير الفقيه، والسني وغير السني، وفيهم المؤمن والعلماني، فالإسلام ليس عائلةً معينة، والأشياء المكتسبة جعلها الإسلام شورى، الملك جعله الإسلام شورى، وهو قضية مكتسبة، وقد أجمع السلف على أن من غلب بقوة السيف، واستقر له الأمر؛ أصبح إماماً تجب طاعته، فكيف في مسألة النبوة؟
وقوله: (أذكركم الله في آل بيتي) كان من باب التأكيد على حق آل بيته ﵊، وأنه يجب برهم، وليس فيه أن لهم الخلافة أو أنهم يقدمون أو ما إلى ذلك.
стр. 190
عدم تحقق الإيمان إلا بمحبة آل البيت
قال ﵀: [وقال أيضاً للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)].
وهذا حديث على وجهه: أن المسلم لا يحقق الإيمان إلا بمحبة آل البيت، كما تقول: إن من خصال الإيمان الواجبة صلة الرحم، فمن خصال الإيمان الواجبة محبة آل البيت، فقاطع الرحم يسمى فاسقاً، ومن لم يحب آل البيت يسمى فاسقاً، فقوله: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي) نقول: نعم، من زعم أن أحداً يحقق الإيمان وهو لم يحب آل بيت الرسول -أي: المؤمنين منهم- فقد أخطأ وخالف السنة وإجماع السلف، فإن من أعظم أنواع الفسق: الطعن في آل البيت أو عدم محبتهم، ولا شك أن من موجبات الإيمان ومن أعظم شعائره: محبة آل البيت، والشهادة لهم بهذه الخاصية التي لا يشاركهم فيها حتى أبو بكر، لكن كونه ﵁ لا يشاركهم في هذه الخاصة لا يعني أنه لا يمتاز عليهم بأوجه أخرى، فقد قال النبي ﵌: (إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم) وليس معنى ذلك أن إبراهيم أفضل من محمد ﵊.
وموسى ﵇ حصل له أنه جاء للميقات وكلمه ربه، ولم يحصل لمحمد ﷺ أنه كلمه ربه وهو في الدنيا وهو في أحد جبال مكة أو ما إلى ذلك لكن هذا الاختصاص الذي عرض لموسى لا يوجب أن يكون موسى أفضل من محمد.
كذلك عيسى ﵇ رفعه الله إليه، وليس هو أفضل من محمد ﵊.
أما ما تقوله الشيعة من أنه لا ولاء إلا ببراء ..
فإنه يلزم منه التكفير لآل البيت، فهم يقصدون أنه لا ولاء لـ علي إلا بالبراء من أبي بكر وعمر، والتاريخ يحفظ حفظاً قطعياً أن هناك أعياناً من آل البيت كانوا موالين لـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهذا هو الأصل فيهم، وهكذا كان شأن أبي بكر أنه كان موالياً لـ علي ومحباً له، وكان علي بن أبي طالب موالياً لـ أبي بكر، فإذا قيل: لا ولاء إلا ببراء؛ لزم من ذلك التكفير حتى لآل البيت؛ لأنهم ما كانوا يتبرءون من أبي بكر وعمر، وما نقل عن إمام من أئمة آل البيت أنه تبرأ من أبي بكر.
وقولهم: إن فاطمة ﵂ لم تبايع، فهذا حصل منها، وكانت ﵂ ترى أن لها في ميراث النبي ﷺ شيئاً، ولم يبلغها قول الرسول ﵊: (نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة) فكانت تظن أن رسول الله ﵊ يورث كغيره، فكانت تنتظر ما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر أنه يقسم قسمة مواريث، لكن أبو بكر قال: إن رسول الله قال: (لا نورث، ما تركنا صدقة) وفاطمة لم يبلغها الحديث فأخذت في نفسها على أبي بكر، وهذا اجتهاد من فاطمة يدخل في قول الرسول ﵊: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر) فهي اجتهدت ﵂، وما قصدت مخالفة سنة النبي، واجتهادها مغفور لها وإن كان ليس صواباً.
وأما أنها لم تبايع أبا بكر فقد أجمع أهل العلم أن البيعة تنعقد بدون النساء، إنما المعتبر هو بيعة أهل الحل والعقد من الرجال، أما النساء فلا يدخلن في مسألة البيعة أصلاً؛ لأنهن ليس لهن في الأمر نصيب، إنما الذي تجب بيعته هو الذي له في الأمر نصيب؛ لذلك حتى العامة لا يلزم بيعتهم بالأعيان، كأن يأتي كل واحد من العامة يبايع أو يعلن البيعة، بل إذا جاء أهل الحل والعقد من العلماء ووجهاء الأمصار فبايعوا إماماً، فإن بيعته تكون شرعية لازمة لكل أفراد المجتمع من الرجال والنساء، أما من بايع من العامة فهذا يعتبر زيادة تأكيد ليس إلا.
стр. 191
معنى الاصطفاء في حديث: (إن الله اصطفى بني إسماعيل)
قال ﵀: [وقال رسول الله ﷺ : (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)].
فبنو هاشم بهذا الحديث قد اصطفاهم الله، ولا شك أن بني هاشم هم أفضل قريش، لكن هذا الاصطفاء له معنى آخر، فهو مثل قول النبي ﷺ : (إن الله اصطفى قريشاً) وليس معنى ذلك أن قريشاً أصبحت كلها أمة ربانية إلهية، بل قريش فيهم الأبرار وفيهم الكفار، فمن يقول: إن الله قد اصطفى بني هاشم.
نقول: اقرأ الجمل التي قبل، اصطفى بني هاشم من قريش، واصطفى قريشاً من كنانة، هل معناه: أن قريشاً أصبحت مصطفاة؟ بل قريش هي التي كانت تعبد اللات والعزى، وهي التي وضعت على الكعبة ثلاثمائة وستين نصباً كما في حديث ابن مسعود، فالاصطفاء ليس معناه القداسة المطلقة لهذه الطائفة أو القبيلة أو المجموعة، وبعض أهل العلم يقول: إن الاصطفاء من قريش هو باعتبار المنتهى، أي: أن النبي في الأخير صار منها، فصار الرسول يقال: إنه هاشمي قرشي، هذا وجه الاصطفاء لقريش.
لكن حتى لو قلنا: إن قريشاً لها بعض الاختصاص في قدر الله، الاصطفاء في قدر الله ليس معناه الإطلاق؛ لأن قريشاً كان فيها الكفرة.
هنا تنبيه يتعلق بمسألة حقوق آل البيت أو مسألة الصحابة: أحياناً بعض الناس ممن يكتب في هذا يكون متحمساً للرد على الشيعة، فتراه يقصر في شأن آل البيت، ويكون عنده حماس في الدفاع عن أبي بكر وعمر لدرجة أنه قد يطعن في علي أو يطعن في مقام آل البيت أو في قدرهم مما لا داعي له، وبعض الناس يكون عنده ضعف في العقل، لا يحسن التوازن إلا بأن يصيب من هؤلاء شيئاً أو من هؤلاء شيئاً.
والصواب: أن هؤلاء أمة واحدة، وكانوا ﵃ -أعني: أبا بكر وعلي بن أبي طالب، أو آل البيت وغير آل البيت من الصحابة- كانوا في زمن النبوة وقبل أن توجد الفتن أمةً واحدة، وكانوا مجتمعين يصدق بعضهم بعضاً ويوالي بعضهم بعضاً.
إذاً: لا يجوز أن يقع في كلام بعض الناس ما هو من التقصير في شأن آل البيت، فكما قلنا: إن لهم قدراً، وإن لهم اختصاصاً، وإن محبتهم من الإيمان بالله ورسوله، ومن تصديق الله ورسوله.
стр. 192
شرح العقيدة الواسطية [٢٢]
من معتقد أهل السنة تولي أزواج النبي ﷺ ، والإيمان بأنهن أمهات المؤمنين، وأزواج نبي رب العالمين في الدنيا والآخرة. كما أن من معتقدهم الإيمان والتصديق بكرامات الأولياء، وهم في ذلك يخالفون المعتزلة ومتكلمة الصفاتية الذين ينكرون الكرامات المتحققة في حق الأولياء.
стр. 193
موقف أهل السنة من أزواج رسول الله ﷺ
قال ﵀: [ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة].
بين أهل العلم خلاف: هل أزواجه من آل بيته، أم لا؟ هذه مسألة انضبطت أو لم تنضبط الأمر فما يتعلق بها هو أكبر من كونهن من آل البيت، وهو أنهن مؤمنات سابقات جعلهن الله أزواجاً لرسوله ﵊ إلى غير ذلك.
стр. 194
المفاضلة بين خديجة وعائشة وفاطمة ﵅
[خصوصاً خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ : (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)].
هذا الحديث ليس صريحاً في أن عائشة هي أفضل نساء المؤمنين، وإذا قيل: إنه ليس صريحاً فليس معناه: أنه لا دلالة فيه، ومن استدل به على فضل عائشة قيل له: فيه دلالة، لكنها دلالة محتملة ليست دلالة صريحة، لأنك إن قلت: إنه نص صريح، أصبحت المسألة تميل إلى الجزم واللزوم والقطع، فهذا نص محتمل، وإن كان الرسول قال فيه: (فضل عائشة على النساء) فقد يكون الفضل الذي كان يتكلم عنه ﵊ ليس هو فضل الدين المطلق، بل الفضل المتعلق بعشرة النساء وصلتهن بالأزواج وبرهن مع الأزواج، فهذه أمور محتملة في الحديث.
فيما يتعلق بأفضل أصحاب رسول الله: من المعروف أن أفضلهم أبو بكر ..
إلى آخره، أما ما يتعلق بنساء هذه الأمة فاتفق السلف أو أهل السنة على أن أفضل النساء فاطمة وخديجة وعائشة، هذا متفق عليه أن هؤلاء الثلاث هن الأفضل، ثم تنازع أهل العلم أيتها أفضل، فقوم قالوا: عائشة، ويستدلون بمثل هذا الحديث، وهو فيه نوع من الدلالة وليس صريحاً، والأظهر أنه لا دلالة فيه، ويفضل قوم خديجة، ويفضل قوم فاطمة.
فقد جاءت نصوص في هؤلاء الثلاث، فقال النبي لـ فاطمة: (ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة؟) كما في الحديث الثابت في الصحيح، فهذا أقوى في الدلالة من حديث فضل عائشة على النساء، يعني: إذا كان حديث فضل عائشة على النساء يدل على أنها هي الأفضل مطلقاً فقول النبي لـ فاطمة: (أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة، أو سيدة نساء العالمين؟) أصرح في الدلالة، لا سيما أنها كانت على وجه البشارة الأخروية؛ لأنه سارَّها بذلك، ولم يكن هذا مما يقصد ذكره بين الناس، كان هذا من باب المسارَّة؛ لأنه سارَّها كلمة فبكت، ثم سارها الثانية فضحكت، ولم تكشف سره ﵊ إلا بعد وفاته.
فالمقصود: أن هؤلاء الثلاث القول فيهن ممكن، والجمهور من السلف فيما يظهر والله أعلم ما كانوا يشتغلون بهذا التفضيل والجزم كاشتغالهم بتفضيل أبي بكر وأمثال ذلك، ولذلك الأولى والأقطع للنزاع ولكيلا تكون هذه المسائل موجبة لكثرة الخلافات التي لا طائل تحتها، أن يقال: أفضل نساء هذه الأمة فاطمة وخديجة وعائشة، أما أيتهن أفضل؟ فهذا أمر الله أعلم بتمامه، ولكن إذا اعتبرت الأمور بالأقرب فـ خديجة أو فاطمة أفضل من عائشة فيما يظهر والله أعلم.
ولكن أنا أميل إلى عدم العناية بمسألة الترجيح في المسألة، فكثرة النظر فيها والترجيح ليس مقصوداً، ذلك أنه لا فائدة فيه، لأنه ليس من باب التراتيب الإيمانية المنضبطة على أخبار منضبطة، أما تفضيل أبي بكر فمقصود؛ لأنه من التراتيب الإيمانية، هذا دين وعقيدة أن نؤمن أن أبا بكر هو أفضل الصحابة؛ لأننا بذلك نحقق النصوص الصريحة، أما التفضيل بين خديجة وعائشة وفاطمة فهذا ليس فيه نصوص صريحة.
стр. 195
براءة أهل السنة من الروافض والنواصب
قال المصنف ﵀: [ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل].
النواصب ليسوا هم أهل السنة كما زعمت الشيعة، وليس النواصب هم بني أمية، إنما النواصب هم من ناصب أهل البيت العداء أو قصد الطعن عليهم، فهذا يسمى ناصبياً، سواء كان من بني أمية أو كان من السنة غيرهم فكل من ناصب آل البيت العداء، أو طعن فيهم فهو يسمى ناصبياً أياً كان اتجاهه، أما تصنيف سائر بني أمية أنهم نواصب؛ فهذا غير صحيح، وهو من تصانيف الشيعة.
стр. 196
الإمساك عما شجر بين الصحابة
[ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه].
الإمساك عما شجر بين الصحابة سنة من سنن السلف، لكن هذا لا يمنع ذكر الحقائق الكلية المنضبطة.
من الحقائق الكلية التي أريد أن أشير إليها تمثيلاً لا استقصاءً: أن علياً أولى بالحق من معاوية ..
هذه حقيقة كلية منضبطة لا تنافي الإمساك، وذكر قوله ﷺ : (أن عماراً تقتله الفئة الباغية)، لا ينافي لزوم الإمساك، فمثل هذه الحقائق لا بد من ضبطها في فقه الشجار والنزاع الذي حصل بين الصحابة.
أما إذا فُسِّر الإمساك بأنه السكوت وعدم قول أي كلمة، فهذا غلط مخالف للنص والإجماع، فإن النص قال: (تقتل عماراً الفئة الباغية) وذكر رسول الله ﷺ مروق الخوارج فقال: (تقتلهم أولى الطائفتين بالحق)، فظهر منه أن علياً أولى بالحق.
إذاً الحقائق الكلية المنضبطة عند السلف لا تنافي الإمساك.
[والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم].
وهذا المعنى: أن كل من كان محققاً للإيمان يغفر له ما لا يغفر لغيره حصله المصنف من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
[لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم.
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفِّر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور؟!
ثم إن القدر الذي يذكر من فعل بعضهم قليل، نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم: من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما منَّ الله عليهم به من الفضائل، علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله].
لا نزيد عليه ﵀ في هذا التقرير منه لدرجة الصحابة ومنزلتهم، وما قد وقع من بعضهم أو ما نقل عن بعضهم من بعض التقصير أو ما إلى ذلك، فإن هذا قد زيد فيه ونقص، وما ثبت منه قد يكون من باب الاجتهاد، وإذا بلغ المنتهى وكان من باب المعصية، فإن لهم من الحسنات والتوبة والجهاد وما إلى ذلك ما يوجب التكفير، ولما حصل لهم من الاصطفاء الإلهي في رضا الله عنهم.
стр. 197
كرامات الأولياء
ختم المصنف كتابه هذا الذي ذكر فيه جمل الأصول عند أهل السنة والجماعة في أبواب العقائد وأصول الدين، بقوله: [ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء].
وهذا الأصل إنما كان من موارد الإجماع عند السلف؛ لأن النصوص عليه في الكتاب والسنة صريحة، فإن الله ذكر في القرآن قصة أصحاب الكهف، وذكر في القرآن ما كان يحصل لـ مريم ﵍ من أنواع الكرامة كمجيء رزقها وهي في المحراب حتى قال لها زكريا: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران:٣٧] وكان متعجباً من هذا الرزق الذي يأتيها ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧] فمثل هذه الكرامات التي حصلت لأهل الكهف في نومهم وحفظ الله لهم مع نومهم في أبدانهم، ثم ما حصل لـ مريم عليها الصلاة والسلام، وكذلك ما جاء في السنة الصحيحة من إثبات ذلك.
فصار قوم من أهل البدع ينكرون الكرامات، وأخص من أشهر الإنكار لهذه المسألة هم المعتزلة، وشاركهم فيها بعض متكلمة الصفاتية، فصاروا ينكرون كرامات الأولياء.
والكرامة هي أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي إما معونةً في أمر ديني وإما معونة في أمر دنيوي، ولا يلزم أن يكون في الأمور الدينية فقط، بل قد يكون في الأمور الدينية وقد يكون في الأمور الدنيوية، وهو في الجملة خارق للعادة الحسية وليس خارقاً للعادة العقلية؛ لأنه لا شيء يخرق العادة العقلية، إنما الخوارق للعادات الحسية فقط، وإن كان هذا الحس قد يحكم الناس عليه بأنه حكم عقلي، والصحيح أنه حكم حسي.
стр. 198
إنكار المعتزلة للكرامات وشبهتهم في ذلك
الكرامات التي يجريها الله على يد من شاء من عباده، أنكرتها المعتزلة لموجب عندهم مركب من مقدمتين كلاهما فاسدة.
المقدمة الأولى: قالوا: إن النبوة لا تثبت إلا بمعجزة، والمعجزة عندهم هي الخارق للعادة.
المقدمة الثانية: قالوا: فإذا حصلت الكرامة لولي حصل التباس بين النبوة والولاية، أو بين النبي والولي، ومن هنا أنكروا هذه الخوارق.
стр. 199
الرد على شبهة المعتزلة في إنكار الكرامات
هاتان المقدمتان كلاهما مما ينازع فيه، فإن النبوة وإن كانت تثبت بالمعجزة والآية، وهذا اسمها الشرعي: أنها آيات الأنبياء، فإن النبوة لا يقتصر ثبوتها على المعجزات، فهي تثبت بالمعجزات وتثبت بغيرها، فمن المعلوم أن الذين آمنوا بالنبي ﷺ ودخلوا دين الإسلام ممن لقيه أو حتى ممن بلغه دين الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ أن كثيراً منهم يؤمنون بنبوة محمد ﷺ ويسلمون بذلك لما يسمعون في دينه من التوحيد أو من الأمر بمكارم الأخلاق، أو ما إلى ذلك، وإن كانوا حال إيمانهم ودخولهم في دين الإسلام لا يلزم بالضرورة أنه بلغتهم عنه ﷺ معجزة من خوارق العادات، وإنما قد يبلغهم ذلك فيما بعد، أو ربما أنه بلغهم، ولكن يكون سبب إيمانهم هو الأول.
إذاً الصواب الذي عليه جمهور المسلمين وهو إجماع عند السلف أن النبوة تثبت بالمعجزة وبغيرها من الدلائل الموجبة للتصديق، ومن الدلائل الموجبة لتصديق النبي والرسول أنه يدعو إلى توحيد الله، ويدعو إلى الأخذ بشريعة الله .
إذاً: المقدمة الأولى عند المعتزلة ليست صواباً، لأنه لو كانت النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة للزم من ذلك أن يكون الإيمان بالنبي معلقاً على العلم بالمعجزة، ولو كانت النبوة لا تعرف إلا من جهتها، للزم أن يكون إيمان الذي يسلم أو يدخل هذا الدين بالنبي مستلزماً للعلم بدليل النبوة وهو المعجزة، والأمر ليس كذلك.
فإن قيل: فمن يسلم أيقال إنه أسلم دون أن يعلم دليل النبوة؟ قيل: لا، كل من يسلم فقد علم ما هو من دليل النبوة، فمن أسلم لكونه رأى أن الرسول ﵊ يدعو إلى إفراد الله في العبادة، فهذا أسلم على دليل من دلائل النبوة، وهو أن من دلائل صدق النبي أنه يدعو إلى التوحيد، كما أن من دلائل صدقه ما يجريه الله على يديه من المعجزات، فهذا دليل، وهذا دليل ..
إذاً: هذا هو الرد على المقدمة الأولى.
المقدمة الثانية: لو فرض جدلاً أن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة فإن هذا لا يوجب أن تكون الكرامة منفية حتى لا تلتبس بالمعجزة، فإن الفرق بين الكرامة والمعجزة هو متحصل من جهة الفرق بين النبي وبين الولي، وهذا الفرق الأضبط الذي يمكن أن يكون مدركاً حتى للعامة من المسلمين، إذا قيل: ما الفرق بينهما؟ قيل: الفرق المنضبط أن هذه المعجزة تحصل لنبي، وهذه تحصل لولي، ويمتنع أن الولي يدعي بها النبوة، فإنه لو فرض أنه ادعى بها النبوة لما أمكن في نفس الأمر أن يكون ولياً، بل هذا يكون كذاباً دجالاً.
فإذا قيل: إن هذا قد يخشى منه دعوى النبوة، قلنا: هذا يمكن فرضه في الخوارق التي تحصل من الكهان؛ لأنهم قد يعملون الأعمال الخارقة التي يستعملون فيها الشياطين، فيدعون بها شيئاً من الغيب أو شيئاً من النبوة أو شيئاً من مقامات الربوبية أحياناً، أما الولي فإن ذلك ممتنع في حقه؛ لأن ولايته تمنع أن يكون مدَّعياً بها، ومعلوم أن الرسول ﵊ من دلائل نبوته أنه يدعو إلى التوحيد، وقد سأل هرقل أبا سفيان: (بم يأمركم؟ قال: يأمرنا بالصلاة والصدقة والصلة والعفاف).
فكانت هذه من موجبات كونه نبياً صادقاً.
إذاً هذا الالتباس الذي فرضه المعتزلة ممتنع: ممتنع من جهة المقدمات النظرية، وأما من جهة الوجود الحسي فهو كذلك؛ لأن الموجب الذي طرأ عند المعتزلة لمنعها يلزم اطراده في الخوارق التي تحصل عند السحرة والكهان وأمثالهم من الكذابين، ومعلوم عند سائر الخاصة والعامة بل حتى عند غير المسلمين أن الكهان والعرافين والمدعين للعلوم الغيبية هم ممن يستعملون الشياطين سواء ممن ينتسب لهذه الأمة الإسلامية أو ممن هو خارج عن أمة الإسلام من عبدة الأوثان من أهل الهند التي تكثر فيها مثل هذه الوسائل أو غيرهم، فيحصل لهؤلاء الكذابين من الكهان ونحوهم كثير من الخوارق الظاهرة عند العامة، وحقيقة أمرها أنها مما تعمله الشياطين لهم، فإن الشياطين -كما هو معروف في القرآن- قد أقدرهم الله على ما لم يقدر عليه البشر؛ ولذلك كان لسليمان من الشياطين من يغوصون له، وقصتهم مع سليمان معروفة، ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩] ومثل هذا خارق للعادة.
فمثل هذه الأعمال التي تصدر بواسطة الشياطين أمر لا يستطيع أحد أن ينكره ..
لكونه موجوداً في هذه الأمة وفي غيرها -أي: في المنتسبين لهذه الأمة وفي غيرهم-، فهذا القول هو من إنكار الحسيات، فإن هذه المعارف من علوم السحر وعلوم الطلاسم وما إلى ذلك كانت مشهورة حتى في عصر المعتزلة، وعلماء المعتزلة مطلعون على مثل هذه الكتب، ولا سيما أن بعضها كان مترجماً من فلسفة الهند وغيرها.
فهذا كله من التكلف في إنكار ما هو من الحسيات مع أنه لا موجب له من جهة النظر فضلاً عن الشرع، فإن الله ما نفى هذه الكرامات في القرآن، بل في القرآن والسنة ما هو إثبات لها، وأما هذا الموجب الذي فرضوه فلو فرض صدقه أمكن ذلك في خوارق السحرة والكهان؛ لأن الكذاب من الكهان ونحوهم قد يدَّعي بخارقه اختصاصاً من جهة الديانة، فيدعي صفة ربانية أو نبوية أو ما إلى ذلك، أما الولي فإن هذا الادعاء يمتنع في حقه.
стр. 200
الولاية اسم تابع للإيمان
لكن مع إيمان أهل السنة بها وتصديقهم لما يحصل من ذلك إلا أن هذا ليس من امتياز الأولياء، بمعنى أن الولي لا يعرف بالكرامة، وهي وإن كانت تحصل لمن هو من الأولياء، فهي لا تختص -أعني: الكرامة- بمقامات الأولياء، بحيث أن الولي إذا حصل له كرامة فإنه يعلم بها أنه أفضل من غيره ممن لم تحصل له كرامة ..
بل هي تعرض لبعض الأولياء على ما يشاء الباري سبحانه من الحكمة: قد يكون الأمر تثبيتاً له، وقد يكون نصرةً له ..
الخ، فللكرامة موجبات على حكمة الله، لكن النتيجة من هذا أنها لا توجب الفضل المطلق لهذا الولي على غيره، حتى ولو كثرت كراماته، والآخر لم يشتهر بالكرامات.
الجهة الثانية: أن الكرامات في كلام أهل العلم تتعلق بالأولياء، والولاية -كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تتفاوت، يقول: فكما أن الإيمان يزيد وينقص، وهناك الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، فكذلك الولاية، فإن الولاية اسم تابع للإيمان، فبقدر تحقيقه للإيمان يكون محققاً للولاية، وكما أنه يحصل له الإيمان مع نقص فيه فكذلك يحصل له الولاية مع نقص فيها؛ لأن الله يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فمن حقق الإيمان على التقوى فهو الولي المطلق، والمؤمن المطلق هو الولي، والمؤمن الناقص لا تنفى عنه الولاية، إذ له من الولاية بقدر يناسب إيمان هذا الولي أو هذا المؤمن، وإن كان لا يسمى ولياً بإطلاق، فلا يعني هذا أنه ليس له من الولاية شيء، كما قد يقع في ذهن بعض العامة أن الولي هو درجة من الاختصاص لا يقع اسمها لا مطلقاً ولا مقيداً إلا في حق الخاصة؛ بل الولاية هي ولاية الله، والله يتولى الذين آمنوا ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ﴾ [المائدة:٥٥] فالله يتولى أهل الإيمان على درجاتهم.
لكن الاسم المطلق حينما يقال: إن فلاناً من أولياء الله لا يسمى به إلا من عرف تحقيقه للإيمان ..
هذه جهة في مسألة الولاية.
стр. 201
حال الصحابة رضوان الله عليهم مع الكرامات
الجهة الثانية في مسألة الولاية: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما كانوا يعنون بتخصيص بعضهم بمقام الولاية؛ لأن مقام الولاية حقيقته أنه مقام عبادي أحوالي، يتعلق بأحوال القلوب، وهذا الباب وإن كان يدرك بالاستفاضة أو بالشهادة إلا أنه في حقيقته باب غيبي، بمعنى أن المعين للولي هو الله .
والذي كان عليه السلف الأول من أصحاب الرسول ﵊ أنهم كانوا يعينون بالعلم، هذا هو الذي درج عليه السلف، أما الصوفية -أو أكثر الصوفية- فإن الولاية يكون لها أشبه ما يكون بالنظام والدستور العلمي أو العملي عندهم، فتجد الجانب الوراثي الشخصي المتعلق بالنسب، وأن هذا أبوه كان هو الولي، فتتحدر الولاية فيهم كابراً عن كابر، وهذا كله من الجهل والغلط على الشريعة.
ومثله التخصيص لأناسٍ بأنهم هم الأولياء لمظاهر أو لدرجة يظهرونها من المقام، ويُتبرك بهم على هذا التقدير وما إلى ذلك، فأكثر هذا التخصيص لا وجه له، إنما التخصيص الممكن هو التخصيص الظاهر من جنس التخصيص الذي كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن فلاناً اشتهر بالعلم، وفلاناً اشتهر بالجهاد، وفلاناً اشتهر بالفقه، وهذا بحفظ الحديث ..
وهلم جراً، وكل هذه المقامات العلمية والعملية هي من مقامات الولاية.
أما تقسيم المجتمع بأن هؤلاء هم السادة الأولياء، وهؤلاء هم المريدون التبع، والمسألة مسألة ترقي، والولي هو الذي يحكم لهذا المريد أو لهذا المتقدم أنه وصل إلى درجة كذا، ثم يتصعد إلى أن يصبح ولياً، فهذا كله جهل بالشريعة؛ فإن الذي يقبل الولي ولياً هو الله، وقد يكون هذا الولي من العامة وهو عند الله من الأولياء، فهذه الطرق المترقية عند الصوفية لا شك أنها من البدع المحدثة في تسمية الولاية.
فمن أصول أهل السنة: التصديق بكرامات الأولياء، والكرامة قد تقع لغير الولي بالمفهوم الخاص، فهي تقع للمؤمن؛ ولذلك لو كان التعبير: ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات المؤمنين لكان صحيحاً؛ لأن الكرامة ليست ملازمة للولاية، والولاية قد تتحقق لمن لم تقع له كرامة، ولا يقول بغير هذا إلا غلاة من الصوفية: أن من شروط الولي عروض الكرامات له.
فالكرامة مرتبطة بالإيمان، وهذا لا ينافي قول أهل السنة أو قول أهل العلم عموماً أن الكرامة للولي، فالمؤمن هو الولي، ولكن ينبغي أن يعبر بأن الكرامة تكون للمؤمن كما يعبر أنها تكون للولي، فيذكر التعبيران قطعاً لهذه الشبهة المترتبة في عقول الصوفية، والتي دخلت على كثير من عامة المسلمين ولا سيما في البيئات التي يكثر فيها التصوف: أن الكرامات هي خصائص لقوم بلغوا درجة الولاية، حتى ربما أظهرت لهم الشياطين بعض هذه الخوارق، وزينتها لهم فظنوا أنهم أولياء، فضلوا وأضلوا.
ولذلك قد تعرض الكرامة من كرم الله لبعض المسلمين، فقد تدركه رحمة حتى لو كان عنده بعض المعاصي، قد يكون في انقطاع من السبل مثلاً فتدركه كرامة من الله بإجراء ماء أو بجرية ماء بين يديه أو ما إلى ذلك، وهذا قد يعرض.
فالكرامة حقيقتها أنها عون إلهي ونعمة إلهية، والكرامة ليست مجازاة على الثواب المطلق، نعم هي لا تكون إلا لمؤمن، وهذا الشرط ثابت، لكن ليس معناه: أن من كان في حاله شيء من النقص يمتنع وجود الكرامة في حقه، إنما شرطها الإيمان الصادق.
ثم هناك فرق بين الكرامة التي تعرض على نوع من حفظ النفس كمن انقطعت به السبل، وبين الكرامة التي تحصل لولي على مقام من النصرة التي يلحقه أتباع بها، فهذه لا تعرض إلا لمن هو أهل لها.
стр. 202
من بدع الصوفية في الكرامات
قال ﵀: [وما يجري الله على أيديه من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات].
مما يعلم أن كثيراً من الصوفية زادوا في مسألة هذه المكاشفات، ولا سيما المكاشفات الأحوالية المتعلقة بالقلب أو المكاشفات العلمية، فأدخلوا على نظرهم وعلى محصلاتهم ما هو من البدع وما هو من الوهميات العلمية، وزعموا أن هذا من الأسرار أو من المكاشفات التي تحصلت لهم بفضل ولايتهم، أي: أنها من الكرامات التي تحصلت لهم بفضل ولايتهم، وهذا موجود وثابت كما ذكر المصنف ﵀، لكن مما يعلم أنه حصل فيه استطالة كثيرة ولا سيما عند مبتغيه.
ولذلك من فقه الكرامة أن صاحبها لا يكون متطلباً لها أو منتظراً لها، فمن تطلب الكرامة فهو في الغالب يقع عنده شيء من الفتنة، ولذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما كان أحد منهم يتطلب مثل هذه الكرامة أو ينتظرها، ومن المعلوم أن كبار أئمة الصحابة ما حصل لهم شيء من هذه الكرامات الظاهرة التي تعرض لبعض الصوفية من بعدهم، مما يدل على أن مقام الكرامة ليس هو مقام الحكم على الإيمان ودرجته.
[والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة].
стр. 203
شرح العقيدة الواسطية [٢٣]
من معتقد أهل السنة والجماعة أن أصدق الكلام كلام الله، وأن خير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ ، فلا يقدمون كلام أحد على كلام الله، ولا هدي أحد على هدي محمد ﷺ ، كما يعتقدون أن ما تعلق بمسائل أصول الدين من إجماع إنما هو إجماع السلف الأول من الصحابة، وأنهم أحق الناس بأن يتبع سبيلهم بعد كتاب الله وسنة نبيه.
стр. 204
اتباع أهل السنة لآثار النبي ﷺ وما كان عليه السلف الصالح
قال ﵀: [فصل: ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطناً وظاهراً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار].
(اتباع آثار النبي ﷺ ظاهراً وباطناً) وذلك أن هذا الاسم -وهو أهل السنة والجماعة- ينظر فيه باعتبارين: باعتبار العقائد والأصول، فهذا القول فيه على الأصول المعروفة، وينظر فيه باعتبار منهجهم العام -أي: منهج أهل السنة والجماعة العام- وهذا يدخل فيه الأخلاق وأحكام التشريع، وهذا من جهة أن أئمة السنة والجماعة من المحدثين والفقهاء لهم منهج في التفقه، ولهم منهج في الأخلاق، وإن كان هذا المنهج الذي يُذكر لا يلزم أن يكون مختصاً بهم، وقد سبق معنا أن ما هو من عقائدهم لا يلزم أن يكون مختصاً بهم، ما من عقيدة من عقيدتهم إلا وقد يشاركهم فيما هو منها بعض الطوائف من المسلمين، ففي صفات الله لا طائفة من الطوائف تحقق باب الصفات كتحقيق السلف، لكن ليس كل الطوائف هم من النفاة ..
فقد وجد الأشعري وابن كلاب فأثبتوا بعض الصفات ونفوا بعضها.
إذاً ما من أصل من أصول أهل السنة إلا ويشاركهم فيما هو منه بعض المسلمين، أما التحقيق لأصل باطراد فهذا في الغالب أنه اختصاص عندهم، أما أن يكون غيرهم عنده من الأصول ما ليس عندهم، فهذا ممتنع، كذلك في باب التشريع وباب الأخلاق فإن غيرهم يشاركهم في هذا، لكن هديهم أكثر تحقيقاً، وهذا باعتبار أن منهج أهل السنة والجماعة منهج عام في العقائد والأصول، أو في التشريع أو في الأخلاق.
وإن كان اسم أهل السنة أو اسم السلفية أو السلف إذا تكلم به انصرف إلى القول في العقائد باعتبارها هي الأشرف وهي محل النزاع من جهة الأصل بين أهل القبلة، لكن مع هذا فإن من فقه الناظر في كلامهم -أعني كلام السلف أو كلام أهل السنة- أن يعتبر هذا المعنى العام: أن طريقتهم طريقة عامة، وهي الأخذ بهدي رسول الله ﷺ ظاهراً وباطناً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؛ لأن هذا هو السبيل الذي أوجب الله به النجاة في مثل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] فبيَّن سبحانه أن ثمة تلازماً بين طريق الرسول ﵊ وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] فدل على أن سبيل المؤمنين هو طريق الرسول ﷺ ، لأنهم أخذوا وتلقوا عنه.
قال ﵀: [واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)].
هذه الوصية الجامعة هي حديث العرباض بن سارية في وصية النبي ﷺ لأمته أن يقتدوا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وهم الخلفاء الأربعة، وهذا فيما يقرونه ويلتزمون به من الاجتهاد ويلزمون به الأمة، هذا معنى حديث العرباض في قوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) المقصود بسنة الخلفاء هنا: هو اجتهادهم الذي يلزمون به الأمة، فإذا ألزم أبو بكر الأمة بأمر، فإنه يجب على الأمة أن تلتزم به كسنة شرعية، ليست سنة مصلحية تعرض وتزول، لكن إذا ألزم به أبو بكر فإنه يكون سنةً شرعية لا يجوز لأحد أن يخرج عنها، هذا هو وجه أن لهم سنة بخلاف غيرهم، فإن الأمر يكون على حسب المصالح والقياسات والنزاع العلمي إلى غير ذلك، وهذا من تسديد الله لهؤلاء الأربعة.
ولهذا فرع بعض أهل الأصول: هل اتفاق الخلفاء الأربعة الراشدين على رأي في مسألة ما حجة، أم ليس بحجة؟
والمأخذ من هذا الحديث لا يدل على أن قول أحد منهم أو حتى اتفاقهم يكون حجةً بذاته في المسائل التي مردها إلى النصوص، إنما هذا فيما يختصون به من النوازل وما يتعلق بالمصالح المرسلة التي تعرض في زمنهم، فيكون هذا من تمام الاتباع للنبي ﷺ .
وإذا قيل: إن الصحيح أن هذا الاتفاق ليس حجةً بذاته، لا يفهم منه أنه يخالف قولهم، لأنه لم يحفظ مسألة من مسائل العلم -أي: في مسائل التكليف- قد أجمع الخلفاء الراشدون فيها على قول وكان هذا القول ليس راجحاً فاحتجنا أن نرجحه بكون إجماعهم حجة، بل تجد أنهم إذا اتفقوا وحرر اتفاقهم على قول فلا بد أن يكون هذا القول عليه دلائل من السنة تغني عن النظر في قولهم هل هو حجة أو ليس بحجة.
ولذلك لا توجد مسألة اتفق عليها الخلفاء الراشدون وقولهم فيها مخالف لظاهر الأدلة، اللهم إلا أن يكون هذا من باب عدم الضبط لأقوالهم، كما ذكر كثير من فقهاء الشافعية مثلاً: أن مما اتفق عليه الخلفاء أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، فهذا ليس عن الخلفاء الراشدين فيه اتفاق، وكأنهم -كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀ دخل عليهم أن الخلفاء الراشدين كانوا يظهرون عدم الوضوء مما مست النار، وكان الوضوء مما مست النار مشروعاً في أول الإسلام، ثم نسخ، فكان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، فبعض الصحابة بقي عنده بقية في هذه المسألة، فكان الخلفاء وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يظهرون عدم الوضوء مما مست النار، حتى لا يلتبس هذا على المسلمين، فظن من ظن من فقهاء الشافعية أنهم لا يرون الوضوء من لحم الإبل، لأن هذا الفقيه من متأخري الشافعية بناه على أن لحم الإبل إنما وجب الوضوء منه لكونه مسته النار.
فهذا من جنس من يقول: إن لحم الإبل قد نسخ الأمر بالوضوء منه، والأمر ليس كذلك؛ لأن حديث جابر بن سمرة والبراء بن عازب يدلان على أن هذا كان بعد النسخ، فإن النبي ﷺ قيل له: (يا رسول الله! أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا -وفي رواية قال: إن شئت- قيل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم) فلو كان هذا قبل النسخ لكان جوابه عن سؤال: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ أن يقول: نعم، لأن لحم الغنم قد مسته النار، فلما قال: (إن شئت)، وفي رواية قال: (لا) أي: لا تتوضأ من لحم الغنم دل على أن هذا كان بعد النسخ، إنما الخلاف الذي يتوجه في مسألة لحم الإبل: هل قوله: (نعم) أراد به الرسول ﵊ الإيجاب، أم أراد به الاستحباب؟
هذا الخلاف هو الذي يتوجه عند التحقيق، وكأنه هو مأخذ المتقدمين في المسألة الذين صح عندهم الحديث في هذا، أما أن ترد إلى هذا المعنى أن هذا من النسخ فهذا الحديث ظاهره يمنعه، فالمقصود من هذا أن لحم الإبل على الراجح في المسألة كما هو معروف مما يجب الوضوء منه، وهو مذهب أحمد خلافاً للأئمة الثلاثة، لكن يبقى أن المسألة من مسائل النزاع المعروفة بين المحدثين والفقهاء.
ونتيجة هذا: أن الخلفاء الراشدين لا يجمعون على ما يخالف ظاهر السنة والكتاب.
стр. 205
منهج الاستدلال عند أهل السنة والجماعة
قال ﵀: [ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد؛ ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وسموا أهل الجماعة، لأن الجماعة هي الإجماع، وضدها الفرقة].
هذا الهدي الذي قرره المصنف هنا هو من الفقه، ومنهج السلف ﵏ ومنهج أهل السنة والجماعة فيه جهتان: جهة إجماعية، وهذه هي الكلام في أصولهم، وهذه هي التي يحصل بها التمييز، بمعنى: أن المسألة من هذا النوع أو من هذا الوجه تضاف إلى السلف، ويكون من يشاركهم فيما هو من هذه المسألة تابعاً لهم، فيقال: إن من قول السلف كذا، ومن مذهب السلف كذا.
هذه المسائل التي تُضاف إلى السلف باختصاص هي مسائل الإجماع، وهي التي تسمى مذهباً للسلف، أي: أنهم يختصون به، وهذا الاختصاص لا يعني أنه يمتنع أن يشاركهم من هو من الطوائف الإسلامية فيما هو منه، بخلاف تحقيقه أو الاختصاص به فإنه لا يقع من غيرهم، أما ما كان من غير مسائل الإجماع، فهو وإن كان لهم -أعني: أئمة السلف- هدي في ذلك إلا أن هذا لا يوجب الإضافة المختصة في سائر مسائل التشريع المفصلة أو مسائل الأخلاق المفصلة أو أنواع النظر أو ما إلى ذلك.
وسبق معنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد قرر أن مذهب السلف يتلقى بطريق النقل وليس بطريق الفهم، يقول: الأقوال التي تضاف إلى السلف على أنها دين لازم لا يجوز الاجتهاد بخلافه وما يقابله يكون بدعةً، وهذه البدعة لا يجوز الاجتهاد بها، حتى ولو كان من اجتهد بها يزعم أن لها ظاهراً من الدليل من الكتاب أو السنة، الأقوال التي تضاف إلى السلف لا بد أن تكون إجماعاً، وهذا الإجماع إما أنه يحصل بتواتر قولهم وعدم اختصاص بعض أئمتهم بمخالفة كتواطؤ قولهم: إن الإيمان قول وعمل، فهذا قد تواتر عنهم، فإن قيل: فقد خالف حماد بن أبي سليمان.
قيل: خالف بعد الإجماع، فإن حماداً ليس هو أول السلف، فأول السلف هم الصحابة ﵃، ثم التابعون لهم، ومن المعلوم: أن حماداً قد سبقه الصحابة وسبقه خلق من الأئمة ممن هم بعد الصحابة؛ ولذلك كان قوله خطأً في هذه المسألة.
الوجه الثاني في ثبوت مذهب السلف: أن يحكي من هو من المعتبرين في ضبط مذهبهم الإجماع عندهم على قول كحكاية الإمام أحمد الإجماع، أو حكاية إسحاق أو حكاية البخاري، أو ما إلى ذلك من الأئمة المعتبرين، أو حتى من المتأخرين المحققين؛ كـ شيخ الإسلام ابن تيمية إذا حكى أن إجماع السلف على كذا، فإن هذا يكون إجماعاً صحيحاً منضبطاً، وإذا حكى أبو عمر ابن عبد البر الإجماع، فإنه في الجملة يكون صحيحاً منضبطاً.
المقصود: أن هؤلاء إذا حكوا الإجماع وانضبط، ولم يظهر له مخالف، فإن هذا يكون مما يضبط به منهج السلف.
قال شيخ الإسلام: وأما تحصيل مذهب السلف بطريق الفهم، فهذا من طرق أهل البدعة.
والمقصود من ذلك: أن المسائل التي تضاف إلى السلف على أنها من قولهم يلزم أن ما يقابلها يكون بدعةً، فالسنة يقابلها البدعة، وهذا لا يجوز أن يكون محصلاً بالفهم، صحيح أن هذه الأقوال في الفقه كأقوال الأئمة الأربعة هي أقوال لأئمة السلف، مع أن جمهورها يحصل بالفهم والنظر والتأمل ..
إلى غير ذلك، وأكثرها محل نزاع بينهم، كاختلافهم في أكثر مسائل التكليف وفروعها، لكن هذا مما يضاف إلى الأعيان من أعيانهم ولا يضاف إلى جملتهم.
إذاً تحصل عندنا وجهان: الوجه الأول: ما كان من الأقوال مضافاً إلى جملتهم، وما كان من الأقوال مضافاً إلى معين، أما ما كان مضافاً إلى جملتهم أي يقال: هذا قول السلف، فهذا لا يجوز إضافته إلى جملتهم إلا بنقل الإجماع فيه على أحد وجهي ثبوت الإجماع، أما ما كان مضافاً إلى أعيانهم، فهذا يحصل بطريقة الفهم، ولذلك لا غرابة أن فيه اختلافاً؛ لأن كبارهم كانوا يختلفون، وقد اختلف الصحابة واختلف الأئمة الأربعة ومن قبل الأئمة الأربعة ..
وهلم جراً.
فهذا لا يضاف إلى السلف، بل يضاف إلى أعيانهم، فيقال: قول أبي حنيفة كذا، وقول مالك كذا، والجمهور من الفقهاء كانوا على كذا ..
إلى آخره، أو رأي المحدثين كذا ورأي أكثر الفقهاء كذا ..
إلى غير ذلك.
فإن قال قائل: فما الفرق بينهما؟
قيل: الفرق بينهما أن الأول لا يُحصَّل إلا بطريق النقل والإجماع، فهذا ما يخالفه يكون بدعة، أما الثاني فإن ما يخالفه لا يكون بدعة؛ لأنهم هم مختلفون فيه.
стр. 206
خطأ بعض المنتسبين للسلف في إنكار التمذهب مطلقاً
نقصد من هذا الكلام أن بعض الإخوة أحياناً يكون عندهم من الحرص على ضبط المذهب السلفي وتمييزه عن البدعة؛ فيضيقون المذهب الذي يسمونه مذهب السلف تضييقاً يوجب عدم إدخال كثير من سواد أهل السنة والجماعة فيه، ولذلك تجد أنهم يدخلون في مذهب السلف مسائل فرعية؛ مثلاً: يجعل أحدهم من سنن السلف أو من الصلاة السلفية: عدم وضع اليدين على الصدر بعد الركوع، وأن السنة السلفية السدل ..
فهذا غلط، هذه السنة لا يصح أن تضاف إلى السلف، نعم قال بها طوائف من السلف، فتضاف إلى أعيانهم، حتى ولو قيل: هو قول جمهورهم.
أيضاً: مسألة زكاة حلي النساء، جمهور السلف من الفقهاء والمحدثين على أنه لا زكاة فيه، فلا يحق لأحد أن يقول: ومن الأحكام السلفية أن حلي النساء لا زكاة فيه، مع أن مالكاً والشافعي وأحمد والجمهور من أهل الحديث لا يرون وجوب الزكاة فيه، إلا أن هناك مخالفاً وهو أبو حنيفة وخلق من الكوفيين بل وغير الكوفيين.
فالمقصود: أن المسائل التي هي نزاع بين السلف إذا اجتهد مجتهد فرجح أحد القولين ونسبه إلى بعض أئمة السلف فهذا له، لكن لا يجعل هذا من الخصائص السلفية؛ فإن ذلك يلزم منه أن ذلك الإمام أو أولئك الأئمة المتقدمين لم يكونوا على جادة سلفية في هذا.
إذاً: تحصيل مذهب السلف بالفهم لا يجوز، مثله من اجتهد بنظر معين في الفقه ورأى أن الطريقة الصواب في الفقه هي كذا وكذا، وبنى هذا الاجتهاد على الأدلة، ووضع لنفسه طريقة معينة في تحصيل الفقه -أي: الأحكام الفقهية- ثم قال: هذه هي الطريقة السلفية، وجعلها مكافئة للطريقة التي يسمونها الطريقة المذهبية.
والسلف كما قلنا: هم الصحابة أو القرون الثلاثة الفاضلة ومن اقتدى بهم، فنجد أن هناك من يجتهد بطريقة فقهية معينة يجعل من يتبع هذه الطريقة سلفياً ومن يخالفها ليس سلفياً، وإن كان قد يقول بعضهم مثلاً: إنه ليس سلفياً في الفقه وإن كان سلفياً في العقيدة، وهذا التقسيم غلط؛ فإن مسائل السلف التي تضاف إليهم هي مسائل الإجماع.
وهذه مسألة عني شيخ الإسلام بتقريرها، وعدم فهمها هو الذي أدى إلى انقسام السلفيين الآن، فبعض السلفيين في مصر لهم طريقة تجدهم يزيدون بعض القضايا تختلف عن أنصار السنة في السودان، وعن غيرهم من السلفيين في أهل الشام، هذه التجمعات السلفية التي أصبح كل واحد منها يدعي التمام؛ موجبها خصائص من الفهم مبنية على اجتهاد شرعي، ولكنهم جعلوها من الموجبات السلفية.
والحق أن سائر الاجتهادات لا علاقة لها بمسألة التسمية السلفية، التسمية السلفية معتبرة بالعقائد والأصول، أما من خالف الاجتهاد فهو تحت حديث: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجر، ...)، فهو في مسائل الاجتهاد الممكنة التي يدخلها التقدم والتأخر، وهذه الاجتهادات كاجتهادات المتقدمين في مسائل الفقه وغيرها.
مع أنه من المعلوم أن هذه الطريقة التي تذكر أحياناً من أن فلاناً سلفي في العقيدة وليس سلفياً في الفقه، تقال فيمن انتسب لمذهب من المذاهب الأربعة، ولو أن شخصاً أراد أن يعكس المسألة لأمكنه أن يعكسها، فلو قال: إن السنة السلفية مضت بإقرار التمذهب؛ لما استطاع أحد أن ينكر عليه ..
فهناك فرق بين أن تقول: إن السنة السلفية مضت بإقرار التمذهب، وبين أن تقول: إن السنة السلفية مضت بقصده أو تشريعه أو الحث عليه، والذي نتكلم عنه هو الإقرار فقط.
ووجه هذا الإقرار: أن التمذهب بمذاهب الفقهاء الأربعة بدأ من القرون المتقدمة، ولو أبعدت قلت: بدأ من القرن الرابع، مع أنه بدأ قبل ذلك، لكن انضبطت هذه المذاهب وبدأ الانتساب الصريح لها من القرن الرابع؛ بل من قبل، فالحقيقة أنه حتى في زمن التابعين قبل الأئمة الأربعة كان يعرف أن فلاناً له أصحاب، بل حتى الصحابة كان ابن مسعود له أصحاب ويرجحون قوله وينتصرون له؛ لأنهم رأوا أن منهجه هو الأقوى، وكان هناك أصحاب ينتسبون لفقه ابن عباس، فهذا لم يكن غريباً زمن السلف وما كان منكراً، ومما كان يعلم أن أتباع ابن مسعود كانوا يوافقونه على مسائل هي خلاف الدليل، كمسألة التطبيق، ومسألة إذا كان إماماً وائتم به اثنان وقف وسطهم.
والمقصود من هذا: أن مسألة الأتباع والأصحاب مسألة معروفة، ثم انضبطت أكثر في المدارس الفقهية الأربع ..
نعم هناك التعصب، لكن هذا التعصب مذموم؛ سواء كان لأحد الأمة الأربعة، أو كان لـ أبي بكر أو كان لـ عمر، أو كان لأي شخص لعينه، لأنه لا يجوز التعصب -أي: الاجتماع على قول واحد بإطلاق- إلا أن يكون الرسول ﵊.
إذاً: من يحتج على إبطال التمذهب بكلام المتعصبين من الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة فهذا لا حجة فيه.
البعض يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] هاتوا دليلاً يدل على جواز التمذهب.
وهذا جهل؛ فإن العلم لا يناقش بهذا الأسلوب، هذه سطحية في العلم.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] لا جدل في هذه القاعدة، لكن كيف الرد إلى الله والرسول؟ هذا ليس من باب التعبد حتى تقول: هات لي دليلاً من القرآن والسنة يقول: تمذهب لـ أحمد بن حنبل أو للشافعي.
ولو رددنا هذه المسألة إلى الله والرسول، فلن نجد في القرآن أو في السنة دليلاً على منع الاقتداء بأولي العلم، لأن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل:٤٣] وإذا كان سؤالهم ممكناً، فهذا الاتباع هو من نفس هذه المادة: مادة السؤال.
стр. 207
التمذهب المحمود والتمذهب المذموم
حقيقة التمذهب: أنه من باب التراتيب العلمية، ليس من باب التعبد، من انتسب للإمام أحمد تعبداً؛ كما يفعل مثلاً بعض الشيعة وبعض الصوفية حين ينتسبون على جهة التعبد لأعيان؛ فهذا لا شك أنه بدعة، لكن من انتسب للإمام أحمد لأنه أخذ من علمه ما لم يأخذ من علم الشافعي، أو قرأ من كتبه ما لم يقرأه من كتب الشافعي، أو رأى أن الإمام أحمد أعلم بالسنن والآثار، أو رأى أنه أقرب.
وآخر عرف من حال الشافعي وما عنده من الأخذ عن المحدثين والفقهاء وسعة علمه باللغة، فناسبه فقه الشافعي، ورأى بنظره أنه أقرب، فصار شافعياً، وصار هذا حنفياً، لأنه لم يلق المحدثين، إنما تقلد فقه أبي حنيفة كحال أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد كان على فقه أبي حنيفة، ولما لقي من لقي من أهل الحديث ترك كثيراً من قول أبي حنيفة.
إذاً: المسألة مسألة تراتيب علمية، مثل قول الرسول ﵊: (فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا) لماذا يطيعون أبا بكر وعمر؟ هل أبو بكر مشرع؟ لا، ولكن هذه تراتيب علمية: أن المفضول في العلم يقتدي بالفاضل، وإذا تعصب متعصب لـ أحمد أو للشافعي قلنا: أخطأ، لكن أن يقال: إن السلفي هو الذي لا يتمذهب، فهذا ليس صحيح، وإلا للزم من كونك لا تقلد أحداً في مسألة، أن لا يكون لك سلف في كل المسائل، وهذه ليست طريقة السلف، الإمام أحمد يقول: لا تقل في مسألة إلا ولك فيها إمام، ويقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك لعلهم اختلفوا.
إذاً لا بد من هذا الاتباع، وهذا من سنن المرسلين: أن يقتدي المفضول بالفاضل.
أما إذا صار التمذهب تعصباً أو صار الانتصار من أجله ليس من أجل الدليل، أو صار على جهة التعبد أو نحو ذلك ..
فلا شك أن هذه موجبات يعلم بطلانها من الشريعة وهي من البدع المنكرة.
إذاً: التمذهب فيه طرفان ووسط؛ فإذا غلا بعض المتمذهبين بتعصبهم للمذاهب، وصاروا يقلدون الأقوال ولا يعتبرون النظر في الدليل، وكان همهم الانتصار للمذهب، فهذا لا شك أنه بدعة وجدت في قرون من الأمة على يد بعض الفقهاء.
وقد أنكره قوم ولا سيما من المعاصرين الذين بالغوا في رده وجعلوا السلفية مرتبطةً بعدمه، والحق أن المحققين من السلفيين كـ ابن عبد البر وشيخ الإسلام وابن كثير ومن قبل هؤلاء أو من بعدهم، والمعاصرين الذين قرب عصرهم كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وشيوخ الدعوة، كل هؤلاء كانوا على التمذهب البعيد عن التعصب، إنما اختاروا أصولاً فقهيةً عند أحمد أو أصولاً عند الشافعي أو أصولاً عند أبي حنيفة.
ولا أحد يجادل في أنك لو اخترت قول أبي حنيفة في مسألة لما أنكر عليك أحد، وإذا اختار أحد قول أبي حنيفة في ترجيح القياس على قول الصحابي ..
هذه مسألة وهذه مسألة، فهو اختار اجتهادات أبي حنيفة؛ لأنه عند الأئمة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع عندهم حجة، بعد ذلك تأتي الأدلة المختلف فيها، هذه فيها تراتيب بينهم -أي: بين الأئمة الأربعة- فبعض الناس من الناظرين بحسب درجة نظره وقوته يقدم قول أحمد أو قول الشافعي أو قول أبي حنيفة، فهذا من تقليدهم في اجتهادهم كتقليدهم في آحاد فروع الشريعة.
فالمقصود: أن التمذهب لا بد أن يكون القول فيه معتدلاً، لا يجوز الانتساب للمذاهب على التعصب، ولكن لا يجوز إنكار ذلك.
وليس المقصود من هذا أن التمذهب سنة لازمة لا بد أن تبقى في المسلمين، بل ينبغي ذكر الاجتهاد، فالأمة الآن بحاجة إلى اجتهاد، لأن هناك مسائل نزلت لم يتكلم عنها الفقهاء من قبل، لكن المقصود أن الأمور تؤتى من أبواها، فتحصل الاجتهاد ليس بإنكار المذاهب، وتحصل السلفية ليس بإنكار المذاهب، فإن أئمة هؤلاء المذاهب هم أئمة السلف، وكثير من أتباعهم المحققين كانوا على عقيدة السلف، خاصة أن من ينكر هذا تجد أنه يأخذ بأقوال ابن حزم أو أقوال الشوكاني، فرجعوا إلى قول عالم من علماء السنة والجماعة على أحسن تقدير.
стр. 208
الإجماع المنضبط عند أهل السنة
قال ﵀: [وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين، والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس].
هذه الأصول الثلاثة هي موازين الحق: الكتاب والسنة والإجماع، ومعلوم أن الإجماع لا ينعقد إلا بدليل، فكل مسألة أجمع عليها فهي أقوى من المسألة التي فيها ظاهر دليل وليس فيها إجماع ..
لأن المسألة التي أجمع عليها لا بد أن يكون دليلها أقوى من المسألة التي فيها ظاهر دليل لم يصاحبه إجماع، فكل مسألة أجمع عليها فعليها دليل من الكتاب أو دليل من السنة ولا بد، وإن كان قد يتخلف عند البعض تحصيل هذا الدليل.
[وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين، والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة].
وهذه العبارة من شيخ الإسلام ﵀ كأنها محورة من كلام أبي محمد ابن حزم، وشيخ الإسلام قد أخذ من ابن حزم، وإذا قيل: إنه أخذه من ابن حزم، فلا يعني أنه مقلد له، لكن يعني أن ابن حزم كان يقرر مثل هذا الكلام، فهذا مما كان جيداً في كلامه.
أبو محمد ابن حزم يقول: إن الإجماع المنضبط هو إجماع الصحابة، وشيخ الإسلام هنا يقول: ما كان عليه السلف الأول، فهذا مقارب لقول أبي محمد ابن حزم.
وإذا قلنا: إن الإجماع المنضبط هو ما كان عليه الصحابة؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف، فقد يقول قائل: إن هذا يستلزم إسقاط دليل الإجماع في كثير من المسائل الفقهية.
فأقول: إنه إذا تكلم عن الإجماع المنضبط القطعي المتعلق بمسائل أصول الدين، فلا شك أن الإجماع هنا هو إجماع السلف الأول إجماع الصحابة، أما إذا كان الكلام في مسائل التشريع -مسائل الفروع- فالقول في الإجماع هنا يكون أسهل من القول الذي قاله أبو محمد ابن حزم.
стр. 209
شرح العقيدة الواسطية [٢٤]
من عقائد أهل السنة والجماعة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولزوم إقامة الأعياد والحج والجهاد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، مع إسداء النصيحة لهم ولسائر أفراد الأمة، ويرون التمسك بمعالي الأخلاق والتنزه عن سفسافها.
стр. 210
أهل السنة والجماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
قال المصنف ﵀: [فصل: ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة].
وهذا مما لا يختص به أهل السنة والجماعة؛ لكنهم وإن شاركهم غيرهم فيه إلا أنهم أكمل من جهة التحقيق.
قال ﵀: [ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً]
فما داموا مسلمين -أي: ثبت إسلامهم ودينهم- فلهم السمع والطاعة وإقامة الصلاة خلفهم، ولا يوجب ما قد يعرض لهم من الفسق أو الظلم ترك هذه الشعائر الظاهرة.
стр. 211
السلفية منهج في العقائد والعلم والعمل
قال ﵀: [ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشده بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه)].
وهذا مشروع في حق الخاصة أكثر مما هو في حق العامة؛ ولذلك مما يعجب منه -وهذا من قلة الفقه بأخلاق الشريعة- أن بعض طلبة العلم إذا أراد أن ينكر على أحد من العامة فربما أحسن التلطف، وإذا خالف غيره من أهل العلم أو من أقرانه من طلبة العلم فيما هو من مسائل الاجتهاد، فربما صار عنده من الانغلاق والتعصب لقوله والانتصار لنفسه شيء كثير ..
فهذا ينافي مسألة النصيحة، وينافي مسألة أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
فهذه الأخلاق التي يشير إليها المصنف لا بد أن تكون محققة؛ لأنها هي هدي صاحب الرسالة.
والسلفية ليست فقط مجموعة من العقائد تُقال، بل هي منهج في العقائد ومنهج في العلم ومنهج في العمل.
[وقوله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء].
أي: أنهم يتكلمون في السلوك، والإشكال الواقع الآن: أن بعض من يتكلم في عقيدة السلف يحصرها في الأصول النظرية التي وقع الجدل فيها مع المتكلمين، والمتكلمون في الجملة نظار ما دخل عليهم التصوف إلا على يد بعض الأشعرية، أو بعض المنتسبين للسنة والجماعة من المتكلمين، أما أساطين علم الكلام الأوائل المعتزلة فكانوا أبعد ما يكونون عن التصوف، فلم يكونوا متصوفة على طريقة الصوفية التي تؤمن بالأحوال وما إلى ذلك، وإن كان من المعتزلة من هو من العباد، لكنه يختلف عن كونه صوفياً، فهو عابد على طريقة التعبد الواضحة، ليس على طريقة التصوف الأحوالية المستعملة عند الصوفية بدرجاتها.
والمقصود من هذا: أن هذا المذهب -وهو مذهب أهل السنة والجماعة- يتعلق القول فيه بالعقائد النظرية، ويتعلق القول فيه بمسائل السلوك والأحوال، فلهم هدي في مسائل السلوك.
وبعض من يقصد إلى الرد على المخالف قد تغلبه الحال في رده، فيتأخر عن مقام الاعتدال، فمن يرد على الشيعة قد يقصر في حق آل البيت، ومن يرد على الصوفية قد يقصر فيسقط بعض مقامات السلوك من باب الرد على الصوفية، فهذا لا شك أنه ينافي العدل والاعتدال.
стр. 212
ترك الاستطالة على الخلق بحق وبغير حق
قال ﵀: [ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق].
هذه الجملة الأخيرة من كلامه ﵀ هي من جمل الفقه الشريفة: أنهم ينهون عن الاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق.
والاستطالة بغير حق بينة الفساد؛ ولكن الاستطالة بحق قد تعرض لبعض أهل العلم، ولا سيما ممن لم يكن محققاً لمقام العلم، أو بعض العامة القاصدين للخير أو ما إلى ذلك، فيكون عندهم موجب للحق، كإنكار لمنكر قولي أو عملي أو ما إلى ذلك، فيزيدون في هذا الإنكار إلى قدر أن يستطيل أحدهم -أي: يحصل منه زيادة واعتداء- على غيره من المسلمين، بغض النظر عن كون هذا الغير سنياً أو غير سني، ولكنه يكون أشد إذا كان هذا الغير الذي قصد الرد عليه من أقرانه من أهل السنة، وربما يكون أفضل منه علماً وعملاً، فهذه حال موجودة.
الله تعالى شرع إنكار المنكر، وشرع الأمر بالمعروف، لكن إنكار المنكر ليس معناه ملكية العقوبة للآخرين، فبعض الناس وهو ينكر المنكر كأنه يعاقب بشكل شخصي هذا المنكَر عليه، فيستغل نقطة الضعف الموجودة عنده، ويتصرف معه كأنه يقدم له نوعاً من العقاب الشخصي.
وإنكار المنكر ليس هكذا، فمسألة الحد أو مسألة التعزير هي مسائل سلطانية، ومن المشروع في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر ألا يكون على قدر من الاستطالة.
فقوله ﵀: أنهم ينهون عن الاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق هو من هذا الوجه، ولا سيما في مقام الرد على المخالف، سواء كان المخالف سنياً أو غير ذلك، وإن كان الخلاف بين أهل السنة أتباع السلف الصالح لا ينبغي أن يؤخذ مساق النزاع الذي فيه فصل وقطع للعلائق ..
هذا غلط، وإن كان يقع من كثير من هؤلاء بقصد الانتصار للحق، وبكون الحق أغلى عندنا من الرجال؛ فهذه المقدمات المجملة مقدمات صحيحة، ولكن هذه المقدمات أحياناً لما فيها من الإجمال توجب كثيراً من الانحراف عن منهج النبي ﷺ أو عن هدي أصحابه.
وهذا التسابق إلى الرد على المخالف من أهل السنة ليس حكيماً، ويكفي البيان، والردود المعروفة عند السلف لم تكن على أئمة السنة؛ بل كانت الردود المشهورة والجمل المشهورة هي على أهل البدع، أما إخوانهم من أهل السنة والجماعة فما كانوا يعنون بالرد عليهم، وليس مرد ذلك إلى التطابق التام في الاجتهادات وفي الآراء، فقد كان من المعروف ما بين الكوفيين من أهل الرأي وبين أهل الحديث، صحيح أن بعض المحدثين تكلم في الرأي وأهل الرأي كثيراً، لكن هذا لم يكن على نوع من قطع العلائق على التمام، أو من جنس الكلام الذي كان يقال في أهل البدع.
أما من يريد أن يقتدي ببعض الآثار أو ببعض القصص التي عرضت، فهذا ليس مما يقتدى به، مثل: أن محمد بن يحيى الذهلي يُذكر عنه أنه طرد البخاري من مجلسه، أو أن مسلماً خرج من مجلسه، وهذا من قوته ﵀ في السنة قد يكون الذهلي ليس مصيباً فيه، فمثل هذه المسائل لا ينبغي أن يُكبَّر شأنها؛ لأنك إذا امتدحت الذهلي، فقد تذم الطرف الآخر، وهو البخاري، فيكون كلامك مشيراً إلى أن البخاري مستحق لهذا، فهذه اجتهادات عرضت لها ظروفها الخاصة وليست سنناً عامة.
ومما يتعجب منه أن بعض طلبة العلم وبعض الشباب يستدل بقصة مجملة، ولك أن تقول: هي من متشابه المواقف، وليست من محكم المواقف، بمعنى أنها من المواقف المبنية على المصالح والمفاسد، يختلف الاجتهاد فيها حتى عند العالم نفسه، فلا تجعل كالمنهج المطرد، مثلاً: الإمام أحمد استأذن عليه داود بن علي، وكان صاحباً وصديقاً لـ صالح ابن الإمام أحمد، وكان داود بن علي قد أظهر في أصبهان أن القرآن محدث، وقد تكلم بهذه الكلمة لأنها جاءت في القرآن، وما كانت هذه الكلمة تعجب الإمام أحمد فبلغ الإمام أحمد أن داود بن علي قال هذا في أصبهان، فجاء داود إلى بغداد وتلطف لـ صالح ابن الإمام أحمد أن يدخله على أبيه، فقال صالح لأبيه: إن رجلاً من أهل أصبهان يريد أن يدخل عليك.
قال: من هو؟ قال: داود.
قال: داود ابن من؟ فقال: داود بن علي.
قال: لا يدخل، بلغني عنه أنه قال كذا وكذا.
فيأتي بعض الشباب الآن ويقول فيمن هو من كبار الصادقين أو الصالحين أو ممن انضبطت عقائدهم: لا يدخل ولا يخرج، ولا يتكلم، ولا نقبل منه صرفاً ولا عدلاً، وكأنه يطبق هنا موقف الإمام أحمد، وهذا اجتهاد من الإمام أحمد قد يكون صواباً وقد يكون غير صواب، فالإمام أحمد ليس معصوماً.
ثانياً: إذا كان صواباً وهو الصحيح: أن هذا كان صواباً من الإمام أحمد من باب ضبط السنة وألفاظ السنة في مسألة القرآن، فهذا كان لائقاً بمثل الإمام أحمد مع من هو مثل داود، وداود يفقه مثل هذا المقام، فإن داود بن علي كان من علماء السنة والجماعة، ما عنده أغلاط في الصفات مثل ابن حزم؛ فـ داود بن علي مختص بمذهب فقهي واجتهاد فقهي، أما عقيدته فهي نفس عقيدة السلف تماماً، نقل عنه مسألة أن القرآن محدث، وهذه مسألة لفظية مثل ما نقل عن البخاري في مسألة اللفظ، أو عن الذهلي أو عن أبي حاتم مسألة مقابلة لهذا.
والمقصود: أن المقامات التي تعرض من الأكابر ليست سنناً للأصاغر، السنن هي السنن النبوية الشرعية، ومعلوم أن الرسول ﵊ وهو المشرع قد هجر الثلاثة الذين خلفوا، مع أنه حصل في زمنه معصية حتى من بعض أصحابه، كمن شرب الخمر أو ما إلى ذلك، ولم يأمر بهجرهم.
والحق فيه من البيان والقوة ما لا يحتاج إلى كثير من الاستطالة معه في مسائل الردود، خاصة الردود بين أهل السنة أنفسهم -بين السلفيين- والردود يجب أن تسخر في الرد على شبه الكفار، وشبه أهل البدع، أما الردود على السلفيين في مسائل من الاجتهاد الممكن في الغالب، فهذا ليس حكيماً، ولا مشهوراً زمن الأوائل ﵏.
стр. 213
التسمي باسم الإسلام هو الأصل
قال ﵀: [ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفسافها، وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة، وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ ].
طريقة السلف هي دين الإسلام، هذا هو الاسم الشرعي فالأصل أنهم مسلمون مؤمنون، وإنما ظهر اسم أهل السنة والجماعة أو ظهر اسم السلف لما أخبر النبي ﷺ أن أمته تفترق، فسمي هؤلاء القوم الذين التزموا الكتاب والسنة وهدي الصحابة بأهل السنة والجماعة وذلك بعد الاختلاف.
إذاً اسم السلف اسم عرض لموجب، فيكون باقياً لكن لا يجوز أن يهجر الاسم الأصل، فالاسم الأصل أشرف من كل الوجوه، وهو اسم (الإسلام) قال تعالى عن الأنبياء: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً﴾ [آل عمران:٦٧].
نعم، كلمة السلف تقال، لكنه لا يوجب هجر غيره كاسم أهل السنة أو ما هو أشرف من هذا الاسم وأصدق في الديانة لله كقولك: المؤمن، والمسلم، وما إلى ذلك.
стр. 214
حكم أهل البدع
قال ﵀: [لكن لما أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة].
قوله: (كلها في النار) ليس حكماً على أهل البدع أنهم من أهل النار كالحكم على الكفار في مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٥]، بل المقصود من قوله: (كلها في النار) أن أصحابها الذين خرجوا عن الأصول الشرعية المنضبطة مستحقون للوعيد، كقول النبي ﷺ : (ما أسفل من الكعبين ففي النار)، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠]، ونحن لا نجزم لكل من أكل مال يتيم بهذا، إنما يقال: أكل مال اليتيم من موجبات العقاب، فكذلك الخروج عن هذه الأصول السلفية من موجبات العقاب.
أما تقدير هذا العقاب فهو على علم الله وحكمته؛ ولذلك المصنف -أعني شيخ الإسلام - في أول الرسالة قال: أما بعد ..
فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة.
فقال بعض أهل البدع في ذلك الوقت له: يلزم أن أئمتنا الذين ماتوا ليسوا ناجين عند الله! فقال: أنا أقول: من اعتقد هذا المعتقد كان ناجياً، ومن خالف ما هو منه، فهذا بحسب علم الله وحكمته، فقد يكون معذوراً في بعض مخالفته، وقد لا يكون معذوراً في بعضها
وهلم جراً.
لكن مما يعلم أن من خالف في أصل من أصول أهل السنة الكبار، فلا بد أن عنده تفريطاً فيما هو من الحق، لا يمكن أن تكون هذه المخالفة على اجتهاد مأذون فيه مقبول، لا بد أن يكون عنده من النقص والتفريط ما ينزله عن مقام الاجتهاد المأذون فيه.
[إلا واحدة وهي الجماعة.
وفي حديث عنه أنه قال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة].
قوله: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم) هذه اللفظة تُكُلِّمَ في صحة سندها، لكن سواء صح سندها أو لم يصح، فإن معناها صحيح.
[وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال، وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة).
نسأل الله أن يجعلنا منهم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمةً إنه هو الوهاب.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً].