Полный текст (214 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
شرح العقيدة الواسطية [٤]
إن تعريف التأويل بأنه: صرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز لقرينة ليس له معنى يعرف لا في لسان العرب ولا في كلام الصحابة، فضلاً عن أن يكون مراداً في نصوص الكتاب والسنة. وما وقع فيه أهل الكلام وبعض طوائف المنتسبين إلى الإسلام من تأويل في أسماء الله وصفاته إنما هو نوع من التحريف؛ لأنه تأويل لها على غير المعنى الذي أراده الله تعالى.
стр. 37
التأويل ومعانيه
قال المصنف ﵀: [من غير تحريف ولا تعطيل].
عبَّر المصنف هنا بلفظ التحريف، ومراده التأويل؛ إذ لا توجد طائفة من طوائف المسلمين تُصرِّح بأن شيئاً من كتاب الله يقبل التحريف، أو أن ما تقوله في القرآن هو من باب التحريف، لا في باب الأسماء والصفات ولا في غيره، واللفظ المستعمل في هذا المراد هو لفظ التأويل، لكن المصنف لم يقل: من غير تأويل؛ لأن لفظ التأويل لم يرد في النصوص القرآنية والنبوية ولا حتى في كلام الصحابة مورد الذم، بل ذُكر مورداً فاضلاً مناسباً، فإن التأويل في كتاب الله أو في سنة نبيه إما أنه يقع على معنى الحقيقة التي يئول إليها الشيء، وإما أنه يقع على معنى التفسير.
وإذا تحققت في النظر وجدت أن المعنى الأول والثاني مادتهما واحدة، فالكل تفسير: إما تفسير المعاني، وإما أن يكون الحقيقة التي يئول إليها الشيء.
وعلى مثل هذا المعنى وذاك جرى الخلاف بين طائفة من السلف في الوقوف على قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] فإنه إذا وقف هاهنا كان المراد الحقيقة التي تئول إليها الأشياء، وهذه الحقيقة التي يؤول إليها أمر الغيب اختص الله بعلمها، وإذا كان الوقوف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] كان التأويل هنا بمعنى التفسير، فإن تفسير القرآن يعلمه الراسخون في العلم.
فهذا المعنى وذاك المعنى هو المستعمل في كلام الله سبحانه وكلام رسوله ﷺ للتأويل.
وأما التأويل الذي قال فيه أصحابه ونظَّاره: أنه صرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز لقرينة؛ فإن هذا التأويل بهذا الحد ليس له معنى يعرف لا في لسان العرب ولا في كلام الصحابة؛ فضلاً عن أن يكون مراداً في نصوص الكتاب والسنة.
فمراد المصنف هنا حين قال: (من غير تحريف)؛ أي: من غير تأويل، ولكنه لم يعبر بلفظ التأويل؛ لأن لفظ التأويل لم يرد مورد الذم في النصوص، وإنما الذي ذمه الله في كتابه هو التحريف الذي وقع فيه أهل الكتاب من قبل.
فمن تأوَّل صفات الباري على غير معناها، وعلى غير موردها من جهة اللغة، فهو في نفس الأمر قد وقع في قدر من تحريف معاني الكتاب والسنة، ومن هنا ناسب أن يسمى المصنف هذه الطريقة المستعملة عند المتكلمين تحريفاً.
وهذا التأويل هو مسألة نظرية بخلاف مسألة التعطيل؛ حين قال المصنف: (من غير تحريف ولا تعطيل)؛ فإن لفظ التعطيل ليس لفظاً نظرياً عند أصحابه.
والتعطيل لفظ أطلقه السلف على طريقة الجهمية ومن شاركهم فيها من المعتزلة أو غيرهم، ومعناه: الخلو والفراغ، فهم لما نفوا صفات الباري عطَّلوا الباري عن كماله اللائق به.
وهذا دارج في كلام أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين؛ وهو أنهم يسمون نفي الصفات تعطيلاً؛ أي: تفريغاً عن الكمال.
стр. 38
قاعدة التأويل عند المبتدعة وسبب القول بها
التأويل عند أهل البدع يراد به صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة.
وهذه القاعدة وهي قاعدة التأويل -ويجب أن ندرك أنها قاعدة أكثر من كونها تعريفاً أو رسماً لاسم من الأسماء- من أخص قواعد المخالفين للسلف في باب الأسماء والصفات.
فإن أول من أحدث نفي الصفات عن الله هم الجهمية، وشاركهم في هذا المعتزلة، وهم مادة واحدة في هذا الباب.
لم يكن نفي القوم من أوائل النظَّار لصفات الباري ناشئاً عن نظر في كتاب الله ، فحصَّلوا منه نفي الأسماء أو نفي الصفات أو نفي ما هو منهما؛ ولكن القوم يخالفونك في الجواب؛ بل هم يصرحون بأن النصوص لم تنطق بالنفي، وإنما نطقت بالإثبات، ولكنهم تأولوا نصوص الإثبات ولم يتأولوا نصوص النفي؛ فنصوص النفي كقوله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ليس فيها نزاع بين أحد من المسلمين؛ فهي على ظاهرها أو على وجهها؛ إنما الذي هو مورد النزاع هو نصوص الإثبات.
فهم إنما أرادوا إثبات المعتقد الذي يعتبرونه معتقداً للمسلمين؛ فاتخذوا هذه الطريقة المسماة بطريقة المتكلمين، وهذا يبين لنا مسألة مهمة؛ وهي أن الفرق بين أهل السنة والجماعة وبين سائر الطوائف ليس مبنياً على آحاد النصوص، بل هو مبني على الأصول أو ما يسمى بالمنهج.
قد يقول قائل: لم اتخذوا طريقة علم الكلام وتركوا الطريقة التي عليها أئمة السنة والحديث؟
فأقول: هذا لضعف فقههم في طريقة أهل السنة، ولسببٍ مهم آخر قد لا يكون مشهوراً، وهو أن القوم أرادوا تقريب هذه الطريقة إلى قوم من الزنادقة والفلاسفة الذين لا يدينون بالإسلام أصلاً، فأرادوا الرد عليهم بتقرير عقيدة المسلمين بنفس مادتهم ..
وهذا هو أول إشكال وقعت فيه المعتزلة وأمثالها، وهو أنهم أرادوا إثبات معتقد المسلمين والرد على الفلاسفة بنفس مادة الفلاسفة التي سموها علم الكلام الذي نقول: إنه محصل من الفلسفة من جهة جوهره، وإن كان فيه قدر من الشريعة واللغة والعقل، فهذا القدر هو باعتبار تفريعه أو ما يتعلق بمسائله وبحوثه.
فأرادوا ذكر معتقد المسلمين، فبدءوا بمسألة وجود الرب ، فلما أراد القوم إثبات وجود الرب ، قالوا: الدليل على وجوده هو وجود العالم، والعالم حادث، وكل حادث لا بد له من محدث، وظنوا أن هذا هو قول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] وثمة فرق بين دليلهم على إثبات وجود الرب وبين طريقة القرآن، فإن قول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] ليس هو في مورد إثبات وجود الرب؛ فإن هذا بديهة؛ بل هو في مورد إثبات جملة من معاني الربوبية التي لم يحقق الإيمان بها جملة من المشركين ..
فهنا فرق بيِّن.
وبعد أن قال هؤلاء: إن الدليل على ثبوت وجوده هو حدوث العالم، أرادوا إثبات حدوث العالم، فإن منازعيهم من الفلاسفة يقولون: إن العالم قديم، فأراد هؤلاء إثبات حدوث العالم، فبم استدلوا على حدوث العالم؟
هنا انقسموا إلى قسمين:
- تعداد جهميتهم ومعتزلتهم قالوا: إن الدليل على حدوث العالم هو اتصافه بالصفات التي سموها الأعراض.
- تعداد متكلمة الصفاتية منهم كـ ابن كلاب والأشعري والماتريدي: إن الدليل على حدوث العالم هو اتصافه بالحركة، وأنه لا يبقى على زمان واحد.
فأثبتوا وجود الله بهذه الطريقة التي عليها جملة من الإشكالات:
أولاً: أنها طريقة مُتكلَّفة.
ثانياً: أنها استلزمت عندهم لوازم باطلة.
ثم جاءوا إلى صفات الباري ، فلم يمكن للجهمية والمعتزلة أن تثبت صفات الله على طريقتهم؛ لأن دليل حدوث العالم عندهم هو اتصافه بالصفات، فلزم أن يكون الرب على خلاف هذا العالم؛ فلو أثبتوا صفات الله -على زعمهم- لوصفوه بالحدوث، ومن هنا نفوا الصفات.
ثم لما جاء الأشعري وترك الاعتزال وأعلن توبته منه، تمسك بأصل الاعتزال في باب الصفات، وقال: إن الدليل على حدوث العالم هي الأعراض والصفات، ولكن ليس جميعها، وإنما المتحرك منها، فالدليل على حدوث العالم: أنه متحرك ولا يبقى زماناً واحداً ثابتاً.
وهذا مما يبين لك غلط من يقول بأن الأشعري رجع إلى معتقد أهل السنة، بل المسألة فيها تفصيل.
فإن الأشعري -ومن قبله ابن كلاب - وكذلك قرينه -أعني: قرين الأشعري - الماتريدي، التزموا نتيجة لهذه القاعدة نفي بعض الصفات، وهي كل صفة من صفات أفعال الرب المتعلقة بمشيئته وإرادته، ومن هنا نفى القوم من هؤلاء أو هؤلاء: إما سائر الصفات، وإما صفات الأفعال المتعلقة بالقدرة والمشيئة.
ومن هنا وقع الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والكلابية فيما يسمى عند أهل السنة بالتعطيل، وهو نفي الأسماء والصفات أو نفي الصفات أو نفي جملة من الصفات.
وقد نفى أولئك القوم الصفات أو ما هو منها وهم لم ينظروا في دليل القرآن: أهو مثبت للصفات أم ناف لها.
فلما نفوا الصفات على هذا الدليل الذي جعلوه مثبتاً لحدوث العالم -وهو ما يسمى عند القوم بدليل الأعراض- رجعوا إلى القرآن، فوجدت المعتزلة أن القرآن يثبت الصفات لله، ونتيجتهم التي يرون أنها لازمة لإثبات وجود الله تقول بالنفي، وكذلك لما رجع ابن كلاب والأشعري والماتريدي إلى القرآن وجدوا أن القرآن في أكثر من مائة موضع؛ كما يقول الرازي من الأشاعرة؛ يقول: (إن القرآن في أكثر من مائة موضع يثبت مسألة الحركة) أي: الأفعال المتعلقة بالقدرة والمشيئة.
فوجد هؤلاء وهؤلاء أن القرآن خالف نتيجتهم العقلية.
مما سبق يتبين أن القوم نفوا الصفات أو نفوا ما هو منها لا تفريعاً عن أدلة من القرآن؛ بل بناءً على أصل باطل ابتدعوه.
ومن هنا كان خلاف هؤلاء في الصفات يختلف عن خلاف الخوارج .. ، وذلك لأن الخوارج لما كفَّروا مرتكب الكبيرة استدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢] ..
﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠] بخلاف هؤلاء، فليس عندهم على نفي الصفات أو ما هو منها أدلة مفصَّلة من القرآن؛ بل المعتبر عندهم دليل واحد، وهو ما يسمى بدليل الأعراض؛ وهو دليل ليس له أصل في الشرع ولا معنى في لغة العرب؛ إنما هو منقول من الفلسفة التي كان عليها جملة من الملاحدة اليونان، وهذا الدليل أنتج عند المعتزلة والجهمية وأمثالهم نفي الصفات، وأنتج عند ابن كلاب ومن وافقه كـ الأشعري وأبي منصور الماتريدي نفي صفات الأفعال.
فلما رجع القوم إلى كتاب الله ..
وجدوه يخالف ما هم عليه، فأرادوا أن من تهمه مخالفتهم له؛ فأما السنة فإنهم يخرجون منها بمخارج كثيرة، من أخصها: جهلهم بالسنة؛ فإن كثيراً من النصوص لا يعرفونها، وحين نقول: جهلهم بالسنة؛ ليس من باب التجني عليهم، فإن عامة أهل الكلام من أجهل الناس بالسنن والآثار، وفيهم جهل واسع بسنة النبي ﵌ فضلاً عن آثار الصحابة.
ثم ما يثبتونه من السنة يخرجونه على مورد الظن وأنه من باب الآحاد، وأنه لا يحتج بالآحاد في العقائد
إلخ.
ولكن لما نظروا القرآن وجدوا أن للقرآن تفصيلاً على خلاف طريقتهم؛ فرجعوا إلى لغة العرب؛ فحصَّلوا من لغة العرب نظريةً زعموها أصلاً في اللغة وهي محدثة، وإن شئت فقل على سبيل التنزل: إنها بدعة في اللغة، فكما أنك تقول: إن هذه بدعة في الشرع، فهذه بدعة في اللغة، ذلك هو ما زعموه بأن اللغة منقسمة إلى حقيقة ومجاز، فاستدعوا مسألة الحقيقة والمجاز ليبنوا عليها قانون التأويل الذي يقول: صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة.
وصرف نصوص الصفات عن ظاهرها إلى معاني لا يشترط عندهم فيها إلا شرط واحد، وهو أن يكون المعنى الذي صُرف اللفظ إليه لا يتعارض مع مذهبهم.
لقد وجدوا أن الله أثبت لنفسه الصفات على التفصيل في كتابه، فأرادوا بمسألة التأويل أن ينفوا إثبات القرآن للصفات، وأن يجعلوا القرآن غير معارض لطريقتهم التي نفوا بها الصفات أو ما هو منها، فقالوا: إن سائر ما أثبته القرآن من الصفات والأفعال، فإنه يؤوَّل؛ بمعنى: يُصرف من الحقيقة إلى معنىً مجازي.
فقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] مشكل على طريقة القوم؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يتصف بفعل، وهذا متفق عليه بين الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم؛ لأن العالم يتصف بالفعل.
فهم لذلك يلجئون إلى التأويل بأن يقولوا: إن المقصود جاء ملك، فإذا كان المجيء متعلقاً بملك، فإن هذا لا يعارض قاعدتهم في نفي الصفات؛ لأن الملك جزء من العالم المخلوق، والعالم المخلوق يتصف بالأفعال؛ فهذا هو معنى التأويل عندهم؛ صرف الألفاظ التي ملئ القرآن بذكرها عن ظاهرها إلى معاني لا تتعارض مع ما أصلوه.
وهذا يبين لنا أن القوم لم يستعملوا لغة العرب لفهم القرآن بها عند تقريرهم للمذهب -أي: لمذهبهم-، بل كان ذلك لدرء معارضة القرآن لمذهبهم.
إذاً: هم وضعوا المذهب كاملاً بعيداً عن لغة العرب، وبعيداً عن دلالة القرآن والسنة!
وهذا يكفي المسلمين خاصةً وعامةً دليلاً على فساد هذه الطريقة، وأنها طريقة مخترعة مخالفة لطريقة الرسل، وأن طريقة نفي الصفات تخالف حتى طريقة أهل البدع الأخرى كالمرجئة والخوارج؛ فإن هؤلاء على ما فيهم بنوا كثيراً من أقوالهم على مفصل من القرآن فهموه غلطاً؛ بخلاف هؤلاء؛ فإنهم بنوا المذهب كاملاً خارجاً عن اللغة؛ فإن دليل الأعراض ليس مبنياً على ذوق العرب، فالعرض في لغة العرب معناه شيء ومعناه عند المتكلمين شيء آخر، والجوهر عند العرب معناه شيء ومعناه عند المتكلمين شيء آخر
إلخ.
فهو دليل غير مبني على اللغة ولا على النصوص، إنما هو منقول من الفلسفة.
ولكن لما تحصَّل
стр. 39
فساد التأويل الذي حرف به المبتدعة النصوص شرعاً وعقلاً ولغة
ذكر المبتدعة للتأويل حداً قالوا فيه: التأويل هو صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة ..
فنقول: هذا الحد للتأويل فاسد شرعاً وعقلاً ولغةً.
стр. 40
فساد التأويل شرعاً
أما فساده الشرعي فباعتبار كونه بدعةً لم تذكر في كلام الله ورسوله ولا في كلام الصحابة، ولو كان القرآن يفقه بهذه الطريقة في مورد الأحكام أو في مورد الأخبار، للزم أن يشير الصحابة ﵃ أو الرسول ﷺ أو القرآن نفسه إلى هذه الطريقة، فهذه الطريقة مخالفة للشرع باعتبار كونها بدعة.
فإن قالوا: إن التأويل مذكور في القرآن.
قلنا: الذي ذكر في القرآن ليس على هذا المعنى؛ بل على معنى التفسير أو على معنى الحقيقة التي يئول إليها الشيء.
стр. 41
فساد التأويل عقلاً
وهو فاسد من جهة العقل من أوجه؛ من أخصها: أن أصحابه قالوا: إن التأويل هو صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة.
فنقول لهم: النص بذاته هل يفيد الحق، أم أنه يفيد الباطل، أم أنه لا يفيد هذا ولا هذا؟
فإن قالوا: إن النص بذاته يفيد الحق الذي يزعمونه هم حقاً، قلنا: إذاً لا نحتاج إلى شيء يقال له: صرف ودليل وقرينة.
وإن قالوا: إنه لا يفيد حقاً ولا باطلاً.
قيل: هذا ممتنع؛ لأن القرآن قد نزل القوم يعرفونه وهم عرب، فلا بد أن يفهموا عنه معنى؛ إما أن يكون هذا المعنى حقاً وإما أن يكون باطلاً.
أما كون الآية لا يفهم منها لا الحق ولا الباطل، فهذا ممتنع.
إذاً: النص بذاته قبل مسألة القرينة والصارف وغير ذلك إما أن يفهم عنه حق وإما أن يفهم عنه الباطل، فإن فهم عنه الحق فإنه لا يحتاج إلى تأويل، ونبقى على طريقة أهل السنة.
بقي عند القوم أن يقولوا: إن النص بذاته من حيث هو لا يفهم عنه إلا الباطل الذي لا يليق بالله، وهو النقص، وتنقيص الباري كفر به، فاستقر اللازم العقلي على أن النصوص عند القوم لا يفهم منها إلا الباطل.
وكون نصوص القرآن المقدس الذي هو كلام الله لا يفهم منه إلا الباطل ممتنع عقلاً، فلنا أن نقف على هذا الجواب، ونقول: إنه يمتنع عقلاً أن تقول: إني أومن بهذا القرآن، وأنه من عند الله، وأنه محفوظ من الغلط، ثم تأتي وتقول: إنه لا يفهم عنه إلا الباطل؛ فهذا تناقض في العقل.
ولكنا نزيد التقرير العقلي إضافة ونقول: وإذا كان النص لا يفهم عنه إلا باطلاً؛ فإن الحق إذاً تحصَّل بالدليل الصارف، فقد صار الدليل الذي يسمونه قرينة ليس مجرد قرينة أو صارف، وإنما هو محصل تام للحق.
إذاً يكون النص ليس له مورد في الحق لا باعتبار ذاته ولا باعتبار تأثير الدليل الصارف عنه؛ بمعنى: أن القوم لو قالوا: إن النص بذاته لا يفهم عنه إلا باطل، ولكنا نفهم الحق عن النص إذا قارنه الدليل، نقول: الجواب العقلي هنا أن الحق الذي زعمتم عرف من جهة الصارف وحده؛ فإذاً ما كان ينبغي لكم أن تطيلوا هذه المسألة؛ وتقولوا: إننا فهمنا من النص كذا، فمثلاً: قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] إذا صرف بقولكم: جاء ملك من الملائكة، لم يكن له أثر على تقريركم للتوحيد إيجاباً، وكان مجرد فعل من أفعال المخلوقين كسائر أفعالهم، وهم يستدلون بقيام الناس وقعودهم على نفي الصفات من هذا الوجه؛ فيكون قولهم في مثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] على هذه الطريقة.
стр. 42
فساد التأويل من جهة اللغة
فساد التأويل من جهة لغة العرب مسألة أشكلت على كثير من المتأخرين وترددوا فيها.
والتحقيق: أن التأويل -الذي يعرفه أصحابه بقولهم: صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة- فاسد من جهة لغة العرب ..
لأن هذا الحد مبني على فرض لغوي، إذا صح هذا الفرض اللغوي أمكن صحة هذا التأويل من جهة اللغة، وإذا بطل هذا الفرض اللغوي بطل هذا الحد للتأويل من جهة اللغة.
هذا الفرض اللغوي هو أن لغة العرب على زعم هؤلاء تنقسم إلى حقيقة ومجاز.
فنقف مع مسألة الحقيقة والمجاز.
стр. 43
مسألة الحقيقة والمجاز
أولاً: حتى لا يرى في كلام شيخ الإسلام، أو حتى في كلام ابن القيم؛ وإن كان ابن القيم تارة يخلط بعض المعاني مع بعض، ولكن باعتبار كلام شيخ الإسلام ﵀، ولا بأس أن أقول هذه الكلمة ليس من باب الطعن على ابن القيم ﵀، ولكن بعض الذين ردَّوا على الشيخين -أعني: ابن القيم وابن تيمية ﵏ في المسألة تتبعوا كلامهم فوجدوا أن ابن القيم ﵀ يستعمل الإقرار لمسألة الحقيقة والمجاز كثيراً في كلامه، ومن هنا قال قوم من المتتبعين: إنه تناقض؛ فهو ينفي الحقيقة والمجاز تبعاً لشيخه، ولكنه يطبقها في كلامه، ويصرِّح بمسألة الحقيقة والمجاز كثيراً.
والتحقيق أن أكثر ما أثبته الإمام ابن القيم حين يذكر الحقيقة والمجاز هو من باب التقسيم اللفظي، ولكنه أحياناً قد يُدخل عليها شيئاً من الأثر المتعلق بمعاني الألفاظ، وليس بمجرد صورها اللفظية.
أما فيما يتعلق بـ شيخ الإسلام فإن منهجه في هذه دقيق، وشيخ الإسلام له كلمات أحب أن تكون مقدمة بين يدي الجواب عن مسألة الحقيقة والمجاز، فهو يقول: (مسألة الحقيقة والمجاز إما أن يُنظر فيها باعتبار كونها من عوارض الألفاظ، فهذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح، وإما أن يُنظر فيها باعتبار كونها من عوارض المعاني، فهذا هو القدر الذي ينازع فيه أرباب النظر من المعتزلة وغيرهم).
إذاً: القدر المنكر عند شيخ الإسلام في مسألة الحقيقة والمجاز ليس هو صورها اللفظية، أو مصطلحها اللفظي؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] لك أن تقول: إن هذا من المجاز اللغوي، باعتبار أن المقصود: سل أهل القرية.
فتسمية ما يقع من هذا النوع مجازاً هو اصطلاح، كما أن المصطلحين سموا الفاعل والمفعول والحال والتمييز ..
إلى غير ذلك.
وإنكار شيخ الإسلام لذلك هو باعتبار كون هذا التقسيم من عوارض معاني اللغة، وهذا هو مراد المتكلمين في تقريرهم.
فنقول: إن هذه النظرية نظرية الحقيقة والمجاز- لا تصح لغةً، بل هي ممتنعة من جهة اللغة، وامتناعها حين تتأمل تعريف المتكلمين للحقيقة والمجاز، فقد قالوا: إن الحقيقة هو اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له.
هذا التعريف للحقيقة والمجاز تضمن ذكر الوضع وذكر الاستعمال، وكأن بين الوضع والاستعمال اختلافاً، فإذا قرأت تعريف المجاز تبين لك أن هؤلاء يفرقون بين وضع اللغة وبين استعمالها ..
فهم يفرضون أن ثمة فرقاً بين وضع اللغة وبين استعمالها، والسؤال هنا: من الواضع للغة؟ ومن المستعمل؟
السؤال الثاني: أيهما أسبق الوضع، أو الاستعمال؟
السؤال الثالث: ما مثال الوضع في اللغة؟ وما مثال الاستعمال؟
هذه سؤالات ترد على النظرية وتشكل عليها، فيتبين أنها فاسدة من جهة اللغة.
السؤال الأول: ما الفرق بين الوضع وبين الاستعمال؟
السؤال ليس له جواب محصِّل لنتيجة؛ فإذا قالوا: إن الواضع للغة هم العرب، وإن المستعمل للغة هم العرب؛ قلنا: لا يمكن أن يحصل فرق في الخارج بين الوضع وبين الاستعمال؛ فما الذي يجعل هذا النطق العربي وضعاً، وذلك النطق العربي الآخر استعمالاً؟!
ومن هنا احتاج القوم -ولا سيما منظِّري المعتزلة من أهل اللغة- إلى البحث في مبدأ اللغات، ومن أين جاءت اللغة.
ففي كتب أصول الفقه -ناهيك عن كتب علم الكلام وبعض كتب اللغة- نجد بحثاً في مسألة مبدأ اللغة، فقيل: إنها من آدم، وقيل: إنها من تعليم الله لآدم، وقيل: إنها من تعليم الملائكة، وقيل: إنها من الجن.
وسائر هذه الأقوال غاية ما يقال فيها: أنها أقوال ممكنة، لكن يمتنع الجزم بواحد منها.
وقول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾ [البقرة:٣١] نؤمن به على وجهه، لكن تسلسل اللغات وكيف تحصلت هو أوسع مما يدل عليه قول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١].
وقد يقال: إن الاستعمال هو استعمال العرب، وعلى الترتيب الزماني: الوضع يسبق الاستعمال؛ فالوضع هو الأول ثم جاء الاستعمال؛ وغاية ذلك أن الاستعمال معلوم وهو استعمال العرب، أما الوضع فهو مجهول، ولا يمكن أن يبنى المعلوم على المجهول؛ فإن المجهول لا يفيد بذاته؛ فمن باب أولى ألا يكون مفيداً لغيره.
وإذا تتبعت كلام محققي المعتزلة -وهم أئمة النظر في هذا الباب- وجدت أنهم يقولون: إن الوضع هو الكلمة المفردة، وإن الاستعمال هو الكلمة المركبة، بمعنى أنك تقول: اللفظة كاليد -مثلاً- هي التي يسمونها وضعاً، والمركب يسمونه استعمالاً، فهم حتى لا يلتزموا مسألة القدم التاريخي التي لا يستطيعون اكتشافها، قال بعض محققيهم: إن المسألة ليست مبنية على التعاقب التاريخي، إنما هي مبنية على أننا نريد بالاستعمال الجمل المركبة كقولك: جاء زيد، فهذا يسمونه استعمالاً، وأما كلمة: (زيد) أو كلمة (جاء) فيسمونها وضعاً.
فيقال لهم: إن هذا أيضاً من باب الممتنع تحصيلاً؛ لأنه لا يعقل أن عربياً يقول: يد، ويسكت؛ بل لا يوجد في لسان بني آدم لا من العرب ولا من غيرهم كلام على هذه الطريقة.
فهذا تكلف على اللغة، لا حقيقة له في الخارج؛ لأنه لا أحد ينطق بلسان لا عربي ولا غير عربي إلا وهو يتكلم بجملة، ولا يعقل أن أحداً يتكلم بلفظ مفرد، إلا في حالة واحدة: إذا قال حرفاً مفرداً، سواء كان اسماً أو فعلاً أو صفة؛ لأن بقية الجملة معلوم تقديراً؛ فإذا قيل له: كيف زيد؟ قال: حسن.
فإنه قال: حسن؛ ولكن التقدير: زيد حسن، وحَذْفُ ما يعلم جائز باتفاق ألسنة بني آدم، ولا أحد ينازع في هذه البديهة العرفية، فعند بني آدم كلهم أن المعلوم من الكلام يحذف، وهذا ليس خاصاً بلغة العرب، بل هو في كل لغات بني آدم.
إذاً: على هذه الطريقة لا يوجد لغة إلا استعمالاً، ولا يوجد لغة تسمى وضعاً.
وقال بعض محققيهم لإثبات الوضع: إننا إذا نظرنا اللغة وجدنا أن العرب تقول: اليد، وتريد بها الجارحة، وتقول: اليد، وتريد بها في سياق آخر النعمة، والجواب عن هذا ليس مشكلاً، فنقول لهم: ما المانع عقلاً ولغةً أن يراد بهذا اللفظ أكثر من معنى، والسياق نفسه هو الذي يحدد واحداً من هذه المعاني.
فإن قالوا: إن اللفظ الواحد لا يكون إلا لمعنىً واحد، ولا يكون لبقية المعاني، قيل: هذا تحكم على اللغة، فإن اللفظ الواحد يمكن عقلاً ولغةً أن يدل على أكثر من معنى؛ أما عقلاً فإن العقل لا يمنع ذلك، وأما لغةً فإن العرب إذا تأملت كلامها وجدت أنها تستعمل الحرف الواحد أو الكلمة المفردة الواحدة في أكثر من سياق، وفي كل سياق تدل على معنى.
فإن قالوا: الدليل على أن هذه اللفظة تستعمل في معنىً واحد كحقيقة وفي البقية كمجاز، أن اللفظ إذا أطلق تبادر منه معنىً أخص، فإذا قيل: يد، لا تتبادر النعمة، وإنما تتبادر اليد الجارحة، قيل: إن اليد إذا أطلقت فالتحقيق العقلي يقول: إنه لا يتبادر أي معنى منها، فالعقل لا يعين لها معنى لكونها لفظاً مجرداً، ثم لو سُلِّم جدلاً أن الذهن يتبادر إليه ابتداءً -إذا قيل: يد اليد الجارحة- فهذا باعتبار أن استعمال هذا اللفظ بهذا المعنى هو الأكثر في اللغة، فلكثرته ولشيوعه صار هو المتبادر، والكثرة والقلة ليست ميزاناً لمسألة: وضع اللفظ لهذا المعنى أو ذاك.
وما المانع أن لفظ (اليد) وضع في اللغة لأكثر من معنى، فاللغة لا تمنع ذلك، والعقل لا يمنع ذلك.
إن قالوا: إذا كان وضع لأكثر من معنى فما الذي يحدده؟
نقول: الذي يحدده السياق، ولن نحتاج عندها إلى دليل صارف؛ فإن اللفظ إذا وضع لمعاني مختلفة، فإن السياق نفسه يستلزم تحديد واحد من المعاني، قد يكون المعنى المحدد هو الشائع كاليد الجارحة، وقد يكون غيره.
فحين قال عروة بن مسعود لـ أبي بكر: (لولا يد لم أجزك بها لأجبتك).
ما تبادر إلى ذهن أحد ممن سمعوا هذه الكلمة أو قرءوها أن عروة يقصد اليد الجارحة التي يزعم القوم أنها هي الحقيقة في لفظ اليد، وهي الأكثر استعمالاً، بل إن حَمْلَ كلام عروة بن مسعود على اليد الجارحة حمل ممتنع؛ بمعنى أن تفسير الكلام به ممتنع.
ولهذا يمتنع أن كلاماً عربياً يقبل أكثر من معنى مختلف إلا لأحد موجبين: إما أن يكون الناظر فيه ليس عنده كمال في تحقيقه؛ فربما تردد في أكثر من معنى، وإما أن يكون المتكلم بهذا السياق لم يذكره فصيحاً بيِّناً، ومعلوم أن القرآن يمتنع أن يقال فيه: إنه ليس فصيحاً بيِّناً، ويمتنع أن يقال: إن المسلمين عجزوا عن فهم كلام الله على معنىً مناسب؛ لأنه إذا كان كذلك، فإن الكلام بذاته لا يكون بيِّناً.
وأصل نظرية المجاز والحقيقة باعتبار كونها من عوارض المعاني من المعتزلة، وأما باعتبار كونها من عوارض الألفاظ، فهذا استعمله قوم كـ أبي عبيد القاسم بن سلام وأبي عبيدة معمر بن مثنى، واستعمله الإمام أحمد وجملة من الناس، وهذا -كما أسلفت- اصطلاح، وهم يريدون بقولهم: (مجاز اللغة) ما تجوزه اللغة وتأذن به، أما باعتبار كونها من عوارض المعاني فهو منطق اعتزالي أُدخل على اللغة.
ومن هنا يتبين أن هذه مسألة مفتاتة على اللغة، فإذا قال: فما يقول القوم فيه أنه حقيقة ومجاز ما حقيقته في اللغة؟
أقول: إن عامة ما قال أصحاب نظرية الحقيقة والمجاز باعتبارها من عوارض المعاني أنه من باب المجاز هو في اللغة لا يخرج عن نوعين:
النوع الأول: لفظ مشترك اسُتعمل في غير معنى باعتبار تعدد السياق، كلفظ اليد؛ فإنه وضع لأكثر من معنى، وكلفظ العين وضع لأكثر من معنى ..
وهلم جراً.
وقد يكون هذا اللفظ له ثلاثة من المعاني هو في أحدها أظهر، وقد يكون متساوياً بين المعاني.
فأحياناً قد يكون الاشتراك اشتراكاً محضاً يستلزم قدراً من التساوي في المعاني، وقد يكون اللفظ في أحد المعاني أظهر.
إذاً: القسم الأول مما قال القوم فيه أنه من باب المجاز هو ألفاظ من ج
стр. 44
تنزيه الله سبحانه عن التمثيل والتكييف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله كمثل شيء وهو السميع البصير].
أراد المصنف بقوله: (ومن غير تكييف ولا تمثيل).
درأ مسألة التشبيه عن مذهب أهل السنة والجماعة، فإن الإثبات عندهم مبني على الاختصاص، ومعنى ذلك: أن إثبات الأسماء والصفات يختص بالله ؛ ولهذا قال المصنف: (من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل).
стр. 45
التكييف والتمثيل والفرق بينهما
التكييف: هو ذكر كيفية لصفة من الصفات، فإن كل كيفية يذكرها ذاكر أو يتخيلها متخيل، فإن الله منزه عنها.
والتمثيل: هو ذكر مثال للصفة.
والتكييف والتمثيل كلاهما على معنى التشبيه.
فإن قيل: فما الفرق بينهما؟ قيل: الفرق من جهة أن التكييف هو حكاية كيفية للصفة، ولو لم تكن هذه الكيفية على مثال سابق، وأما التمثيل فإن فيه قدراً من القياس بين شيئين؛ إذ هو ذكر مثال للصفة.
ثم قال: [بل يؤمنون بأن الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]].
ومن هنا يتحصل -كما سيقرر المصنف فيما بعد- أن مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب وسط بين التعطيل وبين التشبيه والتمثيل، وإذ قد تبين أن التعطيل فرع عن دليل العقل الذي زعمه أصحابه كذلك، وإلا فهو في الحقيقة ليس من حكم العقل وقضائه، فإن التشبيه والتمثيل مذهب لقومٍ من المتكلمين، وهو فرع عن الدليل نفسه كما سيأتي.
[بل يؤمنون بأن الله سبحانه تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]].
قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] هذه جملة من كتاب الله، وقد اتفق المسلمون على إمضائها، ولا أحد من طوائف المسلمين يعارض في شأن هذه الجملة ودلالتها، ولهذا تُعد هذه الجملة من الجمل التي تذكرها سائر الطوائف في ذكر توحيد الصفات، فأما النفاة للصفات أو لما هو منها، فلا شك أنهم يذكرون هذه الجملة ومعناها؛ إذ ينصرون مذهبهم بما يظنونه مناسباً.
وأهل السنة والجماعة يذكرون أن مذهبهم وسط بين التعطيل والتمثيل، فيقولون: إن الله ليس كمثله شيء مع إثبات الأسماء والصفات له.
فإن قيل: فالمشبهة هل يؤمنون بهذه الجملة من كتاب الله؟ قيل: الجواب: نعم، فإن من وصفوا بأنهم مشبهة من الطوائف ليس أحد منهم يذهب إلى أن الباري مماثل مماثلة مطلقة للمخلوقين أو لشيء من المحدثات والممكنات، بل هذا مذهب لم يقل به أحد من المنتسبين إلى قبلة المسلمين، صحيح أن مذهب التشبيه والتجسيم عرف عن قوم من متقدمي الشيعة الإمامية كـ هشام بن الحكم وهشام بن سالم وداود الجواربي وأمثال هؤلاء، وعُرف ذكر التجسيم فيما بعد عن جملة من متأخري الحنفية أتباع محمد بن كرام السجستاني الحنفي، إلا أنه لا أحد من هؤلاء أو هؤلاء يقول بمماثلة الباري لأحدٍ من خلقه، فإن نفي هذا القدر من المعنى كما هو منطوق الجملة القرآنية متفق عليه.
فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] معناه الكلي: أن الله منزه عن المماثلة المطلقة لأحدٍ من خلقه، وهذا المعنى الكلي قد اتفق سائر القبلة عليه، حتى من قال منهم بالتجسيم كقوم من متقدمي الشيعة والرافضة، أو طائفة من متأخري الأحناف أتباع محمد بن كرام.
لكن هؤلاء المشبهة وإن كانوا يؤمنون بهذا المعنى الكلي، إلا أن الآية نفسها دليل على إبطال مذهبهم، فإنهم لم يحققوا قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] حين قالوا: إنه جسم، وحينما صاروا إلى قدر من المشاكلة والقياس في إثبات صفات الباري وأفعاله؛ فلا شك أن القوم عندهم قدر من التشبيه والتجسيم المخالف لكمال الرب ، ولا شك أن القوم -أعني المشبهة- مخالفون لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
ولكن لا يفهم من ذلك أن طائفة من الطوائف الإسلامية تذهب إلى أن صفات الباري كصفات المخلوقين؛ إذ لا أحد يقول بذلك من المسلمين البتة، وإن حكى ذلك بعض المتأخرين من أهل السنة أو غيرهم؛ كبعض الأشعرية ولا سيما في مقام الرد على الأحناف، وكالمعتزلة حين يتحدثون عن المشبهة؛ فإن حكاية أقوال الطوائف بعضهم عن بعض قد يقع فيه قدر من الاستطالة، وإن كان أئمة السنة والجماعة المتقدمين لم يقع منهم استطالة في ذكرهم لأقوال مخالفيهم، ولكن المتأخرين منهم قد يقع من بعضهم بعض الاستطالة في ذكر أقوال المخالفين، وذلك بأخذ المخالفين بلوازم أقوالهم، ومثل هذا لا يُعد مذهباً لأصحابه، وإنما المذهب المعتبر هو ما نطق به القوم.
ولهذا نقول: إنه لم يقع في كلام السلف ﵏ أن ذكروا أقوال المخالفين على غير وجهها، لكن المتأخرين من أصحاب الأئمة الأربعة قد يقع منهم زيادة في ذكر أقوال مخالفيهم، سواء كان هذا الفقيه -باعتباره منتسباً لأحد الأئمة الأربعة- ينتسب إلى السنة والجماعة وطريقة الأئمة المحضة، أو كان ينتسب إلى طريقة كلامية، فإن بعض الحنابلة -كمثال- زادوا في ذكرهم لأقوال الأشعرية، وكذلك بعض الأشعرية زادوا في ذكرهم لأقوال السلفية من الحنابلة ..
وهلم جراً.
وهذا أمر مطرد ليس في الفقهاء الذين مروا في القرون المتأخرة، بل يوجد قدر منه في هذا العصر، فمثلاً: حين تُذكر أصول المدرسة الأشعرية -كمثال- ترى بعض الباحثين يجعل لها أصولاً مبنيةً، وحين يقرر أصول هذه المدرسة بالمسائل والدلائل: (ماذا يثبتون من الصفات، ما هو مصدر التلقي عندهم).
تجد أنه يقرر أصول هذه المسألة حسبما يذكره محمد بن عمر الرازي في كتبه.
ولا شك أن طرد منهج الأشعرية في الدلائل والمسائل على طريقة الرازي ليس من العدل، فإن ثمة فرقاً بين طريقة الرازي وبين طريقة الجويني فضلاً عن طريقة القاضي أبي بكر الباقلاني، فضلاً عن طريقة أبي الحسن الأشعري نفسه، ولا سيما في آخر آحواله التي نصر فيها -ولا سيما في المنهج- مذهب أهل السنة والحديث.
إذاً الاستطالة لا يسلم منها أحد من الطوائف المتأخرة حتى المنتسبين للسنة والجماعة منهم، وهذا مما ينبغي لطالب العلم أن يدركه: وهو أن المتكلم وإن كان سنياً فليس بالضرورة أن سائر ما ينقله عن غيره يكون نقلاً عدلاً وصواباً، وليس بالضرورة أن يكون موجب هذا الغلط هو الكذب المحض، بل قد يكون موجبه غلط في الفهم أو في النقل أو ما إلى ذلك، وكلنا يعلم أنه وقع حتى في بعض الكتب المتقدمة -كالسنة لـ عبد الله بن أحمد - نقل واسع في ذم أبي حنيفة ورميه بكثير من البدع، مع أن جمهور ذلك لا يثبت منه شيء.
فباب الاستطالة هو باب من أحوال النفس والإرادات، وليس معتبراً بالعقائد، فحينما يكون الرجل سنياً أو سلفياً فليس بالضرورة أن كلامه عن الآخرين يكون على طريقة الصواب والجزم، بل قد يقع منه غلط في النقل، ومن ذلك -كما أسلفت- ما وقع من بعض الحنابلة أو غيرهم، ومن ذلك أيضاً ما يذكره كثيراً أبو إسماعيل الأنصاري الهروي، فإنه سني في الجملة ولا سيما في باب الأسماء والصفات، ولكنه إذا ذكر أقوال المخالفين للسلف في باب الأسماء والصفات زاد عليها زيادة كثيرة، ورماهم بكثير من اللوازم إلى حد الزندقة، كما صنع مع مخالفيه من الأشعرية، وإن كانت الاستطالة عند مخالفي أهل السنة أكثر منها فيهم، وهذا -كما أسلفت- في متأخري المنتسبين إلى السنة والحديث، وليس في أئمة السلف.
стр. 46
الجمع بين التنزيه وإثبات الصفات
قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] يقال: ليس كمثله شيء، سواء كان هذا الشيء موجوداً كالحس، أو كان موجوداً مفارقاً، أو كان شيئاً متصوراً، أو كان شيئاً مفروضاً، أي: أن الرب منزه عن سائر موارد التشبيه والمماثلة، ليس كمثله شيء؛ سواء كان هذا الشيء موجوداً في الحس كأحوال بني آدم وأفعالهم وصفاتهم؛ فإن الباري ليس كمثلها.
أو كان هذا الشيء موجوداً، ولكن وجوده ليس حسياً، وإنما هو وجود مفارق لا يراه الناس ولا يعلمه المخاطبون، فإن الرب ليس كمثل هذا الشيء.
أو كان هذا الشيء من الأشياء المتصورة في العقل، فإن كل صفة من الصفات تصور العقل لها كيفية، فإن هذا التصور الكيفي الذي حكم به العقل يعلم أن الله سبحانه منزه عنه.
أو كان هذا الشيء ليس متصوراً في العقل ولكن الذهن يفرضه، وفرض الذهن هو قبل التصور، ويُقصد من هذا الإطلاق بيان أن الله منزه تنزيهاً مطلقاً عن المثيل والشبيه، فإنه كما في صريح الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
وهذه الآية من أخص ما اعتصم به أهل السنة والجماعة في أن الإثبات لا يستلزم التشبيه، فإن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فإن الإثبات هنا جاء في مورد النفي، أي: جمع بين الإثبات والنفي في سياق واحد؛ فدل على أن الإثبات ليس معارضاً للنفي المذكور في القرآن، بل إن الإثبات لا يكون لائقاً بالله إلا إذا تضمن هذا التنزيه، وإلا فإن مطلق الإثبات ليس تنزيهاً، فإن الصفات يشترك فيها الخالق والمخلوق، واختصاص الباري ليس بأصل الصفة، فإن الله يوصف بالكلام، والمخلوق يوصف بالكلام، والله يوصف بالعلم، والمخلوق يوصف بالعلم ..
إلى غير ذلك، وإنما اختصاص الباري أن ما أضيف إليه من الصفات لا يكون مماثلاً لما أضيف إلى المخلوق من الصفات، فإن صفات الباري متعلقة بذاته، وكما أن ذاته منفكة عن ذوات المخلوقين فإن صفاته كذلك.
стр. 47
شرح العقيدة الواسطية [٥]
من عقيدة أهل السنة أنهم لا ينفون صفة من صفات الله التي وردت في القرآن، ومنهجهم في ذلك أنهم يثبتونها من باب التسليم لله والامتثال له، مع إثباتهم لها من باب أن المعاني التي دلت عليها مما يحكم العقل بوجوبه في حق الله تعالى، وأنها تعد من الكمال.
стр. 48
وجه إثبات الصفات عند أهل السنة
قال المصنف ﵀: [ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلام عن مواضعه].
(فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه) أي: أن أهل السنة والجماعة لا ينفون صفةً من الصفات قد نطق القرآن بها.
فإن قيل: هل عدم نفيهم لصفة من صفات الله التي نطق القرآن بها هو من باب التسليم المحض، أم أنه من باب التسليم والتحقيق العقلي؟
فالجواب: أن ذلك من باب التسليم ومن باب التحقيق العقلي.
والمراد من ذلك: أنه لا يفهم أن أهل السنة -كما يرميهم مخالفوهم- أثبتوا هذه الأسماء مع أن ظاهرها التشبيه، أو أثبتوا هذه الصفات مع أن ظاهرها التشبيه، أو على طريقة بعض المخالفين تستلزم التشبيه؛ فيدَّعون أن السلف أثبتوها من باب التسليم المحض ومن باب الديانة المحضة.
بل الصواب: أن السلف أثبتوا الأسماء والصفات تسليماً لله وامتثالاً، وأثبتوا هذه الأسماء والصفات من باب التحقيق العقلي.
ومعنى قولنا: (من باب التحقيق العقلي) أن المعاني التي دلت عليها هذه النصوص يحكم العقل بوجوبها في حق الله ، وأنها في حكم العقل تعد من الكمال.
فإن المذهب عند السلف وإن كان يبنى على التسليم، إلا أنه يقال: ما من صفة من صفات الله نطق القرآن بها وذكرت مضافةً إلى الله إلا علم بحكم العقل أنها صفة كمال تليق بالله .
стр. 49
أقسام الصفات من حيث حكم العقل بها
تنقسم الصفات المذكورة في القرآن إلى قسمين -وهذا تقسيم اصطلاحي-:
الأول: صفات تعرف بحكم العقل قبل ورود الشرع، ولهذا يُصدِّق بها جمهور من يقر بالربوبية ولو كانوا من المشركين عبدة الأوثان، كاتصاف الله بالعلم، فإن المشركين في جاهليتهم كانوا يؤمنون بأن الله عليم، وكاتصاف الله بالقدرة، فإن المشركين -فضلاً عن المسلمين- يقرون بذلك، ولا شك أن الإقرار بعلم الرب وقدرته وعزته وما يتعلق بهذا النوع من الصفات هو إقرار يُعلم بالفطرة، فإن الله فطر الخلق على ربوبيته، ومن أخص معاني ربوبيته أنه بكل شيء عليم.
أليس الرب قال في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]؟ فهذه الفطرة محصلها أن الخلق قد أقروا لله بالربوبية، ومن أخص معاني ربوبيته أنه قد أحاط بكل شيء علماً، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير
إلى غير ذلك.
ولا يقل قائل: هذا توحيد الربوبية، وكلامنا في توحيد الأسماء والصفات! لأننا نقول: إن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، إنما هو اصطلاح، وإلا فإن المشهور عند المقسمين من العلماء الذين تقدم شأنهم شيئاً ما أن التوحيد ينقسم إلى توحيد العلم والخبر، وإلى توحيد الإرادة والقصد والطلب وما يتعلق بذلك، باعتبار أن الأسماء والصفات باب من أبواب الربوبية، ولكن خصها بعض أهل العلم بالذكر باعتبار أن مادتها وقع فيها نزاع بين أهل القبلة، بخلاف بعض معاني الربوبية الأخرى، وكل هذا مما يُستعمل عند أهل العلم، ولا إشكال في ذلك.
وتحصل من هذا أن باب الربوبية من أخص أبوابه باب الأسماء والصفات.
القسم الثاني: صفات لا تُعلم إلا بعد ورود الشرع، فمثلاً: قول النبي ﵌: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) يقال: إن هذه الصفة علمت بالسمع، وأما العقل فإنه لا يدل عليها ابتداءً.
لكن مع قولنا: إن ثمة جملةً من الصفات لا يدل عليها العقل ابتداءً، ولم تُعرف إلا بخبر الرسل ونزول الكتب؛ فإن هذا النوع من الصفات المعلوم بالسمع وحده فضلاً عن الذي يُعلم بالعقل ابتداءً، يقضي العقل بتصديقه، فإنه لائق بالله .
ومن هنا عُلم أن سائر الأسماء والصفات مبنية على التسليم وعلى حكم العقل، سواء كان هذا الحكم حكماً قبلياً قضى به العقل قبل ورود الشرع، أم كان حكماً تقريرياً.
وقد يقول قائل: لماذا لا نقف ونقول: إنه مبني على الكتاب والسنة؟
نقول: إنما نذكر مسألة العقل؛ لأن المخالفين عامة مخالفتهم زعموها من موجب العقل، فلا بد أن نبين أن العقل موافق للنقل.
стр. 50
معنى الإلحاد في أسماء الله
قال المصنف ﵀: [ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يمثلون صفات الله].
(ولا يلحدون في أسماء الله وآياته) الإلحاد من جهة أصل اللغة: هو الميل، وما ذكر منه في كتاب الله فإنه في حق قوم من المشركين؛ ولهذا ترى أن شيخ الإسلام يستعمل طريقة يحتاج الاستعمال لها إلى كثير من النظر والتأمل، وحين يقال: يحتاج الاستعمال لها إلى كثير من النظر والتأمل، لا يعني هذا التغليط لها، وإنما يعني هذا أنها لا تستعمل إلا بقدر مناسب، فإن شيخ الإسلام كثيراً ما يسوق الآيات التي ذكرها الله في شأن الكفار -إما من مشركي العرب أو من اليهود والنصارى- أو الآيات التي ذكرها الله عن المنافقين، فيذكرها شيخ الإسلام في كثير من كتبه في مورد ذم المخالفين للسلف من أهل البدعة، ومثل هذا ينبغي أن يتبين مراده منه.
فيقال: إن سائر ما يذكره المصنف في كتبه من هذه الآيات التي نزلت في حق قوم من الكفار لم يرد بها مسألة الأسماء والأحكام، بمعنى: أن هؤلاء يأخذون حكم الكفار، ولم يرد بها إلا مسألة المشابهة في الأفعال أو المشابهة في الأقوال؛ فإنه لا شك أن بعض المسلمين قد يقع منهم مشابهة في الأقوال أو في الأحوال والأعمال لقوم من الكفار، وبهذا يكون ذكر مشابهتهم لقوم من المشركين أو اليهود أو غيرهم ليس مشكلاً، لكن لا ينبغي أن يفهم أنه يعطي حكم المسلمين من أهل البدع حكم الكافرين من عبدة الأوثان أو غيرهم.
وذكره لمسألة الإلحاد يقصد به مسألة التعطيل، فإن عدم التحقيق لإثبات الأسماء والصفات هو نوع من الميل عن الحق في آيات الله وأسمائه وصفاته، ومن هنا سمي قول المعطلة إلحاداً من هذا الوجه، وإن كان المتبادر في اصطلاح المتأخرين أن الإلحاد إذا ذكر يقصد به الزندقة المحضة، وهذا ليس مراداً في مثل هذا المورد.
قوله: (ولا يمثلون صفاته) أي: أن أهل السنة والجماعة لا ينفون شيئاً من الصفات، ولا يحرفونها بما يسمى تأويلاً، بل يثبتونها على موردها القرآني أو النبوي، وكما أنهم لا يعطلونها بالتأويل والتحريف والإلحاد -الذي هو الميل بها عن حقها الذي قصد بالخطاب- فإنه لا يمثلون صفاته بصفات خلقه، أي: لا يجعلون شيئاً من الصفات مشابهاً لصفات المخلوقين.
стр. 51
الاشتراك بين الخالق والمخلوق في الاسم أو الصفة إنما هو اشتراك في الاسم المطلق
هنا مسألة في مسألة التشبيه لا بد من التحقيق فيها، فإنك إذا نظرت في كتاب الله وجدت أن بعض الصفات -بل وبعض الأسماء- التي أضافها الله إلى نفسه تضاف إلى الخلق.
فمثلاً: قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨] وقال عن الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] فترى أن السياقين فيهما قدر من الاشتراك، وقال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨] ولما ذكر عبده المخلوق قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] وقال عن نفسه : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣] وقال عن عبده ورسوله محمد ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فسمى نفسه رحيماً، وسمى نبيه رحيماً بالمؤمنين.
بل إن هذا قد يقع في آية واحدة، فإن الله يقول: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] والصفة المشتركة هنا هي صفة الرضا.
وقال عن نفسه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ﴾ [الحشر:٢٣] وقال عن عبده: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٠] وسمى نفسه العزيز، وقال في كتابه: ﴿قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١] إلى غير ذلك.
فهناك قدر مشترك في ذكر الأسماء والصفات، وهذا صريح في كتاب الله، فضلاً عن غيره.
فهذا الذي في القرآن من هذا الاشتراك هو اشتراك في الاسم المطلق، والعقائد -والمعاني جملةً سواء كانت في باب الخبر أو باب الطلب- لا تؤخذ من الألفاظ المجردة، أي: المقطوعة عن الإضافة والتخصيص، سواء كانت اسماً أو فعلاً ليس له مقارن من القول أو الحال، وإنما تؤخذ المعاني من الجمل المركبة، والجمل عند العرب هي ما كوِّن من المبتدأ والخبر أو كوِّن من الفعل والفعال، هذه هي الجمل التي تحصل المعاني، وأما ما قصر عن ذلك فإن الكلام لا يكون عندها مفيداً، فإنك إذا ذكرت مبتدأً ولم تذكر خبره، والسياق والحال لا يدلان على خبره، فإنك لم تذكر شيئاً مفيداً، ولا يمكن أن يستفاد من تلك الكلمة معنى.
فالاشتراك المذكور في مثل الآيات السالفة إنما وقع في اللفظ المطلق، لا في السياق المركب، فإن الذي يريد أن يذكر هذا الاشتراك سيقول: إن صفة الرضا أضيفت إلى الله وأضيفت إلى المخلوق، وإن السمع أضيف إلى الله وأضيف إلى المخلوق ..
وهلم جراًَ من الصفات.
وقد عني الإمام ابن تيمية بتقرير ذلك في كتبه ولخصه في الرسالة التدمرية، فذكر أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل بعد الإضافة والتخصيص عقلاً؛ لأن الاسم المطلق لا وجود له في الخارج، وإنما توجد حقيقته في الخارج بعد إضافته أو تخصيصه، فإذا ما أضيف أو خصص تعلق به معناه في الخارج والوجود.
فهذه الأسماء وإن اشتركت بعضها بين الخالق والمخلوق، إلا أن ما يليق بالله أضيف إليه، وما يليق بالمخلوق أضيف إليه، فما كان مضافاً إلى الله فإن معناه يكون مناسباً للموصوف به، وما أضيف إلى المخلوق فإن معناه يكون مناسباً للموصوف به.
فالتشبيه والتمثيل الذي نفته النصوص في مثل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] هو الاشتراك فيما كان من المعاني مضافاً مخصصاً، أما الاسم المطلق فإن النصوص لم تنفه.
ولو قال قائل: ألا يكون كمال التحقيق لتنزيه الله عن التشبيه والتمثيل أن ننفي مشابهة الباري لخلقه في الاسم المطلق والاسم المقيد؟
قلنا: التشبيه الذي نفته النصوص هو ما كان من الأسماء مضافاً مخصصاً أو مقيداً ..
إلى غير ذلك، وأما الاشتراك في الاسم المطلق فإن هذا الاشتراك ليس هو المنفي في النصوص، وتسميته تشبيهاً فيه نظر؛ لأن التشبيه مبني على القياس، وليس في الاسم المطلق مقيس ومقيس عليه؛ لأن الاسم المطلق لم يضف إلى أحد بعينه.
والتحقيق أن هذا لا يمكن أن يسمى تشبيهاً؛ لأن التشبيه يستلزم وجود المشبه والمشبه به، والاسم حال إطلاقه وتجريده عن الإضافة والتخصيص لا يمكن أن يتحصل منه مشبه أو مشبه به، إنما المشبه والمشبه به وجوده وثبوته فرع عن إضافة الاسم، إذا قلت: هذا باب زيد وهذا باب عمر، فهنا لك أن تقول: إن باب زيد مشابه لباب عمر ..
فهنا أثبتنا تشبيهاً، لكن إذا ما قلنا: (باب).
فلا يمكن لقائل أن يقول: إن هذا اللفظ تضمن تشبيهاً، فإن قال: تضمن تشبيهاً، فإنا نقول له: أين المشبه وأين المشبه به؟
فحين يقول: باب زيد وباب عمر.
يكون ثمة مشبه ومشبه به، أما إذا قال: (باب) فإننا نقول: إنه لفظ مشترك.
ومعنى كونه مشتركاً: أنه يمكن أن يذكر على غير مورد وعلى غير سياق وعلى غير دلالة.
إذاً: التشبيه الذي نفته النصوص ليس هو الاشتراك في الاسم المطلق ..
وذلك لأسباب عقلية شرعية، أهمها: أن الاسم المطلق يمتنع ثبوت المشبه والمشبه معه، ومن هنا امتنع أن يسمى وروده تشبيهاً.
فلو قال قائل: أليس النفي حتى في الاسم المطلق أبلغ في تنزيه الله عن خلقه؟
قلنا: ليس النفي في ذلك أبلغ؛ لأنه لولا هذا الاشتراك في الاسم المطلق لما تحصل العلم بأسماء الله وصفاته، ولذلك بعض المعطلة الذين بالغوا في مسألة تنزيه الله ، لما وجدوا القرآن يذكر العلم مضافاً إلى الله ومضافاً إلى العبد، ويذكر الرحمة مضافةً إلى الله ومضافةً إلى العبد؛ قالوا: إن هذا من باب الاشتراك اللفظي.
ومراد المناطقة بالاشتراك اللفظي أن اللفظ هو اللفظ، ولكن ليس هناك أدنى نسبة من المعنى بين المرادين، وقالوا: إن هذا من باب التنزيه.
مثلاً: الكلام الذي أضيف إلى المخلوق: هو ما يعبر به من القول الذي هو بحرف وصوت.
والكلام الذي أضيف إلى الله قطعوا عنه أدنى نسبة من المعنى تتعلق بالكلام الذي أضيف إلى المخلوق، وجعلوا الاشتراك اشتراكاً لفظياً.
وهذا ليس من التنزيه، بل هو عند التحقيق من التعطيل؛ لأنه لو قيل في أسماء الله وصفاته: إن ما ذكر منها مضافاً إلى المخلوق هو من باب الاشتراك اللفظي الذي معناه أنه لا توجد أدنى نسبة مطلقة ولا مقيدة من المعنى بين المضافين، لاستحال أن يعلم ما يتعلق بربوبية الله؛ فإذا قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨] لم نفقه معنى كونه سميعاً بصيراً.
فإذا قيل في باب الأسماء والصفات: إن ما أضيف منها إلى المخلوق هو من باب المشترك اللفظي، قلنا: هذا ممتنع؛ لأنه يستلزم عدم فهم الخطاب القرآني المضاف إلى الله.
ومن هنا أبطل شيخ الإسلام ﵀ هذه المسألة، وهي ما زعمه الرازي مذهباً لـ أبي الحسن الأشعري، وقال: إنه غلط على الأشعري في هذا المسلك، والأشعري وأئمة المتكلمين يعلمون فساد هذه الطريقة التي تقول: إن هذا من باب المشترك اللفظي.
فإن قيل: إذاً ثمة نسبة، قلنا: إن هذه النسبة هي في المطلق، والمطلق ليس هو من باب التشبيه؛ لأنه لا يمكن أن يحصل منه مشبه ومشبه به، فهي نسبة كلية لا وجود لها في الخارج، بها يعلم ويفقه الخطاب؛ ولهذا جميع المسلمين ومن يعرف لغة العرب حتى من الكافرين إذا قرءوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨] فقهوه، ولم يستلزم فقههم له أن الباري يكون مشابهاً ومماثلاً للمخلوقين، وذلك مما يدل على أن الإثبات مناسب للعقل والفطرة، ولو كان صاحبها ليس على دين المسلمين.
ولهذا لم يعترض أحد ممن وصفهم القرآن بالسفه والجهل من مشركي العرب على آية من آيات الأسماء الصفات؛ مما يدل على أنها مناسبة لعقولهم، مع أنهم ما فتئوا يبطلون القرآن حتى قالوا: إنه سحر يؤثر، وحتى قالوا عن النبي ﷺ : إنه كاهن ومجنون ..
إلى غير ذلك.
فلو كان من قضاء العقل عندهم أن صفات الباري منتفية أو أن الإثبات يستلزم التشبيه، لاعترضوا على كتاب الله بذلك؛ كما اعترضوا في مسألة البعث؛ كما في مثل قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨].
стр. 52
تنزيه الله عن السمي والكفء والند وعن أن يقاس بخلقه
قال المصنف ﵀: [لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفء له ولا ند له ولا يقاس بخلقه ].
(لا سمي له ولا كفء له ولا ند له) هذه الأسماء الثلاثة معناها متقارب، لكن كل اسم من هذه الأسماء له اختصاص بمورد أكثر من الآخر، ولكن ليس منها واحد يتضمن معنى يمتنع أن يكون مراداً في الآخر.
والمصنف ليس من طريقته ذكر المترادفات في مثل هذه التقارير التي يقصد منها التحقيق، لكن ذكر المترادف أو المتضمن للآخر هو من باب التحقيق للمعنى، فهو لا سمي له ولا كفء له ولا ند له.
وكل اسم يمكن أن يفسر بمعنى الآخر، وإن كان تفسيره بالمعنى الآخر لا يلزم أن يكون من باب المطابقة، فقد يكون من باب التضمن أو نحو ذلك.
فينزه الباري عن السمي والكفء والمثل؛ لأن الله يقول: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] ويقول: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فنفي هذه الأسماء الثلاثة بيِّن.
قول المصنف: (ولا يقاس بخلقه).
стр. 53
وجه نفي المصنف للقياس
قد يقول قائل: إن المصنف هنا نفى القياس، مع أنه لم يذكر في الكتاب أو السنة نفي القياس.
فيقال كجواب مجمل: إن المصنف إنما نفى القياس المقيد، ولا شك أن هذا النفي على هذا التقييد نفي صحيح.
وأما الجواب المفصل فنقول: إن متأخري أهل السنة يقولون: إن القياس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: قياس الشمول.
الثاني: قياس التمثيل.
الثالث: قياس الأولى.
فقياس التمثيل: هو ما يعطى فيه الفرع حكم الأصل.
فيقال عندهم: إن قياس التمثيل والشمول مما ينزه الباري عنه، فلا يستعمل في حق الله تعالى قياس الشمول ولا قياس التمثيل.
وقياس الشمول: هو ما يستوي فيه جميع أفراده بمعنى العموم.
وقياس التمثيل: هو ما يعطى حكم الأصل للفرع، وهو المستعمل في الجملة عند الفقهاء.
قالوا: ولكن يستعمل في حق الله قياس الأولى، وهو المذكور في مثل قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠].
وقبل أن نبين مراد أهل السنة بقياس الأولى، ونذكر القاعدة المشهورة التي ذكرها ابن تيمية وجماعة تحت مسألة قياس الأولى المضاف إلى الله، نقول: التحقيق أن استعمال لفظ القياس، مضافاً إلى الله غلط من جهة الأصل؛ لأن هذا اللفظ في اللغة يعني اشتراكاً إضافياً بين المقيس والمقيس عليه، فإنه فرع عن الإضافات والتخصيصات والتقييدات، أي: فرع عن الجمل؛ ومن هنا يقال: إنه ليس مناسباً في حق الباري ، فإنه باعتبار أصل اللغة يفيد قدراً من التشبيه الذي لا يليق بالله .
فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] قيل: نعم، ولكن الله لم يذكر لفظ القياس في مثل هذا المورد، والمثل الأعلى هو غير القياس وإن وافق جملةً مما يسميه أهل المنطق والاصطلاح بقياس الأولى، فإننا نسميه المثل الأعلى، ولا يصح أن نسميه من باب القياس، ولا سيما إذا أضيف إلى الله .
فمحصل هذا: أن لفظ القياس لا يجوز إضافته إلى الله ولا تقريره في مورد الأسماء والصفات ابتداءً، لكن إذا تُكلِّم مع المخالفين، فإنه لا بأس هنا أن يُتكلَّم مع أهل الاصطلاح من باب البيان باصطلاحهم، فيقال: إن ما ذكرتموه مسمى بقياس الأولى نثبته على أنه المثل الأعلى.
وأما من فسر (المثل الأعلى) في الآية القرآنية بأنه: القياس الأعلى، فهذا ليس بصحيح، وإنما المثل بمعنى الوصف، وليس بمعنى القياس الأعلى أو القياس الأولى.
ومن هنا لا ينبغي أن يذكر في تقرير معتقد أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون في حق الباري قياس الأولى؛ لأن هذا اللفظ فيه غلط من أصل اللغة، وإنما يقال: إن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الرب لا يقاس بخلقه.
وأما ما يسميه هؤلاء بقياس الأولى فإن المناسب منه هو ما سماه القرآن بالمثل الأعلى.
ولك أن تقول: إن المثل الأعلى المذكور في القرآن أخص مما يسميه أهل المنطق والاصطلاح بقياس الأولى، فلما لم يكن بينهما تطابق امتنع أن يطلق هذا الاسم الشرعي على هذا الاسم الاصطلاحي، باعتبار أن الاسم الاصطلاحي أوسع في المراد من الاسم الشرعي.
ولكن إذا ذكر القول مع المخالفين، قيل: ما يسمى بقياس الأولى هو من حيث معناه المناسب ثابت، ولكن اللفظ يُتردد فيه.
وهنا قاعدة ينبغي لطالب العلم السلفي والسني -وللمسلم عموماً- أن يفقهها: وهي أن ما يصح في مورد الرد -سواء كان الرد على مخالف من المسلمين أو كان الرد على أحد من ملل الكفر- لا يستلزم أن يكون صحيحاً في مورد التقرير، فإن ذكر العقيدة إما أن يكون تقريراً ابتداءً للمسلمين، وإما أن يكون من باب الرد، فما صح في مقام الرد على المخالف لا يلزم بالضرورة أن يكون صحيحاً -أو على أقل تقدير مناسباً- لمقام التقرير.
وهذا يبين: أن مقام التقرير أضيق من مقام الرد، فما يقع فيه كثيرون من نقل ما استعمله بعض أهل السنة في مقام الرد إلى مقام التقرير ليس مناسباً.
ولهذا ما ذكرت مسألة القياس -قياس الأولى وما يتعلق بها- إلا في مقام الرد على المخالفين في مسألة القياس، أما في أصل تقرير السلف والمتقدمين فليس لهذا الاسم مورد من جهة التقرير، فينبغي دائماً أن تبنى العقيدة عند المسلمين على مقام التقرير القرآني أو النبوي، وأما مقام الرد فإنه يتوسع في شأنه عند الأئمة.
стр. 54
شرح العقيدة الواسطية [٦]
من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بأسماء الله وصفاته كما أخبر عن نفسه سبحانه في كتابه أو على لسان رسوله؛ فإن الله تعالى أعلم بنفسه من غيره، ورسله صلوات الله عليهم أعلم به سبحانه من سائرخلقه.
стр. 55
قبول ما ورد في القرآن من أسماء الله وصفاته
قال المصنف ﵀: [فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً].
(فإنه أعلم بنفسه) وهذه ضرورة عقلية، وضرورة شرعية، والمصنف هنا يستعمل باب الضرورات، وهي المعاني المسلمة.
وهذه طريقة فاضلة في الجدل، وهي مستعملة في القرآن، وهي: الاستدلال على المختلف بالمؤتلف، أي: أن تستدل على المختلف فيه بالمؤتلف عليه أو بالمتفق عليه.
ومن استعمالها في القرآن: أنه لما خالف المشركون في توحيد العبادة وإفراد الله بالتوحيد، ذكر الله إقرارهم بتوحيد الربوبية؛ من باب الاستدلال على المختلف فيه مع المشركين -وهو الألوهية- بالمتفق عليه معهم وهو الربوبية.
وهي طريقة معروفة حتى في علم الجدل والمنطق.
فالمصنف يقول: (فإنه أعلم بنفسه).
ولما كان أعلم بنفسه فإن ضرورة حكم العقل توجب أن يؤخذ ما يتعلق بأسمائه وصفاته مما أنزله الله على نبيه ﵌؛ ولما امتنع أن يكون أحد من خلقه أعلم به من نفسه، وجب تصديق سائر ما ورد في القرآن من أسماء الرب وصفاته.
قوله: (وأصدق قيلاً) أي: قولاً ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] (وأحسن حديثاً) أي: أبلغ.
الغلط في المعاني: إما أن يكون سببه العجز عن البيان، والله منزه عن ذلك.
وإما أن يكون سببه فساد الإرادة، والله لا أحد أصدق منه.
فلما كان بيانه لخلقه في هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، علم أن معاني الآيات في أسماء الله وصفاته على ظاهرها.
ولا يجوز لأحد أن يقول: إن المسلمين اختلفوا فيها كما اختلف فقهاؤهم في آيات الأحكام، فإنه يقال: إن باب الأحكام مبني على تحصيل الحكم المختص، وأما باب الخبر فإنه مبني على التصديق والتكذيب، وآيات الصفات هي من باب الخبر، والخبر ليس أمام العقل فيه إلا أحد أمرين: إما التصديق وإما التكذيب، بخلاف آيات الأحكام فإنها لتحصيل الحكم المختص.
وعامة ما يذكره في كتابه: أمر ونهي.
والأمر والنهي إذا ذكرت معانيها المفصلة، قيل: قد يكون الأمر على الإيجاب، وقد يكون الأمر على الاستحباب، وقد يكون الأمر على الإباحة، والنهي قد يكون من باب التحريم، وقد يكون من باب الكراهة والتنزيه.
فلما وجد هذا التفصيل في الأحكام جاز اختلاف الفقهاء فيها بخلاف مورد الخبر.
ومما يدل على هذا المعنى: أنك لا ترى أحداً من طوائف المسلمين ينازع في دلالة قصص الأنبياء، بل كلهم يصدقون بها على معنىً واحد في الجملة ولا يختلفون في تفسيرها، وقد تقدم معنا أن مخالفة من خالف في باب الأسماء والصفات ليست فرعاً عن النظر في آيات القرآن، إنما هي فرع عن علم الكلام.
стр. 56
معنى الرسول ومعنى النبي
[ثم رسله صادقون مصدقون].
الرسل عليهم الصلاة والسلام أخص من الأنبياء، وظاهر القرآن أن كل رسول فإنه نبي، وليس كل نبي رسولاً ..
هذه قاعدة بينة من مجموع النصوص، وأما الفرق بين النبي والرسول، فإن المتأخرين من أهل السنة وغيرهم تكلموا فيه كثيراً، ومن أشهر التفريقات المتداولة في الكتب المتأخرة: أن الرسول من أوحي إليه شرع وأمر بتبليغه، وأن النبي هو من أوحي إليه شرع ولم يؤمر بتبليغه.
وهذا الحد مع شهرته هو من أفسد الحدود، بل إنه مناقض للشرع والعقل، فإن النبي إذا أوحى الله إليه شرعاً فكيف يمكن أن يقال: إنه لم يأمره بتبليغه؟! ومعلوم أن جميع الأنبياء والمرسلين أتوا قومهم بـ (بلغوا عني ولو آية)، فالتبليغ يؤمر به كل من آمن بالله تعالى، حتى العامة، فإنهم مأمورون بالتبليغ بما يقدرون عليه.
والله ذم الذين كتموا العلم ونبذوه وراء ظهورهم أو لم يبلغوه، والنبي ﵊ يقول: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم) كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في الصحيح.
ودلالة النبي لا يلزم بالضرورة أن تكون سائرها نزلت بوحي خاص، وإنما عرفها من مجموع رسالته، فإذا كان واجباً عليه الدلالة على أوجه الخير العامة، فما بالك بالوحي الخاص؟
وهذا التعريف لا يعلم من أين دخل على كتب العلماء، والغريب أن ثمة بعض المسائل فيها أقوال مناقضة للشرع ومناقضة للعقل، كما سلف في تعريف التواتر، وأن الحديث المتواتر: هو ما رواه جماعة عن جماعة ..
إلى آخره، وبهذا التعريف لا يكون له مثال من جهة السنة، أي: أن السنة ليس منها شيء متواتر، والنتيجة أن السنة لا يحتج بها في العقائد إلا بحديث أو حديثين أو عشرة.
فمثل هذه الحدود هي من الحدود الباطلة التي دخلت على بعض كتب العلماء.
فإن قيل: فما التحقيق في معرفة الفرق بين النبي والرسول؟
قيل: الذي دلت عليه مجموع النصوص دلالة بينة أن الرسالة أخص من النبوة، وأن كل رسول فإنه نبي، ولا يلزم أن يكون النبي رسولاً.
стр. 57
ما يوجبه اتباع الرسل من قبول ما أخبروا به عن الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم رسله صادقون مصدَّقون بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون].
هذا من باب المقارنة بين طريقة أهل السنة وطريقة المخالفين، من جهة أن أهل السنة والجماعة قصروا طريقتهم على الاتباع والتسليم لكل ما جاءت به الرسل، وأن الحق الواجب في باب الأسماء والصفات وغيرها قد علم بمجيء الرسول ﵊، بل وغيره من المرسلين به إجمالاً وتفصيلاً.
قوله: (بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون).
هذا نوع من التعريض بطريقة مخالفي أهل السنة، فإن مخالفيهم من أهل التعطيل أو التشبيه والتمثيل بنوا مخالفتهم على الطريقة الكلامية، وقلنا سابقاً: إن الطريقة الكلامية محصَّلة من الفلسفة، ولا شك أن أرباب وأساطين الفلسفة يصح أن يقال فيهم: إنهم من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، ولا سيما إذا عرفت أن كبار أئمتهم الذين ينتسب إليهم من انتسب إلى الإسلام كـ ابن سينا وغيره؛ لم يكونوا ينتسبون إلى دين سماوي أصلاً، ولا حتى من الأديان المحرَّفة، كـ أرسطو طاليس؛ فإنه لم يكن على دين من أديان الرسل؛ بل كان قبل النصرانية، وقبل المسيح ابن مريم بثلاثمائة سنة.
وعلم الكلام محصَّل من الفلسفة، والفلسفة جمهور أساطينها لم يكونوا على دين من الأديان السماوية؛ ولا سيما الفلسفة التي دخلت على المسلمين؛ فإن أربابها كـ أفلاطون وأرسطو طاليس وأمثالهم لم يكونوا على شيء من أديان الأنبياء، ولا حتى الأديان التي دخلها التحريف.
والمعتزلة وغيرهم من المتكلمين بنوا أقوالهم على مقدمات الفلاسفة، والفلاسفة يصح أن يقال فيهم: إنهم من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.
ولهذا قال بعض محققي المتكلمين والفلاسفة كـ ابن سينا: (إن الأقوال المقولة في الأسماء والصفات ليس فيها إلا أحد قولين: إما قول الأنبياء وأتباعهم، وإما قول الفلاسفة وأتباعهم).
فجعلوا سائر الإثبات الذي عليه أهل السنة والجماعة فرعاً عما جاءت به الكتب السماوية، وجعلوا أقوال المخالفين من النفاة فرعاً عن أقوال الفلاسفة، فليس هنا إلا قول الأنبياء أو قول أئمة الفلسفة، وقول المتكلمين فرع عن الفلاسفة، وقول أهل السنة فرع عما جاء به الأنبياء والمرسلون.
[ولهذا قال : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]].
هذا ذكره الله في كتابه، لكن ليس في المورد الذي اختلف فيه أهل القبلة، وإنما هو في ذم المشركين أو غيرهم كأهل الكتاب الذين زعموا أن المسيح ابن لله ، أو في قوله سبحانه عن اليهود: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] أو في المشركين الذين زعموا أن له صاحبةً وولدا، فقال سبحانه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون:٩١] إلى غير ذلك، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠] فهو تنزيه لله عما وصفه به الكفار.
ولكن ما حصل من بعض أهل القبلة هو من المخالفة، والآية عامة في الدلالة؛ لمناسبة المعنى لذلك.
[فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب.
وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات].
من أخصِّ قواعد أهل السنة: أن هذا الباب عندهم معتبر بالإثبات والنفي؛ لأنه مبني على طريقة القرآن، وإذا قرأت القرآن وجدت أن الله قد جمع فيما سمَّى ووصف به نفسه بين الإثبات والنفي، الإثبات لكماله والنفي لما لا يليق به .
стр. 58
ما يقتضيه اكتمال الدين من إعراض عن علم الكلام
[فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاءت به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين].
كل من آمن بالأنبياء والمرسلين لزم ضرورةً أن يكون متبعاً لهم، فإن مقتضى الإيمان بالنبوة والرسالة الإيمان بأن ما جاء به الرسول حق، فإذا تحقق أن ما جاء به الرسول حق، استلزم هذا الإعراض عن غيره، حتى لو فرض جدلاً أن هذا الحق الذي حدَّث به الرسول أو شيئاً منه يمكن أن يُعرف من غير مشكاة النبوة، فلو فرض هذا جدلاً، فإن المكلَّف لا ينبغي له أن يسعى إلى غير مشكاة النبوة، باعتبار أن النبوة والرسالة تضمنت الحق كله.
ومن المسلَّمات التي يُستدل بها في مقام النزاع: أنه يُعلم أن الله أكمل لهذه الأمة دينها، وكمال الدين إنما كان ببلاغ النبي ﷺ وسنته، والدين قد كمُل دلائل ومسائل، وهو أصول وفروع، فلو كان الناس محتاجين في شيء من أصول دينهم أو حتى فروعه في مقام الدلائل أو المسائل إلى شيء لم يُذكر في الكتاب أو في السنة، للزم من ذلك أن الله لم يكمل لهذه الأمة دينها.
فلمَّا علم ضرورةً أن الله قد أكمل لهذه الأمة دينها، كان هذا الدين إنما يكمُل بالبلاغ النبوي.
стр. 59
شرح العقيدة الواسطية [٧]
جميع طوائف المسلمين يقرون بأن باب الأسماء والصفات بني على الإثبات والنفي، ولكن أهل السنة امتازوا في هذا الباب بطريقتهم المبنية على منهج القرآن، وهي أنهم يثبتون التفصيل فيما يتعلق بالأسماء والصفات المثبتة، ويثبتون الإجمال في الأسماء والصفات المنفية، وعند وجود الإجمال في المثبت من الأسماء والصفات فهو لا يخالف التفصيل بل يدل عليه.
стр. 60
قواعد النفي والإثبات إجمالاً وتفصيلاً
стр. 61
ما ورد في سورة الإخلاص من الأسماء والصفات
قال المصنف ﵀: [وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]].
قوله ﵀: (وقد دخل في هذه الجملة) يعني بـ (هذه الجملة) قوله: (وقد جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات).
فأراد المصنف هنا أن يبيِّن لك طريقة القرآن والحديث في ذكر الإثبات وذكر النفي، ولك أن تقول هنا: إن جمهور طوائف المسلمين يسلِّمون أن هذا الباب -أعني: باب الأسماء والصفات- مبنيٌ على الإثبات والنفي، فهذا في الجملة محل إقرار عند جمهور الطوائف.
ولكن طريقة أهل السنة والجماعة في هذه الجملة مبنيَّة على منهج القرآن، فإنه إذا قيل: إنه قد جمع سبحانه فيما سمَّى ووصف به نفسه بين النفي والإثبات، فإن ثمَّة طريقةً بينةً في كتاب الله في مقام الإثبات وطريقةً في مقام النفي، حيث أن المفصَّل ذِكْرُه في القرآن والحديث هو الإثبات، وأما النفي فإن الأصل فيه في القرآن هو الإجمال.
ولك أن تقول: إن الأصل في الإثبات هو التفصيل، وإن الأصل في النفي هو الإجمال، وإذا قيل: الأصل في الإثبات التفصيل؛ فإن الإثبات كذلك يقع مجملاً، ومجمله يُعلم ضرورة أنه لا يعارض المفصل؛ بل يدل عليه.
أما مجمل الإثبات في الأسماء، فهو قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] فهذا إثبات للأسماء الحسنى، ولكنه إثبات مجمل، وأما الإثبات المجمل للصفات، فهو قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] أي: الوصف الأكمل.
وقال قوم من أهل السنة والجماعة عند تفسير الآية وبيان معناها: إن كل كمال لا نقص فيه بوجهٍ من الوجوه ثبت للمخلوق، فإن الخالق أولى به.
فهذه قاعدةٌ مقرِّبة إلى بعض المعاني المناسبة، ولكن لك أن تعتبر أنها ليست قاعدة لازمة لفقه هذا الباب، وكأن الاستغناء عنها أولى؛ لأنه قد يعترضها بعض التطبيقات التي تُوجب كثيراً من الغلط عند بعض المطبِّقين لهذه القاعدة.
ولهذا ينبغي لطالب العلم ألا يبني فقهه على مثل هذه الحدود والضوابط التي تُسمى في بعض الكتب بالقواعد، فإذا ما قيل: (إنها قاعدة) انقدح في ذهن السامع لها أنها جامعة مانعة، وأنها قاعدة كلية، وأنها محكمة من جهة الشريعة ..
إلى غير ذلك؛ وإذا تحققت وجدت أنها حد ونظر مناسب، لكنه يحتاج إلى كثير من الفقه؛ إذ ربما تخلَّف نظرهم من جهة فقهها، فرتَّبوا عليها بعض التطبيقات التي لا تناسبها، فهي قاعدة صحيحة، ولكنها ليست من أصول القواعد في هذا الباب ..
فهذا مقام الإثبات المجمل.
وأما الإثبات المفصل الذي قلنا: إنه الأصل في الإثبات، فهو ما تراه في كتاب الله مفصلاً لأسماء الرب وصفاته؛ كقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر:٢٣] وكقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٣] إلى آخره، وكمفصَّل الصفات في قول الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا﴾ [المائدة:١١٩] وغير ذلك.
وأما النفي فإن الأصل فيه الإجمال، كقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] وقد يقع النفي في القرآن مفصلاً كقول الله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقول النبي ﵊ في حديث أبي موسى ﵁: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام).
وسبب ورود النفي المفصل في القرآن أو في شيء من السنة، هو وجود قدر من المناسبة التي تستدعي ذلك، وهو يُذكر في مقام يستلزمه أو يستدعيه، أما أن يكون منهجاً مطرداً، فهو ليس كذلك في الكتاب أو في السنة.
وما من إثبات مفصَّل إلاَّ ويستلزم نفياً مفصَّلاً، أو يتضمنه، وإن كان لم يصرح بذكره، فإن ذكر العلم يستلزم نفي الجهل، من باب أن العلم والجهل متقابلان، وثبوت أحد المتقابلين يسلتزم نفي الآخر.
[وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]].
ابتدأ المصنف ﵀ بذكر سورة الإخلاص لوجوه، من أخصها: أن هذه السورة قد جُمع فيها بين النفي والإثبات، ولأن هذه السورة فيها ذكرٌ للإثبات المفصَّل والإثبات المجمل، وفيها ذكر للنفي المفصَّل وللنفي المجمل.
فهذه السورة ذُكر فيها النفي بمقاميه، والإثبات بمقاميه، فقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] * ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] هو إثبات مفصل لاسمين من أسماء الله: (الله)، (الصمد).
فإن قال قائل: فأين الإثبات المجمل؟
قلنا: الإثبات المجمل هو في هذين الاسمين، فإنهما باعتبار كونهما من أسمائه المختصة (الصمد) و (الله) هو وجه كونهما في مقام التفصيل، وأما وجه كونهما في مقام الإجمال، فباعتبار أن هذين الاسمين فيهما دلالة عامة على الكمال؛ ولهذا سائر أوجه الكمال تكون مناسبة لهذين الاسمين، ولك أن تقول: إن أوجه الكمال المطلقة التي تليق بالله يدل عليها هذان الاسمان من باب دلالة اللزوم، فإن الله لما قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ [الإخلاص:١] عُلم أنه متكلم ..
لماذا؟ لأنه سمَّى نفسه الله، أي: المألوه المعبود محبةً وتعظيماً، والذي يُعبد محبةً وتعظيماً لا بد أن يكون متكلماً.
فمن هنا رأيت أن هذا الاسم -وهو (الله) - فيه دلالة على مقام الإجمال باعتبار أنه يستلزم الكمالات.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه يستلزم الكمالات؟
قلنا: لأن معناه يستلزم الكمالات من الصفات، والدليل على هذا: أن الله لما ذكر عبودية قوم موسى للعجل قال: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨] فدلَّ على أن مقام الاستحقاق للعبودية يقتضي أن يكون المعبود متكلِّماً.
ومن هنا نقول: إن هذين الاسمين -أعني: الصمد والله- هما في مقام التفصيل، وهذا بيِّن، ولكنهما كذلك في مقام الإجمال، أي: الدلالة على الكمالات؛ فإن عامَّة ما ذكر من مفصل الكمالات يكون متضمناً أو مستلزماً لهذين الاسمين؛ ولهذا نقول: إن اسم الله دلَّ على الكلام، وإن اسم الله دلَّ على السمع والبصر، والدليل على ذلك أن الله هو المألوه المعبود، ولا بد أن يكون سميعاً بصيراً، ولهذا قال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم:٤٢].
وتضمَّنت هذه السورة النفي في مقامين: المجمل والمفصَّل، فقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] هو نفيٌ مجمل، وقوله سبحانه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] هو نفيٌ مفصل.
فكانت هذه السورة جامعة في باب التوحيد؛ فهي جامعة لمعنى الألوهية في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ [الإخلاص:١] وجامعة لمعنى الربوبية في جملة سياقها، وجامعة لمعنى الأسماء والصفات حسبما تقدم، فتضمنت تحقيق التوحيد في موارده الثلاثة: الألوهية والربوبية والأسماء والصفات على أتمِّ تحقيق؛ ولهذا سميت هذه السورة بسورة الإخلاص.
قال المصنف: (التي تعدل ثلث القرآن).
أما أنها تعدل ثلث القرآن فهذا ثابت في السنة، وقد تكلَّم العلماء في معنى كون هذه السورة تعدل ثلث القرآن، ومن أشهر أقوالهم المعروفة والمذكورة في كتب الشروح للعقيدة الواسطية وغيرها: إن القرآن ينقسم إلى خبر، والخبر منه قصص وعقيدة تتعلَّق بمعرفة الله وألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وأحكام.
فهي ثلاثة أقسام: القصص والمعتقد -وهو الإيمان بالله ومعرفته- والأحكام، وهذه السورة تضمنت المعتقد، وإن لم يذكر فيها القصص ولا مفصَّل الأحكام، والقرآن جاء على هذه الأقسام الثلاثة.
فإذا فُسِّر هذا الحرف النبوي بمثل هذا المعنى فإنه يكون لائقاً به، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا لا يستلزم أن يكون تحصيلاً محضاً لمراد النبي ﵌، فربما كان مراده ﵊ أوسع من ذلك.
فالظاهر أنها تعدل ثلث القرآن باعتبار الأجر؛ فإن النبي ﵌ قال: (أيعجزُ أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟) فلما سأله الصحابة قال: ((قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن) فكأن هذا في مقام الثواب.
ولك أن تقول: إنه يمكن أن يكون مراده ﵌ في مقام المعاني وفي مقام الثواب، ولكن إذا حُمل مراده ﵊ على مقام الثواب، فثمَّة مسألة لا بد منها، وهي: هل من قرأ (قل هو الله أحد) يكون له من الأجر ما يثبت لمن قرأ عشرة أجزاء من القرآن ويكون مماثلاً له، وإنما يتفاضلان باعتبار عوارض من الحال المقترنة بهما كأن تقول: إن هذا أخشع وهذا أكثر إخلاصاً، لكن باعتبار أصل العمل؛ فإن الأجر بينهما على التماثل المطلق، لأن النبي ﵌ قال: (تعدل ثلث القرآن)؟
الجواب: لا ..
لأن النصوص ليست صريحة بأن المراد من حرف النبي ﵌ هو مقام الثواب ..
هذه جهة.
فإن قيل: إن النبي ﷺ قال لأصحابه: (أيعجز أحدكم) قيل: هذا وجه ممكن أنه أراد الثواب، ولكن لعلَّه ﵊ أرا
стр. 62
ما ورد في آية الكرسي من الأسماء والصفات
[وما وصف به نفسه في أعظم آية بكتابه، حيث يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يثقله ولا يكرثه ﴿حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]].
أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، والدليل على ذلك: ما جاء في صحيح البخاري: أنها أعظم آية في كتاب الله.
وهذه آية جامعة للتوحيد كله بسائر معانيه، باعتبار أن فيها تحقيقاً لمقام المعرفة ولمقام العبودية لله ، وباعتبار أن فيها رداً على المخالفين المكذبين للرسل، فهي قاعدة في التوحيد في مقام التقرير، وهي قاعدة في التوحيد في مقام الرد على المخالفين، ومن هنا صارت أعظم آية في كتاب الله باعتبار عظم معناها.
وهذه الآية يقال فيها قول مقارب لما قيل في سورة الإخلاص من جهة شمولها لقاعدة المصنف التي ابتدأ بذكرها.
стр. 63
مسألة الكرسي
المشهور الذي عليه جمهور أهل السنة أن الكرسي هو موضع القدمين لله، هذا هو قول الجمهور، وليس في ذلك نصٌ صريح من السنة، ولكنه مرويٌ عن ابن عباس ﵄ وأصحابه، ولم يظهر فيه نكارة عند المتقدمين من السلف، ومن هنا فإن هذا القول هو أجود ما يُفسَّر به هذا الحرف من كتاب الله.
стр. 64
فضل آية الكرسي
قال المصنف ﵀: [ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح].
يشير المصنف إلى أن ما ورد في حديث أبي هريرة في قصته مع الشيطان: (أن من قرأ آية الكرسي لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح) كأنه مناسب لمعناها، ولا شك أن ثمَّة مناسبةً بين هذا الفضل -الذي هو أنه لا يقربه شيطان- وبين معنى الآية، ولكن من جهة التعيين، فإن التعيين ليس فرعاً عن المعاني، وإنما هو فرع عن التوقيف؛ لأنك إذا قلت: إنه فرع عن المعاني؛ فإنه قد يقال في آيات كثيرة وسور كثيرة بعض هذه المعاني.
стр. 65
الحي الذي لا يموت
[وقوله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]].
يذكر المصنف الآيات التي جمعت بين الإثبات والنفي، فقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] هنا إثبات مفصل، وهو ذكر لمقام النفي المفصل الذي هو من باب تحقيق الكمال.
стр. 66
الإطلاق والتقييد في ذكر أسماء الله وصفاته
[وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]].
هذه أسماء مقترنة، والله في سياق القرآن يذكر ما يتعلق بأسمائه وصفاته على طريقة مُحكمة.
وقد سبق التنبيه إلى أن بعض المتأخرين حتى من أهل السنة -وهذا يكثر في هذا العصر عند كثير من طلبة العلم والباحثين- ينقلون الأسماء المذكورة في باب الأسماء والصفات من سياقاتها على سبيل الإفراد والعد.
وهذا الإفراد والعد لها يخرجها عن سياقاتها، فيسلبها ذلك تحقيقها للكمال، ولذلك يجب أن يُلتزم مورد النصوص، فما ذكر في النصوص مطلقاً يُذكر فرداً مطلقاً، وما لم يُذكر في النصوص إلا مقيَّداً فإنه لا يناسب أن يذكر في حق الله فرداً مطلقاً، وهذه قاعدة لا بد من فقهها.
فالعلم والسمع والبصر ذُكرت في النصوص مطلقة ومقيدة، ولهذا ناسب أن تُذكر مطلقة وناسب أن تذكر مقيَّدة، ذكرت مقيدة في مثل قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ولكنها جاءت مطلقة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨].
ولكن جملةً من الصفات ولا سيما ما يتعلق بصفات الأفعال لم تأت في النصوص إلا مقيَّدة، فلا يجوز الخروج بها عن مورد النصوص بقطعها عن التقييد إلى حال مطلقة من الإفراد؛ كالمكر والكيد وأمثال ذلك من الأفعال التي ذكرت مقيدة؛ ولذلك لا تذكر إلا مقيدة؛ لأن هذا هو الكمال.
ففي قول الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] لا يُناسب أن يقال: ومن صفاته المكر على الإطلاق، وإنما يبيَّن هذا المعنى؛ فإن الله لم يذكره في القرآن إلا مبيناً؛ وهذه المقيَّدات من الصفات والأفعال لم تستعمل في القرآن في مورد الأسماء، بخلاف ما كان من الصفات مطلقاً، فإنه اسُتعمل في القرآن في مورد الأسماء كالسميع والبصير والقدير والعزيز والحكيم ونحو هذا.
فلا بد لطالب العلم -وللمسلم عموماً- أن يلتزم هدي القرآن وطريقة القرآن في هذا.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ذكر الله (الأول) ثم قال: (والآخر) باعتبار أن الكمال على هذا الوجه من التحقيق، وهذا قدر من البيان، وقال: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] وهذا أيضاً قدر من التحقيق للكمال.
ولكن هنا سؤال: هل هذا من باب تحقيق الكمال بياناً، أم أن الكمال لا يقع إلا بهذا الاقتران في الذكر؟ فإذا لم يحصل الكمال إلا بالاقتران، لم يجز أن يُعبَّد أحد باسم وقد فُكَّ عن الآخر، فلا يجوز أن يسمى أحد: عبد الأول، أو عبد الآخر، أو عبد الظاهر أو ما شابه ذلك.
فأقول: الصواب أن كل اسم وحده يدل على الكمال المطلق، وإنما ذُكر في القرآن مقترناً من باب البيان لتحقيق الكمال، وليس من باب أن الكمال لا يحصل بواحدٍ إذا اختص.
وهذه الأسماء (الأول والآخر والظاهر والباطن) فسرها النبي ﵌ فقال كما ثبت في الصحيح: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) فقوله: (أنت الأول فليس قبلك شيء) هذا من أصل مُعتقد المسلمين: أن الله ليس شيء معه -أي: يقارنه بالزمان- فإن الله ليس له زمان يختص به، وهو الأول الذي ليس قبله شيء.
стр. 67
مسألة تسلسل الحوادث
هناك مسألة عُرفت في كلام شيخ الإسلام ﵀، وهي مسألة تسلسل الحوادث، وهل لها أول أو ليس لها أول؟ وليس الغرض أن ندخل في هذه المسألة، ولكن أحب أن يكون بيناً أن شيخ الإسلام ﵀ قد أصاب في هذه المسألة، وأن كل من ردَّ عليه أو بين غلطه، فهو في الغالب لم يفهم مقصوده؛ فإن كلامه ﵀ لا يستلزم قدم شيء من الحوادث، وإذا قيل عن الشيء بأنه حادث، فإن كل حادث مسبوق بالعدم، ومن هنا امتنع أن يكون شيء أول ليس قبله شيء إلا الله ، ولكن تسلسل الحوادث قدر واسع يُقره العقل، وهو الذي حصَّله شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه، ولا سيما في بعض رسائله أو كتبه المطولة كدرء التعارض.
فالمقصود: أن كلام الشيخ ﵀ في هذه المسألة ليس فيه شيء من الغلط، بل هو كلام محكم ليس معارضاً للنصوص فضلاً عن معارضته للعقل.
وقوله: (والظاهر فليس فوقك شيء) أي: ليس فوقه شيء، لا في فوقية الذات ولا في فوقية القدر وفوقية الصفات والقهر، ومن هنا دلت الآية والحديث على علو الرب .
وأما قوله: (وأنت الباطن فليس دونك شيء) فإن معناه: أي: لا يخفى عليك شيء.
стр. 68
إثبات صفتي العلم والحكمة
قال المصنف ﵀: [وقوله سبحانه: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢].
وقوله: (العليم الحكيم) قطع المصنف الآية عن السياق، لأن العليم أو الحكيم استعمل في القرآن على سبيل الإطلاق، ومن موارد الإطلاق أن يُستعمل اسماً، فكل ما استعمل اسماً عُلم أنه مطلق.
стр. 69
العلم بالأشياء كليها وجزئيها
[﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢]].
وهذا علمٌ مُفصِّل، فإن علم الرب قد أحاط بكل شيء، وهو يعلم الأشياء كليَّها وجزئيَّها، وقد كذبت الفلاسفة الذين تكلموا في مسألة العلم بالجزئيات، ومن هنا كفرهم جمهور المسلمين من أهل السنة أو من المتكلمين بهذه المسألة.
стр. 70
مفاتيح الغيب
قال المصنف ﵀: [﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] ..
﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]].
مفاتح الغيب فيها قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن مفاتح الغيب هي الخمس المذكورة في قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤] إلى آخر الآية.
القول الثاني وهو الصواب: أن مفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله، وأن هذه الخمس منها، لكن لا يُجزم أن قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] تعلَّق بهذه الخمس وحدها، بل هذه منها، وأما تفصيلها وكمالها وسائر مواردها فالله أعلم به.
[وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]].
هذا مما اختصَّ الله بعلمه، وهو أنه يعلم ما في الأرحام.
وقد يقول قائل: إن الطب الحديث أصبح يكشف ما في رحم المرأة أهو حي أو ليس حياً، ويكشف ما في رحم المرأة أهو ذكر أو أنثى قبل الولادة.
الجواب: أن الله يعلم ما في الأرحام، و (ما) من صيغ العموم، والطب بحاله الحاضرة أو القديمة أو المستقبلية لا يمكن أن يصل إلى العلم المطلق لما في الأرحام، فعلم من ذلك اختصاص الباري بالعلم المطلق.
والذي يعلمونه إنما هو شيء مشاهد وليس شيئاً غيبياً، ولهذا لا يستطيعون العلم إلا باصطحاب الحس والمشاهدة، وذلك باستخدام وسائل التصوير.
[وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢]].
قرن مسألة القدرة بمسألة العلم، وذلك لأن القدرة فرع عن العلم الذي أحاط الله به سائر الأشياء، فهو على كل شيء قدير، فقدرته لا تفارق علمه، ومن هنا فإنه على كل شيء قدير وفي نفس الحال بكل شيء عليم.
стр. 71
شرح العقيدة الواسطية [٨]
من المعلوم عند أهل النظر ومن يقرون بأصل وجود الله وربوبيته من المسلمين وغيرهم أن ذات الباري تختلف عن ذوات المخلوقين، فإن كانت ذاته بالفطرة والعقل مباينة لذوات المخلوقين، فإن الصفات تكون ثابتة للذات. وكما أن بعض الصفات التي يتصف بها الرب جل وعلا لا تصح إضافتها إلى المخلوقين، فإن بعض الصفات يمكن إضافتها إلى الخالق والمخلوق على الحقيقة، ولكنها إضافتها إلى الله تكون على وجه يليق به سبحانه، كما أن إضافتها إلى المخلوق تكون على وجه يليق به.
стр. 72
إثبات صفتي السمع والبصر
[وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨]].
وهذا إثبات لاسم السميع والبصير، وكل اسم في كتاب الله أو سنة نبيه فإنه يتضمن صفة، وهذه الصفة إما أن تكون مطابقةٍ للاسم وإما أن تكون لازمةً له، فالارتباط بين الأسماء والصفات قائم على قاعدة الدلالات، فإنك تقول: إن اسم العليم يدل على صفة العلم بالمطابقة، ويدل على صفة الحياة، بالتلازم والتضمن، فإن العليم لا بد أن يكون حياً.
стр. 73
إثبات مشيئة الله وإرادته
[وقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]].
هذا إثبات لمشيئته، ومشيئته عامة لكل شيء، وهناك فرق بين المعاني التي ذكرت بها الإرادة وبين المعاني التي ذكرت بها المشيئة، فإن الإرادة تُذكر ويراد بها الأمر، وتذكر ويراد بها معنى المشيئة، وهو الذي يسمَّى عند بعض أهل السنة بالإرادة الكونية أو الإرادة القدرية.
[وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]].
يعلق الله سائر الحوادث بمشيئته، وهذا هو تحقيق ربوبيته ، ومشيئته الشاملة لكل شيء تُذكر في القرآن: إما مجملةً وإما مفصلة، وتفصيلها لا يختص بالخير، بل في بعض أوجه الفساد في الأرض وأوجه الشر يذكر الله أن هذا بمشيئته وإرادته.
ولكنَّ الإرادة والمشيئة العامة -أعني: الإرادة الكونية- غير الإرادة الشرعية.
وخالف في ذلك خلق من الصوفية الذين وقعوا فيما يسمَّى بالفناء عن شهود السوى.
ولمزيد من الإيضاح أقول: إن الفناء على ثلاثة أقسام:
الأول: فناء عن وجود السوى، وهذا فناء غلاة الصوفية كـ ابن عربي وابن الفارض والتلمساني وأمثال هؤلاء.
الثاني: فناء عن شهود السوى، وهذا فناء متوسطيهم الذين يشهدون مقام الربوبية ويسقطون به مقام الألوهية -أي: مقام الأمر والنهي- وهؤلاء عندهم قدر من المعارضة بين القدر والشرع.
الثالث: فناء عن إرادة السوى، وهذا مقام توجد فيه مخالفة.
ويستعمل أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتابه (منازل السائرين) الذي شرحه ابن القيم ﵀ في كتابه (مدارج السالكين) شيئاً من الغناء عن شهود السوى؛ فـ أبو إسماعيل المعروف بشيخ الإسلام الهروي الحنبلي صاحب المنازل، وهو ذو مقام فاضل في الصفات، لكنه صوفي مغرق في التصوف، وعنده أصول أخرى من الأخطاء.
والإمام ابن القيم ﵀ لمَّا شرح المنازل اعتذر كثيراً لـ أبي إسماعيل، وهذا الاعتذار الذي سلكه ابن القيم في مدارج السالكين كأنَّ بعضه ليس مناسباً، وينبغي أن يكون الحق أغلى وأعلى من قدر أبي إسماعيل الأنصاري أو غيره.
ولا شك أن الهروي ﵀ كان من المجاهدين الصادقين في علمهم وفي ديانتهم، هذا فيما يتعلق بحكمه العام، وأما مآله فهو إلى الله، ولكنه ممن يُرجى له الخير الكثير، فإنه إمام وعالم وناصر للسنة في مقامات وصاحب ديانة.
ومقام التقريرات التي غلط فيها في كتابه صرفها ابن القيم ﵀ -أو صرف كثيراً منها- إلى معاني تُناسب أهل السنة.
وهذا ليس من المناسب، بل كان الأنسب أن يُقال: إن الهروي أخطأ في هذا الكلام، فإنَّ المتكلم إذا تكلم بكلام على مرادٍ ما، وهذا الكلام من جهة حروف اللغة يمكن أن يحمل على مرادٍ آخر، فلا يحقُّ لمن نظر هذا الكلام أن يحمله على معنىً ممكن ومؤلِّفه وصانعه والمتكلِّم به قد أراد به مراداً آخر، بل يجب أن يقال: إنه غلط.
كما أن التلمساني -وهو المسمى بـ العفيف - قد تكلَّف في حمل كلام أبي إسماعيل على مراد غلاة الصوفية، فـ ابن القيم أبعده عن مرادات ضلاَّل الصوفية، والتلمساني أرجع كلام الهروي إلى مرادات الغلاة من الصوفية، وكان ينبغي أن يُوقف عند كلام الهروي على مراده، ويبيَّن أن مراده غلط، ولا سيما أنه استخدم ألفاظ الصوفية التي لا تحتمل التأويل ولا الاعتذار، خاصة أنه استخدم فصيح اللغة الذي فيه قدر من السعة في التعبير.
فما حصل في كتاب المدارج ينبغي أن يُتفطَّن له، ومن أخطاء الهروي كذلك أنه بالغ في تقرير بعض مقامات العبودية، وفي قصر النفس عليها.
وهذا التنبيه لا يُقصد منه التعليق على حال الإمام ابن القيم ﵀، لكن يُقصد منه أن كتاب المدارج -وهو كتاب في السلوك والتربية- كتاب شديد، أي: أنه لا يستطيع أن يقيم عليه حالاً شخص عنده تفرُّد أو عنده مقاربة لأحوال الصوفية وتفرُّداتهم.
بمعنى: أن من أراد أن يُطبِّق كتاب المدارج كتربية عامة للمسلمين، فإنه يجد أن تطبيقه عزيز جداً؛ لأن فيه تعلقاً بأحوال لم يكن النبي ﵊ يذكرها للأمة، لأنها نوع من الإهلاك للنفس، فإن النفس كما ذكر الله شأنها في القرآن خُلقت على حالين: الخير والشر، والله ألهم هذه النفس فجورها وتقواها، ففيها قدر واسعٌ من الشر والقبول له، وفيها قدر واسعٌ من الخير والقبول له.
فالتدقيق في أحوال النفس من جنس التدقيق الذي كان عليه الحارث بن أسد المحاسبي قد يؤتي نتيجة فاضلة لبعض الخاصة، لكن العامة لا يستطيعونه، ولا سيما أن أهل السنة ليس عندهم طريقة للخاصة وطريقة للعامة، والهروي وجّه رسالته هذه للخاصة، فهو لم يوجهها لخاصة الخاصة، ولم يوجهها للعامة، لكن قصد بها الخاصة، وهم أصحابه من الصوفية، من ذوي الصُحبة العامة.
[وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١]].
الشاهد من سياق الآية هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] فحُكْمه مبنيٌ على إرادته، والحكْم الأصل فيه: أنه الفصل بالحق.
لكن قد قال النبي ﵊: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) فذكر الحكْم في غير مورد الصواب.
فنقول: إنه الأصل فيه، بمعنى: أنه إذا أُطلق فإنه يراد به الصواب، ولكن إذا ذُكر في مقام الغلط فلا بد أن يكون مقيَّداً؛ ولهذا يقال: إذا حكم فاجتهد فأخطأ.
[وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]].
هذه إرادته العامَّة التي هي بمعنى المشيئة؛ لا بمعنى الأمر، فمعنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] من شاء الله هدايته شرح صدره للإسلام، ومن شاء الله ضلاله، فإنه يجعل صدره ضيقاً حرجاً.
وهذه الآية من كتاب الله سبحانه صريحةٌ في إبطال مذهب المعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعاله، وإن الله لا يهدي ولا يُضل؛ فإنها صريحة بأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهدايته فضل، وإضلاله عدل، فليس معنى: (أن الله يضل من يشاء) أنه يصرف قلب أحد أراد الإيمان عنه؛ فإنه لم يقع في الحس أن أحداً أراد الحق والإيمان إلا ويُسِّر له هذا المراد.
стр. 74
إثبات صفة المحبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]، وقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]]:
بعد أن ذكر المصنف ﵀ قاعدة مطردة عند أهل السنة والجماعة في باب أسماء الرب سبحانه وصفاته شرع بعد ذلك في ذكر الآيات من القرآن الدالة على جملة من الأسماء والصفات.
وعُنِي بذكر هذه الآيات على طريقةٍِ فيها قدر من التفصيل، وهذه العناية موجبها ابتداءً أن هذا الباب عند عامة المسلمين من أهل الإثبات من السلف والفقهاء وغيرهم مبني على النصوص؛ فمن قواعد أهل السنة والجماعة أن باب الأسماء والصفات باب توقيفي.
ولهذا لا عجب أن يستطرد المصنف بذكر هذه الآيات المتضمنة للأسماء والصفات.
وهنا مقام آخر وهو: أن الإثبات لهذا -الخبري وهو باب غيبي في جملة تفاصيله- لا بد أن يكون معتَبَراً بالخبر.
فإنه وإن قيل: أن الكليات في باب الأسماء والصفات تدرَك بالعقل، وأن بعض الصفات تدرَك بالعقل، فلا شك أن العلم بتفاصيل هذا الباب لا بد أن يكون متلقَّى عن الدليل الخبري القرآني أو النبوي.
وهنا مسألة عُنِي المصنف ﵀ بتقريرها، فإنه يقول: إن هذا الباب الذي ذكره الله مفصلاً في كتابه، لا بد أن يفقه فيه معناه، فإن الله وصف نفسه في القرآن بالإثبات والنفي، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وهذا الإثبات الذي غلب عليه التفصيل في القرآن، بعض ما ذُكِر منه مضافاً إلى الله قد جاء ذكره مضافاً إلى العبد المخلوق.
وهذه المسألة تعد عند الطوائف أصل فقه هذا الباب، ولهذا لا بد من العناية بها، فإن الله ذكر رحمته وعلمه ومحبته، وبتعبير آخر: ذكر العلم، والرحمة، والمحبة، والسمع، والبصر، مضافةً إليه، أي: أنها صفات من صفاته.
وجملة هذه الصفات قد جاء ذكرها في القرآن مضافةً إلى العبد، وهذا واضح في السياق الذي ذكره المصنف؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ذكر لصفة المحبة أضافها الله إلى نفسه في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة:٥٤] وأضاف الصفة إلى عبده بقوله: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وهلم جراً.
وإن كان لا يلزم أن كل صفة اتصف الرب بها يصح أن تكون مضافةً إلى العبد، لكن لا شك أن قدراً من الصفات المفصلة في القرآن، أضيفت إلى الله في سياق، وأضيفت إلى العبد في سياق آخر.
وقد ذهب السلف ﵏ إلى أن الإضافتين كليهما على الحقيقة، فهذه إذا أضيفت إلى الله صفة له على الحقيقة، وإذا أضيفت إلى العبد فهي صفة للعبد على الحقيقة، ولا يلزم من ذلك التشابه والتماثل؛ لأن صفة الله أضيفت إليه فهي لائقة به، وصفة العبد أضيفت إليه وهي لائقة به.
وكما عُلِم بإجماع أهل الفطرة ومن يقرون بأصل وجود الله وربوبيته من المسلمين وغير المسلمين أن ذات الباري تختلف عن ذوات المخلوقين أجمعين، من بني آدم وغيرهم، فإذا كانت ذاته بالفطرة والعقل وإجماع عامة العقلاء من المسلمين وغيرهم؛ مباينة لذوات المخلوقين؛ فإن الصفات تكون تابعة للذات؛ بل إن الذات لا يمكن أن تنفك في العقل والوجود عن صفاتها؛ ولهذا يمتنع أن ذاتاً قائمة بنفسها تكون موجودة إلا وهي متصفة بجملة من الصفات.
وجملة كثيرة من الوهم الذي دخل على أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في باب صفات الله انبنت على أن الصفات منفكة عن الذات، أو كما يعبرون: أن الصفات قدر زائد على الذات، وهذا كله لغوٌ في العقل والوجود، فإنه لا يمكن أن ذاتاً توجد منفكةً عن صفاتها، ولا يمكن أن يقال: إن الصفات قدر زائد على الذات، بل هذا التقسيم أمر يفرضه العقل، وكثير من الآراء التي تكلم بها المخالفون للسلف وزعموا أنها من العقل، حقيقتها أنها من فرض العقل، وليست من حكمه.
وكما قلت سابقاً -وهذه قاعدة ينبغي أن يستفاد منها في سائر العلوم، ليس في هذا الباب وحده، بل حتى في مسائل الأصول، والفقه، والتقاسيم، وتنزيل المسائل، وتحصيل موارد النزاع في المسائل، إلى غير ذلك-: إن ما يسمى في المنطق والقواعد بالسبر والتقسيم، أو ما يسمى عند الأصوليين وكثير من الفقهاء بتحصيل مورد النزاع في المسائل، هذا كله ينبني على تحكم العقل، أي: فروضات العقل، فلا بد أن يفرق الناظر وغيره من طلبة العلم بين أمرين:
بين الشيء الذي يفرضه العقل فرضاً، وبين الشيء الذي يتصوره العقل ويحكم به.
فإن ما فرضه العقل لا يكون له حقيقة علمية إلا إذا قبل العقل تصوره وتحكيمه، أما إذا عرض عرضاً للعقل، فهذا لا قيمة له.
فطوائف المبتدعة يقولون: إن العقل يفرق بين الذات والصفات، ونسميه فرضاً في العقل؛ ولكن العقل لا يمكن أن يتصوره.
والمسائل التي يفرضها العقل ليست هي من العقل، بل هذا أول المنازل لتحصيل المعارف، وهو من تقدير الله لهذه القوة في الإنسان ليعلم بها الأشياء ويعرف بها الحقائق.
فالمقصود أن هذا الباب لا بد من فقهه على هذا الاعتبار، فإن سائر ما أضافه الله إلى نفسه لائق به، وسائر ما أضيف إلى العباد لائق بهم، ومن هنا يمتنع أن تكون صفة واحدة من صفاته مشابهة أو مماثلة لصفات المخلوقين، وليس الجواب عن هذه الإضافة وهذه الإضافة أن يقال: إنها -أي: هذه الصفات- حقيقة في العبد وهي مجاز في حق الله، فإن هذا حقيقته التعطيل لصفات الله ، فإن الصفة من هذه الصفات إذا أضيفت إلى مخلوق في سياق، وأضيفت إلى مخلوق آخر في سياق آخر، لم يلزم من ذلك تماثل الصفة التي أضيفت إلى مخلوقَين في سياقين مختلفين، وموجب عدم تماثل الصفة أن ذات المخلوق الأول تختلف عن ذات المخلوق الثاني، فإذا كان الأمر كذلك، علم أن ما أضيف إلى الله من الصفات يمتنع أن يكون مماثلاً لصفة مخلوق، لأن الصفة تابعة للذات، والله ليس كمثله شيء.
وإذا قيل: إن إثبات صفة لله أضيفت إلى العبد يستلزم التشبيه والتمثيل.
قلنا: هذا حقيقته القول بإنكار وجود الله؛ لأن العقلاء من المسلمين وغير المسلمين الذين أقروا بوجود الله -وهم عامة بني آدم- يقولون: إن الله موجود، وإن هذه المخلوقات موجودة، ومع ذلك لم يكن وجوده كوجود المخلوقات، بل جميعهم يتفقون على أن وجوده وجود أزلي، وهذا هو معنى كونه رباً ومعنى كونه خالقاً، ولو كان وجوده مسبوقاً بالعدم لما كان رباً خالقاً.
فإذا كان وجوده باتفاق العقلاء من المسلمين وغيرهم يختلف عن وجود غيره من المخلوقات -والعالم وما فيه من الحوادث- دل ذلك على أن لفظ الوجود لفظ أضيف إلى الله وأضيف إلى هذه المحدثات جميعها، ومع ذلك اختلف مراده واختلف معناه في حق الله وحق خلقه.
وهذه قاعدة: أن كل من عارض في صفة من الصفات وزعم أن إثباتها يستلزم أن تكون مشابهة للصفة المضافة إلى المخلوق، فإنه يبين غلطه ومفارقتُه للحق بذكر صفة الوجود، فيقال له: إنك تؤمن بأن الله موجود، والمحدثات موجودة، ووجودهما مختلفان، فوجوده تعالى هو -كما يسمى- وجود واجب، ووجود المخلوقات وجود ممكن، أو بعبارة أخرى: وجود الله وجود لا أول له، وهو وجود أزلي، كما قال النبي ﷺ : (أنت الأول فليس قبلك شيء)، ووجود المحدثات مسبوق بالعدم.
ويعارَض كذلك ويغلَّط بصفة العلم، فإن الله يتصف بالعلم، والمخلوق يتصف بالعلم، فمن قال: إن العلم في حق المخلوق حقيقة وفي حق الله مجاز -ومعنى المجاز عند أهل المجاز أنه ما صح نفيه- فحقيقة قوله نفي العلم عن الله، وهلم جراً.
فهنا تعلم أن هذا الباب -باب الأسماء والصفات- لا بد أن يعتبر فيه سياق القرآن، ومن هنا قصد المصنف إلى ذلك.
وهذه الآيات التي ذكرها المصنف هي في تقرير صفة المحبة، وصفة المحبة: من صفاته المضافة إلى نفسه، وقد ذكرها الله في غير موضع، كما ذكر المصنف هنا، وذكرها النبي ﵌.
ومعناها عند أهل السنة والجماعة كغيرها من الصفات، أن الله يوصف بالمحبة.
ولكن أنبه إلى أمر مهم سبق الإشارة إليه ولا بد من تقريره على وجه أكثر تفصيلاً، فأقول: إن القاعدة المعروفة عند أهل السنة من أن الله يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ ، لا بد أن يلتزم فيها بالسياق الذي ذكره الله .
فصفة المحبة لم يذكرها الله من صفاته المطلقة، وإنما ذكرها من صفاته المضافة في مقام مختص، فإنها ما ذكرت إلا في حق المؤمنين، ولهذا فإن معنى محبته على الحقيقة: أنه يحب المؤمنين محبة تليق به ، ليست كالمحبة التي تضاف إلى المخلوق.
стр. 75
تأويل صفة المحبة عند أهل البدع
وأهل البدع مع هذه الصفة على قسمين:
- غلاتهم يفسرون المحبة بالنعمة والحوادث المخلوقة، وهذه طريقة المعتزلة ومن وافقهم.
- تعداد من انتسب منهم للسنة من المتكلمين المخالفين كالأشاعرة ونحوهم يفسرون محبة الله بالإرادة، فيقولون: المحبة هي إرادة الإنعام.
فأما من فسر المحبة بالنعمة، فلا شك أنه مخالف لصريح القرآن؛ فإن ثمة فرقاً بين نعمته وبين فعله، ولا يكون هذا المذهب إلا عند معطلة الصفات.
وإنما الذي التبس على كثير من أهل العلم المتأخرين وقلدوا فيه بعض المتكلمين، أنهم يفسرون محبة الله بإرادة الإنعام، فمثلاً: في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] يقولون: معنى ذلك أنه يريد الإنعام عليهم.
ولا شك أن هذا من التأويل المخالف للسنة، فإن ثمة فرقاً في اللغة وفي الشرع وفي العقل بين صفة الإرادة وبين صفة المحبة.
حتى إذا قيل: إنها إرادة الإنعام، فإن إرادة الإنعام في العقل والشرع لا تستلزم المحبة، فإن الله أنعم على سائر بني آدم نعماً، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] ولا شك أن نعمه التي تفضل بها على عباده من المسلمين وغير المسلمين، هي بإرادته بضرورة الشرع والعقل.
فإذا قيل: إن المحبة المذكورة في حق المؤمنين هي إرادة الإنعام، فلن يكون هناك فرق بين المؤمنين وغيرهم؛ لأن إرادة الإنعام لا تختص بالمؤمنين، فالكفار يسمعون ويبصرون، وما إلى ذلك، أي: قد أعطاهم الله جملة من النعم الظاهرة التي لا يمكن لأحد أن يجادل فيها، وحتى إذا قيل أنهم حرموا أعظم النعم وهي نعمة الهداية، فالمقصود أن الله أعطاهم جملة من النعم، وهذا بيِّن في الحس، هذه النعم بإرادته تعالى؛ فإنه لا يمكن أن يكونوا حصلوا هذه النعم من ذوات أنفسهم.
فعُلم أن إرادة الإنعام لا تختص بالمؤمنين، بل تقع إرادة الإنعام لقوم من الكفار ابتلاءً وغير ذلك، لأنه لو لم ينعم عليهم لما استطاعوا القيام بالأمر، فلو كانوا لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فلا يمكن أن يكلَّفوا؛ فهذه النعم لا بد منها لقيام التكليف وما إلى ذلك.
إذاً: هذا التفسير غلط من جهة اللغة، فإن ثمة فرقاً عند العرب بين المحبة وبين إرادة الإنعام، والإنسان قد يريد الإنعام على شخص لا من باب محبته إنما من باب دفع شره أو من باب تحصيل مصلحة أو ما إلى ذلك من الإضافات والمتعلقات.
فهذه جهة تبين الغلط المحض في هذا التفسير.
الجهة الثانية: أن يقال: لماذا لا تفسرون المحبة هنا بوجهها الصحيح؟
قالوا: إن هذا يستلزم التشبيه.
فنقول: إن كل معنىً من التشبيه فرضتموه في صفة المحبة فإنه يلزمكم في صفة الإرادة.
فهم لم يثبتوا المحبة على ظاهرها؛ لأن هذا عندهم من التشبيه.
نقول: أنتم فسرتم المحبة بالإرادة، فعندكم أن الله متصف بالإرادة، والمخلوق متصف بالإرادة، فإن قلتم: إن المحبة هي كذا وكذا في المخلوق، ويلزم أن تكون في حق الله كذلك وهذا لا يليق بالله، قيل: والإرادة كذلك.
فإذا كان معنى المحبة الذي يليق بالمخلوق لا يليق بالله، فكذلك أيضاً: الإرادة اللائقة بالمخلوق لا تليق بالله.
فإن قالوا: إرادة الله تختلف عن إرادة المخلوق.
قلنا: فمحبة الله تختلف عن محبة المخلوق.
فما من شيء يفرون منه في صفة المحبة، إلا ويلزمهم في صفة الإرادة، ومهما قالوا من التفريق في صفة الإرادة، فإنه يلزمهم في الصفة الأخرى.
الفرق بين تأويل المعتزلة وتأويل متكلمة الإثبات:
الفرق بين تأويل المعتزلة وتأويل متكلمة الإثبات من الأشاعرة والكلابية والماتريدية أن متكلمة الإثبات في الغالب لا يؤولون الصفات بالمخلوقات؛ بل يؤولون الصفات بصفات أخرى يثبتونها؛ وذلك لأنهم يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها، فصار ما ينفونه إذا ورد ذكره في القرآن تأولوه على الصفات التي يثبتونها؛ فهم يثبتون صفة الإرادة، فإذا جاءهم ذكرٌ لصفة المحبة وصفة الغضب وصفة الرحمة وما إلى ذلك من الصفات، تأولوا هذا النوع على معنى الإرادة، فصارت المحبة إرادة الإنعام، وصار الغضب إرادة الانتقام، وهكذا.
وأما الغلاة كالمعتزلة فإنهم يؤولون الصفات بالمخلوقات، وهؤلاء الرد عليهم أظهر؛ لأنهم مخالفون لصريح القرآن مخالفةً تامة.
ويقال عن الفئة الأولى -الأشاعرة والماتريدية والكلابية-: إن كل من تأول صفة ورد ذكرها في القرآن على معنى صفة يثبتها هو وطائفته فراراً من التشبيه، فإنه يلزمه في الصفة التي أثبتها مثل ما يلزمه في الصفة التي نفاها، ولا فرق.
следующие страницы →