← Акыда

Акыда · id 37783

شرح الواسطية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (214 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

شرح العقيدة الواسطية [٨] من المعلوم عند أهل النظر ومن يقرون بأصل وجود الله وربوبيته من المسلمين وغيرهم أن ذات الباري تختلف عن ذوات المخلوقين، فإن كانت ذاته بالفطرة والعقل مباينة لذوات المخلوقين، فإن الصفات تكون ثابتة للذات. وكما أن بعض الصفات التي يتصف بها الرب جل وعلا لا تصح إضافتها إلى المخلوقين، فإن بعض الصفات يمكن إضافتها إلى الخالق والمخلوق على الحقيقة، ولكنها إضافتها إلى الله تكون على وجه يليق به سبحانه، كما أن إضافتها إلى المخلوق تكون على وجه يليق به.

стр. 72

إثبات صفتي السمع والبصر [وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨]]. وهذا إثبات لاسم السميع والبصير، وكل اسم في كتاب الله أو سنة نبيه فإنه يتضمن صفة، وهذه الصفة إما أن تكون مطابقةٍ للاسم وإما أن تكون لازمةً له، فالارتباط بين الأسماء والصفات قائم على قاعدة الدلالات، فإنك تقول: إن اسم العليم يدل على صفة العلم بالمطابقة، ويدل على صفة الحياة، بالتلازم والتضمن، فإن العليم لا بد أن يكون حياً.

стр. 73

إثبات مشيئة الله وإرادته [وقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]]. هذا إثبات لمشيئته، ومشيئته عامة لكل شيء، وهناك فرق بين المعاني التي ذكرت بها الإرادة وبين المعاني التي ذكرت بها المشيئة، فإن الإرادة تُذكر ويراد بها الأمر، وتذكر ويراد بها معنى المشيئة، وهو الذي يسمَّى عند بعض أهل السنة بالإرادة الكونية أو الإرادة القدرية. [وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]]. يعلق الله سائر الحوادث بمشيئته، وهذا هو تحقيق ربوبيته ، ومشيئته الشاملة لكل شيء تُذكر في القرآن: إما مجملةً وإما مفصلة، وتفصيلها لا يختص بالخير، بل في بعض أوجه الفساد في الأرض وأوجه الشر يذكر الله أن هذا بمشيئته وإرادته. ولكنَّ الإرادة والمشيئة العامة -أعني: الإرادة الكونية- غير الإرادة الشرعية. وخالف في ذلك خلق من الصوفية الذين وقعوا فيما يسمَّى بالفناء عن شهود السوى. ولمزيد من الإيضاح أقول: إن الفناء على ثلاثة أقسام: الأول: فناء عن وجود السوى، وهذا فناء غلاة الصوفية كـ ابن عربي وابن الفارض والتلمساني وأمثال هؤلاء. الثاني: فناء عن شهود السوى، وهذا فناء متوسطيهم الذين يشهدون مقام الربوبية ويسقطون به مقام الألوهية -أي: مقام الأمر والنهي- وهؤلاء عندهم قدر من المعارضة بين القدر والشرع. الثالث: فناء عن إرادة السوى، وهذا مقام توجد فيه مخالفة. ويستعمل أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتابه (منازل السائرين) الذي شرحه ابن القيم ﵀ في كتابه (مدارج السالكين) شيئاً من الغناء عن شهود السوى؛ فـ أبو إسماعيل المعروف بشيخ الإسلام الهروي الحنبلي صاحب المنازل، وهو ذو مقام فاضل في الصفات، لكنه صوفي مغرق في التصوف، وعنده أصول أخرى من الأخطاء. والإمام ابن القيم ﵀ لمَّا شرح المنازل اعتذر كثيراً لـ أبي إسماعيل، وهذا الاعتذار الذي سلكه ابن القيم في مدارج السالكين كأنَّ بعضه ليس مناسباً، وينبغي أن يكون الحق أغلى وأعلى من قدر أبي إسماعيل الأنصاري أو غيره. ولا شك أن الهروي ﵀ كان من المجاهدين الصادقين في علمهم وفي ديانتهم، هذا فيما يتعلق بحكمه العام، وأما مآله فهو إلى الله، ولكنه ممن يُرجى له الخير الكثير، فإنه إمام وعالم وناصر للسنة في مقامات وصاحب ديانة. ومقام التقريرات التي غلط فيها في كتابه صرفها ابن القيم ﵀ -أو صرف كثيراً منها- إلى معاني تُناسب أهل السنة. وهذا ليس من المناسب، بل كان الأنسب أن يُقال: إن الهروي أخطأ في هذا الكلام، فإنَّ المتكلم إذا تكلم بكلام على مرادٍ ما، وهذا الكلام من جهة حروف اللغة يمكن أن يحمل على مرادٍ آخر، فلا يحقُّ لمن نظر هذا الكلام أن يحمله على معنىً ممكن ومؤلِّفه وصانعه والمتكلِّم به قد أراد به مراداً آخر، بل يجب أن يقال: إنه غلط. كما أن التلمساني -وهو المسمى بـ العفيف - قد تكلَّف في حمل كلام أبي إسماعيل على مراد غلاة الصوفية، فـ ابن القيم أبعده عن مرادات ضلاَّل الصوفية، والتلمساني أرجع كلام الهروي إلى مرادات الغلاة من الصوفية، وكان ينبغي أن يُوقف عند كلام الهروي على مراده، ويبيَّن أن مراده غلط، ولا سيما أنه استخدم ألفاظ الصوفية التي لا تحتمل التأويل ولا الاعتذار، خاصة أنه استخدم فصيح اللغة الذي فيه قدر من السعة في التعبير. فما حصل في كتاب المدارج ينبغي أن يُتفطَّن له، ومن أخطاء الهروي كذلك أنه بالغ في تقرير بعض مقامات العبودية، وفي قصر النفس عليها. وهذا التنبيه لا يُقصد منه التعليق على حال الإمام ابن القيم ﵀، لكن يُقصد منه أن كتاب المدارج -وهو كتاب في السلوك والتربية- كتاب شديد، أي: أنه لا يستطيع أن يقيم عليه حالاً شخص عنده تفرُّد أو عنده مقاربة لأحوال الصوفية وتفرُّداتهم. بمعنى: أن من أراد أن يُطبِّق كتاب المدارج كتربية عامة للمسلمين، فإنه يجد أن تطبيقه عزيز جداً؛ لأن فيه تعلقاً بأحوال لم يكن النبي ﵊ يذكرها للأمة، لأنها نوع من الإهلاك للنفس، فإن النفس كما ذكر الله شأنها في القرآن خُلقت على حالين: الخير والشر، والله ألهم هذه النفس فجورها وتقواها، ففيها قدر واسعٌ من الشر والقبول له، وفيها قدر واسعٌ من الخير والقبول له. فالتدقيق في أحوال النفس من جنس التدقيق الذي كان عليه الحارث بن أسد المحاسبي قد يؤتي نتيجة فاضلة لبعض الخاصة، لكن العامة لا يستطيعونه، ولا سيما أن أهل السنة ليس عندهم طريقة للخاصة وطريقة للعامة، والهروي وجّه رسالته هذه للخاصة، فهو لم يوجهها لخاصة الخاصة، ولم يوجهها للعامة، لكن قصد بها الخاصة، وهم أصحابه من الصوفية، من ذوي الصُحبة العامة. [وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١]]. الشاهد من سياق الآية هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] فحُكْمه مبنيٌ على إرادته، والحكْم الأصل فيه: أنه الفصل بالحق. لكن قد قال النبي ﵊: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) فذكر الحكْم في غير مورد الصواب. فنقول: إنه الأصل فيه، بمعنى: أنه إذا أُطلق فإنه يراد به الصواب، ولكن إذا ذُكر في مقام الغلط فلا بد أن يكون مقيَّداً؛ ولهذا يقال: إذا حكم فاجتهد فأخطأ. [وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]]. هذه إرادته العامَّة التي هي بمعنى المشيئة؛ لا بمعنى الأمر، فمعنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] من شاء الله هدايته شرح صدره للإسلام، ومن شاء الله ضلاله، فإنه يجعل صدره ضيقاً حرجاً. وهذه الآية من كتاب الله سبحانه صريحةٌ في إبطال مذهب المعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعاله، وإن الله لا يهدي ولا يُضل؛ فإنها صريحة بأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهدايته فضل، وإضلاله عدل، فليس معنى: (أن الله يضل من يشاء) أنه يصرف قلب أحد أراد الإيمان عنه؛ فإنه لم يقع في الحس أن أحداً أراد الحق والإيمان إلا ويُسِّر له هذا المراد.

стр. 74

إثبات صفة المحبة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]، وقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]]: بعد أن ذكر المصنف ﵀ قاعدة مطردة عند أهل السنة والجماعة في باب أسماء الرب سبحانه وصفاته شرع بعد ذلك في ذكر الآيات من القرآن الدالة على جملة من الأسماء والصفات. وعُنِي بذكر هذه الآيات على طريقةٍِ فيها قدر من التفصيل، وهذه العناية موجبها ابتداءً أن هذا الباب عند عامة المسلمين من أهل الإثبات من السلف والفقهاء وغيرهم مبني على النصوص؛ فمن قواعد أهل السنة والجماعة أن باب الأسماء والصفات باب توقيفي. ولهذا لا عجب أن يستطرد المصنف بذكر هذه الآيات المتضمنة للأسماء والصفات. وهنا مقام آخر وهو: أن الإثبات لهذا -الخبري وهو باب غيبي في جملة تفاصيله- لا بد أن يكون معتَبَراً بالخبر. فإنه وإن قيل: أن الكليات في باب الأسماء والصفات تدرَك بالعقل، وأن بعض الصفات تدرَك بالعقل، فلا شك أن العلم بتفاصيل هذا الباب لا بد أن يكون متلقَّى عن الدليل الخبري القرآني أو النبوي. وهنا مسألة عُنِي المصنف ﵀ بتقريرها، فإنه يقول: إن هذا الباب الذي ذكره الله مفصلاً في كتابه، لا بد أن يفقه فيه معناه، فإن الله وصف نفسه في القرآن بالإثبات والنفي، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. وهذا الإثبات الذي غلب عليه التفصيل في القرآن، بعض ما ذُكِر منه مضافاً إلى الله قد جاء ذكره مضافاً إلى العبد المخلوق. وهذه المسألة تعد عند الطوائف أصل فقه هذا الباب، ولهذا لا بد من العناية بها، فإن الله ذكر رحمته وعلمه ومحبته، وبتعبير آخر: ذكر العلم، والرحمة، والمحبة، والسمع، والبصر، مضافةً إليه، أي: أنها صفات من صفاته. وجملة هذه الصفات قد جاء ذكرها في القرآن مضافةً إلى العبد، وهذا واضح في السياق الذي ذكره المصنف؛ ففي قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ذكر لصفة المحبة أضافها الله إلى نفسه في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة:٥٤] وأضاف الصفة إلى عبده بقوله: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وهلم جراً. وإن كان لا يلزم أن كل صفة اتصف الرب بها يصح أن تكون مضافةً إلى العبد، لكن لا شك أن قدراً من الصفات المفصلة في القرآن، أضيفت إلى الله في سياق، وأضيفت إلى العبد في سياق آخر. وقد ذهب السلف ﵏ إلى أن الإضافتين كليهما على الحقيقة، فهذه إذا أضيفت إلى الله صفة له على الحقيقة، وإذا أضيفت إلى العبد فهي صفة للعبد على الحقيقة، ولا يلزم من ذلك التشابه والتماثل؛ لأن صفة الله أضيفت إليه فهي لائقة به، وصفة العبد أضيفت إليه وهي لائقة به. وكما عُلِم بإجماع أهل الفطرة ومن يقرون بأصل وجود الله وربوبيته من المسلمين وغير المسلمين أن ذات الباري تختلف عن ذوات المخلوقين أجمعين، من بني آدم وغيرهم، فإذا كانت ذاته بالفطرة والعقل وإجماع عامة العقلاء من المسلمين وغيرهم؛ مباينة لذوات المخلوقين؛ فإن الصفات تكون تابعة للذات؛ بل إن الذات لا يمكن أن تنفك في العقل والوجود عن صفاتها؛ ولهذا يمتنع أن ذاتاً قائمة بنفسها تكون موجودة إلا وهي متصفة بجملة من الصفات. وجملة كثيرة من الوهم الذي دخل على أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في باب صفات الله انبنت على أن الصفات منفكة عن الذات، أو كما يعبرون: أن الصفات قدر زائد على الذات، وهذا كله لغوٌ في العقل والوجود، فإنه لا يمكن أن ذاتاً توجد منفكةً عن صفاتها، ولا يمكن أن يقال: إن الصفات قدر زائد على الذات، بل هذا التقسيم أمر يفرضه العقل، وكثير من الآراء التي تكلم بها المخالفون للسلف وزعموا أنها من العقل، حقيقتها أنها من فرض العقل، وليست من حكمه. وكما قلت سابقاً -وهذه قاعدة ينبغي أن يستفاد منها في سائر العلوم، ليس في هذا الباب وحده، بل حتى في مسائل الأصول، والفقه، والتقاسيم، وتنزيل المسائل، وتحصيل موارد النزاع في المسائل، إلى غير ذلك-: إن ما يسمى في المنطق والقواعد بالسبر والتقسيم، أو ما يسمى عند الأصوليين وكثير من الفقهاء بتحصيل مورد النزاع في المسائل، هذا كله ينبني على تحكم العقل، أي: فروضات العقل، فلا بد أن يفرق الناظر وغيره من طلبة العلم بين أمرين: بين الشيء الذي يفرضه العقل فرضاً، وبين الشيء الذي يتصوره العقل ويحكم به. فإن ما فرضه العقل لا يكون له حقيقة علمية إلا إذا قبل العقل تصوره وتحكيمه، أما إذا عرض عرضاً للعقل، فهذا لا قيمة له. فطوائف المبتدعة يقولون: إن العقل يفرق بين الذات والصفات، ونسميه فرضاً في العقل؛ ولكن العقل لا يمكن أن يتصوره. والمسائل التي يفرضها العقل ليست هي من العقل، بل هذا أول المنازل لتحصيل المعارف، وهو من تقدير الله لهذه القوة في الإنسان ليعلم بها الأشياء ويعرف بها الحقائق. فالمقصود أن هذا الباب لا بد من فقهه على هذا الاعتبار، فإن سائر ما أضافه الله إلى نفسه لائق به، وسائر ما أضيف إلى العباد لائق بهم، ومن هنا يمتنع أن تكون صفة واحدة من صفاته مشابهة أو مماثلة لصفات المخلوقين، وليس الجواب عن هذه الإضافة وهذه الإضافة أن يقال: إنها -أي: هذه الصفات- حقيقة في العبد وهي مجاز في حق الله، فإن هذا حقيقته التعطيل لصفات الله ، فإن الصفة من هذه الصفات إذا أضيفت إلى مخلوق في سياق، وأضيفت إلى مخلوق آخر في سياق آخر، لم يلزم من ذلك تماثل الصفة التي أضيفت إلى مخلوقَين في سياقين مختلفين، وموجب عدم تماثل الصفة أن ذات المخلوق الأول تختلف عن ذات المخلوق الثاني، فإذا كان الأمر كذلك، علم أن ما أضيف إلى الله من الصفات يمتنع أن يكون مماثلاً لصفة مخلوق، لأن الصفة تابعة للذات، والله ليس كمثله شيء. وإذا قيل: إن إثبات صفة لله أضيفت إلى العبد يستلزم التشبيه والتمثيل. قلنا: هذا حقيقته القول بإنكار وجود الله؛ لأن العقلاء من المسلمين وغير المسلمين الذين أقروا بوجود الله -وهم عامة بني آدم- يقولون: إن الله موجود، وإن هذه المخلوقات موجودة، ومع ذلك لم يكن وجوده كوجود المخلوقات، بل جميعهم يتفقون على أن وجوده وجود أزلي، وهذا هو معنى كونه رباً ومعنى كونه خالقاً، ولو كان وجوده مسبوقاً بالعدم لما كان رباً خالقاً. فإذا كان وجوده باتفاق العقلاء من المسلمين وغيرهم يختلف عن وجود غيره من المخلوقات -والعالم وما فيه من الحوادث- دل ذلك على أن لفظ الوجود لفظ أضيف إلى الله وأضيف إلى هذه المحدثات جميعها، ومع ذلك اختلف مراده واختلف معناه في حق الله وحق خلقه. وهذه قاعدة: أن كل من عارض في صفة من الصفات وزعم أن إثباتها يستلزم أن تكون مشابهة للصفة المضافة إلى المخلوق، فإنه يبين غلطه ومفارقتُه للحق بذكر صفة الوجود، فيقال له: إنك تؤمن بأن الله موجود، والمحدثات موجودة، ووجودهما مختلفان، فوجوده تعالى هو -كما يسمى- وجود واجب، ووجود المخلوقات وجود ممكن، أو بعبارة أخرى: وجود الله وجود لا أول له، وهو وجود أزلي، كما قال النبي ﷺ : (أنت الأول فليس قبلك شيء)، ووجود المحدثات مسبوق بالعدم. ويعارَض كذلك ويغلَّط بصفة العلم، فإن الله يتصف بالعلم، والمخلوق يتصف بالعلم، فمن قال: إن العلم في حق المخلوق حقيقة وفي حق الله مجاز -ومعنى المجاز عند أهل المجاز أنه ما صح نفيه- فحقيقة قوله نفي العلم عن الله، وهلم جراً. فهنا تعلم أن هذا الباب -باب الأسماء والصفات- لا بد أن يعتبر فيه سياق القرآن، ومن هنا قصد المصنف إلى ذلك. وهذه الآيات التي ذكرها المصنف هي في تقرير صفة المحبة، وصفة المحبة: من صفاته المضافة إلى نفسه، وقد ذكرها الله في غير موضع، كما ذكر المصنف هنا، وذكرها النبي ﵌. ومعناها عند أهل السنة والجماعة كغيرها من الصفات، أن الله يوصف بالمحبة. ولكن أنبه إلى أمر مهم سبق الإشارة إليه ولا بد من تقريره على وجه أكثر تفصيلاً، فأقول: إن القاعدة المعروفة عند أهل السنة من أن الله يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ ، لا بد أن يلتزم فيها بالسياق الذي ذكره الله . فصفة المحبة لم يذكرها الله من صفاته المطلقة، وإنما ذكرها من صفاته المضافة في مقام مختص، فإنها ما ذكرت إلا في حق المؤمنين، ولهذا فإن معنى محبته على الحقيقة: أنه يحب المؤمنين محبة تليق به ، ليست كالمحبة التي تضاف إلى المخلوق.

стр. 75

تأويل صفة المحبة عند أهل البدع وأهل البدع مع هذه الصفة على قسمين: - غلاتهم يفسرون المحبة بالنعمة والحوادث المخلوقة، وهذه طريقة المعتزلة ومن وافقهم. - تعداد من انتسب منهم للسنة من المتكلمين المخالفين كالأشاعرة ونحوهم يفسرون محبة الله بالإرادة، فيقولون: المحبة هي إرادة الإنعام. فأما من فسر المحبة بالنعمة، فلا شك أنه مخالف لصريح القرآن؛ فإن ثمة فرقاً بين نعمته وبين فعله، ولا يكون هذا المذهب إلا عند معطلة الصفات. وإنما الذي التبس على كثير من أهل العلم المتأخرين وقلدوا فيه بعض المتكلمين، أنهم يفسرون محبة الله بإرادة الإنعام، فمثلاً: في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] يقولون: معنى ذلك أنه يريد الإنعام عليهم. ولا شك أن هذا من التأويل المخالف للسنة، فإن ثمة فرقاً في اللغة وفي الشرع وفي العقل بين صفة الإرادة وبين صفة المحبة. حتى إذا قيل: إنها إرادة الإنعام، فإن إرادة الإنعام في العقل والشرع لا تستلزم المحبة، فإن الله أنعم على سائر بني آدم نعماً، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] ولا شك أن نعمه التي تفضل بها على عباده من المسلمين وغير المسلمين، هي بإرادته بضرورة الشرع والعقل. فإذا قيل: إن المحبة المذكورة في حق المؤمنين هي إرادة الإنعام، فلن يكون هناك فرق بين المؤمنين وغيرهم؛ لأن إرادة الإنعام لا تختص بالمؤمنين، فالكفار يسمعون ويبصرون، وما إلى ذلك، أي: قد أعطاهم الله جملة من النعم الظاهرة التي لا يمكن لأحد أن يجادل فيها، وحتى إذا قيل أنهم حرموا أعظم النعم وهي نعمة الهداية، فالمقصود أن الله أعطاهم جملة من النعم، وهذا بيِّن في الحس، هذه النعم بإرادته تعالى؛ فإنه لا يمكن أن يكونوا حصلوا هذه النعم من ذوات أنفسهم. فعُلم أن إرادة الإنعام لا تختص بالمؤمنين، بل تقع إرادة الإنعام لقوم من الكفار ابتلاءً وغير ذلك، لأنه لو لم ينعم عليهم لما استطاعوا القيام بالأمر، فلو كانوا لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فلا يمكن أن يكلَّفوا؛ فهذه النعم لا بد منها لقيام التكليف وما إلى ذلك. إذاً: هذا التفسير غلط من جهة اللغة، فإن ثمة فرقاً عند العرب بين المحبة وبين إرادة الإنعام، والإنسان قد يريد الإنعام على شخص لا من باب محبته إنما من باب دفع شره أو من باب تحصيل مصلحة أو ما إلى ذلك من الإضافات والمتعلقات. فهذه جهة تبين الغلط المحض في هذا التفسير. الجهة الثانية: أن يقال: لماذا لا تفسرون المحبة هنا بوجهها الصحيح؟ قالوا: إن هذا يستلزم التشبيه. فنقول: إن كل معنىً من التشبيه فرضتموه في صفة المحبة فإنه يلزمكم في صفة الإرادة. فهم لم يثبتوا المحبة على ظاهرها؛ لأن هذا عندهم من التشبيه. نقول: أنتم فسرتم المحبة بالإرادة، فعندكم أن الله متصف بالإرادة، والمخلوق متصف بالإرادة، فإن قلتم: إن المحبة هي كذا وكذا في المخلوق، ويلزم أن تكون في حق الله كذلك وهذا لا يليق بالله، قيل: والإرادة كذلك. فإذا كان معنى المحبة الذي يليق بالمخلوق لا يليق بالله، فكذلك أيضاً: الإرادة اللائقة بالمخلوق لا تليق بالله. فإن قالوا: إرادة الله تختلف عن إرادة المخلوق. قلنا: فمحبة الله تختلف عن محبة المخلوق. فما من شيء يفرون منه في صفة المحبة، إلا ويلزمهم في صفة الإرادة، ومهما قالوا من التفريق في صفة الإرادة، فإنه يلزمهم في الصفة الأخرى. الفرق بين تأويل المعتزلة وتأويل متكلمة الإثبات: الفرق بين تأويل المعتزلة وتأويل متكلمة الإثبات من الأشاعرة والكلابية والماتريدية أن متكلمة الإثبات في الغالب لا يؤولون الصفات بالمخلوقات؛ بل يؤولون الصفات بصفات أخرى يثبتونها؛ وذلك لأنهم يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها، فصار ما ينفونه إذا ورد ذكره في القرآن تأولوه على الصفات التي يثبتونها؛ فهم يثبتون صفة الإرادة، فإذا جاءهم ذكرٌ لصفة المحبة وصفة الغضب وصفة الرحمة وما إلى ذلك من الصفات، تأولوا هذا النوع على معنى الإرادة، فصارت المحبة إرادة الإنعام، وصار الغضب إرادة الانتقام، وهكذا. وأما الغلاة كالمعتزلة فإنهم يؤولون الصفات بالمخلوقات، وهؤلاء الرد عليهم أظهر؛ لأنهم مخالفون لصريح القرآن مخالفةً تامة. ويقال عن الفئة الأولى -الأشاعرة والماتريدية والكلابية-: إن كل من تأول صفة ورد ذكرها في القرآن على معنى صفة يثبتها هو وطائفته فراراً من التشبيه، فإنه يلزمه في الصفة التي أثبتها مثل ما يلزمه في الصفة التي نفاها، ولا فرق.

стр. 76

تميز أهل السنة في العبودية لله من فقههم لصفات الله إن المعاني التي تذكر في مقام العبودية عن محبة الله لا يدركها أولئك المتكلمون، وهذا يبين أن مسألة الأسماء والصفات ليس صحيحاً أنها من المسائل النظرية، بل هي من المسائل الإيمانية المتعلقة بالعبادة. ونقصد بهذا أن محبة الله لما فسرها من فسرها من المتكلمين بإرادة الإنعام، صاروا إذا ذكرت هذه الصفة في القرآن في مقام العبودية يقصر فهمهم عنها. مثلاً: الأصول الثلاثة للعبادة، وهي أصول العبودية عند الصحابة ﵃، وهي عبادته محبة، وعبادته خوفاً، وعبادته رجاءً؛ ترى كثيراً من الصوفية ومن تأثر بهم، وكذلك بعض المتكلمين الذين تكلموا في الأحوال ومسائل العبادة والسلوك إذا ذكروا الخوف فسروه بالخوف من العذاب أو من عذاب جهنم، وإذا ذكروا رجاء الله قالوا: يعبد رجاء جنته، وما فيها من النعيم. ولا شك أن تفسير الخوف والرجاء بهذا تفسير قاصر؛ لأن أعظم الرجاء ليس هو رجاء الجنة، بل أعظم الرجاء هو رجاء محبته ورضاه؛ ولهذا قال تعالى في سياق ما وعد به المؤمنين: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فرضاه ومحبته لعباده أعظم رجاء منهم إليه مما في جنته من النعيم. وكذلك الخوف؛ فإنه لا شك أن الخوف من النار من الخوف الشرعي ومن الخوف العبادي؛ لكن أشرف الخوف في مقام العبودية هو الخوف من سخطه وغضبه ومقته وما إلى ذلك. فبفقه هذه الأسماء والصفات يقع لأهل السنة في مقام الأحوال والسلوك ما لا يقع لغيرهم من التقرير. إذاً: قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] إثبات لصفة المحبة. وكذلك قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] إثبات لها كذلك. وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧] إثبات لها كذلك. هذه الآيات الثلاث فيها قدر آخر من المعنى فيه اشتراك، فإن الله علق محبته لعباده بمقام العدل. فإن قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] ذكر لمقام العدل، فإن أشرف مقامات العدل: الإحسان، ولهذا قال النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) كما في الصحيحين، وهذا عدل من جهة، وإحسان من جهة أخرى. ولهذا نقول: إن كل عدل فإنه إحسان، وليس صحيحاً ما يتبادر أن الإحسان هو الأمر الذي يقع على سبيل التفضل، أو أن الإحسان هو الأمر الذي لا يكون واجباً، وأن الأمر إذا كان واجباً لا يسمى إحساناً، بل الإحسان هو الفعل لما يستحق، سواء كان هذا الاستحقاق على الوجوب أو لم يكن كذلك. ولهذا لما ذُكِرَتْ مقامات العبودية، جُعِل أشرفها مقام الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه). وكذلك قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة:٧] هذه كلها تحقيق لمبدأ العدل. ولهذا مِن أشرف مسائل العبودية المتعلقة بحقوق الخلق أن يكون العبد على قدر من العدل والإحسان. ولهذا لما ذكر النبي ﵊ المخرج من الفتن -كما في حديث عبد الله بن عمر في الصحيح- قال: (فمن أحب أن يُزَحْزَح عن النار ويُدْخَل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر. ثم قال: وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه).

стр. 77

إثبات صفة الرحمة وأن الله غفور رحيم ودود قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]، وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]، وقوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]]. من صفاته (الرحمة)، وثمة فرق بين ذكر رحمته وبين ذكر محبته، فإن الله سبحانه ذكر رحمته صفةًَ، وذكر سبحانه أن من أسمائه: الرحمن، ومن أسمائه: الرحيم، ولم يجعل من أسمائه المحب، وما إلى ذلك، وذلك لأن مقام الرحمة أوسع من مقام المحبة، ولهذا تعلقت رحمته بجميع خلقه من المسلمين وغير المسلمين، بخلاف محبته، فإنها لم تتعلق إلا بأهل الإيمان والطاعة، وكأن هذا هو الفرق أو الموجب لكون المحبة لم تذكر في باب الأسماء، وإنما ذكرت في باب الصفات، بخلاف الرحمة فإنها ذكرت اسماً وذكرت صفةً، لأن الرحمة أوسع، بمعنى أنها متعلقة بسائر مَن خلق الله. ولهذا قال النبي ﷺ -كما في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة -: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمةً واحدة، فبها يتراحم العباد، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأبقى تسعاً وتسعين يرحم بها عباده يوم القيامة)، وجاء في بعض الروايات في الصحيح: (إن الله خلق مائة رحمة)، وهذا لا يُشْكِل، ولا يجوز أن يكون حجة لمعطلة الصفات على أهل السنة، لأن الرواية الأخرى المروية عن النبي ﷺ يقول فيها: (إن الله خلق مائة رحمة)، وتعلم أن صفات الله ليست مخلوقة، بل هي قائمة بذاتها. فهنا قاعدة: (إن بعض ما ذكر صفة في القرآن أو في السنة، قد يذكر على معنى المفعول والأثر)، بمعنى أن الرحمة قد تذكر صفةً، وقد تذكر في مقام آخر، ويراد بها الأثر الذي يقع عن الرحمة، كقوله تعالى مثلاً: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم:٥٠] فأنت تقول: إن هذه النعم هي آثار رحمة الله. أليس كذلك؟ وعن السمع تقول: هذه رحمة الله أو نعمة من الله. فهل السمع هو الصفة القائمة بذات الرب؟ كلا؛ لأن السمع أو البصر أو العقل أو الصحة أو ما إلى ذلك، هي أشياء مخلوقة. فهذه تقول: إنها آثار لرحمة الله، فهذه الآثار تارةً تسمى آثاراً وتارةً تسمى باسم موجبها وهي الصفة، فتسمى نعمة أو رحمة أو ما إلى ذلك من الأسماء. فقوله: (إن لله مائة رحمة) المقصود به الآثار (إن الله خلق مائة رحمة) أي مائة أثر، وهي الرحمة المخلوقة التي تقوم في نفوس الناس، وبها يتراحمون، قال: (وأبقى تسعاً وتسعين) أي من آثار رحمته، وإلا فإن رحمته لا تحد بعدد. وفي قوله تعالى:: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] مسألة مهمة، وهي أن الله يكتب على نفسه، هذه جاء ذكرها في القرآن وجاء ذكرها في السنة في مثل قول النبي ﷺ : (إن الله كتب في كتاب عنده فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي). وفي رواية: (إن رحمتي سبقت غضبي) والحديث رواه البخاري من رواية ابن عباس وأبي هريرة. فهذه الكتابة المضافة إلى الله : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام:٥٤]، (إن الله كتب في كتاب عنده) تثبت على ظاهرها، ولا تُتأوَّل؛ فإن القاعدة فيها كغيرها، أنها تثبت على ظاهرها. وقد ذكر المتأخرون مسألة: هل للعباد على الله حق واجب، أم ليس كذلك؟ فتكلمت المعتزلة بقدر واسع من الإيجاب على الله، وذلك أن أفعال العباد عندهم مخلوقة للعباد، وأن الله يثيب العباد على محض أفعالهم، وليس من باب رحمته. وهم قوم يبنون قواعدهم على المعاوضة، ولهذا توسعوا في إثبات الكتابة على الله بما لم يقع مثله في الشرع. وبالغ قوم كالأشعرية ونحوهم بنفي ذلك. والصواب أن ما ذكر مما ورد في النصوص في هذا الباب فهو حق على ظاهره. وقد قال النبي ﷺ : (ما حق العباد على الله؟ وما حق الله على العباد؟) فللعباد حق عليه أن لا يعذب من لم يشرك به؛ وهذا الحق ليس مما ينقص مقام الربوبية.

стр. 78

إثبات صفة الرضا قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]]. في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] إثبات لصفة الرضا. والمعتزلة وغيرهم من المعطلة: أوَّلوها بالنعم. والأشاعرة: تأولوها بالإرادة. وقد تبيَّن ما في المسلكين من الغلط.

стр. 79

قاعدة في الصفات الفعلية قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]]. فيه إثبات غضبه ، وإثبات لعنه، ولكن غضبه ولعنه لا يذكر مطلقاً، بل يذكر مضافاً. ويعاب على كثير من المتأخرين من أهل السنة أنهم قرروا صفات الله بوجه ليس له أصل في القرآن، فلا يفرقون بين ورود صفة العلم وبين ورود صفة المكر، ولا شك أن هذا ليس من الكمال. فتجدهم يقولون: ومن صفاته: العلم، والرحمة، والغضب، والمكر، والقدرة، والعزة، مع أن مقامها في القرآن ليس واحداً، فهناك جملة من الصفات جاء ذكرها اسماً، أي: سمي الله بمدلولها، فصار من أسمائه الرحمن، والعليم، والسميع، والبصير. ولا شك أن ما جاء ذكره من الصفات اسماً، فهو مبني على الإطلاق، وأما ما لم يرد بذكره اسم، فقد يكون له وجه من الإطلاق، وقد يكون له وجه من الإضافة. فلا بد أن تلتزم هذه القاعدة في تقرير صفات الرب ؛ لأن الله ما ذكر المكر صفة مطلقة له، فلا يحق لأحد أن يقول: إن من صفاته: المكر، والقاعدة في هذا الباب مبنية على اللغة وعلى العقل، والاعتبار الأول للعقل، واللغة أداة للفهم، فهي وسيلة يتوصل بها إلى مدلولات العقل بحسب تخاطبات بني آدم، ولهذا لا يلزم أن تكون اللغة هي العربية، إنما نزل القرآن بلغة العرب، لكن نزلت التوراة والإنجيل بغير العربية، وجمهور كتب الأنبياء لم تكن بالعربية، فليس بالضرورة أن نقول: لغة العرب، وإنما نقول: اللغة. ومن جهة حكم العقل على المعاني يختلف المعنى المطلق عن المعنى المضاف المقيد، ولا أحد من العقلاء يعطي المعاني المضافة أحكام المعاني المطلقة، فكما أن التقييد للمطلق وهم، فكذلك الإطلاق للمقيد وهم، والمعنى المقيد في العقل يختلف عن المعنى المطلق. وهناك معانٍ إذا قيدها العقل فسدت؛ لأن العقل لا يقبلها إلا مطلقة، ولا تكون كمالاً إلا مطلقة، فلو قيد علم الله بأشياء دون أشياء، فإن ذلك لا يكون كمالاً؛ بل يكون نقصاً؛ لأنه يستلزم أن ثمة قدراً من المتعلقات يلحقها الجهل؛ وكذلك الصفات المقيدة لا يجوز إطلاقها؛ لأنها إذا أطلقت أصبحت نقصاً. فليس من صفات الله المطلقة: المكر؛ لأن هذه الصفة على الإطلاق ليست مدحاً، ولهذا ذكرها الله مقيدة. فيجب أن يُلْتَزَم سياق القرآن في الصفات. تذكر ولا إلا بألفاظ القرآن والسنة، أو بتعبير من المتكلم؛ لكن يكون هذا التعبير موافقاً لسياقها المذكور في القرآن أو في السنة.

стр. 80

مسألة لعن المعين قال المصنف ﵀: [قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]]. في هذه الآية إثبات: غضب الله على قاتل المؤمن وإثبات لعن الله له، هذا هو المعنى المراد في الآية، وفيها مسألة أخرى، وهي لعن المعين من الفساق، فإن الله ذكر بعض الكبائر ولعن أصحابها، فهل يلعن أصحابها أم لا يلعنون؟ أما لعن الجملة: فقد جاء ذكره في القرآن والسنة، مثل: لعن آكل الربا، ولعن السارق، كقول النبي ﷺ : (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)، كما في حديث عائشة في الصحيح، فهذا اللعن للنوع لا بأس به. أما لعن المعين: كسارق بعينه، أو قاتل بعينه، أو ما إلى ذلك ممن لُعن في القرآن أو في السنة نوعه، فالجمهور من السلف -وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد وكبار المتقدمين- أن هذا لا يجوز؛ لأن هذا لم يرد ذكره في النصوص. ولعن النوع لا يستلزم لعن المعين، ولا سيما إذا اعتبرت قاعدة أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر. فإنه لا يلزم أن يلحقهم اللعن على معناه؛ لأنه قد يغفر الله لهم، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فقد يغفر له ولو لم يتب، ومن هنا لا يلزم أن يكون هذا اللعن لاحقاً له. إذاً: عندنا جهتان في عدم لعن المعين: الجهة الأولى: أن هذا ليس له سلف في تفصيل القرآن والسنة وهدي الرسول وأصحابه. الجهة الثانية: جهة المعنى، فإنك تقول: إذا كانت قاعدة أهل السنة: أن الله قد يغفر لأهل الكبائر، أو لمن لُعنوا من أهل الكبائر مغفرة محضة، وهذا متفق عليه بين السلف، حتى ولو لم يتوبوا، فقد يغفر الله لهم عفواً وفضلاً، وقد تكون لهم حسنات أكثر من سيئاتهم، إلى غير ذلك. فإذا غفر الله لهم لم يلحقهم اللعن، ولم يلحقهم الوعيد؛ لأن اللعن من الوعيد .. ومن لعن معيناً كمن لعن سارقاً مثلاً، فهذا اللاعن إما أن يكون لعْنُه للسارق يقصد به الإخبار، فلعنه على جهة الإخبار لا يجوز، لأن الإخبار جزم، والجزم ليس سائغاً؛ لأن الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وإما أن اللاعن يلعن المعين لا من باب الإخبار، وإنما من باب الدعاء، فلعنُه دعاءً فيه إغلاق للرحمة. وقد يقول قائل: على هذا يلزم أن لا يجوز الدعاء على أحد. نقول: ليس كذلك؛ لأن ثمة فرقاً بين مطلق الدعاء وبين الدعاء باللعن ونحوه. ومن هنا ترك أئمة السنة كـ أحمد وغيره اللعن للمعين من الفساق، وسوَّغه جماعة من أصحاب الأئمة كـ ابن الجوزي، وكـ أبي حامد الغزالي. ومع ذلك نقول: إن هذه المسألة ليس فيها إجماع، وقد حكى بعض المتأخرين إجماع السلف على عدم جواز لعن المعين الملعون نوعُه في القرآن أو في السنة، وهذا الإجماع ليس بصحيح، نعم هو المشهور في مذهب المتقدمين، وهو المنقول في جوابات كثير من الأئمة، لكنه ليس إجماعاً؛ فالجزم بالإجماع لا وجه له؛ لأن هذا الإجماع لم ينضبط. إذاً: ذكرنا وجهين لمنع لعن المعين: الوجه الأول: التأسي بالسلف الذين ما كانوا يلعنون. الثاني: أن في اللعن قدراً من الإغلاق. بعض المتأخرين يقول: إن سبب عدم جواز اللعن للمعين: أن اللعن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله والإقصاء المطلق، ومرتكب الكبيرة كالسارق -مثلاً- مُسلِم؛ فلا يُدعَى عليه بالإقصاء المطلق عن رحمة الله؛ لأن الإقصاء والطرد والإبعاد عن رحمة الله إنما يكون في حق الكفار. وهذا وإن كثر في كلام بعض المتأخرين، إلا أنه ليس بصحيح؛ لأنه لو كان هذا هو المعنى لما أمكن لعن حتى النواة. إذا فُسِّر اللعن بأنه: الطرد والإبعاد المطلق عن رحمة الله، لما أمكن اللعن حتى للنواة، إلا على طريقة بعض الصوفية، الذين يقولون: إن اللعن هنا من باب التخويف، وليس من باب الحقيقة، وإلا لو لحق اللعن، ولو لواحد، فإنه يكون قد أبعد عن رحمة الله مطلقاً، وليس له أدنى حظ من الرحمة. ومن هنا فسروا اللعن المذكور في النوع بأنه ليس على الحقيقة، وإنما هو من باب الزجر والتخويف. وهذا ليس بصحيح. بل كما قال شيخ الإسلام ﵀: (ما من وعيد ذكر في القرآن أو في السنة إلا وله حقيقة، وما من وعد ذكر في القرآن أو في السنة إلا وله حقيقة). وقال ﵀: (ومع أن الله ورسوله ﷺ -فيما جاء في الكتاب والسنة- قد تحقق من قولهما أن أهل الكبائر تحت مشيئة الله؛ ولكن هذه المشيئة وإن كانت غير مقيدة في القرآن إلا أنه لما جاء ذكر وعيده ولعنه وغضبه لجملة الفساق علم أن المغفرة المحضة لا تلحقهم). ولهذا كان من إجماعات أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر: أن قوماً منهم يعذبون، وقوماً منهم يغفر لهم، ولم يقل أحد من السلف: إن جميع أهل الكبائر قد يغفر لهم، بل أجمعوا على أن قدراً منهم يعذبون، وهذا صريح في نصوص الشفاعة، وهذا هو تحقيق الوعيد، وغفرانه لجملة منهم هو تحقيق الوعد. فإذاً: قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] هذا وعد، والوعد والوعيد كثيرٌ في القرآن، فكل وعد أو وعيد لا بد له من حقيقة، ولا يمكن أن يكون المقصود به مجرد التخويف. ولكن لما قال بعض أئمة السنة المتقدمين في بعض نصوص الوعيد: إنها على ظاهرها، أو قالوا جملة نحو ذلك، ظن بعض المتأخرين أن مقصود السلف أنها لا حقيقة لها، وإنما يقصد منها مجرد التخويف. يقول شيخ الإسلام ﵀: (ومن فسر قول بعض المتقدمين من السلف بهذا، فهذا حقيقته أنه لم يفقه قول الله ورسوله، ولم يقدر قول السلف حق قدره، بل ليس في الكتاب ولا في السنة وعيد إلا وله حقيقة)، وأما مجرد التخويف الذي معناه أنه لا حقيقة له، فيُنَزَّه الباري عنه، لأن حقيقته الوهم، ولا يمكن أن يتأثر مخاطب إذا عرف أن هذا الوعيد ليس له حقيقة. وليس معنى هذا أن كل وعيد مطلق يلزم كل معين، فإننا نعلم أن الله يغفر لقوم من أهل الربا، وقوم من أهل الزنا، وقوم من أهل الخمر، ومن أهل السرقة، إلى غير ذلك، ومغفرته قد تكون بتوبة، وقد تكون بحسنات ماحية، وقد تكون بمصائب مكفرة، وقد تكون بدعاء. والإمام ابن تيمية ذكر عشرة أسباب مسقطة للوعيد والعقوبة: التوبة واحد منها. إذاً: كأن من الوهم أن يقال: اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله بإطلاق، وهذا التفسير ورد في كلام المفسرين كثيراً، وحُكِي حتى عن بعض المتقدمين، وهذا الإطلاق فيه نظر؛ لأن الله لعن بعض الفساق ومعهم أصل الإيمان، فليس المقصود من لعنهم: الطرد والإبعاد المطلق عن رحمته. إذاً: ليس الموجب لعدم لعن المعين أن اللعن هو: الطرد والإبعاد المطلق، بل الموجب ما تقدم من التأسي، وما فيه من الإغلاق أو الجزم.

стр. 81

مسألة قبول توبة القاتل قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ [النساء:٩٣]: المراد مسلماً، سواء كان فاسقاً أو براً صادقاً، وليس الوعيد فقط خاصاً بمن قتل من يكون من أهل الإيمان المحقق، فإن الإيمان هنا يراد به أصل الإيمان وليس الإيمان المطلق. من قتل مؤمناً متعمداً هل له توبة أو ليس له توبة؟ الجمهور من السلف والخلف على أن له توبة. وصح عن ابن عباس -فيما رواه مسلم وغيره من رواية سعيد بن جبير - أن القاتل عمداً ليس له توبة، وهذا المذهب لا شك أنه ليس بصحيح، وإن قاله ابن عباس ﵄، فإن القرآن والسنة متواتران على أن كل أحد له توبة حتى المشرك، وابن عباس يقول بهذا، فإذا كان المشرك له توبة، فمن باب أولى أن القاتل عمداً يكون له توبة. فإن قيل: إن القاتل عمداً تعلق به حق آدمي. قيل: فيلزم على هذا أن كل من تعلق به حق آدمي لا توبة له، وهذا لا يقول به ابن عباس؛ فهذا مذهب ضعيف لا شك في ضعفه. لكن ما معنى قول ابن عباس؟ حَكى ابن حزم أن ابن عباس يذهب إلى أن القاتل عمداً يعذب، وهذا ليس بصحيح، ولم يقله ابن عباس، وابن عباس أفقه من هذا، إنما ابن عباس يقول: (لا توبة له)، وليس معناها أنه يعذب؛ بل المعنى أنه يوافي ربه بالذنب، وإذا وافى ربه بالذنب صار عند ابن عباس وغيره تحت قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. إذاً: فرقٌ بين أن يقال: إن ابن عباس يقول: (لا توبة له) وبين أن يقال: إن ابن عباس يقول: إنه يعذب ويدخل النار. وأشد من ذلك غلطاً: قول من قال: إن ابن عباس يقول: إنه مخلد في النار. إذاً: هناك غلطان في الكتب المتأخرة على ابن عباس: من يقول: إنه يعذب بقدر ذنبه، ثم يخرج من النار. فهذا ابن عباس لا يجزم به. وأشد منه غلطاً من يقول: إن ابن عباس يقول: إنه يخلد في النار. فهذا لا يمكن أن يذهب إليه ابن عباس، وهو الذي ناظر الخوارج في مسألة الكبيرة. إنما المنضبط عن ابن عباس أنه يقول: (لا توبة له)، أي: أنه يوافي ربه بالذنب. وقد جاءت رواية أخرى عن ابن عباس تدل على رجوعه. هل رجع ابن عباس أو لم يرجع؟ هذه مسألة مختلف فيها، والأظهر: أنه لم يرجع عن قوله ﵀ ورضي عنه؛ ولكن هذا قول قاله باجتهاد وقد خالف النصوص، فلا إشكال في ترك قوله.

стр. 82

مسألة قتل المسلم لنفسه أشكل على قوم من أهل العلم ما ورد في قاتل نفسه من النص، فإن النبي ﷺ قال كما في الصحيحين: (من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) فصار بعض المتأخرين يقولون: إن قتل النفس عمداً يستلزم الخلود في النار، وصار بعضهم يتوقف في من قتل نفسه عمداً، هل يخلد في النار، أم أن مآله إلى الجنة. أما الذين يقولون: إنه يخلد في النار، فهم لا يحققون هذا مع قاعدتهم المعروفة في أهل الكبائر عند سواد أهل السنة والجماعة؛ بل عامة المسلمين أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار. لكن الذي ينبغي أن ينبه إليه وهو الذي وقع فيه بعض أهل العلم حتى من المعاصرين: أنهم توقفوا في من قتل نفسه: هل يخلد في النار، أم أن مآله إلى الجنة. فقالوا: الله أعلم، هذه مسألة مشكلة، الأصول تقول: إنه كأهل الكبائر، والنص يقول: (خالداً مخلداً فيها أبداً). وهنا قاعدة فاضلة، وقد ذكرها الله في القرآن وهي من باب أولى فيما أشكل من أحرف السنة، مع أن القرآن من جهة الثبوت قطعي، بخلاف السنة، فإن منها ما هو قطعي الثبوت، ومنها ما هو ظني، والظن يتردد إلى درجات كثيرة. الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] فدل هذا على أن في القرآن محكماً ومتشابهاً. والوارد من أحاديث النبي ﵌ قد يكون فيه بعض المتشابه، وسبب التشابه هنا قد يكون جهة الثبوت، وهذا هو الغالب، ولهذا ليس هناك نص من السنة انضبطت صحته عن الرسول ﷺ يخالف نصاً صريحاً في كتاب الله أو يخالف قاعدة. وقاعدة: أن أهل الكبائر تحت مشيئة الله، وأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، من القواعد القطعية في القرآن والسنة. فقد تكون هناك بعض النصوص المشكلة؛ لكن إذا تأملت فيها وجدت أنها ليست قطعية الثبوت. فهل يقال فيها بالرد؟ الجواب: لا يلزم أن يقال فيها بالرد والتكذيب، كما يسلكه بعض المتكلمين، أن ما خالف القطعي من الظني يكذبونه ويردونه، أي: يبطلون صحته، ثم هم في تحديد القطعي على إشكال، فهم يختلفون حتى في تحديدهم لِمَا هو قطعي. فإن المنهج المعتدل عند السلف: أنهم لا يبطلونه رداً، ولكنهم يفسرونه على معنىً يناسب القاعدة القطعية. فكل ما كان من الأحرف مشتبه الثبوت لا يلزم ردُّه؛ لكن لا يصح أن يفسر بما يعارض القطعي. فهذا الحديث الذي ثبت في البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة فيه قوله: (خالداً مخلداً فيها أبداً) يعارض بظاهره القاعدة التي تنص على أنه لا يخلد في النار إلا الكفار. وعلى هذا نقول: لا يمكن أن يكون هذا الحديث على المعنى المتبادر، وهذا أجود من أن نقول: لا يمكن أن يكون الحديث على ظاهره؛ لأنه ربما كان هناك فساد في ذوق اللغة عند أكثر المتأخرين، وعصرنا داخل في هذا الإشكال. فإذا أردت أن تفسر الحديث أو القرآن تفسيراً لغوياً فلا تعتبر الكلمة المفردة، وجمهور التفسير اللغوي للقرآن والسنة لا يعتمد على الكلمات المفردة، وإنما يعتمد على السياقات. العرب كانوا يتذوقون اللغة، ولاسيما الجاهليين منهم. فكونك تحس ذوق اللغة ليس أمراً سهلاً، ولا يتحقق ذلك من خلال نظرك في قاموس أو في معجم أو ما إلى ذلك، فإن اللغة لسان، وليست علماً يُتَعَلم، ولهذا ما كان علماً محدداً أمكنك أن تكتبه، بخلاف الشيء إذا ما كان ذوقاً، إذ ليس له نظام يستطيع أحد ضبطه. صحيح أن علماء اللغة وضعوا القواميس ودرسوا البلاغة وما إلى ذلك؛ لكن بقي أن اللغة أُفُقُها أُفُقٌ واسع. فأولاًَ: هل قوله (خالداً مخلداً فيها أبداً) يلزم من لغة العرب التأبيد المذكور في حق الكفار؟ فأقول: إذا كان النبي ﵌ قد قال هذا الحرف وهو: (خالداً مخلداً فيها أبداً) فإننا نعلم أن اللغة لا تستلزم ما يتبادر إلى الأذهان من التأبيد؛ إذ لو كانت اللغة تستلزم هذا المعنى للزم من ذلك أن النبي يريد هذا المعنى، وهو أن من قتل نفسه يحبط عمله، ولو كان مؤمناً براً صالحاً صائماً قائماً، لكنه تضايق من مشكلة في الدنيا، فتعجل وقتل نفسه. والخلاصة أنه ليس لدينا إلا أحد فرضين: إما أن تكون هذه الكلمة (أبداً) لم يقلها الرسول ﵊، وهذه طريقة قد ذكرها الإمام الترمذي، والحديث وإن كان في البخاري ومسلم، إلا أن لدينا قاعدة مهمة وهي: (أن ما خالف قطعياً من نص صريح أو قاعدة محكمة قد يُتَرَدَّد في ثبوته)، وهذا يُتَرَدَّد في ثبوته، ولو كان في البخاري ومسلم. وقد يقول قائل: كيف يصح ذلك وقد قال الإمام ابن تيمية وغيره: (إن ما اتفق عليه الشيخان فهو متفق عليه بين أهل الحديث)؟ فأقول: هذه القاعدة قد تصح وقد لا تصح، وكذلك نحن لم نتردد في صحة الحديث، فالحديث لا شك أنه ثابت، إنما ترددنا في قوله: (أبداً). فـ الترمذي وجماعة يقولون: إن هذه الرواية وهم. وفي ظني أن هذا قريب، ولا سيما أن هذا الحديث في رواية البخاري ومسلم مداره على الأعمش، فلم يذكر هذه اللفظة إلا الأعمش في روايته، وقد رواه غيره ولم يذكروا هذه اللفظة، فهي لفظة غريبة من جهة علم الحديث، ولَمَّا كان هذا اللفظ غريباً مداره على رجل واحد -وإن كان إماماً إلا أنه من المدلسين، وإن احتمل الأئمة تدليسه- كان مما لا يجوز أن تعارض به أصول شرعية مطردة وقواعد سلفية قاطعة، خاصة أن أئمة السلف قرروا قاعدة أهل الكبائر ولم يستثنوا شيئاً، ولم يعلق إمام من أئمة السلف من أهل القرون الثلاثة الفاضلة على هذا الحديث بما تبادر عند المتأخرين من أن معناه تأبيد القاتل لنفسه كالكافر في نار جهنم. إذاً: إما أن هذا الحرف وهم، فلا إشكال، وإما أن يكون هذا الحرف ثابتاً في نفس الأمر وقد قاله الرسول ﵊، فنعلم أن اللغة لا تستلزم ذلك؛ لأن القواعد المحكمة قاطعة في هذا السياق، ولا يجوز أن يتردد في كون مَن قتل نفسه متعمداً من المسلمين الذين مآلهم إلى الجنة، وإن لحقهم الوعيد.

стр. 83

شرح العقيدة الواسطية [٩] عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الصفات الفعلية لله ، وهم في ذلك يخالفون سائر الطوائف، سواء الذين ينكرون الصفات جملة كالجهمية والمعتزلة، أو الذين يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها كالأشاعرة.

стр. 84

إثبات الصفات الفعلية قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨] وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]]. هذه الآيات التي ذكرها المصنف هي تابعة لما سبق ذكره من النصوص في تفصيل الأسماء والصفات، لكن المصنف ﵀ عني بتقرير صفات الأفعال؛ لأن متكلمة الصفاتية تأولوا هذا النوع من الصفات ولم يثبتوه، فصارت عناية المصنف ﵀ بذكر هذا النوع من الصفات أظهر؛ فإن الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة وجمهور المسلمين تحقق عندهم الإنكار لقول الغلاة من أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة، وإنما الذي التبس شأنه على كثيرٍ من المنتسبين للسنة والجماعة -سواءٌ كانوا من الفقهاء أو من الصوفية أو من المتكلمين- ما يتعلق بباب الصفات الفعلية، إذ أن كبار متكلمة أهل الإثبات كـ عبد الله بن سعيد بن كلاب والأشعري وأبي منصور الماتريدي وأمثالهم أولوا هذا النوع من الصفات، فالتبس شأنه على كثير من أهل العلم، ولهذا اعتنى المصنف ﵀ بذكر آيات الأفعال، وقد بيَّن في مقام آخر أن هذا النوع من الصفات مذكورٌ في القرآن في أكثر من مائة موضع. فقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨] فيه إثبات لسخطه ، وهي صفة قائمةٌ بذاته، على ما تقتضيه مشيئته وحكمته وإرادته. ومثله قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، الأسف هنا: هو الغضب، أي أغضبونا: أي لما غضب الله عليهم انتقم منهم، وكذلك قوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] في ذكر شأن المنافقين، فإن هذا فيه إثبات لكرهه .

стр. 85

صفة السخط والكره والمقت والغضب تكلم بعض المتأخرين من أهل السنة في مثل هذه الصفات، فقالوا: إن الكره والسخط والمقت وأمثال هذه الصفات، تعود إلى صفة واحدة من أصول الصفات، فكلها ترجع إلى صفة الغضب أو أمثال ذلك. وهذا التفصيل فيما أرى ليس له هنا حاجة، والصواب أن تذكر هذه الصفات على وجهها. أما أن يقال أن سخطه هو غضبه أو ليس هو إياه، فهذا لا شك أن فيه افتياتاً على النصوص، من جهة التوحيد بين الصفتين. صحيح أن ثمة قدراً مشتركاً بين صفة السخط وصفة الغضب توجبه اللغة، لكن لا شك أن مدلول السخط في اللغة ليس هو مدلول الغضب. فالمقصود: أن بعض المتأخرين من أهل السنة قالوا: إن السخط والمقت والأسف وأمثال ذلك تعود إلى صفة واحدة، وهي الغضب، أو ما يقاربها، فجعلوا لجملة من هذه الأفعال أصولاً من الصفات، وهذه الطريقة ليست فاضلة، وكأن فيها أثراً من طريقة متكلمة الصفاتية، الذين أرجعوا جملةً من الصفات إلى صفة الإرادة، فيجب أن تبقى هذه النصوص على ظاهرها، فإذا ذكر الله سخطه، قيل: هذا سخطٌ اتصف الرب به في هذا المقام، وليس فيه مادة من النقص المنافية للكمال حتى يعاد إلى صفة جامعة له. وكذلك قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [غافر:٣٥] والمقت: هو أشد البغض، أو هو درجةٌ من البغض ولكنه من أشده، وكأن السخط والمقت، وإن صح أنها تعود إلى عام، فإنها من البغض، لكنها تكون على معنىً يختص بها، أي أن البغض يكون على درجات، كما أن المحبة عند أهل اللغة وغيرهم درجات، فيكون بعضها أخص من بعض.

стр. 86

صفة الإتيان والمجيء قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠]]. قوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ) هذا الإتيان مضاف إلى الرب ، والآيات التي ذُكر فيها إتيان الرب ومجيئه هي من أكثر الآيات التي أبطلها أهل التأويل، وتأولها عامة المتكلمين من المنتسبين إلى السنة وغيرهم، ودخل تأويل هذه الصفة وصفة المجيء على كثير من فضلاء أهل العلم، فقالوا: إن الإتيان هنا ليس إتياناً على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز، ثم ذكروا جملةً من المعاني المجازية. وصفة الإتيان والمجيء وقع فيها من التأويل أكثر مما وقع في غيرها. فإن قيل: أليس القاعدة عند المخالف تكون واحدة؟ قيل: المخالف ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون مخالفاً نظاراً منتظماً على مذهبٍ واحد كنظار المتكلمين سواءٌ كانوا من المعتزلة أو غيرهم، وإما أن يكون من غير المتكلمين. فإذا كان المخالف من أهل علم الكلام الذين انتظموا على وجه واحد، لم تضطرب قاعدته، وإن كان غير ذلك فقد تجده يثبت بعض الصفات وينفي بعضها؛ فبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة تجدهم يثبتون كثيراً من صفات الأفعال، فإذا ذكروا رحمة الله ومحبته وغضبه ونحو ذلك، ذكروها على الإثبات، لكنهم إذا ما أتوا لذكر صفة الإتيان، تأولوها، وكأنهم رأوا في هذه الصفة من عدم المناسبة لإثباتها أظهر مما وقع لهم في غيرها من الصفات. فهذا الإتيان قد جاء ذكره في القرآن مضافاً إلى الرب سبحانه، فإنه يقول: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] ومحل هذا الإتيان هو يوم القيامة، وفي هذه الآية إتيان مضافٌ إلى الرب وإتيان مضافٌ إلى الملائكة، فالذين تأولوا هذا النوع من الصفات جعلوا الكلام فيه حذفاً، وقالوا: إن هذا من باب حذف المضاف، وتقدم الإشارة إلى أن هذا ممتنع من جهة اللغة ومن جهة العقل، وذلك أن المحذوف في لغة العرب وغير العرب يلزم أن يكون معلوماً، أما إذا كان المحذوف مجهولاً، بل كان المحذوف يمتنع العلم به، فإن هذا الحذف لا يجوز في خطاب الأخبار الإيمانية، بل هذا لا يقع إلا من مكذبٍ أو من قاصدٍ للتكذيب. فإنك ترى أن هذا خبرٌ قصد الله من المكلفين أن يؤمنوا به، فإذا كان فيه محذوفٌ يمتنع العلم به، فإن التصديق به يكون ممتنعاً؛ لأن ظاهره ليس مراداً. وإنما قلنا: إن المحذوف هنا ممتنع العلم؛ لأنه يمكن أن تقدر جملة من الأشياء. فمنهم من قال: إن المقصود هنا: إتيان الملائكة، وهذا ينقضه آخر الآية؛ فإن الله يقول: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] ففرق بين إتيانه وبين إتيان الملائكة. ومنهم من قال: إنما يأتي أمره، أو قضاؤه أو ما إلى ذلك. فلما كان المحذوف متعدد الإمكان، عُلم أن تعيين واحد يكون ممتنعاً من جهة العقل ومن جهة اللغة نفسها، فلما امتنع العلم بالمحذوف دل على أن الخطاب على ظاهره. فإنك هنا أمام أحد حقيقتين: إما أن يكون الخطاب على ظاهره، وإما أن يكون الخطاب فيه حذف، فإذا كان الخطاب فيه حذفٌ -وإن كان أصله من جهة اللغة مسلماً- إلا أنه لا يمكن في هذا السياق؛ لأن العلم بالمحذوف ممتنع، والذي تحذفه العرب في كلامها، وكذلك غيرها من الأمم -فإن كل لغة بني آدم فيها حذف- إنما هو ما يعلم علماً واجباً، أو علماً ممكناً، أما ما كان العلم به ممتنعاً فإن هذا لا يحذف، وإلا لصح أن يفرض على كلام الناس أن فيه حذفاً. فإذا كان المحذوف لا يدل عليه في السياق لحال من الأحوال، ولا يمكن العلم به، امتنع أن يقدر شيء محذوف، فوجب أن تكون الآية على ظاهرها؛ لأنها لو لم تكن على ظاهرها للزم ذكر محذوف يمتنع العلم به، فتكون الآية لم نعلم منها حقاً، وإنما علمنا منها تلبيساً ينافي كلام الرب سبحانه، وهذا مما ينزه القرآن عن ذكره. بقي أن الإتيان المضاف إلى الرب : هو الإتيان الذي يليق به، وهذا كنزوله إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر. وقد يورد بعضهم في الإتيان ما يذكر في النزول من السؤالات، كقول من قال: إذا نزل هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ فيقال: أولاً: إن مثل هذه السؤالات هي سؤالات مبتدعة لا يجوز ابتداؤها، فإذا ابتدأها أهل البدع، أمكن لعلماء السنة المحققين أن يجيبوا عليها بما تقتضيه أصول السنة والجماعة. فإن ثمة فرقاً بين ما يذكر في أصول الدين والمعتقد تقريراً، وبين ما يذكر في أصول الدين والمعتقد رداً، فإن باب التقرير أضيق من باب الرد. وكثيرٌ من الناس يخلط بين البابين، فلا يفرق بين ما يذكر تقريراً وما يذكر رداً.

стр. 87

كيفية ذكر المذاهب المخالفة عند طائفة من علماء أهل السنة من الحقائق التي تلاحظ في باب التقرير والرد أن طائفة من علماء السنة والجماعة ﵏ إذا ذكروا مذاهب المخالفين لهم، فقد يكون ذلك ذكراً للمذهب المطابق، وقد يكون ذكراً للمذهب المتضمن، وقد يكون ذكراً للمذهب اللازم. وهذه مسألة لا بد لطالب العلم أن يتفطن لها في كلام أهل السنة أنفسهم، فكثير من أهل السنة إذا ذكروا مذاهب مخالفيهم، فإنهم قد يذكرون المذهب بلوازمه وما يتضمنه. فمن يقرأ في كلامهم، يقول: إن هذه الطائفة المخالفة لهم تعتقد هذا المعتقد، والتحقيق أن الطائفة لا يلزم أن تعتقد هذا المعتقد. وأضرب لذلك مثلاً: إذا قرأت في كلام بعض علماء السنة والجماعة في ذكر مذهب جمهور المرجئة الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق، تجد أنهم يقولون: يرى هؤلاء المرجئة أن الإيمان هو تصديق القلب وأن الأعمال لا تدخل في اسم الإيمان، وأن أعمال القلوب -كالمحبة والتعظيم والرضا- لا تدخل في اسم الإيمان. وعلى قول هؤلاء أن إيمان جبريل وإيمان سائر الفساق سواء. فهذه من حيث التفصيل ثلاث جمل: الجملة الأولى: أن الإيمان هو التصديق وأن الأعمال الظاهرة لا تدخل في اسم الإيمان. الجملة الثانية: أن أعمال القلوب كالمحبة والرضا لا تدخل في اسم الإيمان. الجملة الثالثة: في التقرير قالوا: وعلى قول هؤلاء يكون إيمان جبريل وإيمان الفساق سواء. والحقيقة أن المذهب الذي قاله أصحابه هو الجملة الأولى فقط، أما الجملة الثانية فهي محتملة في المذهب. وأما الجملة الثالثة فهي ليست من المذهب، فإن قيل: إننا نرى في كلام طائفة من علماء السنة هذا الاستعمال، قيل هذا صحيح. وهناك قاعدة: أن المصطلحات المتأخرة لا يجوز أن يحكم بها على الطرق التي استعملها قوم من متقدم العلماء. فالدلالات الثلاث التي انتظمت عند أهل الحد والمنطق والاصطلاح -وهي دلالة المطابقة، ودلالة التضمن ودلالة التلازم- قد درج المتقدمون وكثير من علماء السنة على جمعها على المذاهب، يقصدون بذلك التقرير لبطلان هذه المذاهب. ولا شك أنك إذا أردت إبطال مذهب المرجئة، صح لك أن تعارض مذهبهم؛ بأنه يقتضي أن يكون إيمان جبريل كإيمان الفساق؛ فإن هذا لازم للمذهب؛ لأنهم لما قالوا: إن الإيمان هو التصديق، لزم أن يقال: إن جبريل مصدق، وإن الفاسق مصدق، وعندكم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فيلزم أن يكون إيمان جبريل كإيمان الفساق، وهذا يعلم بطلانه، فالنتيجة أن المذهب يعلم بطلانه؛ لأنه لزم عنه قول باطل. لكن هناك قاعدة حتى علماء السنة يسلمون بها: أن لازم المذهب لا يعد مذهباً، وأن لازم الأقوال ليست أقوالاً تضاف إلى الناس. إذاً: يقول المرجئة: الإيمان هو التصديق، أما أنهم يقولون: إيمان جبريل كإيمان الفساق، فهذا لم يقله أحد من أئمة المرجئة ولا حتى الغالية منهم كـ الجهم بن صفوان، وهو أشد غلواً من جميع من ذكر قولاً في الإرجاء؛ فلا أحد من المسلمين أو المنتسبين للقبلة يقول: إن إيمان جبريل كإيمان الفساق، أو أن إيمان النبي ﵊ كإيمان أكلة الربا وجمهور الفساق، فهذا القول لم يقله أحد من المسلمين ولا ممن انتسب إلى الإسلام، والملة في شيء، إنما هي لوازم ألزم بها أصحاب السنة أهل البدع، فيعرف بها بطلان مذهبهم فحسب. بل يذكر ذلك أحياناً علماء السنة من باب الإلزام، وكما قلت: إن باب الإلزام لا بأس به بقصد إبطال البدع والمخالفات للسنة، لكن إذا ذكر الإلزام على أنه مذهب فلا. وأما الجملة الثانية وهي التي قلنا أنها متضمنة في المذهب، فهذه لا يجزم بها، فقد يخالفها أصحابها عند التحقيق، ولهذا ترى أن أبا الحسن الأشعري ﵀ في كتاب مقالات الإسلاميين لما ذكر مذهب الجهم بن صفوان: أن الإيمان هو المعرفة، ذكر أن المعرفة عند الجهم بن صفوان تتضمن المحبة والتعظيم والإذعان والقبول، فكأن الإشكال جاء من لفظ المعرفة، فكأنه فهم منه العلم المحض الذي لا يكون معه قياداً أو قبول أو رضا أو إذعان أو محبة. ولكن أبا الحسن لما فسر قول جهم، قال: إنه يريد بالمعرفة العلم مع المحبة والقبول، فإذا كان هذا تفسيره لقول الجهم، والجهم هو شرٌ من قال في الإيمان من المرجئة، فمن باب أولى أن يكون هذا مراد للأشعري في قوله. ولهذا من حكى عن أبي الحسن الأشعري أنه لا يجعل أعمال القلوب داخلةً في اسم الإيمان، وأن الإيمان عنده تصديق محض، بمنزلة المعرفة المحضة، فقد غلط. إذاً يفرق بين ما كان من أقوال المخالفين مذهباً مطابقاً وبين ما كان متضمناً في المذهب لا نجزم بإثباته ولا نجزم بنفيه، وبين ما كان لازماً، فهذا نجزم بنفيه، ولكننا نستعمله لإبطال المذهب. ولا شك رغم هذا كله أن ذكر السلف وأهل السنة لأقوال أهل البدع، أشرف وأفضل وأعدل من ذكر أهل البدع لأقوال أهل السنة والجماعة. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]]. هذه الآية على ظاهرها وهي كالآية السابقة، وفيها تفريق بين إتيانه وبين إتيان الملائكة وبين إتيان آياته. وهذه الآية أفصح في الجواب عن إيراد أورده بعض الأشعرية، فإنهم لما قيل لهم: إن العلم بالمحذوف في قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] علمٌ ممتنع، قالوا: وليكن ممتنعاً؛ لأن المحذوف لما امتنع العلم به كان أجل قدراً، فحين لم يذكره الله وجعل ظاهر السياق مضافاً إليه دل ذلك على أن المحذوف شيء عظيم، لكن ما هو؟ الله أعلم به. فجعلوا كأن من المقصود أن نعلم أنه محذوف، ولكننا لا نعلم تعيينه. فيقال لهم: إن هذا مع ما فيه من التكلف ترده الآية الثانية وهي قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] مع أن: (بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) هذه كلمةٌ مجملة، فدل هذا على أنه يمتنع أن يكون هناك محذوف مضاف إلى الرب. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢١ - ٢٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥]]. في هذه الآية ذكر مجيء الله ، والمجيء والإتيان ذكرا في القرآن باعتبار المحل، على محلٍ واحد وهو يوم القيامة، ولكن لا يقال: إن المجيء هو الإتيان أو الإتيان هو المجيء، وأن هذا من باب الترادف، والصواب -كما أسلفت- أن يقال: إن الله يتصف بالمجيء ويتصف بالإتيان، ولا يجوز أن يقال أن هذا مرادف لهذا؛ لأن تمام المعاني اللائقة به هي من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.

стр. 88

شرح العقيدة الواسطية [١٠] من عقيدة أهل السنة أنهم يثبتون لله صفة الوجه واليدين، وهم يخالفون بذلك المعطلة الذين يقولون: إن اليد تؤول بالنعمة أو القوة، كما يثبتون لله صفة المكر والكيد بالكافرين على وجه يخالفون فيه طائفتين على طرفي نقيض، إذ الطائفة الأولى تقول: إن المكر والكيد من صفات المقابلة. بينما الطائفة الأخرى تقول: إنها من الصفات المطلقة.

стр. 89

إثبات الصفات الخبرية

стр. 90

إثبات صفة الوجه قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]]. المقصود بذكر وجهه : أنه يبقى ربك، وهذا ليس من التأويل، والوجه يذكر في اللغة ويراد به الجهة، ويذكر في اللغة ويراد به الصفة، ويذكر في اللغة ويراد به الذات، ولهذا مقصود قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) بقاؤه . وإذا قيل: إن المقصود بقاؤه، فليس معنى هذا أننا فسرنا الوجه بالذات ولم نفسره بالصفة، بل تفسيره ببقائه هو إثبات لذاته وإثبات لصفته، ولهذا إذا قيل: ما معنى قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)؟ قيل معناها: ويبقى ربك، فإذا قيل: هل هذه الآية دليل على إثبات صفة الوجه له؟ فالجواب: نعم. وأما قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] فالمراد الجهة. والآية تدل كذلك على إثبات الوجه، فإن القاعدة: [أن ما صح ذكره على المعنى الذي يسميه المتأخرون مجازاً، وهو المعنى المشترك، فلا بد أنه منقول بالحقيقة من جهة الأصل]. ولهذا جعل أهل السنة من أدلة صفة اليدين قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة:٦٤] مع أن السياق لم يأتِ على ذكر الصفة من أصلها. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]]. ومعنى هذه الآية كمعنى الآية السابقة أي: كل شيء هالك إلا هو ، وفيها إثبات لصفة الوجه.

стр. 91

إثبات صفة اليدين قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]]. هذه تثنية مضافة، ومما يثبته أهل السنة أن الله موصوف باليدين، وأن له يدين تليقان بجلاله ، والقاعدة فيها كالقاعدة في سائر الصفات، وتأولها المخالف بالنعمة أو بالقدرة أو بالقوة، وهذه المعاني وإن كان أصلها يستعمل للفظ اليد في اللغة، إلا أن السياق هنا يمنع أن تفسر بذلك، لأن اليد هنا ذكرت مثناة ومضافة، والعرب إذا ذكرت اليد على سبيل التثنية المضافة، لم ترد إلا الصفة، ولا تريد القوة والنعمة وأمثالها. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]]. هذه الآية دليل على إثبات صفة اليد له ، وهنا ينبه إلى أنه في مقام التقريب لأسماء الله وصفاته لا يجوز أن يقال: إن اليهود كانوا مثبتين للصفات أكثر من إثبات المعتزلة أو من إثبات بعض أهل القبلة من المسلمين، فإن هذا الكلام قد يستعمله بعض من يريد الرد على المخالفين لأهل السنة والجماعة من أهل البدع. أيضاً إذا نظرت إلى الجاهليين من العرب، وجدت أنهم لم يعارضوا الرسول ﷺ في باب الصفات، وأقروا بجملة هذا الباب، ولم ينقل عنهم معارضة في تفسيره، ولكن هذا الإقرار العام والمجمل لا يلزم أن يكون محققاً على السنة والجماعة وطرق الأنبياء وما إلى ذلك، فهذا فيه تعذر كثير. هذا إذا ذكر في شأن الجاهليين من العرب فإن الأمر يكون سهلاً ومقارباً، وأما إذا ذكر ذلك في شأن اليهود وأن اليهود كانوا مثبتين للصفات على التحقيق، وأنهم كانوا مقرين بها ولم يحرفوها ولم يخالفوها، فهذا فيه كثير من التكلف، وقد قالت اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨١] وأسقطوا أصل الكمال الذي يتصف الرب به ، وإذا أسقطوا أصل الكمال، فمن باب أولى أن يسقطوا تفصيله. أما المخالفون من المسلمين فإنهم يقرون بأصل كمال الرب، وأنه مستحق للكمال منزه عن النقص. وطالب العلم من أهل السنة ليس بحاجة إلى أن يفضل أقوال الكفار على أقوال بعض المسلمين، فإنها وإن فضلت من وجه، إلا أنها شرٌ من أوجه أخرى، والتفضيل المطلق هو المعتبر في الحكم والقياس، وأما التفضيل من وجه فهذا ليس له حكم؛ لأن الأحكام لا تضطرب. ولهذا ما قاله الإمام ابن القيم ﵀ فيه نوع من الزيادة فيما يظهر -والله أعلم- وذلك في قوله: إن المعطل بالغواية معلنٌ ... والمشركون أخف في الكفران فهذا لا يظهر تحقيقه، ولا شك أن المسلمين -مع ما فيهم من البدع- أقرب إلى السنة والقرآن من أهل الكفر. وأما غلاة أهل البدع الذين وصفهم الأئمة بالزندقة، فمن ثبتت زندقته وإلحاده وخروجه عند السلف من الشريعة والديانة والملة، فهذا لا يمنع أن يكون قوله أشد كفراً وضلالاً ومباينة لمقاصد الأنبياء ورسالتهم من قول طائفة من أهل الكتاب أو طائفة من المشركين. ولهذا نقول: إن المعتزلة -مثلاً- وإن تأولوا الصفات إلا أنهم لا ينفونها، بل يثبتون أحكامها، فإنه ليس هناك طائفة من طوائف المسلمين تنفي أحكام الصفات؛ فالمعتزلة وإن كانت لا تثبت قيام صفة العلم بذات الرب، وهذه بدعةٌ ليست سهلة، بل هي بدعة كفرية ولا شك، إلا أنهم يثبتون حكم العلم لله ، وجميع المسلمين من أهل السنة وغيرهم يؤمنون بـ ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٣١] وإن قالت المعتزلة: إن العلم ليس صفةً مختصةً بذاته، بل هو عليم بذاته، وليس عليماً بعلم، هذا هو محل الخلاف عندهم، أما أن أحداً ينكر أن الله عليم فلا. ولو أنكر المعتزلة ذلك وجردوا الرب عن العلم؛ بمعنى أنهم وصفوه بمقابله أو قالوا: إن الله ليس بعليم، لصح لنا أن نقول: إن اليهود والنصارى ومشركي العرب أخف كفراً من هؤلاء. لكنهم يثبتون أحكام الصفة، ويرون كفر من أنكر حكم الصفة، ويكفرون من قال: إن الله لا يعلم الأشياء كليها أو جزئيها، ولهذا كفرت المعتزلة غلاة القدرية، مع أن المعتزلة هم القدرية، إلا أنهم كفروا الغالية الذين ينكرون علم الرب. إذاً: الخلاف عندهم هل العلم صفة لله أم أنه عليم بذاته؟ هذا هو محل الجدل مع هؤلاء، وإن كان لا يسهّل في أقوالهم، إلا أنه ينبغي أن توزن بميزان الحق، ولا يخفف من كفر بعض الكفار؛ لأن اليهود قالوا: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ) وقالوا: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) والنصارى قالوا: (إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) وقالوا: (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) وقالت اليهود: إن الله استراح يوم السبت .. إلى آخر ذلك. وهذا لم يخطر بقلب مسلم من المسلمين لا من أهل البدعة ولا من أهل السنة، فينبغي أن تقرب الأقوال إلى حقائقها.

стр. 92

إثبات صفة البصر وصفة العين قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] وقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]]. صفة العين ذكرت في القرآن جمعاً وذكرت مفردةً ولم تذكر مثناة كصفة اليدين، ومن طرق أهل السنة والجماعة إثبات البصر له ؛ فإن هذا صريح في كلام الله ، وإثبات العين له ، وأما تخصيصها بأكثر من ذلك، فإن هذا لم تنطق به النصوص.

стр. 93

إثبات صفة السمع وأن الله يسمع ويرى قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]]. في هذه الآية إثبات للسمع، وهي وأمثالها تكذب قول المعتزلة الذين قالوا: إنه سميع بذاته، وليس سميعاً بسمع، فالآية صريحة بإثبات الفعل في قوله تعالى: (يسمع) فدل على أنه سميع بسمع، وهو لائق به ، وهذا أيضاً يغلط قول أبي محمد ابن حزم ﵀، فإنه قال قريباً من قول المعتزلة. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] (بَلَى وَرُسُلُنَا): المراد بالرسل هنا الملائكة]. وهذا فيه إثبات لسمعه ، وأنه لا يعزب عنه شيء. ولما ذكر الله سمعه علقه بالسر والنجوى، فدل على غيره من باب أولى، ولما ذكر علمه علقه بما في الصدور، وهذا يدل على أن المراد من صفة السمع الحقيقة؛ لأن الله لو أراد بسمعه العلم، لما كان هذا خاصاً بالسر والنجوى، ولهذا فرق بين الصفات، فحين ذكر علمه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩] وحين ذكر سمعه جعله في أدنى متعلقات السمع، وهما السر والنجوى، فدل على أن السمع هنا يراد به السمع على حقيقته. ولهذا صار أخص متعلقاته في القرآن السر والنجوى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ). قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]]. وهذا كذلك، ولهذا لما ذكر الله سبحانه معيته جعلها مضافة إلى موسى وهارون، فإن السياق في ذكرهما، وهذه هي معيته الخاصة المتضمنة لنصره وتأييده، والسمع هنا ذكر مطلقاً غير مقيد، وكذلك الرؤية ذكرت مطلقةً غير مقيدة. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]]. وهذا إثبات لرؤيته وبصره . قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢٢٠]، وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]]. (فَسَيَرَى اللَّهُ): هل المقصود هنا الرؤيا العلمية أو الرؤية البصرية؟ هذا من جهة اعتبار اللغة له اعتبار، لكن من جهة اعتبار الشرع يقال: إن الآية عامة، (فَسَيَرَى اللَّهُ): أي يعلم الله عملكم ويبصره.

стр. 94

إثبات أن الله شديد المحال قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣]]. قوله: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ): الْمِحَالِ: أي القوة، وفسره بعضهم في بعض مختصرات الشروح لهذه الرسالة: فقال: شديد المحال أي: شديد الأخذ بالعقوبة، وهذا فيه تقصير في تفسير الآية، فإن (الْمِحَالِ) هو أشد القوة في كلام العرب، وقوله: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ): أي شديد القوة، سواء كانت هذه القوة أخذاً بالعقوبة أو حكماً كونياً آخر.

стр. 95

إثبات مكر الله بالكافرين وكيده لهم قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠] وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]]. هذا إثبات لمكره بالكفار كما في قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] وهذا النوع من الصفات لا يجوز أن يذكر في حق الله مطلقاً، وإنما يذكر كما ذكره الله، وهذا هو وجه كماله، أما إذا ذكر مطلقاً، فإن هذا ليس من الكمال في مقتضى العقل ومقتضى الفطرة. وهناك طريقة يستعملها بعض أهل السنة، وهي أنهم يقولون: ذكر صفة المكر هو من باب المقابلة، وهذا التعبير لا أصل له في القرآن ولا في السنة ولا حتى في كلام الصحابة، وكأن فيه تضييقاً لمعنى الآية أو لمعنى الصفة، كما أن من جعل المكر صفةً مطلقة قد وسع ما لم تدل الآية على توسعته. ففيما يظهر أن قولهم: (إن هذا على سبيل المقابلة) ليس فاضلاً؛ لأنه يوحي بقدرٍ من التضييق لمعنى الصفة، فكأن معناه على قولهم: أنه لا يمكر إلا عند مكرهم، فإذا مكروا مكر بهم، وهذا لا يلزم في وصف الله ، والآية لم تدل عليه، فإن الله يقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، فجعل الفعل من جهته مستقلاً، والفعل من جهتهم مستقلاً، والمقابلة إنما يصح ادعاؤها على مثل سياق: (فإذا مكروا مكرنا) أو (فإذا مكروا مكر الله بهم) هذا هو الذي يكون من باب المقابلة. فإن المقابلة كمصطلح كأنها بمعنى الشرط في كلام أهل اللغة، والمشروط لا بد من وجود شرطه، وهذا فيه تضييق للآية أو للصفة؛ فإن القرآن ذكرها مختصة، ولكنها في سياقٍ مقيد، فهذا هو الوسط في فقه الآية، وهو الصواب، وهو الذي يجب التزامه؛ لأن هذا هو الذي ذكر في الآية. فلا يقال أن هذا من باب المقابلة، لأنه يفهم منه أن هذا الصفة لا تقع إلا بعد وقوعها منهم، وهذا ليس بلازم، ومن قال هذا فقد تكلف ذكر ما لم تذكره النصوص ولا تقتضيه أصول الكمال الذي يتصف الرب به، فلا يقال أنها من باب المقابلة، كما لا يقال أنها صفةٌ مطلقة كصفة العلم، بل يقال: إن الله يمكر، ومكره يكون بالكفار؛ قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]. والفاضل في مثل هذه الصفات أنها إذا ذكرت بتقرير من المتكلم: أن تذكر ويذكر سياق الآية معها، فيقال مثلاً: ومن صفاته أنه يمكر بالكافرين، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] ومن صفاته أنه يكيد لأعدائه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]. فإذا قال قائل: وإذا أردنا أن نذكر مثل هذه الصفات دون ذكرٍ للشواهد، إنما أردنا أن نقرر كلاماً مختصراً، قيل: هذه قلة أدب وتكلف، ولا أحد يلزمك أن تذكر ذلك بدون ذكر الآية، ومثل هذه الأسئلة لا يلزم أن تجيب عنها كما يريد السائل، بل يكون الجواب أنه يجب أن تلتزم السنة. فلما كانت الآية قد تشكل على بعض العامة كان الصواب والشرع أن تذكر ويذكر سياقها من كلام الرب ؛ فإن هذا هو الأعدل. ويلاحظ أحياناً حتى على بعض طلبة العلم ولا سيما الشباب المبتدئين في تعلم العقيدة السلفية، أنهم أحياناً يتكلفون في تقرير بعض الصفات وفي أوجهها، ويوردون عليها كثيراً من الأسئلة ثم تجد أن هذه الأسئلة يكون فيها تسلسلٌ يطرد، وهذا ينافي الهدي الذي كان عليه السلف ﵏، من حيث التعظيم لكلام الله حتى في غير هذا الباب، فكيف إذا كان هذا في باب أسماء الرب وصفاته الذي ينبغي أن يحفظ على قدر من التوقف؟! وإلا فما معنى قولنا: أن السلف يجعلون هذا الباب من الأبواب التوقيفية؟ فهو توقيف في أصله وتوقيف في التعبير عنه، وليس معنى ذلك أن لا يعبر بالمعاني المناسبة لتفسير الآيات! كلا. ولكن يجب أن يكون المعنى الذي تفسر به الآية موافقاً لسياقها، وألا يكون فيه خروج عن مادة السياق.

стр. 96

إثبات صفة العفو والمغفرة قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩]، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]]. هذا إثبات لمغفرة الله سبحانه وعفوه.

стр. 97

إثبات صفة العزة [وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] وقوله: عن إبليس، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]]. في هذه الآية أضاف الله العزة إلى نفسه، وأضافها إلى رسوله، وأضافها إلى المؤمنين، فالعزة المطلقة هي حق لله وحده، ولهذا ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن النبي ﵌ (قال الله تعالى: العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني عذبته). فالعزة المطلقة: هي لله ، كما أن الحجة البالغة تكون لله ، وإن كان العباد من المرسلين والأنبياء والعلماء لهم حجة، ولهم عزة؛ لكن العزة المطلقة تكون لله ، وهي التي لا تغلب ولا تقهر وما إلى ذلك.

стр. 98

تنزيه الله عن السمي والكفء والند والولد والشريك قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]]. (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) أي: لما كان سبحانه لا سمي له، دل على أنه هو وحده المستحق للعبادة، وهذا من إثبات توحيد العبادة، بذكر توحيد الربوبية. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]]. وهذا اسمه الذي وصفه الله بكونه تبارك، هو أسماؤه ، فليس المراد اسم الرب فحسب، بل ذلك يتعلق بسائر أسمائه، فإن سائر أسمائه تلحقها هذه الصفة، وهذا التعظيم الذي ذكره الله في قوله: (تَبَارَكَ). قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]]. لِمَ ذكر المصنف هذه الآية (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ) مع أنه ليس فيها إثبات لصفة من صفات الله؟ الجواب: أن هذا من باب التنزيه، وفيها إثبات لاسم الله وما يقتضيه من المعنى، فذكرها المصنف من باب التنزيه، فإن الله منزهٌ عما لا يليق به في أسمائه وصفاته وفي أفعاله وفي عبوديته. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]]. من حكمته تعالى أنه لما ذكر الولد نفاه ولما ذكر الشريك نفاه، ولما ذكر الولي نفاه عن تقييد، قال: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ)، فإن الولي ثابت في مثل قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] ومثل قول النبي عن ربه: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٥٥] فهذه الولاية لم تكن من الذل، والذي نفي هنا أن يكون له وليٌ من الذل. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١]]. هذا مستفتح يكثر ذكره في القرآن، ولا سيما في مفصله، (يسبح) أو (سبح) يقول الله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) وقد كثر كلام المفسرين حول هذا التسبيح ومعناه، فمنهم من قال: إنه سكونها، ومنهم من قال: أنها حصلت بأمره، وبقوله: كن، فكانت، ومنهم من قال: إن تسبيحها هو أنها جاءته طوعاً إلى غير ذلك من التفاسير. والحق أن ذلك لو رد إلى آية في كتاب الله لكان أجود، ولكان هو الأهدى، فإن من باب تفسير القرآن بعضه ببعض. والآية التي ينبغي أن ترد إليها هذه الآيات هي قوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]. ووجه الرد إليها أن فيها قوله تعالى: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، فدل على أن الآيات أريد بها الخبر المحض، والتصديق المحض، وأما المعنى الذي يراد به التسبيح، فإننا لا نعلمه، ولا يستلزم هذا أن ما ذكره بعض السلف في تسبيح هذه المخلوقات يكون غلطاً؛ فإن العلم بوجه من أوجه التسبيح لا يستلزم العلم بمطلقه، وعدم العلم بمفصله لا يستلزم عدم العلم بشيءٍ من مجمله. فلا شك أن ثمة أوجهاً من تسبيح هذه المخلوقات معلوم، وأما تفصيل ذلك، فلا أحد يعلمه، بل هو من علم الله لقوله تعالى: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) وإذا كان الله تعالى يقول: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) فلا يجوز لأحدٍ بعد ذلك أن يتكلف فقهاً يفسر به المراد بالتسبيح جميعه. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:١ - ٢] وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١ - ٩٢]]. الآية الأولى فيها تنزيه لله وإثبات لكماله، وأنه نزل الفرقان: أي القرآن، وإنما سمي كذلك؛ لأن الله فرق به بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال. (عَلَى عَبْدِهِ) على نبيه ﷺ . (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ) المراد بهم هنا أهل التكليف من الإنس والجن. (نَذِيرًا) أي: منذراً لهم من شر كفرهم وضلالهم وبغيهم. وأما قوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) فهذه الآية عني أهل الكلام بذكرها، فإنهم لما ذكروا أصل المعرفة المتعلقة بوجود الله، بنوا ذلك على دليلٍ سموه في كتبهم دليل التمانع، وهذا معروف في علم الكلام، وزعموا أن دليل التمانع هذا هو المذكور في قول الله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ). وهذا الربط بين ما يسمى عند المتكلمين بدليل التمانع وبين هذه الآية لا شك أنه غلط. والمتقدمون من السلف ما عنوا بدليل التمانع؛ لم يقولوا به ولم يبطلوه، لأنهم لم يشتغلوا بالنظر في كلام مخالفيهم، وإنما عارضوا مخالفيهم بالنصوص فحسب، لكن من ذكره من أهل السنة فيما بعد وأرادوا الرد على أهله، انقسموا إلى قسمين: بعض أهل السنة المتأخرين قالوا: إن دليل التمانع دليل باطل، وإن الحق هو الدليل المذكور في القرآن، وفرقوا بين دليل التمانع وبين هذه الآية تفريقاً مطلقاً يستلزم إبطال دليل التمانع. طائفة من أهل السنة صححوا دليل التمانع، ولكنهم قالوا: إنه دليلٌ فيه إجمالٌ وقصور، وليس مناسباً لمفصل ما ذكر في القرآن. والصواب: أنه دليل قاصر؛ لما فيه من الإجمال، وإلا فإن أصله صحيح، ودليل التمانع تثبت به الجملة من الربوبية، ولكنه من الأدلة القاصرة المجملة، وليس هو من الأدلة الباطلة بطلاناً محضاً، ولا شك أنه ليس على معنى قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ). إذاً: ثمة ثلاثة مسالك: المسلك الأول: مسلك المتكلمين أهل هذا الدليل، فهؤلاء سووا بينه وبين قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) فهذه التسوية غلط. المسلك الثاني: مسلك طائفة من محققي أهل السنة الذين تكلموا فيه كـ شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قالوا: إنه دليل قاصر مجمل، وليس هو معنى الآية، بل الآية أشرف من جهة الدلالة والاقتضاء، وهذا هو المنهج الصحيح. المسلك الثالث: من فرق بينه وبين الآية فقال: إنه دليل باطل لا يصح، وهذا فيه قدر من الزيادة.

стр. 99

اختصاص الله بعلم الغيب ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩٢]. من خصائصه سبحانه تعالى: أنه عالم الغيب والشهادة، وأما غيره فإنه لا يعلم من الغيب إلا ما علَّمه الله إياه، ولهذا كان علم الغيب من خصائص الرب ؛ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٦] وقال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] وهذا العموم على إطلاقه، فلا أحد يعلم الغيب، لا الملائكة ولا الأنبياء، ولا محمد ﷺ ؛ فضلاً عمن يسمون بالأولياء والأئمة والأغواث والأبدال وغير ذلك من مصطلحات التصوف، فلا أحد في السماوات أو في الأرض يعلم الغيب إلا الله . ولا شك أن الملائكة والأنبياء علَّمهم الله طرفاً من غيبه، فهذا لا إشكال في إثباته، ولكن العلم بمفصل الغيب هو حق الله الذي لا يصح لأحد أن يؤتيه الله إياه. ولهذا من ادعى في مخلوقٍ سواء كان ملكاً أو رسولاً أو نبياً أو صالحاً أو ولياً أنه يعلم غيب السماوات والأرض، فهذه الدعوى من أكفر الكفر وأعظم الشرك بالله والإبطال لحقه ولعظمته ولربوبيته. وكذلك قوله: (وَالشَّهَادَةِ) فلا أحد في السماوات والأرض يعلم الشهادة على إطلاقها، وإن كان عامة بني آدم وعامة من خلق الله يعلمون أشياء من الشهادة، فكل إنسان يعلم جزءاً من عالم الشهادة .. يعلم جزءاً مما يتعلق بنفسه وجزءاً مما يدور حوله. أما الإحاطة بعالم الشهادة فهو محض حق الله ، فلا الجن ولا السحرة ولا الكهان يعلمون سائر موارد الشهادة.

стр. 100

حرمة القول على الله بغير علم قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]]. (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ) أي: أنه ليس كمثله شيء لا يقاس بخلقه، بل له المثل الأعلى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]] في هذه الآية ذكر الله تعالى أصول المحرمات. وقوله تعالى: (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) ليس من باب التقييد للشرك، كما قد يستشكل البعض، فإنه لا يمكن أن يكون على الشرك سلطانٌ أو برهان من الله، وإنما يذكر مثل هذا التقييد لكونه ملازماً لحاله، وهذا من باب الإبطال لطرق المشركين: أن سائر شركهم بغير حجة وسلطان.

стр. 101

شرح العقيدة الواسطية [١١] من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله بذاته فوق سماواته مستو على عرشه، بائن عن خلقه، وهو بكل شيء عليم، وهذا الاعتقاد هو خلاف العقائد الطارئة في هذا الأصل والتي يعبر عنها بتعبيرات باطلة كقول البعض: إن الله في كل مكان، وقول البعض: إن الله ليس له مكان، وقول البعض الآخر: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه.

стр. 102

صفة الاستواء قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] في سبعة مواضع]. الاستواء على العرش هو من صفات الرب اللائقة به، ومن طرق أهل السنة والجماعة وأصولهم أن الله مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، ويقولون: استواؤه بمعنى علوه. (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، أي: علا على العرش. والعرش هو أعظم المخلوقات التي خلقها الله ، وهو أعلاها، والله فوق سماواته، مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، ولهذا كانت عقيدة المسلمين أن الله في السماء؛ بدليل قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقول النبي ﵊ في حديث معاوية بن الحكم للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: ومن أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة).

стр. 103

من عقيدة أهل السنة: أن الله سبحانه فوق عباده من عقائدهم: أن الله فوق عباده، بدليل قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، وأنه هو العلي الأعلى، بدليل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]. فمن أصول الإيمان وأعظم أصول السنة والجماعة أن الله بذاته فوق سماواته مستوٍ على عرشه، بائن -أي: منفك ومنفصل- عن خلقه، وهذه هي عقيدة المرسلين عليهم الصلاة والسلام التي بعثوا بها.

стр. 104

بطلان القول بأن الله في كل مكان الأقوال التي توجد -مع الأسف- في كثير من أمصار المسلمين وبلدانهم، بل وفي بعض دور العلم عندهم، كقولهم: إن الله في كل مكان، وقولهم: إن الله ليس له مكان، وقولهم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، إلى غير ذلك، تعبيرات باطلة دخلت على المسلمين في آخر دولة بني أمية، وإنما دخلت من الفلسفة التي ترجمت عن فلسفة اليونان، الذين كانوا ملاحدة زنادقة، كـ أرسطو طاليس وأمثاله من الكفرة والزنادقة الذين لم يكونوا على دين من أديان السماء. وأرسطو طاليس هذا كان قبل المسيح بن مريم ﵊ بأكثر من ثلاثمائة سنة. فدخلت معانيهم إلى المسلمين عن طريق الترجمة، والترجمة بدأت مبكرة، وذلك في آخر الدولة الأموية، وقوة الخلافة العباسية، ولا سيما في زمن الرشيد والمأمون، فترجمت هذه المعاني وانتشرت، ومن أمثالها: المعنى الذي يقول: إن الله في كل مكان، والمعنى الذي يقول: إن الله ليس له مكان، والمعنى الذي يقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فهذه كلها عبارات باطلة أنكرها أئمة الإسلام، وممن أنكرها الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة، وأجمع علماء الإسلام على إنكارها، وتبديع أهلها وتضليلهم. وإذا قرأت كتاب الله من أوله إلى آخره، فلن تجد أن الله ذكر هذا عن نفسه، ولا ذكره الرسول عنه، بل المذكور في القرآن قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] والمذكور في كلام رسول الله ﷺ ، قوله: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك)، وقوله للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: ومن أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها، فإنها مؤمنة). والقول بأن الله لا داخل العالم ولا في خارجه، أو أن الله في كل مكان؛ هو من الضلال، ومما ينزه عنه. والعرب في جاهليتهم مع شركهم كانت عندهم الفطرة السليمة في هذا المقام، حتى كان عنترة وهو من شعراء الجاهلية يقول: يا عبل أين من المنية مهربُ ... إن كان ربي في السماء قضاها فكانوا يثبتون أن الله في السماء؛ فإن هذا ما فطر الله الخلق عليه، وهو أنه فوق السماوات، وأنه بائن من الخلق.

стр. 105

معنى (أن الله في السماء) ليس معنى (أن الله في السماء) -كما قال أبو حنيفة وغيره- أنه في سماء مخلوقة، كالسماء السابعة، أو الخامسة أو الثالثة، فإن الله قال عن كرسيه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وإذا كان الكرسي وسع السماوات والأرض فكيف بعرشه؟! وبعد ذلك، يبقى رب العالمين لا يقدر أحد من العباد قدره. إذاً: لا يتبادر أن الله في السماء بمعنى قولنا: إن الملائكة في السماء، أي: أن السماء تحويهم، بخلاف أن الله في السماء، أي في العلو فوق السماوات، والعرش هو سقف السماوات السبع، وهو فوقها. ولهذا لما وصل النبي ﷺ إلى السماء السابعة قال: (وفيها جنة عدن، وفوقها عرش الرحمن). ولهذا قال أهل السنة: إن الله فوق سماواته، مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، وهو بكل شيء عليم.

стр. 106

شرح العقيدة الواسطية [١٢] الأمة المحمدية هي الأمة الوسط بين الأمم، ومعلوم أن أحق طوائف المسلمين وأعدلهم بتحقيق شريعة النبي ﷺ هم أهل السنة والجماعة، إذ هم أوسط طوائف أهل القبلة، فهم عدول في أقوالهم وحكمهم وشهادتهم.

стр. 107

وسطية أهل السنة قال المصنف رحمه الله تعالى: [بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم]. ومقصود المصنف بوسطية أهل السنة أنهم عدول خيار في أقوالهم، وفي حكمهم وشهادتهم. وأما أن هذه الأمة وهي أمة النبي ﷺ وسط بين الأمم، فهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] ثم قال سبحانه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، فالوسطية التي وصفت بها هذه الأمة هي عدلها وعدل شريعتها، وعدل قيام أهلها بالشريعة، فلا توجد شريعة أعدل ولا أتم ولا أكمل من شريعة محمد ﷺ ، ولا يوجد أصحاب وأتباع حققوا شريعة نبي كتحقيق أصحاب محمد ﷺ لشريعة نبيهم، وقد قال ﷺ : (لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق). ولهذا فليس غريباً أن يقول المصنف: (بل هم الوسط في فرق هذه الأمة) لأن هذه الأمة وهي أمة النبي ﷺ لما كانت وسطاً بين الأمم، فإنما وسطيتها هو بعدلها، وإقامتها لشريعة الرسول ﵌، ومعلوم أن أحق طوائف المسلمين وأعدلهم بتحقيق شريعة النبي ﷺ هم أهل السنة والجماعة، الذين مبتدؤهم أصحاب رسول الله ﷺ ثم التابعون لهم بإحسان إلى أن تقوم الساعة؛ لقوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله) أو (حتى تقوم الساعة) على تعدد الرواية. وهي الطائفة الناجية المنصورة التي ابتدأ المصنف بذكرها في مقدم رسالته، بقوله: (أما بعد، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة). ولما وصف الله هذه الأمة بأنها وسط، أمكن أن يقال: إن هذه الطائفة الناجية المنصورة أهل السنة والجماعة، فهم وسط بنص القرآن، ووجه النص من القرآن هو نفس قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] لأن المقصود بالأمة هنا أمة النبي ﷺ ، وأحق الأمة في هذه الوسطية هم من اقتفى أثره ﵊، وهم أصحابه، ثم التابعون لهم، وإن كان هذا لا يمنع أن يدخل في الوسطية العامة التي وصفت بها هذه الأمة من عنده نقص في مقام التحقيق للسنة، فإن الوسطية العامة أخص من جهة أنها شهادة، بخلاف الوسطية الخاصة، التي وصفت بها الطائفة الناجية المنصورة، وهم أهل السنة والجماعة، فهي أعم من جهة متعلقاتها. من هذا الوجه يكون إجماع أهل السنة والجماعة واجباً على سائر المسلمين أن يتبعوه، ويعنى بذلك إجماع الصحابة ﵃، وهذا الإجماع إجماع معروف ومنضبط.

стр. 108

حجية الإجماع والرد على من استشكل ذلك استشكل كثير من النظار مسألة الإجماع باعتبار ما كتبه الأصوليون في تصوير الإجماع، فإن حد الإجماع في كتب الأصوليين يعطيه نوعاً من الامتناع من حيث التطبيق؛ حيث يقولون: إنه اتفاق مجتهدي عصرٍ من العصور على مسألة شرعية، ثم يعلقون على مسألة الاتفاق: كيف يضبط اتفاقهم وقد اختلفت أمصارهم؟ ومن الذي ضبط ولعل البعض سكت؟ وربما يحتجون بكلمةٍ قالها بعض الأئمة كالإمام أحمد لما قال: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك؟! لعلهم اختلفوا! ولكن قل: لا أعلم فيه خلافاً. وهذه الكلمة ليست من أصول كلام الإمام أحمد (أي: من مقاصد كلامه) وإنما هي كلمة قالها لما رأى توسع الناس في بعض مسائل التشريع وبعض مسائل الخلاف الفقهي، وبدؤوا يكثرون من ذكر الإجماع فيها، فقال هذا القول من باب الورع، ولهذا تجد أن الموفق ابن قدامة ﵀ في كتابه المغني تمثل كلمة الإمام أحمد كثيراً، وإذا قارنت بين كتاب المغني وبين كتاب المجموع في الفقه المقارن، وجدت أن النووي يغلب عليه أنه ينص على الإجماع، حتى في مسائل لم تنضبط أنها إجماع قطعي، أي: الإجماع الضروري المنضبط عند السلف، بخلاف الموفق؛ فإنه غلب على كلامه أنه يقول: لا أعلم فيه خلافاً، وهذا من باب التقيد بنوع من الهدي المأثور عن الأئمة. ولا شك أن الإمام أحمد لم يرد بهذه الكلمة أنه لا إجماع في مسائل أصول الدين، ولا إجماع في مسائل الدين عموماً، أو لا ينضبط الإجماع؛ فإن الإمام أحمد نفسه حكى الإجماع في مسائل ليست من مسائل الأصول، بل في مسائل قد يقبل فيها منازعة غيره له، فإن الإمام أحمد مثلاً قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] قال: أجمعوا على أنها نزلت في الصلاة، مع أن هذا الإجماع يمكن منازعته، فالإمام أحمد في الجملة حكى إجماعات يمكن منازعتها، فضلاً عن كونه صدق إجماعات السلف في مسائل القدر والصفات والشفاعة وغيرها. فالمقصود أن قوله: (من ادعى الإجماع فقد كذب) كلمة أراد بها وجهاً من أوجه اختلاف الناس الذي قد يحكى فيه إجماع. والمقصود أن ما يذكره كثير من الأصوليين في كتبهم في حد الإجماع، قد يجعله ممتنعاً. والمعتبر عند السلف في معنى الإجماع: أن ما كان من المعاني صريحاً في الكتاب والسنة من جهة تواتر معناه وصراحته من حيث المدلول (دلالة اللغة)، ثم استقر الأمر عليه: إما عملاً إن كانت المسألة عملية، وإما تصديقاً وإيماناً إن كانت المسألة تصديقية، فهو يعد من الإجماع القطعي، وإن لم ينقل بالأسانيد أن فلاناً وفلاناً من المجتهدين نصوا على هذا العمل، أو نصوا على هذه المسألة، فإنك لو اشترطت هذا التنادي أو التصريح؛ بمعنى أن عندك الأسانيد التي نصت على أنهم قالوا هذا القول، لما بقي في الدين مسألة واحدة فيها إجماع، حتى الصلوات خمس، فليس عندنا أسانيد متصلة عن كل واحد من الصحابة، أنه قال: إن الصلوات خمس، ولا توجد مسألة في الإسلام، عندنا فيها إسناد إلى كل صحابي. فهذا نوع من الافتراضات النظرية التي اعتبرها الأصوليين، ولا قيمة لها. إذاً: كل المعاني التي انضبطت من صريح الكتاب والسنة متواترةً في حروفها وصريحةً في دلالتها على وفق كلام العرب، ثم استقر عليها العمل أو العلم، فهي مسائل الإجماع. هذا هو الإجماع في مسائل السلف، وأما أن يفهم من الإجماع أنه تنادي أصحاب الاجتهاد بأسانيد تنضبط إليهم، وإذا انقطعت الأسانيد أو لم نجد الأسانيد شككنا في الإجماع، فهذا ليس بصحيح، هذه جهة. وقد يقول قائل: إن أكثر ما يقال أنه إجماع لم ينطق الصحابة بمسألته أصلاً، فإنه لو قيل: إن الصحابة أجمعوا أن الصلوات خمس، وأجمعوا على كذا وأجمعوا على كذا. لكان صحيحاً، لكن ما وجه أن يقال: إن الصحابة أجمعوا على أن القرآن ليس مخلوقاً، مع أن مسألة خلق القرآن حدثت بعد عصر الصحابة؟! هذا إشكال يورده كثيرون ممن يترددون في مسألة إجماع السلف أو إجماع الصحابة على ذلك. يرد البعض فيقول: إن الإجماع الذي نحكيه هنا هو إجماع السلف بعد الصحابة، أي: إجماع التابعين أو إجماع تابعي التابعين، وأن إجماع هؤلاء حجة؛ لأنه إجماع علماء الأمة المعتبرين في زمنهم. فيرد عليه إشكال وهو أن في ذلك القرن كان هناك من خالف ذلك من الفرق، ويجاب: أن مخالفة هؤلاء غير معتبرة. والمقصود: أن هذه الطريقة في تحصيل الإجماع طريقة ضعيفة. والصواب: أن القول بأن القرآن ليس مخلوقاً -مثلاً- هو من إجماعات الصحابة، ووجه كونه إجماعاً للصحابة أن الإجماع عند الصحابة ﵃ على إثبات الصفات بين، فإذا كان كذلك، فكل قول ناقض هذا المعنى البين أو نافاه، فإنه يكون معلوم البطلان بالضرورة. إذاً لو قلنا: إن ظاهر النصوص وصريحها إثبات علو الله ، وأن الله في السماء، وأن الصحابة درجوا على ذلك، وتلقوه عن القرآن وعن رسول الله ﷺ ، وعن صريح حديثه ومفصل حديثه، فجاء من جاء وقال: إن الله ليس له مكان، أو أن الله في كل مكان أو لا داخل العالم ولا خارجه أو ما إلى ذلك، لأمكن أن يقال: إن هذه الحروف من حيث هي حروف -بغض النظر عن معانيها- هي حروف مخالفة لإجماع الصحابة، لأن أصحابها لما نطقوا بها قصدوا ألا يقال: إن الله في السماء، ومنعوا المذهب الذي سمعوه عن الأئمة أن الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه. فلما كانت الجملة الأولى معلومة الانضباط بصريح النصوص، حيث ذكر الاستواء في سبع مواضع من القرآن وذكر علو الله في مواضع كثيرة من القرآن وفي كلام الرسول ﵊؛ فلما انضبط هذا المعنى وصح لنا بالعقل والإدراك، أن نقول: إنه إجماع للصحابة، عُلم أن كل معنىً جاء لينافيه: إنه خلاف الإجماع؛ لأن الجمع بين المتنافيين أو بين المتناقضين أو بين المتضادين لا يكون. نعم هذه الجملة ما نطق بها الصحابة، ولكن الصحابة اعتبروا ظاهر القرآن وصريحه: أن القرآن منزل وأنه كلام الله وأنه من علم الله، وهذا المعنى ينافي القول بخلقه، فعُلِم أن المنافي منفي بالإجماع. هذه هي طريقة تحصيل الإجماع في مسائل العقائد التي نازع فيها المبتدعة. وهو كذلك إجماع للأئمة، لكن لا نقول: إنه ليس إجماعاً للصحابة، لأننا إذا قلنا: إن هذه المسائل فيها إجماع للأئمة التابعين وتابعيهم، ولم نقل: إنها إجماع للصحابة؛ ورد هنا سؤال من العقل: لما لا نقول: إنها إجماع للصحابة؟ هل أجمع الصحابة على وفقها، أو على ضدها، أو سكتوا؟ إن كانوا أجمعوا على وفقها فلنقل: إنه إجماع للصحابة، وإن كانوا أجمعوا على ضدها، فهذا يلزم أن التابعين ناقضوا إجماع الصحابة، وإن كانوا سكتوا فما معنى السكوت؟ هل معناه أن الصحابة ليس لهم فيها قول؟ إذا لم يكن للصحابة فيها قول، علم أنها ليست من الدين. وهذا الطريق في التشكيك بالإجماع هو الذي استعمله ابن أبي دؤاد في مناظرة خلق القرآن؛ فقد قال للإمام أحمد: (القرآن ليس مخلوقاً) أهذا من الدين؟ فإذا قيل له: أجمع عليه أصحابنا وأئمتنا أعني: شيوخ الإمام أحمد أو طبقته، فسوف يعترض على ذلك، وهذا اعتراض صحيح، وحتى لو قلت: إنه إجماع لطبقة الإمام أحمد، لقيل: أين الصحابة عن هذا الإجماع؟ فسكوتهم إن لم يدل على النفي، فهو يدل على أنهم لا يعتبرون المسألة من الأصول. فـ ابن أبي دؤاد قال للإمام أحمد: (القرآن ليس مخلوقاً) أهو من الدين؟ قال: نعم، قال: عرفه النبي والخلفاء الأربعة، قال: نعم، قال: أين هو في كلامهم؟ قال الإمام أحمد: يسكتون فسكت؛ يعني أن الصحابة مجمعون على إثبات معنى، وهو أن القرآن كلام الله أنزله على عبده ورسوله. فالمعنى الذي ذكر هنا أنه ليس مخلوقاً هو نفي لطارئ، وقد علم الإجماع على نفي الطارئ، وامتنع الجمع بين الطارئ -وهو أن القرآن مخلوق- وبين المعنى الذي هو صريح النصوص. وعليه نقول: إن كل مسألة نطق بها السلف من بعد الصحابة -أعني طبقة التابعين وتابعيهم- فهو إجماع للصحابة ﵃. وفي الغالب أن ما يذكره الأصوليون يريدون به الإجماع في مسائل التشريع، ولهذا يقولون: الإجماع هو اتفاق مجتهدي علماء الأمة، فهم يحصرونه بطبقة الاجتهاد.

стр. 109

وسطية أهل السنة في صفات الله قال المصنف ﵀: [فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة]. ما من بدعة ظهرت في الإسلام، إلا وظهرت بدعة أخرى تناقضها، وهذا الأمر إذا تأمله العارف عرف أن الحق لا يُعرف بالمقابلة، وهذه مع الأسف طريقة استعملها كثيرون الآن، سواء في مسألة الدعوة أو الجهاد أو غيرها؛ فقد صار هناك نوع من التقابل، أو ما يسمى بالمصطلح المعاصر: (ردة الفعل)، والحق لا يعرف بردود الأفعال، ولهذا نقول: ما من بدعة ظهرت في الإسلام، إلا وظهر ما يسمى بردة الفعل، وهي الطرف الآخر المناقض، ودائماً الحق لا يكون طرفاً مناقضاً من كل وجه في مثل هذه المسائل، بمعنى أنه إذا كان القول إفراطاً فإن الحق لا يمكن أن يكون تفريطاً، وإذا كان القول تفريطاً، فإن الحق لا يمكن أن يكون إفراطاً. إذ لا يجوز أن يكون تحقيق الحق في مسألة ما إنما كان بعد ظهور الباطل؛ لأن الحق سابق. ومن يبني أقواله على ظهور شيء من الباطل، فيكون تقريره لمسألة الحق متحصلاً من هذا الباطل الذي طرأ، لا يكون حكيماً. والسلف ما زادهم ظهور هذه البدع أي شيء في أقوالهم، هذه هي طريقة المتقدمين من السلف، لكن كثيراً من المتأخرين من أهل السنة والجماعة إذا اشتغل أحدهم بالرد على بدعة، زاد بسببها في قدر الحق الذي معه، فمن علم بذم علم الكلام وذم المتكلمين، لم يكن عنده سبيل إلى إغلاق هذا العلم إلا بتكفير أصحابه، فيعمد إلى تكفيرهم حتى يقطع مادة هذا العلم، لأنه يرى بعقله ونظره أن هؤلاء المتكلمين -مثلاً- أو المعتزلة، أيهما أحسم لمادتهم عن المسلمين: إذا قيل أنهم أهل بدعة أو إذا قيل أنهم كفار؟ مادة التكفير، فيعمد لا بسوء قصد وإنما بحسن قصد إلى تكفيرهم، خاصةً أن أقوالهم تستلزم الكفر تارة وتتضمن الكفر تارةً أخرى، فيعمد إلى تحقيق الأقوال على أصحابها، فإذا ما كفرهم، انحسمت مادتهم. وهذا من الطرق المستعملة عند من يقل عقله أو يقل علمه، وهي كثيرة اليوم في صفوف كثير من الشباب، حتى بعض طلاب العلم؛ فمن لم يتسع عقله، أو قل علمه وبصره بالشرع، فإنه يستعمل مثل هذه الطريقة. والحق أن الحق سابق للباطل في هذه المسائل، فإن مذهب السلف بجميع مسائله موجود زمن الرسول ﵊، وزمن أبي بكر قبل أن تحدث في الإسلام بدعة واحدة. إذاً لا يمكن أن تزيد هذه البدع في قدر الحق، وإنما قد تستعمل أوجه من الحق في دفع هذه البدع لم تستعمل في زمن أبي بكر؛ لأن البدعة لم تظهر. فهذه مسألة يجب على طالب العلم أن ينتبه لها؛ فردود الأفعال في تعريف الحق غلط، وإنما الحق يعتبر بقدره. فنقول: ما مِن بدعة حدثت إلا وحدث ما يناقضها أو ما يضادها، فلما حدثت بدعة نفاة الصفات في أوائل المائة الثانية وبعد عصر الصحابة ﵃ على يد جماعة من النظار من الموالي، كـ الجعد والجهم -وهم أول من أظهر هذه المقالة، وهي منقولة عن بعض مقالات اليونان وفلسفة اليونان، وغيرهم من الملاحدة والكفار الذي تُرجم قولهم إلى المسلمين- فأنكروا صفات الله ، وتقلد هذا المذهب أصحاب الاعتزال الذين كانوا يتكلمون في مسائل القدر والشفاعة والكبائر، فظهرت مقالة نفي الصفات على يد الجهمية -نسبة للجهم بن صفوان وهو الذي أظهر وأشاع المقالة- وصار عند السلف كل من نفى الصفات أو ما هو منها، وصف بالتجهم، نسبةً لهذا الرجل، وليس بالضرورة أن من وصف بالتجهم أو سمي جهمياً أنه يصدق أقوال جهم بن صفوان في سائر مواردها، فإن من ناظر في فتنة خلق القرآن سماهم السلف جهمية، مع أن أساطينهم الذين باشروا المناظرة هم المعتزلة، ونحن نعلم أن المعتزلة تخالف الجهم بن صفوان في أكثر آرائه، فهي تخالفه في مسألة الإرجاء، حيث هو غالٍ في الإرجاء وهم على النقيض من ذلك، ويخالفونه في باب القدر هو جبري وهم قدرية. بل لا عجب أن في كتب المعتزلة تكفيراً للجهم بن صفوان، وهذا نطقت به بعض كتب المعتزلة، أن أئمتهم يذهبون إلى تكفيره لمسائل قالها في بعض أصول الدين. ومراد السلف بالتجهم هو نفي الصفات، وليس الشخص نفسه، وإذا ذكروا التجهم يقصدون به نفي الصفات، وليس التقلد المطلق لسائر ما نُقل عن جهم بن صفوان من الآراء أو المقالات والبدع. وقابلهم المشبهة، والتشبيه لم يقع له أثر في الأمة كما وقع لمذهب التعطيل، فإن التعطيل استعمل تحت جملة التأويل، ولهذا درج عند غلاة المعطلة كالجهمية وأئمة المعتزلة، ثم شاع لما جاءت مدارس متكلمة الصفاتية، وهي التي أشاعت مادة من التعطيل باسم التأويل، وهم أصحاب ابن كلاب والأشعري والماتريدي وأمثال هؤلاء. فتشبيه صفات الخالق بصفات المخلوقين لم يقع له أثر كما وقع لمذهب التعطيل والتأويل، وذلك لأن ظهور بطلانه وتعذر استقامته من جهة التأويل بينة، ولهذا أصبح نفور عامة المسلمين عنه مشهوراً معروفاً، وإنما وجد في الأول عند بعض أئمة الشيعة الإمامية، كـ هشام بن الحكم وأمثاله، ثم عدلت عنه الشيعة الإمامية إلى طريقة المعتزلة، أو طريقة البغداديين من المعتزلة على وجه التحديد، ثم ظهر مذهب التشبيه على يد أحد المتأخرين المنتسبين للسنة من المتكلمين، وهو محمد بن كرام السجستاني، وهو من المرجئة الكرامية المنتسبين للسنة والجماعة كانتساب الأشعري، ولكنه استعمل مادة من التشبيه ليس كتشبيه الشيعة الأولى، وإنما وقع في مادة منه. فأهل السنة والجماعة وسط في صفات الله، يثبتون الصفات على ما يليق به ، دون إفراط على طريقة المشبهة، ودون تفريط يستلزم التعطيل على طريقة المعطلة والمحرفة.

стр. 110

وسطية أهل السنة في أفعال العباد قال المصنف ﵀: [وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم]. أفعال الله لم يقع بين المسلمين في الجملة خلاف في تقريرها، وإنما مسألة النزاع الكبرى في هذا الباب، هي ما يتعلق بأفعال العباد، فهل العباد مجبرون على أفعالهم، ولا إرادة لهم ولا مشيئة لهم، أم أن العباد مستقلون بإرادتهم ومشيئتهم وخلقهم لأفعالهم والله لم يخلق أفعالهم ولم يردها ولم يشأها؟ هذان المذهبان في مسألة الأفعال مذهبان متناقضان كما ترى، تقلد الأول الجبرية، نسبة للقول بالجبر، وهو أن العبد مجبور على فعله، ولا إرادة وله ولا مشيئة له على الحقيقة، وأن الله جبر العبد على الفعل. وأخص من تقلد الجبر الجهم بن صفوان، وكثيرون من الجبرية ولا سيما في الشام، وتقلد نفي القدر القدرية الذين قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يردها ولم يشأها، بل العبد مستقل بإرادته ومشيئته، وتقلد هذا المذهب المعتزلة وكثير غيرهم، وهم المسمون بالقدرية. وكان من القدرية طائفة من الغلاة أنكروا علم الرب بأفعال العباد إلا عند كونها، ولكن هؤلاء من الزنادقة الذين انقطع أثر مذهبهم، والذين انتشر مذهبهم وبقي هم القدرية الذين يؤمنون أن الله يعلم ما كان وما سيكون، وإنما يقولون: إنه لم يرد أفعال العباد ولم يخلقها، وهذا ما يسمى بمذهب القدرية، وهو شائع في المعتزلة والشيعة وطوائف أخرى. فأهل السنة والجماعة وسط في أفعال الله بين هؤلاء وهؤلاء، حيث يقولون: إن الله -كما وصف نفسه في كتابه- هو الفعال لما يريد، وأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، وأنه لا يقع شيء في الكون من أفعال العباد وغيرها إلا بإرادته ومشيئته، وأنه الخالق لكل شيء، فقد دخل في عموم خلقه أفعال العباد وغير أفعال العباد؛ مع الإيمان بأن العباد لهم مشيئة وإرادة، وأنهم ليسوا مجبورين على أفعالهم. وسيأتي تفصيل هذا
следующие страницы →