← Акыда

Акыда · id 37784

شرح حديث الافتراق

يوسف الغفيص

Полный текст (110 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح حديث الافتراق [١] لفظ السلفية لفظ قد استعمل في كلام أهل السنة، وإن لم يطرد القصد إليه في كلام السلف ومحققي أهل السنة، وهو نسبة فاضلة، حيث إنه إضافة إلى السلف الأول الذين أثنى الله عليهم وامتدحهم، وأمر باتباعهم بإحسان، وهم الصحابة ﵃، أو هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.

стр. 2

مقدمة شرح حديث الافتراق الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فيأتي التعليق على هذه الرسالة الفاضلة للإمام ابن تيمية ﵀، بعد التعليق على كتاب الإيمان لـ أبي عبيد، وكأنه يمكن أن يقال: إن رسالة شيخ الإسلام ﵀ فيها تقريرٌ لمنهج السلف في مسائل أصول الدين مجملاً، وكلامٌ في باب التكفير وبعض الأصول السلفية المقولة عند السلف فيه. والتناسب بين الرسالتين تناسبٌ علميٌ صحيح؛ فإن القول في التكفير ومسائله إنما يقع فرعاً عن تحقيق وضبط القول في الإيمان، ولهذا قال شيخ الإسلام وغيره: "الكفر ضد الإيمان". ولا شك أن الإيمان والكفر -الذي هو الكفر بالله- لا يجتمعان، فإن كل من كان كافراً من الممتنع أن يكون مؤمناً، وكل من كان مؤمناً من الممتنع أن يكون كافراً. وعليه: فإن من المسائل التي ينبه إليها -ولا سيما في حال كثرة البحث في مسائل التكفير- أن من أخص المقاصد لضبط هذا الباب من الشريعة، ومتى يقع الكفر، ومتى يقع التكفير .. إلى غير ذلك، يعتبر بتحقيق أصول، أخصها: تحقيق القول في الإيمان عند السلف، ومراد السلف بقولهم: الإيمان قولٌ وعمل، وزيادة الإيمان ونقصانه، والنفاق مع الإسلام .. إلى غير ذلك من المسائل. فالقصد هنا: بيان أن التناسب متينٌ بين كتاب الإيمان وهذه الرسالة من هذا الوجه؛ فإنه لا يفقه القول بالتكفير إلا من كان فقيهاً بقول السلف في باب الإيمان وقولهم فيه. وللحديث عن هذه الرسالة للإمام ابن تيمية ﵀، نقدم بين يديها سؤالات لابد لطالب العلم من ضبطها، لأن ضبطها يعتبر أصلاً في المنهج السلفي.

стр. 3

مذهب السلف .. حقيقته وكيفية ضبطه إن الناظر في منهج السلف الذي بدأ ببعثة النبي ﷺ والمتأمل في سيرة السلف الأول وأخصهم الصحابة الذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] يجد عليه سؤالين فاضلين: السؤال الأول: ماذا يقصد بالقول عن قولٍ ما، أو فعلٍ، أو تصديقٍ، إنه مذهبٌ للسلف؟ السؤال الثاني: بم يضبط مذهب السلف؟ هذان سؤالان لابد لطالب العلم أن يكون على فقهٍ متين فيهما؛ لأن ثمة فواتاً لفقه هاتين المسألتين -ولا سيما في هذا العصر- عند كثيرٍ من السلفيين، وعن هذا ترى أن السلفيين -ولا سيما في بعض الأمصار- صار لهم تجمعات متعددة، وصار كل جمعٍ يسير يعتبر أنه هو المحقق للسلفية. والسلفية لم تكن يوماً ما مسألة معقدة، أو مسألة من دقائق الحقائق، أو من دقائق المعارف، أو التراتيب، بل هي مسألةٌ بينة، فهي الإسلام والحق الذي بُعثَ به محمد ﷺ ، هي هدي صاحب الرسالة الذي كان يقول: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور مُحدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة) فكل ما خالف هديه ﷺ ، فهو الخارج عن ذلك. ولفظ السلفية لفظٌ قد استعمل في كلام أهل السنة، وإن لم يطرد القصد إليه في كلام السلف أو محققي أهل السنة، وهو نسبةٌ فاضلة، حيث إنه إضافةٌ إلى السلف الأول الذين أثنى الله عليهم وامتدحهم، وأمر باتباعهم بإحسان، وهم الصحابة ﵃، أو: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار .. كما هو حرف القرآن.

стр. 4

حقيقة مذهب السلف والأمور المترتبة على نسبة فعل ما إليه إذا أخذنا السؤال الأول، وهو: ماذا يقصد بالقول عن قولٍ ما، أو فعلٍ، أو تصديق: إنه مذهب للسلف؟ قيل: هذا السؤال يترتب على إجابته عدة أمور فيها تعدد: قد يكون مترادفاً، وقد يكون متنوعاً: الأمر الأول: أن هذه المسألة سنةٌ لازمة لا يجوز لأحدٍ أن يخالفها، وأن ما خالفها يكون بدعةً وضلالة. الأمر الثاني: أن من تقمص مخالفة هذه المسألة فقد تقمص ضلالةً، ومن دعا إليها فقد دعا إلى ضلالة. الأمر الثالث: أنه لا يجوز الاجتهاد بخلاف ما قيل عنه أنه قولٌ أو مذهب للسلف. هذه حقائق لابد أن تكون بينةً لطالب العلم، وهي تترتب على القول عن قولٍ ما أو فعلٍ ما: إن هذا مذهبٌ للسلف، أو من مذهب السلف كذا، أو السلف يقولون كذا، فضلاً عن القول: إن قولاً ما أو فعلاً ما مخالفٌ للسلف، فإن هذا آكد في التصريح، حيث إن وصف المخالفة بأنها مخالفةٌ للسلف أو لمذهب السلف -سواء كانت مخالفةً قولية أو فعلية أو تصديقية- يعني أن هذه المخالفة من البدع، ومن الضلال، ومما لا يعذر أحد بمخالفته، ولا يجوز أن يقال عن صاحبها أنه على الاجتهاد المأذون فيه، بل لابد أن يكون عند صاحبها -وإن سميّ مجتهداً من وجهٍ آخر- تفريط، وتقصير في تحقيق الحق، وفي اتباع السنة إلى غير ذلك من اللوازم، والمتضمنات لهذه الجملة. إذا عرف هذا المعنى؛ تبين أن ما يقال فيه: إنه مذهب للسلف، فإن معناه: أنه من جنس مسائل الإجماع، أي أنه إجماعٌ وهديٌ ولزومٌ لا يجوز لأحد الاجتهاد بخلافه، حتى لو فرض أن مبنى الاجتهاد ظاهر من الكتاب أو السنة، فإن هذا الاجتهاد لابد أن يكون غلطاً، ولابد أن يكون هذا الفهم لما استُدل به من الكتاب أو السنة فهماً باطلاً، وضلالاً عن الحق .. إلى غير ذلك من اللوازم. وهذه المسألة لابد من ضبطها على هذا التقدير، وإذا تم ضبطها تبين أنه لا يجوز القول عن مسألةٍ من مسائل الخلاف بين الأئمة: إن هذا القول هو طريقة السلف؛ مع العلم أن في المسألة خلافاً بين فقهاء السلف أنفسهم. وعليه: فإن عامة المسائل المتعلقة بالعبادات وتفاصيلها وإن رجَّح المرجحُ فيها، وإن كان قوله قد نطقت به جملة من النصوص إلى درجةٍ تحاكي الظاهر عنده أو الصريح، ورأى أن القول الثاني بعيدٌ عن هدي السنة أو ظاهرها أو عما يتعلق بذلك من أوجه الاستدلال، مع هذا كله لا يجوز له أن يقول عن هذا القول: إنه مذهبٌ للسلف، أو هذه سنة السلفيين، ومن خالفها فقد خالف طريقة السلف أو السنة السلفية. وأضرب لذلك مثلاً قد يستعمل كثيراً في هذا العصر، ولابد من التنبيه إلى مثله، مثال ذلك: الإشارة بالإصبع في التشهد .. هذه المسألة الجمهور من علماء السلف على شرعيتها، وإن اختلفوا في تحديد ما يتعلق به المقام من الإشارة، فهذه مسألة خلافٍ بينهم، ولكن من الفقهاء المتقدمين من لا يذهب إلى ذلك. فهذا الفعل يصح أن يقال فيه: إن هذا ثابتٌ بسنةٍ صريحة، وأن من خالفها فقد خالف ظاهر هذه السنة إما لكونها لم تبلغه أو لم تصح عنده، وأن قوله غير معتبر، أي لا يصار إليه، ولا يفتى به، ولا يدعى إليه، مع بيان أن السنة هي الإشارة وإن اختلف في تحديد مقامها. لكن أن يقال: إن هذه من السنن السلفية، وأنه لا يتركها إلا من هو خارج عن مذهب السلف .. فهذا غلط. وهذا وإن تعلق ببعض الأحناف إلا أن له مثالاً في سائر الأئمة، بمعنى: أنه إذا تتبعت أقوال الأئمة -كالأئمة الأربعة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد - فإننا نجد أن لكل إمامٍ في الجملة بعض المسائل التي تخالف بعض ظواهر النصوص البينة، وهذا لكون هذه النصوص إما أنها لم تبلغه أو لم تصح عنده، أو لسبب من أسباب التردد فيها، أو عدم الأخذ بظاهرها أو ما إلى ذلك. من أمثلة ذلك: أن الإمام مالكاً يذهب إلى أنه لا يستفتح بدعاء الاستفتاح المعروف في الصلاة، مع أن دعاء الاستفتاح روي عن النبي ﷺ من أوجه متعددة محققة في الصحيحين وغيرهما، فهذا لا شك أنه مخالف لظاهر السنة، لكنه لا يجوز أن يقال: إن ترك الاستفتاح مخالفة لمذهب السلف.

стр. 5

حكم إضافة القول في المسألة المختلف فيها إلى مذهب السلف وعليه: فكل مسألةٍ تنازع فيها المتقدمون كالأئمة الأربعة أو من قبلهم، ولم يغلط المنازع بالتبديع أو بوصف قوله بكونه بدعة فإنه لا يجوز إضافتها إلى مذهب السلف المطلق، أي أن يقال: هذه مسألةٌ من مذهب السلف؛ لأن معنى هذا أن هذه مسألةٌ لازمة، وأن الاجتهاد بخلافها اجتهادٌ محرم، وأن من اجتهد وخالف ولو كان إماماً كـ الشافعي أو مالك أو أحمد فإن اجتهاده غلط، وأن عنده تفريطاً في تحقيق الحق واتباع النصوص، ويعني هذا أيضاً: أن المالكية من بعد مالك أو من يقتدي بـ مالك لا يجوز له أن يعتبر قوله إلى غير ذلك من اللوازم. ومن الأمثلة كذلك: أن الإمام أحمد نُقل عنه روايات في بعض المسائل تخالف ظواهر من النصوص، وإن كانت الرواية لا تطرد في الغالب في مسائل أحمد، بل يأتي عنه رواية توافق الظاهر من النصوص، وهذا كقوله في إحدى الروايتين عنه: إن الحلف بالنبي ﷺ ينعقد .. فهذه روايةٌ معروفة عن أحمد، وإن كانت رواية مخالفة للصواب، ومخالفة كذلك للرواية الثانية عن الإمام أحمد نفسه. القصد: أن مسائل الفقه التي حصل فيها نزاع لا تضاف إلى السلف، ولو كان الخلاف يسيراً، فضلاً عن أن بعض المسائل التي يضيفها بعض طلبة العلم أو الشيوخ الفضلاء من السلفيين اليوم إلى السلفية مسائل هي على خلاف قول الجمهور من فقهاء السلف، فقد يظهر لهم ظاهرٌ من بعض النصوص يستدلون به على هذا القول، مع أن ظاهر أقوال السلف تكون بخلاف هذا القول، وهذا أكثر إشكالاً.

стр. 6

مخالفة قول الجماهير للظاهر الذي يراه بعض المتأخرين ننبه هنا -وإن كان المقام لا يستدعي؛ لأن هذا في منهج الاستدلال الفقهي- إلى مسألة لبيان صحة هذا: مسألة الاستدلال على الأقوال الفقهية هي مسألة فيها قدر من الإغلاق -أي: من جهة ضبطها- ويراد بهذا الإغلاق أنه أحياناً تظهر بعض الظواهر من النصوص، ومع ذلك الجماهير من أئمة السلف على خلاف هذا الظاهر الذي بلغ المتأخرين، وصار عندهم من صريح الاستدلال. وأضرب لذلك مثلاً: طلاق الثلاث، من المعلوم أن مسلماً ﵀ وغيره روى في صحيحه من حديث طاوس عن ابن عباس أنه قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه عليهم" فظاهر السياق أن عمر فعل ذلك من باب التعزير، وعمر لم يستقر عند هذا المذهب؛ لأن طلاق الثلاث في صدر خلافته كما يروي طاوس عن ابن عباس واحدة. وهنا سؤال على هذه المسألة: هل هناك سنةٌ صريحة عن النبي ﷺ وقبل ذلك في كتاب الله أن طلاق الثلاث ثلاث؟ أي: إذا طلق الرجل ثلاثاً في مجلسٍ واحد أو نحو ذلك من الصور هل يكون ثلاثاً؟ أو هل هناك سنةٌ صريحة تعارض ما رواه طاوس عن ابن عباس؟ ليست هناك سنةٌ صريحة. ومن هنا: قد يظهر لطالب العلم أن السلفية النبوية الصديقية العمرية أن طلاق الثلاث واحدة، وأن عمر إنما فعل ما فعل تعزيراً؛ وهذا إذا سلِّم يكون من باب حقوق السلطان في تقرير مسألة التعازير واجتماعه بالفقهاء وتشاوره معهم. لكن الذي نراه: أن الجمهور من أئمة السلف يقولون: إن طلاق الثلاث ثلاث. وهنا السؤال: لماذا ترك الجماهير من السلف ظاهر حديث ابن عباس؟ هنا أجوبة يستعملها بعض طلبة العلم ولا سيما المبتدئين في الطلب، يقول: نحن متعبدون بالحق لا بقول الرجال .. وهذا الجواب جوابٌ إيمانيٌ صحيح لا جدل فيه، ومن أنكره فقد خرج عن السنة، ولربما لو التزمه التزاماً مطرداً قد يخرج إلى حد الكفر؛ فإن من قال: إننا متعبدون بالرجال لا بالحق؛ فهذا كافر. فهذا جوابٌ سلفي أو إيماني أو شرعي لا جدل حوله، ولكنه متأخر عن التحقيق من جهة أن السؤال ليس عن هذا، إنما السؤال: ما الذي جعل الأئمة المحققين السلفيين الكبار من الطبقة الأولى المتقدمة لا يعملون بهذا الحديث؟ إن كنت تقول: نحن متعبدون باتباع الكتاب، فهم كذلك متعبدون، ولا يستطيع أحد أن يزعم أنه أضبط تحقيقاً للتعبد بالكتاب والسنة من الأئمة لا علماً ولا عملاً .. وإن كان هذا في الجملة، ولا ينبغي أن يلتزم في الأعيان، فقد يكون من المعاصرين من هو أتقى عند الله وأكثر تحقيقاً من بعض المتقدمين، أي: أن هذا ليس بلازم. فهذا الجواب جوابٌ صحيح في نفسه، لكنه ليس في محل النزاع. وهذا التوارد مسألة مهمة؛ لأن طالب العلم ولا سيما الدارس في الفقهيات يقف أمام هذا الحديث على أنه تسليم، ولذلك يقول: الصواب أن طلاق الثلاث واحدة، وهذا سنة النبي ﷺ وأبي بكر وصدر خلافة عمر، والقول بأن طلاق الثلاث ثلاث لا دليل عليه .. فنقول: هذا منهج غلط، ولا ينبغي أن يعبر عن قولٍ درج عليه الأكابر من جمهور السلف أنه قولٌ لا دليل عليه؛ فإن في هذا تعدياً على السلف؛ فإنه لا يمكن أن يجتمع جمهورهم مع اختلاف أمصارهم على قول يكون عرياً عن الدليل، قد يقال: إنه مرجوح .. هذا لا بأس، لكن أن يصادر بالقول: هذا قولٌ لا دليل عليه، أو خلاف السنة أو خلاف الهدي .. فهذا تجنٍ وغلط كبير. القصد: أن المسألة تأخذ بعداً إلى درجة أن ابن رجب ﵀ قال: "اعلم أنه لم يصح عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة المتبوعين أنه جعل طلاق الثلاث واحدة". فهو ﵀ يميل إلى أن هذا من قول الشيعة، وأنه دخل على بعض المتأخرين من أهل السنة. وليس المقصود هنا الترجيح في المسألةٍ، لكن القصد: أن مسألة الاستدلال مسألة فيها إغلاق على المتأخر في الغالب، بمعنى أن لها استقراءً. وقد شاع في هذا العصر بين طلبة العلم بحوثٌ فاضلة في مسألة الفرق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين في مسألة الحديث والتصحيح والتضعيف والإعلال إلى غير ذلك، ويقال مثله أو أجل منه: الفرق بين منهج المتقدمين والمتأخرين في مفهوم ونظم الاستدلال الفقهي. وننبه إلى أن مذهب الأئمة الأربعة والسواد من فقهاء السلف أن طلاق الثلاث ثلاث، وأن الجمهور من الأئمة جاءوا لأثرٍ آخر قال فيه ابن عباس: "من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً". فأيهما أصرح من جهة السنة: كلمته في الطلاق أو كلمته في النُسك؟ كلمته في الطلاق؛ لأنه كان يقول: "على عهد رسول الله ... ". وهنا ما قال كل هذا، إنما قال: "من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً". وكأنه اجتهاد من ابن عباس، فهو لم يضفها إلى رسول الله ﷺ ولا إلى أبي بكر ولا إلى عمر، ومع ذلك الجمهور من الأئمة بما فيهم الأئمة الأربعة أطبقوا على أن من ترك واجباً في الحج فإنه يلزمه دم، وترددهم في جواباتهم -أعني: جوابات المتقدمين- على قول ابن عباس. فهذه المسائل وإن لم يكن هذا محلاً لذكرها، لكن الذي ينبه إليه هو: أنه إذا قيل عن مسألةٍ ما أنها مذهب للسلف فهذا يعني اللزوم، ولهذا إذا اختلف فقهاؤهم لا يجوز أن يقال عن أحد الأقوال المرجَّحة: إنه مذهبٌ للسلف. وعليه: ما أدخله بعض السلفيين اليوم في بعض حركات الصلاة، أو العبادات، أو اللباس، أو نحو ذلك من مسائل النزاع والخلاف بين السلف، وإن ظهر لها دليلٌ ما فإنها ترجح بظاهر الدليل لا بكون هذا من مذهب السلف، وأن من لم يفعل ذلك فليس سلفياً؛ فإن هذا هو التقرير الغلط والصعب، بل هو من التكلف، الذي لم يدرج عليه السلف ﵏، فقد كان فقهاؤهم يختلفون، حتى إنه قد اختلف الصحابة ﵃، ولم يصرح أحدهم أن من خالفه فقد خرج عن السلفية.

стр. 7

كيفية ضبط مذهب السلف السؤال الثاني: بم يضبط مذهب السلف؟ وهذه المسألة لابد من تقريرها بين يدي هذه الرسالة، فهي مسألةٌ غاية في الأهمية ولا سيما في عصرنا هذا، وهنا تقرير لـ شيخ الإسلام ﵀، نقف معه لمناسبته لرسالته ..

стр. 8

تحصيل مذهب السلف وضبطه بالنقل يتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن مسائل خالف فيها بعض الفقهاء من أصحاب الأئمة بعض مقالات السلف، ثم قال قولاً حسناً، قال: "إن معرفة مذهب السلف للناس فيه من المنتسبين إلى السنة والجماعة من أصحابنا وغيرهم طريقان في ضبطه وتحقيقه: الطريق الأول: تحصيل مذهب السلف وضبطه بالنقل؛ فإن ما قيل فيه إنه مذهبٌ للسلف، فهذا يعني إطباق السلف عليه، قال: وتحصيله من جهة النقل يكون بوجهين: الوجه الأول: أن يستفيض ذكر هذا القول أو هذه المسألة في كلام الأئمة المتقدمين، ولا يظهر بينهم من أعيانهم منازع" وهذا ظاهر -مثلاً- في كتاب شرح أصول السنة للالكائي والإبانة لـ ابن بطة أو ما إلى ذلك من الكتب، فإن الناظر فيها يجد هذا التوارد، أو كما يذكر البخاري في خلق أفعال العباد حيث يقول: "لقيتُ أكثر من ألف أستاذ في الأمصار، كلهم يقول: الإيمان قولٌ وعمل .. " فهذا توارد، واستفاضة، ولهذا يكفي هذا في إثبات كون هذا القول مذهباً للسلف، ولا يلزم بعد ذلك أن تأتي عبارات أصرح من هذا. إذاً: إذا استفاض قولٌ ما بين المتقدمين وشاع وقرروه ووصف ما خالفه بكونه مخالفاً للسنة أو جعلوا هذا القول من السنة اللازمة، فهذا يعني أنه سنةٌ سلفية لازمة، وهذا ظاهر في معتقد الأئمة الذي ذكره اللالكائي في مقدمة كتابه، فإن الناظر في هذا الكتاب يرى أنهم يقولون -مثلاً-: ومن السنة اللازمة عندنا .. ثم يذكرون مسائل. هذه المسائل التي وصفها الكبار كـ أبي حاتم وأبي زرعة وأحمد والبخاري بأنها من السنة اللازمة تعد من أقوال السلف اللازمة .. فهذا الوجه الأول في ضبط النقل. الوجه الثاني في ضبط النقل: أن ينص بعض علماء الإسلام الكبار من المعروفين بالسنة على أن هذا إجماعاً عند السلف، كنص أبي عمر ابن عبد البر، والإمام ابن تيمية، والحافظ ابن رجب، وأمثال هؤلاء، أو نص من هو أجلّ من هؤلاء كـ محمد بن نصر ﵀. فإذا نص أمثال هؤلاء الأكابر أو ممن جاء بعدهم من كبار الفقهاء من الطبقة التي بعد طبقة الأئمة، على أن هذا إجماع للسلف، ولم يعارض هذا الإجماع من عالم آخر، أو من شيوعٍ سلفيٍ آخر، فإن هذا هو الضبط لمذهب السلف. إذاً: هذان وجهان في ضبط مذهب السلف. قال شيخ الإسلام: "وهذا الطريق هو الطريق المستعمل عند الأئمة، وهو المراد في كلام الله ورسوله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] " لذلك كل من خرج عن سنةٍ سلفية فإن عنده قدراً من مشاقة الله ورسوله، وهذا محقق بالشرط المذكور في الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء:١١٥]. وعليه: يمتنع القول عن قول لـ مالك -ومالك وسط الهدى والأئمة- أنه خارجٌ عن هدي السلف؛ لأنه يلزم من ذلك أن مالكاً تبين له الهدى وتركه؛ لأنه يسمع الهدى من شيوخه ومن أساتذته ومن علماء الأمصار إلى غير ذلك. فلا يصح أن يوصف واحد من علماء السلف بأنه قد شاق الله ورسوله من بعد ما تبين له الهدى؛ لأن هذا تكلف، ومن يقول كثيراً من هذا الأقوال لا يستطيع أن يلتزم مثل هذا أبداً، وإن التزمه لأسقط سلفيته. إذاً: هذا الطريق الأول، وهو الطريق المحقق والصواب، وبهذا الطريق يظهر أن مذهب السلف رجع في الأخير إلى الإجماع؛ فإذا تحقق الإجماع كان المذهب مذهباً لازماً وسنةً ماضية؛ لأنه لا يتصور إلا أحد أمرين: إما أن أئمة السلف يتفقون أو يختلفون، ولا يوجد ولا يتصور في العقل غير هذين القسمين، فإذا اختلفوا فاختلافهم مورد اجتهاد يرجح بحسب الأدلة، ولا يلتزم قول واحد، ومن التزم قول واحد منهم - أحمد أو مالك أو الشافعي - فقد خرج عن السنة، والهدي؛ فإن هذا من تكلف بعض المتعصبة من المذهبيين الذين يرجحون قول إمام على الاطراد، وقد كان السلف كـ مالك وأمثاله ينكرون هذه البدعة، وهذا لا يعني إنكار التمذهب جملةً وتفصيلاً. إذاً تبين أن القول: إما أن يكون اتفاقاً عندهم، وهذا هو السنة والمذهب السلفي اللازم، وإما أن يختلفوا فيه فهذا اختلافٌ لا يجوز معه أن يخص أحد هذه الأقوال بالقول عنه: إنه هو مذهب السلف أو السنة اللازمة وما خلافه يكون بدعة، فإن التبديع إنما يكون لما خالف مذهب السلف، لأن البدعة مخالفة لهدي صاحب النبوة، فإنه يقول ﷺ : (خير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها)، ويقول ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). لكن السؤال الآن: كيف يتم تعيين مخالفة هدي الرسول ﷺ ؟ هل تكون بالإجماع أو بالاجتهاد؟ هذه هي مسألة الجوهر في بيان ضبط المسألة، فقد تحقق لنا بالسنة الصريحة وبالأصول الشرعية أن مخالفة هدي النبي ﷺ بدعة، لكن السؤال: هل تعيين هذه المخالفة يكون بالاجتهاد أو بالإجماع؟ هذا هو محل الإشكال عند بعض السلفيين في هذا العصر. الصواب: إنه بالإجماع، وأما إذا اجتهد مجتهد في دراسة قول مالك أو أبي حنيفة أو الثوري أو فلان وفلان من الفقهاء، وبان له أن قوله مخالف لسنة، ولهدي نبوي، فلا يجوز له أن يصف قول هذا الإمام بهذه المخالفة، أو أن يقول: إن قوله بدعة، فإن الضبط لهذه المخالفة إنما يجزم به إذا صار الإجماع إليه؛ لأنه لو صُدق هذا المنهج للزم من ذلك أن كل واحدٍ من الأئمة يجعل ما خالفه بدعة، لأن مالكاً حين يذهب إلى قول ما ويجعله في الشريعة والديانة فإنه يعتقد أن هذا هدي؛ فهل قال مالك والأئمة من قبله -حتى من الصحابة ﵃ أن ما خالف ما انتصروا له من السنة وظهورها من الأقوال أنه بدعة؟ إذاً: لا تحدد أو تعين المخالفة بالاجتهاد، بل بالإجماع، وبهذه الطريقة يظهر أن أقوال السلف المعتبرة اللازمة هي الإجماعات المنضبطة، بل إن شيخ الإسلام ﵀ يذهب إلى أكثر من هذا، فهو يقول: "إن الإجماع المنضبط الذي يلزم به مذهب السلف هو إجماع الصدر الأول كالصحابة ﵃ ومن لزم قولهم، قال: إذ بعدهم كثر الاختلاف" فعند شيخ الإسلام ضبطٌ وتحقيقٌ لمسألة الإجماع، وأنها معتبرة بإجماع الصدر الأول كالصحابة وأئمة التابعين، وأمثال هؤلاء من طبقات الأئمة الذين انضبط إجماعهم. هذا هو الطريق الأول، وهو النقل بوجهيه، وهو الطريق الوحيد الذي يعرف به مذهب السلف، ومرده في الجملة إلى الإجماع المنضبط.

стр. 9

تحصيل مذهب السلف بالفهم الطريق الثاني: قال شيخ الإسلام: "وقد استعمل طائفةٌ من متكلمة الصفاتية المنتسبين للسنة والجماعة، واعتبر ذلك طائفة من الفقهاء -من أصحابنا وغيرهم- أنهم يعتبرون مذهب السلف بالفهم، فإذا تحصل لواحدٍ منهم في مسائل من النظر أن هذا هو الموافق للكتاب والسنة، أو لبعض أصول السلف، جعل هذا قولاً للسلف. قال: لأن السلف عنده لا يخرجون عن الكتاب والسنة، فإذا تحقق له جزماً في قولٍ ما أنه موافق للكتاب والسنة جعله قولاً للسلف". محصل هذا الطريق: هو تحصيل مذهب السلف بالفهم. أي: أن يقول قائل عن قولٍ ما أو فعلٍ ما أو تصورٍ ما: هذا مذهب للسلف، ومن خرج عنه فقد خرج عن مذهب السلف، وهو من أهل البدع أو ما إلى ذلك. فإذا أورد عليه سؤال: أين استفاضة ذكر هذا المفهوم أو هذا القول أو هذا التقرير في كلام الأئمة؟ أو من نقل الإجماع؟ قال: هذا محصَّل بدراسة أصول السلفية وبضبطها وبظاهر الكتاب والسنة، والسلف لا يخرجون عن الكتاب والسنة ... إلخ. ولذلك: من يعين مسائل من اجتهاده وفهمه أنها مذهبٌ للسلف يجد عند التحقيق -ولا بد- مخالفاً من السلف لقوله، كمن يقول -مثلاً-: إن وضع اليدين على الصدر بعد الركوع مخالفٌ للسلفية، نجد أن من أئمة السلف من يذهب إلى شرعية وضع اليدين على الصدر بعد الركوع. وليس المقصود من هذا الترجيح في المسألة، فهي على كل حال مسألة سهلة، مترددة من جهة الاستدلال. وهذا لا يعني التهوين من شأن السنن والاتباع؛ فإن المسلم مأمورٌ باتباع أوامر الله ، والاقتداء بهدي النبي ﷺ الظاهر والباطن، ولكن العزمات أمرٌ شديد؛ فالصحابة بعد نبيهم ﷺ اختلفوا كثيراً، مع أنهم أدركوا صاحب النبوة، وأدركوا هديه وأقواله، ومع ذلك ترددوا واختلفوا في مسائل كثيرة. فالعزمات ليست من المقامات الفاضلة، وليست من تحقيق العبادة؛ لأن في العزمات قدراً من الجزم على صاحب الشريعة، والإبطال للقول الآخر بأنه بدعة، والذي قد يكون في نفس الأمر هو من السنن، ولهذا من ورع السلف أنهم ما كانوا يصيرون إلى العزمات إلا في الأمور البينة التي انضبط دليلها أو إجماعها.

стр. 10

التحذير من تحصيل مذهب السلف بالفهم إذاً: الطريق الثاني: تحصيل مذهب السلف بطريق الفهم .. وهذا هو الذي يحذر منه، قال شيخ الإسلام: "وهذا الطريق أصله من كلام طائفةٍ من أهل البدع المنتسبين للسنة والجماعة، ثم دخل على طائفةٍ من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم". ولذلك لا يجوز إضافة مسائل إلى مذهب السلف إلا وقد انضبط دليلها وإجماعها إما استفاضةً وإما نقلاً. ولو أن السلفيين في هذا العصر التزموا المنهج الذي قرره شيخ الإسلام، والذي قد درج عليه الأئمة، فإنهم لا يمكن أن يختلفوا في مسائل تصنف على أنها سلفية، بمعنى أن كل طائفة تقول: نحن السلفيون، ومن خالفنا خارج عن مذهب السلف. ولذلك ظاهرة تعدد التجمعات السلفية، وكلٌ منها يزعُم أنه السلفي وحده أو بجماعته أو بطائفته ليست ظاهرةً شرعية؛ لأن هذه الجماعة المؤمنة المنصورة الناجية هي جماعةٌ واحدة، ولو انضبطت على الإجماع لاتفقت. ولهذا: من أسباب انقسام السلفيين فيما بعد عصر الأئمة أو في العصور الفقهية المتأخرة أو في عصرنا هذا: هو أنهم استعملوا طريق الفهم لتحصيل مذهب السلف. وهذا التحقيق لا نعتبره لكونه كلاماً لـ شيخ الإسلام، حتى يأتي شخص ويقول: إن في كلامه نظراً، بل هو معتبر لكونه موافقاً للأصول؛ لكلام الله ورسوله؛ فقد وصف النبي ﷺ هذه الطائفة -وإن كان الحرفُ فيه ضعف، إلا أن معناه صحيح بالإجماع- بأنها: (هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) وفي حديث جابر بن عبد الله ﵁ -وهو في صحيح مسلم - كان ﵊ يردد في الخطب: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد) فما كان منضبطاً عند الأئمة أنه هدي لرسول الله فهذا مذهبٌ للسلف، وما تردد فيه الأئمة من السلفِ على تعيين هديه ﷺ أو الجزم به، فهذا مما يرجح فيه ولا يوصف أحد الأقوال بأنه سنةٌ سلفية. وبهذا الطريق يصح أن يقال: إن مذهب السلف مذهب واسع.

стр. 11

خلاصة الكلام عن حقيقة مذهب السلف وضبطه إذاً: هاتان مسألتان لابد من ضبطهما: المسألة الأولى: ماذا يقصد بمذهب السلف؟ والمقصود به أنه سنةٌ لازمة، وأن الاجتهاد بخلافه محرم، وأن تقليد المجتهد بخلافه محرم، وأن القول المخالف يكون بدعةً وضلالاً، ويلزم من هذا أن يكون عند المجتهد المخالف له -ولابد- تفريطاً، وإذا كان بعد شيوع القول السلفي وبلوغه إياه لم يتبعه فإنه يكون مشاقاً لله ورسوله .. هذه لزومات تلزم في كل ما قيل عنه مذهب السلف. وهذه اللزومات إذا ما اعتبرناها بالمسألة الثانية، وهي أن مذهب السلف هو الإجماع لا تشكل؛ لأن كل من خرج عن الإجماع المنضبط يسوغ أن يقال عنه: إنه مفرط، وأن اجتهاده لا يجوز، ويسوغ كذلك أن يقال عنه: إنه لا يجوز متابعته في اجتهاده. حتى لو عرض هذا من إمامٍ فاضل كـ حماد بن أبي سليمان، قيل: إن قوله بدعة خارج عن الإجماع. ولذلك نجد أن الذين خرجوا عن الإجماع المنضبط هم أئمة أهل البدع، من الخوارج والشيعة والمتكلمين وأمثال هؤلاء، وإن كان قد يعرض أن يخرج بعض أئمة السنة عن بعض مسائل السلف كخروج حماد، لكن هذا نادر، فإن الذي كان مطرداً عند الأئمة هو أن الذي يخرج عن سنتهم ولزومهم هم أئمة أهل البدع، الذين لا يعتبرون منهجهم وطريقة هدي صاحب الرسالة ﵊. المسألة الثانية: بم يحصل مذهب السلف؟ بأحد طريقين: الطريق الأول: النقل، وله وجهان: الوجه الأول: الاستفاضة، كاستفاضة قولهم: الإيمان قولٌ وعمل، وتواردهم على ذلك، لذلك لما جاء حماد بعد هذه الاستفاضة أصبح قوله بدعةً. الوجه الثاني: أن ينص بعض علماء الإسلام المعتبرين في ضبط مذهب السلف أن هذا إجماع ولا ينخرم. والطريق الثاني لتحصيل مذهب السلف ليس طريقاً لأهل البدع؛ لأن الغلاة من أهل البدع وأهل البدع المغلظة أصلاً ما كانوا ينتسبون إلى مذهب السلف، وإنما هذا طريق طائفةٍ من أهل البدع من متكلمة الصفاتية، وإذا قال الإمام ابن تيمية: متكلمة الصفاتية فإنه يقصد ابن كُلاب والأشعري وأمثالهم، ممن يحصلون مذهب السلف بطريق الفهم. ومن أمثلة ذلك التحصيل: أن الأشعري في كتبه قال: "أجمع أهل السنة أن الله ليس بجسم" لأنه وجد أن أئمة السلف ينكرون التجسيم والتشبيه، وهذا ليس تحصيلاً بالنص؛ فإنه لم يصرح أحدٌ من السلف أن الله ليس بجسم، لكن الأشعري حصله فهماً، وقد تكون أدوات الفهم أحياناً -وهذا هو الذي يشكل- عاصفة، أي: ملزمة في عقل الإنسان أو في عقل الناظر، فهو قد وجد أن السلف أطبقوا على ذم التشبيه، فقال: إنهم يذهبون إلى أن الله ليس بجسم، مع أن مذهب السلف هو التوقف عن هذا الحرف أصلاً، وأن هذا حرف مبتدع إثباتاً ونفياً، وإذا ذكره ذاكر سُئِل عن مراده به، فإذا أراد بالنفي مراداً باطلاً، قيل: المراد ليس صحيحاً، وإن كان النفي يتوقف فيه. وإن أراد بنفي التجسيم عن الله أي: أن الله ليس كالمخلوق وليس كالمحدثات وليس كجسمٍ من الأجسام .. فهذا المعنى صحيح؛ لأن الله منزه عن هذا، لكن الحرف حرفٌ مشكلٌ متردد فيه؛ لظهور مادة الإجمال فيه عند كلام المتكلمين فيه. بعد هذه المقدمة اللازمة، أرى ضرورةً من طلبة العلم أن يعتنوا بالتفقه في هاتين المسألتين ليحصل اجتماع أهل السنة والسلفيين كما كان أصلهم وطريقتهم السالفة، ولا يتنابذوا ويتنابزوا بالألقاب والهجران من القول نتيجة غلط في تقرير المنهج الذي يعتبر منهجاً سلفياً.

стр. 12

شرح حديث الافتراق [٢] القول بأن من السلفية ترك التمذهب ليس بصحيح، كما أنه يقال: ليس من السلفية لزوم التمذهب، ولكن التمذهب ترتيب علمي لا جدل حوله، فحين يصبح تقليداً لمعين أو لطائفة أو مذهب من أجل الانتصار له فلا شك أنه غلط، أما حين يكون التقليد مبني على الأخذ بالتراتيب العلمية للأئمة فعندها يكون التمذهب جائزاً.

стр. 13

المذهبية هنا بعض المسائل التي أحب أن أؤكد عليها تبعاً للمقدمة التي سبق بيانها، وأبرزها مسألةُ المذهبية. أقول أولاً: هذا الكلام لا يقصد به التثريب على أحد، فقد تكلم في هذه المسألة بعض الشيوخ الفضلاء، وفي بعض الأحايين يتكلم بهذا أئمة في هذا العصر كالإمام الألباني ﵀، وهو ممن يشار إليهم، بل إنه يعتبر من أئمة السلفيين، فلا يطعن فيه إلا جاهل. ولا يلزم أيضاً أن هذا الكلام الآتي سيكون كلاماً للشيخ الألباني ﵀، لكن بعض هذه الاستدلالات تأخذ من الشيخ ﵀ أو بعض من يقابله من المذهبيين الذين يبالغون في تصحيح المذهبيات وتغليط الشيخ في طريقته. الشيخ ﵀ لم يأخذ مذهباً فقهياً كما هو معروف، وإنما التزم أنه يستدل بحسب ما يظهر له من الكتاب والسنة ولا يخرج عن الإجماع .. وهذا المنهج للشيخ وأمثاله يُعد منهجاً سلفياً شرعياً صحيحاً درج عليه الأكابر من الأئمة، بل هو فضيلةٌ من فضائله ﵀: أنه وصل إلى هذا المقام في هذه الأمة في عصره هذا؛ لما عنده ﵀ من سعة العلم والأصول والتفقه وما إلى ذلك، فهو ﵀ وإن كان عارفاً بالحديث إلا أنه إمام في الفقه، ولا يجوز أن يؤخر مقامه عن الفقه؛ لكونه لم ينتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة. لكن السؤال في تقرير بعض اللوازم من هذه الطريقة: هل هذه طريقةٌ لازمة لآحاد طلبة العلم، أو حتى لعلماء المسلمين في هذا العصر؟ وأشدُ من ذلك: هل يصح أن يقال عن مجرد انتساب من ينتسب إلى مذهب من المذاهب -الحنبلي أو الشافعي أو المالكي أو الحنفي- أنه انتساب بدعي مخالفٌ للسلفية؟ هذا هو القدر الذي يقصد إلى مراجعته. أحياناً مثل هذه المسائل من المهم أن تضبط بالإجماعات وبالاطراد، فإن الاطراد إذا درج لا يمكن أن يكون غلطاً. الانتساب إلى المذاهب الأربعة المعروفة: الشافعية إلخ، والتي استقرت عند المسلمين ابتدأ من القرن الرابع، بمعنى: أن جماهير علماء المسلمين حتى السلفيين منهم -أي: من عقيدتهم ومنهجهم سلفيٌ محض- كانوا إما حنابلة أو شافعية أو مالكية أو حنفية. قد يقول قائل: وجد في تلك القرون بعضُ العلماء الذين كانوا يعتبرون طريقة أهل الحديث .. فما الجواب؟ يقال: ليس المقصود هنا أن نقول أن الانتساب للمذاهب هو الشرعي أو هو المقصود، فإن بقاء طائفة من العلماء في كل القرون السابقة متمسكة بالاستقلال والاستدلال بالأثر، وعدم الاتصال بمذهبٍ ما، أمر لا ينكر، إذا كان القائم به أهلاً له، لكن قد حصل التوارد في الانتساب للمذاهب، وبالقطع الضروري والعلم الضروري أن المتمذهبين أكثر من غير المتمذهبين ولا شك؛ فإن علماء الأمصار أكثرهم متمذهبون. وهنا سؤال: إذا افترضنا أنه وجد اطراد في ترك المذهبيات بعد القرون الفاضلة، أو في القرن الرابع وما بعده، فهل أنكر أحد من العلماء السلفيين المعتبرين التمذهب كمجرد انتساب وانتحال؟ الجواب: هذا ليس له شيوع أبداً. إذاً: تحصل من هذا أن ثمة إقراراً عاماً على مبدأ الانتحال. وأما الذي يفصل فيه فهو أن التمذهب يراد به أحد وجهين:

стр. 14

التمذهب المذموم الوجه الأول: إما أن يكون تقليداً لمعينٍ أو لطائفة، تقليداً للشافعي أو للشافعية، تقليداً لـ أحمد أو للحنبلية، أي: يأتي المجتهد بعد أبي يعلى ليعتبر أقوال أبي يعلى وأقوال أحمد ولا يخرج عنها ويكون مقصوده ومراده الانتصار للمذهب والاتّباع له، فمن كان هذا غرضه وهذا مقصوده فلا شك أنه على مجهد ليس محقق؛ لأن المقصود: الانتصار للحق، والحق ليس محصوراً في الحنابلة أو غيرهم. قد يقول قائل: هذا موجود عند الفقهاء وبكثرة. نقول: نعم، موجود وبكثرة وبكثرة، وأقول عشر مرات: وبكثرة .. لكن هل هذا يقر؟ لا. لا يُقر. إذاً: إذا ما فُسر التمذهب: بأنه التقليد والاتباع والانتصار فهذا لا شك أنه لا يجوز، وهو حرام بالأدلة الشرعية، وبإجماع أئمة السلف الذين نصوا على تحريم اعتبار أقوال الرجال وترك الأدلة.

стр. 15

التمذهب الجائز الوجه الثاني: وهو المقصود بالتمذهب عند المحققين، وهو الأخذ بالتراتيب العلمية للأئمة. وإذا قيل: إن ثمة متعصبين من أتباع الفقهاء الأربعة، قيل: ثمة أقوام عندهم اعتدال وليسوا من أهل التعصب. وإذا قيل: إذا كانوا ليسوا منتصرين لأقوال الأئمة الأربعة، أو هذا -كـ ابن تيمية مثلاً- ليس منتصراً لمذهب الحنابلة، إذاً ما معنى أنه حنبلي؟ نقول: هذه تراتيب علمية. إذاً: إما أن يُفسر التمذهب بالتقليد والانتصار والاتباع، فهذا مؤاخذ بإجماع السلف وبالكتاب والسنة، وإما أن يُفسر التمذهب بأنه تراتيب علمية فهذا سائغ، ولا يجوز أن يقال: من استعمله فقد خرج عن السلفية، وإلا يلزم من ينتصر لأقوال عالم -كمن ينتصر لطريقة الشيخ الألباني من تلاميذه- باطراد ما لزم من انتصر للشافعي ومالك. وإن قال: لا، أريد منهج الشيخ بشكلٍ عام، وأما الاتباع لآحاد المسائل فيعتبر بالأدلة. فإنه يقال: وهذا هو الذي أراده المحققون من أصحاب الأئمة، وهو ما نسميه التراتيب العلمية.

стр. 16

المقصود بالتمذهب من باب التراتيب العلمية من المعلوم أن الفقه ليس كمسائل أصول الدين، فمسائل أصول الدين مضبوطة بالكتاب والسنة والإجماع فقط -ولابد من الإجماع- أما مسائل الفقه فثمة الأصول الثلاثة لمعرفتها، ولكن هناك قدرٌ واسع من أوجه الاستدلال، أي: إن صريح الكتاب وصريح السنة والإجماع، لا جدل حولها، ونحن لا نجد اختلافاً بين الأئمة في صريح أو إجماع، إلا أحياناً، يكون فواتاً، أي: لم يبلغ، وهذه مسألة أخرى. لكن هناك ما يسمى عند الأصوليين بالأدلة المختلف فيها، كالقياس، وأقوال الصحابة، والاستصحاب، والاستحسان .. إلى آخر هذه الأدلة، وسوف نضرب مثلاً باثنين من هذه الأدلة، وهما: القياس، وأقوال الصحابة. ما موقف أئمة السلف -بما فيهم الأئمة الأربعة- من القياس وقول الصحابي؟ النتيجة الضرورية هي: إن تقديرهم لهذين الدليلين ليس تقديراً واحداً، أي: أن استعمال الإمام أحمد للقياس ليس كاستعمال أبي حنيفة أو حتى كاستعمال الشافعي، واعتبار الشافعي أو أبي حنيفة لأقوال الصحابة ليس كاعتبار أحمد وأئمة الحديث. وباختصار: إنه عند مراجعة النظم الفقهي عند السلف نجد أنهم ينقسمون إلى أقسام، فمنهم: فقهاء غلب عليهم الفقه ولم يعرفوا بعلم الحديث والرواية، أي: ليسوا من أربابها المعروفين، وإن كانوا ينسبون إلى أهل الحديث في أصولهم، كـ أبي حنيفة؛ فإنه لم يكن محدثاً، ولم يكن عارفاً بكثير من السنن؛ لأسبابٍ اقتضاها مقامه في الكوفة، ولكنه إمام في الفقه، حتى إن الشافعي يقول: "الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه"، وقد أثنى عليه مالك وغيره. ومنهم: محدثون انشغلوا بعلم الحديث والرواية ولم يشتغلوا بكثيرٍ من الفقه، ليس عجزاً، وإنما لأن الرواية شغلتهم عن الفقه، كما أن أبا حنيفة شغله الفقه عن الرواية. وهذا له مثالات: كبعض الأئمة الذين اشتدوا في تتبع الطرق والبحث في العلل وما إلى ذلك كـ يحيى بن معين وابن المديني، وإن كان هذا لا يعني أن ابن معين ليس فقيهاً .. فهو فقيه، لكنه اشتغل بعلم الرواية وغلب عليه علم الرواية عن الدراية. ومنهم: فقهاء غلب عليهم الفقه ولكنهم معروفون بقدر من الحديث، وهؤلاء من يمكن أن يسمون "المحدثون من الفقهاء" أو "محدثو الفقهاء" ومن أخص مثالات محدثي الفقهاء: الإمام الشافعي، فإن مقامه في الفقه أبلغ من مقامه في الحديث، وهذا لا يختلف فيه. والعكس: وهو القسم الرابع، فقهاء المحدثين، وهذا له أعيانٌ كثيرون، من أخصهم الإمام أحمد والبخاري رحمهما الله. وهذا لا يعني أن الطبقة الأولى لا علم لهم بالحديث، ولا يعني أن المحدثين كـ ابن معين ليس فقيهاً، إنما يعني: أن ثمة تفاوتاً في طبقات هذا العلم. وقد تقدم أنه من المتحقق ضرورةً أن ثمة فرقاً بين الأئمة في تقدير الاستدلال: بالقياس وبقول الصحابي. فالإمام أحمد يقدم قول الصحابي على القياس. وهناك من الأئمة من قال: يصار قبل قول الصحابي إلى القياس. وهناك من قال: يصار إلى عمل أهل المدينة قبل هذين. فهذه التراتيب تراتيب مختلفة، فإذا ما جاء علماء من بعد الأئمة، ونظروا في أصول أحمد فوجدوا أنه يرتب الأدلة بهذا الشكل: الإجماع والكتاب والسنة ثم قول الصحابي، ووجدت طائفة أن أبا حنيفة يقول: ثم القياس، ووجدوا مالكاً يقول: ثم عمل أهل المدينة، والإمام أحمد لا يعتبر الاستدلال بعمل أهل المدينة بنفس درجة مالك، ولا يعتبر القياس كـ أبي حنيفة، وأبو حنيفة لا يعتبر قول الصحابي كـ أحمد .. فإذا تخير العالم بعد هؤلاء تراتيب علمية له ليطردها في مسائله الفقهية، فإذا تكلم في مسألة في الطهارة، أو الصلاة، أو الحج، أو الديات، أو الجنائز، أو القضاء، أو الشهادات والهبة .. إلخ، يكون له منهج مطرد: أن القياس يقدم على قول آحاد الصحابة، أو أن قول الصحابي يقدم على القياس .. فإن هذا هو الذي يعطي الأقوال الفقهية اطراداً. ولذلك من يبطل المذهبية في هذا العصر ويقول: الكتاب والسنة والإجماع، نقول له: لم تكن التراتيب المذهبية من أجل مسألة الكتاب والسنة والإجماع؛ لأن هذه مسألة متفق عليها، لكن السؤال: إذا جئت بعد الكتاب والسنة والإجماع -أي: بعد ظواهر الكتاب والسنة والإجماع- فإنك تجد مسائل كثيرة مبنية على أقوال الصحابة، ومسائل مبنية على القياس .. إلخ، فبماذا سوف تأخذ؟ إذاً: المراد بالتمذهب هو هذا الوجه: الترتيب العلمي. إذاً: ليس من الممنوع أن العالم يقول: أنا أقدم طريقة الإمام أحمد أو منهجه الفقهي على منهج الشافعي، أو يقول: أنا حنبلي. على هذا الاعتبار، فإن هذا غير مخالف للسلفية، بل هو انتصار لقول من أقوال السلف، كما أنه لو ظهر لفقيه أن الإمام أحمد أصاب في مسألة واحدة من مسائل الفقه فانتصر له، فإنه لا يعتبر مخطئاً؛ فكذلك إذا ما نظر في تراتيب الأئمة في العراق، في الحجاز، في الكوفة، في بغداد إلخ، وظهر له من تراتيب الأئمة جملة من التراتيب، لما بعد الأصول المنضبطة -وهي الكتاب والسنة والإجماع- فقدم تراتيب الشافعي على أحمد، فهذا معنى أنه شافعي، لكن إذا ما زاد وبدأ ينتصر لآحاد أقوال الشافعي، ويهجر السنن فهذا على ضلال، لكن يبقى أصل التراتيب لا بأس به. هذا هو المقصود بالتمذهب السائغ ولا نقول المشروع.

стр. 17

خطأ بعض أهل السنة في مسألة التمذهب وبهذا: يظهر أن القول بأن من السلفية ترك التمذهب ليس بصحيح، كما أنه يقال: ليس من السلفية لزوم التمذهب، ولكن التمذهب ترتيب علمي لا جدل حوله، لكن إذا زاد عن القدر الترتيبي والترجيحي السابق كان غلطاً، كما أن هذا قد يقع عند غير المتمذهبين بالمذاهب الأربعة. ولكون هذه النظرة استقرت عند بعض المعاصرين، حيث بدءوا يعتبرون في استدلالاتهم الفقهية الكتاب والسنة والإجماع فقط، ومن هنا تفرع عندهم -أحياناً- القول بأن هذه المسألة -وهي مسألة فقهية متنازع فيها- سنة سلفية .. ومن السلفية كذا. وترتب على هذا أن لم يفعل ذلك -عندهم- فهو متمذهب .. متعصب .. مقلد .. مخالف لسنة النبي ﷺ . ويلزم من هذا أن ينطبق هذا الكلام على إمام هذه المقالة من المجتهدين الأوائل، اللهمَ إلا إذا كان المعاصر أو الطالب المتأخر يقلد هذا تقليداً محضاً وهو يرى أن الدليل بخلافه، فهذا مقام آخر لا جدل حوله. القصد: أن بعض الشيوخ الفضلاء وطلبة العلم من السلفيين المعاصرين، لما رفضوا التمذهب بدءوا يصيرون في استدلالهم إلى الكتاب والسنة والإجماع، وبالطبع ضاق عليهم الاستدلال في مسائل الفقه؛ لأنه ليس كل مسألة فقهية عليها دليل صريح أو حتى ظاهر من الكتاب والسنة، فضلاً عن الإجماع، مما أدى إلى حاجتهم إلى قياس، أو أقوال الصحابة إلخ، ولهذا تغلب عليهم الطريقة التي يقدمها ابن حزم ﵀، وتقديمه إياها فرع عن مذهب سابق لـ داود بن علي، وهي مسألة البراءة الأصلية واستصحاب الأصل؛ ولذلك نجد أنهم يرجعون كثيراً من المسائل التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة، والإجماع إلى البراءة الأصلية، فإن كانت عادات قيل: الأصل الحل، وإن كانت عبادات قيل: الأصل براءة الذمة. وهذه الطريقة التي يستعملها ابن حزم أقل ما يقال فيها: أنها مذهبية؛ لأنها إما أنها مذهبية من ابن حزم، وابن حزم ليس أشرف من الشافعي ومالك وأحمد، وإما أنها مذهبية من داود بن علي، وداود بن علي وإن عاصر الإمام أحمد إلا أنه ليس أجل من الأئمة الأربعة، بل جميع الأئمة الأربعة أجل فقهاً من داود بن علي ﵀. فلابد لطالب العلم -ولا سيما السلفي- أن يعتبر مثل هذه الإدراكات: أن عند ابن حزم أثراً ظاهرياً، وهو إنما نقل عن داود بن علي أصولاً عامة في الاستدلال، ثم قام بشرحها، وأحياناً قد يكون تجاوز في شرحها، فليس بالضرورة أن يكون شرحه قد صرح به داود بن علي. وهو -أي: ابن حزم - إمام، قد أجمع المتأخرون على إمامته، ولم يطعن فيه إلا متكلف ومتعصب من المذهبيين، وكتابه المحلى لا يستغني عنه طالب العلم أبداً، لكن على طالب العلم أن يترفق في قراءة كلام الإمام ابن حزم ﵀؛ لأنه يأخذ عقل القارئ -ولا سيما عقل المبتدئ- إلى لزومات يرى أنها من صريح السنن وهي ليست كذلك، ويمكن أن يقال: إن المبتدئ لا يبتدئ بكتب ابن حزم، وإنما يقصد إليها بعد تعديه لمرحلة الابتداء.

стр. 18

الشيخ محمد بن عبد الوهاب والمذهبية إذاً: التمذهب الذي ليس على تعصبٍ وانتصار مطلق ليس غلطاً، بل هو أمر سائغ ليس بمشروع، ولا يجوز أن ينقسم السلفيون إلى قسمين: هؤلاء مذهبيون وهؤلاء ليسوا بمذهبيين، حتى قيل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: إنه سلفيٌ العقيدة ليس سلفي المنهج. وهذا القول غير صحيح؛ لأنه ما كان حنبلياً متعصباً. قد يقول قائل: إنا سبرنا أقواله فلم نجد له خروجاً عن المذهب الحنبلي أو عن روايات أحمد. فيقال: الكلام عن المذهب الحنبلي موضوع طويل، وقد قال الإمام ابن تيمية ﵀: "إني تأملت المسائل فلم يظهر مسألةٌ فيها رجحان من الكتاب والسنة إلا ولـ أحمد فيها رواية في الجملة". فقد يظهر للباحث أن الراجح أو ما يراه راجحاً، أنه خلاف المذهب الحنبلي، لكن عندما يعود إلى روايات الإمام أحمد أو ما ذكره الأصحاب من رواياته كصاحب الفروع أو الإنصاف، في الغالب -لا نقول: دائماً في الفروضات الجدلية- أن الإمام أحمد ﵀ يكون له رواية. فالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يخرج عن روايات أحمد، إلا أنه قال كلمة تبين أنه ليس متعصباً، وإنما متمذهب على التراتيب العلمية فقط. من المعلوم أن أجل كتابين عند الحنابلة المتأخرين في ضبط المذهب الحنبلي هما الإقناع والمنتهى، فما اتفق عليه صاحب الإقناع والمنتهى يقول المتأخرون عنه مباشرة: هذا مذهب الإمام أحمد، ولهذا تفاصيل ليست مهمة عندنا الآن. لكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يقول: "أكثر ما في الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه" .. فهل هذا القول يصدر عن متعصب؟ فالقصد: أن طلبة العلم من السلفيين لا ينبغي أن يختلفوا على مثل هذه المسائل، وأن يكون فيها خفضٌ ورفعٌ ليس على هديٍ سالف، بل لابد من ضبط الأمور، وكل من خرج عن هدي صاحب الرسالة البين، قيل: خرج عن السنة والجماعة. هذه المقدمة بتوابعها كان لابد منها، وينبغي أن يجري فيها نقاشٌ معتدل ومتحرر ومنصف ومنضبط.

стр. 19

عدم الإنكار على المتمذهبين وغير المتمذهبين كما أنه يراعى الشيخ الألباني وطريقته ينبغي أن يراعى مئات من الأئمة درجوا على التمذهب، وفي المقابل لا ضرر ولا ضرار، أي: لا يزاد ويغلط الشيخ ﵀ بأنه خرج عن المذاهب الأربعة كما يقوله بعض المتمذهبين؛ حيث يقولون: إن من أخطائه أنه لم ينتسب إلى واحد من المذاهب الأربعة .. ومن قال: إنه يجب على المسلم أن ينتسب إلى واحد من المذاهب الأربعة؟! بل إن من المسائل المختلف فيها: هل يلزم العوام هذا الانتساب أو لا يلزمهم، فضلاً عن الأكابر كالشيخ ﵀؟! بل إن من فضائله أنه قرر الدلائل وقرر ما اعتقده وذهب إليه في مسائل الفقه من ظاهر السنة والكتاب .. إلخ. ومما يقرب هذه المسألة للفهم: أن هناك أصولاً أو كلمات -وهذا يرجع بنا إلى مسألة تحصيل مذهب السلف بطريق الفهم- سلفية، إما قالها أئمة سلفيون قدماء، أو قالها أئمة محققون في السنة كـ ابن تيمية ﵀، لكنها تحتاج إلى فقه، وأضرب لذلك مثلاً شائعاً: يقول ابن تيمية ﵀: "ما انعقد سببُ فعله زمن النبي ﷺ ثم لم يفعله، ففعله بعده من البدع والمحدثات .. " فهذه كلمة قالها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذكرها الشاطبي أيضاً في تقريره لمسألة السنة والبدعة. فماذا نقول عن هذه الكلمة؟ هل هي صحيحة أو خطأ؟ كمقدمات في المسائل المجملة المحتملة الصادرة من أرباب العلم المعتبرين: نقول: صحيحة، وهذه ليست قضية مشكلة، لكن المشكل هو فقهها. فهذه كلمةٌ صحيحة من شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن يأتي أحياناً بعض الترتيب لها عند بعض الشيوخ، وأحياناً يرون أن هذا الترتيب لزومي. مثلاً: وضع مكان للنساء في المساجد، يقولون: لقد انعقد سببه زمن النبي ﷺ ، فقد كان النساء يصلين مع رسول الله ﷺ أكثر مما يصلين اليوم، ولا سيما في بعض الأمصار، كما في حديث عائشة ﵂ في البخاري وغيره: (كان نساء المسلمات يشهدنّ صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ . فهل جعل النبي ﷺ مكاناً مختصاً بهن؟ أو هل وضع جريداً من النخل أو رواقاً ساتراً؟ الجواب: لا. لم يضع شيئاً. فقالوا: إن سبب الفتنة بالنساء موجود في الرجال، سواء كانوا صحابة أو غير صحابة، وإن كان الصحابة -لا شك- أزكى وأطهر وأبعد عن الفتنة وعن النظر إلى النساء، لكن أيضاً كان يحضر الصلاة أحياناً حُدثاء عهد، وأعراب، وكان يحضر الصلاة من هم من أهل النفاق، والمرأة في الإسلام -حتى في زمن الصحابة- مأمورة بالحجاب، وهو لم يقل لها: لا تتحجبي أمام الورعين من الصحابة. المهم: أن النبي ﷺ لم يفعله، فيأتي بعض الفقهاء اليوم ممن يأخذ كلام شيخ الإسلام ﵀ بترتيب لزومي، فيقول على قاعدة شيخ الإسلام: إن وضع مكان في هذا العصر للنساء بدعة. ويأتي بمثل هذه التراتيب المتكلف فيها .. وهذا ليس بصحيح. أنا أقول: الإمام ابن تيمية ﵀ الذي قال هذه الكلمة له مسائل في الفتاوى أذكر جملةً منها: حكم استخدام السبحة للتسبيح، لقد انعقد سبب التسبيح في زمن النبي ﷺ ، لكنه كان يسبح بأصابعه أو بأنامله، وكان من الممكن أن تستعمل مثل هذه الأدوات، كالأحجار أو الخرز أو غيرها، ومع ذلك لم يفعل ﷺ ذلك، فعلى هذه القاعدة أن التسبيح بالسبحة بدعة، ومع ذلك عندما سئل الإمام ابن تيمية عن مسألة التسبيح بالسبحة، قال: "إن التسبيح بها إذا لم يكن على قصد الرياء أو هجران ما جاءت به السنة من الأصابع والأنامل، فالتسبيح بها حسن". فهو لم يقل: جائز، بل قال: حسن، بشرط ألا يكون رياءً ولا يكون هجراناً لفعل النبي ﷺ . إذاً: أين كلامه السابق، وتطبيق هذه القاعدة؟ لا يمكن أن يكون شيخ الإسلام متناقضاً في تقريره. وأشد من هذا: حكم تلقين الميت في قبره: هذه المسألة من المسائل التي أغلقها الشارع إغلاقاً شديداً، فهي مبنية على قاعدة سد الذرائع، وهي كذلك ليس له أصل، وزيادة على ذلك هي مسألة مخالفة للعقل؛ لأن الملكين حين يقولان للميت: من ربُك؟ وما دينُك؟ هل القضية قضية أنه يسمع أحداً فيقلده؟ لا. قد يكون هذا الميت يقول هذه الكلمة وفصيحاً فيها، لكنه إذا لم يكن مؤمناً حقاً يعاي عنها في مقام الابتلاء والفتنة. إذاً: التلقين مخالف حتى لمبادئ العقل، ومقاصد الشارع من الافتتان الذي يقع في القبر، ومع ذلك لما سُئِلَ ابن تيمية عنها قال: "وهذه المسألة فيها للفقهاء ثلاثة أقوال: منهم من استحبها، ومنهم من أجازها، ومنهم من نهى عنها إما نهي تنزيه أو نهي تحريم. قال: وقد كان واثلة بن الأسقع يرخص في هذا، قال: والصحيح أنها جائزة، وإذا قيل فالنهي عنها فهي مكروهة وليست بمحرمة". ثم قال: "ومع هذا فإنه ينبغي ترك ذلك، وليس هذا من السنن الواردة عن النبي ﷺ ". إذاً: هو أبعد المسألة عن البدع والتحريم، فقد قال: إنها جائزةٌ، ثم رجع وقال: وإذا نهي عنها فهذا نهي كراهة، وإن كانت مع ذلك ليست من السنة، ولا ينبغي أن يصار إليها ... إلخ، وكان من المفترض على القاعدة السابقة: أن يقول: هذا بدعة أو من المحدثات. وهناك أمثلة أخرى لـ شيخ الإسلام في هذا لا يتسع المقام لذكرها. والقصد من هذا أن جملته السابقة لما قال: "ما انعقد سببه ... ". هي جملة مجملة ينبغي أن تنزل تنزيلاً مناسباً للنصوص، أما أن تجعل كقاعدة -إن صح التعبير- رياضية مطردة، وتُبدَّع كثير من الأقوال والأفعال على هذه الطريقة .. فهذا فيه تكلف، فإن شيخ الإسلام قد خالف هذا الافتراض أو هذا الفهم في كلامه نفسه، ولا يمكن أن يكون متناقضاً في تقريره للأصول والتفريع عليها.

стр. 20

شرح حديث الافتراق [٣] الافتراق في أهل القبلة افتراق واقع، لا مجال لرفعه أو التكلف في ادعاء أنه ليس له وجود، فقد أثبتت الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ حصوله، ولو لم تثبته الأحاديث فإنه أمر بيّن من جهة الوقوع منذ قرون ماضية، بل من آخر عهد الخلفاء الراشدين الأربعة، والعلم بالواقع علم ضروري يمتنع رفعه.

стр. 21

شرح حديث الافتراق وتحقيق القول في جملة دلائله قال جامع الفتاوى ﵀: [وسُئِلَ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -قدس الله روحه- عن قوله ﷺ : (تفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة)، ما الفِرَق؟ وما معتقد كل فرقة من هذه الصنوف؟ فأجاب: الحمد لله، الحديث صحيحٌ مشهور في السنن والمساند؛ كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم، ولفظه: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة). وفي لفظ: (على ثلاث وسبعين ملة) وفي رواية: (قالوا: يا رسول الله! من الفرقة الناجية؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) وفي رواية: (قال: هي الجماعة، يد الله على الجماعة)]. ذكر شيخ الإسلام ﵀ في مبتدأ كلامه عن الحديث المذكور جملةً من ألفاظ روايته، وهذا بعد قوله: "الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد".

стр. 22

مدى صحة حديث الافتراق هذا الحديث هو حديث الافتراق، وهو ليس من الأحاديث الصحاح البينة الصحة مما خرِّج في الصحيحين، أو مما ظهرت واستفاضت صحته عند الأئمة، وإن كان قد روى هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده وأهل السنن وغيرهم، وصححه جماعة من الحفاظ، واعتبره جماعة من أصحاب السنة فيما صنفوه في مسائل الافتراق ومسائل أهل البدع، وبيان مخالفتهم للسلف. فإن هذا الحديث ثمة خلافٌ بين الحفاظ في ثبوته، فمنهم من يذهب إلى تضعيفه بأوجهه، ومنهم من يذهب إلى تقويته، وهذا هو المشهور والأظهر عند المتأخرين من الحفاظ. وهنا مسألة لابد أن تعتبر في مثل هذا النوع من البحوث، وهو أنه ليس مهماً -فيما يظهر- أن يتوصل إلى جزمٍ بصحة هذا الحديث أو عدم صحته، فإن الوصول إلى هذا الجزم ليس له نتيجة محققة في تقرير المسائل المقصودة في هذا الباب، فإن هذا الحديث قد جاء من رواية أبي هريرة وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر -أي: من رواية جماعة من الصحابة- عن النبي ﷺ ، وكما أسلفت قد اختلف الحفاظ في ثبوته وعدمه، فذهب ابن حزم إلى الطعن فيه، وهذا قول جماعة، وذهب شيخ الإسلام وجماعة إلى تقويته. لكن هذا الحديث لا يقال فيه: إن صحته تدل على جملة من المسائل المعتبرة في منهج التقرير لعقيدة السلف أو منهجهم أو أحكام المخالفين، فإن ما تضمنه من المعاني المعتبرة هي ثابتةٌ في الشرع بأدلةٍ أخرى، ولهذا ما يذهب إليه بعض المعاصرين من أن تفريق الأمة بهذا الحديث، أو إن ثبوت اختلاف الأمة مبني على صحة الحديث، وإن الحديث ليس بصحيح، هذا ليس فيه نتيجة محققة، لوجهين: الوجه الأول: أن افتراق أهل القبلة -أي: اختلاف المسلمين في مسائل أصول الدين- أمر بيّن من جهة الوقوع، فإنه بيِّن وقوعاً من قرون ماضية، بل من آخر عهد الخلفاء الأربعة الراشدين، لما ظهرت الخوارج، والشيعة، ثم بعد ذلك القدرية ... إلخ. إذاً الافتراق في أهل القبلة افتراق واقع، لا مجال لرفعه أو التكلف بأنه ليس له وجود، حتى لو لم يحدث به الرسول ﷺ ، فما دام أنه وقع فيجب أن يعلم أنه وقع؛ لأن العلم بالواقع علمٌ ضروري يمتنع رفعه. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ قد انضبط إليه من جهة الرواية ثبوت الافتراق في هذه الأمة، فإنه تواتر عنه ﵊ في الصحيحين وغيرهما أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله) وفي وجه في الصحيح: (حتى تقوم الساعة) فهذا الحديث حديث ثابت متواتر من جهة استفاضة ثبوته عند الأئمة، ومخرج -كما تقدم- في الصحيحين من غير وجه وفي غيرهما. وهذا الحديث فيه تقرير لكون الأمة سيدخلها افتراق واختلاف في مسائل أصول الدين، ولهذا وصف ﵊ هذه الطائفة بأنها الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، وأنهم على أمر الله ورسوله ﷺ . وعليه: فتقرير افتراق الأمة ثابت بهذا الحديث المتواتر الصحة. إذاً: قوله في مبدأ هذا الحديث: (وستفترق هذه الأمة). يقال فيه: إن العلم بهذا الافتراق ليس معلوماً من هذا الحرف من الحديث فقط، بل هو علم ضروري من جهة الوقوع، ومن جهة الخبر النبوي الآخر أيضاً.

стр. 23

ما اختص به حديث الافتراق أما قوله: (على ثلاثٍ وسبعين فرقة) فهذا التحديد للعدد هو الذي اختص به هذا الحديث، فإن كان الحديث غير ثابت، فلا يجوز أن يقال: إن الأمة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين، أو افترقت على ثلاثٍ وسبعين. إذاً: في هذا الحديث امتياز ذكر عدد الطوائف المخالفة، وأنهم ثلاثٌ وسبعون فرقة، وهذا الامتياز ليس تحته حقيقة كثيرة؛ لأنه علم كلي. ومعنى أنه علم كلي أي: أنه لا يستطيع أحدٌ لا من السلف ولا من الخلف أن يحدد هذه الفرق الثلاث والسبعين على القول بصحة الحديث، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: "إنه لم يكن من طريقة السلف الجزم بتعيين هذه الفرق، وإن عينوا أصولها كقولهم: أصول البدع أربع: المرجئة، والقدرية، والجهمية، والشيعة، أو ما إلى ذلك من جمل السلف"، فهم قد يعينون أصول البدع. أما أنهم اشتغلوا بتسمية الفرق المخالفة للسلف -وهم ثنتان وسبعون فرقة- فإن هذا الاشتغال لم يقع من أحد من السلف، وإنما اشتغل به بعض المتأخرين، وأصل الاشتغال به من طريقة متكلمة أهل الإثبات كأصحاب أبي الحسن الأشعري المنتسبين إلى السنة والجماعة، فإنهم سموا الطوائف الثلاث والسبعين، واستعمل هذا أيضاً بعض الفقهاء من أصحاب الأئمة ﵏ الذين يجانبون طريقة المتكلمين. لكن هذا الاشتغال ليس اشتغالاً سلفياً، بل هو من القول على الله بغير علم؛ لأنه إن اعتبرت أسماء الطوائف التي ظهرت في تاريخ المسلمين فإن العدد لا يمكن أن ينضبط عليها، بل قد يزيد عنها إذا اعتبر تفرق الطوائف، كأن يقال الخوارج: خمس عشرة طائفة .. المرجئة: ثنتا عشرة طائفة، إذا اعتبر هذا التقرير كما هي طريقة أهل المقالات فإن الفرق تزيد كثيراً عن ثلاث وسبعين. وإذا اعتبرت أصول الطوائف فإن الفرق تقل عن ثلاث وسبعين؛ ولذلك إن صح هذا الحرف عن النبي ﷺ فإنه حرفٌ يعلم علماً مجملاً، كلياً، فيعلم أن الفرق ستكثر، وكأن المراد من كلمته ﷺ : أن البدع ستكثر، وأنه سيكون لها أوجهاً متعددة. وأما أن المكلفين يعلمون أسماء هذه الفرق فهذا ليس بصحيح، وقد أوضحنا في شرح كتاب الإيمان لـ أبي عبيد أنه لم يصح عن الرسول ﷺ أنه سمى طائفةً بدعيةً باسمها، كاسم المرجئة أو القدرية أو الشيعة، أو ما إلى ذلك، بل كل ما روي مرفوعاً إليه لا يصح، وإنما صح كلامه ﷺ في الخوارج. إذاً قوله: (على ثلاث وسبعين فرقة) هذا التحديد هو الذي أفاده هذا الحديث. فإن صح قيل: هذا من العلم المجمل الكلي، وإن لم يصح فالاعتبار بثبوت الافتراق وليس بماهية العدد.

стр. 24

الجمل المذكورة في حديث الافتراق هذا الحديث فيه سبع جمل:- الجملة الأولى: (افترقت اليهود)، وافتراق اليهود معلوم من الكتاب والسنة. الجملة الثانية: (على إحدى وسبعين فرقة) فإن صح هذا الحديث عُلم عدد فرق اليهود علماً مجملاً، وإن لم يصح علم افتراق اليهود من الكتاب والسنة. الجملة الثالثة: (وافترقت النصارى) وافتراق النصارى معلوم من الكتاب والسنة. الجملة الرابعة: (على اثنتين وسبعين فرقة) فإن صح هذا الحديث علم عدد فرق النصارى علماً مجملاً، وإن لم يصح علم افتراق النصارى من الكتاب والسنة. وبقي في الحديث ثلاث جمل تتعلق بهذه الأمة: الجملة الأولى: (وستفترق هذه الأمة) وهذا معلوم من جهة متواتر الشرع، ومن جهة الوقوع. الجملة الثانية: (على ثلاث وسبعين) تحديد العدد أفاده هذا الحديث، فإن صح فهذه الإفادة إفادة كلية مجملة ليس تحتها تعيين ممكن. الجملة الثالثة: (كلها في النار إلا واحدة) هذه جملة مهمة، لكن نقول: هذه الجملة -وقد ذكرت في هذه الأمة، وذكرت في اليهود والنصارى- أفادتها دلائل الشريعة من الكتاب والسنة ولم يختص بذكرها هذا الحديث، فهي ليست كالجملة الثانية التي قلنا: إن هذا الحديث أفادها؛ فثبوتها مبني على ثبوته، لكنها كالجملة الأولى.

стр. 25

حكم الفرق المخالفة لأهل السنة بهذا يتبين أن هذا الحديث ليس فيه زيادة في حكم المخالفين للسلف؛ فإن قوله ﷺ : (كلها في النار إلا واحدة) لا يراد به عند السلف أن جميع من خالفهم يكون من أهل النار أو من أهل الوعيد جزماً، وإنما هذا من أحاديث الوعيد العامة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ [النساء:١٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠] وقوله ﵊: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار) وقوله في حديث ابن مسعود: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر) وغيرها من النصوص. فهذا الحديث فيه بيان لكون المفارقة للسنة والجماعة من موجبات الوعيد، فإن من فارق السنة والجماعة لابد أن تكون مفارقته في الجملة عن تفريط منه، ولا شك أن المفرط يكون تاركاً لواجب من الواجبات، ومن ترك واجباً من الواجبات أو قصر فيه فإنه يكون معرضاً لوعيده ، وهذا لا يمنع أن يكون بعض من انتحل البدع وطرق أهل الأهواء على قدر من الزندقة والكفر والخروج من الملة، وهذا مقام آخر. المقصود: أن حكمه ﵊ -إن ثبت هذا الحرف عنه- على جميع هذه الفرق أنها في النار إلا واحدة، وهي الفرقة الناجية، لا يراد به التعيين، لا للطوائف ولا التعيين -من باب أولى- للأعيان. بل يقال: هذا وعيد؛ لأن من فارق السنة والجماعة لابد أن تكون مفارقته بسبب قدر من التفريط في الجملة، والمفرط تارك لواجب، والتارك للواجب العلمي من جنس التارك للواجب العملي، بل تركه للواجب العلمي أشد من ترك الواجب العملي، ولهذا كان السلف يعدون جنس البدع أعظم من جنس المعاصي والكبائر العملية. هذا هو المراد من هذا الحرف، وهو مرادٌ لا ينبغي أن يختلف فيه، ومن فسر الحديث بأن هذا حكم على أصحاب هذه الطوائف بأنهم من أهل النار وأنهم كفار، أو أنهم من أهل التخليد في النار، أو عيّن طائفة الخوارج، أو طائفة المعتزلة، أو الأشعرية أو غيرها بأنها من أهل النار؛ لأن النبي ﷺ قال: (كلها في النار) فهذا فهم غلط لكلامه ﷺ ، وهذا لا يمنع أن أهل البدع المغلظة، قد يقع في أعيانهم من هو من أهل الكفر، والزندقة والخروج من الملة، فهذا مقام آخر له قدر من الثبوت كما ذكره الأئمة ﵏، وكما هو المعروف في الواقع التاريخي لبعض غلاة أهل البدع. إذاً: هذا هو الذي يراد بهذا الحديث، وعليه ترى أن الجملة الثالثة ليست مما اختص به هذا الحديث، فهي معلومة بكليات وبمفصل دلائل الشريعة، فقد دلت دلائل الشريعة على أن أصحاب الكبائر العلمية من جنس أصحاب الكبائر العملية، بل هم أولى في الوعيد من أصحاب الكبائر العملية.

стр. 26

منزلة الاجتماع عند أهل السنة والجماعة [ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة]. وهذا في قوله ﷺ : (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) وهذا الوصف من جهة الثبوت فيه نظر، فإن هذا الحرف فيه كلام للحفاظ من جهة ثبوته، لكن معناه معنى صحيح، فلا شك أن الطائفة المنصورة الناجية هم من كان على هدي النبي ﷺ وأصحابه. ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه جمع الاسمين -السنة والجماعة- في سياق واحد؛ أي: أن هذا التركيب بهذا السياق لم يثبت، وإنما ثبتت الأفراد، ولثبوت الأفراد استعمل هذا الاسم في تعيين هذه الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، وهذا الاسم حين يقال: إنهم هم أهل السنة .. وهذا بيان لاتباعهم. والجماعة .. وهذا بيان لاجتماعهم، فإن السنة لابد فيها من اجتماع، والاجتماع لابد فيه من سنة، فهما أصلان متلازمان، ولذلك يقول شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا كان الإجماع من أشرف أصول الاستدلال عند الأئمة، ومخالفه يكون على قدر من الضلال والبدعة بخلاف من خالف ما لم يظهر له من دلائل أو من آحاد الدلائل، فإن هذا مقام يقع فيه اجتهاد". إذاً: لا يمكن أن تتحقق هذه الطائفة إلا بهذين الأصلين: الاتباع للسنه، والاجتماع على ذلك. ولذلك من لم يحقق مقام الاجتماع فقد فاته كثير من السنة. وهنا تنبيه إلى أنك قد ترى بعض السلفيين اليوم، وهذا لا يقع من علمائهم أو شيوخهم الكبار، بل يقع كنوع من -إن صح التعبير- الاندفاع أو التعجل من بعض الطلبة في بعض المدارس، فقد يقومون بتحصيل سنة مختلف فيها بين الفقهاء، وهذا التحصيل يستلزم تفويت مصلحة الاجتماع، فيكونون حصلوا سنةً يسيرةً مختلف فيها كالتشهد أو كالإشارة بالإصبع أو وضع اليدين على الصدر، وفوتوا في هذا مصلحة الاجتماع. وهذا لم يكن من هدي السلف، فإن ابن مسعود -وهو من كبار أئمة السلف؛ لأنه إمام صحابي ﵁ أتم خلف عثمان، وما كان إتمام عثمان موافقاً للسنة؛ فإن النبي ﷺ لم يتم الصلاة في سفر قط، لكن عثمان ﵁ أتم وتأول، وليس المقصود هنا بم تأول، بل المقصود: أن ابن مسعود وجملة الصحابة من بعده أتموا خلف عثمان، ولما قيل لـ ابن مسعود في ذلك. قال: "الخلاف شر". فمع أن هذه سنة مقصودة التحصيل إلا أن الاجتماع أيضاً شريعة وسنةٌ مقصودة التحصيل لابد من ضبطها، وهذه من قواعد الفقه: أنه لا تحصّل مصلحةٌ يسيرة مختلفٌ فيها بتفويت مصلحة كلية مجمع عليها؛ والعناية بالسنة مقام بيّن عند السلفيين اليوم، لكن ينبغي أن يؤكد العناية بالاجتماع على السنة؛ ولهذا ما يقع من افتراق كثير من السلفيين اليوم ليس افتراقاً شرعياً، ولا موجب له من الشريعة، ومسائل السلفية هي الإجماعات، والإجماعات لا ينبغي أن يختلف فيها، وليس فيها مادة قابلة للاختلاف.

стр. 27

أهل السنة هم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم [وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم]. هذه مسألة يخطئ فيها كثير من أهل البدع، وذلك حين تزعم بعض طوائف أهل البدع: بأن طائفتهم عليها أكثر المسلمين. وقد قال جملة من متكلمي الأشعرية: إن النبي ﷺ جاء عنه في ذكر الفرقة الناجية المنصورة أنهم السواد الأعظم، قالوا: وأصحابنا الأشاعرة هم السواد الأعظم، فإن جمهور العلماء أصحاب المذاهب الأربعة -أي: فقهاء المذاهب الأربعة، أتباع أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - إما أشعري، أو سالك مسلك بعض أئمتهم، أو متأثرٌ بهم. ومن هنا زعم جملة من متكلمة الأشاعرة أن طائفتهم هي الطائفة التي يمكن أن توصف بأنها السواد الأعظم. وهذا لا شك أنه خطأ. ومن قال: إن أكثر علماء المسلمين من الأشاعرة فقد أخطأ، فإن أئمة العلماء هم القرون الثلاثة الفاضلة، وهؤلاء ليس فيهم أشعري، بل هؤلاء وجدوا قبل أن يوجد المذهب الأشعري، فالصحابة ﵃ جميعهم أئمة سنة، والتابعون كذلك إلخ. إذاً هذا خطأ في التقدير التاريخي، وخطأ في تقرير الحقائق الشرعية، فإن أئمة المسلمين وجمهور علمائهم هم أئمة السنة والجماعة .. هذه جهة. وجهةٌ أخرى: أن السواد الأعظم من المسلمين هم على السنة والجماعة، فإن طرق المتكلمين كالأشاعرة -فضلاً عن المعتزلة- في تحصيل عقائدهم طرق نظرية، وهي طرق علم الكلام، كتقرير دليل الأعراض، ودليل الاختصاص، ودليل التركيب إلى آخر هذه الطرق الجدلية النظرية، فإذا تكلموا في الصفات جاءوا بدليل الأعراض، وإذا تكلموا في القدر جاءوا بنظرية الكسب التي أعيا تفسيرها أئمة الكلام من الأشاعرة .. وهذه الطرق لا يمكن عقلاً ولا جدلاً أن العامة من المسلمين يعرفونها ويفهمونها؛ فهي متعذرة الفهم على العامة. ولهذا اختلف علماء الأشاعرة أنفسهم في حكم إيمان العوام، فمنهم من يقول بفساد إيمان العامة -وهذا عليه بعض غلاتهم- ومنهم من يقول: إنهم تاركون لواجبٍ في الإيمان، وهي الطرق التي اخترعوها وابتدعوها ودخلت عليهم من المعتزلة، ومنهم من يقول: إن إيمانهم صحيح ولم يتركوا واجباً فيه، لكنه إيمان مجمل، ليس الإيمان التام المحقق، فالإيمان التام المحقق لا يحققه أو يعرفه إلا أرباب العلم الكلامي. وبما أن طرق المتكلمين، متعذرة التحقق عند العامة؛ إذاً سواد المسلمين وعامتهم أهل سنة؛ لأن سواد المسلمين ليس لهم مراد إلا الإسلام، والسنة والجماعة هي الإسلام، وليس فيها زيادة عن الإسلام، حتى بعد حدوث الفرق والبدع، لم تزد السنة بزيادة هذه الفرق، بل السنة واحدة، السنة والجماعة والسلفية هي الإسلام الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]. هذا هو المنهج السني السلفي، وهو الإسلام الحق التام المحقق ظاهراً وباطناً. وعليه: فسواد المسلمين وعامتهم أهل سنة، قد يتأثرون ببعض علماء بلدهم، فهذا التأثر يؤخذ بقدره، ويكون تقصيراً، ولا يلزم أن تغلب الحالة على العامة؛ نظراً لأن علماء البلد أشاعرة.

стр. 28

خطأ القول بأن العامة والجمهور ليسوا من أهل السنة وعليه: ما يقع فيه بعض الأشعرية أو من ينتصر لمذهبهم ويقول: إن بلاد كذا، وبلاد كذا، وبلاد كذا، وأكثر أمصار المسلمين اليوم أشاعرة، بحجة أن الظاهر في علماء بلدها أنهم أشاعرة، هذا ليس متيناً؛ لأنه ولله الحمد ما من بلد اليوم إلا وفيه علماء من السنة والسلفيين .. هذه جهة. الجهة الثانية: لو فرض جدلاً عدم ذلك، فإن العامة قد بقوا على أصل الديانة وأصل الإسلام، ولم يسمعوا بهذه المعارف الكلامية الفلسفية السفسطية إلخ. فهذا الباب لابد من إدراكه. ويقابل ذلك بعض السلفيين أحياناً، حيث يقول: إن السلفية مختصة بمكان كذا وكذا، وأما جمهور الأمصار فهي على البدعة والضلال .. وهذا أيضاً خطأ وليس بصحيح، بل أمصار المسلمين في الجملة هي على السنة والجماعة، وأكثر ما يغلب على المسلمين هو التقصير في تحقيق الاتباع لله ورسوله ﷺ ، وأما التقصد إلى معارضة الكتاب والسنة والخروج عن طريقة السلف، فهذا -في الجملة- ليس مقصوداً للعامة وإن كانوا يخالفون، وفرق بين من اختص بطائفة، وبين من يخالف وهو لم يقصد الخروج عن طائفة أهل السنة والجماعة. إذاً: لا شك أن أهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم، وهم الذين فيهم الأئمة، وهم أئمة الصحابة والقرون الثلاثة، وفيهم المجاهدون، والأولياء إلى غير ذلك. فهذا من المسائل التي لا ينبغي أن ينازع فيها، ولا يتكلف في التوهم فيها. أما أن الأشعرية هم أكثر علماء المسلمين، أو هم جمهور المسلمين إلخ، فهذا ليس له حقيقة، بل هم طائفة نظرية امتدت بعض القرون، وكثرت في بعض أتباع المذاهب، ولكنها لا يمكن أن تصنف على هذا التصنيف المتكلف، وهي طائفةٌ كا قيل فيها: هي أقرب الطوائف إلى الكتاب والسنة بعد السلف، أو هم أقرب طوائف المتكلمين إلى أهل السنة والجماعة. أما القصد إلى تقليل الطائفة السلفية -أهل السنة والجماعة- بأي نوع من أنواع القصد فليس قصداً شرعياً ولا قصداً حكيماً ولا قصداً فاضلاً. وهذا القصد إما أن يقع فيه بعض الأشاعرة وهذه فكرة قديمة عند الأشاعرة أو يقع فيه بعض طلبة العلم السلفيين الذين لم يكتملوا، وذلك حين يبالغون في تقييد المذهب السلفي بتقييدات كثيرة، ويجعلون من خرج عن هذه التقييدات ليس سلفياً، وكنتيجة لهذا: فعلاً يصبح الأكثر من المسلمين ليس سلفياً، ولا من أهل السنة والجماعة، إنما قد يقال: عنده سنة، ولكن عنده بدعة إلخ. فهذا التضييق ليس مقصوداً. وإذا قيل: لم لم يكن مقصوداً؟ هل لكون النبي ﵊، قال: (هي السواد الأعظم) فإنه قد يقال: هذا الحرف لم يثبت عنه ﵊ في هذا الحديث؟ فيقال: كلا، لا يقصد إلى تضييقه لهذا الحرف، إنما لأن المراد من الطائفة التي قال النبي ﷺ فيها: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله) هذه الطائفة التي على الحق هي طائفة أهل السنة والجماعة، هم السلفيون .. ومن أسماء هذه الطائفة التي تقال في حقهم هم أهل الإسلام حقاً. وقد يقول قائل: إن المراد بالحق في قوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق) يراد به السلفية، نقول: أجل من كلمة السلفية كلمة الإسلام، فهذا إبراهيم ﵊ يقول: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]. وقد يقول البعض: إذا سُميت باسم الإسلام؛ فإنه يشمل جميع المسلمين من أهل السنة وأهل البدعة. قيل: هذا يستدعي قدراً من التمييز كاسم أهل السنة والجماعة، لكن هذا لا يستدعي هجران الاسم الأول، ولا يستلزمه، والدليل على ذلك أن الله ورسوله ﷺ عظما اسم الإسلام، مع أن اسم الإسلام كان يدخل فيه زمن النبوة المنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] وقد قال شيخ الإسلام: "وقد اتفق العلماء على أن المنافقين يدخلون في اسم الإسلام إذا ذكر". إذاً كون هذا الاسم يدخل فيه قوم ليسوا أهلاً له أمر لم يظهر بظهور البدع، بل هو موجود حتى في زمن النبوة من جهة اسم النفاق؛ ولهذا كان المقصود بأهل السنة المحققين للإسلام حقاً، وكما أن فيهم المحقق القاصد فيهم الظالم لنفسه، وفيهم المقتصد، وفيهم السابق بالخيرات. ولهذا لا ينبغي أن يضيق هذا الاسم بحال من الأحوال، بل كل من اعتبر الكتاب والسنة وأخذ بإجماع الصدر الأول، فهذا يعد من أهل السنة والجماعة، وليس هناك شروط لسلفيته يجتهد فيها المجتهدون، أو يتكلف فيها أحياناً بعض أصحاب الردود والمخالفات والمناقشات التي لا معنى تحتها ولا حقيقة. [وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريباً من مبلغ الفرقة الناجية، فضلاً عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة، وشعار هذه الفرق: مفارقة الكتاب والسنة والإجماع]. هذا من فقه شيخ الإسلام، مع أنه ﵀ جاء في القرن السابع وأدرك من القرن الثامن، وقد كان المذهب الأشعري هو الغالب في -إن صح التعبير- الدوائر الرسمية في الدولة الإسلامية آنذاك، أي هو الممثل الرسمي للدولة إذ ذاك من جهة القضاء ومن جهة الفتيا، فكان كبار أئمة الشافعية خاصة على المذهب الأشعري، فمعَ هذا الانتشار وهذا الشيوع في بعض الفترات وبعض المراحل من القرون الإسلامية، إلا أن شيخ الإسلام كان يقرر هذه الحقيقة: أن أهل السنة هم السواد الأعظم، وأن الطوائف هم أهل الشذوذ والابتداع والافتراق، وهم في الغالب على قدر من القلة إلى غير ذلك.

стр. 29

شرح حديث الافتراق [٤] مذهب السلف إنما يعلم بالنقل وليس بالفهم، وأخذه عن طريق الفهم قد عمل به بعض أصحاب السنة من المتأخرين. وأهل السنة والجماعة هم أحق من انتسب إلى مذهب السلف، وذلك أن معتقدهم الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع، فمن فارق واحداً من هذه الثلاث فقد خرج عن السنة، ومن التزم بها فهو من أهل السنة والجماعة.

стр. 30

أهل السنة هم القائلون بالكتاب والسنة والإجماع [فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة]. شعار الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة: الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع، فمن فارق الكتاب والسنة والإجماع فهو خارج عن السنة، ومن التزم هذه الأصول الثلاثة فهو من أهل السنة والجماعة.

стр. 31

حكم زيادة لفظة: (على فهم السلف الصالح) هنا طريقة يقررها البعض أحياناً وهي أنه لابد أن يقال: الكتاب والسنة والإجماع على فهم السلف الصالح، فيذكرون هذا القيد وهو: على فهم السلف الصالح. وهذا القيد هو قيدٌ بياني على الصحيح، وليس قيداً لازماً، بمعنى أنه قيد فاضل صحيح إذا اقتضت الحاجة إلى ذكره ذكر، وهو من جنس كلمة سهل بن عبد الله في الإيمان، حيث قال: "الإيمان قولٌ وعملٌ ونية واتباع". فقوله: "واتباع" أي: للسنة، ليس خطأ، لكنه ليس قيداً لازماً؛ لأننا لو قلنا: الإيمان قولٌ وعمل ونية كان كافياً، ولا يلزم أن نقول: "واتباع"؛ لأننا نقصد بلفظة "قول" القول الشرعي، وبلفظة "وعمل": العمل الشرعي .. وهكذا، فهذا من القيود البيانية. لكن هل الأفضل ذكره أو عدم ذكره؟ يقال: هذا بحسب الاقتضاء، فإذا شاع عند كثيرين دعوى الاتباع للكتاب والسنة على خلاف منهج السلف وفهمهم كان استدعاء ذكره استدعاءً مشروعاً ومقصوداً إلخ. وهذا هو المقصود، فإنه لا يقصد من هذا أن طالب العلم لابد أن ينفك عن هذا التعبير، حتى من التزم هذا التعبير في كلامه وتقاريره وكتبه ودروسه، فإن التزامه صحيح، وقد كان الشيخ الألباني ﵀ يلتزم هذا التعبير في الغالب -فيما أحسب-، وهو التزام سلفي صحيح. لكن إذا عبر معبر من علماء السنة والجماعة فقال: ومذهب السلف معتبر بالكتاب والسنة، فإنه لا يجوز أن يقال: إنه قد أخطأ، أو فاته التقرير لكلمة على فهم السلف الصالح، إلا إذا عُلم أنه كان يقصد عدم الاعتبار لفهم السلف. وإذا قيل: إن من لم ينطق بكلمة فهم السلف الصالح يُتعقب ويقال: إنه لم يقرر التقرير المناسب، فإنه يلزم من هذا أن يتعقب الجمهور من السلف؛ فإن الناظر في كلام السلف وألفاظ الصحابة والتابعين والأئمة أنهم يذكرون الكتاب والسنة. إذاً: لماذا لم يذكر أهل الطبقة الثالثة الفهم الذي سبقهم وهو فهم الطبقة الثانية؟ ولماذا لم يذكر التابعون الالتزام بفهم الصحابة؟ لم يذكروه لأنه معلوم علماً ضرورياً. أما من يحتج ويقول: إننا إن قلنا الكتاب والسنة لم نميز أهل السنة؛ لأن أهل البدع يقولون: الكتاب والسنة. نقول: حتى لو قالوا ذلك؛ فإن هذا لا يستدعي هجر هذه الاستعمالات؛ لأنها مستعملة في كلام الله ورسوله قبل أن نقول: إنها مستعملة في كلام أعيان السلف؛ فقد قال ﵊: (ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه) وقال: (فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله) ولم يقل ﷺ في حجة الوداع: وسنتي، إنما قال: (وأنتم تسألون عني) فكان ﵊ تارة يذكر القرآن، وتارة يذكر هديه، وتارة يذكر الكتاب والسنة إلخ، وكل هذا حق. وفي قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ [آل عمران:١٠٣] قال جملة من السلف: حبل الله القرآن، ومنهم من قال: حبل الله الإسلام، ومنهم من قال: حبل الله السنة وهدي محمد، فهل نأتي ونقول: هذا تقصير في التحقيق، كان يجب أن يقولوا: حبل الله القرآن والسنة وفهم السلف؟ لا؛ فإن كل هذه المعاني صحيحة. وكمثال على هذا: قال الإمام أحمد: "نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث". فهل يحق لأحد أن يأتي ويقول: فات الإمام ذكر الإجماع؟ الجواب: لا. إذاً: هذه التعابير هي قيود بيانية إذا استدعت المصلحة إلى ذكرها ذكرت، وإذا لم تستدع المصلحة لا نقول: إنها لا تذكر، وإنما نقول: إن ذكرها أو عدم ذكرها أمر فيه سعة. ونقول لمن يخطئ من لم يذكرها: دعك من فرضيات قد لا يكون لها وجود في الخارج، فإن من يلتزم ألا يذكر الإجماع ولا يذكر السلف ولا فهم السلف في كلامه لابد أن التفاته عن هذا الذكر في جميع كلامه يكون عن ابتداع وقصد للمخالفة. إذاً هذه مسائل ينبغي أن تأخذ على هذا التحقيق.

стр. 32

الأسماء الشرعية لأهل السنة والجماعة مما ينبه إليه هنا: هو أن الأسماء المضافة لهذه الطائفة كلها شرعية، فإذا قيل: السلفيون، أو قيل: أهل السنة والجماعة، أو قيل: المسلمون، أو قيل: المحققون، أو قيل: المؤمنون، أو قيل: الصالحون، فكلها أسماء شرعية، ولهذا ينبغي ألا يختص اسم واحد من هذه الأسماء بالالتزام، ويكون الذكر لغيره ليس تحقيقاً، فلا شك أن اسم المؤمنين والصالحين والصديقين والشهداء إلى غير ذلك أشرف وأعظم من اسم السلفية، فإن هذه أسماء عظمها الله في كتابه. وهذا لا يعني المنع من استعمال هذا الاسم -السلفية أو السلفيون- فإنه اسم شرعي، وهو يدل على الاتباع للسلف الذين هم القرون الثلاثة الفاضلة، لكن القصد: أنه ليس وحده المستعمل، بل يستعمل هو ويستعمل غيره.

стр. 33

دعوى بعض أهل البدع أنهم يلتزمون بفهم السلف الصالح هناك أيضاً مسألة: من يقول إن أهل البدع يقولون: الكتاب والسنة ويخطئون في فهمهم. يقال: حتى مسألة فهم السلف الصالح كثير من أهل البدع يقولون فهم السلف الصالح ويخطئون في فهمهم، كما أنهم غلطوا في فهمهم لكلام الله والمراد من كلامه ومراد الرسول، فإنهم يغلطون في فهمهم لكلام السلف. مثلاً: الإمام أبو الحسن الأشعري أول ما ترك الاعتزال بعد ما أمضى فيه ما يقارب الأربعين سنة -كان فيها تلميذاً لشيخه وزوج أمه أبي علي الجبائي، الذي كان من كبار شيوخ المعتزلة- انتسب إلى مذهب الإمام أحمد مباشرة، أما ما يقرره بعض الباحثين من أنه رجع إلى طريقة ابن كلاب أولاً فهذا خطأ، فإنه لا توجد مسألة كلابية في الانتساب الأشعري أساساً، وهذا الخطأ دخل على بعض الباحثين من كلام الإمام ابن كثير ﵀، فالصحيح هو الذي يقرره ابن تيمية، وهو المعروف في طريقة الأشعري ﵀: أن الأشعري أول ما ترك الاعتزال صرح أنه على مذهب الصحابة والتابعين والأئمة، وأنه على مذهب الإمام أحمد؛ لأن الإمام أحمد وقتها كان هو المعروف بإمامة السنة أكثر من غيره. لكن بقي سؤال، وهو: هل حقق الأشعري مذهب أهل السنة؟ الجواب: إن الإمام الأشعري كان عارفاً بعلم الكلام وطرق المعتزلة والجدل علماً مفصلاً، وعارفاً بكلام السلف علماً مجملاً، ولذلك إذا تكلم في المجملات ففي الغالب أنه يحسن، وإذا تكلم في المفصلات ففي الغالب أنه يخطئ، وذلك لأن علمه بكلام أهل السنة علم قليل، والدليل على هذا: إنك إذا قرأت في كتابه مقالات الإسلاميين -والذي يعد من آخر كتبه- تجد أنه تكلم عن المعتزلة بكلام تفصيلي، وفند آراءهم وذكر الفروقات الدقيقة بين أعيان المعتزلة، وشرح مذهب المعتزلة ومقالات المعتزلة في جوهر الكلام شرحاً دقيقاً؛ لكن لما جاء إلى مذهب أهل السنة ما استوعب عنده حتى ثلاث صفحات، فتراه جاء بجمل عامة، فقال: "جملة مقالة أهل السنة والحديث: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .. يدينون بدين الإسلام .. يؤمنون بالصلاة والزكاة .. يؤمنون بصفات الله .. يؤمنون بكمال الله، يؤمنون بالقدر خيره وشره ... " جمل عامة، ثم قال في الأخير: "وبكل ما قال أهل السنة نقول". فهو في كتبه الكلامية المفصلة بعد الاعتزال ما استطاع أن يفصل تفصيلاً سلفياً؛ لأن من يعرف الشيء مجملاً لا يعني أنه يعرفه على التفصيل. والمقصود من هذا: أن الأشعري وجملة أصحابه -ولا سيما المتقدمون من الأشاعرة- جميعهم ينتسبون إلى الكتاب والسنة وإلى فهم السلف؛ فـ الأشعري في مقدمة الإبانة لما زجر أقوال أهل البدع قال: "فإن قيل: فما قولكم الذي تقولون به ودينكم الذي تدينون الله به؟ قال: هو ما كان عليه أصحاب محمد إلخ"، ثم قال: "ونحن بكل ما قال به أبو عبد الله أحمد بن حنبل قائلون، ولما يعتقده المعتقدون، فإنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل إلخ". فكان يتوهم أن فهمه فهمٌ مناسب لفهم السلف. إذاً مسألة أن الناس قد يدّعون هذا فلابد أن نزيد التمييزات، يقال: هذه زيادات مناسبة إذا استدعت الحاجة ذكرها، وأما أنها لازمة فلا؛ فإن الرسول ﵊ لما ظهر النفاق في المدينة النبوية لم يقل: سنغير اسم الاسلام أو سنهجر اسم الإسلام إلى اسم لا يدخل فيه المنافق وهو اسم الإيمان -مثلاً-، فإن اسم الإيمان لا يدخل فيه المنافق، ولم يقل ﷺ كذلك للمسلمين من بعده: التزموا اسم الإيمان ولا تلتزموا اسم الإسلام. إذاً: هذه مسألة لابد أن تفقه على هذا الوجه.

стр. 34

امتناع تعيين الثنتين والسبعين فرقة [وأما تعيين هذه الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات، وذكروهم في كتب المقالات؛ لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفه هي إحدى الثنتين والسبعين لابد له من دليل]. لابد له من دليل، ولا يمكن أن يكون عليه دليل. إذاً العلم بتعيين أسماء هذه الطوائف على التفصيل والتمام علم ممتنع؛ لأنك إذا اعتبرت الطوائف من جهة أصولها قلّت، وإذا اعتبرتها من جهة مفصلها زادت وكثرت .. هذه جهة. الجهة الثانية: لو فرض جدلاً أن ثمة ثنتين وسبعين طائفة، فإن الجزم بأنها هي المقصودة في الحديث فيه أيضاً تأخر من جهة العلم والإمكان؛ لأنه قد يكون مقصوداً في كلامه ﷺ بعض الطوائف التي لم تظهر بعد، والنبي ﷺ ذكر أن كثيراً من الافتراق سيقع في آخر هذه الأمة، كما أن بعضه أدرك صدر هذه الأمة، وقال في حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح مسلم في سياق طويل: (وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها) فهناك افتراق سيقع في آخر الأمة. إذاً الجزم متعذر من أوجه متعددة.

стр. 35

تحريم القول بلا علم عموماً وخصوصاً [فإن الله حرم القول بلا علم عموماً، وحرم القول عليه بلا علم خصوصاً، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٨ - ١٦٩] وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]]. وهذا أصل في كتاب الله ، وهو التغليظ على من يقول عليه بغير علم، ويجب على طلبة العلم -وعلى العامة من المسلمين- أن يربوا العامة والشباب على هذا: وهو التحذير من القول على الله بغير علم. وهذا لا يختص بالقول في صفاته وأفعاله، بل يشمل -أيضاً- القول فيما هو من خصائص علمه ، كعلم ما في الصدور؛ فإن العلم بما في صدور المكلفين مما اختص به الله سبحانه تعالى، ومن المعلوم أن الرسول ﷺ لما قام ذو الخويصرة التميمي -في الحديث المتواتر- وقال: (اعدل يا محمد! فإنك لم تعدل، فقام خالد بن الوليد -أو عمر بن الخطاب كما في رواية في الصحيح- وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه. قال: لعله أن يكون يصلي، قال: وكم من مصلِّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال النبي ﷺ : إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس) هذا مع أن هذا الرجل أظهر الشر، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "لو قال هذا القول في عصرنا هذا لوجب قتله بإجماع العلماء؛ لأنه حق بشري، حقٌ للنبي ﷺ والنبي في حياته أسقط حقه، ولكنه بعد وفاته ﷺ لابد من إقامة الحد عليه". [وأيضاً فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى، فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع .. وهذا ضلال مبين]. وهذا استعمله كثير من متكلمة الصفاتية من أصحاب أبي الحسن، وكذلك استخدمه بعض الصوفية، وبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة المتعصبين لبعض الطرق الضيقة المنسوبة إلى أهل السنة، أحياناً يخرجون بعض أصحابهم الفضلاء عن دائرة أهل السنة بمثل ذلك، كما تراه في كلام -مثلاً- أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ﵀، فإنه أخرج بعض شيوخ المذهب وطعن عليهم بما ليس موجباً للطعن عند التحقيق.

стр. 36

أهل السنة لا يتبعون إلا رسول الله ﷺ [فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة]. وهذه مسألة لابد أن تحقق عند الخاصة والعامة، وهي أنه لا يمكن أن تجتمع الأمة على رجلٍ واحد، مهما بلغ من العلم والإدراك والتقوى، فالأمة لا تصدر عن رجل واحد أبداً إلا أن يكون محمداً ﷺ ، أما من بعده فلا، حتى الخلفاء، فإن الخلفاء من سنتهم المراجعة، ولهذا لما قدم عمر ﵁ الشام وأخبر أن الطاعون قد وقع فيها -كما في حديث ابن عباس - أمر أن ينادى بالمهاجرين، فاستشارهم فاختلفوا عليه، منهم من يقول: أقدم، ومنهم من يقول: ارجع، ثم استشار الأنصار، فاختلفوا كاختلاف المهاجرين، ثم أمر أن ينادى بمشيخة قريش من مهاجرة الفتح فاستشارهم فاتفقوا أن يرجع، فقال عمر: "إني مصبحٌ على ظهرٍ فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة -وكان ممن يرى الإقدام-: أفرار من قدر الله؟! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم. نفر من قدر الله إلى قدر الله .. ". الشاهد من ذلك: أن عمر ﵁ كان يسعه الاجتهاد في هذه المسألة، لكنه مع ذلك جمع؛ لأن الأمة في القضايا الكلية لا يجوز أن تصدر عن واحد، نقول: في القضايا الكلية، وهذا أمر يقصِّر فيه لا نقول العامة أو بعض طلبة العلم، بل -مع الأسف- يقصر فيه بعض الشيوخ، وذلك حين يضع له منزلة مطردة، فيستصدر الأمة في أمور كلية عامة. الأمور الكلية لابد أن تكون مدروسة بين علماء الأمة، وأن تكون معنية بالتقرير والاستدلالات، وأما الصدور عن الواحد صدوراً كلياً في كل شؤون الأمة، في كل مصر من أمصار المسلمين .. هذا لا يتحصل، وإن ما كان يتحصل فيما سلف من الأزمنة أن بغداد كان لها إمام معروف فيها يعتبر هو إمام بغداد ومفتيها .. فهذا أمر جرى عليه عمل كثير من المسلمين في دولهم وأمصارهم، هذا -مثلاً- مفتي بلاد مصر، وهذا مفتي الشام، وهذا مفتي الحجاز، وهذا مفتي المملكة، وهذا مفتي كذا، هذه الإفتاءات المختصة في مسائل الفقة مما يسوغي تصدر شخص لها، وقد انتشر هذا منذ زمن بعيد في الأمة. لكن الأمور الكلية العامة التي تمس جميع الأمة في شرقها وغربها، عربها وعجمها إلخ هذه الأمور الكلية لا يصدر فيها عن رجل واحد، ولا ينبغي لرجل واحد أن يستصدر وأن يفتات على الأمة في تصرف يختص به، المنزلة الكلية التي تكون للأمة هي منزلة محمد ﷺ ، وأما من بعده فلابد أن يراجع غيره من أهل العلم، وأن يكون على قدر من التشاور والمراجعة والبحث إلى غير ذلك. وهذه كلمة فاضلة في كلام الشيخ ﵀ لما قال: "وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة". ولهذا لا ينبغي أن يعظم عالم من العلماء لا معاصر ولا سابق تعظيماً مطلقاً، ويلتف على جميع أقواله أو جميع ما يقرر، فإن هذا من التكلف، ومما لا يشرع أبداً، وهو من التقليد المذموم الذي ذمه السلف ﵏.

стр. 37

كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﵊ [بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، فمن جعل شخصاً من الأشخاص غير رسول الله ﷺ من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة -كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك- كان من أهل البدع والضلال والتفرق]. وهذا من فقه المصنف ﵀: أنه لا يجوز أن يبتلى المسلمون بالأعيان، حتى لو كان هذا المعين عالماً من علماء السنة؛ لأن المخاطب لم يكلف شرعاً أن يعرف هذا الرجل بعينه، وإنما كلف شرعاً أن يعرف من الأشخاص محمداً ﷺ ، فإذا ما استجاب لرسول الله وأقر بسنته والتزم هديه، فإنه لا يلزمه أن يعرف فلاناً أو فلاناً من أعيان العلماء، فضلاً عن أن يلتزم الثناء عليه ومدحه والتعظيم له، اللهم إلا إذا ذكر له إمام من أئمة السنة، فطعن عليه، مع أنه يعرف أنه من علماء السنة، فهذا لا يصدر إلا عن صاحب بدعة. وأما الجهل فالجهل كثير، وقد كان كثير من عامة المغاربة لا يعرفون كثيراً من أئمة المشارقة، والعكس. فابتلاء الناس بالأسماء المعينة من أهل العلم هذا ليس ابتلاءً فاضلاً، إنما يبتلى الناس بالحق، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧] فمن قال بالحق: الكتاب والسنة والاتباع لهدي النبي ﷺ وهدي صحابته؛ كان من أهل الحق. وكذلك يكون الابتلاء لمن عُرف وعرَّف الله به في كتابه من أعيان أصحاب نبيه محمد ﷺ ؛ لذلك من طعن في الصحابة لابد أن يكون صاحب بدعة؛ لأن الله يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] أما أعيان العلماء من بعدهم فلا يلزم المسلمين العلم بهم. وقد تقدم: أن هذه مسائل صار فيها كثير من الزيادة على المذهب السلفي، وظهر بعض المتعصبين من أتباع الأئمة الأربعة ولا سيما من بعض شيوخ المذهب ﵏ -أي: من الحنابلة- وإن كان الحنابلة هم أجل الطوائف في السلامة من البدع، وهم أسلم الطوائف من علم الكلام، لكن في بعض شيوخهم قدر من الزيادة، ولهذا وضعوا بعض السؤالات التي يعرف بها السني من البدعي، وزادوا بعض الزيادات التي قد تكون إن صحت مناسبة لزمن ما أو لوقت ما، ولكن الأصول الشرعية هي أصول الإسلام، والإيمان، الذي كان عليه الصحابة في مكة والمدينة النبوية.

стр. 38

شرح حديث الافتراق [٥] من معتقد أهل السنة الرجوع إلى الكتاب والسنة في كل شيء، وعدم اتباع الظن فيما يتعلق بمسائل الدين والعقيدة، فمذهبهم ليس مذهباً مقولاً في المسائل النظرية، بل هو الدين جميعه.

стр. 39

أهل الحديث والسنة هم الفرقة الناجية وبعض صفاتهم [وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفةٍ بمعانيها واتباعاً لها: تصديقاً وعملاً وحباً وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها]. هذا الكلام فيه توضيح لأن مذهب السلف ليس مذهباً مقولاً في المسائل النظرية، بل هو الدين جميعه، ولهذا مذهبهم محقق في الإيمان الذي هو قولٌ وعمل، ولذلك من خالف طريقتهم في الأقوال كان على البدعة، ومن خالف طريقتهم في الأعمال كان على البدعة، كما هو ظاهر عند طوائف التنسك والأحوال المفارقة للسلف.

стр. 40

رجوعهم إلى الكتاب والسنة في كل شيء [الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالةً ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتةً فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه]. قوله: "فلا ينصبون مقالةً ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول ﷺ " هذا هو الأصل المطرد عند أهل السنة والجماعة، وهو أنهم لا ينصبون مقالةً ويجعلونها لازمةً على المسلمين إلا أن تكون هذه المقالة مما علم مجيء الرسول به ﷺ ضرورةً، وما علم مجيء الرسول به ضرورةً فإنه يكون مجمعاً عليه، ولهذا كل ما علم مجيء الرسول به ضرورة فإنه يكون من أصولهم، ومن السنة اللازمة عندهم. [وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردونه إلى الله ورسوله]. قوله: "والأسماء" أي: الأسماء المتعلقة بالمخالفين أو المقصرين من المسلمين، ويقال أحياناً: مسألة الأسماء والأحكام، والمراد بالأسماء: اسم مرتكب الكبيرة في الدنيا، هل يسمى مؤمناً أم فاسقاً أم مسلماً أم كافراً إلى غير ذلك. والمراد بالأحكام: حكم مرتكب الكبيرة في الآخره. [ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف، فما كان من معانيها موافقاً للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان منها مخالفاً للكتاب والسنة أبطلوه]. وهذه قاعدة: أن كل لفظ مجمل حادث، فإنه يتوقف فيه ويستفصل في معناه. ولهذا لم يكن السلف ﵏ يتكلمون بالألفاظ المجملة، إنما يستفصلون في معانيها عند ذكرها، ولا يلزم أن يكون اللفظ مجملاً من جهة وضع اللغة، فقد يعرض الإجمال للفظ لسبب ما، مثلاً: إذا قيل: هل نصوص الصفات على ظاهرها أم ليست على ظاهرها؟ يقال: لفظ الظاهر من جهة كلام العرب فيه بيان، وليس من الألفاظ المجملة المترددة بين كثير من المعاني، ولكن المتأخرين من أهل البدع من المتكلمين صاروا يستعملون لفظ الظاهر ويريدون به التشبيه؛ فلهذا الاستعمال صار هذا اللفظُ إذا تكلم به أرباب البدعة لفظاً مجملاً. فإذا قيل: أتكون النصوص على ظاهرها؟ قيل: إذا أريد بالظاهر المعنى المناسب اللائق به فهي على ظاهرها إلخ. فالقاعدة: أن كل لفظ مجمل حادث -أي: ليس له ذكر في الكتاب والسنة- لا يجوز التعبير به إطلاقاً، لا إثباتاً ولا نفياً.
следующие страницы →