← Акыда

Акыда · id 37783

شرح الواسطية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (214 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

باب اليوم الآخر يقتصر فيه على ما يطابق النص باب اليوم الآخر وأمثاله باب لا يقال فيه بالتفقه على طريقة الرأي والاجتهاد، وإنما يقتصر فيه على ما طابق النص. وأما البحث في أنواع الدلالات من جنس البحث الفقهي فإن هذا ليس فاضلاً، وإن كان يبدو لبعض طلبة العلم نوعاً من التحقيق في فقه المسألة أو فقه الدليل أو في فقه النص. فمثلاً: إذا جاء عن النبي ﷺ نص مجمل، وتضمن هذا النص المجمل بعض المسائل المفصلة المحتملة لهذا النص، فإنه لو كان هذا النص في باب الأمر والنهي، لكان المشروع التفقه في هذا النص والأخذ بأنواع الدلالات التي جاء تفصيلها في كتب أصول الفقه. أما باب العقائد بعامة، ولاسيما الأبواب السمعية المحضة، فلا ينبغي لأحد أن ينظر فيها بالتفقه على طريقة الرأي والاجتهاد، وهذا باب محكم عند سائر السلف، ولا سيما إذا اعتبرت أن أئمة الحديث كـ أحمد وغيره، كانوا يأخذون على فقهاء الكوفة كثرة الرأي حتى في مسائل الفقه والتشريع، فما بالك بهذا الباب؟! ولذلك إذا رجعت إلى الكتب التي نقلت أقوال السلف كالتوحيد لـ ابن خزيمة أو السنة لـ عبد الله أو للخلال أو أصول السنة والجماعة للالكائي وما إلى ذلك من هذه الكتب، تجد أنهم في باب اليوم الآخر لا يذكرون عن السلف فيه إلا أقوالاً كأنها هي نفس الحروف المكتوبة في القرآن، بمعنى أن القول المأثور عن السلف يكاد أن يكون نفس النص النبوي، أو جزءاً من النص النبوي، أو جزءاً من النص القرآني. وهذا يدل على أن باب اليوم الآخر يؤخذ بطريقة المطابقة، وإن تضمنت هذه الطريقة التي أشير إليها عدم الإجابة على كثير من الأسئلة التي ترد، فإن هذا ليس مشكلاً في نفسه، ولكنه يشكل على البعض، فتجده يقول: إذا قال قائل كذا فماذا نقول؟ وإذا ورد سؤال: هل يلزم من ذلك كذا؟ فماذا نقول؟! هنا يقال: الله أعلم، فما دام النص ليس صريحاً في هذا الخبر، فإن الأصل الوقف فيه؛ لأن باب اليوم الأخر الأصل فيه أنه غيب، والغيب لا يقال فيه بالظن؛ لأن هذا الظن ليس مما شرع الله؛ فإن الله لم يشرع في الغيب ظناً، وكل الغيبيات التي أوجب الله ورسوله على العباد أن يؤمنوا بها هي غيبيات قطعية بينة. إنما الذي يجوز أن يدخله الظن هو مسائل التشريع -مسائل الفقه- لأن أحوال العباد وما يتعلق بهم لا يتناهى من جهة اختلاف أحوالهم وما إلى ذلك، فيكون باب الاجتهاد هنا سائغاً؛ إذ لا يمكن أن تنحصر هذه الأمور بمحض النصوص الضابطة لها. وفي هذا جواب على سؤال قد يرد، وهو: لماذا باب الغيبيات وأصول العقائد مقولة بالنص المحض؟ ولماذا باب التشريع فيه ما هو من النص المحض، وفيه ما هو من الاجتهاد والاحتمال؟ لماذا لم يكن كل القرآن والسنة كذلك؟ ولماذا لم يكن الدين كله كذلك؟ فالجواب: أن يقال: إن الدين في نفس الأمر كله محكم، لكن لو أن الله فصل أمور العباد على طريقة محققة لكان هذا فيه من الحرج في التكليف شيء كثير، ولذلك هذه النصوص التي فيها قدر من الاحتمال، يكون فيها سعة على كثير من الناس، فيما يقع من الاجتهاد وما إلى ذلك، وهذا إذا تأمله طالب العلم تبين له بياناً مفصلاً.

стр. 142

وزن الأعمال يوم القيامة من مسائل هذا الباب مسألة الموازين، والموازين والموازنة ثابتة بإجماع أهل السنة والجماعة، وهي صريحة في القرآن؛ فإن الله ذكر الموازنة في كتابه في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وكقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣] إلى غير ذلك من النصوص القرآنية، وكذلك من النصوص النبوية. فالموازنة: متفق عليها بين سائر السلف، لكنهم يقولون: الله أعلم بماهية هذه الموازنة وحقيقتها، وإنما الذي دلت عليه النصوص صريحاً هو إثبات الموازين والموازنة، وأن الله لا يظلم العبد شيئاً. وكلام بعض متأخري أهل السنة في تفصيلهم للموازنة ليس له -فيما يظهر بالتتبع والله أعلم- أصل في كلام السلف، ولا في القرآن والسنة، وهذا الكلام أول من قاله هو ابن حزم ﵀. فإن قاعدة السلف في أهل الكبائر من المسلمين أنهم تحت مشيئة الله بدليل قول الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهذه المشيئة المعلقة في القرآن في أهل الكبائر قد ذكر ابن حزم تفصيلاً لها، وقال: إن هذا التفصيل هو التحقيق لأصل الموازنة المذكورة في القرآن، قال: (إن من زادت حسناته على سيئاته من أهل الكبائر واحدة -أي: حسنة واحدة- فهذا يغفر له، وإن من زادت سيئاته على حسناته من الموحدين سيئة واحدة فهذا يعذب في النار)، (فمن لفحة في النار إلى خمسين ألف سنة في النار). قال: (ومن تساوت حسناته مع سيئاته من الموحدين، فهذا يحبس -أي: يوقف- عن الجنة ولا يدخل النار، ثم يدخل الجنة). ثم قال: (وهؤلاء هم أهل الأعراف الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦]). هذا القول ذكره ابن حزم، وإن كان لم يصرح أنه إجماع عند أهل السنة والجماعة، فجاء بعده ابن القيم ﵀ وانتصر لهذا القول انتصاراً مطلقاً، ونقل أن ابن حزم حكى الإجماع عليه، وجزم ابن القيم بأن هذا القول هو قول الصحابة والتابعين، حتى قال ﵀ في كتابه (طريق الهجرتين): (وأما قول الصحابة والتابعين، فإن كثيراً من الناس لا يعرفه، وهو المأثور عن الصحابة ﵃، ثم ذكر التفصيل المنقول عن ابن حزم، فقال: (إن من تساوت حسناته هم أهل الأعراف يحبسون، ومن زادت سيئاته واحدةً يعذب في النار، ومن زادت حسناته واحدةً يغفر له، ويدخل الجنة)، فجزم بهذا القول، وجعله قول الصحابة والتابعين، وقال: (إن خلافه هو قول المرجئة)، وذكر أقوالاً منكرة في هذا الباب، وهي من البدع المعروفة عن المرجئة، ولا شك أنها أقوال غير صحيحة بمعنى أنه إذا قيل: إن قول ابن القيم ليس صحيحاً، فلا يلزم من ذلك أن يكون الصواب هو أحد الأقوال التي ذكرها، فإنه ذكر للناس أقوالاً في هذا ثم قال: (إن هذا ليس إلا قول المرجئة، وأما الصواب المأثور عن الصحابة والتابعين ...) فذكره. والصواب أن يقال: إن كل الأقوال التي ذكرها ابن القيم ليست صحيحة، فيوافق على أن ما ذكره من أقوال الطوائف ليس صواباً من جهة السنة، لكن القول الذي انتصر له إنما أخذه عن ابن حزم. وابن القيم ﵀ إذا انفرد في مسألة فيها غرابة ففي الغالب أن مادته فيها من ابن حزم، سواء في مسائل الاعتقاد التي قد لا تكون أصولاً، أي: محلها القلب، وهي مسائل السمع، أو مسائل التشريع ومسائل الفقه، فإنه قرأ لـ ابن حزم كثيراً كـ ابن تيمية ﵀؛ فإن ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية من أكثر من قرأ لـ أبي محمد ابن حزم، ولكن استفادة ابن تيمية من ابن حزم كانت أحكم، ولذلك لم يدخل معه في أصل مشكل، بخلاف ابن القيم، فإنه قد يأخذ عن ابن حزم بعض الأصول أو المسائل التي ليست محققة، ويستعمل أحياناً طرقاً في الاستدلال ليست منضبطة، كاستعماله لطريقة التضمين والتلازم في المسائل، ونفس ابن حزم في هذا الاستعمال كبير، كاستعماله لطريقة الفهم في أقوال المتقدمين أحياناً، إذا أراد أن ينتصر لقول ما وأن هذا القول هو قول لفلان وفلان من أعيان السلف، فيأخذ من أقوالهم بالفهم، فهذه الطريقة أحياناً ينتحلها ابن القيم، وإن لم يكن كـ ابن حزم فيها. والمقصود: أن هذا القول غلط من جهة الدليل، وليس صواباً، وابن القيم ﵀ مادته في هذه المسألة منقولة عن ابن حزم، فإنه أول من تكلم بهذا. والصواب هنا -طرداً للقاعدة السابقة-: أن يقال: إن هذا مما سكت عنه القرآن والسنة. أما استدلال ابن القيم وابن حزم بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣] وبالمقارنة التي جاءت في سورة الأعراف وفي سورة المؤمنون وفي سورة القارعة، فليس صواباً، لأنك إذا قرأت هذه المواضع في القرآن وجدتها صريحة في سياق المسلمين والكفار، فإن الله يقول في سورة المؤمنون: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٥]. فالآيات صريحة أنها في المسلمين والكفار، فإذاً هذا النوع من الدليل ليس محكماً. وأما قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] استدل بها ابن القيم وابن حزم فقالا: (والقسط هو العدل، والعدل أن من زادت حسناته فهو كذا، ومن زادت سيئاته فهو كذا)، فهذا ليس صواباً، وإنما العدل هو عدم الظلم؛ ولذلك إذا قيل: إن الله : يغفر لمن زادت سيئاته على حسناته سيئة واحدة، لم يكن هذا منافياً للعدل؛ إنما الذي ينافي العدل هو الظلم، كقول المرجئة الواقفة: إن الله قد يعذب الأكثر حسنات ويغفر للأكثر سيئات، فهذا من الظلم الذي لا يمكن أن يكون عدلاً منه ، والقصد أن الاستدلال بالآية ليس له وجه. وأما قول ابن القيم: (هذا هو مذهب الصحابة)، فبناه على آثارٍ منقولة عن طائفة من الصحابة في آيات الأعراف، والآثار عن ابن عباس وابن مسعود وحذيفة بن اليمان. قال ابن مسعود: (أن من زادت حسناته واحدة، فهو إلى الجنة، ومن زادت سيئاته واحدةً فهو إلى النار، ومن استوت حسناته وسيئاته، حبس) هذا الأثر عن ابن مسعود ونحوه عن ابن عباس وحذيفة بن اليمان، رواه ابن جرير في تفسيره، وهي ليست صحيحة من جهة الإسناد عن الصحابة؛ ولذلك أعرض عنها ابن جرير، مع أن قاعدة ابن جرير في تفسيره: أن الصحابة إذا كان لهم قول، ولم ينقل قول مخالف عن الصحابة أنفسهم، وإنما المخالف من التابعين أو من بعدهم، فإن ابن جرير ﵀ ينتصر بقوة لقول الصحابة. وفي تفسير ابن جرير لهذه الآية لم ينقل عن طائفة من الصحابة ما يخالف هذا القول، وإنما نقل عن طائفة من غير الصحابة، ومع ذلك لما انتهى من عرض المسألة رجح ﵀ التوقف في أهل الأعراف، وهذه إشارةٌ منه إلى أن الأسانيد عن الصحابة عنده ليست مقبولة. والأسانيد إذا نظرت إليها وجدتها معلولة من أكثر من جهة، أقربها وأدناها إلى النظر أنها منقطعة. فالمقصود أن كثيراً من المفسرين يرجحون الوقف في أهل الأعراف، وهذا هو المذهب الصحيح، وإنما الذي أخبرنا القرآن به عن أصحاب الأعراف: أنهم رجال، خلافاً لقول أبي مجلز أنهم ملائكة، وهذا غلط، لأن الله قال: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦] ولذلك ابن جرير لم يبطل من الأقوال شيئاً إلا القول المأثور عن أبي مجلز أنهم ملائكة، فقال: إنهم رجال بنص القرآن. وللمفسرين في أهل الأعراف ما يقارب الثمانية أقوال، وعلى قول ابن القيم وابن حزم يلزم أن أهل الأعراف قد أجمع الصحابة وأئمة السلف على تفسيرهم بأنهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهذا ليس فيه إجماع، بل الصواب في أهل الأعراف أنهم الله أعلم بهم. والوقف في هذا النوع من آيات القرآن أو من الدلالات هو المنهج المحقق، وليس الترجيح للتفصيل هو المحقق دائماً. فإن الراجح دائماً والتحقيق دائماً: هو حسن الأخذ لدليل القرآن أو السنة، هذا هو الترجيح الصواب، وهذا هو التحقيق للعلم الشرعي، وهو أن يأخذ الناظر في الأقوال أقرب الأقوال إلى الدليل. فنقول: إن التوقف هو الأقرب إلى الدليل؛ لأن الدليل مجمل من كل جهة، فمهما استعملت فيه من أنواع الدلالات لا تستطيع أن تفك هذا الإجمال، فيبقى هذا الدليل مجملاً، فيكون الراجح في أهل الأعراف الإجمال، والإجمال هنا التوقف في شأنهم. وهناك فرق بين إنكار الموازنة وبين إنكار هذا القول الذي ذكره ابن القيم وابن حزم؛ فالموازنة مجمع عليها، أما هذا الق

стр. 143

صحائف الأعمال قال ﵀: [وتنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه وأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره كما قال : ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]]. هذا في منتهى الحساب؛ فإذا ما حوسب العباد وقرروا بذنوبهم على ما يشاء الله سبحانه تعالى، تنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال، وهي ما انتهت إليه الصحائف بعد موازنة الله ، وما يتبع هذه الموازنة من حكم الله وقضائه، فآخذ كتابه بيمينه وهو الناجي، وآخذ كتابه بشماله وهؤلاء هم أهل النار. ويختلف كثير من المفسرين في ذلك؛ فمنهم من قال: يأخذونه بشمالهم، ومنهم من قال: يأخذونه وراء ظهورهم، ومنهم من قال: هذه في الكفار وهذه في المنافقين، ومنهم من فصل على غير ذلك من التفصيل، والأظهر في هذا أن يقال: الله أعلم. إلا إذا انضبط نص نبوي مفصل لمثل هذا المجمل من القرآن فإنه يقال به، وأما إذا لم ينضبط فيقال: إن الناس يوم القيامة فريق في الجنة وفريق في السعير، وأهل النار يأخذون كتابهم بشمالهم ومن وراء ظهورهم، أما العلم بهذا فليس من العلم اللازم، والله بين لنبيه؛ فما نص عليه كان علماً مشروعاً، وما لم ينص عليه فليس من العلم المشروع. فالعلم بالرسالات وبأسماء الرسل كموسى وعيسى وإبراهيم هو علم مشروع، يزيد الإيمان، ومع ذلك ثمة رسل ما ذكرهم الله في القرآن، قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] فهؤلاء الذين لم يذكر الله شأنهم في القرآن ليس العلم بشأنهم مشروعاً لهذه الأمة، لأن ما يحصل به العلم -وهو الوحي- لم يأت بهم، فلم ينزل فيهم قرآن ولم يحدث بهم النبي ﵊، فتكلف العلم بهم ليس من التكلف المشروع. ولذلك نهى الرسول ﵊ عن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم، فتصديقهم يتضمن الإيمان، فنهى عن تصديقهم في أخبارهم، وما يخبرون به عن الأنبياء، ونهى عن تكذيبهم، إلا إذا كان الذي أخبروا به معارضاً للنصوص معارضةً بينة، فهذا يكذبون به؛ لأنه يعلم حينها أنه من المحرف المكذوب. ويخطئ كثير في فهم قول الرسول ﵊: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ..) وقوله: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) فهذا ليس على إطلاقه، إنما الخطاب فيه لما احتمل فيه من خبر أهل الكتاب. أما ما كان من كلام أهل الكتاب بيناً أنه كذب، كبعض الروايات التي يذكرون فيها عن الرسل والأنبياء ما يعلم أنهم لا يقعون فيه وأن الله نزههم عنه، أو يحكون عن التشريع ما يعلم أنه لا يقع في شرائع الله ، فهذا يجب التكذيب به؛ لأنه من المحرف المكذوب.

стр. 144

مناجاة المؤمن لربه قال المصنف ﵀: [ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة]. هذا ثابت بالسنة: أن الله يخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، وهذا الذي ثبت في السنة الله أعلم بماهيته من جهة التفصيل، وفي الأحاديث غير لفظ كقوله: (يخلو) وكقوله: (فيدنيه الله ويضع عليه كنفه) وإلى غير ذلك من النصوص كحديث ابن مسعود وغيره. فهذه نصوص ثابتة في الصحيح وغيره، ولكن التفصيل فيها لا يزاد عن ظاهر النص.

стр. 145

مسألة محاسبة الكفار قال المصنف ﵀: [وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم]. الكفار لا يوافون ربهم بحسنة، وإن كانوا يعملون أعمالاً حسنة في الدنيا، فإن هذا يجازون به في دار الدنيا، كما في الصحيح عن أنس بن مالك في صحيح مسلم وغيره قال النبي ﵌: (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكفار فيطعم بحسناتٍ ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها)، والصواب في قراءة الحديث: أن تنون كلمة (حسنات)، فتكون (ما) نافية، أي: فيطعم بحسنات لم يعمل بها لله في الدنيا، أي أن هذه الحسنات لم يعمل بها لوجه الله، والأمر كذلك، فإن الكفار وإن كانوا قد يفعلون فعلاً حسناً كبر الوالدين، أو كصلة الرحم، أو كالعتق، أو كصدقات وبر وما إلى ذلك، فإن هذا وإن كان خيراً وحسنة، فإنه ليس المقصود عندهم هو وجه الله ، قال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]، فالقرآن والسنة تبينان أن الكفار يجازون بحسناتهم في الدنيا ولا يوافون ربهم بحسنة. قال المصنف ﵀: [ولكن تعد أعمالهم فتحصى، فيقفون عليها ويقرون بها]. أما مسألة محاسبة الكفار، فإن بعض المتأخرين من أصحاب الأئمة أطلق أنهم يحاسبون، وهذا ذكره المصنف في فتاواه، قال: إن بعض أصحاب أحمد وغيرهم، قال: إنهم يحاسبون، وبعضهم قال: إنهم لا يحاسبون، قال: والصواب: التفصيل، هذه الطريقة التي يستعملها ابن تيمية ﵀ وابن القيم كثيراً، ويستعمل كثير من المتأخرين هذه الطريقة، فتجدهم يقولون: بعضهم قال كذا، وبعضهم قال كذا، ثلاثة أقوال أو أربعة أقوال، ثم يقال: والصواب التفصيل. والصواب هنا هو من حيث اللفظ. بمعنى أنه إذا قيل: الصواب التفصيل، فقد يكون الصواب من حيث المعنى، وقد يكون الصواب من حيث اللفظ، فما الفرق بينهما؟! إذا قلنا أنه صواب من حيث اللفظ، فمعناه أن ابن تيمية يقول: إن الكفار لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناتهم مع سيئاتهم؛ لأنهم لا حسنات لهم، ولا يوافون ربهم بحسنة، فهل من قال من أهل العلم أن الكفار يحاسبون، كان يقصد أنهم توزن حسناتهم مع سيئاتهم، وأنهم يوافون ربهم بالحسنات؟ لا. لا يلزم هذا. ثم يقال: فيقررهم الله بذنوبهم، هل من قال أنهم لا يحاسبون، قال: إنهم لا يقررون؟ لا. فإذاً: كلام شيخ الإسلام أحكم ليس من جهة المعنى، فإن المعنى في الجملة فيه اتفاق, وإنما هو أحكم من جهة اللفظ. ومن أمثلة ذلك ما يتعلق بمسألة غسل الجمعة، فإن شيخ الإسلام قال: إن الأئمة الأربعة يذهبون إلى أن غسل الجمعة ليس واجباً، إنما هو مستحب، ومن أهل العلم من ذهب إلى وجوبه. وفصل ابن تيمية -وانتصر له ابن القيم - فقال: أن من كان فيه رائحة يتأذى منها الناس، فيجب عليه الغسل، ومن لم يكن كذلك لم يجب عليه الغسل. فيأتي البعض ويقول: الصواب التفصيل، فهذا الصواب هو من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، والفرق أنك إذا قلت: الصواب من حيث المعنى، لزم من ذلك أن القول الثالث غير القول الأول وغير القول الثاني، وهو ليس كذلك، لأن القول الذي قال به شيخ الإسلام حقيقته هو قول الأئمة الأربعة الذين يقولون: لا يجب غسل الجمعة، لأنهم حينما قالوا: إن غسل الجمعة ليس واجباً ما أرادوا أنه كذلك حتى ولو كان به رائحة يتأذى بها الناس، فهذه مسألة خارجة، لكونها عارضة، وهم يتكلمون عن أصل الحكم الشرعي؛ ولذا لا يجوز أن نقول: أن الأئمة الأربعة يقولون: لا يجب غسل الجمعة: لا على من به رائحة يتأذى بها الناس، ولا على من ليس به رائحة، وأن ابن تيمية يفصل. ولو كانت الوسطية هنا وسطية المعنى، لزم أن نقول هذا القول. والنتيجة من هذا أن التفصيل لا ينبغي أن يلجأ إليه إلا في التقارير العلمية، ولا يفصل للعامة، بمعنى أن يقال: مسألة غسل الجمعة ليس فيها لأهل العلم إلا أحد قولين: عدم الوجوب، وهو قول الجمهور واختاره ابن تيمية. ولكن شيخ الإسلام نبه إلى مسألة: وهي أن من به رائحة يغتسل، وهذا يوافق الجمهور، مثل ما قلت مذهب الإمام أحمد أن صلاة الجماعة واجبة، إذا شخص خاف فوت رفقته، فجاء شخص وقال: الصواب التفصيل، فمن حصل له الخوف أو مرض لا يجب عليه الجمعة. فنقول: ليس مقصوداً في كلام الإمام أحمد، أن الجماعة واجبة على كل حال. فالمقصود أن كثرة العناية بأن يكون الراجح من الأقوال هو التفصيل الذي فصله متأخر، ليس منهجاً حكيماً، مع أنه -ومع الأسف- يهتم الكثير بذلك، فتجد المسألة في كلام الأوائل الأكابر على قولين مثلاً، ثم يقال: الراجح ما ذكره ابن القيم، وهو التفصيل، وما ذكره ابن القيم ليس خارجاً عن القولين، لأنه لو خرج عن القولين كان القول غلطاً. وإن كان هناك خلاف مع بعض المعتزلة ومن شاركهم في هذا الأصل من الأشاعرة أو الفقهاء، إلا أن الصحيح المنضبط عند السلف أنه إذا انضبطت الأقوال على قولين أو ثلاثة، فلا يجوز لأحد أن يزيد قولاً رابعاً خارجاً عنها. وأكثر ما يقول فيه أعيان المتأخرين: الصواب التفصيل، هو من التفصيل اللفظي، الذي لا ينبغي أن يلجأ إليه إلا عند الاحتياج.

стр. 146

الحوض المورود قال المصنف ﵀: [وفي عرصات القيامة الحوض المورود للنبي ﷺ ]. حوض النبي ﵊ متواتر، وليس المقصود بالتواتر هنا التواتر الذي رسم حده المعتزلة، بل هو متواتر عند أئمة الحديث وأئمة السلف؛ كـ الشافعي وأمثاله الذين ذكروا لفظ التواتر؛ بمعنى: أنه رواه جماهير من الصحابة عن النبي ﵊، وثبت في كتب الصحاح، وتلقاه العلماء بالقبول، وقد جاء من حديث أبي ذر وابن عمر وأبي هريرة وجابر بن سمرة، وأمثالهم من أصحاب النبي ﷺ ، وألفاظه في الصحيحين وغيرهما كثيرة، كقول النبي ﷺ : (إن طوله شهر، وإن عرضه شهر، آنيته عدد نجوم السماء، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً)، وكقوله: (أنا فرطكم على الحوض) كما في حديث أبي هريرة، وكقول النبي ﷺ : (حوضي هذا من مقامي إلى صنعاء)، إلى غير ذلك من التحديد إما الزماني أو المكاني لحوض النبي ﵊. هذا الحوض -وهو على نهر الكوثر- أوتيه النبي ﵊، وفي حديث أنس في الصحيح قال: (بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليّ آنفاً سورة، فقرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] إلى آخر السورة، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي ، عليه خير كثير، وهو حوض). فدل ذلك على أن الحوض يكون على هذا النهر وهو نهر الكوثر، قال: (وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة ..) إلى آخر الحديث. قال المصنف ﵀: [ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء]. وهذا ثابت في الصحيح. قال المصنف ﵀: [طوله شهر، وعرضه شهر]. هذا التقدير الزماني المأثور عن النبي ﷺ كما في الصحيح، وفي الصحيح كذلك التقدير المكاني، كقوله: (من مقامي إلى صنعاء) أو (من مقامي إلى عمان). قال المصنف ﵀: [من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً]. والذي يرد عليه هم جمهور أمته ﵊، وإن كان يذاد عنه رجال ممن أسقط السنة إسقاطاً بيناً، وقد جاء هذا في حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح قال: كنا مع رسول الله ﷺ فقال: (وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد، قالوا: وكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟! قال: أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهر خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ثم قال: ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأناديهم: ألا هلم، ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً). فهؤلاء الذين يذادون عن حوضه هم من أسقط سنته وعارضها، وانتحل سبيل غير المؤمنين.

стр. 147

الصراط قال المصنف ﵀: [والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، تمر الناس عليه على قدر أعمالهم]. فيمرون على الصراط على قدر أعمالهم، وليس على قدراتهم البشرية، ولو علق ذلك بالجانب البشري لامتنع أن يمر أحد على الصراط، ولذلك ليس هناك أثر لبشرية الإنسان في هذا المرور من كل وجه، وإنما يمرون بحسب أعمالهم، فمنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاود الخيل، ومنهم من يمر كأجاود الإبل، ومنهم من يزحف، إلى غير ذلك مما هو مفصل في قول النبي ﷺ كما في الصحيح: (وفي جهنم كلاليب وحسك مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم عظم قدرها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم). وهذا الصراط يمر عليه جميع المؤمنين وجميع الكفار، فلا يسلم من المرور عليه أحد. والمؤمنون الذين أراد الله أن يسلموا من العذاب لا يقع أحد منهم على هذا الصراط، ومنهم من يزحف زحفاً، فتدركه النجاة والشفاعة، ومنهم من يسقط بحسب ما يقدره ، فالله أعلم بماهية هذا المرور وتفاصيله. وقد وردت في الصراط آثار ضعيفة، كبعض الآثار المذكورة أنه أحد من السيف، وأدق من الشعرة، وما إلى ذلك، فهذه الآثار لا تصح، وإن كانت مشهورة في كثير من الكتب المصنفة. قال المصنف ﵀: [فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يخطف خطفاً ويلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم]. من فقه المصنف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في ذكر هذه المسألة أنه اقتبس كثيراً من جملها من الأحرف الشرعية، فبعض جمله منقولة من القرآن، وبعضها منقولة من السنة.

стр. 148

وقوف المؤمنين بعد الصراط على قنطرة بين الجنة والنار قال المصنف ﵀: [فمن مر على الصراط دخل الجنة، فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا عذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة]. هذه القنطرة بعد الصراط هي تصفية وتهذيب لأهل الجنة مما يقع بينهم من آثار نفوسهم التي لا يجازون عليها من جهة العذاب، فتهذب نفوسهم على هذا الوجه. وقد ثبت عن النبي ﷺ كما في الصحيح: (أن فقراء المهاجرين يدخلون قبل أغنيائهم بأربعين سنة)، فهل هذا هو حبسهم في القنطرة، أم هو وجه آخر؟ الله أعلم بتفصيل ذلك. وإن كان هذا الحديث ثابتاً في الصحيح، فلا يفهم منه أن من سبق من الفقراء أفضل من الأغنياء؛ فإن دخول هؤلاء الفقراء الجنة قبل الأغنياء الذين حبسوا من أجل المال المحض، لا يلزم منه أن تكون درجة الفقير أعلى من درجة الغني، هذا إذا أخذ الحديث على ظاهره، أما إذا أريد بذلك مسائل أخرى في الأموال من المحرمات فهذا باب آخر، ولكن الحديث هو في المهاجرين، ولم يرد به ﷺ أنهم يحبسون من جهة ذنوبهم.

стр. 149

أول من يدخل الجنة قال المصنف ﵀: [وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ ، وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته]. ثبت في الصحيح عن أنس أن النبي ﷺ قال: (آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك)، فهو أول من يستفتح وأول من يدخل الجنة، وأمته ﵊ هم أول الأمم دخولاً الجنة، وهذا بعد دخول الأنبياء ولا شك؛ إذ لا يدخل أحد من الأمم قبل استيفاء الأنبياء دخولهم الجنة، فإن الله فضل الأنبياء على سائر وأفراد الأمم، فإذا استوفى الأنبياء الدخول وإمامهم محمد ﷺ ، دخلت الأمم، وأول أمة تدخل هي أمة محمد، ولا يلزم من ذلك أن الأمة المحمدية تستوفي في الدخول ثم تدخل الأمم، وإنما المقصود هو ابتداء الدخول، وإلا فلا شك أن أصحاب عيسى ﵊ ومن صح إيمانه من أصحاب الرسل والأنبياء هم أفضل من كثير من هذه الأمة، بل أفضل من أكثرها.

стр. 150

شرح العقيدة الواسطية [١٧] من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة، وأنها أنواع، منها ما يختص برسول الله ﵊، ومنها ما يشاركه فيها غيره من الملائكة والنبيين والمؤمنين، وأعظم أنواع الشفاعة: الشفاعة العظمى، التي اختص بها الرسول ﷺ ، وهي المقام المحمود الذي وعده ربه .

стр. 151

الشفاعة وأنواعها قال المصنف ﵀: [وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه].

стр. 152

الشفاعة العظمى هذه الشفاعة هي الشفاعة العظمى، ودليلها القرآن بظاهره، والسنة بصريحها، وإجماع أهل القبلة، فإن هذه المسألة حكي إجماع المسلمين عليها، وممن حكى إجماع المسلمين عليها الإمام ابن تيمية، فقد قال: إنها مجمع عليها بين سائر طوائف أهل القبلة، وهي الشفاعة العظمى بإجماع المسلمين، فضلاً عن السلف، ودليلها صريح السنة، بما ثبت في الصحيحين وغيرهما من غير وجه. وأما قولنا: وظاهر القرآن؛ فلأن القرآن ليس صريحاً في هذا، فهو لم يذكر هذه الشفاعة صريحة، وإنما الصريح هو اللفظ المفصل، وأما القرآن فإنه ذكر لفظاً مجملاً، وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فهذا المقام المحمود هو الشفاعة، ولهذا ذهب جمهور المفسرين من السلف والصحابة ومن بعدهم -كما ذكره ابن عبد البر، وابن تيمية وابن جرير، وغيرهم- إلى أن المقام المحمود في القرآن هو الشفاعة العظمى، هذا هو المأثور في تفسير هذه الآية، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك في حديث الأذان. فيقال إذاً: إن دليل الشفاعة ظاهر القرآن، وصريح السنة، والإجماع القطعي، كما في حديث أبي هريرة، وكذلك جاء في البخاري وغيره عن أنس في سياق طويل؛ وفيه: أن الناس يأتون آدم فيعتذر، فيأتون نوحاً فيعتذر، فيأتون إبراهيم فيعتذر، فيأتون موسى فعيسى .. فيأتون محمداً ﷺ ، قال: (فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه بشيء لم يفتح لأحد من قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع). فهذه هي الشفاعة العظمى.

стр. 153

الشفاعة لأهل الجنة بدخولها قال المصنف ﵀: [وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له]. أما الأولى: فلا شك أنها خاصة به؛ لأنها مقام واحد، وهي شفاعته في فصل القضاء بين العباد، فيجاب بهذه الشفاعة، فينتهي الطلب؛ لأن الطلب هو الفصل والقضاء. أما الثانية: وهي شفاعته في دخول أهل الجنة الجنة، فإن كان مقصود المصنف ﵀ ابتداءها؛ بمعنى أنه أول من يتبدئ الشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة؛ فهذا صحيح، ودليله بين. وأما إن كان المقصود أن الشفاعة بدخول الجنة تختص به، فلا يشفع أحد بعده في ذلك؛ فهذا مما لم يأت فيه نص صريح، والله أعلم.

стр. 154

الشفاعة لمن استحق النار أن لا يدخلها ولمن دخلها أن يخرج منها قال المصنف ﵀: [وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها]. شفاعته في من استحق النار أي: من المسلمين، وليس من الكفار، فإن الكفار قد قال الله عنهم: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وفي مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، هذه هي الشفاعة بنجاة الكافر من عذابه، بمعنى: أن من ترك التوحيد فإن الشفاعة لا تنفعه، ولا تجزي عنه شيئاً، ولذلك نجد في القرآن نفياً للشفاعة، ونجد في القرآن إثباتاً للشفاعة، كقول الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٦] وفي غير موضع من القرآن ذكر الله الشفاعة: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، فهذا النوع من الشفاعة هو شفاعة الرسل والصالحين من المؤمنين، وشفاعتهم هي في أهل الكبائر من المسلمين. ولذلك لا يشفعون إلا إذا أذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له شرطه أن يكون مسلماً؛ لأن الله قال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، فإذا كان الله قد رضي عن المشفوع له بتحقيقه أصل التوحيد، فإنه يكون ممن ينال هذه الشفاعة، ولهذا لما قال أبو هريرة -كما في البخاري - للنبي ﷺ : (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه). فمن استحق دخول النار فدخلها -وهو من المسلمين- فيمكن أن يخرج من النار بشفاعة النبي ﷺ ، وكذلك الأنبياء والصالحين، فإن الإسلام العام يدخل فيه كل من أسلم من أمة محمد أو من غيرهم؛ قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ﴾ [الحج:٧٨]، وفي تسمية إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧] إلى غير ذلك، فأهل الكبائر من المسلمين من أتباع الرسل يشفع لهم محمد ﷺ وإخوانه من الرسل، ويشفع لهم الصالحون من الأمم، فهذه الشفاعة لمن دخل النار متفق عليها بين السلف، ودليلها صريح ومتواتر. وأما الشفاعة لمن استوجب دخول النار قبل أن يدخلها، فدليلها العمومات، ولم يثبت فيها نص مفصل، إلا في أحاديث ليست من جهة الصحة منضبطة، وقد نبه على هذا ابن القيم وجماعة، لكنها مما يدل عليه العموم، وبطريق الأولى، فإن الرسل إذا شفعوا فيمن دخل النار، فمن باب أولى أن تكون الشفاعة فيمن استوجب دخول النار؛ لأن من استوجب دخول النار أقرب إلى الصلاح والتقوى ورضا الله واتباع السنن النبوية ممن دخل النار، فهذه الشفاعة لا ينبغي أن يتردد فيها كما تردد البعض، وعلل ذلك بعدم ثبوت دليلها، ولذلك أقول: بل دليلها منضبط، وهو العمومات، فإنهم من أهل الكبائر، والشفاعة لأهل الكبائر ثابتة بصريح السنة.

стр. 155

إخراج الله سبحانه أقواماً من النار بغير شفاعة قال المصنف ﵀: [ويخرج الله من النار أقواماً بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته]. بمعنى أن الله يغفر لقوم من المسلمين ما هو من ذنوبهم، فلا يستتم عذابهم، لا بشفاعة أحد، وإنما بمحض فضله ورحمته، فإن كل من يخرج من النار ممن دخلها إنما يخرج منها بفضل الله ، ولذلك فإن التعبير الصواب أن لا يقال: إن من دخل النار يخرجون منها بالشفاعة أو إذا استوفوا عذابهم، فإنه لا أحد يستوفي ما يستحقه من العذاب؛ لأن كل من يخرج من النار من أهل الكبائر من موحدة المسلمين يخرجون بفضل من الله، ومن فضله أنه يأذن بالشفاعة للأنبياء والرسل والصالحين وللملائكة. وكل من خرج من النار حتى الذين يخرجهم بفضله ورحمته، ليس معنى هذا أنهم قد استوفوا سائر ما يتعلق بهم من العذاب، فإنهم لو بقوا في النار زيادة على ذلك فلن يكون ذلك ظلماً. ولذلك يخرج الله بفضله أقواماً من النار، ففضله سبحانه ورحمته تلحق جميع المسلمين، برهم وفاجرهم، حتى من دخل النار، وحتى من لم تنله الشفاعة، فإنه يلحقه فضل من الله، وهذا معنى قوله في الحديث القدسي: (إن رحمتي سبقت غضبي). فالتعبير الصواب: أن لا يقال: من استوفى العذاب وجوزي على سائر عمله وسيئته، فإن هذا ليس في النصوص ما يدل عليه، وهو خلاف الأصل، فإن الأصل أن رحمته سبحانه سبقت غضبه، وأن الجميع بفضله ورحمته؛ لأن القرآن يقرر أن الله لو عذب الخلق وعاجلهم بعذاب في الدنيا لما كان ظالماً لهم، فكذلك في مقام الآخرة؛ فإن العذاب عدل، والثواب والجزاء بالخير فضل منه . قال المصنف ﵀: [ويبقى في الجنة فضلٌ عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة]. يبين المصنف ﵀ هنا: أن الجنة يبقى فيها فضل، أي يبقى بها مكان لم يستوفه المسلمون، فينشئ الله خلقاً الله أعلم بماهيتهم، فيدخلون الجنة، وهذا من كرم الله على هذا الخلق الذي ينشئه. وأما النار فإنه لا يخلد فيها ولا يبقى فيها إلا من كفر بالله ، وجهنم تمتلئ، كما ثبت في الصحيح وغيره. وهذه الأصول -وهي ما يتعلق بمسألة الشفاعة- متفق عليها بين أهل السنة والجماعة، والمخالفون في مسألة الشفاعة هم الخوارج والمعتزلة ومن يوافقهم في هذا الباب من الشيعة. فإن الخوارج والمعتزلة ينفون الشفاعة لأهل الكبائر؛ وذلك لأن مرتكب الكبيرة عند الخوارج والمعتزلة مخلد في النار، وقد استدلوا على نفي الشفاعة في حق أهل الكبائر بالآيات المذكورة في القرآن في حق الكفار، كقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، فحملوا هذه الآية على أهل الكبائر. وهذا ليس في محله؛ لأن هذه الآية في قوم كفار، وأهل الكبائر هم من أهل الإسلام، وممن ثبت إسلامهم ودينهم كصريح دين المسلمين، وإلا للزم من ذلك أن جماهير المسلمين ليسوا من المسلمين، فإن المستقيمين على أمر الله الذين لم يقترفوا كبيرة ولم يأتوها هم القلة القليلة من الناس. فالمقصود من هذا: أن الخوارج والمعتزلة ومن يوافقهم ينفون الشفاعة لأهل الكبائر، ويرون أنهم مخلدون في النار، وهذه من البدع المغلظة التي اختص بها هؤلاء عن طوائف المسلمين. قال المصنف ﵀: [وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء، وفي العلم المورث عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده]. أشار المصنف لأخص الجمل، وأما التفصيل لباب اليوم الآخر وما يتعلق به، كالثواب والعقاب، فهذا مفصل في الكتاب والسنة والكتب المنزلة من السماء، أي: الكتب السماوية المنزلة على الرسل، كالمنزل على موسى وعيسى وداود وإبراهيم، وغيرهم من الأنبياء.

стр. 156

شرح العقيدة الواسطية [١٨] من أركان الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره، وأهل السنة والجماعة وسط في مسألة القدر بين طائفتين مخالفتين في هذا الباب، وهما: القدرية، والجبرية. أما القدرية: فقد كفروا بالقدر وقالوا بخلق العباد لأفعالهم. وأما الجبرية: فقد سلبوا العباد قدرتهم على الفعل، وقالوا بأنهم مجبورون على أفعالهم.

стр. 157

من أصول أهل السنة: الإيمان بالقدر خيره وشره قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين]. هذا الأصل -وهو القدر- هو من أخص أصول الإيمان والتوحيد، فإنه قول في ربوبية الله ، مع ما هو متعلق به من شرعه الذي هو عبادته وتوحيده، وسوف يأتي في أصول أهل السنة والجماعة ما يبين ذلك. وفي هذا الأصل ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أن الخلاف في مسألة القدر إنما وقع في آخر عصر الصحابة، ومن أدرك هذه البدعة من الصحابة كـ عبد الله بن عمر وأمثاله قد تبرءوا من القدرية، حتى إن ابن عمر لما سأله يحيى بن أبي كثير قال: (فإذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني منهم بريء وهم مني براء، والذي يحلف به ابن عمر لا يقبل من أحدهم عمل ولو أنفق مثل أحد ذهباً حتى يؤمن بالقدر)، ومع أن البدعة في القدر ظهرت في آخر عصر الصحابة وبعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، إلا أن كثيراً من الأقوال البدعية المقولة في القدر لم تظهر إلا بعد انقضاء عصر الصحابة كلياً، بمعنى: أن ما ظهر في آخر عصر الصحابة هو بعض أقوالهم، وأما تفاصيل هذه الأقوال وما قابلها فإنه حدث بعد ذلك، وعليه فإن الحكم الذي قاله من قاله من الصحابة في هؤلاء لا يلزم بالضرورة أن يكون مطرداً في سائر الأقوال التي ظهرت في مسائل القدر. المسألة الثانية: الأصول المعتبرة عند أهل السنة والجماعة، وعند سلف هذه الأمة في هذا الباب، وهي أصول سبعة، أشار المصنف ﵀ إلى أكثرها. المسألة الثالثة: الطوائف المخالفة للسلف في باب القدر، وهم في الجملة طائفتان: قدرية، وجبرية، والقدرية غلاةٌ ودونهم، والجبرية غلاةٌ ودونهم، فهذا في الجملة هو جامع هذه المسألة.

стр. 158

أصول الإيمان بالقدر مذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر يقوم على تحقيق سبعة أصول:

стр. 159

الأصل الأول: الإيمان بعموم علم الرب بكل شيء الأصل الأول: الإيمان بعموم علم الرب بكل شيء: علمه بما كان، وبما سيكون، وبما لم يكن. وقد دخل في عموم علمه : علمه بأفعال العباد قبل وقوعها، وهذا المعنى هو الذي ينازع فيه غلاة القدرية الذين ينازعون في عموم علم الرب بأفعال العباد قبل كونها، ويزعمون أنها تعلم عند كونها. فالأصل الأول: إيمان أهل السنة والجماعة بعموم علم الرب بكل شيء، وأنه دخل في عموم علمه سبحانه علمه بأفعال العباد قبل كونها. وهذا الأصل -وإن قيل أنه من أصول أهل السنة والجماعة- فإنه لا يفهم من هذا أن طوائف المسلمين يخالفون في هذا الأصل، فإن الأصول المقولة عند السلف لا يلزم بالضرورة أن يخالفها كل أصناف أهل البدع، وهذا الأصل لا يخالفه أحد من أهل البدع الذين هم من أهل القبلة؛ فكل من تحقق انتسابهم إلى القبلة قد أجمعوا على أن هذا الأصل أصل محكم، وإنما نقلت المنازعة في هذا الأصل عن غلاة القدرية، الذين قالوا: إن الله عن قولهم- لا يعلم أفعال العباد إلا عند كونها، أي: عند وجودها، فلا يعلمها قبل كونها. هذا القول منقول عن غلاة القدرية، وليس هناك ضبط عند أهل المقالات لأعيان هؤلاء، وإنما هو قول ذكره بعض أهل العلم وأهل المقالات أن هذا يقول به الغلاة من القدرية. وهؤلاء الغلاة من القدرية ليسوا من المسلمين، بمعنى: أن زعمهم للإسلام هو من باب النفاق، بل إنهم كفار، وليس لهم من الإسلام حظ، وليسوا في عداد أهل القبلة، وهذا معنىً متحقق بالإجماع حتى عند القدرية المعتزلة الذين يوافقون السلف في هذا الأصل، ولكنهم ينفون خلق الله لأفعال العباد، فإن المعتزلة قد نصوا على أن من أنكر علم الرب بأفعال العباد قبل كونها، فإنه كافر. إذاً: كفر هؤلاء الغلاة مجمع عليه بين المسلمين من أهل السنة وغيرهم حتى القدرية منهم، ولذلك فهؤلاء القدرية الغالية، وإن شاركوا المعتزلة نوع مشاركة في مسألة القدر إلا أنهم ليسوا منهم، بل هؤلاء قوم من الزنادقة الذين ادعوا الإسلام وانتسبوا إليه من جنس انتساب عبد الله بن أبي وأمثاله، ولكن ابن أبي نفاقه من جهة، وهؤلاء نفاقهم من جهة أخرى. فالمقصود أن القدرية الغلاة ليسوا من المسلمين، وقد ذكر شيخ الإسلام في غير موضع أن قولهم هذا اندثر في الجملة، بل هذا من أقوال الكفار.

стр. 160

الأصل الثاني: الإيمان بأن الله سبحانه كتب في الذكر كل شيء الأصل الثاني: الإيمان بأن الله كتب في الذكر كل شيء، وقد دخل في عموم كتابته كتابته لأفعال العباد، فما من شيء من أفعال العباد يكون منهم إلا وقد كتبه الله قبل أن يخلقهم، وهذا الأصل مجمع عليه -في الجملة- بين المسلمين. وإنما قُيد السياق بهذه الكلمة (في الجملة) من جهة أن الكتابة تختلف عن الأصل الأول من وجه، وهو: أن الأصل الأول -وهو عموم العلم- أصل فطري عقلي سمعي، بمعنى: أن الله تعالى فطر العباد على أنه بكل شيء عليم، وهذا من أول أصول الربوبية الفطرية. وهو كذلك أصل سمعي من جهة أن النصوص نطقت بتفصيل علمه، كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٥٩] الآية، فعلمه عام بالكليات والجزئيات، لا كما يقول كفرة الفلاسفة: أنه لا يعلم الجزئيات. وهو كذلك أصل عقلي، أي: ثابت بدليل العقل، بخلاف الكتابة: أنه سبحانه كتب في الذكر كل شيء، فهذا الأصل إنما هو أصل سمعي، أي: دل عليه الكتاب والسنة. وإذا قيل: إنه سمعي، فلا يعني أن العقل والفطرة ينفيانه، وإنما المقصود أن العقل والفطرة لا يبتدئان في إثباته قبل ورود السمع، بخلاف الأصل الأول، فإن الفطرة والعقل يبتدئان إثباته قبل ورود السمع. ولهذا فقد كان يقر به المشركون إقراراً فطرياً بما سلم من فطرتهم، أو إقراراً عقلياً. وذلك بخلاف الكتابة، فإنها أصل سمعي، ولكن من المعلوم أن الأصل السمعي الذي جاءت به النصوص لا يمكن أن يكون معارضاً أو منافياً للعقل أو الفطرة، لكنها لا تدل عليه ابتداءً، فهذا هو الفرق بين هذين الأصلين. ولما كان هذا الأصل عن الكتابة أصلاً سمعياً، قيل: إن جميع فرق أهل القبلة من المسلمين يقرون به في الجملة. وبين السلف وجمهور الطوائف فرق من جهة التحقيق عند السلف؛ فإن هذا الأصل له قدر كلي في النصوص، وله قدر مفصل، ومفصله في السنة أكثر منه في القرآن، فهذه المفصلات عن الكتابة في السنة النبوية، من المعلوم أن أئمة السنة والجماعة أولى بها من غيرهم من جهة علمهم بها، ومن جهة تحقيقهم لهذا العلم، بخلاف غيرهم فإنه قد يتكلم في ثبوتها أو ما إلى ذلك. إذاً: هذا الأصل من جهة عمومه محل إجماع، وأما من جهة تفاصيله فإن بعض الطوائف تتأخر عن تحقيق بعض التفاصيل لعدم علمها، أو لفساد قواعدها المتعلقة بأخبار الآحاد. فهذا هو الأصل الثاني، وهو الإيمان بعموم كتابته، وقد دخل فيما كتب: كتابته لأفعال العباد؛ وفي حديث عبد الله بن عمرو في الصحيح: (إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء).

стр. 161

الأصل الثالث: الإيمان بعموم خلقه ِوإنما تذكر كلمة (عموم) في هذا الأصل؛ لأن الخلق من جهة أصله ليس فيه نزاع، فحتى الكفار يقرون بأن الله سبحانه هو الخالق، فلذلك يقال: الأصل الثالث عند أهل السنة: الإيمان بعموم خلقه . وقد دخل في عموم خلقه لكل شيء: خلقه لأفعال العباد، فهو الخالق لها، وقد نازع في هذا الأصل القدرية بعامة، أي: جملة القدرية من الغلاة وغير الغلاة. أما الغلاة فقد سبق أنهم قوم من الزنادقة، وأما غير الغلاة فهم أئمة المعتزلة، فإنهم هم الذين ابتدءوا القول في هذه المسألة على هذا الوجه، وتبعهم من تبعهم من الشيعة، فإنه غلب على الشيعة ولا سيما الرافضة منهم أنهم قدرية في باب القدر. وكذلك فمن تأثر بهذا الأصل -أن الله لم يخلق أفعال العباد- بعض رجال الإسناد من أهل العلم، فإن هذا قد نقل عن بعض رجال الإسناد، وقد قال الإمام أحمد: (لو تركنا الرواية عن القدرية تركناها عن كثير من أهل البصرة)، فهذا النوع من رجال الإسناد تأثروا بهذه المقالة، ولكن في هذا النوع من أهل العلم ينبه إلى أن قولهم ليس هو قول المعتزلة، وإن كانوا قد يشاركونه في جملته الكلية، وجملته الكلية هي: أن أفعال العباد ليست من خلق الله ، لكن دليل هذا القول عند المعتزلة ليس هو دليل هذا القول عند هؤلاء، فهم مخالفون لهم في أصل هذا القول، الذي هو مبناه ودليله، ومخالفون لهم في تفاصيل مسائله، فإن القدرية المعتزلة المتكلمة -أي: أصحاب علم الكلام- قد ضلوا في هذا القول من جهات: من جهة قدره الكلي الذي يشاركهم فيه بعض رجال الإسناد، وضلوا في هذا القول من جهة مبناه، فإنهم بنوه على الأصول الكلامية العقلية في زعمهم، وضلوا في هذا الأصل من جهة التفاصيل العلمية التي رأوها مستلزمة لهذا القول في مسائل التكليف، ومسائل التحسين والتقبيح، وما يتعلق بذلك. إذاً: هذا القول وإن نقل عن بعض رجال الإسناد من البصريين إلا أن قول هؤلاء الذين لم ينتحلوا علم الكلام والأصول الكلامية ليس هو بتمامه قول المعتزلة وأمثالهم من المتكلمين، بل هناك اشتراك مجمل، وثمة فروق من أوجه متعددة. وهذا الفرق الذي ذكر إنما يختص برجال الإسناد من البصريين وغيرهم. وأما الشيعة الذين أخذوا هذا القول عن المعتزلة، فهؤلاء نقلة لهذا القول، فمادتهم فيه هي مادة المعتزلة، وأصولهم فيه هي أصول المعتزلة، والشيعة الرافضة في الأصل ليسوا من أهل العلم في علم الكلام، إنما تلقفوا علم الكلام والأدلة العقلية وما يتعلق بذلك عن المعتزلة، ولا سيما المعتزلة البغداديين؛ لأن معتزلة بغداد كانوا مائلين إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وكانوا يتشيعون له من جهة الانتصار له، ومن جهة التفضيل، أو الانتصار لحربه، أو ما إلى ذلك. فلما كان عندهم هذا القدر من الميل إلى التشيع، وإن لم يكونوا شيعة محضة -أعني: معتزلة بغداد وبعض المعتزلة من غيرهم- صارت الشيعة تتلقف أقوالهم، فنقلوا عنهم بعض معتقداتهم، وأخص ما نقلوا عنهم في مسائل الأصول العلمية هو في أصلين: في الصفات، وفي القدر؛ فما يوجد في كتب الشيعة الإمامية عن هذين الأصلين إنما هو نقل عن المعتزلة، وإلا فالشيعة ليسوا من أهل العلم في هذا الباب، وليسوا من أهل العلم بالعقليات؛ لأن مبادئهم تقوم على مسائل العصمة والتسليم المطلق بأقوال الأئمة؛ فمبادئهم من جنس طرق الصوفية الغالية الذين لا يعتبرون مسائل النظر اعتباراً متيناً، ولهذا ليسوا من أهل الإسناد، ولا من أهل العقليات، وإنما أخذوا مادة العقليات من المعتزلة وتأثروا بهم، وما يوجد في بعض كتبهم من قوة الجدل العقلي فهو -في الغالب- محصل من كلام المعتزلة، فإنهم نقلوا عنهم في أصل الصفات وأصل القدر. فهذا الأصل الثالث من أصول أهل السنة -وهو الإيمان بعموم خلقه يخالف فيه القدرية من المعتزلة وغيرهم، فيقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد.

стр. 162

الأصل الرابع: الإيمان بعموم مشيئة الله تعالى الأصل الرابع: الإيمان بعموم مشيئته ، وأنه دخل في عموم مشيئته مشيئته لأفعال العباد، فهو سبحانه شاء أفعال العباد مشيئة ربانية كونية. وهذا الأصل يخالف فيه المعتزلة والقدرية بعامة على ما سبق في الأصل الثالث.

стр. 163

الأصل الخامس: الإيمان بعموم حكمة الرب الأصل الخامس: الإيمان بعموم حكمة الرب ، وأنه دخل في حكمته ما يتعلق بأفعال العباد، فإن هذه الأحوال التي عليها الناس هي مقتضى حكمة الرب وعدله وقضائه، وإن كان يقع من الناس ما هو شر وفساد فإن هذا باعتبار مبدئه، أما منتهاه فإنه يكون مطابقاً للحكمة. وإذا اعتبر الشر والفساد قبل النظر في مبدأ هذا الشر ومنتهاه تعذر على العقل أن يعلم أن هذا من الحكم الفاضلة، لكن إذا اعتُبر مبدؤه من جهة التكليف والتشريع، وتكليف العباد واختبارهم، ومنتهاه من جهة الثواب والعقاب، صار المجموع على وفق الحكمة وعلى وفق العقل. وهذا معنى قولنا: إن جميع ما يقع في هذا الكون هو مقتضى حكمة الرب . والله منزه عن النقص المنافي للحكمة؛ ولهذا نفى أن يكون في خلقه شيءٌ خلقه لهواً ولعباً، إنما خلقه هو من الحكمة التي اقتضاها مقام صفاته .

стр. 164

الأصل السادس: الإيمان بأن العباد لهم إرادة ومشيئة قائمة بهم الأصل السادس: الإيمان بأن العباد لهم إرادة ومشيئة قائمة بهم، ولها اختصاص من جهة وجود الفعل من عدمه، أي: أنها إرادة مؤثرة في وجود الفعل وعدمه، ولو لم توجد هذه الإرادة من العبد لما وجد فعله، ففعل العبد هنا ماهية مركبة من إرادته وحركته. ولهذا إذا قيل: فعل العبد هل هو متعلق بإرادته؟ قيل: ما هو الفعل؟ فإنك إذا رجعت إلى العقل وجدت أنه يفرض أن الفعل شيء مستقل، ولكن فرض العقل ليس معتبراً، أما إذا رجعت إلى تصور العقل؛ فإنك تجد أن العقل لا يتصور الفعل إلا ماهيةً مركبةً من الإرادة والحركة، ولهذا يمتنع وجود الحركة من غير إرادة؛ إلا إذا كانت الحركة حركة اضطرارية؛ كحركة النائم مثلاً؛ على رغم أن البعض جعل للنائم إرادة تناسب حاله في النوم. والمقصود: أن الأفعال التي هي مناط العباد وما يتعلق بتكليفهم، هي جميعها متعلقة بإرادتهم ومشيئتهم، والعبد إرادته هذه مؤثرة في وجود الفعل من عدمه؛ لأنها من ماهيته فعلاً، ولكن هذه الإرادة وإن كانت مختصة من جهة تعلقها بفعل العبد أو عدمه، إلا أنها ليست مستقلة بالتأثير، بل تابعة لمشيئة الله ؛ لأن الله هو الخالق للعباد، وهو الخالق لإرادتهم ومشيتئهم.

стр. 165

الأصل السابع: إحكام القول في القدر مع الشرع الأصل السابع: أن أهل السنة والجماعة يحكمون القول في القدر مع الشرع، فإن التوحيد أصله علم وطلب، وهذا هو التقسيم الذي يذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فما يتعلق بتوحيد الربوبية هو توحيد العلم، ويدخل فيه الأسماء والصفات، وإن كان بعض أهل العلم من أئمة الدعوة وغيرهم ممن قبلهم يميزون الأسماء والصفات لاختصاص المنازع فيها، وهذا من التقاسيم السائغة. فالمقصود: أن التوحيد علم وطلب .. فالعلم هو معرفة الله، والطلب هو عبادته بما شرع، فيقال: إن من أصول أهل السنة والجماعة: الجمع بين مقام الشرع والقدر، والجمع بين معرفته وعبادته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الإيمان الذي بعثت به الرسل هو معرفته سبحانه وعبادته بما شرع). وليس هناك طائفة اختصت بالمخالفة في مسألة الجمع بين الشرع والقدر، وإنما ثمة طوائف غلت في مقام الشرع، وقصرت في مقام القدر، وثمة طوائف غلت في مقام القدر، وقصرت في مقام الشرع. أما من غلا في مقام الشرع وقصر في مقام القدر فهم: المعتزلة وأمثالهم؛ فإن المعتزلة كانوا معظمين إلى درجة الغلو في الأمر والنهي، من جهة أنهم يرون أن من ترك واجباً تركه كبيرة فإنه يكون قد عدم الإيمان، ويكون مخلداً في نار جهنم، فهذا من باب الغلو في الأمر والنهي، مع أن المعتزلة عندهم تقصير في باب القدر، من جهة أنهم قدرية نفاة للقدر، أي: نفاة لخلق الله لأفعال العباد، نفاة لمشيئة الرب لها. فهم لم يجمعوا بين مقام الشرع ومقام القدر، بل مالوا إلى الغلو في الشرع، وأسقطوا مقام القدر، وإذا قيل ذلك فلا يظن أنهم كفروا به من كل وجه، وإنما أسقطوا التحقيق له. وهناك من يكون عنده غلو في باب القدر وإسقاط لما هو من الشرع، وهذا لا يقع مذهباً لقوم من النظار، وإنما يقع في بعض الطوائف من جهة أعيانهم، حتى من أهل السنة والجماعة؛ كمن يحتج على معاصيه بالقدر؛ فإن هذا قد بالغ في مقام القدر حتى جعله عذراً في معاصي العباد، وأسقط به مقام الشرع. فمن غلا في مقام القدر إلى أن جعله موجباً لسقوط أحكام الشريعة أو المؤاخذة عليها، فهذا ممن لم يحقق الجمع بين الشرع والقدر. فهذا هو الأصل السابع من أصول أهل السنة والجماعة، وهو الجمع بين مقام الشرع والقدر، وهم في ذلك وسط بين هؤلاء وهؤلاء. وممن يغلو في مقام القدر ويُسقط به ما هو من الشرع، لا على سبيل التعيين كحال الفجار من العصاة الذين يفجرون ويأتون الكبائر ويعتذرون بالقدر: بعض الطوائف من الصوفية، أصحاب الفناء، والفناء عند الصوفية يأتي على ثلاثة أوجه: الفناء عن وجود السوى، وعن إرادة السوى، والفناء عن شهود السوى. والفناء الذي يذكر أهل العلم كـ شيخ الإسلام أنه من الفناء الشرعي، إنما ذلك باعتبار معناه، وإلا فاللفظ صوفي، وهو الفناء عن إرادة السوى، أي: أنهم لا يريدون بأعمالهم إلا الله. أما الفناء عن شهود السوى ووجوده فهو فناء الصوفية المنحرفة عن السنة والجماعة: إما انحرافاً غالياً إلى حد مادة الكفر؛ كفناء الوجودية الصوفية كـ ابن عربي وأمثاله، الذين عندهم فناء عن وجود السوى، وإما فناء عن شهود السوى بما هو من إسقاط بعض مقامات الشرع، وهذا يقع في كلام بعض الصوفية الذين لا يصلون إلى حد ابن عربي وأمثاله، كـ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي، ومن ذلك قوله: (إن من شهد هذا المقام -مقام القدر والربوبية- لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة)، مع أن الهروي ﵀ لا يلتزم بطرد أصله في مسألة القدر على مسائل التشريع كطرد الباطنية الذين يسقطون التشريع بالأعيان. فيوجد في كلام هؤلاء مادة من الغلو في القدر وإسقاط ما هو من الشرع، وقولهم ليس منتظماً كقول المعتزلة، ولكنه مادة شائعة في كلام الصوفية، وهم فيها على درجات. وفي الغالب: إذا تكلمت مع المتكلمين تستطيع أن تضبط أقوالهم؛ لأن أقوالهم في الغالب تأتي على التعيين، وأما إذا تكلمت مع الصوفية، فإنه في الغالب يتعذر الضبط لأقوالهم؛ لأن مادتهم تقوم على المراميز (الرموز)، وعلى الإشارات، وعلى الإفصاح وعدم الإفصاح، وغير ذلك. ولذلك قد يتكلم بعضهم بحرف يتكلم به الآخر، ويكون مقصود الأول بهذا الحرف غير مقصود الآخر. فالصوفية لا يفسر كلامهم على وجه واحد، بل لابد من اعتبار درجة المتكلم، فقد يختلف الصوفية في تفسير الحرف. وبعض من يدرس كلام بعض الصوفية المقتصدة (المعتدلة) في كثير من المسائل، قد يرى في كلامهم بعض الأحرف التي تكلم بها الغلاة منهم وفسروها، فيفسر كلام هذا المقتصد بما فسر به ذاك الغالي هذا الحرف؛ لأن الحرف حرف واحد، وذلك كلفظ (الفناء) -وهذا من أقرب الأمثلة- فالفناء مستعمل في كل درجات الصوفية، فكل طبقات الصوفية يتكلمون بحرف الفناء، لكن ابن عربي والتلمساني إذا تلكموا في الفناء فمعناه عندهم شديد، وإذا تكلم عنه أمثال الهروي فمعناه دون ذلك، وإذا تكلم به الجنيد بن محمد فمعناه دون ذلك بكثير. فالمقصود: أن الحرف الواحد ليس ملزماً، ولا يفسر في الغالب بمادة واحدة.

стр. 166

الطوائف المخالفة في باب القدر الطوائف المخالفة في باب القدر طائفتان: القدرية والجبرية.

стр. 167

القدرية القدرية غلاة، وقد سبق أنهم ليسوا من المسلمين، وإنما يسمون بهذا المذهب لكفرهم بالقدر، ودونهم -وهم المعتزلة- الذين يقولون: إن الله علم أفعال العباد -فيقرون بالأصل الأول- وكتبها، فيقرون بالأصل الثاني إجمالاً؛ لأنهم قد يقصرون في تفصيل الكتابة الواردة في السنة، ولكنهم يقولون: إن الله لم يخلقها ولم يشأها، وهل يقولون: إن العبد هو الخالق لفعله؟ المعتزلة لهم ثلاثة أقوال: منهم من يسكت عن هذا السؤال، ومنهم من يقول: إنه لا يقال: إن العبد خلقها، ومنهم من يقول: إن العبد خلقها. وكل الأقوال مشكلة في نفسها، فإن من سكت فإنه سكت عن السؤال اللازم، والسكوت عن السؤال اللازم عن القول ممتنع، فإنه يدل على فساد القول نفسه، أو على امتناع العلم في القول نفسه، فالجهل هنا ليس محتملاً؛ لأنه يستلزم الجهل بالأصل الملازم له. ومن قال: إن العباد خلقوها، فهذا هو الغلط البين من جهة أن الله هو الخالق لكل شيء. ومن قال: إنه لا يقال: إن العباد خلقوها، مع قوله: إن الله لم يخلقها، فهذا قول متعذر؛ لأنه يستلزم وجود ما له ماهية ووجود بدون خالق له. فهؤلاء هم المعتزلة، وقد أخذ من مادة قولهم بعض رجال الإسناد، والذين سبق بيان ما في قولهم من الامتياز عن قول المعتزلة، وإن كان هؤلاء -أي: بعض رجال الإسناد- ليسوا هم كبار الأئمة المحدثين، وإنما هم من آحاد الرواة، ولذلك لم ينضبط القول بمذهب القدرية -أي: أن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يشأها- عن إمام من أئمة الحديث أو أئمة الفقه الكبار، وإن كان هذا القول نسب إلى أبي حنيفة، إلا أنه كذب عليه، ونسب إلى الحسن البصري، وهو كذب عليه وليس من أقواله، بل كان من أشد الناس على القدرية، ومع ذلك نسب إلى الحسن البصري، وهناك رسالة منسوبة إلى الحسن البصري، والأظهر فيها أنها من كتابة بعض الشيعة الذي كانوا يقولون بهذه الطريقة، ونسبوها إلى الحسن البصري ﵀.

стр. 168

الجبرية الطائفة الثانية: وهي الجبرية، وهم الذين يقولون: إن العباد مجبرون على أفعالهم، وهؤلاء الجبرية غلوا في الأصول الأربعة الأولى، ولا سيما في الأصل الثالث والرابع، حتى سلبوا العبد قدرته ومشيئته وإرادته، فينكرون الأصل السادس الذي هو: أن العباد لهم مشيئة وإرادة مختصة في وجود الفعل من عدمه، ويقولون: إن العبد ليس له إرادة بل هو مجبور على فعله، وهذا مذهب الجهم بن صفوان، وهو مهجور عند جهور طوائف المسلمين فضلاً عن سواد العامة، وإنما تأثر به من تأثر لما استقى من مادة هذا القول بعض متكلمة الصفاتية، وأخصهم أبو الحسن الأشعري ﵀، فإن الأشعري لما رجع عن قول المعتزلة ومذهبهم -والمعتزلة قدرية في باب القدر- رجع إلى مذهب كان يظن أنه مذهب السنة والجماعة، وهو ما سماه الأشعري في كتبه بمذهب الكسب، والكسب حرفٌ قرآني، أما الجبر فليس حرفاً قرآنياً، فليس في القرآن أن أفعال العباد جبر، لكن في القرآن أن أفعال العباد كسب، كقول الله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، فهي كسب للعباد، ولكن الأشعري أقام على لفظ الكسب وفسره بما هو فاسد في معناه، فصارت حقيقته الجبر، فيؤخذ على الأشعري في اللفظ والمعنى. أما في اللفظ: فيؤخذ عليه إقامته عليه، فإنه إذا ذكر مسألة القدر قصرها على هذا الحرف، مع أن القرآن في أفعال العباد فيه حروف كثيرة، وإنما اجتنبها الأشعري لأن مادتها تشكل على مادته، فكان يقصد إلى عدم ذكرها هو وأكثر أصحابه، فيؤخذ عليهم إقامتهم على هذا الحرف من جهة وتركهم للحروف والألفاظ الأخرى؛ هذا من جهة اللفظ. أما من جهة المعنى: فإن الأشعري فسر الكسب تفسيراً منغلقاً حتى على كثير من أصحابه، وقد صرح بأنه منغلق، والمحصل من هذا التفسير أن العبد له إرادة ومشيئة، ولكنها مسلوبة التأثير، وهذا لا بد أن يكون جبراً. وقد صرح بأن هذا جبر جماعة من أهل العلم كـ شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن إذا أردت مقام الرد، وقلت: إن شيخ الإسلام قال: إنه جبر، فإن المخالف في هذا قد لا يكون مستجيباً؛ لأن المفسر لقوله إمام خارج عن مذهبه، فيكون الأقوى هنا إذا وجد في كلامهم من يلتزم بهذا اللازم من جهة الحروف. وقد صرح الشهرستاني في كتبه، وكذلك محمد بن عمر الرازي في المطالب العالية، أن مذهبهم في هذا الذي ذكره الأشعري جبرٌ متوسط، فليسوا جبرية غالية، وهذا القول الذي قاله الرازي والشهرستاني صحيح، فإنهم ليسوا جبرية غالية من جنس غلو جهم بن صفوان. وكما أن ثمة فرقاً بين رجال الإسناد والمعتزلة، فثمة فرق بين الأشعرية وجهم بن صفوان، وإن كان الأشعرية أنفسهم قد صرحوا بأن قولهم هذا جبر، ولكنهم قالوا: جبر متوسط. فالمقصود: أن هذا القول حقيقته أنه جبر. وقد تقلد هذا القول بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وأصحاب مالك الذين تأثروا بمذهب أبي الحسن الأشعري في مسألة القدر، فقول الأشعري في القدر هو قول منغلق، ومادته في نفس الأمر هي مادة جبرية، وإن كان حرفه من الأحرف القرآنية. فهذه هي الطوائف المخالفة للسلف في باب القضاء والقدر.

стр. 169

درجات الإيمان بالقدر

стр. 170

الدرجة الأولى: العلم والكتابة قال المصنف ﵀: [فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق]. الفلاسفة يقولون: إن الله لا يعلم الجزئيات، فهؤلاء كفار، وهم لم يكونوا يتكلمون عن الرب الخالق للسماوات والأرض رب العالمين، الذي فطر الله العباد على الإيمان به، ونزلت الكتب السماوية معرفة به؛ بل كان لهم طرق أخرى في تحقيق الآلهة وما إلى ذلك، فهم يقولون: لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الكليات، فقولهم هذا بين الهجر، وهو من الكفر، كما قال أبو حامد الغزالي، فضلاً عن أئمة السنة. لكن أحياناً يوجد في كلام بعض أهل العلم من التفصيل في مسائل القدر ما ليس محموداً. وقد ذكرنا -بناءً على المنهج الذي ذكرناه سابقاً- أن مسائل أصول الدين الغيبية، والعقائد، وأفعاله لا ينبغي كثرة إيراد الأسئلة عليها، وإن كان السؤال قد يكون وراداً على كثير من الأذهان، فإن وروده على كثير من الأذهان لا يعني أنه سؤال مشروع أو سؤال صحيح، أو سؤال يمكن العلم به والجواب عنه، فكل هذا ليس بلازم. ابن القيم ﵀ في مناظرته بين السني والقدري افترض مناظرة ليست حقيقية، فبدأ يورد أسئلة لتحقيق صورة المناظرة، فأحياناً يأتي ببعض الأسئلة التي يفرضها على لسان القدري، ثم يورد كلاماً هو جواب السني، وبعض التزامات ابن القيم في جواب السني ليست محكمة. فمثلاً: قوله: (إرادة الله لأفعال العباد)، هل هو مريد لكل همسة ولمسة وحركة من أفعالهم، أم أنه مريد للفعل جملة، أم أنه مريد لجنس الفعل؟ ثم قال: (إن الماء إذا كان يجري فالنهر يجري بإرادة الله، لكن لا يلزم أن كل جرية بعينها وكل نقطة من هذا الماء بعينها تكون متعلقة بإرادة مختصة)، وقال: كالرجل إذا حمل العبل من الحب، فهو حامل لكل حبة وإن كان لم تعقل إرادته بكل حبة على حدة، وبدأ يأتي بالمسألة من هذه الأوجه، ويديرها من هنا وهناك. والصواب: ترك هذا الكلام؛ لأن من فطرة البشر إذا قيل: هذا الشيء مرادٌ لهذا المعين، أن يفهموا ذلك بالفطرة؛ لأن كل أمرهم أصلاً هو الإرادة، فإذا قيل: إن هذا الكأس جاء هنا بإرادة فلان من الناس، لم يحتج ذلك إلى التفصيل: كيف جاء؟ وهل كل أجزائه من الكأس؟ وهل الماء هو الكأس؟ وهل الكأس دون الماء؟ وهل جاء الماء قبل الكأس؟ وكأن هذا مشكلة القدرية مع أهل السنة. وأنا لا أنتقد الإمام ابن القيم، فهو إمام معروف شأنه وعلمه، لكن المقصود من ذلك: أن كلاً يؤخذ من قوله ويرد. وطالب العلم الفقيه الفاضل يعظم أهل العلم، لكنه يتجنب بعض هذه الطرق، وأنا أشير إلى هذا لأن الناشئين المقبلين على طلب العلم، لو كان عندهم منهج محكم من جهة العلم والتربية في طلب العلم، لكان لديهم مناعة -إن صح التعبير- عن مثل هذه الأشياء، ولما كان التنبيه إلى ذلك مقصوداً، لكن لأن كثيراً من الشباب يهتمون بهذا الزغل من العلم، وبهذه اللفتات من العلم، لأنها تحتاج إلى دقة الذهن، وفيها نوع من التميز، أما القول بأن الله خالق أفعال العباد فهو أمر معلوم منشور، حتى العوام يعرفونه؛ فطالب العلم حينما يرجع إلى معنىً دقيق، تشعر نفسه بنوع من امتيازه في فقه هذه المسألة. وهناك نفوس كثيرة علمية فاضلة، لكنها أصبحت تتذوق هذا الأمر وتعشقه، فإذا وجدوا مثل ذلك لـ ابن القيم على جلالته، بدءوا يتتبعون مثل هذا النفس، وتتبع هذا النفس في هذا النوع من المسائل ليس محموداً. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة]. هذا حديث صحيح ثابت عن رسول الله ﷺ ، وليس معنى الحديث أن القلم هو أول المخلوقات، ومن البين عند جمهور أهل السنة والحديث أن العرش سابق للقلم. قال المصنف ﵀: [فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]]. والأول هو جزء من وصية النبي ﷺ لـ ابن عباس. [وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]، وهذا التقدير لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً، فيؤمر بأربع كلمات: فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا، ومنكروه اليوم قليل]. وهذه الكتابة ثابتة في الصحيح عن ابن مسعود وحذيفة بن أسيد، وإن كان بينها في بعض التراتيب نوع من الاختلاف والتنوع.

стр. 171

الدرجة الثانية: المشيئة والتقدير قال المصنف ﵀: [وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره، ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته]. هذه إشارة من المصنف إلى مسألة الجمع بين الشرع والقدر، وهي أن العباد مأمورون بما أمر الله به، منهيون عما نهاهم الله عنه، وأن هذا الشرع لا يعارض بشيء من القدر. قال المصنف ﵀: [وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، والعباد فاعلون حقيقة، والله خلق أفعالهم]. قوله: (فاعلون حقيقة) (فاعلون) خلافاً للجبرية، (حقيقة) خلافاً للأشعرية الذين يوافقون أئمة السلف في الجملة اللفظية ويقولون: هذا من باب المجاز وما إلى ذلك. قال المصنف ﵀: [والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩]، وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة]. جاء هذا في حديث ابن عمر: (القدرية مجوس هذه الأمة)، والمصنف هنا أطلق الحديث، وإن كان الحديث مما يعلم أنه فيه كلاماً من جهة صحته، فمن أهل العلم من حسنه، ومنهم من لم ير صواب ثبوته، وهو الصحيح؛ فإنه لم يصح عن النبي ﷺ في طوائف المبتدعة نص من جهة التسمية، فكل النصوص المنقولة في تسميته للرافضة أو تسميته للقدرية وما إلى ذلك، كلها ليست صحيحة من جهة رفعها. قال المصنف ﵀: [ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره]. قوله: (ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات): إشارة إلى الأشاعرة، وهذه الإشارة فيها لطف مع المخاطبين، وإن كانت لم تتضمن تقصيراً في المعنى المراد، وهذا هو المنهج المشروع في الأصل، أن المجادلة للمخالف لا تكون بالألفاظ الموجبة لجفائه، وإن كان هذا موجوداً في كلام أهل السنة، وقبل أن يكون ذلك موجوداً في كلام أهل السنة هو موجود في القرآن مع الكفار، لكن ليس الموجود في القرآن هو الألفاظ المحركة للنفوس إلى الجفاء، فليس كل ما ورد في القرآن من مخاطبة الكفار يحرك نفوسهم إلى الجفاء، ولذلك من التزم هذا المنهج، وقال: هذا هو منهج السلف، فقد أخطأ على السلف، نعم .. يوجد في كلام السلف حروفٌ فيها جفاء مع المخالف الذي فيه مادة عناد أو مكابرة، أو كان ذلك لمصالح شرعية، لكن ليست هذه الحروف من الجفاء في الكلام معهم هي الحروف المشروعة وحدها، فهذا ليس صحيحاً، كما أن العكس غلط، فهناك البعض الآن حتى من طلاب العلم الذين قد يكون عندهم نظرة أخرى، يقولون: ينبغي له أن يحدث بالألفاظ اللينة وما إلى ذلك، فهذا ليس صحيحاً، بل هذا مشروع وهذا مشروع، كما قال الله في أهل الكتاب: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، وقال لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤]، وهذا في الابتداء، لكن في قصة موسى وهارون مع فرعون إذا رجعت إليها في تفاصيلها في القرآن وجدت فيها قول موسى له: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، وهذا فيه شدة. فالله قال في كتابه: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤]، وموسى قال له: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، وليس هذا من عدم تطبيق موسى لأمر الله، فإن الله شرع له ذلك في الابتداء، ولهذا فإن الأصل في الابتداء في خطاب المعين: أنه يُقصد إلى ما يحرك نفسه إلى قبول الحق، أما إذا صار عنده مادة من الاستكبار والعلو، فإنه يقال له ما يوجب كسر بأسه، وشدته، وعلوه، ونشره لهذا الباطل، ولذلك في أهل الكتاب لم يقل الله: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] على الإطلاق؛ لأن من أهل الكتاب من هو ظالم، وليس في قلبه إلا الكبر والعناد، فقال : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦]. فأهل البدع على كل تقدير هم أقل من الكفار، فهم بحاجة إلى الخطابين، ومن صدق النظر وصار صاحب عقل وفهم استطاع أن يجد في كلام السلف هذا وهذا، وأما من ضاق عقله في الغالب، فتجد أنه يغلو ولا يتكلم معهم إلا بالسيئ من الكلام. وهذه الأمة مما حسن الله في حقها الأخلاق، وليس لها مثل السوء حتى في لسانها، ولهذا فإن المؤمن ليس بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا البذيء، والبذاءة مع المخالف هي مشروعة إذا اقتضتها المصلحة الشرعية، أما أنها تكون بذاءة نفسية فيتعود الإنسان على البذاءة دائماً فلا. والمنهج القرآني في خطاب الكفار، وكذلك منهج السلف مع أهل البدع هو استعمال اللفظ المقرب للنفوس، وقد يستعمل معهم لفظ يكون محركاً لنفوسهم للعناد عندما يحققون هم مقام العناد. وهذا على كل حال فقه لا يمكن ضبطه في كلمة أو كلمتين، والمقصود أن هذا مشروع وهذا مشروع، فمن هجر أحدهما فليس هو على استقامة تامة. قال رحمه الله تعالى: [ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها]. هذه إشارة إلى مسألة الحكمة. إذاً: إذا تأملت كلام شيخ الإسلام في باب القدر في الواسطية وجدته ذكر الأصول السبعة، فبعض الأصول سماها على درجات، وبعضها ألحقها ببعض المسائل الأخرى من باب التلازم لا من باب اختصار معناها.

стр. 172

شرح العقيدة الواسطية [١٩] عقيدة أهل السنة والجماعة في الدين والإيمان أنه قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، كما يعتقدون أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وأن من أتى معصية فلا يحكم عليه بالكفر بسبب إتيانها كما قالت الخوارج، وإنما يقال: هو مؤمن ناقص الإيمان.

стр. 173

مسائل الإيمان قال المصنف ﵀: [فصل: ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح]. قوله: (ومن أصول أهل السنة) إشارة إلى قدر هذا الباب، وأن القول في مسمَّى الإيمان هو من الأصول المتفق عليها بين أئمة السنة والجماعة، وإذا كان القول من الأصول، فإن القاعدة فيه معروفة من جهة أنه لا يجوز مخالفته، ولا يجوز الاجتهاد بخلافه، حتى ولو كان الاجتهاد عند المجتهد أو الناظر مبنياً على نوع من الدليل الشرعي، ولهذا فلا شك أن قول مرجئة الفقهاء -ولا سيما أئمة هذا القول كـ حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة - لم يكن مبنياً على شيء من الأصول البدعية الكلامية، أما بدع الجهمية والمعتزلة التي خالفوا بها السلف فإنها بنيت على أصول من علم الكلام، بخلاف حماد بن أبي سليمان، فإنه لما قال مقالته -وهو أول من خالف من أئمة السنة في هذه المسألة- فلا شك أنه بناها على شيء من الدليل الشرعي، كالاستدلال بقول الله تعالى في القرآن كثيراً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧]، وظهر له من هذه السياقات أن العمل ليس من الإيمان. فالمقصود: أن مثل هذا الاجتهاد لا يجوز ولو كان مبنياً على دليل شرعي، وهذا من جهة أن الاجتهاد بعد ثبوت الإجماع يعلم غلطه ولا بد. وإنما كان محرماً ومنهياً عنه؛ لأن الإجماع إذا انعقد علم أن الاجتهاد يتعذر أن يُحصَّل به صواب يخالف ما سبق الإجماع عليه. وهذه قاعدة مطردة: أن الإجماع إذا تحصَّل امتنع الاجتهاد بخلافه، ولو كان المجتهد يبني اجتهاده على ظاهر دليل، وحتى لو كان ظاهر الدليل في نظره مخالفاً للإجماع، فما دام الإجماع محفوظاً، فلا يجوز النظر بخلافه؛ لأنه يعلم الغلط فيه ولا بد.

стр. 174

الدين والإيمان قول وعمل قال ﵀: (ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل). المصنف هنا قال: (الدين والإيمان)، والاختلاف عند أهل القبلة إنما هو في اسم الإيمان، وأما اسم الدين فقد أجمع المسلمون على أن الدين قول وعمل، فهذا مما لا يختلفون فيه، وليس من موارد الخلاف، وأجمعت الطوائف جميعها على أن الإيمان من الدين، ولكن منهم من يذهب إلى الترادف بين الدين والإيمان، ومنهم من يفرق من وجه. وكأن من محصِّل مذهب أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان -أو هذين الاسمين- على مسمىً واحد، بخلاف المرجئة، فإنهم باتفاقهم لا يجعلون العمل داخلاً في مسمَّى الإيمان وإن كانوا يجعلونه من الدين. وحتى الطرف الآخر في المسألة وهم الخوارج والمعتزلة الذين يقولون: إن الإيمان قول وعمل ولكنه لا يزيد ولا ينقص، في ظاهر مذهبهم -وإن كانت هذه المسألة لا يعتنون بتحريرها- أنهم يفرقون بين الدين والإيمان. لكن هناك فرق بين المعتزلة والخوارج، فالمعتزلة حكي في مذهبهم الخلاف، والخوارج منهم من يحكي الإجماع عندهم ومنهم من يحكي الخلاف. فالمسألة -كما أسلفت- ليست محررة في كتبهم أو فيما نقل عنهم، لكن النوافل منهم من يجعلها من الإيمان، ومنهم من يقول: إنها من الدين وليست من الإيمان، فيتحصَّل أن الضبط لاسم الدين واسم الإيمان على هذا المعنى هو من المعاني المستقرة في كلام أهل السنة والجماعة. فقول المصنف: (أن الدين والإيمان) أما الدين فلا خلاف فيه بين المسلمين أنه قول وعمل، وإنما الخلاف في اسم الإيمان. فإن قيل: فإذا كان لا خلاف فيه فلم ذكره المصنف؟ فالجواب: أن هذا نوع من التصحيح، وهو نوع من الإلزام، بمعنى: أنه إذا كان مستقراً عند المسلمين أن الدين قول وعمل، فينبغي أن يستقر عند المسلمين أن الإيمان قول وعمل، وإن كان النظَّار من المرجئة أو غيرهم يفرِّقون بين الدين والإيمان، فإن المستقر عند عامة المسلمين وحتى علماء المرجئة القاصدين للسنة والجماعة أن الأقرب إلى الأصول الشرعية والفطرية أن الدين والإيمان على معنىً واحد، فيكون هذا أدعى للتصحيح عند العامة، وهذا ليس من باب الخطاب بالعاميات؛ لأن المخالفين إنما خالفوا بأصولٍ مبتدعة، والأصول التي عند العامة تلقوها عن منهج الرسالة العام، فيكون الاستعمال لها حسناً من هذا الوجه. وقوله: (قول وعمل)، أجمع السلف ﵏ وأئمة السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل، وإن كانت عباراتهم قد اختلفت ألفاظها، فالمشهور عن جمهورهم أنهم يقولون: الإيمان قول وعمل .. هذا هو التعبير الذي نطق به الجمهور من السلف، ومن السلف من قال: الإيمان قول وعمل واعتقاد. ومنهم من يقول: إنه قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح. ومنهم من يقول: إنه قول وعمل ونية واتباع للسنة. كـ سهل بن عبد الله، وهو من النسَّاك، وإن كان عنده قدر من العلم، لكنه اشتهر بالعبادة والنسك. وقال البخاري في صحيحه -في إحدى روايات صحيح البخاري -: الإيمان قول وفعل. وإن كانت هناك رواية أخرى لصحيح البخاري فيها: أن الإيمان قول وعمل. لكن الموجود في صحيح البخاري الآن: أن الإيمان قول وفعل. وإن كان من الشرَّاح من تكلم على تعبير البخاري بالفعل. والأصل في هذا ألا يبالغ في الفرق بين العبارات، وهذا منهج سبق أن نبهت إليه: أن التفقه في المعنى الاصطلاحي يُستعمل في مسائل التكليف، سواء كان هذا التفقه من النظر في كلام الله ، أو كلام رسوله، أو حتى في كلام أهل العلم. أما تعبير السلف في مسائل الأصول، فكلما قُصِدَ إلى أن الخلاف لفظي بينهم فإن هذا يكون أجود، فينبغي أن يجعل الخلاف في التعبير عن الأصول من الخلاف اللفظي، وعلى الأقل: ينبغي أن يجعل ذلك من خلاف التنوع، أما كثرة التفريق بأن هذا يشير بقوله كذا وكذا إلى كذا وكذا من المعاني، وقد يكون اللفظ محتملاً لذلك، لكن معرفة أن هذا المتكلم قصد ذلك فيه تعذر. وفي الغالب أنه صدرت هذه الإجابات من الأئمة ليس عن كثير من هذه الإشارات، إنما كانوا يقصدون بها معنىً واضحاً: أن الإيمان قول وعمل، على ما فصَّله شيخ الإسلام هنا. إذاً: تعبير السلف هنا مختلف، وإذا قيل: هل هذا التعبير من الخلاف اللفظي، أم من خلاف التنوع، أم من خلاف التضاد؟ فقطعاً أنه ليس من خلاف التضاد، ولكن البعض يقول: إنه خلاف تنوع، وهذا أيضاً غلط؛ لأنه إذا اختلف هذا التعبير مع التعبير الآخر فلا بد أن يتضمن أحد التعبيرين معنى ليس في التعبير الآخر، فعندها يكون الاختلاف من باب اختلاف التنوع، فيكون في أحد التعبيرين من المعنى ما ليس في الآخر، وإن كان لا ينافيه، فإذا وجد هذا قيل: إن الخلاف هنا خلاف تنوع. أما اختلاف ألفاظ السلف في التعبير عن الإيمان فهو من باب الخلاف اللفظي، والخلاف اللفظي لا يفهم منه أنه لا ثمرة له كما هو مشهور عن مسائل الخلاف اللفظي عند كثير من أهل الأصول، إنما هنا وإن كان الخلاف لفظياً إلا أن ثمرته هي إظهار أبين العبارات وأصدقها في التعبير عن الحقائق العلمية؛ ولذلك كان التعبير الذي يقول: إن الإيمان قول وعمل -وهو الذي عبَّر به الجمهور من السلف- هو أصدق هذه التعبيرات، أصدقها من جهة الألفاظ؛ لأنه أحكم لفظاً، ووجه كونه أحكم من جهة اللفظ: أن قولهم: الإيمان قول وعمل تضمن المقامات الأربعة: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، أما قول اللسان فمعروف، وأما قول القلب فهو تصديقه بما هو من التصديقات الشرعية، وأما عمل القلب فهو حركته بهذا التصديق بأعماله المناسبة له؛ كالمحبة والخوف والرجاء ونحو ذلك، وأما عمل الجوارح فهو بيِّن. فهي أربعة مقامات: قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. وفي هذا بيان لفضل هذه الجمل: أن الإيمان قول وعمل. وبالنظر البسيط إلى هذا التعريف: أن الإيمان قول وعمل، قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس أن يقول: أين الاعتقاد؟ فمن خلال ما سبق يتبين أن الاعتقاد هو قول القلب. وهناك وجه آخر، وهو وإن لم يكن صريحاً لكنه أجود من جهة الإفادة، وهو: الإشارة إلى قدر من التلازم والتركب، ومعنى هذا الكلام: أن الإيمان في سائر موارده متركب من القول والعمل، سواء كان هذا التركب بطريق التضمن أو كان هذا التركب بطريق اللزوم؛ أما المطابقة فلا تكون إلا في شيء واحد، وإذا استعملت التركب فلا بد أن يكون عندك شيء وآخر، فهذا التركب يكون بطريق التضمن تارة ويكون بطريق اللزوم تارة أخرى. ومن فَقِهَ هذا المعنى من النظر العقلي الشرعي، بانَ له أن سائر أقوال المرجئة ليست خاطئة فحسب؛ بل هي خاطئة من جهة العقل فضلاً عن الشرع، ووجه ذلك: أن سائر المرجئة -بل سائر أهل القبلة- يقولون: إن اعتقاد القلب وتصديق القلب هو الإيمان، وهو عند أهل السنة من الإيمان، والمهم أن اعتقاد القلب -الذي هو قول القلب- هو من الإيمان بلا جدل بين المسلمين. فهنا يقال: إن كل ما هو من الإيمان عند السلف فهو مركب من هذين: قول وعمل، وهذا التركب إما أن يكون تضمناً وإما أن يكون لزوماً. والمرجئة لما جاءوا إلى العبادات الظاهرة كالصلاة قالوا: إنها ليست من الإيمان، مع أنهم اتفقوا على أن التصديق من الإيمان، ومنهم من يخصه به؛ فيرد عليهم أن الصلاة وسائر الأعمال الظاهرة حقيقتها أنها مركبة من قول القلب الذي هو تصديقه، ومن العمل، وليس هناك صلاة ولا عمل ظاهر ينفك عن التصديق؛ فالصلاة حقيقتها أنها مركبة من العمل الظاهر -وهي الحركات التي شرعت كالركوع والسجود ورفع اليدين، سواء كانت ركناً أم كانت مستحبةً- ومركبة من الاعتقاد والتصديق. والصلاة ليست ماهيتها تصديقاً محضاً لا عمل معه، ولو قال قائل: إن الصلاة هي تصديق محض لا عمل معه، لأنكر جميع النظَّار وجميع المسلمين ذلك. ولو جاء شخص وقال: أنا أصلي بقلبي، أؤدي الصلاة بقلبي، وأقوم بهذه الأعمال بقلبي وأصدق بها؛ لقيل له: هذه ليست صلاة شرعية، فكذلك من زعم أن الصلاة -والصلاة مثال وسائر الأعمال الشرعية على حكم الصلاة في القاعدة- هي عمل وليست تصديقاً، فيقال للمرجئ إذا أقر أن الصلاة مركبة من العمل والتصديق: ألست تجعل التصديق من الإيمان؟ إذاً: عرفنا ضرورة عقلية وشرعية أن الصلاة ماهية مركبة من التصديق والعمل، من قول القلب والعمل، ولك أن تقول: إنها مركبة من ماهية الإيمان كله عند أهل السنة، وماهية الإيمان أربعة مقامات: المقام الأول: قول القلب، والصلاة فيها قول القلب، فمن صلَّى وهو غير مصدق بأن الصلاة من الإسلام فصلاته باطلة، ومن صلَّى الظهر -مثلاً- وهو غير مصدق أن صلاة الظهر شرعها الله ورسوله أربعاً، فصلاته غير صحيحة، وكم من التصديقات اللازمة في الصلاة! فهذا قول القلب. المقام الثاني: عمل القلب، فمن صلَّى وهو لا يصلي محبةً لله وخوفاً ورجاءً، فصلاته مثل صلاة عبد الله بن أبي، صلَّى لكنه ما صلَّى محبة وخوفاً ورجاءً، فإذاً لزم بالضرورة أن الصلاة مضمنة بعمل القلب. المقام الثالث: قول اللسان؛ فالصلاة متضمنة لقول اللسان، فإن المصلِّي يقول: الله أكبر، ويقرأ الفاتحة، ويقرأ الشهادتين في آخر الصلاة وما إلى ذلك. المقام الرابع: عمل الجوارح، فالصلاة متضمنة لعمل الجوارح، فإنه يركع ويسجد وما إلى ذلك. ولو أن مصلياً أسقط أحد هذه المقامات الأربعة فصلاته باطلة بإجماع المسلمين. إذاً: الصلاة الشرعية -والكلام هو في الأعمال الشرعية لا في الأعمال العادية- مركبة من ماهية الإيمان، فيمتنع هنا أن تقول المرجئة: العمل ليس من الإيمان، والتصديق من الإيمان، فقولهم هذا مبني على فرض أن الأعمال توجد منفكة عن التصديقات، وليس هناك عمل شرعي واحد ينفك عن التصديق، فإنه إذا انفك عن التصديق أصبح عملاً غير شرعي، ولو أن شخصاً دخل المسجد هروباً من لص، أو ممن يريد قتله، أو من شيء من هذا القبيل، فأراد أن يظهر لمن يركض خلفه أنه منشغل بالصلاة، وأنه ليس هو الشخص الذي هرب، فبدأ يتحرك، فإن هذا لا يحتسب له أنه مصلٍّ، ومن قام ليري شخصاً كيفية الركوع الصحيحة، فهذا لا يقال:

стр. 175

زيادة الإيمان ونقصانه قال المصنف ﵀: [وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية]. يزيد بالطاعة، سواء كانت هذه الطاعة قلبية أو كانت ظاهرة، وسبق معنا أن مقامات الإيمان المركبة أربعة، فالزيادة والنقصان عند أئمة السنة هي في سائر المقامات الأربعة: في التصديقات، وفي عمل القلب، وفي قول اللسان، وعمل الجوارح. وأبو محمد ابن حزم وإن كان كلامه في مسمَّى الإيمان حسناً في الجملة إلا أنه قال: إن مقام التصديق القلبي لا يدخله الزيادة والنقصان، وهذا غلط، وممن نبه إلى غلطه فيه شيخ الإسلام ﵀، ونقل -أعني ابن تيمية - عن الإمام أحمد نصوصاً صريحة في أن التصديق يتفاضل ويزيد وينقص؛ لأن ابن حزم التفت إلى أن التصديق إذا نقص صار كفراً أو شكاً، وهذا ليس بلازم، فإن التصديق يتفاضل، ومعلوم أن تصديق أبي بكر بالتشريعات والأخبار الشرعية وما إلى ذلك ليس كتصديق آحاد الناس، بل لا شك أن العمل في الجملة فرع عن تحقيق التصديق والإيمان القلبي.

стр. 176

حكم أهل المعاصي عند أهل السنة قال ﵀: [وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج]. أهل السنة بخلاف الخوارج، لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، ومن ضبط تعبيره أنه لم يقل: لا يكفرونهم بالمعاصي والكبائر؛ لأن الشرك معصية وكبيرة، والنبي ﷺ في حديث أبي بكرة قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله ...)، وفي حديث ابن مسعود في الصحيح: (أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله نداً وهو خلقك). فالقصد: أن تسمية الشرك كبيرة أمر ثابت في السنة، وإن كانت الكبيرة إذا اقترنت بذكر الكفر أو الشرك انصرفت إلى ما دون الكفر، بخلاف ما إذا انفردت فإنه يذكر بها الكفر وما دونه. فمن ضبط المصنف هنا أنه قال: بمطلق المعاصي، أي: بآحاد الكبائر. والذين يكفرون بها هم الخوارج، وجمهورهم يقولون: إنه يكفر كفر ملة، وقالت الإباضية منهم: إنه يكفر كفر نعمة، مع اتفاق الطائفتين على أنه في الآخرة مخلد في النار. قال ﵀: [بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]]. الأخوة الإيمانية ثابتة ولو مع الكبائر التي لا تنافي أصل الإيمان؛ خلافاً للمعتزلة الذين جعلوا الكبيرة موجبةً لإسقاط أصل الإيمان، ومسقطةً لأصل الأخوة في الدين، فيسلبون الفاسق الإيمان، ويجعلونه في منزلة بين الكفر والإيمان، وهذه منزلة مخالفة لأصول النظر والعقل؛ ولذلك ما يُزعم من أن المعتزلة هم أرباب العقل والانضباط العقلي هو تلبيس عظيم؛ فإن أول مبدأ المعتزلة كان في مسألة الكبيرة، فجاءوا بحكم مخالف للعقل، مخالف للذوق، مخالف للشرع من جميع الجهات، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار. فهذا مخالف -إن صح التعبير- للانفتاح العقلي، فكيف يزعم بعض الكتاب أن المعتزلة هم أرباب الانفتاح العقلي في تاريخ المسلمين، وهم رواد العقل والانفتاح والحرية العقلية، وأن الأئمة والمحدثين كانوا هم أهل الانغلاق والتشدد؟! فمن يزعم ذلك فلا شك أنه لم يفقه مذهب المعتزلة. فإن المعتزلة جميعهم قد اتفقوا على أن من ارتكب كبيرة من المسلمين صار مخلداً في نار جهنم، وهذا من أصولهم، بل هو أول الأصول الذي انشقوا بها عن المسلمين، فأي انفتاح وأي اعتدال عقلي وأي سعة نظر يمكن أن يوصفوا بها مع هذا الأصل؟! هذه جهة. الجهة الثانية: أنهم جاءوا باسم منغلق لا تستطيع أن تضع له مكاناً، فالخوارج على أقلِّ تقدير قالوا: هو كافر؛ لأن الناس إما كافر وإما مسلم، لكن هؤلاء قالوا: ليس بكافر وليس بمؤمن، بل في منزلة بين المنزلتين، فهذه المنزلة لا يوجد لها مكان في العقل، فمهما حاول العقل أن يثبت منزلة يكون صاحبها ليس مؤمناً وليس كافراً فإنه لا يستطيع. قد يقول قائل: إن المعتزلة يقولون عنه: هو فاسق، فأقول: هذا الفاسق في مذهبهم ليس عنده شيء من الإيمان، ومن ليس عنده شيء من الإيمان يكون كافراً، فالكافر هو منعدم الإيمان. ولذلك لما كانت هذه المنزلة منزلةً وهمية في العقل، وكانت القضية قضية أسماء، استطاع المعتزلة أن يوجدوا لها هذا الاسم في الدنيا، وفسروا اسم الفاسق في القرآن بمثل هذا، لكن لما جاءهم مقام الآخرة، ومقام الآخرة لا يوجد فيه أسماء وهمية، بل هناك حقائق؛ إما جنة وإما نار؛ انغلق عليهم القول، فجعلوه مخلداً في النار. إذاً: مذهب المعتزلة في هذه المسألة مذهب ركيك من جهة العقل نفسه، وهم إنما تقووا بالعقل لما نقلوا هذا النقل من كتب الفلاسفة وما ركبوه في علم الكلام المولد من الفلسفة، وهذا ليس لهم فيه شرف؛ لأنه منقول عن غيرهم في الجملة. قال المصنف ﵀: [وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]]. وجه الدلالة أن الله قال: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)، مع أنه يُعلم أنهم حال اقتتالهم لا بد أن يكون أحدهم ظالماً والآخر مظلوماً، فلا بد أن يكون أحدهما باغياً على الآخر، فسماهم مؤمنين، والمراد هنا أصل الإيمان، ولا يلزم بالضرورة أن يراد الإيمان الكامل؛ ولذلك قال بعد هذا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]. قال ﵀: [ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية]. قيد المصنف اسم الفاسق بقوله: (الملي)؛ لأن الفسق يأتي في القرآن ويراد به الكفر بالله، قال الله تعالى عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]، وكالفسق المطلق في القرآن؛ فقد نص شيخ الإسلام على أن اسم الفاسق إذا أطلق في القرآن فإنه يراد به الكافر، بل هذا هو الغالب على موارد ذكره في القرآن، وإن كان قد استعمل في غير ذلك، كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات:٦]، فالفاسق هنا ليس المراد به الكافر، وإنما المراد به الكاذب أو ما إلى ذلك، هذا إذا فسرت الآية بما هو مشهور من جهة التفسير في سبب نزول هذه الآية. قال ﵀: [ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]]. فالفاسق يدخل في اسم الإيمان، وإن كان لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، وهذه من حقائق مذهب السلف: أن اسم الإيمان ورد في كتاب الله مورداً متنوعاً، وهذه الحقيقة هي الموجبة لضبطهم لمسألة الإيمان، بخلاف غيرهم من الطوائف، فإن أصل غلطهم أنهم جعلوا مورد اسم الإيمان في القرآن واحداً؛ فالخوارج والمعتزلة وجدوا أن القرآن يذكر المؤمنين عند الإطلاق على التحقيق، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] وما بعدها من الآيات، وكقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً﴾ [الأنفال:٢]، فوجدوا أن الاسم المطلق للمؤمنين إنما يكون لمن حقق الإيمان، فاعتبر الخوارج والمعتزلة مثل هذه السياقات. وأما المرجئة فإنهم اعتبروا ظاهر التفريق من مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧]. والصواب: أن مورد الإيمان متنوع في كتاب الله، ولذلك فقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] المقصود هنا بالمؤمنة: من حقق أصل الإيمان، ولذلك يصح عتق الفاسق بإجماع الفقهاء. قال ﵀: [وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً﴾ [الأنفال:٢] وقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)]. المؤمن هنا هو المؤمن المطلق المذكور في قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، فالزاني حين زنى لم يكن داخلاً في هذا الاسم؛ لكنه يدخل في قول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]. قال ﵀: [ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته]. الجملة الأولى أفصح في مخالفة المرجئة؛ لأن جماهير المرجئة يقولون عن مرتكب الكبيرة: إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، كالأشعرية ونحوهم، لكنهم لا يجعلون إيمانه ناقصاً بموجب هذه الكبيرة، والسلف كانوا يقولون عنه أنه مؤمن ناقص الإيمان، وهذا أفصح من جهة مخالفة المرجئة. قال ﵀: [فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم]. قوله: (لا يعطى الاسم المطلق) هو اسم الإيمان المطلق في سائر موارده، (ولا يسلب مطلق الاسم) بحيث لا يسمى مؤمناً في سائر الأحوال، بل يسمى مؤمناً بحسب المقام المقتضي له، والمقام المقتضي له ما يتعلق بأحكام الدنيا؛ كالعتق وما يتعلق بالشهادة له بأصل الإيمان .. وهلم جراً.

стр. 177

شرح العقيدة الواسطية [٢٠] معتقد أهل السنة والجماعة في الصحابة أنهم خير خلق الله بعد أنبياء الله، وقد اصطفاهم الله لصحبة نبيه ولحمل دينه وتبليغه لمن يجيئون بعدهم، كما يعتقدون فيهم أنهم يتفاضلون فيما بينهم، وأن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر وأصحاب بيعة الشجرة، ويعتقدون لزوم السكوت عما شجر بين الصحابة وسلامة القلوب والألسنة لهم رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 178

موقف أهل السنة والجماعة من الصحابة قال ﵀: [فصل: ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]]. قوله: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم)، ذكر القلوب والألسنة، لأن الواجب هنا أن يكون المسلم على فقه بشأن الصحابة وبما حصل من النزاع بينهم، يوجب له هذا الفقه ألا يقع في قلبه شيء على الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا يكفي في ذلك أنه لا يعبر؛ فإن بعض الناس قد يعرض في نفسه ما هو من الإشكال في شأن الصحابة ولا يعبر به، ومحقق الإيمان لابد أن يتصف بسلامة قلبه ولسانه لأصحاب النبي ﷺ . وتعظيم شأن الصحابة قد قال بعض أهل البدع أنه لا يدخل في مسائل أصول الدين، وهذا غلط؛ لأن هذا من أخص مسائل أصول الدين، ومن طعن في الصحابة رضي الله تعالى عنهم فقد خالف ما هو من أهم الأصول وأخصها. فإن قيل: فما موجب ذلك؟ قيل: لأن الله في القرآن جعل ثبات الإسلام ومنهج الإسلام مرتبطاً بأصحاب نبيه، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وهذه الآية من أقوى وأصرح ما في القرآن، وفيها خطاب شرعي وخطاب عقلي، فيمكن أن يستدل بها استدلالاً عقلياً في الرد على الروافض الذين يطعنون في الصحابة، فقوله جل وعلا: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) هذا أقوى مما لو كان في سياق الآية أن السابقين الأولين هم أهل الإيمان، أو هم أهل المنهج الحق، أو يجب اتباعهم؛ لأن الله قال: (رضي الله عنهم ورضوا عنه)، وهذه الدرجة -وهي الرضا- درجة عظيمة؛ قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فهي لا تكون إلا لأئمة المؤمنين المحققين للإيمان علماً وعملاً، ولذلك فما وصف الله أحداً بالرضا إلا إذا كان محققاً لهذه المنزلة؛ وهي أنه محقق للإيمان علماً وعملاً، فهذه شهادة صريحة من الله لهم بأنهم مؤمنون محققون للإيمان علماً ومحققون له عملاً؛ لأن بعض الناس قد يكون صاحب نسك ولكنه ليس صاحب علم. فقوله: ﵃ هو أقوى من التصريح بكونهم مؤمنين؛ لأن الرضا لا يكون إلا لمن حقق الإيمان، ولأن الرضا حكم متعلق بالمآلات، بخلاف اسم الإيمان الذي قد تعقبه مخالفة أو كفر أو ما إلى ذلك، فقوله: ﵃ هو حكم متعلق بالمآل على التمام، ولو كانت الآية وقفت عند هذا لكان هذا كافياً في هذه الدلالة، ولكن الآية فيها تصريح أتم وأقطع لشبهة من عنده شبهة، فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فجعل هذا الذي عليه أصحاب نبيه هو الحق؛ لأنه قال: (والذين اتبعوهم)، فعُلم أن الهدي الذي كانوا عليه -أعني: السابقين من المهاجرين والأنصار- هو الحق الذي رضيه الله ديناً لعباده، فكان اتباع الصحابة حكماً مطرداً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى أن تقوم الساعة. وكما أن قول الله تعالى عن القرآن: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] هو أمر باتباع ما أنزل؛ فكذلك الأمر باتباع الصحابة، فعُلم أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هديهم هو الدين الذي شرعه الله ورسوله، فمن خالفهم -فضلاً عمن طعن فيهم- لا شك أنه ليس على إيمان صحيح؛ لأن الإيمان الصحيح جعل الله له مساراً واحداً هو: (والذين اتبعوهم بإحسان)، فلم يقل: الذين اتبعوا القرآن، ولم يقل: والذين اتبعوا محمداً ﵊، مع أنه لا شك أن اتباع القرآن واتباع محمد ﵊ أشرف من اتباع الصحابة، ولكن المقصود هنا أن هؤلاء القوم -وهم الصحابة- متبعون للقرآن، متبعون لمحمد ﷺ ، فقال: (والذين اتبعوهم) ولم يقل: الذين اتبعوا مؤمنهم أو صادقهم، إنما قال: (اتبعوهم)، والضمير يعود إلى السابقين من المهاجرين والأنصار، وقد أضاف الاتباع إلى سائرهم. وقال تعالى: (بإحسان) وهذا يدل على أن هذا الاتباع يجب أن يكون محققاً، وأنه لا يُجتهد بمخالفته بما يوجب مخالفتهم ولو كان هذا مبنياً على الاجتهاد؛ ولذلك فإن أي قول في العلم في الأصول أو في الفروع يخالف ما هو من قول الصحابة فلا يجوز الالتفات إليه، حتى ولو كان صاحبه قد بناه على نوع من النظر والاجتهاد، يخالف منهج الصحابة وأصول الصحابة وقاعدة الصحابة أو ما انضبط عن الصحابة، أو ما إلى ذلك من المسائل. وإذا اختلف الصحابة جاز الاجتهاد. والمقصود: أن ما كان من منهجهم المنضبط أو أقوالهم المنضبطة لم يجز العدول عنه، فهذا هو معنى قول الله: (بإحسان)، فقيد الاتباع بكونه بإحسان، أي: أنه اتباع مقتصد، لا غلو فيه ولا تقصير، ولا إفراط فيه ولا تفريط. فهذا يدل على أن الطائفة التي تسير على منهجهم هي التي ينتظر لها من المنزلة ما حصل للصحابة، وذلك لقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فهؤلاء مستحقون لهذه المنزلة، ولا تستحق منزلة الرضا إلا بهذا الاتباع، فعُلم أنه لا مسار للمسلمين إلا ما كان عليه أصحاب رسول الله، فما خالفه فهو بدعة وضلالة في الدين.

стр. 179

الرد على شبهات الرافضة حول الصحابة ﵃ بعض من يشكل على هذا الاستدلال يقول: إن الله تعالى قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ [التوبة:١٠٠] فقال: (السابقون) وقال: (الأولون)، ولم يجعل هذا في سائر الصحابة، بل قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] ولم يجعله في سائر الصحابة. فنقول: نعم، السابقون الأولون لهم منزلة أعظم من منزلة سائر الصحابة، كما قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠] فالسابقون الأولون الذين آمنوا من المهاجرين أولاً أو من الأنصار أولاً، هؤلاء المتقدمون زماناً هم الذين امتدحوا، وبقية الصحابة يدخلون في الذين اتبعوهم بإحسان؛ لأن الذين أسلموا كانوا يقتدون بمن سبقهم، ففي زمن النبوة كان الصحابة يقتدون بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ألم يقل النبي ﷺ : (فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا)؟! وهذا في الصحيح من حديث أبي قتادة في سياق طويل، مع أن النبي ﷺ كان وقتها حياً. إذاً: من بعد السابقين الأولين من بقية الصحابة هم داخلون في مسألة الاتباع، أنهم اتبعوهم بإحسان .. هذه جهة. الجهة الثانية: أنه لا توجد طائفة من المسلمين تزكي السابقين الأولين بالتحقيق وتستثني من بعدهم، إنما هذه شبهة يستعملها من يريد أن يشكك العامة في دلالة الآية على امتداح الصحابة، وإلا فمعلوم أن إمام السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هو أبو بكر، ولو انكف الشيعة والرافضة بخاصة عن الطعن في أبي بكر لكان هذا مؤذناً بغيره، لكن أكثر من يقصدونه بالطعن هو أبو بكر ﵁. إذاً: هذا متعذر أن يكون إيراداً على الآية؛ لأنه مجاب عنه على سائر الموارد. ومنهم من فرض أن المقصود بالسابقين الأولين هم أئمة آل البيت، والنبي ﵊ في حياته ما أعطى آل البيت القداسة التي صنعها التاريخ الشيعي لآل البيت، نعم النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون بالله حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، فيجب محبة مؤمنهم لكونه من أهل بيت النبي ﷺ ، لكن ليس معنى ذلك أن المؤمن إنما يحب من هذا الوجه فقط، فالمؤمن يحب من هذا الوجه: من جهة أنه قد يكون من آل بيت النبي، كما يحب من جهة صدقه، ومن جهة بره، ومن جهة إحسانه، فموجبات المحبة للمؤمن كثيرة، فالنبي ﷺ في آل البيت جعل من موجبات محبة مؤمنهم أنه قريب منه. وأبو بكر لا يوجد فيه هذا الوجه؛ لأنه ليس من آل البيت، لكن لا يعني ذلك أن من كان من آل البيت امتاز امتيازاً مطلقاً عن أبي بكر بوجه من أوجه المحبة، ولا شك أن عند أبي بكر من أوجه المحبة ما هو أعظم مما عند آل البيت في سائرهم .. هذا مما يعرف. وقد كان علي بن أبي طالب -وهو أفضل آل البيت ومن أصحاب النبي ﷺ يعرف هذه المنزلة لـ أبي بكر، ولو كان النبي ﷺ يريد بذلك تقديم آل البيت على غيرهم -كما تفعله الشيعة المتعصبة- لقدم علي بن أبي طالب على أبي بكر، والرسول ﷺ في حياته ما قدم علياً ولا مرةً واحدةً تقديماً مطلقاً على أبي بكر، بل دائماً الذي في المقدمة هو أبو بكر، إلا يوم خيبر حين قال: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله) وهذا لا إشكال فيه، فقد أعطاها علياً هذه المرة، لكن النبي ﷺ عقد رايات كثيرة وأمر أناساً كثيرين، فلم يكن في ذلك حجة لتقديمهم علياً على أبي بكر. لماذا لم يدع قوم أن بلالاً له اختصاص مطلق لأنه أُعطي الأذان؟! فإن أعطي علي الراية، فقد أعطي بلال الأذان، وأعطي هذا كذا وأعطي هذا كذا .. وكم عقد النبي من رايات لغير علي بن أبي طالب!! فلماذا لا يقف هؤلاء إلا مع راية علي بن أبي طالب؟!! هذه طرق فاسدة في العقل والشرع. علي بن أبي طالب هو أفضل رجل في الأمة بعد أبي بكر وعمر وعثمان، وإن كان القول في عثمان فيه خلاف معروف عند أهل السنة، إنما المقطوع به هو تقديم أبي بكر وعمر عليه، هذا هو المجزوم به إجماعاً صريحاً عند السلف، فإما أن يكون الثالث، وإما أن يكون الرابع، وهذا هو المشهور عند أهل السنة، فلا شك في فضله، ولا شك أن من موجبات فضل علي أنه من آل البيت، والنبي ﷺ لما قال عن الحسن والحسين: (إنهما سيدا شباب أهل الجنة) فليس ذلك لأنهما من آل البيت، وإنما لكونهما من أهل الإيمان، وقد كان من آل البيت من هم كفار، وأبو النبي قال النبي ﷺ : (إن أبي وأباك في النار). قد يتفضَّل الله لآل البيت المؤمنين بدرجات لقربهم من رسول الله، فهذا يقع، ولكن موجبات الإيمان هي العبودية لله، لا أن هذا من آل البيت وهذا ليس من آل البيت. والإسلام لم يأت ليكرِّس سلطة عائلة معينة، والنبوة ليست اكتساباً، ومن عقائد السلف بل من عقائد جمهور المسلمين إلا من شذ من المتفلسفة أن النبوة اصطفاء من الله، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فالإسلام ما جاء ليكرِّس سلطة عائلة، والسلطة في الإسلام -وهي السلطة وليست النبوة- وضع لهذا أنظمة كالشورى وغير ذلك، فما بالك أن تكرس القضية الدينية الإيمانية لسلطة عائلة، ويمكن أن تخلو هذه العائلة من العلماء؛ فهل ينزل عليهم وحي؟! هل هم معصومون؟! هذه أشياء يجب أن تُفقه. الإسلام أكبر من ذلك، الإسلام دين الله، ومحمد ﵊ هو نبي اصطفاه الله، فتكريس مسائل السلطة في العائلة بحجة مسألة آل البيت، وجعل الإسلام كله كأنه يرجع للحسن والحسين وفاطمة وما حصل من قتل وظلم، فأين هي قضية العبودية والدين الإسلامي؟! هذا ضعف في تصوير الإسلام وبيان حقيقته العبادية الإيمانية. والمقصود: أن هذه الآية دليل صريح من الشرع والعقل على أن هؤلاء القوم -أعني الصحابة- هم أهل الإيمان. ورداً على من يقول: إن السابقين الأولين هم آل البيت، نقول: إن الله تعالى قال: (من المهاجرين والأنصار) وهب أن المهاجرين المقصودين في الآية كلهم آل البيت، فهل هناك أنصار من آل البيت؟! الأنصار معروف أنهم هم أهل المدينة النبوية، وهؤلاء ليسوا من قريش في الجملة أصلاً، وليسوا من آل بيت النبي ﷺ ، والله يقول: (من المهاجرين والأنصار). وهناك من يقول: (الأنصار) هنا هم الذين نصروا علي بن أبي طالب؛ فنقول: إن الآية نزلت قبل أن توجد مسألة الانتصار لـ علي بن أبي طالب، فهذا تحريف للقرآن، ولا شك أن الآية لما نزلت كانوا يسمون الأنصار، وهذا متفق عليه تاريخياً وعلمياً وشرعياً: أن أهل المدينة النبوية كانوا يسمون: الأنصار، فالقرآن لما نزل عرف أن المهاجرين هم أهل مكة، والأنصار هم أهل المدينة، والأنصار ليس فيهم من آل البيت أحد، من جهة النسب، فإن آل البيت هم من قريش ومن بني هاشم، والأنصار قبائل معروفة منفكة عن هذا من جهة الأصل. أما من يقول: إن هذا وقت إيمانهم قبل أن يحصل منهم ما حصل، فنقول: إن الله تعالى قال: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩] ونقول: إن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ [التوبة:١٠٠]، وهذا خطاب للأمة كلها، حتى الذين اتبعوهم بعد وفاة الرسول ﵊؛ لأنهم متبعون لهم. وأما من يقول: إن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فكأنه إشارة إلى أنه قد يحصل منهم الكفر أو الظلم. فنقول: إذا كان يحصل منهم الكفر امتنع اتباعهم لا بإحسان ولا بغير إحسان؛ لأن من كفر لم يبق فيه شيء حتى يتبع بإحسان أو بغير إحسان. وأما من يقول: إنه قد يحصل منهم ما هو من الظلم. فنقول: هذا لو سُلِّم جدلاً أثبت تحقيق إيمانهم، وأنه قد يعرض منهم ما هو من النقص .. وهذا ليس من مورد النزاع؛ لأنه لا يقال بعصمة آحادهم، إنما المعصوم هو اجتماعهم. فالمقصود: أن الآية ينبغي التفقه فيها على هذا المعنى، وأن يُخاطب بها من عنده شيء في شأن الصحابة؛ لأنها صريحة في تحقيق هذه المسألة. قال ﵀: [وطاعة النبي ﵌ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)]. وإن كان هذا الحديث قد قاله النبي ﵊ مخاطباً به بعض الصحابة، وكان مقصوده ﵊ بالأصحاب هنا عند سبب ورود الحديث هم الأصحاب الأُوَل، ولكن إنما يذكره الأئمة لأنه إذا كان هذا في حال بعض الصحابة مع بعض، أي: أن متأخرهم لا يجوز أن يقع فيما هو من الذم أو السب لمتقدمهم، فمن باب أولى من بعدهم ممن ليسوا من الصحابة، فهذا من باب قياس الأولى. فإذا قال عن بعض أصحابه: (فإن أحدكم لو أنفق) أي: أ

стр. 180

تفاضل الصحابة فيما بينهم قال المصنف ﵀: [ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار]. تقديم المهاجرين على الأنصار هو باعتبار الجنس، أي: أن جنس المهاجرين أفضل من جنس الأنصار، وليس باعتبار الأعيان، بمعنى: أنه قد يوجد من أفراد الأنصار من هو أفضل من بعض أعيان المهاجرين، فتقديم المهاجرين باعتبار الجنس لا باعتبار الأعيان، وقد قدم المهاجرون لأن الله قدمهم في القرآن؛ فإنهم جمعوا بين الهجرة والنصرة، إلى غير ذلك من المعاني، لكن هذا تقديم باعتبار الجنس أو النوع لا باعتبار الأفراد والأعيان.
следующие страницы →