← Акыда

Акыда · id 37784

شرح حديث الافتراق

يوسف الغفيص

Полный текст (110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أهل السنة لا يتبعون إلا رسول الله ﷺ [فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة]. وهذه مسألة لابد أن تحقق عند الخاصة والعامة، وهي أنه لا يمكن أن تجتمع الأمة على رجلٍ واحد، مهما بلغ من العلم والإدراك والتقوى، فالأمة لا تصدر عن رجل واحد أبداً إلا أن يكون محمداً ﷺ ، أما من بعده فلا، حتى الخلفاء، فإن الخلفاء من سنتهم المراجعة، ولهذا لما قدم عمر ﵁ الشام وأخبر أن الطاعون قد وقع فيها -كما في حديث ابن عباس - أمر أن ينادى بالمهاجرين، فاستشارهم فاختلفوا عليه، منهم من يقول: أقدم، ومنهم من يقول: ارجع، ثم استشار الأنصار، فاختلفوا كاختلاف المهاجرين، ثم أمر أن ينادى بمشيخة قريش من مهاجرة الفتح فاستشارهم فاتفقوا أن يرجع، فقال عمر: "إني مصبحٌ على ظهرٍ فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة -وكان ممن يرى الإقدام-: أفرار من قدر الله؟! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم. نفر من قدر الله إلى قدر الله .. ". الشاهد من ذلك: أن عمر ﵁ كان يسعه الاجتهاد في هذه المسألة، لكنه مع ذلك جمع؛ لأن الأمة في القضايا الكلية لا يجوز أن تصدر عن واحد، نقول: في القضايا الكلية، وهذا أمر يقصِّر فيه لا نقول العامة أو بعض طلبة العلم، بل -مع الأسف- يقصر فيه بعض الشيوخ، وذلك حين يضع له منزلة مطردة، فيستصدر الأمة في أمور كلية عامة. الأمور الكلية لابد أن تكون مدروسة بين علماء الأمة، وأن تكون معنية بالتقرير والاستدلالات، وأما الصدور عن الواحد صدوراً كلياً في كل شؤون الأمة، في كل مصر من أمصار المسلمين .. هذا لا يتحصل، وإن ما كان يتحصل فيما سلف من الأزمنة أن بغداد كان لها إمام معروف فيها يعتبر هو إمام بغداد ومفتيها .. فهذا أمر جرى عليه عمل كثير من المسلمين في دولهم وأمصارهم، هذا -مثلاً- مفتي بلاد مصر، وهذا مفتي الشام، وهذا مفتي الحجاز، وهذا مفتي المملكة، وهذا مفتي كذا، هذه الإفتاءات المختصة في مسائل الفقة مما يسوغي تصدر شخص لها، وقد انتشر هذا منذ زمن بعيد في الأمة. لكن الأمور الكلية العامة التي تمس جميع الأمة في شرقها وغربها، عربها وعجمها إلخ هذه الأمور الكلية لا يصدر فيها عن رجل واحد، ولا ينبغي لرجل واحد أن يستصدر وأن يفتات على الأمة في تصرف يختص به، المنزلة الكلية التي تكون للأمة هي منزلة محمد ﷺ ، وأما من بعده فلابد أن يراجع غيره من أهل العلم، وأن يكون على قدر من التشاور والمراجعة والبحث إلى غير ذلك. وهذه كلمة فاضلة في كلام الشيخ ﵀ لما قال: "وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة". ولهذا لا ينبغي أن يعظم عالم من العلماء لا معاصر ولا سابق تعظيماً مطلقاً، ويلتف على جميع أقواله أو جميع ما يقرر، فإن هذا من التكلف، ومما لا يشرع أبداً، وهو من التقليد المذموم الذي ذمه السلف ﵏.

стр. 37

كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﵊ [بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، فمن جعل شخصاً من الأشخاص غير رسول الله ﷺ من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة -كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك- كان من أهل البدع والضلال والتفرق]. وهذا من فقه المصنف ﵀: أنه لا يجوز أن يبتلى المسلمون بالأعيان، حتى لو كان هذا المعين عالماً من علماء السنة؛ لأن المخاطب لم يكلف شرعاً أن يعرف هذا الرجل بعينه، وإنما كلف شرعاً أن يعرف من الأشخاص محمداً ﷺ ، فإذا ما استجاب لرسول الله وأقر بسنته والتزم هديه، فإنه لا يلزمه أن يعرف فلاناً أو فلاناً من أعيان العلماء، فضلاً عن أن يلتزم الثناء عليه ومدحه والتعظيم له، اللهم إلا إذا ذكر له إمام من أئمة السنة، فطعن عليه، مع أنه يعرف أنه من علماء السنة، فهذا لا يصدر إلا عن صاحب بدعة. وأما الجهل فالجهل كثير، وقد كان كثير من عامة المغاربة لا يعرفون كثيراً من أئمة المشارقة، والعكس. فابتلاء الناس بالأسماء المعينة من أهل العلم هذا ليس ابتلاءً فاضلاً، إنما يبتلى الناس بالحق، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧] فمن قال بالحق: الكتاب والسنة والاتباع لهدي النبي ﷺ وهدي صحابته؛ كان من أهل الحق. وكذلك يكون الابتلاء لمن عُرف وعرَّف الله به في كتابه من أعيان أصحاب نبيه محمد ﷺ ؛ لذلك من طعن في الصحابة لابد أن يكون صاحب بدعة؛ لأن الله يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] أما أعيان العلماء من بعدهم فلا يلزم المسلمين العلم بهم. وقد تقدم: أن هذه مسائل صار فيها كثير من الزيادة على المذهب السلفي، وظهر بعض المتعصبين من أتباع الأئمة الأربعة ولا سيما من بعض شيوخ المذهب ﵏ -أي: من الحنابلة- وإن كان الحنابلة هم أجل الطوائف في السلامة من البدع، وهم أسلم الطوائف من علم الكلام، لكن في بعض شيوخهم قدر من الزيادة، ولهذا وضعوا بعض السؤالات التي يعرف بها السني من البدعي، وزادوا بعض الزيادات التي قد تكون إن صحت مناسبة لزمن ما أو لوقت ما، ولكن الأصول الشرعية هي أصول الإسلام، والإيمان، الذي كان عليه الصحابة في مكة والمدينة النبوية.

стр. 38

شرح حديث الافتراق [٥] من معتقد أهل السنة الرجوع إلى الكتاب والسنة في كل شيء، وعدم اتباع الظن فيما يتعلق بمسائل الدين والعقيدة، فمذهبهم ليس مذهباً مقولاً في المسائل النظرية، بل هو الدين جميعه.

стр. 39

أهل الحديث والسنة هم الفرقة الناجية وبعض صفاتهم [وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفةٍ بمعانيها واتباعاً لها: تصديقاً وعملاً وحباً وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها]. هذا الكلام فيه توضيح لأن مذهب السلف ليس مذهباً مقولاً في المسائل النظرية، بل هو الدين جميعه، ولهذا مذهبهم محقق في الإيمان الذي هو قولٌ وعمل، ولذلك من خالف طريقتهم في الأقوال كان على البدعة، ومن خالف طريقتهم في الأعمال كان على البدعة، كما هو ظاهر عند طوائف التنسك والأحوال المفارقة للسلف.

стр. 40

رجوعهم إلى الكتاب والسنة في كل شيء [الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالةً ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتةً فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه]. قوله: "فلا ينصبون مقالةً ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول ﷺ " هذا هو الأصل المطرد عند أهل السنة والجماعة، وهو أنهم لا ينصبون مقالةً ويجعلونها لازمةً على المسلمين إلا أن تكون هذه المقالة مما علم مجيء الرسول به ﷺ ضرورةً، وما علم مجيء الرسول به ضرورةً فإنه يكون مجمعاً عليه، ولهذا كل ما علم مجيء الرسول به ضرورة فإنه يكون من أصولهم، ومن السنة اللازمة عندهم. [وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردونه إلى الله ورسوله]. قوله: "والأسماء" أي: الأسماء المتعلقة بالمخالفين أو المقصرين من المسلمين، ويقال أحياناً: مسألة الأسماء والأحكام، والمراد بالأسماء: اسم مرتكب الكبيرة في الدنيا، هل يسمى مؤمناً أم فاسقاً أم مسلماً أم كافراً إلى غير ذلك. والمراد بالأحكام: حكم مرتكب الكبيرة في الآخره. [ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف، فما كان من معانيها موافقاً للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان منها مخالفاً للكتاب والسنة أبطلوه]. وهذه قاعدة: أن كل لفظ مجمل حادث، فإنه يتوقف فيه ويستفصل في معناه. ولهذا لم يكن السلف ﵏ يتكلمون بالألفاظ المجملة، إنما يستفصلون في معانيها عند ذكرها، ولا يلزم أن يكون اللفظ مجملاً من جهة وضع اللغة، فقد يعرض الإجمال للفظ لسبب ما، مثلاً: إذا قيل: هل نصوص الصفات على ظاهرها أم ليست على ظاهرها؟ يقال: لفظ الظاهر من جهة كلام العرب فيه بيان، وليس من الألفاظ المجملة المترددة بين كثير من المعاني، ولكن المتأخرين من أهل البدع من المتكلمين صاروا يستعملون لفظ الظاهر ويريدون به التشبيه؛ فلهذا الاستعمال صار هذا اللفظُ إذا تكلم به أرباب البدعة لفظاً مجملاً. فإذا قيل: أتكون النصوص على ظاهرها؟ قيل: إذا أريد بالظاهر المعنى المناسب اللائق به فهي على ظاهرها إلخ. فالقاعدة: أن كل لفظ مجمل حادث -أي: ليس له ذكر في الكتاب والسنة- لا يجوز التعبير به إطلاقاً، لا إثباتاً ولا نفياً.

стр. 41

عدم اتباعهم للظن وما تهوى الأنفس [ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس؛ فإن اتباع الظن جهل، واتباع هو النفس بغير هدىً من الله ظلم]. هذا من أصول أخلاق العلم عند هذه الطائفة: أنهم إنما يتبعون العلم ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس. وقد ذكر الله في كتابه أن اتباع الظن وما تهوى الأنفس من طرائق المشركين في العلم والمعارف؛ ولذلك لما تكلم شيخ الإسلام ﵀ عن مسألة التشبه في كتابه اقتضاء الصراط المستقم، قال: "وكثير من العامة لا يعرفون التشبه إلا في الأحوال الظاهرة كالتشبه بالكفار في لباسهم ومآكلهم ومشاربهم ونحو ذلك، قال: ومما يقصد إلى ذكره في هذا المقام ما ذكره الله من الأخلاق العلمية عن أجناس الكفار، التي دخلت على كثيرٍ من المنتسبين للشريعة والعبادة، قال: كقول الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١١٣]، قال: وكذلك كثير من أهل الشريعة في المتأخرين لا يرى صاحب التعبد على شيء، وصاحب التعبد والنسك لا يرى صاحب العلم والشريعة على شيء .. ". فهذا من أخلاق أهل الكتاب الكفار. وهذا كما ذكره ﵀ في كتبه -وفي الاقتضاء على وجه خاص- بينٌ في بعض المتأخرين، وهذا من تقصير تحقيقهم للاتباع وترك التشبه بأهل الكتاب وبالكفار. وعلى هذا: ما يعنى به بعض طلبة العلم أو بعض الشباب من التنبيه على اليسير وعلى الصغير والكبير من مسائل التشبه في أحوال الناس العامة كاللباس ونحوه .. هذا صحيح، ومنهج في التربية سليم، ولابد أن يقرر ويميز المسلمون بأحوالهم وأشكالهم ... إلخ على ما قضت به الشريعة، لكن هنا نوع آخر: أن بعض من ينبه إلى ذلك قد يكون هو قد وقع في بعض التشبه، حينما يكون صاحب الجهاد لا يرى صاحب العلم على شيء، أو يرى صاحب العلم صاحب التعبد والنسك ليس على شيء، أو صاحب التعبد لا يرى صاحب العلم على شيء .. هذه التعارضات هي من جنس قول الله تعالى ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣] وهذا من مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣] وكذلك من الأخلاق العلمية عند الكفار: أنهم يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى، الهدى: هو البيان؛ فإن أصل الهداية هي المحجة البينة؛ ولهذا يقال: هداية الطريق .. إلى غير ذلك. إذاً لا مكان للظن في حكم الله ورسوله. قد يقول قائل: كثير من الأحكام الشرعية ظنية. نقول: الأحكام الشرعية في نفس الأمر ليست ظنية، فكل أحكام الله ورسوله الظاهرة والباطنة هي أحكام قطعية، وإنما الظن في فهم المخاطبين؛ ولهذا من لم يعرف هذا الحكم إلا ظناً، ولم يقع عنده قطعاً وضرورةً لا يجوز أن يجعل هذا القول سنةً لازمة أو حقاً منتصباً لا يجوز لأحدٍ أن يخالفه. إذاً: معنى قول من يقول: إن أكثر أحكام الشريعة ظنية، أي: أن أكثرها ظنية في فهم المجتهدين؛ ولهذا وجب على المجتهدين وأتباعهم ألا يلزموا المسلمين باجتهاد واحد ما دام أن المسألة مبنية على الاجتهاد الظني، وأما إذا تحقق العلم والضرورة وحصل الإجماع فهذا هو اللازم. [وجماع الشر الجهل والظلم، قال الله تعال: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] إلى آخر السورة، وذكر التوبة لعلمه : أنه لابد لكل إنسان من أن يكون فيه جهلٌ وظلم، ثم يتوب الله على من يشاء، فلا يزال العبد المؤمن دائماً يتبين له من الحق ما كان جاهلاً به، ويرجع عن عملٍ كان ظالماً فيه، وأدناه ظلمه لنفسه كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد:٩]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١]]. وهذه قاعدة: أن كل خطأ لابد أن يكون الموجب له إما الجهل وإما الظلم، ودليل هذا ما ذكره في قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] فكل خطأ لابد أن يكون صادراً عن مادة من الجهل، أو عن مادة من الظلم، أو عن مركب منهما، وأما أن يكون الخطأ ليس صادراً عن هذين فهذا ممتنع.

стр. 42

تفاوت الفرق الضالة في مخالفة السنة [ومما ينبغي أيضاً أن يعرف: أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة]. وهذا يتحصل -أيضاً- في حق الأعيان: فإن من الأعيان من قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من قد خالف في أمور دقيقة، وأما الطوائف التي تقرر مخالفتها للسلف فليس هناك طائفة إلا وقد خالفت في أصول، وأما إذا تكلمت عن الأعيان أو عن الطوائف المنتسبة للسنة من الفقهاء، الذين لم يذهبوا إلى علم الكلام، فإن من هؤلاء -كما ذكر المصنف- من قد خالف في أصول، ومنهم من قد خالف فيما دون ذلك. [ومن يكون قد رد على غيره من الطوئف الذين هم أبعد عن السنة منه، فيكون محموداً فيما رده من الباطل وقاله من الحق]. وهذا من العدل والانضباط في التقرير، وقد قرر شيخ الإسلام هذا في كثير من كلامه، فقد ذكر أن المعتزلة على هجران السلف لأمرهم وتغليظهم عليهم، قال: "إلا أنهم مع ذلك قد يدعون بعض العجم من الكفار إلى الإسلام فيسلمون على طريقة المعتزلة". قال: "فإسلامهم على طريقة المعتزلة خير من بقائهم على الكفر، وقد كان واصل بن عطاء الغزال يبعث بعض دعاته إلى بعض الأمصار العجمية غير المسلمة يدعون إلى الإسلام، ويدعون على طريقة المعتزلة، لكن هذا مما يحمد لهم". وأخص طائفة عني شيخ الإسلام بالرد عليها وبيان غلطها هي طائفة الأشعرية، مع أنه يعتبر هذه الطائفة أقرب الطوائف الكلامية إلى السنة والجماعة، ومع ذلك له كتاب أغلظ فيه على المتأخرين من الأشاعرة كـ محمد بن عمر الرازي وهو كتاب نقض التأسيس. لكنه مع هذا قال ﵀: "ومع هذا كله فإذا كان الأشعرية في بلدٍ ليس فيه إلا معتزلة، فهم القائمون بالسنة في هذا البلد" هذا نص عبارة شيخ الإسلام. وهذا الكلام مما ينبغي ضبطه، فإن الذم للمخالفين ليس مقصوداً للطعن على الأعيان فحسب، إنما مقصود لبيان المحجة وبيان الحق، وتحذير الناس من البدع والضلال، وإلا فقد يقع في بعض أهل البدع ما هو من الحق المحمود، وإلا لو لم يكن معهم شيء من الحق المحمود لكانوا كفاراً، فإن من تجرد عن جميع الحق ظاهره وباطنه، مجمله ومفصله، لا يمكن أن يكون مسلماً. [لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل، فيكون قد رد بدعةً كبيرةً ببدعة أخف منها]. وهذا كرد الأشعرية على المعتزلة، فإن الأشاعرة في الغالب يردون بدعة المعتزلة ببدعةٍ أخف منها. [ورد بالباطل باطلاً أخف منه، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة]. يريد بأكثر أهل الكلام المنتسبين للسنة: الكلابية والأشاعرة والماتريدية.

стр. 43

الحكم على المخالفين لأهل السنة [ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون؛ كان من نوع الخطأ. والله يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك]. هذه إشارة إلى معنى في فقه السلف ﵏ لأحكام المخالفين، وهو: أن من اختص ببدعة من البدع ونصبها شعاراً يوالي ويعادي عليه، وفارق به الجماعة -أي: الإجماع الذي عليه الصحابة ﵃ فهذا الانتصار لا يكون إلا من طرق أهل البدع الخارجين عن السنة والجماعة، وهؤلاء في الجملة على قدر من التفريط والتقصير في تحقيق ما يجب عليهم من العلم والعمل.

стр. 44

من قال قولاً مبتدعاً لا يلزم أن يكون مبتدعاً ثمة أقوال لبعض الأعيان هي من البدع المخالفة للإجماع، ومع ذلك تعرض هذه الأقوال عروضاً في أقوالهم وفي أحوالهم العامة، بمعنى: أن هذا المعين يكون في جمهور أمره على السنة والجماعة من جهة الموالاة والمعاداة، فهو يوالي السلف وأهل السنة، وينبذ البدع والابتداع، وهو في أقواله في مسائل الأصول على أقوال السلف، ولكن عرض له شيء من الخطأ في بعض مقامات أصول الدين عروضاً قد يخفى فيما هو من مثل هذا. فهذا وإن كان قوله الذي عرض له بدعة مخالفة للإجماع، وقد أنكره السلف وشددوا فيه إلا أن صاحبه لا يخرج به عن السنة والجماعة، ويصبح من أصحاب البدع، بل يعد من أصحاب السنة على هذا القدر من التعليق في شأنه. ويكون خطأه -وهذا هو الذي أفاده المصنف في هذا المقام- في الجملة من باب الخطأ الذي اجتهد فيه. والنبي ﷺ قال: (وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) كما في حديث عمرو بن العاص في الصحيحين. وهذا يعني: أن ثمة أقوالاً هي في الأصل من أقوال أهل البدع والضلال عرضت لبعض الفضلاء من الفقهاء أو من أصحاب السنة والجماعة، فهذه الأقوال وإن سماها السلف بأسماء إلا أن من عرضت له لا يجوز أن يسمى بأسماء هذه الكلمات. فلا يلزم من تسمية السلف لهذه أن من عرضت له هذه الكلمات يسمى بهذه الأسماء من جهة الخروج من السنة، فضلاً عن جهة التكفير، فضلاً عما هو فوق ذلك كالمآلات في الآخرة. ومن مثال ذلك: أن الإمام أحمد ﵀ لما سُئل عن حديث الصورة، ومن يقول فيه: إن الله خلق آدم على صورته -أي: على صورة آدم- أو على صورة المضروب أو نحو ذلك؛ قال: "هذا قول الجهمية". وكان أحمد وأمثاله يذهبون إلى أن المراد: على صورة الرحمن. ومع هذا فإن إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ عرض له هذا القول، ولم يكن تجهماً من ابن خزيمة، ولا يجوز أن يسمى جهمياً، ولا أن يقال: إن حكمه حكم الجهمية، ولا أن يقال: إنه يذم بما ذم السلف به الجهمية إلى أمثال ذلك، وإن كان قول ابن خزيمة ليس من أقوال أهل السنة، وإنما دخل عليه من أقوال أهل البدع، فإن أهل السنة قولهم في هذا معروف محفوظ .. هذه جهة.

стр. 45

الاشتراك في مقالة واحدة لا يستلزم الاشتراك في تفاصيلها الجهة الثانية: أن الاشتراك بين جملة من الأعيان في مقالة واحدة لا يلزم منه الاشتراك في تفصيلها، وإنما الاشتراك في التفصيل يكون بين أصحاب الطائفة الواحدة، بمعنى: أنه إذا نفى إمام من أئمة المعتزلة الصفات، وجاء آخر من المعتزلة فنفاها، وجاء الثالث والرابع .. وهلم جرا، ففي الغالب أن من توارد على هذه الكلمة وهو منتسب إلى طائفة معينة كالمعتزلة يكون اشتراكهم في تقرير نفي الصفات مفصلاً، وإن كانوا قد يختلفون في التفصيل، لكنهم يحققون النفي -أي: يلتزمون النفي- بخلاف من عرض له قول كلي من أقوال أهل البدع، فإنه لا يلزم بالضرورة أنه يلتزمه بجميع تفاصيله. إذاً النتيجة: أنه قد يشترك بعض الفقهاء من أصحاب السنة والجماعة الذين لم يحققوا مذهب السلف تحقيقاً تاماً، أو من يقاربهم، أو من يشاركهم حتى من المتقدمين في بعض الألفاظ المجملة، فيقولون قولاً قاله أرباب أهل البدع الذين أجمع السلف على ذمهم، لكن لا يلزم من الاشتراك في جملة قولية الاشتراك في تفصيلها.

стр. 46

الاشتراك في الحروف لا يستلزم الاشتراك في المعاني بل ثمة مقام آخر: أن الاشتراك في الحروف لا يستلزم الاشتراك في المعاني لا مجملاً ولا مفصلاً، ونضرب لذلك مثلاً: الجهمية كانوا يقولون: اللفظ بالقرآن مخلوق. ويريدون باللفظ القرآن نفسه، وقد قال بعض أئمة السلف في هذه المسألة: اللفظ بالقرآن مخلوق. كما قاله البخاري، ومن أنكر أن البخاري قال هذا فقد أخطأ، لكنه كان يريد اللفظ الذي هو من أفعال العباد، فإن البخاري عني بتقرير مسألة خلق أفعال العباد. وكذلك قال بعض أهل البدع من القدرية: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، وأرادوا به نفي الخلق لأفعال العباد، فقال بعض أئمة السنة كـ محمد بن يحيى الذهلي -وهو شيخ البخاري -: اللفظ بالقرآن غير مخلوق. وأراد بقوله هذا أن القرآن نفسه -أي: كلام الله- ليس مخلوقاً. إذاً: ثمة اشتراك في الحروف بين بعض أئمة السنة وبين بعض أرباب البدع الذين قصدوا بحروفهم هذه مقاصد بدعية تصل إلى حد الكفر، وهو التقرير لخلق القرآن مثلاً، وقد أجمع السلف على أن من قال: القرآن مخلوق؛ فإن قوله كفر. وليس المراد هنا أن نقول: إن الذهلي أو البخاري أصابا، بل كان الصواب -كما هو مذهب جمهور السلف- الترك لهذه الجمل كما هو تقرير الإمام أحمد. لكن الشاهد: أنه قد يقع في كلام بعض أئمة السنة مشاركة لبعض المجمل من كلام أهل البدع -بل أهل البدع المغلظة كالجهمية- ومع ذلك لا يجوز أن ينسب هذا القائل إلى مقاصد ومعاني أهل البدع، فضلاً عن أن ينسب إلى طريقتهم، وإنما يقال: هذا غلط في الألفاظ .. هذه جهة.

стр. 47

الاشتراك في الحروف والمعاني الكلية الجهة الثانية: أنه قد يقع بين بعض أصحاب السنة والجماعة -الذين هم في جمهور أمرهم على السنة- وبين مقالات أهل البدع اشتراك في الحروف واشتراك في المعنى، ولكنه من جهة الاشتراك في المعنى اشتراك كلي، فلا يلزم أن يطرد فيهم سائر التفصيل في هذا المعنى، فضلاً عن غيره؛ فإن ابن خزيمة لما قال ما قال في حديث الصورة لم يكن مبنى -وإن كان أراد اللفظ وأراد المعنى- المعنى عنده من جنس مبنى المعنى في تفسير الجهمية، فإن الجهمية إنما قالوا: على صورته -أي: على صورة آدم، أو لم يفسروه بما فسره السلف به- لأن هذا مبني عندهم على نفي الصفات عموماً، والصورة منها. بخلاف ابن خزيمة ﵀؛ فإنه من أئمة التحقيق في إثبات الصفات، ولكنه في هذا الحرف من الحديث خرجه على هذا التوجيه، وهذا قد عُلم التعقب عليه عند السلف ﵏. إذاً: هذه مسألة ينبغي أن تضبط على هذا الوجه: وهي أن من شارك أهل البدع في بعض الحروف لا يلزم أن يكون مشاركاً في المعاني، ومن شارك في مجمل المعنى لا يلزم أن يكون مشاركاً في مفصله، وحتى من شارك في مجمله ومفصله فلا يلزم من ذلك -أي: في مفصل المعنى الواحد- أن يكون قد خرج بهذا التفصيل عن السنة والجماعة.

стр. 48

حكم من اتبع المعتزلة في باب الصفات واتبع السنة في باقي الأصول قد يقول قائل: أرأيت لو فصَّل شخص من المعروفين بالسنة تعطيل الصفات، والتزم هذا التفصيل على الاطراد من جنس تفصيل المعتزلة، ولكنه في باب الإيمان والقدر ومسائل أخرى على مذهب السلف .. أين نجعله؟ أي: أن شخصاً من الأعيان يقول بقول المعتزلة على التمام في نفي الصفات، وينتسب للمعتزلة، ويأخذ أقوالهم، ويدع أقوال السلف، وينكر القول بأن القرآن ليس بمخلوق .. إلخ، لكنه في باب الإيمان والقدر وبعض الأصول الباقية على تقرير السلف .. هل نأخذه بالأصل الأول أو نأخذه بالأصول الثانية؟ نقول: أولاً: هذه الفروضات هي التي أشكلت وعقَّدت المسائل العلمية، وسببت قدراً واسعاً من الإرباك. ثانياً: أن هذا لا وجود له، فلا يوجد عالم أو ناظر حقق قول المعتزلة في الصفات والتزمه، وأنكر قول السلف مجملاً ومفصلاً حرفاً ومعنى، ومع ذلك إذا جاء للإيمان انتصر لقول السلف وأنكر أقوال أهل البدع، وإذا جاء للقدر انتصر للسلف .. إلخ، ولهذا من ينتحل أصلاً من أصول أهل البدع المغلظة وينتصر له حرفاً ومعنىً لا يمكن أن يكون من أهل السنة والجماعة. قد يقول قائل: من مثالات ذلك ابن حزم. نقول: ابن حزم ﵀ وإن كان عنده تعطيل في الصفات، ومشاركة للمعتزلة في كثير من كلامه كما هو معروف في كتابه الفصل وغيره، إلا أن حروف ابن حزم -حتى في الصفات- في الجملة حروف أهل السنة، وإن كان تكلم في لفظة الصفة وقال: "إنه لا أصل له كلفظة"، وإنما قال: يسمى فعلاً لله .. إلخ، ومع هذا هو لا يلتزم هذا التقرير، وهذه إشكالية واضحة عند ابن حزم، فهو قد أنكر حرف الصفة كحرف مضاف إلى الله، ثم في مقامات أخرى هو استعمل هذه الإضافة فقال: ومن صفات الله كذا. فـ ابن حزم من جهة الحروف في الجملة على حروف أهل السنة، أي: من جهة المعاني الكلية في الجملة على معاني أهل السنة، وهو -كذلك- من جهة المقامات التي شاع فيها القول كالعلو والقول بخلق القرآن .. إلخ ينتصر لصريح مذهب أهل السنة، وينكر على المعتزلة القول بخلق القرآن وما إلى ذلك، لكن عنده قدر ليس يسيراً، بل قدر كبير من المعاني من جنس معاني المعتزلة اختلطت عليه وانعقدت عليه ﵀. لكن الذي تكلمنا في نفيه: أن يكون واحد من الأعيان يلتزم مذهب المعتزلة التزاماً صرفاً، التزاماً ظاهراً وباطناً -أي: في الحرف والمعنى- فإن هذا لا وجود له، وهذا هو معنى قول المصنف ﵀: "أن من غلط وعرض له الغلط في بعض المسائل، وهو في جمهور أمره على السنة فهذا لا يخرج" ويكون خطأه هذا في الجملة من باب الخطأ المغفور، فإن مثل هذا الخطأ لا يصدر عن تفريط، وإنما علم هذا لكونه في جمهور حاله على السنة والجماعة. والشاهد هنا: أن القاعدة: أن من قال قولاً بدعةً لا يلزم أن يكون مبتدعاً .. هذه قاعدة قطعية منضبطة، بل قال شيخ الإسلام في المجلد التاسع عشر: "وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، لكن لم يقم عندهم الحجة الرسالية في مفارقة ما قالوه أو فعلوه للسنة والهدي". وهذا المعنى لابد من ضبطه في مسألة التبديع وما يتعلق بها، فإن كثيراً من الأعيان من أصحاب السنة والجماعة عرضت لهم أقوال بدعية -ولا سيما بعد طبقة الأئمة من القرون الثلاثة الفاضلة- ومقالات شاركوا فيها بعض أهل البدع، ودخلت عليهم من أصحابها، فهؤلاء لا يضافون إلى أهل البدع، وإنما يضافون إلى أهل السنة والجماعة. فلا بد أن تحقق هذه القاعدة، وهي: أن الاشتراك في الحرف لا يستلزم الاشتراك في المعنى، والاشتراك في مجمل المعنى لا يستلزم الاشتراك في مفصله، وقد تم توضيح هذا في شرح كتاب الإيمان لـ أبي عبيد، فقد بينا أن القول بأن الإيمان قول واعتقاد اشترك فيه كثير من مرجئة الفقهاء والمرجئة المتكلمون، أي: حصل اشتراك بين بينهم في مجمل المعنى ومجمل الحرف، لكن لا يلزم منه أن مفصل المعاني كذلك. كذلك بعض رجال الرواية والإسناد قالوا: إن أفعال العباد ليست مخلوقة. حتى قال الإمام أحمد: "لو تركنا الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة" وهذا الأصل قد قرره أئمة البدع من المعتزلة. فاشتراك المعتزلة وهؤلاء الرواة في أن أفعال العباد ليست مخلوقة، نقول فيه: هو اشتراك في مجمل المعنى وليس في مفصله؛ ولهذا قول المعتزلة في هذه المسألة أغلظ وأشنع من قول هؤلاء .. وهكذا.

стр. 49

وقوع بعض الأئمة في القول بأقوال مبتدعة [ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها]. هذا حرف لابد من الوقوف معه، ومن يلتزم من المعاصرين التبديع لبعض الأعيان المعروفين بالسنة والجماعة لخطأ عرض له، بل لبدعة عرضت له من البدع القولية التي لا تعد من كليات الأصول، وفي أنه لم يلتزم أصلاً مطرداً يعارض السلف في حرفه ومعناه، من التزم تبديع أمثال هؤلاء فإنه يلزمه أن يطرد هذه القاعدة؛ لأن القاعدة لا تفرق بين المعاصر وبين السالف. فقوله: "ولهذا وقع في مثل هذا" أي: في مثل هذا النوع من البدع التي تعرض عروضاً لمن هو في جمهور أصوله على السنة والجماعة.

стр. 50

حكم من قال بقول مبتدع مع تعصبه له [لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة؛ بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه]. أي: من نصب بدعةً من البدع واختص بها وتميز بها، وخالف بها جماعة السلف وجماعة أهل السنة والجماعة، فهذا الذي ينتصب هذا الانتصاب، ويوالي ويعادي على طائفته، ويخرج غيره عن دائرة أهل السنة والجماعة فهذا هو صاحب البدعة؛ أما من قال قولاً باجتهاد ولو كان خطأ، ولم يوال ويعاد عليه، وهو في جمهور حاله على السنة فهذا من أهل السنة، بخلاف من والى موافقه وعادى من خالفه فهذا هو طريقة أهل البدع، فإن من أخص الأصول: الاجتماع على السنة والجماعة. [وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه .. فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات]. أي: من يلتزم التحيز. وهذه القاعدة تطرد، وهي: أن كل من التزم التحيز بقول من الأقوال، مع معاداة من خالفه فيه، فإنه ينظر في هذا القول، وهو أحد أنواع ثلاثة: النوع الأول: إما أن يكون من صريح السنن وبينات الهدي وإجماعات السلف القطعية كإجماعهم على الصفات، وعلى أن القرآن ليس مخلوقاً، وعلى أن الإيمان قول وعمل، فالتحيز لمثل هذه الأقوال والانتصاب لها طريق صحيح. النوع الثاني: أن تكون مقالة هذا المعين الذي انتصب لها وتحيز بها مقالةً بدعية، يعلم خطؤها ومخالفتها لقول السلف، فهذا لا شك أنه يكون ببدعته وتحيزه وامتناعه بها صاحب بدعة. وقد يقول قائل: لماذا جمعت بين كون مقالته بدعة وانتصابه لها؟ أي: لم لم يكن بواحد منهما؟ قيل: هذا من فقه الشريعة! ألست ترى أن الصحابة لم يكن من ظاهر مذهبهم التكفير لتارك الزكاة، والنبي ﷺ قال: (ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) والأئمة كـ مالك وأمثاله ما كانوا يكفرون تارك الزكاة، وهو الذي عليه الجمهور من السلف. لكن لما امتنع من امتنع ممن ترك الزكاة، ونصبوا امتناعهم، وعادوا به، وقاتلوا عليه كفروا. فإن قيل: بم كفروا؟ هل بالامتناع أم بالترك؟ قيل: بهما، فهم إنما كفروا باجتماع الموجب الذي اقتضى التكفير. النوع الثالث، وهو لابد من ضبطه وتفطن طالب العلم له: وهو من يقول قولاً هو اجتهاد -أي: ليس على قوله إجماع للسلف، وليس هو على خلافه وضده، بل هو اجتهاد- واستطاع أن يستدل لهذا الاجتهاد بظاهر من الأدلة الشرعية، فإن الانتصاب لقول من أقوال أهل الاجتهاد في المسائل العلمية أو المسائل العملية، تحيزاً وموالاةً ومعاداةً يعتبر من طرق أهل البدع. وهذا يقع أحياناً من كثير من التجمعات العلمية أو الحركية: حيث أنهم قد ينتصبون لقول من أقوال أهل الاجتهاد، أو هو قول اجتهادي، يوالون ويعادون عليه، وهذا لا شك أنه خطأ. وإذا قيل: متى يعرف أن هذا القول من مقامات أهل الاجتهاد؟ قيل: إذا لم ينضبط فيه إجماع، فهو مما يسوغ فيه الاجتهاد في الجملة، وإن كان قد يقال: إن بعض المجتهدين قد أخطئوا .. فهذا مقام آخر. إذاً المتحصل من هذا: أن الانتصاب والتحيز هو في كثير من الموارد أشد ضلالاً وخروجاً عن مذهب السلف من بعض الحروف القولية أو الفعلية؛ ولهذا من يعظم شأن الحروف ولا يعظم التحيز الذي يصاحب قدراً من الافتراق عن دائرة أهل السنة الشاملة العامة نقول له: هذا التحيز هو أيضاً من البدع؛ لأنه لا موجب له؛ فالذي ينتسب إلى أصول أهل السنة المحققة المجمع عليها لا يحتاج إلى تحيز خاص يختص به هو وجماعته؛ لأن غيره يشاركه في الإجماعات المنضبطة. وهذا التحيز لا يقع إلا عند من يختص بمقام من الاجتهاد المختص به، وهذا الاجتهاد لا بأس به، لكن التحيز الذي يصاحبه موالاة ومعاداة وتصنيف للآخر وما إلى ذلك من الملاحقة .. هذا ليس من طرق أهل السنة، بل هو من طرق أهل البدع، وهو مخالف لقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] فإن الحبل الذي أمر بالاعتصام به هو المحكم من الشريعة، وهو الأصول المجمع عليها علميةً أو عملية.

стр. 51

شرح حديث الافتراق [٦] الخوارج والجهمية طائفتان من أهل القبلة خالفوا منهج أهل السنة والجماعة في أصول الدين، فكان الخوارج يكفرون صاحب الكبيرة من المسلمين، وأما الجهمية فإنهم غلاة في باب الأسماء والصفات، فهم ينفون أسماء الله وصفاته. وقد اختلف أهل السنة في إخراج هؤلاء عن طوائف الملة، والصواب في ذلك أن كل واحدة من هذه الطوائف فيها غلاة ومتوسطون ومقتصدون، وعلى ذلك فيتبع معهم ميزان الحق فالطائفة بعامة تبدع ويبين خروجها عن السنة، وتذم بما ذمها به السلف، أما الحروف المفردة فلا تلزم.

стр. 52

خروج الخوارج وقتال الصحابة لهم [ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع: الخوارج المارقون. وقد صح الحديث في الخوارج عن النبي ﷺ من عشرة أوجه خرجها مسلم في صحيحه، وخرج البخاري منها غير وجه]. وهذا قد نص عليه الإمام أحمد، قال ﵀: "صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه". وبدعة الخوارج: أنهم كفروا مرتكب الكبيرة من المسلمين، وأنهم انتصبوا بطائفتهم على قدر من الموالاة والمعاداة لغيرهم من المسلمين .. وهذا لا يجوز، إلا إذا كان هذا على مقام السنة والجماعة -أي: موالاة أهل السنة ومعاداة أهل البدع-. [وقد قاتلهم أصحاب النبي ﷺ مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب]. علي ﵁ أمير المؤمنين، وخلافته إمارة وخلافة نبوية، وهو رابع الخلفاء الراشدين كما هو معروف في شأنه ﵁، وقد قال الإمام أحمد وغيره: "من لم يربع بـ علي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله". فقال له بعض العراقيين: قد كان لا يربع به من لا يقال إنه أضل من حمار أهله .. يقصدون من قاتله من الصحابة كـ معاوية، فإنهم ما كانوا يرون خلافته، فقال الإمام أحمد: "أنا لست من حربهم في شيء". وهذا من فقه الإمام أحمد، لأن النبي ﷺ -وقد كان الإمام أحمد يحتج بهذا الحديث كثيراً- قال فيما رواه سفينة: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة) فبهذا الحديث علم أن خلافة علي بن أبي طالب كانت خلافةً راشدةً نبوية. وأما من اجتهد كـ معاوية فلم يحقق هذا المعنى -وهو العلم بخلافة علي بن أبي طالب - فإن مخالفة واحد من الأعيان حتى لو كان عالماً مجتهداً لا ترفع الحكم الشرعي، وهذا معنىً يطرد إلى أنه: إذا تحقق المعنى من كلام الله ورسوله فخفي على بعض الكبار من العلماء فخفاؤه على بعض الأعيان لا يعني كونه متردداً في ثبوته. فالقصد: أن علياً كان هو الخليفة الراشد والرابع والأخير، ولا يصح أن يقال: إن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، فإن الخلافة انتهت بهذه الثلاثين سنة، وهي خلافة النبوة، أما ما بعدها فهو الملك، فـ معاوية ﵁ هو أول ملك من ملوك المسلمين، ثم إن معاوية ﵁ أفضل من عمر بن عبد العزيز، وقد حكى الإمام ابن تيمية الإجماع على أن معاوية بن أبي سفيان هو أفضل ملوك المسلمين، وقد أنكر الإمام أحمد وغيره من كبار أئمة السنة على من قال: إن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس.

стр. 53

أنواع القتال الذي وقع في زمن الصحابة ﵃ [فلم يختلفوا في قتالهم كما اختلفوا في قتال الفتنة يوم الجمل وصفين، إذ كانوا في ذلك ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف قاتلوا مع هؤلاء]. القتال الذي وقع زمن الصحابة ﵃ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

стр. 54

القتال الذي وقع في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ القسم الأول: القتال الذي وقع في خلافة أبي بكر ﵁، وهذا ثلاثة أنواع: النوع الأول: قتاله ﵁ لمن ارتد عن أصل الإسلام، وهذا لا جدل في أنهم مرتدون. النوع الثاني: قتاله ﵁ لمن جحد وجوب الزكاة، وهذا أيضاً لا جدل في شأنه، وإن كان قد شذ من المتأخرين من تردد فيه، فهذا شذوذ صريح، فإن جمهور المتأخرين على أن هؤلاء أهل ردة. الثالث: وهم من امتنع عن الزكاة وقاتل عليها، وإن لم يصرح بجحده، ولا نقول: وإن لم يجحد وجوبها؛ فإن عدم التصريح ليس تصريحاً بالعدم، أي: لا يلزم منه أنهم يعتقدون وجوب الزكاة، إنما لم يصرحوا بنفي وجوبها. فهؤلاء أيضاً المحقق في شأنهم أنهم مرتدون، وقد حكاه أبو عبيد مذهباً للصحابة. إذاً: في الجملة كان القتال الذي وقع في زمن الصديق قتال ردة، أي: قتال لقوم مرتدين.

стр. 55

قتال الخوارج القسم الثاني: هو قتال الخوارج، وقد وقع في خلافة علي بن أبي طالب ﵁، وهو مشروع بالنص والإجماع. أما النص: فهو ما تواتر عنه ﷺ في قوله: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفي رواية: (قتل ثمود) .. (قاتلوهم فإن لمن قاتلهم أجراً عند الله) إلى غير ذلك من النصوص، وهم بدءوا المسلمين بقتال فوجب دفعهم من باب دفع الصائل، فإنهم استحلوا دماء المسلمين وكفروهم، فقتالهم مشروع بالنص. وأما الإجماع فهو إجماع الصحابة، فإن الصحابة ﵃ في خلافة علي لم يختلفوا في شرعية قتال الخوارج، وإن كان بعض الصحابة لم يشارك لأسباب تتعلق ببعده عن أرض القتال، كمن كان بمكة أو نحو ذلك، لكن لم ينقل عن صحابي أنه خطّأ علياً في شأن القتال، بل كان قتاله مجمعاً عليه بين الصحابة، وجمهور من أدرك القتال من الصحابة وتيسر له شاركوا فيه، ولم يتأخروا عن علي من باب الورع أو نحو ذلك. فهذا القتال الثاني مشروع بالنص والإجماع، وهل هو قتال ردة أم قتال بغي؟ نقول: إن كلمة "قتال البغي" أو كلمة "البغاة" في كلام الفقهاء مفصلة على مقامات، وهي أقل مما يتعلق بمراد أو بذكر البغي في باب موارد النصوص من الكتاب أو السنة، فأحياناً يكون فيها زيادة أو نقص في كلام الفقهاء .. والنتيجة من هذا: أن كلمة "بغي" كلمة فيها إجمال، إنما الذي يتحقق لك أن تقول: إن قتال الخوارج ليس قتال ردة، وهل يسمى قتال بغي؟ نقول: لا بأس بتسميته قتالاً لقوم بغاة، لكن هذه التسمية لا تعني أنهم بغاة من جنس من بغى على علي من الصحابة، بل لا شك أن الخوارج أشد. فالنتيجة: أن قتال الخوارج لم يكن قتال ردة، والدليل على ذلك: أنهم مسلمون مؤمنون بالله ورسوله ﷺ وإن ابتدعوا هذه البدعة، وقد كان علي لا يرى كفرهم وكذلك الصحابة معه، فلم يجهزوا على الجريح، ولم يتبعوا المدبر، ولم يسلبوهم أو يغنموهم أو ما إلى ذلك من سنن القتال مع الكفار أو مع المرتدين، بل جروا فيهم بسنة المسلمين، حتى قال علي: "من الكفر فروا. قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا". ولما ضربه ابن ملجم قال علي: "إن مت فاقتلوه، وإن حييت فأنا ولي الدم". فقوله: وإن حييت فأنا ولي الدم دليل على أنه لا يرى الخوارج كفاراً؛ لأنه لو كان ابن ملجم كافراً أو مرتداً لما كان علي ﵁ ولي الدم، فإن من بدل دينه وجب قتله، ولا ولاية لأحد على دمه، بمعنى أنه يستطيع العفو.

стр. 56

القتال الذي وقع بين الصحابة ﵃ القسم الثالث: وهو القتال الذي حصل بين الصحابة، وأخصه قتال الجمل وصفين، وأخص النوعين أو الاثنين قتال صفين، وهو ما حصل بين جيش علي بن أبي طالب وبين جيش معاوية. وكون هذا القتال من القتال المشروع أو ليس من القتال المشروع، هذه مسألة نزاع بين علماء السنة والجماعة، يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "إن جمهور أهل السنة لم يذهبوا إلى هذا القتال، ولا يرونه قتالاً مشروعاً لا من علي ولا من معاوية، قال: بل كانوا يرون أن السنة ترك القتال، قال: وهذا هو الصحيح في مذهب الإمام أحمد كما نص عليه". والقول الثاني عند طائفة من أهل السنة المعتبرين: أن القتال كان مشروعاً، وأن الصواب كان مع علي بن أبي طالب، ولم يقل أحد من المعتبرين من أئمة السنة: إن الصواب كان مع معاوية. فالقول بأن القتال ليس مشروعاً، قد حكاه الإمام ابن تيمية عن الجمهور من أهل السنة، وقال: "لأن هؤلاء -يعني: جيش معاوية - أشد ما يقال فيهم أنهم بغاة، قال: وليس في الكتاب ولا في السنة أمر بقتال الطائفة الباغية ابتداءً، فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] ولم يقل: فاقتلوا أحدهما أو ما إلى ذلك، وإنما قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] قال: فليس في القرآن تشريع لقتال الطائفة الباغية ابتداءً، وإنما يشرع قتالها إذا نكثت بعد الصلح .. " فدليل شيخ الإسلام أنه انعدم الدليل على التشريع، والأصل حرمة الدماء وحرمة القتال بين المسلمين .. فهذا استدلال. والاستدلال الثاني عنده -وهما أخص دليلين لـ شيخ الإسلام في استدلاله لقول الجمهور، وهو ممن ينتصر له بقوة- هو: أن النبي ﷺ قال عن الحسن بن علي: (إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) وكان هذا الصلح بين الحسن ومعاوية، يقول ابن تيمية في وجه الاستدلال: "إن الله امتن على المؤمنين برفع هذا القتال بـ الحسن بن علي، ولو كان هذا القتال مشروعاً لما كان من منة الله الرفع له بـ الحسن بن علي؛ فإن المنة برفع شيء إنما تكون برفع شيء مكروه عنده .. ". وهذان الدليلان دليلان قويان، لكن ينبغي أن يقال: إنهما ليسا بدليلين لازمين، فالمأخذ في الدليل الأول: أن قتال الطائفة الباغية لا يشرع إلا بعد نكث الصلح، بمعنى: أن ثمة واجباً أولاً وهو الصلح، فإن بغت بعد الصلح شرع قتالها. هنا سؤال: فإذا تعذر الصلح مع الطائفة الباغية وأبت الصلح ماذا يعمل معها؟ إذاً الآية هل تكلمت عن هذا المعنى: إذا تعذر صلح الطائفة؟ هذا لم يذكر في الآية. ولهذا من يقول: إن علياً أصاب في قتاله يقول: إن الطائفة الثانية التي سماها الرسول نفسه: والفئة الباغية، حيث قال ﵊: (تقتل عماراً الفئة الباغية) كما في الصحيح، يقولون: هذه الطائفة أبت الصلح مع علي، فـ علي عجز عن الصلح، والصلح واجب، والواجب يسقط بالعجز عنه، وإذا جاز قتالها بعد نكث الصلح فإن عدم تسليمها بالصلح من جنس تركه، ولهذا إذا عرض عليها الصلح وأُلزمت به فأبت الصلح فإن هذا الواجب يكون ساقطاً .. وهذا كما أسلفت تنبيه لا أقصد به ذكر الترجيح على خلاف قول شيخ الإسلام، إنما هو نوع من التنبيه إلى أن الاستدلال الذي ذكره ﵀ ليس بالضرورة أنه استدلال ملزم .. ومن هنا اختلف السلف في هذه المسألة. أيضاً: استدلاله بحديث الحسن في البخاري: (إن ابني هذا سيد) نقول: نعم، ولكن متى رفع القتال؟ هل رفع بعد مقتل علي أو أثناء وجود علي؟ من المعلوم أنه رفع بعد مقتل علي، وشأن الحسن ليس كشأن علي. أي: إذا قيل: إن القتال كان مشروعاً من علي بن أبي طالب فهل مقام علي كمقام الحسن؟ لا، فإنه لا أحد يقول: إن منزلة من خلف علي بن أبي طالب - الحسن ابنه أو غيره - تكون بمنزلته في تشريع القتال، فإن علياً له مقام لا يصل إليه الحسن، فضلاً عن غيره من قادة علي. إذاً: هذا إنما كان بعد قتل علي؛ فلا حجة فيه من جهة اللزوم، وإن كانت الحجة في المقامين حجة محتملة. الشاهد من ذلك: أن هذا هو محل الخلاف بين أهل السنة، وكلا القولين فيه قوة.

стр. 57

الصحابة الذين شاركوا في القتال هنا سؤال: هل شارك الجمهور من الصحابة في القتال أو لم يشاركوا؟ يقول ابن تيمية: "إن هذا من أصح الأسانيد على وجه الأرض إلى ابن سيرين -كما في منهاج السنة وغيره- ابن سيرين يقول: لم يشارك يوم صفين إلا بضعاً وثلاثين صحابياً". أي: أن عدة من كان من الصحابة في عسكر علي وعسكر معاوية لم يصلوا إلى أربعين رجلاً، بل كان هذا السواد من الجيش -من جيش الشام وجيش علي - من مسلمة الفتوح العمرية من أهل العراق وأهل الشام. وأما الصحابة فإن ابن سيرين يقول: "إنه لم يشارك في عسكر علي وعسكر معاوية إلا بضعاً وثلاثين صحابياً" وهذا يدلك إذا انضبط هذا التقرير من ابن سيرين -هو صحيح إليه، لكن الشأن في انضباطه- على أن الصحابة ما كانوا يرون القتال. ثم إن أفضل الناس بعد علي في ذلك الزمان وهو سعد بن أبي وقاص كان معتزلاً للقتال. والحق: أن مسألة هل كان الصواب مع علي أم في ترك القتال؟

стр. 58

هل كان الصواب هو القتال مع علي أو ترك القتال ؟ الذي يظهر أنه ليس الشريف في الفقه الجزم بأحد القولين، فإن هذا اجتهاد لقوم وهذا اجتهاد لقوم، وإنما الشريف فقهه في هذا الذي وقع بين الصحابة: ما تراه من حكمة الصحابة ﵃ في مسائل الفتن؛ فإن سعد بن أبي وقاص ﵁ مع إمامته في العلم، ومع سابقته في الإسلام، ومع قدرته -إن صح التعبير- على القيادة العسكرية -أي: أن سعد بن أبي وقاص قد اجتمعت له موجبات الخلافة والإمامة، حتى إن عمر جعله في الستة الذين جعل الخلافة فيهم- ومع ذلك اعتزل، ولم يعتزل قريباً، بل اعتزل في إبله، وكان يتحرج أن يرى سواداً قادماً إليه، حتى إنه لما قدم ابنه إليه وهو راكب على بعير قال سعد -وهذا في الصحيح-: "أعوذ بالله من شر هذا الراكب". فهو لم يكن يحب أن يأتيه أحد، مع أن الناس يتنازعون الخلافة، والدماء تسيل .. إلخ. وهذا من فقه الصحابة ﵃. ومع هذا الاعتزال الشديد لم يشنع سعد ﵁ على من خاض الغمار كـ علي بن أبي طالب، ولم يشنع علي بن أبي طالب على سعد، بل كان يقول: "لله در مقام قامه سعد بن مالك، وعبد الله بن عمر، إن كان براً إن أجره لعظيم، وإن كان إثماً، إن خطأه ليسير، فقد برئ من كثير". إذاً: في زمن الفتن والنوازل لا يستغرب وجود الاختلاف، وإن من قلة الفقه وقلة العلم: الطعن على المخالف باجتهاد سائغ. ومن المعلوم أنه في أول قتال للمسلمين في بدر استشار النبي ﷺ أصحابه في شأن الأسارى، فأتى بأخص رجلين في الإسلام إمامةً وعلماً وتقوى إلخ، وهما الشيخان: أبو بكر وعمر. فقال: ما ترون في شأن هؤلاء الأسارى؟ الذي سوف نلاحظه هنا أن الصحابة عندهم مبدأ الوضوح في كل شيء، وهذا هو الذي يجب أن يربى عليه المسلمون، حتى الأطفال يجب أن يربوا على الوضوح، أما مسألة المجاملات والتحزبات والالتفافات غير المدروسة، ثم يقال في الأخير بعد كذا سنة: تبين لنا أن الطريقة السابقة غير شرعية أو غير دقيقة، وأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل .. حسناً: أين كنت في السنين الماضية؟ يعني: لو كان عنصر الوضوح بيناً لما عانت الأمة مثل هذه التكدسات في المواقف التي تتعب الجماهير وتتعب الأمة، ثم بعد ذلك يتراجعون عنها أو ما إلى ذلك. ماذا قال أبو بكر؟ قال: (يا رسول الله! هم بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوةً على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام). فـ أبو بكر ﵁، يقول: (بنو العم والعشيرة)، ويقول: (عسى الله أن يهديهم للإسلام) مع أن القوم جاءوا يقاتلون المسلمين، بعد أن طردوا النبي ﷺ من مكة .. إلخ. ثم قال النبي ﷺ لـ عمر: (ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال عمر: لا والذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه). مع أن عمر رأى الرسول قد تكدر لما رأى شأن العباس، وأمر له بقميص حتى ما وجد إلا قميص ابن أبي فأمر به .. إلخ، قال: (وتمكنني من فلان -نسيب لـ عمر - فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها) أي: هو لم يعتبر أنهم بنو العم والعشيرة، فـ عمر ﵁ هنا ما نظر إلى معطيات أبي بكر ومنطقيات اجتهاد أبي بكر، وهذا يدل على أن مناطات الاجتهاد قد تختلف، وقد تنتقل من مرحلة إلى مرحلة بعيدة، ويصير هذا المناط ممكناً والمناط البعيد عنه أيضاً ممكناً. فهذا الاجتهاد وإن كان له مناط بعيد عن مناط أبي بكر، إلا أن النبي ﷺ لم ينكر على أحدهما، وإنما قال عمر: (فهوى رسول الله ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت). وقد يقول قائل: إن القرآن نزل. نقول: نعم، القرآن كان ينزل، لكن الآن الاجتهاد سيظل اجتهاداً؛ لأنه لا يمكن أن ينزل نص يحسم المسألة، وهذا يدل على أن الاجتهاد قد يتباعد مناطه، فإن مناط أبي بكر مناط شرعي ممكن، وهو أنهم بنو العم والعشيرة، مع رجاء إسلامهم وأخذ الفدية منهم لتكون قوة لنا على الكفار .. فهذه مناطات شرعية ممكنة. لكن عمر قال: هؤلاء أئمة الكفر .. وهذا -أيضاً- مناط شرعي. قد يقول قائل: إن القرآن غلَّط. نقول: القرآن كان ينزل أما الآن فلا ينزل .. هذه جهة. الجهة الثانية: أنه حتى لما نزل القرآن لم يغلِّط مناط الاجتهاد عند أبي بكر أو عمر، إنما نزل القرآن بحكمة غيبية لا يمكن أن يصل إليها الاجتهاد، والعقل البشري، أي: هي قضاء رباني محض، وهي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧] وهذا ليس من مقامات الاجتهاد بل من القضاءات التسليمية الربانية، وإن كانت حكمته واضحة: أن هذا هو التمكين والقوة ولا شك. [وصنف أمسكوا عن القتال وقعدوا، وجاءت النصوص بترجيح هذا الحال]. وهذا مذهب سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، مع أن أسامة بن زيد له فقه أيضاً مختص، ومن الفاضل أن ينبه إليه: فقد كان موافقاً لـ علي بن أبي طالب ومنتصراً له، لكن لما رأى أن علياً وصل إلى السيف توقف. وهذا الفقه: أن الإنسان قد يوافق عالماً أو ناظراً أو ما إلى ذلك، ولكن إذا تجاوز به المقام فلا يجوز للثاني -أي: للتابع- أن يتابع إلا أن يكون على بصيرة في الثاني كما كان في متابعته في الأول على بصيرة، وأما التقليد في الثاني تبعاً للتقليد في الأول فهذا لا يجوز. فلا يصح أن يقول: ما دام أن بدأنا في هذا الدرب سنواصل فيه، ولا يمكن الرجوع الآن .. فأسامة لما وصل الأمر إلى السيف أرسل إلى علي بن أبي طالب يقول له: "لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه -وهذا واضح في موالاة علي - ولكن هذا أمر لم أره". أي: السيف.

стр. 59

القتال لا يستلزم التكفير [فالخوارج لما فارقوا جماعة المسلمين، وكفروهم واستحلوا قتالهم جاءت السنة بما جاء فيهم]. إذاً: الإمام ابن تيمية يقرر أنه لم يشرع قتالهم لمحض قولهم، بل لقولهم الذي تضمن فعلاً وهو القتال والاستحلال لرقاب المسلمين ودمائهم، ومن المعلوم أن القتال والقتل لا يستلزم الكفر، فإن الإنسان قد يكون كافراً بالإجماع ومع ذلك يحرم قتله ويحرم قتاله، ومثال ذلك: أهل الذمة، وهم من دفع الجزية من أهل الكتاب أو حتى من غير أهل الكتاب على الصحيح، فهذه طائفة كافرة لكن يحرم قتالها، وكذلك المعاهد المعين، أو رسول المشركين الذي يأتي برسالتهم ورأيهم وما إلى ذلك، فهؤلاء كفار ومع ذلك يحرم قتالهم. وعكس هذه الصورة: مسلم بالإجماع ومع ذلك يجب قتاله، كالطائفة الممتنعة من جنس الخوارج الصائلة على دماء المسلمين؛ فإن الصحابة أجمعوا على قتالها مع حكمهم بإسلامهم. وكذلك المعين من المسلمين قد يكون قتله واجباً، ومثاله: من قتل عمداً فطلب أولياء الدم القتل، فإن قتله يكون واجباً مع إسلامه .. إلخ. وبهذا يتبين أنه لا تلازم بين القتل والمقاتلة وبين الكفر. [كقول النبي ﷺ : (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)]. لأن هذا من باب عصم المسلمين من شرهم وفتنتهم. وقد ذكر النبي ﷺ فيهم مقامات، وهي قوله: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم) فكانوا مظهرين للنسك والعبادة، وكانوا عباداً زهاداً، لكنهم لم يكونوا على السنة، وبهذا يعلم أن الأصل المطرد عند المسلمين وفي كتاب الله وفي سنة نبيه: أنه لابد من الجمع بين مقام العلم والعمل، فلابد من اتباع السنة مع الإخلاص لله في العمل، أي: أن الإخلاص إذا انفرد عن الاتباع فإنه لا يكون كافياً. ومن هنا نعلم أن الإنسان لا يلزم من مجرد إخلاصه أو غيرته الهداية، فإن ما ذكره الله في كتابه شرطان: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] الشرط الأول قوله: "جاهدوا" أي: بذلوا المجاهدة -وهي بذل الوسع- قال: "فينا" وهذا هو مقام الإخلاص، "لنهدينهم" هذا هو ثبوت الهداية. إذاً من جمع المقامين لا بد أن يكون مهدياً، ومن قصر في أحد المقامين فهذا عرضة للغلط والشر والفتنة، وهذا معنى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢].

стр. 60

أول خروج الخوارج [وقد كان أولهم خرج على عهد رسول الله ﷺ ، فلما رأى قسمة النبي ﷺ قال: (يا محمد! اعدل فإنك لم تعدل. فقال له النبي ﷺ : لقد خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل. فقال له بعض أصحابه: دعني -يا رسول الله! - أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم ..) الحديث فكان مبدأ البدع هو الطعن في السنة بالظن والهوى، كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه]. هذا الرجل قام بين يدي النبي ﷺ ، ووصفه أبو سعيد وغيره بقولهم: (فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: اعدل يا محمد؛ فإنك لم تعدل. فقال النبي ﷺ : ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟) وفي لفظ: (أو لست أحق أهل الأرض بأن يتقي الله؟ ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ فقام خالد بن الوليد -وفي رواية في الصحيح عمر بن الخطاب، وليس من الممتنع أن يكون هذا قام وهذا قام- فقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه. قال: لعله أن يكون يصلي. قال: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم. ثم نظر إليه النبي ﷺ وقد ولى، فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ..) إلخ. فهذا الرجل كان من الغالين الجافين، وكان ممن يطعن على السنة وأهلها، حتى طعن على الرسول ﷺ ، وقد التزم هذا الخوارج من بعده.

стр. 61

حكم الجهمية عند السلف [وأما تعيين الفرق الهالكة: فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم يوسف بن أسباط، ثم عبد الله بن المبارك، وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين، قالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة. فقيل لـ ابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد، وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية]. قول المصنف ﵀: "وأما تعيين الفرق". أراد بذلك التعيين لأصولها، وإلا فسبق في كلامه في هذه الرسالة -وفي غيرها- أنه لم يذهب أحد من السلف إلى تعيين الفرق المخالفة الثنتين والسبعين بالأعيان، بل هذا التعيين لا شك أنه غلط، إنما الذي عينه بعض أئمة السلف هو أصول أهل البدع .. هذه مسألة. المسألة الثانية في هذا التقرير من كلامه: أنه ذكر عن ابن المبارك أن أصول البدع أربع. فقيل له: والجهمية؟ قال: أولئك ليسوا من أمة محمد. وقال: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. نقول: أحياناً يقال في بعض البحوث المعاصرة: إن بين السلف خلافاً في تكفير الجهمية، فطائفة كـ ابن المبارك يكفرونهم، ويرونهم ليسوا من أهل القبلة، ويرون أنهم أكفر من اليهود والنصارى، ويحتجون بمثل هذه الجمل المقولة في كتب السنة المسندة كما في السنة لـ عبد الله بن أحمد أو غيره عن ابن المبارك وأمثاله من السلف، ويجعلون هناك قولاً آخر لطائفة من السلف الذين لم يبادروا إلى التصريح بالتكفير أو حصل منهم مقام من مقامات التردد المعينة، فيجعلون هذا مذهباً مطرداً لهم. ومنشأ هذا التقرير يرجع إلى عدم فقه مراد السلف بأحرفهم. فقد تواتر عن كثير من السلف التصريح بتكفير الجهمية، حتى قال ابن القيم: ولقد تقلد كفرهم خمسون ... في عشر من العلماء في البلدان وقد نقل هذا اللالكائي أيضاً، وهذا لا يعني كثيراً، إنما الذي يهم: أن المراد بكلمة التجهم عند السلف: هو عدم الإثبات على التحقيق لصفات الله؛ فصاروا يسمون كل من قصر في هذا التحقيق للإثبات على طريقتهم على قدر من التأويل أو التعطيل جهمياً، هذا هو التجهم العام، وفيه يدخل المعتزلة وغير المعتزلة ممن ينفي الصفات؛ ولهذا سموا الفتنة التي وقعت للإمام أحمد والأئمة زمن المأمون العباسي: فتنة الإمام أحمد مع الجهمية. مع أن أساطين المناظرة إذ ذاك كانوا معتزلة. أي: أن السلف سموا المعتزلة جهمية مع أن المعتزلة يرون الجهم بن صفوان الذي تنسب الجهمية إليه كافراً، وهذا نص عليه كبار أئمة المعتزلة، وممن نص عليه القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني في كتاب المغني وغيره. قال: "وإنما ألحق أصحابنا به من تقرير العامة؛ فصار عندهم كل من يقول: القرآن مخلوق جهمياً"، وهو يقصد بالعامة: أهل السنة. القصد: أن المعتزلة تكفر الجهم، وهي تختلف معه في الأصول، فـ الجهم مرجئ في الإيمان، والمعتزلة على النقيض، وهو جبري في القدر، والمعتزلة يرون استقلالية العبد .. إلخ. فثمة أصول متناقضة بين الجهم وبين المعتزلة، حتى في الصفات والأسماء بينهم اشتراك كلي، وإلا فـ الجهم رجل غال في باب الأسماء والصفات، فهو ينفي الأسماء والصفات، ونظريته نظرية مفرطة في الغلو، حتى إن ابن تيمية يقول: "إن مقتصدة الفلاسفة كـ أبي الوليد ابن رشد كلامهم في الصفات خير من كلام جهم بن صفوان في هذا الباب، بخلاف كلام المعتزلة؛ فإنه في الجملة خير من كلام أبي الوليد ابن رشد ". إذاً: حتى في باب الصفات هناك فرق، لكن لم يكن مقصود السلف التعيين لهذه الفروقات؛ لأن التعيين لهذه الفروقات -الفرق بين فلان وفلان من أهل البدع- ليس من شريف العلم عندهم، إنما الذي كان يعنيهم أن هذا المعنى مفارق لإجماع السلف، وأنه معنىً في الجملة مبني على مفهوم واحد، ومن هنا سموا كل تعطيل تجهماً، ونسبوا صاحبه إلى الجهمية. أما من قصدهم ابن المبارك بقوله السابق فإنهم الطائفة الغالية من الجهمية، والتي ظهر من حالها المعارضة الصريحة لكلام الله ورسوله، وحين نقول: ليس كل من نفى الصفات يكون كافراً بعينه، لا يلزم منه أنه يمتنع أن يوجد فيهم كافر بعينه أو أن يوجد فيهم زنادقة، وسيأتي في كلام شيخ الإسلام في هذه الرسالة: أن جمهور أهل البدع ليسوا كفاراً، لكن قال: "إن بعض طوائفهم المغلظة كالجهمية يقع فيهم من هو على قدر من الزندقة والكفر". إذاً مراد ابن المبارك من عبارته السابقة الغلاة ممن التزم هذا المذهب، فهؤلاء هم الذين يقال فيهم: إنهم كفار، وهم الذين ظهر تعصبهم وعنادهم وتكبرهم وكفرهم .. إلخ. وأما جمهور من يعطل الصفات فهؤلاء أهل بدعة، وأقوالهم كفرية، لكنهم لا يكفرون، وليسوا خارجين عن أهل القبلة، فضلاً عن أن يقال: إنهم أكفر من اليهود والنصارى ..

стр. 62

الغلو في الرد على الفرق المخالفة لأهل السنة وهنا كلمة أحب أن أعلق عليها؛ فقد بدأ يكثر من بعض الشباب -وأحياناً من طلبة العلم- أنه إذا اشتد في الرد على طائفة بدعية قال: وهذه الطائفة أكفر من اليهود والنصارى .. وهذه فوضى في الغالب؛ فإن ابن تيمية قد استعمل هذا في كلمات معينة. مثلاً: لما تكلم عن وحدة الوجود قال: "إن قول أهل وحدة الوجود أن الوجود واحد، وليس ثمة امتياز بين وجود العبد وبين وجود الرب .. قال: إن هذا القول الكفري أكفر من قول اليهود والنصارى .. " وهذه قضية شرعية واضحة لا جدل حولها. أما جمع طوائف بغلاتها ومتوسطيها ومقتصديها والقول فيهم: الطائفة الفلانية أكفر من اليهود والنصارى على الإطلاق .. فهذه الإطلاقات ما كان السلف ينطقون بها، فاليهود والنصارى ماذا بقي لهم من الخير وهم يقولون كما قال الله عنهم: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] و: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] .. ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] وبعد ذلك تأتي إلى طائفة من أهل البدع لا تستطيع تحقيق إجماع السلف على تكفيرها وتقول: هم أكفر من اليهود والنصارى .. ؟! هذا في الغالب فيه قدر من الزيادة. والصواب هو أن توزن الأمور بميزان الحق، فالطائفة تبدع ويبين خروجها عن السنة وتذم .. إلخ بما ذمها به السلف، أما الحروف المفردة فلا تلزم. وأنبه إلى أنه قد يوجد عند بعض المتأخرين من فضلاء أهل السنة القاصدين إلى تعظيم السنة والجماعة بعض الزيادة، فبعض الحنابلة خاصة -وهذا ليس عيباً لهم، فقد قلت سابقاً: إن الحنابلة أشرف الطوائف الأربع في السلامة من البدع، لكن لما صاحب بعض أئمتهم من قصد التحقيق حصل عندهم قدر من الزيادة- من الفقهاء المنتسبين والمعظمين للسنة الذامين لأهل البدع، يقول كلمة، مثلاً: وكان الأئمة يذهبون إلى أن فلان أكفر من اليهود والنصارى، أو هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، أو كفر هؤلاء من جنس أو كفر فرعون أخف من كفر فهذه الكلمات إذا اجتهد بها قائل فقالها فهذا قول يخصه هو، ولا يلزم أن يكون قاعدة ومنهجاً للسلف؛ لأن -وقد تقدم- منهج السلف: هو النقل الإجماعي إما استفاضةً وإما تصريحاً بالإجماع. فإطلاق هذه الكلمة في الغالب لا يكون صحيحاً، لا نقول: دائماً، وإنما نقول: في الغالب.

стр. 63

القول بتكفير الجهمية [وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا: إن الجهمية كفار فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة]. هذا التقرير من بعض أصحاب أحمد يقع على أحد وجهين: الوجه الأول: أن من محققي الحنابلة من يقرر مراد ابن المبارك على وجهه، وهو أنه أراد الغلاة .. وهذا ليس لـ ابن المبارك اختصاص فيه، بل جميع السلف يرون أن الغالية كانوا على قدر من الزندقة، وأصل هذه البدع ليس له بالإسلام صلة، بل هو فلسلفة مولدة بما يسمى علم الكلام. الوجه الثاني: أما من فهم من أصحاب أحمد أن ابن المبارك يرى أن كل من نسب إلى التجهم -أي: كل من دخل عليه شيء من تعطيل الصفات- ليس من أهل القبلة .. فهذا نقول: إنه فهم غلط من بعض أصحاب أحمد على ابن المبارك وأمثاله من السلف. [كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وهم الزنادقة]. "الزنديق" لفظ لم يستعمل في الكتاب ولا في السنة، بل ولا معروف في لسان العرب، ولكنه استعمل عندما جاءت الدولة الإسلامية فيما بعد، ويراد بالزنديق: المنافق في لسان الصحابة أو في كلام الله ورسوله، فإذا ذكر الأئمة أن فلاناً من الزنادقة أو قالوا: الرد على الزنادقة فإنهم يريدون المنافقين، ولكن الفرق بين نفاق من كان في المدينة كـ عبد الله بن أبي وبين هؤلاء: أن نفاق هؤلاء نفاق علمي، فهم يظهرون أنهم على الكتاب، ولكنهم إذا تكلموا في الحقائق الإيمانية الأولى: المعرفة بالله ونبوة النبي ﷺ وما إلى ذلك، لم يلتزموا الحقائق القرآنية، بل يلتزموا المعارف الفلسفية التي وصلت إليهم من ملاحدة الفلاسفة، فهؤلاء زنادقة بمعنى أنهم منافقون، لأنهم أظهروا التسليم بالقرآن وإذا أتوا إلى حقائقه امتنعوا عن تصديقها، وذهبوا إلى تصديق ما يعارض هذه الحقائق، وزعموا أنهم يتصرفون مع القرآن بالتأويل.

стр. 64

القول بعدم تكفير الجهمية [وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، وجعلوا أصول البدع خمسة، فعلى قول هؤلاء: يكون كل طائفة من المبتدعة الخمسة اثنا عشر فرقة، وعلى قول الأولين: يكون كل طائفة من المبتدعة الأربعة ثمانية عشر فرقة]. والصواب: أنه ليس بين كلام السلف تعارض، لأن الجهمية ليست طائفة محددة بحدود يمتنع أن تزيد أو تنقص عنها، وقد قال النبي ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ...) .. (آية المنافق ثلاث ...) ثم قال: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) ومع ذلك كان الصحابة ﵃ يفهمون أن النفاق ليس على درجة واحدة؛ ولهذا إذا أخطأ المخطئ في أمر على قدر من الاستغراب قام واحد من الصحابة وتكلم عن صحابي آخر وقال: "يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق" أو "نافق فلان". وما كان ﵊ يراجع في كثير من هذه الاستعمالات؛ لأن مبدأ النفاق له زيادة وله نقص. إذاً التجهم ليس مقاماً واحداً، وليس بين السلف خلاف، وإنما الخلاف حرره والتزمه المتأخرون، فصار بعضهم يقول بكفر سواد الجهمية، وإذا قيل له: من هم الجهمية؟ تعذر عليه ضبطهم، إلا إذا التزم أن كل من عارض في الصفات يكون جهمياً، وكل من تأول في الصفات يكون جهمياً، ومن هنا يكفر جميع هؤلاء، فهذا هو الذي التزمه بعض من عنده زيادة من الحنابلة ﵏ كـ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي، فإنه قال: إن ابن المبارك كفر الجهمية، وقال: والجهمية عند السلف هم من يعطل الصفات والأفعال، فلما تكلم عن الأشاعرة -الذين ما أدركوا ابن المبارك أصلاً- ووجد أن عندهم تعطيلاً في الصفات من جنس بل على حروف المعتزلة في صفات الأفعال وفي بعض الصفات الأخرى، كانت النتيجة عند الهروي ﵀ أنه كفر الأشعرية، من باب دخولهم جميعاً في دائرة التعطيل، الذي هو التجهم عند السلف .. ومثل هذه التحصيلات فيها تأخر، وليست مطردة على هذا الوجه من الصحة.

стр. 65

شرح حديث الافتراق [٧] المعتبر في تكفير أهل البدع هو قول السلف، وقد قسموا الطوائف المبتدعة على ثلاثة أصناف: صنف أجمع السلف على تكفيرهم وهم غلاة الجهمية، وصنف ترددوا في تكفيره وهم الخوارج والروافض، وصنف لم يتنازع الأئمة في عدم تكفيرهم كالمرجئة والشيعة المفضلة، كما أن لأهل السنة قاعدة نفيسة في هذا الشأن وهي أنه لا يلزم من عدم تكفير قائل البدعة أن تكون أقواله غير كفرية.

стр. 66

أقسام الطوائف عند السلف [وهذا يبنى على أصل آخر، وهو تكفير أهل البدع، فمن أخرج الجهمية منهم لم يكفرهم، فإنه لا يكفر سائر أهل البدع؛ بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفساق والعصاة، ويجعل قوله: "هم في النار" مثل ما جاء في سائر الذنوب، مثل أكل مال اليتيم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ [النساء:١٠] ومن أدخلهم فيه، فهم على قولين، منهم من يكفرهم كلهم، وهذا إنما قاله بعض المستأخرين المنتسبين إلى الأئمة أو المتكلمين]. قول المصنف: "وهذا يبنى على أصل آخر، وهو تكفير أهل البدع" هذا التقرير الذي ذكره المصنف إنما هو تقرير المتأخرين من أهل السنة، فهم الذين فصلوا من جنس هذا التفصيل. وأما المعتبر في مسألة تكفير أهل البدع فهو المأثور عن السلف، وهو ما أبانه المصنف بقوله: وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا .. إلخ. إذاً التقرير السابق هو تقرير المتأخرين، وليس هذا التقرير على وجه تام من التحقيق، بل فيه بعض القصور والتردد، وإنما المعتبر في مراد شيخ الإسلام ﵀ -وهو المعتبر الشرعي الصحيح- هو ما كان دارجاً عند السلف ومستقراً عندهم ﵏. وقد بين في كلامه هذا أن الطوائف عند السلف في الجملة تنقسم إلى ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: طائفة أجمع السلف على عدم كفرهم. الطائفة الثانية: طائفة حصل في كلام السلف تردد أو تنازع في كفرهم. الطائفة الثالثة: طائفة قد استقر الأمر على كفرهم. وهذا التقسيم إذا ذكر فهو باعتبار المعاني والحقائق ولا يلزم أن يكون باعتبار الأعيان، فإن هذا الاطراد قد لا يكون متحصل العلم على الضرورة.

стр. 67

الطوائف التي لم يتنازع السلف في عدم تكفيرها [وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة، ونحو ذلك]. هذا هو النوع الأول، وهو الطوائف التي لم يتنازع السلف في عدم كفرها، وقوله: "في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة" لا يعني انحصار هذا النوع في هاتين الطائفتين. والشيعة المفضلة هم الذين يفضلون علياً على أبي بكر وعمر، فبدعة التفضيل عند الشيعة بإجماع السلف ليست من البدع الكفرية. أما المرجئة فهم: من أخرج الأعمال -إما الظاهرة فقط، أو الظاهرة والباطنة- عن مسمى الإيمان، وهذا الذي عليه عامة المرجئة، وهؤلاء -أيضاً- لم يتنازع السلف في عدم تكفيرهم. فإذا قيل: إن جهم بن صفوان من المرجئة، وفي تكفيره والجهمية كلام معروف للسلف. قيل: جهم بن صفوان ومن معه يعتبر القول في تكفيرهم بجملة أصول، أعظمها وأجلها: قولهم في باب الأسماء والصفات، فهو أشد أغلاطهم وضلالاتهم .. هذه جهة. الجهة الثانية: أن قول جهم بن صفوان في مسألة الإيمان قد نص غير واحد من السلف على أنه كفر إذا ما التزم جهم ظاهر مقالته، فإنه يقول: إن الإيمان هو المعرفة. فمن التزم أن الإيمان هو المعرفة -بمعنى العلم الإدراكي الذي لا يصاحبه قبول- وجعل هذا هو الإيمان الذي أوجبه الله ورسوله، فلا شك أن قوله هذا كفر؛ لأنه يلزم منه أن يكون اليهود والكفار مؤمنين أي: إذا ما فسر الإيمان بالعلم أو بالمعرفة التي هي محض الإدراك للمسائل أو للمعاني، وإن لم تقع استجابة وإذعان وقبول، فلا شك أن هذا القول كفر؛ لأنه يلزم منه أن اليهود وفرعون مؤمنون؛ لقول الله تعالى في اليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] ولقوله في فرعون ومن معه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]. إذاً: إنما قرر من قرر من السلف في قول جهم في الإيمان أنه كفر؛ لهذا الاعتبار. أي: إذا ما قصر الإيمان على العلم أو المعرفة الإدراكية المحضة التي ليس معها قبول فهذا القول كفر؛ لأنه قطع لامتياز الإسلام عن غيره من الملل، وتسوية بين الإسلام واليهودية وكفر فرعون إلى غير ذلك، وهذا لا شك أنه كفر. فإذا قيل: هل جهم يقول بذلك؟ قيل: من تكلم من السلف في مقالته فعلى هذا المراد. وأما أن جهم يقول ذلك أو لا يقوله فهذه مسألة سبق أن بينا أنها مسألة محتملة ومترددة. [ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء]. قال: ولم تختلف نصوص أحمد أنه لا يكفر هؤلاء، مع أن الإمام أحمد وردت عنه رواية أن قول جهم بن صفوان في الإيمان كفر، وقد نقلها شيخ الإسلام عن الإمام أحمد في مسألة قول جهم، وهذا ليس تعارضاً في كلام الشيخ، فإذا ما كان كذلك فهو على التفسير السابق.

стр. 68

القول بتكفير جميع أهل البدع ليس قولاً للسلف [وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع -من هؤلاء وغيرهم- خلافاً عنه أو في مذهبه]. وقد تقدم أنه لا يعتبر تقرير المتأخرين في فهمهم لكلام المتقدمين إلا إذا حكوا الإجماعات، وأما تحصيل مذهب السلف في أي باب من الأبواب -وهذا الباب منها، وهو باب التكفير- بمحض الفهم، حتى لو كان المحصل من أهل السنة، فإن تحصيله لا يلزم، وأما إذا بنى تحصيله على النقل استفاضةً أو إجماعاً فإنه يلزم. وقد يعترض معترض، فيقول: يلزم من هذا أن تحصيل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لمذهب السلف لا يعتبر جميعه .. فما الجواب؟ نقول: أمثال شيخ الإسلام من المحققين لا يمكن أن يجزموا بقول ما أنه مذهب للسلف إلا وقد انضبط عندهم النقل فيه، فهو ممن يقرر هذه القاعدة، بل هو الذي قررها: أن مذهب السلف لا يعتبر بالفهم وإنما يعتبر بالنقل. وعليه: فكل ما جزم شيخ الإسلام بأنه مذهب للسلف فهو قد انضبط عنده نقلاً: إما استفاضةً وإما إجماعاً، وإنما التعليق الذي يشار به لا إلى أمثال شيخ الإسلام من المحققين، فإن المحققين من المتأخرين لا يلتزمون ذكر مذهب السلف إلا فيما انضبط نقله، بالإجماع أو الاستفاضة، وإنما ينبه في ذلك إلى بعض أصحاب الأئمة كبعض أصحاب أحمد وغيرهم؛ فإن كثيراً من أصحاب أحمد وغيرهم إذا ذكروا مسألة تكفير أهل البدع قالوا: وفيها قولان للأئمة. فبعض الشافعية يقول: فيها قولان للشافعي. وكثير من الحنابلة يقولون: عن أحمد روايتان في هذا: التكفير وعدم التكفير .. والحق أن إطلاق القول بتكفير أهل البدع أو عدمه ليس قولاً لواحد من السلف، فليس هناك إمام من أئمة السلف -لا أحمد ولا غيره- نطق بتكفيرهم أو عدمه على الاطراد، بل هذا حكم ممتنع في الشرع وممتنع في العقل، فإن البدع تختلف، والطوائف تختلف إلى غير ذلك، فمن الممتنع عقلاً وشرعاً أن يذهب ذاهب إلى أن هذا الكفر يطلق إثباتاً، أو يطلق نفياً. وعليه: فجمهور تقرير المتأخرين لمسألة تكفير أهل البدع إما أن يكون غلطاً محضاً، وإما أن يكون دخله شيء من التقصير، وهذا كلام يلتزم على ظاهره. وهذا يدل على أن هذه المسألة مسألة استقراء في كلام السلف أنفسهم، وفي كلام المحققين من أصحابهم من المتأخرين كأمثال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. [حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة]. وعلى مذهبه: أي: مذهب الإمام أحمد، وغلط على الشريعة: أي: على الديانة؛ فإن الدلائل الشرعية تمنع هذا الإطلاق بتكفيرهم أو عدمه.

стр. 69

القول بعدم تكفير أحد من أهل البدع [ومنهم من لم يكفر أحداً من هؤلاء، إلحاقاً لأهل البدع بأهل المعاصي، قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحداً بذنب فكذلك لا يكفرون أحداً ببدعة]. وهذا تقرير طائفة من أصحاب الأئمة المائلين إلى الطرق الكلامية، أو المتأثرين بطرق المرجئة كما هو شأن طائفة من أصحاب أبي حنيفة ﵀، وهو أنهم يطلقون ذلك ويجعلونه من البناء على الأصل، أي: يردون مسألة تكفير أهل البدع إلى أصل يدعون إنه مستقر عند أهل السنة، وهو أنهم لا يكفرون بالمعاصي والذنوب، ويرون أن حقيقة هذه البدع أنها معاصي .. وهذا التقرير والبناء ليس بمحقق؛ لأن القول بأن من أصول أهل السنة: أنهم لا يكفرون أحداً بذنب قول مجمل؛ فإن الذنب كلمة مجملة، فإذا ما أريد بالذنب الكبائر دون الشرك بالله والكفر به فلا شك أن من أصول أهل السنة أنهم لا يكفرون أحداً بذنب. وأما إذا أريد بالذنب الإطلاق فليس بصحيح؛ فإن الشرك يسمى -كما في الصحيحين- ذنباً: (أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) ففي هذا الحديث أقر النبي ﷺ السائل على تسمية الشرك ذنباً. إذاً: هذا الإطلاق: أن من أصول أهل السنة أنهم لا يكفرون بالذنوب. يقال: هذا إطلاق مجمل، إن أريد بالذنب ما دون الكفر والشرك فهو صحيح، وإن لم يرد ذلك فهذا لا شك أنه غلط على أهل السنة؛ فإنهم يكفرون بالشرك، والتكفير بالكفر والشرك مجمع عليه بين المسلمين، وليس فيه مادة من النزاع. إذاً: التفريع على مسألة حكم أهل الكبائر في أهل البدع ليس بالمحكم؛ لأن الكبائر في نفسها ليست كفراً، لأن الكبائر مهما كان صاحبها مفرطاً فإنه لا يكون كافراً، إلا إذا استحل أو ما إلى ذلك؛ وأما هذه البدع فإنها متعلقة بالتصديقات، ولهذا يدخل مقامها قدر من الرد، أو المعاندة، أو الإباء، فهي محتملة لأن يقارنها شيء كثير من موجبات الكفر. والنتيجة من هذا: أن بناء مسألة تكفير أهل البدع على مسألة الكبائر بناء ليس بمحقق؛ لأن المناط مختلف، فالكبائر هي قدر من المعصية والمخالفة يفعلها العبد لحظ نفسه وشهوته، وأما هذه البدع فهي مقامات من الديانة؛ ولهذا من يفعلها إنما يقصد بها التدين، فإذا ما كان هذا التدين فيه قدر من المعاندة لسنة النبي ﷺ أو الإعراض عنها فهذه مقامات يدخلها شيء من مادة الكفر، وإن لم يلزم من ذلك أن كل من ابتدع يكون كافراً.

стр. 70

الطوائف التي أجمع السلف على كفرهم [والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهمية المحضة الذين ينكرون الصفات]. النوع الثاني: وهي طوائف أطبق السلف على كفرهم: كالجهمية المحضة .. ومراده بالجهمية المحضة كما سبق في كلام ابن المبارك: الغلاة، وليس من كان في كلامه مادة من التجهم، فإن السلف تارةً يريدون بالجهمية من في كلامه مادة من التجهم، أي: مادة من تعطيل الصفات، وهؤلاء ما نطق السلف بتكفيرهم على الإطلاق، إنما الذي أطبق السلف على كفرهم هم الجهمية المحضة الغالية المنكرة لأسماء الرب وصفاته. [وحقيقة قولهم: أن الله لا يتكلم ولا يُرى]. لا يُرى، أي: لا يرى في الآخرة. [ولا يباين الخلق، ولا له علم ولا قدرة، ولا سمع ولا بصر ولا حياة، بل القرآن مخلوق، وأهل الجنة لا يرونه كما لا يراه أهل النار .. وأمثال هذه المقالات]. فهذه هي حقيقة قول الذين التزموا التعطيل المحض للصفات، فمن عطل الصفات تعطيلاً محضاً من جنس تعطيل جهم بن صفوان وأمثاله، فهؤلاء أطبق السلف على كفرهم.

стр. 71

الطوائف التي تنازع السلف في تكفيرهم [وأما الخوارج والروافض، ففي تكفيرهم نزاع وتردد عن أحمد وغيره]. وهذا هو النوع الثالث. إذاً: النوع الأول: طوائف لم يتنازع السلف في تكفيرهم، بل أطبقوا على عدم كفرهم. النوع الثاني: طوائف أطبق السلف على تكفيرهم، وذكر مثالاً لذلك الجهمية الغالية المحضة، ولهم مثال آخر؛ فإن السياق ليس سياق حصر، ومن مثال ذلك: القدرية الغلاة، وهم الذين ينكرون علم الرب بما سيكون من أفعال العباد، ويقولون: إنه لم يعلمها إلا عند وقوعها، فهؤلاء زنادقة كفار، وليسوا من الإسلام في شيء، ولا ينظر في شبهتهم أو حججهم. وكالشيعة الغلاة الذين ألهوا علي بن أبي طالب؛ فإن هؤلاء أيضاً كفار بإجماع المسلمين. إذاً أمثال هذه الطوائف الغالية لم يتنازع السلف في ثبوت كفرها. النوع الثالث: هم قوم في تكفيرهم نزاع وتردد عند أحمد وغيره. والفرق بين النزاع والتردد أن النزاع يكون بين اثنين، واحد يذهب إلى كفرهم والآخر يذهب إلى عدمه. وأما التردد: فهو في مقام الواحد، وهو أن الإمام الواحد يتردد جوابه في ثبوت الكفر أو عدمه بحسب الموجب، وبحسب المقتضي. أما موجب هذا التردد فقد يكون من داخل اجتهاد الإمام، أو يكون من تنوع مقالة هذه الطائفة. إذاً: تبين هنا أن ثمة طوائف تردد السلف أو تنازعوا في ثبوت كفرهم، ومثال ذلك الخوارج؛ فإن بعض الأئمة كفرهم وهو رواية عن الإمام أحمد. والذي عليه جمهور الأئمة، وهو ظاهر مذهب الصحابة أنهم ليسوا كفاراً، وكذلك الروافض الذين يطعنون على جملة الصحابة، فإن في كلام الأئمة تردداً وتنازعاً في تكفيرهم؛ ومن حكى الإجماع على تكفير الشيعة الإمامية الرافضة فقد أخطأ، فضلاً عمن حكى الإجماع على تكفير أعيانهم، فإن من ادعى الإجماع على تكفير أعيانهم فلا شك أنه قد أخطأ، فمن المعلوم أن هذه الطائفة موجودة منذ زمن السلف، ومع ذلك ما التزم أئمة السلف تكفير أعيانهم.

стр. 72

لا يلزم من عدم تكفير طائفة أن تكون أقوالها غير كفرية لكن هنا مسألة لابد من فقهها، وهي التي يقع بموجبها كثير من الإشكال، وهي أنه إذا قيل في طائفة من الطوائف: إنها ليست طائفة كافرة، فإنه لا يلزم من هذا أحد أمرين: الأمر الأول: لا يلزم أن أقوالها لا تكون أقوالاً كفرية، أي: إذا قيل عن طائفة ما: إنها ليست كافرة عند السلف، أو: إن السلف تنازعوا في ثبوت كفرها، فإنه لا يلزم من ذلك أن السلف تنازعوا في كون أقوال هذا الطائفة فيها مادة من الكفر الأكبر، ولذلك لا شك أن في أقوال هذه الطوائف وأصولها ما هو من حيث المقالة والحقيقة كفر بإجماع السلف، وهذا لا جدل فيها، بل شيخ الإسلام ابن تيمية يقول -وهذا كلمة بنصها-: "ما من إمام من أئمة المتكلمين إلا وفي كلامه ما هو كفرٌ في نفس الأمر". حتى ابن كلاب الذي كان ينتسب إلى أهل السنة، ويعده كثير من أصحاب السنة المتأخرين من أصحاب السنة المتكلمين، وكذلك أبو الحسن الأشعري في كلامهم ما هو كفر، وأيضاً الأشاعرة المتأخرون في كلامهم ما هو كفر، لكن أطبق أهل السنة المتأخرون على عدم تكفيرهم، وهذا قول محققيهم، وإن نازع من نازع كـ أبي إسماعيل الهروي؛ فإن المحققين كـ شيخ الإسلام وأمثاله لا يرون كفرهم مع أن في أقوالهم ما هو كفر. إذاً: لا يلزم أن تكون أقوال الطائفة التي تنازع السلف -كالخوارج والروافض- أو ترددوا في تكفيرهم بريئة من الكفر، بل قد يكون عندهم مقالات كفرية، لكنهم لا يكفرون بها كطائفة، فضلاً عن أنهم يكفرون بها كأعيان.

стр. 73

لا يلزم من عدم تكفير طائفة الحكم لجميع أفرادها بالإسلام الأمر الثاني: إذا قيل عن طائفة ما: إن السلف تنازعوا أو ترددوا في تكفيرهم فإنه لا يلزم من ذلك الجزم بأن جميع أعيان هذه الطائفة، مسلمون في نفس الأمر، بل قد يكون فيهم المنافق. قد يقول قائل: وكيف نعلم هذا المنافق؟ نقول: العلم به ليس بلازم؛ لأن المنافقين الأولين الكفار حتى الرسول ﷺ نفسه لم يكن عارفاً بجميع أعيانهم، وإن كان يعلم بعضهم، وهذا واضح في كتاب الله بعد استقرار شأن النفاق وفضح المنافقين في سورة التوبة، فإنه مع ذلك بقي في المنافقين بقية غير معلومة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]. ثم إن هذا العلم لم يكن من العلم الفاضل، ولو كان علماً فاضلاً لجميع المسلمين، أو من علم التكليف، أو من علم الديانه لعلّمه الرسول ﷺ جميع الصحابة، ولم يخص به حذيفة ﵁ دون غيره. فإن قيل: خشي الفتنة. قلنا: لو كان خشي الفتنة بتعليم العامة من الصحابة -أي: جمهور الصحابة- لم لم يعلمه الكبار: كـ أبي بكر، وعمر وأمثالهما؟! فهذا دليل على أنه ليس من العلم المقصود لذاته، ولكن من أظهر النفاق عُلم نفاقه، كما أن من أظهر الإسلام عُلم إسلامه، ومن استفاض إيمانه عُلم إيمانه، ومن أظهر الكفر عُلم كفره .. وهكذا، فالأمور معتبرة بظواهرها في الأحكام الشرعية. والنتيجة الأولى: أن القسم الثالث طوائف تنازع السلف -أي: بين أعيانهم- أو ترددوا -أي: تردد الواحد منهم- في تكفيرهم، وهذا التردد، أو التنازع، لا يلزم منه براءة أصول هذه الطائفة أو تلك من مادة الكفر. والنتيجة الثانية: أنه لا يلزم منه أن لا يقع في أعيانهم من هو كافر في نفس الأمر، ويكون ما يظهره من الإسلام من باب النفاق، وإن قيل: إنه ممكن إلا أنه لا يلزم أن يعين ويعلم. وعليه: فحكاية الإجماع في مسألة الرافضة ليست حكاية منضبطة.

стр. 74

عدم تكفير شيخ الإسلام للرافضة أنبه هنا إلى أن الإمام ابن تيمية وهو يقرر هذا الكلام وينتصر له، توجد له بعض الأحرف في كتبه أخذ منها بعض الباحثين والناظرين في هذه المسألة أنه يجعل الرافضة من الطوائف التي استقر تكفيرها، وهذا غلط في فهم كلام شيخ الإسلام ﵀، فإن هذا الاسم الذي أطلق على الشيعة الإمامية أما أن يحتمل أنه في أصول عامة كمسألة سب الصحابة ﵃، والطعن على أبي بكر وعمر وأمثالهم، فهذه مسألة إذا قيل: هل هي كفر أو ليست بكفر؟ قيل هنا مقامان: المقام الأول: مقام أن هذا القول كفر في نفس الأمر. المقام الثاني: مقام التكفير للأعيان، ومقام التكفير للأعيان ينضبط بحسب مرادات المتكلم بهذه البدعة، فمن سب أبا بكر من جهة أنه جحد أموال آل البيت، وغصبها وأنه لم يعطهم الخمس كما أوجب الله لهم في كتابه. فإننا نقول: هذا الطعن بدعة وهو حرام، ومنكر، منكر، لكن هذا الطعن لا يكفر صاحبه ويخرج به من الملة. ومن قال: بلى يكفر، من باب الغيرة لـ أبي بكر. نقول: هذا خطأ؛ لأن علياً والعباس تنازعا عند أبي بكر كما في الصحيح، وقال العباس عن علي عند عمر ﵁: "يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا الكاذب، الآثم، الغادر، الخائن. ثم قال عمر ﵁: فرأيتماه -أي: أبا بكر - كاذباً، آثماً، غادراً، خائناً، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق"، وقد تخلف علي بن أبي طالب عن البيعة ستة أشهر بسبب قضية الخلافة وقضية أموال آل البيت، وكذلك فاطمة ﵂ لم تكلم أبا بكر حتى توفيت، ولم تكن ﵂ عندها قضية في الخلافة، بل كانت متمسكة بمسألة مال أبيها ﷺ ، فقد أرسلت إلى أبي بكر تسأله الميراث من أبيها، فقال أبو بكر: إن النبي ﷺ قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) لكنها لم تقتنع بهذا. إذاً: من تكلم في شأن أبي بكر من الشيعة، وقيل له: ما وجه كلامك في أبي بكر، فقال: لأنه لم يعط آل البيت حقهم، ولأنه ظلمهم. نقول: هذا القول لا شك أنه ضلال؛ لأن أبا بكر كان على سنة وعلى هدي، فإن النبي ﷺ قال له: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) فـ أبو بكر كان على سنة. لكن هل هذا الطعن والسب لـ أبي بكر يوجب الكفر والخروج من الملة؟ الجواب: لا، ومن يقول: انتصاراً أو غيرةً. نقول: هذا ليس على تحقيق لا شرعي ولا سلفي، فإنه لا أحد من أئمة السلف قال هذا، حتى المتأخرون كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ينص على أن هذا ليس موجباً للتكفير، وكذلك المعاصرون الذين بعد شيخ الإسلام وأجلهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقد نص الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أن من سب الصحابة بمثل هذا الموجب ليس كافراً. إذاً: هذه مسألة لا ينبغي التقدم فيها إلى أن مجرد سب واحد من الصحابة يكون كفراً يخرج به صاحبه من أهل القبلة ومن ملة المسلمين. لكن من سب الصحابة من باب الطعن في ديانتهم، أو من باب الطعن في صحبتهم لرسول الله، أو لكونهم أصحاباً لمحمد ﷺ ، أو لأن الرسالة لم تكن لمحمد وإنما كانت لـ علي فجاء بها جبريل لمحمد .. فهذه المبادئ التزامها والقول بها كفر. إذاً: السب يختلف موجبه؛ فإن الصحابة ﵃ سب بعضهم بعضاً في بعض حالات الغضب بينهم، فقد طعن علي والعباس على أبي بكر طعناً معروفاً في أول الأمر، ثم رجعوا عن طعنهم، وكذلك طعن علي على العباس، وطعن العباس على علي، ولم يكن هذا من باب الكفر المخرج من الملة. إذاً: مثل هذا الطعن على أبي بكر ﵁، وإن كان منكراً من القول وزورا، ولا شك أنه ظلم وتعدي على إمام الصحابة، وسيد هذه الأمة بعد نبيها وهو الصديق ﵁، إلا أن مسألة التكفير بهذا لم يصرح بها إمام سلفي، وإنما صرح بها بعض المبالغين في الرد على الطوائف، والذين يرون أن الرد على الطوائف إنما يكون بدايةً بتكفيرهم. وهذا خطأ؛ فإن مسألة ديانات الناس، وعقائد الناس، مسألة عظيمة، فلا يجوز القول بكفر شخص إلا حيث علم كفره، ولا يجوز القول بإسلام شخص إلا حيث علم إسلامه، ومن تُردد في شأنه وُكِل أمره إلى الله. فإن قيل: فظاهره؟ قيل: ظاهره بحسب ما يظهر، إن أظهر الشعائر أجريت عليه أحكام المسلمين، كما أجرى الرسول ﷺ بقضاء الله أحكام المسلمين على المنافقين. وإن قيل: في الآخره؟ قيل: الآخرة ليست لأحد، لا لزيد ولا لعمر، بل حكمها إلى الله، والله يعلم ما في الصدور، وما يوافي العبد به ربه ؛ لأن الإنسان قد يقول قولاً كفراً ولا يكون به كافراً كما سيأتي تفصيل المصنف في هذا.

стр. 75

من أسباب عدم تكفير الشيعة اختلافهم في بعض أصولهم ومن المسائل التي لها تعلق بالشيعة: أن عند الشيعة من جهة أصولهم خلافاً كثيراً. مثلاً: مسألة تحريف القرآن، بعض طلبة العلم في هذا العصر يقول: الشيعة كفار. تقول له: لم؟ يقول: لأنهم يقولون بتحريف القرآن .. وهذا ليس بصحيح؛ فإن الذي ذهب إلى القول بتحريف القرآن طائفة من الشيعة ليست بالكثيرة، وجمهور الشيعة ينكرون هذا القول. وهناك فائدة لا بد أن تعلم عند قراءة كتب الطوائف، وهي أنه من طرق أئمة الطوائف سواء من الشيعة، أو المعتزلة، أو الأشاعرة أن الواحد من أئمتهم إذا انتصر لقول في مذهبهم حكاه إجماعاً عن طائفته، فيأتي من يأتي من القراء من أهل السنة، فيقول: إن هذا القول إجماع عند هذه الطائفة، وممن نص على الإجماع عندهم فلان من أئمتهم، فيحكم على الطائفة كلها بناءً على هذا. مثلاً: أبو المعالي الجويني في كتبه يحكي إجماعات، لا يقول: إجماع الأشاعرة، بل يقول: هذا إجماع المسلمين. مع أن الحقيقة في هذه المسألة التي حكى عليها الإجماع أن أهل السنة بإجماعهم، والمعتزلة بإجماعهم، والأشعري وكبار أصحابه المتقدمين بإجماعهم، يعارضون كلام أبي المعالي الجويني فيها. قد يقول قائل: هل يكذب أبو المعالي كذباً محضاً؟ نقول: لا. بل نرجع إلى القاعدة التي قررت في أول هذا الشرح، وهي أنه قد يفهم أن المعنى الذي وصل إليه مبني على أصول إسلامية مسلَّمة عند جميع المسلمين، فإذا ما فرض أن معناه المعين مبني على أصل مجمع عليه بين المسلمين ذهب ليقول عن معناه: إن هذا إجماع المسلمين. وهذا من مثالات التحصيل بالفهم الذي عابه شيخ الإسلام ﵀. والنتيجة من هذا: أنه عند قراءة نقل من أحد أئمة طائفة من الطوائف كالشيعة والمعتزلة يقول فيه: وأجمع أصحابنا، وذهب أصحابنا إلى كذا. ليس المقصود أن نقول: لابد أن يكون عندهم مخالف، فقد يكون فعلاً إجماعاً محققاً عندهم، لكن المقصود ذكره هنا: أن حكاية الإجماع من واحد لا يلزم منه أن يكون في المسألة إجماع، وهذا قد يقع حتى من علماء السنة المتأخرين، فإن بعضهم قد يحكي إجماعاً على مسألة ويكون والإجماع على خلافها، أو تكون المسألة مسألةً خلافية. فصحيح أن بعض علماء الشيعة يقول: أجمع أصحابنا على القول بسقط في القرآن وتحريف فيه .. لكن هذا ليس إجماعاً صحيحاً؛ لأن كتب القوم الأخرى نص فيها كبار أئمتهم على البراءة من ذلك. إذاً: مسألة الحكم على الطوائف لابد أن تعتبر بطرق معتدلة، مبنية على الحقائق الشرعية. وإنك لتعجب من أحد الباحثين -وهو باحث كبير- حيث يقول: إذا اختلفت الشيعة في مسألة كمسألة تحريف القرآن، وكان منهم من يقول بالتحريف ومنهم من يقول بعدم التحريف، قال: فإن القول الذي ينسب إليهم كطائفة هو القول بالتحريف؛ لأن من أئمتهم من يقول: إذا اختلف أصحابنا فالحق من أقوالهم ما خالف الجمهور. ويقصدون بالجمهور: أهل السنة. وهذا أيضاً مبدأ لبعض أئمتهم، لكنه ليس بالضرورة أن يكون مبدأًً مطرداً. إذاً: هذه الطوائف في تقرير مذاهبها تعقيد وإشكال كثير؛ ولكن من التزم القول بتحريف كتاب الله، وأن هذا القرآن ليس كتاباً محكماً، بل دخله تحريف من جنس ما دخل التوراة والإنجيل، فلا شك أن قائل ذلك يكفر مباشرة، ولا يحتاج إلى مجادلة؛ لأنه كفر بما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإذا شُك في القرآن لم يبق في الدين شيء؛ لأن الإسلام إنما عرف من القرآن، حتى رسالة النبي ﷺ إنما عرفت من القرآن والوحي، ومن البعثة والرسالة. إذاً: من قال هذا لا شك أنه يكفر، لكن هل جميع هذه الطائفة تقول بذلك؟ مسألة الإطلاقات هذه مسألة لابد من ضبطها؛ لأنه قد تكون الطائفة تشترك في معنى ولكنه معنى متفاضل، بعضه أشد غلواً من بعض، ومثال ذلك: التجهم، بعضه أشد من بعض، فعلى قاعدة السلف السابق توضيحها: كلام جهم بن صفوان تجهم، وكلام المعتزلة تجهم، وكلام ابن سينا تجهم، وكلام ابن رشد تجهم، وكلام الأشعري تجهم لكن هل الدرجة واحدة؟ الجواب: كلا، فإذا ما رأيت كلمة لإمام من أئمة السلف في تكفير الجهمية؛ فلا يعني أن كل من في كلامه مادة جهمية يكون عنده كافراً. ومن المعلوم أن الإمام أحمد تواتر عنه تكفير الجهمية، والقول بأن من قال: القرآن مخلوق فقد كفر، ومع ذلك لم يذهب إلى تكفير المعتصم الخليفة العباسي الذي كان يقول بخلق القرآن، يقول ابن تيمية ﵀ في هذا: "ومع ذلك فالإمام أحمد وإن تواتر عنه تكفير الجهمية، إلا أنه لم يكن مشتغلاً بتكفير أعيانهم، فضلاً عن من دخل عليه شيء من مقالاتهم؛ فإن المعتصم العباسي كان يقول بخلق القرآن، وانتصر له بالسيف، ومنع القول بغيره، ومع هذا كله فإن الإمام أحمد كان يذهب إلى إسلامه وديانته، ودعا له، واستغفر له، وصلى خلفه". وبعض المعلقين من المتأخرين ممن يريد أن يغالط المسألة، يقول: إنما صلى الإمام أحمد خلف المعتصم لأنه خليفة، والسلف كانوا يتورعون من ترك الصلاة خلف الخلفاء! نقول: هل يعقل أن يكون الإمام أحمد يرى أن الرجل مرتد، وأنه خرج من الملة ثم يصلي خلفه من باب أنه خليفة؟! هذا مستحيل؛ فإن عن الإمام أحمد روايةً أن الصلاة خلف الفاسق لا تصح، فما بالك بالكافر؟! إذاً: من المقطوع به أنه صلى خلف الرجل، ودعا له واستغفر له، لأنه يرى أن الرجل مسلم. وهناك من يعلق الأمر على مسألة قيام الحجة، فنقول: ألم يسمع المعتصم المناظرة غير مرة، فقد كانت بين يديه؟! لقد سمع المناظرة بين الإمام أحمد وبين ابن أبي دؤاد وغير ابن أبي دؤاد، وسمع -أيضاً- انقطاع ابن أبي دؤاد وغيره بين يدي الإمام أحمد وسقوط حجتهم، ومع ذلك لم يعتبر الإمام أحمد أن المعتصم قامت عليه الحجة. ولا يعني هذا أن الإمام أحمد قال مقولته تلك: القول بخلق القرآن كفر. من باب التهديد والتخويف، بل كان يقصد هذه الكلمة، ولا شك أن القول بأن هذا القرآن مخلوق هو قول من جنس كلمة المشركين ومرادات المشركين الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ولكن الكلمة قد تكون كفراً في نفس الأمر وقائلها ليس بكافر. وإذا قيل: ليس بكافر؛ فإنه لا يلزم أن يكون ليس بكافر ظاهراً وباطناً -وهذه مسألة مهمة- فقد يكون ليس بكافر ظاهراً، وهو في حكم الله كافر منافق. إذاً: هذه المسائل تفقه على هذا الوجه، ويأتي إن شاء الله مزيد من التفصيل. مثلاً: مسألة عصمة الأئمة عند الشيعة: عامة الشيعة الإمامية تقول بعصمة الأئمة. لكن البعض أحياناً يغلو في مقدار هذه الكلمة إلى درجة لا تقع إلا من كافر، كمن يقول بأن الأئمة معصومون، وأن أمر الكون وتدبيره بيدهم، وما الأنبياء والمرسلون إلا فيض من علومهم إلى غير ذلك من التقارير، فهذا لا شك أنه تقرير كفري؛ لأنه منازعة لله في ربوبيته وملكوته. أما من يقول: إنهم لا يتواردون على الخطأ، وأن الله فضلهم إلخ، وإن كانت هذه الكلمة قد تتضمن كفراً في نفس الأمر، ولكنه معنىً يقع فيه قدر من التأويل والاشتباه.
следующие страницы →