Полный текст (110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الطوائف التي تنازع السلف في تكفيرهم
[وأما الخوارج والروافض، ففي تكفيرهم نزاع وتردد عن أحمد وغيره].
وهذا هو النوع الثالث.
إذاً: النوع الأول: طوائف لم يتنازع السلف في تكفيرهم، بل أطبقوا على عدم كفرهم.
النوع الثاني: طوائف أطبق السلف على تكفيرهم، وذكر مثالاً لذلك الجهمية الغالية المحضة، ولهم مثال آخر؛ فإن السياق ليس سياق حصر، ومن مثال ذلك: القدرية الغلاة، وهم الذين ينكرون علم الرب بما سيكون من أفعال العباد، ويقولون: إنه لم يعلمها إلا عند وقوعها، فهؤلاء زنادقة كفار، وليسوا من الإسلام في شيء، ولا ينظر في شبهتهم أو حججهم.
وكالشيعة الغلاة الذين ألهوا علي بن أبي طالب؛ فإن هؤلاء أيضاً كفار بإجماع المسلمين.
إذاً أمثال هذه الطوائف الغالية لم يتنازع السلف في ثبوت كفرها.
النوع الثالث: هم قوم في تكفيرهم نزاع وتردد عند أحمد وغيره.
والفرق بين النزاع والتردد أن النزاع يكون بين اثنين، واحد يذهب إلى كفرهم والآخر يذهب إلى عدمه.
وأما التردد: فهو في مقام الواحد، وهو أن الإمام الواحد يتردد جوابه في ثبوت الكفر أو عدمه بحسب الموجب، وبحسب المقتضي.
أما موجب هذا التردد فقد يكون من داخل اجتهاد الإمام، أو يكون من تنوع مقالة هذه الطائفة.
إذاً: تبين هنا أن ثمة طوائف تردد السلف أو تنازعوا في ثبوت كفرهم، ومثال ذلك الخوارج؛ فإن بعض الأئمة كفرهم وهو رواية عن الإمام أحمد.
والذي عليه جمهور الأئمة، وهو ظاهر مذهب الصحابة أنهم ليسوا كفاراً، وكذلك الروافض الذين يطعنون على جملة الصحابة، فإن في كلام الأئمة تردداً وتنازعاً في تكفيرهم؛ ومن حكى الإجماع على تكفير الشيعة الإمامية الرافضة فقد أخطأ، فضلاً عمن حكى الإجماع على تكفير أعيانهم، فإن من ادعى الإجماع على تكفير أعيانهم فلا شك أنه قد أخطأ، فمن المعلوم أن هذه الطائفة موجودة منذ زمن السلف، ومع ذلك ما التزم أئمة السلف تكفير أعيانهم.
стр. 72
لا يلزم من عدم تكفير طائفة أن تكون أقوالها غير كفرية
لكن هنا مسألة لابد من فقهها، وهي التي يقع بموجبها كثير من الإشكال، وهي أنه إذا قيل في طائفة من الطوائف: إنها ليست طائفة كافرة، فإنه لا يلزم من هذا أحد أمرين:
الأمر الأول: لا يلزم أن أقوالها لا تكون أقوالاً كفرية، أي: إذا قيل عن طائفة ما: إنها ليست كافرة عند السلف، أو: إن السلف تنازعوا في ثبوت كفرها، فإنه لا يلزم من ذلك أن السلف تنازعوا في كون أقوال هذا الطائفة فيها مادة من الكفر الأكبر، ولذلك لا شك أن في أقوال هذه الطوائف وأصولها ما هو من حيث المقالة والحقيقة كفر بإجماع السلف، وهذا لا جدل فيها، بل شيخ الإسلام ابن تيمية يقول -وهذا كلمة بنصها-: "ما من إمام من أئمة المتكلمين إلا وفي كلامه ما هو كفرٌ في نفس الأمر".
حتى ابن كلاب الذي كان ينتسب إلى أهل السنة، ويعده كثير من أصحاب السنة المتأخرين من أصحاب السنة المتكلمين، وكذلك أبو الحسن الأشعري في كلامهم ما هو كفر، وأيضاً الأشاعرة المتأخرون في كلامهم ما هو كفر، لكن أطبق أهل السنة المتأخرون على عدم تكفيرهم، وهذا قول محققيهم، وإن نازع من نازع كـ أبي إسماعيل الهروي؛ فإن المحققين كـ شيخ الإسلام وأمثاله لا يرون كفرهم مع أن في أقوالهم ما هو كفر.
إذاً: لا يلزم أن تكون أقوال الطائفة التي تنازع السلف -كالخوارج والروافض- أو ترددوا في تكفيرهم بريئة من الكفر، بل قد يكون عندهم مقالات كفرية، لكنهم لا يكفرون بها كطائفة، فضلاً عن أنهم يكفرون بها كأعيان.
стр. 73
لا يلزم من عدم تكفير طائفة الحكم لجميع أفرادها بالإسلام
الأمر الثاني: إذا قيل عن طائفة ما: إن السلف تنازعوا أو ترددوا في تكفيرهم فإنه لا يلزم من ذلك الجزم بأن جميع أعيان هذه الطائفة، مسلمون في نفس الأمر، بل قد يكون فيهم المنافق.
قد يقول قائل: وكيف نعلم هذا المنافق؟
نقول: العلم به ليس بلازم؛ لأن المنافقين الأولين الكفار حتى الرسول ﷺ نفسه لم يكن عارفاً بجميع أعيانهم، وإن كان يعلم بعضهم، وهذا واضح في كتاب الله بعد استقرار شأن النفاق وفضح المنافقين في سورة التوبة، فإنه مع ذلك بقي في المنافقين بقية غير معلومة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١].
ثم إن هذا العلم لم يكن من العلم الفاضل، ولو كان علماً فاضلاً لجميع المسلمين، أو من علم التكليف، أو من علم الديانه لعلّمه الرسول ﷺ جميع الصحابة، ولم يخص به حذيفة ﵁ دون غيره.
فإن قيل: خشي الفتنة.
قلنا: لو كان خشي الفتنة بتعليم العامة من الصحابة -أي: جمهور الصحابة- لم لم يعلمه الكبار: كـ أبي بكر، وعمر وأمثالهما؟!
فهذا دليل على أنه ليس من العلم المقصود لذاته، ولكن من أظهر النفاق عُلم نفاقه، كما أن من أظهر الإسلام عُلم إسلامه، ومن استفاض إيمانه عُلم إيمانه، ومن أظهر الكفر عُلم كفره ..
وهكذا، فالأمور معتبرة بظواهرها في الأحكام الشرعية.
والنتيجة الأولى: أن القسم الثالث طوائف تنازع السلف -أي: بين أعيانهم- أو ترددوا -أي: تردد الواحد منهم- في تكفيرهم، وهذا التردد، أو التنازع، لا يلزم منه براءة أصول هذه الطائفة أو تلك من مادة الكفر.
والنتيجة الثانية: أنه لا يلزم منه أن لا يقع في أعيانهم من هو كافر في نفس الأمر، ويكون ما يظهره من الإسلام من باب النفاق، وإن قيل: إنه ممكن إلا أنه لا يلزم أن يعين ويعلم.
وعليه: فحكاية الإجماع في مسألة الرافضة ليست حكاية منضبطة.
стр. 74
عدم تكفير شيخ الإسلام للرافضة
أنبه هنا إلى أن الإمام ابن تيمية وهو يقرر هذا الكلام وينتصر له، توجد له بعض الأحرف في كتبه أخذ منها بعض الباحثين والناظرين في هذه المسألة أنه يجعل الرافضة من الطوائف التي استقر تكفيرها، وهذا غلط في فهم كلام شيخ الإسلام ﵀، فإن هذا الاسم الذي أطلق على الشيعة الإمامية أما أن يحتمل أنه في أصول عامة كمسألة سب الصحابة ﵃، والطعن على أبي بكر وعمر وأمثالهم، فهذه مسألة إذا قيل: هل هي كفر أو ليست بكفر؟
قيل هنا مقامان:
المقام الأول: مقام أن هذا القول كفر في نفس الأمر.
المقام الثاني: مقام التكفير للأعيان، ومقام التكفير للأعيان ينضبط بحسب مرادات المتكلم بهذه البدعة، فمن سب أبا بكر من جهة أنه جحد أموال آل البيت، وغصبها وأنه لم يعطهم الخمس كما أوجب الله لهم في كتابه.
فإننا نقول: هذا الطعن بدعة وهو حرام، ومنكر، منكر، لكن هذا الطعن لا يكفر صاحبه ويخرج به من الملة.
ومن قال: بلى يكفر، من باب الغيرة لـ أبي بكر.
نقول: هذا خطأ؛ لأن علياً والعباس تنازعا عند أبي بكر كما في الصحيح، وقال العباس عن علي عند عمر ﵁: "يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا الكاذب، الآثم، الغادر، الخائن.
ثم قال عمر ﵁: فرأيتماه -أي: أبا بكر - كاذباً، آثماً، غادراً، خائناً، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق"، وقد تخلف علي بن أبي طالب عن البيعة ستة أشهر بسبب قضية الخلافة وقضية أموال آل البيت، وكذلك فاطمة ﵂ لم تكلم أبا بكر حتى توفيت، ولم تكن ﵂ عندها قضية في الخلافة، بل كانت متمسكة بمسألة مال أبيها ﷺ ، فقد أرسلت إلى أبي بكر تسأله الميراث من أبيها، فقال أبو بكر: إن النبي ﷺ قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) لكنها لم تقتنع بهذا.
إذاً: من تكلم في شأن أبي بكر من الشيعة، وقيل له: ما وجه كلامك في أبي بكر، فقال: لأنه لم يعط آل البيت حقهم، ولأنه ظلمهم.
نقول: هذا القول لا شك أنه ضلال؛ لأن أبا بكر كان على سنة وعلى هدي، فإن النبي ﷺ قال له: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) فـ أبو بكر كان على سنة.
لكن هل هذا الطعن والسب لـ أبي بكر يوجب الكفر والخروج من الملة؟
الجواب: لا، ومن يقول: انتصاراً أو غيرةً.
نقول: هذا ليس على تحقيق لا شرعي ولا سلفي، فإنه لا أحد من أئمة السلف قال هذا، حتى المتأخرون كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ينص على أن هذا ليس موجباً للتكفير، وكذلك المعاصرون الذين بعد شيخ الإسلام وأجلهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقد نص الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أن من سب الصحابة بمثل هذا الموجب ليس كافراً.
إذاً: هذه مسألة لا ينبغي التقدم فيها إلى أن مجرد سب واحد من الصحابة يكون كفراً يخرج به صاحبه من أهل القبلة ومن ملة المسلمين.
لكن من سب الصحابة من باب الطعن في ديانتهم، أو من باب الطعن في صحبتهم لرسول الله، أو لكونهم أصحاباً لمحمد ﷺ ، أو لأن الرسالة لم تكن لمحمد وإنما كانت لـ علي فجاء بها جبريل لمحمد ..
فهذه المبادئ التزامها والقول بها كفر.
إذاً: السب يختلف موجبه؛ فإن الصحابة ﵃ سب بعضهم بعضاً في بعض حالات الغضب بينهم، فقد طعن علي والعباس على أبي بكر طعناً معروفاً في أول الأمر، ثم رجعوا عن طعنهم، وكذلك طعن علي على العباس، وطعن العباس على علي، ولم يكن هذا من باب الكفر المخرج من الملة.
إذاً: مثل هذا الطعن على أبي بكر ﵁، وإن كان منكراً من القول وزورا، ولا شك أنه ظلم وتعدي على إمام الصحابة، وسيد هذه الأمة بعد نبيها وهو الصديق ﵁، إلا أن مسألة التكفير بهذا لم يصرح بها إمام سلفي، وإنما صرح بها بعض المبالغين في الرد على الطوائف، والذين يرون أن الرد على الطوائف إنما يكون بدايةً بتكفيرهم.
وهذا خطأ؛ فإن مسألة ديانات الناس، وعقائد الناس، مسألة عظيمة، فلا يجوز القول بكفر شخص إلا حيث علم كفره، ولا يجوز القول بإسلام شخص إلا حيث علم إسلامه، ومن تُردد في شأنه وُكِل أمره إلى الله.
فإن قيل: فظاهره؟
قيل: ظاهره بحسب ما يظهر، إن أظهر الشعائر أجريت عليه أحكام المسلمين، كما أجرى الرسول ﷺ بقضاء الله أحكام المسلمين على المنافقين.
وإن قيل: في الآخره؟ قيل: الآخرة ليست لأحد، لا لزيد ولا لعمر، بل حكمها إلى الله، والله يعلم ما في الصدور، وما يوافي العبد به ربه ؛ لأن الإنسان قد يقول قولاً كفراً ولا يكون به كافراً كما سيأتي تفصيل المصنف في هذا.
стр. 75
من أسباب عدم تكفير الشيعة اختلافهم في بعض أصولهم
ومن المسائل التي لها تعلق بالشيعة: أن عند الشيعة من جهة أصولهم خلافاً كثيراً.
مثلاً: مسألة تحريف القرآن، بعض طلبة العلم في هذا العصر يقول: الشيعة كفار.
تقول له: لم؟
يقول: لأنهم يقولون بتحريف القرآن ..
وهذا ليس بصحيح؛ فإن الذي ذهب إلى القول بتحريف القرآن طائفة من الشيعة ليست بالكثيرة، وجمهور الشيعة ينكرون هذا القول.
وهناك فائدة لا بد أن تعلم عند قراءة كتب الطوائف، وهي أنه من طرق أئمة الطوائف سواء من الشيعة، أو المعتزلة، أو الأشاعرة أن الواحد من أئمتهم إذا انتصر لقول في مذهبهم حكاه إجماعاً عن طائفته، فيأتي من يأتي من القراء من أهل السنة، فيقول: إن هذا القول إجماع عند هذه الطائفة، وممن نص على الإجماع عندهم فلان من أئمتهم، فيحكم على الطائفة كلها بناءً على هذا.
مثلاً: أبو المعالي الجويني في كتبه يحكي إجماعات، لا يقول: إجماع الأشاعرة، بل يقول: هذا إجماع المسلمين.
مع أن الحقيقة في هذه المسألة التي حكى عليها الإجماع أن أهل السنة بإجماعهم، والمعتزلة بإجماعهم، والأشعري وكبار أصحابه المتقدمين بإجماعهم، يعارضون كلام أبي المعالي الجويني فيها.
قد يقول قائل: هل يكذب أبو المعالي كذباً محضاً؟
نقول: لا.
بل نرجع إلى القاعدة التي قررت في أول هذا الشرح، وهي أنه قد يفهم أن المعنى الذي وصل إليه مبني على أصول إسلامية مسلَّمة عند جميع المسلمين، فإذا ما فرض أن معناه المعين مبني على أصل مجمع عليه بين المسلمين ذهب ليقول عن معناه: إن هذا إجماع المسلمين.
وهذا من مثالات التحصيل بالفهم الذي عابه شيخ الإسلام ﵀.
والنتيجة من هذا: أنه عند قراءة نقل من أحد أئمة طائفة من الطوائف كالشيعة والمعتزلة يقول فيه: وأجمع أصحابنا، وذهب أصحابنا إلى كذا.
ليس المقصود أن نقول: لابد أن يكون عندهم مخالف، فقد يكون فعلاً إجماعاً محققاً عندهم، لكن المقصود ذكره هنا: أن حكاية الإجماع من واحد لا يلزم منه أن يكون في المسألة إجماع، وهذا قد يقع حتى من علماء السنة المتأخرين، فإن بعضهم قد يحكي إجماعاً على مسألة ويكون والإجماع على خلافها، أو تكون المسألة مسألةً خلافية.
فصحيح أن بعض علماء الشيعة يقول: أجمع أصحابنا على القول بسقط في القرآن وتحريف فيه ..
لكن هذا ليس إجماعاً صحيحاً؛ لأن كتب القوم الأخرى نص فيها كبار أئمتهم على البراءة من ذلك.
إذاً: مسألة الحكم على الطوائف لابد أن تعتبر بطرق معتدلة، مبنية على الحقائق الشرعية.
وإنك لتعجب من أحد الباحثين -وهو باحث كبير- حيث يقول: إذا اختلفت الشيعة في مسألة كمسألة تحريف القرآن، وكان منهم من يقول بالتحريف ومنهم من يقول بعدم التحريف، قال: فإن القول الذي ينسب إليهم كطائفة هو القول بالتحريف؛ لأن من أئمتهم من يقول: إذا اختلف أصحابنا فالحق من أقوالهم ما خالف الجمهور.
ويقصدون بالجمهور: أهل السنة.
وهذا أيضاً مبدأ لبعض أئمتهم، لكنه ليس بالضرورة أن يكون مبدأًً مطرداً.
إذاً: هذه الطوائف في تقرير مذاهبها تعقيد وإشكال كثير؛ ولكن من التزم القول بتحريف كتاب الله، وأن هذا القرآن ليس كتاباً محكماً، بل دخله تحريف من جنس ما دخل التوراة والإنجيل، فلا شك أن قائل ذلك يكفر مباشرة، ولا يحتاج إلى مجادلة؛ لأنه كفر بما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإذا شُك في القرآن لم يبق في الدين شيء؛ لأن الإسلام إنما عرف من القرآن، حتى رسالة النبي ﷺ إنما عرفت من القرآن والوحي، ومن البعثة والرسالة.
إذاً: من قال هذا لا شك أنه يكفر، لكن هل جميع هذه الطائفة تقول بذلك؟
مسألة الإطلاقات هذه مسألة لابد من ضبطها؛ لأنه قد تكون الطائفة تشترك في معنى ولكنه معنى متفاضل، بعضه أشد غلواً من بعض، ومثال ذلك: التجهم، بعضه أشد من بعض، فعلى قاعدة السلف السابق توضيحها: كلام جهم بن صفوان تجهم، وكلام المعتزلة تجهم، وكلام ابن سينا تجهم، وكلام ابن رشد تجهم، وكلام الأشعري تجهم لكن هل الدرجة واحدة؟
الجواب: كلا، فإذا ما رأيت كلمة لإمام من أئمة السلف في تكفير الجهمية؛ فلا يعني أن كل من في كلامه مادة جهمية يكون عنده كافراً.
ومن المعلوم أن الإمام أحمد تواتر عنه تكفير الجهمية، والقول بأن من قال: القرآن مخلوق فقد كفر، ومع ذلك لم يذهب إلى تكفير المعتصم الخليفة العباسي الذي كان يقول بخلق القرآن، يقول ابن تيمية ﵀ في هذا: "ومع ذلك فالإمام أحمد وإن تواتر عنه تكفير الجهمية، إلا أنه لم يكن مشتغلاً بتكفير أعيانهم، فضلاً عن من دخل عليه شيء من مقالاتهم؛ فإن المعتصم العباسي كان يقول بخلق القرآن، وانتصر له بالسيف، ومنع القول بغيره، ومع هذا كله فإن الإمام أحمد كان يذهب إلى إسلامه وديانته، ودعا له، واستغفر له، وصلى خلفه".
وبعض المعلقين من المتأخرين ممن يريد أن يغالط المسألة، يقول: إنما صلى الإمام أحمد خلف المعتصم لأنه خليفة، والسلف كانوا يتورعون من ترك الصلاة خلف الخلفاء!
نقول: هل يعقل أن يكون الإمام أحمد يرى أن الرجل مرتد، وأنه خرج من الملة ثم يصلي خلفه من باب أنه خليفة؟!
هذا مستحيل؛ فإن عن الإمام أحمد روايةً أن الصلاة خلف الفاسق لا تصح، فما بالك بالكافر؟!
إذاً: من المقطوع به أنه صلى خلف الرجل، ودعا له واستغفر له، لأنه يرى أن الرجل مسلم.
وهناك من يعلق الأمر على مسألة قيام الحجة، فنقول: ألم يسمع المعتصم المناظرة غير مرة، فقد كانت بين يديه؟! لقد سمع المناظرة بين الإمام أحمد وبين ابن أبي دؤاد وغير ابن أبي دؤاد، وسمع -أيضاً- انقطاع ابن أبي دؤاد وغيره بين يدي الإمام أحمد وسقوط حجتهم، ومع ذلك لم يعتبر الإمام أحمد أن المعتصم قامت عليه الحجة.
ولا يعني هذا أن الإمام أحمد قال مقولته تلك: القول بخلق القرآن كفر.
من باب التهديد والتخويف، بل كان يقصد هذه الكلمة، ولا شك أن القول بأن هذا القرآن مخلوق هو قول من جنس كلمة المشركين ومرادات المشركين الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ولكن الكلمة قد تكون كفراً في نفس الأمر وقائلها ليس بكافر.
وإذا قيل: ليس بكافر؛ فإنه لا يلزم أن يكون ليس بكافر ظاهراً وباطناً -وهذه مسألة مهمة- فقد يكون ليس بكافر ظاهراً، وهو في حكم الله كافر منافق.
إذاً: هذه المسائل تفقه على هذا الوجه، ويأتي إن شاء الله مزيد من التفصيل.
مثلاً: مسألة عصمة الأئمة عند الشيعة: عامة الشيعة الإمامية تقول بعصمة الأئمة.
لكن البعض أحياناً يغلو في مقدار هذه الكلمة إلى درجة لا تقع إلا من كافر، كمن يقول بأن الأئمة معصومون، وأن أمر الكون وتدبيره بيدهم، وما الأنبياء والمرسلون إلا فيض من علومهم
إلى غير ذلك من التقارير، فهذا لا شك أنه تقرير كفري؛ لأنه منازعة لله في ربوبيته وملكوته.
أما من يقول: إنهم لا يتواردون على الخطأ، وأن الله فضلهم
إلخ، وإن كانت هذه الكلمة قد تتضمن كفراً في نفس الأمر، ولكنه معنىً يقع فيه قدر من التأويل والاشتباه.
стр. 76
تكفير السلف للقدرية الذين ينفون الكتابة والعلم
[وأما القدرية الذين ينفون الكتابة والعلم فكفروهم].
فهؤلاء زنادقة، وهم الذين يقولون: إن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وقوعها أو عند وقوعها ولا يعلمها قبل وقوعها ..
وهذا لا شك أنه كفر؛ فهو إنكار لربوبية الله ، وهذا القول -أصلاً- ليس من أقوال المسلمين، بل من أقوال الغلاة من الفلاسفة الملاحدة، ودخل على بعض طوائف المسلمين.
стр. 77
عدم تكفير السلف لمن يثبت العلم وينفي خلق الأفعال من القدرية
[ولم يكفروا من أثبت العلم، ولم يثبت خلق الأفعال].
وهم جمهور القدرية من المعتزلة وغيرهم، وهم الذين قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد، ولم يردها ولم يشأها، ولكنه علمها قبل كونها، فالقول بنفي الخلق لأفعال العباد، ونفي مشيئة الرب لها، والقول: بأنه لم يردها، وأن العبد مستقل بالإرادة ..
قول من أقوال أهل البدع مجمع على ضلاله وبغيه، ولكن أصحابه ليسوا كفاراً عند السلف، حتى إن شيخ الإسلام في موضع آخر قال: "وهذا النوع من القدرية ما علمت أحداً من السلف نطق بتكفيرهم.
وإن كان من السلف من قال: إن مقالتهم كفر ..
وهذا مقام آخر".
وخلاصة المسألة السابقة وهي: هل السلف يكفرون أهل البدع؟
نقول: أما جواب المتأخرين فهو: الإطلاق بالإثبات أو النفي ..
وهذا خطأ على السلف وعلى الشريعة.
والصواب: أن هناك طوائف أجمع السلف على عدم كفرهم، وطوائف أجمع السلف على كفرهم كالغلاة من الشيعة المؤلهة لـ علي بن أبي طالب، التي تقول: إنه إله معبود من دون الله، أو مستحق لمقام من الألوهية ..
وكالقدرية الغلاة المنكرة للعلم السابق والجهمية المنكرة لكمال الرب جملة وتفصيلاً، ظاهراً وباطناً.
وهناك طوائف -وهي كثيرة- تردد السلف أو تنازعوا في تكفيرهم، وهؤلاء المتنازَع فيهم قد تكون جملة من أقوالهم أقوالاً كفرية، وقد يكون في وسطهم من هو في حكم الله كافر وإن لم نعلم ذلك ..
هذه هي القاعدة المنضبطة الصحيحة، ثم بعد ذلك أصول ..
стр. 78
شرح حديث الافتراق [٨]
من معتقد أهل السنة في الحكم على أهل البدع أنه لا يلزم الحكم على كل من انتسب إلى طائفة معيننة بما حكم به على تلك الطائفة، كما أنهم يعتقدون أنه لا يلزم من تكفير مقالة معينة تكفير القائل بها؛ لأن القائل بمقالة معينة إما أن يقول فيها بقول قطعي فعندها يكفر، وإما أن يقول فيها بقول اجتهادي فلا يقطع بكفره.
стр. 79
أصلان في مسألة التكفير
قال المصنف ﵀: [وفصل الخطاب في هذا الباب بذكر أصلين:].
هذان الأصلان فاضلان في مسألة التكفير، وثمة أصل ثالث يقرره شيخ الإسلام في كتبه الأخرى كدرء تعارض العقل والنقل، وسوف نذكره بعد ذكر الأصلين، فتكون معنا أصول ثلاثة.
стр. 80
الأصل الأول: أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقاً
[أحدهما: أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقاً].
هذه قاعدة من المهم الانتباه لها؛ لأن فيها تنظيماً عقلياً معيناً.
يقول: "أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقاً".
قوله: "أن يعلم" هذا تقرير العلم.
قوله: "من أهل الصلاة" أي: ممن يظهر الصلاة والشعائر الظاهرة، وبعبارة أخرى: ممن يظهر الإسلام، أي: يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلي الصلوات الخمس، ويستقبل قبلة المسلمين، ويحج البيت الحرام، ويصوم رمضان، ويلتزم هذه العبادات في ظاهر حاله، أي: يلتزم العبادات الأصول، ويتبرأ من الشرك والكفر، ويذم الكفار ويكفرهم، فيكفر بالطاغوت وبما يعبد من دون الله.
وباختصار: أي: الواحد ممن يظهر أركان الإسلام الخمسة.
ولـ شيخ الإسلام عبارة في موضع آخر، لعلها أقرب إلى الذهن، يقول: "أن يعلم أن الواحد من أهل الصلاة -أي: ممن يظهر الأركان الخمسة- لا يكون كافراً في نفس الأمر إلا إذا كان منافقاً".
قوله: "لا يكون كافراً في نفس الأمر" أي: لا يكون كافراً في حكم الله، أي: لا يوافي ربه بالكفر.
فمعنى قوله: "لا يكون كافراً في نفس الأمر إلا إذا كان منافقاً" أي: لا يكون كافراً في الحقيقة الباطنة -التي هي حكم الله، وعلمه بما في الصدور- إلا إذا كان ما يظهره من الصلاة والشعائر الظاهرة على جهة النفاق.
أما في هذا الموضع فقد أورد هذا التعبير، فقال: "أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر".
فمعنى "في نفس الأمر" أي: في الباطن، أو في حكم الله، وقد أخرج هذا القيد التكفير الاجتهادي، وسيأتي بيان هذا في مقام آخر.
قال: "لا يكون إلا منافقاً".
وقد بنى المصنف هذا الكلام -كما سيأتي في تقريره- على أدلة من القرآن، وكذلك حكم العقل الضروري أيضاً.
стр. 81
أصناف الناس من حيث الإيمان والكفر
يقول: الناس أحد ثلاثة:
الصنف الأول: مؤمن ظاهراً وباطناً، وهؤلاء ثلاث درجات: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات ..
وهذا قسم بيِّن.
الصنف الثاني: كافر ظاهراً وباطناً، كـ أبي جهل وأمثاله، واليهود والنصارى وأمثالهم، فهؤلاء كفار ظاهراً وباطناً.
ولما كان النبي ﷺ بمكة لم يكن يوجد إلا هذين الصنفين.
الصنف الثالث: ظهر في المدينة النبوية، وبقي في الأمة إلى يوم الناس هذا وسيبقى، وهو: المسلم ظاهراً، الكافر في الباطن.
ولا يوجد هناك قسم رابع مذكور في القرآن بإطلاق، وإنما ذكر قسم رابع كحال عارضة، وهو: المكره، المذكور في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] فهذا كَفَرَ ظاهراً وآمن باطناً، وهذه الحال لا يمكن أن تكون للشخص في حاله العامة.
إذاً: الأقسام الممكنة في أحوال بني آدم المعتادة ثلاثة أقسام:
١ - كافر ظاهراً وباطناً.
٢ - مؤمن في الظاهر كافر في الباطن.
٣ - مؤمن ظاهراً وباطناً.
стр. 82
تحت أي صنف يدخل أهل البدع
يقول شيخ الإسلام في هذه الرسالة وفي غيرها: "فأهل البدع الذين يظهرون الصلاة والشعائر الظاهرة، لا يمكن أن نسميهم كفاراً ظاهراً وباطناً؛ لأنهم يظهرون الإسلام؛ فداروا بين أمرين: إما أنهم مؤمنون، وإن كان إذا قيل أنهم مؤمنون لا يلزم أن يكونوا من السابقين، بل ولا من المقتصدين؛ فإنه ما من إمام من أئمة البدعة إلا وعنده تفريط في اتباع الحق.
ولهذا قال المصنف: "وإذا قيل فيمن قيل فيه من أهل البدع إنهم مؤمنون؛ فهم في الجملة من باب الظالم لنفسه، قال: لأن مقام التفريط لا ينفك عن أعيانهم وأئمتهم في الجملة".
والأمر الثاني: أن يكونوا من -إذا كانوا كفاراً- المنافقين، فتكون شهادتهم وصلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم البيت من باب النفاق.
أما من يقول هذه الشهادة ويصلي لله تديناً، ويصوم، ويحج البيت تديناً، فهذا لا يكون كافراً في نفس الأمر.
فإن قيل: إن جميع أهل البدع يظهرون الشعائر!
قيل: لا يلزم من إظهار الشعائر ثبوت الإيمان والإسلام في الحقيقة وفي حكم الله؛ لأنه قد يكون ذلك على جهة النفاق.
فإذا قال قائل: فإننا نسمع في كلام السلف أن بعض أعيان أهل البدع على إغلاظ في محادة الله ورسوله، والخروج عن السنن والأصول
وما إلى ذلك، ومع ذلك عرفوا بمقام من إظهار الشعائر الظاهرة.
قيل: وهنا الجواب -أيضاً- لا يتغير، وهو أن إظهار الشعائر لا يلزم منه الحكم بالإسلام ظاهراً وباطناً، بل هو حكم على الظاهر فقط، وقد يكون الواحد منهم منافقاً في نفس الأمر.
إذاً هذا الأصل لابد من فقهه: أن الواحد من أهل الصلاة لا يكون كافراً في نفس الأمر، إلا إذا كان ما يظهره من الصلاة ونحوها على جهة النفاق.
فمعنى قوله: "في نفس الأمر" أن الواحد من أئمة السلف، والسنة والجماعة، قد يذهب إلى تكفير مبتدع من أهل البدع؛ لأنه قال قولاً كفرياً في حكم الله ورسوله، وظهر لهذا الإمام من أئمة السنة أن هذا المعين قد قامت عليه الحجة فكفّره، فهذا الذي كُفِّر من أهل البدع، وهو يظهر الصلاة والشعائر الظاهرة، هل يكون كافراً مجزوماً بكفره ظاهراً وباطناً، أم يقال: هذا كافر ظاهراً فقط؟
يقال: المسألة فيها تفصيل ..
إن كان ما كفِّر به من القطعيات المعلومة من الدين بالضرورة، التي لا تحتاج إلى جدلٍ وتأويل، فلابد أنه يكون كافراً ظاهراً وباطناً، كمن قال من القدرية: إن الله لا يعلم ما سيكون ..
فإن هذا يكفر.
ولا يقال أن تكفيره اجتهاد، بل هو تكفير قطعي، والدليل على ذلك: أن السلف ما ترددوا في هؤلاء الأعيان من غلاة القدرية، لأن هذا كفر معلوم بالضرورة من دين الرسل جميعهم.
وأما إذا كان ما كفر به الإمام من أهل السنة هذا البدعي من المسائل التي دخلها إجمال، واشتباه، وتأويل عند بعض الأعيان أو بعض الطوائف، حتى إن الأئمة وهذا الإمام المعين لا يلتزم أن يكفر جميع من يقول بهذه المقالة، لكنه كفر واحداً من أعيان هذه المقالة لحال قامت عنده، نقول: إن تكفير هذا المعين -في الجملة- من باب الاجتهاد.
وهذا الكلام لا تدخل فيه الأحوال العارضة، مثلاً: لو أن هذا المجادل من أهل البدع أثناء المناظرة قال: أنا لا أؤمن برسالة النبي.
أو قال: أصلاً القرآن ما ذكر التوحيد، والتوحيد لا يعرف من القرآن.
فكفره الإمام بذلك، فإن تكفيره لا يكون بناءً على أصل الجملة الأولى التي يشترك هو وغيره فيها، بل هو لما طرأ.
إذاً: إذا كفره بطارئ قطعي، قيل: إن تكفيره قطعي، وأما إذا كفره بحسب الجملة الأولى التي يشترك هو وغيره فيها كالقول بخلق القرآن ..
فهذا التكفير اجتهادي.
стр. 83
تكفير الإمام أحمد لابن أبي دؤاد مع عدم تكفيره للمعتصم
وأضرب لذلك مثلاً: الإمام أحمد بين يديه رجلان: ابن أبي دؤاد والمعتصم، وكلاهما يقول بخلق القرآن، وهو لم يكفر المعتصم، ومع ذلك روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، وذكر بعض أصحاب السنة: أن الإمام أحمد سئل عن ابن أبي دؤاد.
فقال: هذا رجل كافر بالله العظيم.
فإذا صح هذا عن الإمام أحمد فهو ليس بمشكل؛ لأن القول بخلق القرآن عند السلف كفر لا جدل فيه، أما الواحد ممن قال هذه المقولة فإن تكفيره إنما يكون بحسب العلم بقيام الحجة عليه.
وهذا العلم لا يلزم أن يكون قطعياً، فإنه أحياناً يكون مقاماً من مقامات الاجتهاد.
والنتيجة في ذلك: أن تكفير الإمام أحمد -كمثال- لـ ابن أبي دؤاد -وهذا قاعدة تطرد لكن في سائر ذلك- لا نقول: إنه تكفير قطعي، بحيث يجب على من بعد الإمام أحمد أن يعتقد أن ابن أبي دؤاد كافر كما يعتقد أن فرعون وأبي جهل كافر، بل هذا اجتهاد من الإمام أحمد، قد يكون أصاب فيه، وقد يكون أخطأ فيه، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
قد يقول قائل: ما وجه خطئه؟
نقول: قد يكون الرجل في حكم الله ليس بكافر.
فإذا قيل: كيف يكون غير كافر وهو يقول بخلق القرآن؟!
قيل: لو كان مجرد القول بخلق القرآن يلزم منه أن يكون كافراً في حكم الله لأجمع السلف على تكفير كل من قال بخلق القرآن ظاهراً وباطناً، وهذا غير حاصل، بل كانوا يرون سواد من يقول بذلك من المسلمين الباغين الظالمين المبتدعين، وإن كان قولهم كفراً.
إذاً: هذه مسألة لابد من ضبطها: وهي أن اجتهاد المجتهد من أئمة السنة لا يلزم بالضرورة أن يكون صواباً، وأهم من هذه القضية لا يلزم أن يكون سنة لمن بعده، وعلى هذا ليس من الحقائق التي يجب التزامها التكفير لـ ابن أبي دؤاد؛ لأن هذه مسألة أولاً لم تتحقق عن الإمام أحمد، ثم لو تحققت فهي اجتهاد، بخلاف تكفير الإمام أحمد للمؤلهة لـ علي بن أبي طالب، فإن هذا تكفير قطعي، وهو معروف قبل وجود الإمام أحمد ﵀، بخلاف تكفير ابن أبي دؤاد، فإن تكفيره بعينه لم يكن معلوما قبل الإمام أحمد، وليس هو معلوما من الدين بالضرورة، بل هو تكفير باجتهاد.
والدليل: أن الإمام أحمد رأى أن المعتصم ما قامت عليه الحجة فما كفره، ورأى أن ابن أبي دؤاد قامت عليه الحجة فكفره، وهذا اجتهاد من الإمام أحمد، وقد يكون الأمر في حكم الله مختلفاً.
وقد يكون حكم المعتصم في حكم الله مختلفاً، وإن كان الأصل وظاهر حاله ﵀ البراءة من ذلك.
стр. 84
الاستدلال على تقسيم الناس إلى ثلاثة أصناف
[فإن الله منذ بعث محمداً ﷺ ، وأنزل عليه القرآن، وهاجر إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف:].
وهذا استدلال من القرآن -كما في صدر سورة البقرة وغيرها- على هذا التقسيم عند شيخ الإسلام؛ وهو تقسيم صائب عقلاً وشرعاً، فإنه لا يوجد في العقل ولا في الشرع أيضاً ذكر لأقسام الناس إلا على هذه الأنحاء الثلاثة، إلا الحالة العارضة التي سبق الإشارة إليها.
[مؤمن به، وكافر به مظهر الكفر، ومنافق مستخفٍ بالكفر، ولهذا ذكر الله هذه الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة، ذكر أربع آيات في نعت المؤمنين؛ وآيتين في الكفار؛ وبضع عشرة آية في المنافقين].
وننبه هنا إلى أنه ينبغي أن تتدبر مسائل التكفير من سياقات القرآن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ففي أول سورة البقرة تقرير لأصول أقسام الناس في مقام الكفر ومقام الإيمان الظاهر والباطن، وهو تقسيم جامع مانع -إن صح التعبير- ومحكم في ذكر أصناف بني آدم ومقامهم من الديانة الظاهرة والباطنة.
стр. 85
وجود النفاق عند بعض أهل البدع كالرافضة والجهمية
[وقد ذكر الله الكفار والمنافقين في غير موضع من القرآن، كقوله: ﴿وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٤٠] وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد:١٥] وعطفهم على الكفار ليميزهم عنهم بإظهار الإسلام، وإلا فهم في الباطن شر من الكفار كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]].
ولذلك: قد تجرى أحكام الإسلام على بعض أهل البدع، وهو في حكم الله شر من كثير من الكفار الظاهري الكفر، كما أن النبي ﷺ أجرى جملة من أحكام الإسلام الظاهرة على المنافقين، مع أن المنافقين في كثير من مواردهم شرٌ من الظاهري الكفر.
[وكما قال: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، وكما قال: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٣ - ٥٤] وإذا كان كذلك فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر].
وهذه حقيقه شرعية وسلفية لابد من فقهها.
[ويكثر مثل هذا في الرافضة والجهمية].
"في الرافضة والجهمية" لأن هاتين الطائفتين بنيتا على أصول خارجة عن مادة الإسلام؛ فإن القدماء من الجهمية لم يكونوا على شيء من آثار الأنبياء والمرسلين، وإنما أدخلوا الفلسفة بما سموه علم الكلام، ومن المعلوم أن الفلسفة موجودة قبل الإسلام؛ فإن أرسطو طاليس -وهو يعتبر من مفاخر الفلاسفة- قبل المسيح ابن مريم ﵇ بثلاثمائة سنة.
وهذه الفلسفة تقوم على الإلحاد في الغالب، ولا يوجد -أساساً- عند أصحابها قصد لمسائل التوحيد، ومن يقصد منهم مسألة التوحيد فإنه يعتبرها اعتباراً مخالفاً للتوحيد المذكور في ديانة الرسل، فقد يثبت بعضهم واحداً تصدر عنه الأشياء، لكنه ليس الرب الخالق المالك المعبود
إلخ.
وبعضهم -أساساً- لا يقصد إلى ذكر مسألة الفردانية أو الوحدانية، بل يقوم على تعدد القدماء وما إلى ذلك.
أما علم الكلام فهو علم لم يكن موجوداً بهذا الاسم قبل الإسلام، وقد اخترعه جماعة من النظار المنتسبين للإسلام من العجم، حيث إن الأمصار التي فتحت زمن عمر وما بعده كأعالي العراق وبلاد فارس، لم تكن كجزيرة العرب، فقد كان يسكن جزيرة العرب قوم -كما وصفهم الله في القرآن- أميون، بخلاف أهل تلك البلاد فهم أصحاب ثقافات وفلسفات، كالفلسفات الفارسية
وغيرها، فكان لهذه البلاد امتداد فلسفي عريق في التاريخ في قرون قبل الإسلام، وكحكم عام على هذه الفلسفات هي كفر وإلحاد.
وقد أسلم أهل هذه البلاد في الجملة، لكنهم لم يسلموا إسلاماً محققاً تاماً، وقد قال الله عن الأعراب: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] وهذا السياق أولى به أهل العراق وأهل فارس وما إلى ذلك، قال شيخ الإسلام: "وهذه الأمصار -من العراق والأمصار العجمية- وإن أسلمت بالفتح الإسلامي إلا أنه بقي في كثير من أهلها بقية من النفاق، ولكنه من النفاق العلمي، وعن هذا اخترعوا ما يسمى بعلم الكلام".
ما هو علم الكلام؟
الذي في كتب التعاريف -حتى في مقدمة ابن خلدون - أنه الاستدلال على العقائد الإيمانية بالحجج العقلية.
والحقيقة أن علم الكلام ليس قضية عقل أو عدم عقل، فإنه لم يمنع ذكر العقل في القرآن، بل لقد ذكر حجةً على الهداية: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠].
إنما تعريف علم الكلام: أنه علم مُولدٌ من الفلسفة، فأصوله وجوهره مادة فلسفية خارجة عن مبادئ الإسلام، وجملة من مقدماته هي مقاصد كلية من العقل أو مقاصد كلية من الشريعة، ولكن جوهره ومعتبر النتائج فيه: هي الفلسفة.
إذاً نقول: علم الكلام علم مُولد.
ومعنى أنه مولد أي: ليس فلسفة محضة ولا بريئاً من الفلسفة.
فهو ليس فلسفة محضة؛ وهذا يظهر في أن المتكلمين سبوا الفلاسفة وكفروهم، ومثال ذلك: الغزالي، فهو متكلم ومع ذلك يكفر المتفلسفة كـ ابن سينا وغيره.
وأصل علم الكلام من أئمة الجهمية، ثم دخل على كثير من الطوائف، حتى من المتسبين للسنة كـ أبي الحسن وأمثاله.
стр. 86
أصل الرفض والتجهم زندقة ونفاق
[فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة، وأول من ابتدع الرفض كان منافقاً].
ويقصد بذلك عبد الله بن سبأ، وهذا الرجل لا شك أنه لم يكن عبداً لله، فهو من الكفار المنافقين، الذين أظهروا الإسلام كذباً، ومسألة هل أظهر الإسلام وهو على اليهودية أو غير اليهودية ..
لا تحتاج إلى جدل كثير، فهي مسألة الله أعلم بحقيقتها، لكن الرجل لم يكن على ديانة صادقة.
[وكذلك التجهم فإن أصله زندقة ونفاق؛ ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم].
القرامطة: هم قوم من الغلاة الذين ينكرون حقائق الشرائع، ويقولون: إن حقيقة الصلاة كذا، وحقيقة الصوم هي معرفة الأسرار، وأن الحج في كتاب الله يراد به القصد إلى أئمتهم، وليس المجيء إلى بيت الله الحرام
والذين يقولون بهذه المبادئ ويلتزمونها لا شك أنهم كفار زنادقة ظاهراً وباطناً.
стр. 87
من انتسب إلى طائفة لا يلزم أن يحكم عليه بحكم تلك الطائفة
لكن هنا أنبه إلى مسألة ذكرها بعض المحققين من أهل العلم، وهي: أنه قد ينتسب -في أعقاب من التاريخ- بعض الأعيان إلى طائفةٍ هي من جهة أصولها من الطوائف الكفرية المعلومة الكفر بالضرورة، لكونه لم يعرف من مذهبها إلا جملةً من ظاهره، وأما خفي المذهب وجوهره فليس عليماً به، فإذا كان كذلك فإنه لا يعطى حكم هذه الطائفة.
ومثال هذا: أن ابن تيمية ﵀ تكلم عن النصيرية، وأنهم كفار، وزنادقة، لكن هذا الكلام ليس معناه أن كل من انتسب إلى النصيرية يعطى هذا الحكم؛ لأن كثيراً من العامة الذين انتسبوا في التاريخ إلى النصيرية إنما أخذوا من مذهب النصيرية تولي آل البيت، ومسائل التشيع الظاهرة، ومسائل التشيع الظاهرة لا توجب الكفر للأعيان في الجملة إلا على استثناءات سبق الإشارة إليها.
إذاً: بعض الطوائف قد يحكى الإجماع على كفرها، ومع ذلك لا يلزم أن يكون كل من انتسب إليها كافراً، بل كثير من العامة الذين ينتسبون إليها ليسوا كفاراً، وإن كانوا أهل بدعة.
ومن الأمثلة: القول بوحدة الوجود، والتي يقول فيها ابن تيمية: "إن هذا كفر بالإجماع، وهو أكفر من كفر اليهود والنصارى" لكن هل كل من انتسب إلى ابن عربي القائل بها أو إلى طائفته، أو مجدّ قوله هذا تمجيداً عاماً يلزم أن يكون ملتزماً لحقيقة مذهبه؛ وهل من امتدح ابن عربي يلزم أن يكون ملتزماً لحقيقة مذهبه الكفري؟
الجواب: لا، فإن هناك علماء -كـ ابن الصلاح - أثنوا على ابن عربي، حتى إن ابن تيمية نفسه يقول: "وكنت في أول الأمر أنا وإخوان لي نقرأ في كلام ابن عربي في الفتوحات المكيه، وكان يقع لنا من كلامه قدر فاضل من الاستفادة في تقريره لبعض مسائل السلوك، ثم أبان الله بعد ذلك لنا ما قصد في كلامه من الكفر والإلحاد والمروق من الدين، فبينا ذلك في مواضع من كلامنا".
وقد يقول البعض: من انتسب إلى كافر فهو كافر ..
وهذا القول غير صحيح، فقد ينتسب إلى طائفة كفرية قوم ليسوا كفاراً.
مثلاً: أصل فكرة القاديانية الغالية فكرة رافضة للإسلام، وهي فكرة نقل الإسلام والنبوة إلى العجم وبلاد الهند، لكن أصبح كثير من عوام المسلمين أتباعاً لهذه الدعوة، فهل يصح أن يقال عن هؤلاء: إنهم يعطون الحكم الذي يعطاه الغالية الملتزمون لأصول المذهب وحقائق المذهب؟ هذا ليس بلازم.
وهذه قاعدة تطرد: لا يلزم أن يعطى المنتسب لظاهر المذهب حكم المذهب الذي هو الجوهر، والذي لا يلزم أن يظهر لجميع العوام؛ ومن المعلوم أن طائفتين: الشيعة والصوفية، كثر في كلامهم تقسيم الدين إلى ظاهر وباطن، حتى ما يقررونه من الظاهر في الجملة أنه بدع، ولكن في الغالب أنها ليست بدعاً كفرية.
مثلاً: الغالية من الشيعة: تظهر التشيع لـ علي بن أبي طالب، وسب الصحابة؛ لأنهم ظلموا أهل البيت أموالهم وهذا وإن كان بدعة إلا أنه ليس كفراً، وقد يكون عند بعض رؤسائهم وأعيانهم حقائق يسمونها الباطن الذي لا يصل إليه إلا الخاصة ولا يصل إليه العامة، فهل يؤاخذ من ينتسب من العامة لهذه الطائفة بأحكام الباطن؟ لا؛ لأن الإنسان لا يكفر إلا بما أظهر وعُلم من نفسه اليقين به.
والنتيجة من هذا: أن مجرد الانتساب لطائفة كفرية لا يلزم منه أن يكون المنتسب على تطبيق لحقائق مذهبها، بل لا بد أن المعين ينظر في شأنه.
وبشكل عام: بقدر ما يستطيع الطالب أن يبتعد عن التكفير يكون أفضل، وهو لن يسأل يوم القيامة: لماذا لم تكفر زيداً وعمراً؟
إنما الذي يجب العلم به هو: كفر الطوائف التي كفرت بالله ورسوله على التصريح، ككفر اليهود، والنصارى، وعبدة الأوثان، أما هذا السواد من المسلمين الذين اختلطت عليهم الأمور، وخلطوا السنن بالبدع وما إلى ذلك، فمن استقر عند أئمة السلف كفره فإنه يكفر، وأما من تردد السلف في تكفيره فلست أولى بالوقوف منهم؛ لأن القوم كانوا أعلم وأدرى وأدين وأحق ومع ذلك توقفوا أو تنازعوا، فالمسألة إذا دخلها مادة من التردد أو النزاع فالكف عنها أولى؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦].
يقول الإمام ابن تيمية مع كلامه في الرافضة في بعض كتبه: "ومع ذلك لما ظهر عليهم السلطان في أعالي الجبل: استفتى في مسألة كفرهم ومسألة قتلهم.
فأفتينا أنهم ليسوا كفاراً ولا يستحقون القتل، بل يفرقون بين أمصار المسلمين حتى يندفع شرهم وفسادهم" هذا جواب شيخ الإسلام لما استفتاه السلطان في شأنهم، هذا وقد ظهر السلطان على ثورتهم أو على معارضتهم -بالأسلوب المعاصر-.
إذاً: الاندفاعات في تكفير سواد المسلمين: الصوفية كفار ..
الشيعة كفار ..
الخوارج كفار ..
كذا كفار
هذا خطأ، والأصل أن من أظهر الإسلام يسمى مسلماً، وإذا تبين ظهور الكفر عنده ظهوراً تاماً فكذلك.
ومن المعلوم قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في مسائل في توحيد العبادة، وبعض مسائل الطواف بالقبور، إلا أنه في رسالته إلى الشريف يقول: "ومع ذلك ليس كل من أتى شيئاً من هذه المسائل حكمنا بكفره ابتداءً، وإنما نحكم بكفر من علم قيام الحجة عليه من كلام الله ورسوله".
وكذلك الإمام ابن تيمية يقول: "وكثير من المسلمين يعملون ما يظنون أنه من حقائق الإيمان والقربة إلى الله، وهو عند التحقيق يعلم ضرورةً أنه من الكفر بالله ورسوله".
وإذا قيل: ما الفرق بين كفر هؤلاء وكفر أبي جهل؟
قيل: أبو جهل أساساً لا يقول لا إله إلا الله، وليس عنده استعداد لأن يقول: محمد رسول الله.
وهذا لا يعني عدم تكفير أهل البدع؛ فإن من أهل البدع الكافر ظاهراً وباطناً كالقدرية الغلاة، والمنافقين من أهل البدع، وكمن اجتهد من اجتهد من الأئمة فكفره
إلخ.
فالمسألة يجب أن تكون بعيدة عن -لا نقول بعيدة عن التكفير، وإنما العبارة المحققة يجب أن تكون بعيدة عن - الإطلاق والعمومات، هذه مما يجب على طالب العلم أن يتجنبه، وهو أن يأتي إلى طائفة من طوائف المسلمين فيكفرها، وكأن هذه الطائفة لم توجد إلا اليوم، مع أنها وجدت منذ قرون وما كان السلف يكفرونها، بل حتى مسائل الأحكام الظاهرة، فهذا ابن تيمية يقول: "وإذا كان الرسول أجرى أحكام الإسلام على المنافقين الذين يعلم أنهم في نفس الأمر كفار، فمن باب أولى أن تجرى أحكام المسلمين على من أظهر الإسلام ممن يتردد في شأنه في نفس الأمر بين الكفر وعدم الكفر من أهل البدع".
باختصار: أن من يريد أن يتفقه في هذه المسألة فليعتبر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه كلام محقق مفصل.
وقد تقدم بيان خطأه من يقول: إن ابن تيمية كفر الرافضة، فإن ابن تيمية يقول: في كلامهم كفر، ويقول: يقع في بعض أعيانهم الزندقة والإلحاد والكفر، لكن أنه يلتزم أن كل من انتسب لهذا المذهب فهو كافر بعينه مثل ما يقال: إن كل يهودي كافر بعينه .. ! هذا ما قاله شيخ الإسلام لا في الرافضة، ولا في الخوارج، ولا في القدرية، ولا في غيرها، إنما شيخ الإسلام يلتزم معاني، يقول: من التزم القول بوحدة الوجود على معناها المعروف في الفلسفة كان أكفر من اليهود والنصارى ..
وهكذا، ويقول: من التزم تحريف القرآن من جنس تحريف التوراة والإنجيل ظاهراً وباطناً فهذا كافر.
أما التكفير بالأسماء -وهذه هي الفائدة التي يمكن تلخيصها- فليس منهجاً شرعياً، أي: من اسمه شيعي يكفر .. ، أو من اسمه خارجي يكفر ..
هذا غلط، إلا الأسماء التي انضبط في كتاب الله كفر أهلها، كأن يقال: كل يهودي كافر ..
كل نصراني كافر ..
كل مجوسي كافر ..
هذه الأسماء المنضبطة الكفر والتي هي عبارة عن ملل كفرية أساساً، أما الأسماء التي هي عبارة عن طوائف انتحالية في داخل أهل القبلة في الأصل، فطرد التكفير بسبب الأسماء بين أهل القبلة لا يسوغ.
стр. 88
لا توجد طائفة التزم السلف تكفيرها
هنا سؤال: هل هناك طائفة واحدة التزم السلف التكفير باسمها؟
الجواب: لا.
وإن قيل: الجهمية.
قيل: هناك أناس فيهم تجهم لم يكفرهم السلف لا طائفة ولا أعياناً، بل جمهور أعيان الجهمية المعطلة للصفات لم ينطق السلف فيهم بشيء، وهذا الكلام لا يتعلق بالغالية كما استثنينا سابقاً، وكذلك المعتزلة لم ينطق السلف فيهم بشيء صريح من جهة أعيانهم، وإن كانت أقوالهم أقوالاً كفرية، وإذا قيل المرجئة فكذلك، والقدرية فكذلك.
ومعنى هذا أن السلف لم يعلقوا تكفير الأعيان باسم طائفي، داخل أهل القبلة، أي: أنه لم يوجد نقل أبداً أنهم يجعلون من انتسب إلى هذا الاسم مباشرة يكون كافراً من جنس كفر اليهود والنصارى.
وعليه: فمن يكفر بالأسماء فهذا منهج ليس بصحيح، ومن نسب لـ شيخ الإسلام منه شيء فقد غلط عليه، فإن ابن تيمية في جميع الطوائف يفصل، فقد فصل في الصوفية، وكذلك في الشيعة الرافضة والخوارج والجهمية، ولا توجد أي طائفة التزم ابن تيمية التكفير لسوادها أو التكفير باسمها.
стр. 89
من أهل البدع من يكون مؤمناً لكن عنده فسوق أو عصيان
[ومن أهل البدع من يكون فيهم إيمان باطناً وظاهراً].
هذه الكلمة لو لم تصدر من شيخ الإسلام لأنكرها من أنكرها، يقول: "ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان ظاهراً وباطناً"، حتى ولو كان صاحب بدعة خارجاً عن أهل السنة.
وإذا قيل: إن فيه إيماناً ظاهراً وباطناً فإنه لا يلزم من ذلك أن يكون سابقاً بالخيرات فقد يكون ظالماً، وهذا هو الأصل فيهم أو الغالب عليهم: أنهم ظالمون لأنفسهم ..
[لكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ من أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق]
"ليس بكافر ولا منافق" وهذا يوجد في أكثر طوائف أهل البدع.
[ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقاً أو عاصياً].
أي: قد يكون خطأه هذا وبدعته هذه عن عدوان وظلم، كما هو الغالب على من انتسب لطائفة بدعية وعزل نفسه عن السنة والجماعة، فهذا في الغالب يصدر عن تفريط؛ والتفريط هو المقصود بكلمة عدوان وظلم، وقد يكون ذلك من الخطأ المغفور له ولو كان قوله بدعة، كغلط بعض أعيان السنة والجماعة الذين عرضت لهم بعض البدع القولية، فهذا في الغالب أنه يقع عن خطأ محض، أي: ليس عن تقصير وتفريط، وهذا من باب الخطأ المغفور بإذن الله تعالى، أما مسألة التعيين فهذه مسألة إلى الله سبحانه.
[وقد يكون مخطئاً متأولاً مغفوراً له خطأه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، فهذا أحد الأصلين].
إذاً: قد يكون عنده قدر من الولاية ولو كان عنده بعض البدع.
وإذا قيل: كيف يكون عنده قدر من الولاية مع أن الله يقول : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]؟
يقال: الولاية بمنزلة اسم الإيمان، أي: كما أن للإيمان إطلاقاً وتقييداً، فكذلك الولاية، فهي فرع عن الإيمان، فمن حقق الإيمان حقق الولاية، ومن نقص الإيمان نقص الولاية.
وأما ما يتبادر من أن الولاية مقام ليس له كمال وأصل، وإنما هو مقام واحد ..
فهذا ليس بصحيح، بل هي كالإيمان، وهي فرع عنه، فلها كمالٌ ولها أصل.
стр. 90
الأصل الثاني: أن المقالة قد تكون كفراً ومع ذلك لا يكفر قائلها لمانع من الموانع
[والأصل الثاني: أن المقالة تكون كفراً، كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحليل الزنا والخمر والميسر، ونكاح ذوات المحارم].
أو كالقول بخلق القرآن، أو إنكار الرؤية، أو إنكار العلو، فهذه مقالات كفرية، ولا يلزم أن يكون القائل بها كافراً.
[ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب، وكذا لا يكفر به جاحده].
"لم يبلغه الخطاب" أي: لم يبلغه الدليل أصلاً، فهذا ليس بكافر، أو أنه بلغه الخطاب ولم يصح عنده كأن يكون حديثاً عن النبي ﷺ ، أو أن يكون بلغه الخطاب ولكنه لم يفقه معناه؛ فإن قيام الحجة لا يكون بمجرد سماع النص، حتى ولو لم يفقه النص.
وقد وجد في هذا العصر بعض من يقرر أن قيام الحجة يكون بمجرد سماع النص سواء فقه أم لم يفقه، ويقول: هذه مسألة فيها إجماع، وهذا اختيار فلان واختيار فلان، وهذا خطأ، فإن المسألة ليست داخلة في مسألة اختيار فلان وفلان، بل هذه مسألة من مسائل الأصول، والتي لابد أن تكون مبنية على مقاصد ومقامات واضحة من الشريعة.
وقد يستدل هذا القائل بأن الله كفّر الكفار بمجرد أنهم سمعوا شيئاً من آيات القرآن.
نقول: هذا الكلام صحيح؛ فإن الله كفر الكفار بعد بعث النبي ﷺ ونزول الوحي لما سمعوا أصل الدعوة وشيئاً من الكتاب الذي نزل على رسوله ﵊، لكن جميع الكفار في زمن النبي ﷺ عرفوا وفقهوا أصل الدعوة وأصل الإسلام؛ لأن النبي ﷺ كان يقول لهم كلمة: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) وهذه الكلمة كانت العرب تفقهها؛ ولهذا قال الله عنهم في مراجعتهم في مسألة الاستجابة: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [ص:٥] فهم كانوا يعرفون معنى التوحيد بمجرد نطق النبي ﷺ به.
فمن يقول: إن العرب سمعوا مجرد سمع ولم يفقهوا، فقد أخطأ؛ فإن العرب كانوا يفقهون أصل الجملة التي هي التوحيد، وهذا هو أصل معارضتهم للرسالة، وصاحب الرسالة ﷺ كان مقصوده الأول من العرب وغيرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، فإن من آمن بها لزم أن يؤمن بما بعدها من الكلمات.
وبعضهم يستدل على ذلك بأن الله كفر الكفار وهم جاهلون.
فإذا قيل له: ما الدليل؟
قال: الدليل قوله تعالى: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] فكفر الله العرب مع أنه سماهم جاهلين ..
وهذا خطأ في فهم كلام الله؛ لأن المقصود هنا بالجهل ترك الرسالة، والاتباع، والاستجابة، فإن الله قال عن الكفار: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] إلى آخر ذلك، فلا شك أنهم كانوا يعرفون الحقائق ويفهمونها.
ولكن هنا مقام: وهو أنه لا يلزم أن يفقه المعنى من جنس فقه أئمة العلماء وأئمة المؤمنين، إنما المقصود: فهم الحقائق الكلية التي عليها مبدأ الدخول في الإسلام، أما الحقائق التفصيلية التي هي من مبادئ زيادة الإيمان وزيادة العلم، فلا شك أنه لا يلزم في قيام الحجة أن تفهم وتفقه.
[كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ بباديةٍ بعيدةٍ لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يحكم بكفره بجحد شيءٍ مما أنزل على الرسول إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول، ومقالات الجهمية هي من هذا النوع].
قوله: "ومقالات الجهمية من هذا النوع".
أي: أنها كفر أو فيها ما هو كفر بلا جدل، ومع ذلك فإن الواحد من أصحابها لا يُكفَّر إلا إذا كان معانداً قد قامت عليه حجة الرسالة، وهذا يطرد في غير الجهمية أيضاً.
[فإنها جحد لما هو الرب تعالى عليه، ولما أنزل الله على رسوله].
وهنا نقول: لا شك أن إنكار صفات الله وكمال الرب أعظم من سب الصحابة، لكن المقاصد تختلف، ولهذا من سب الصحابة على معنى الطعن في نبيهم ﷺ ، أو على معنى الطعن فيما معهم من الديانة، أو أن الديانة التي أخذوها من رسول الله ﷺ ومن القرآن ليست صحيحة، أو أن هديهم القرآن هدياً مفضولاً، وأن الهدي الفاضل هو الهدي المختص من مقامات من العلم، أو من الظاهر، أو من الباطن، أو من السفسطات التي يقولها بعض الغلاة ..
فلا شك أن هذا السب من الكفر الأكبر.
إذاً الأصل الثاني باختصار: أن المقالة قد تكون كفراً ومع ذلك لا يلزم أن يكفَّر صاحبها، وليس معنى قولنا "لا يلزم" أنه لا يكفر بحال، فهو قد يكفر إما قطعاً وإما اجتهاداً، قطعاً إذا كانت المقالة قطعيةً بينة يطرد القول فيها عن السلف، كإنكار العلم السابق، وإما اجتهاداً ككلام الإمام أحمد في مسألة القرآن.
стр. 91
شرح حديث الافتراق [٩]
التفصيل في ذكر طوائف أهل البدع وتقسيمهم لا يقصد منه عدم التكفير بعامة عند أهل السنة، وإنما المقصود ذكر التفصيل والتحقق من ثبوت الكفر على المعين، وإلا فالأصل: أن من شهد الشهادتين وأظهر شعائر الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج فإنه يسمى مسلماً، فقد سمى الله من لم يدخل الإيمان في قلبه مسلماً، وكان الصحابة يحكمون على المنافقين بالإسلام، ويعاملونهم على أساس ذلك.
стр. 92
ثلاثة أوجه تغلظ بها مقالات الجهمية
[وتغلظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جداً مشهورة، وإنما يردونها بالتحريف].
قوله ﵀: "وتغلظ مقالاتهم" أي: مقالة الجهمية التي هي نفي الأسماء والصفات، أو التعطيل للصفات.
وهو يبين هنا أن هذه المقالة من المقالات الكفرية، وهذا القول فرع عن قوله السابق: "ومقالات الجهمية هي من هذا النوع".
أي: من المقالات الكفرية التي لا يلزم أن يكون قائلها كافراً، وهذا ما قرره في الأصل الثاني: أن المقالة قد تكون كفراً، والقائل بها لا يلزم أن يكون كافراً، وإنما يُكفر حيث عُلم قيام الحجة عليه.
стр. 93
مخالفة كثير من نصوص الكتاب والسنة والإجماع لقولهم
قوله: " أحدها: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جداً مشهورة".
بمعنى: أن قول الجهمية ليس عليه أثرٌ من آثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وهذا بخلاف أقوال الفرق الأخرى، فإن قول الخوارج: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، اعتبروه بمثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢]، وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠] وأمثال ذلك من الدلائل القرآنية المجملة في وعيد العصاة، وقد استدل بها الخوارج بين يدي كثير من الصحابة، كما في حديث يزيد الفقير الذي أخرجه مسلم في صحيحه في قصة مجيء الخوارج إلى جابر بن عبد الله ﵁، وما حصل من المناظرة بينه وبين شيوخ الخوارج، حتى رجع أولئك النفر إلا رجلاً واحداً.
وكذلك كثير من مقالات المرجئة يستدل عليها أصحابها بأدلة من الكتاب والسنة، بخلاف مقالة الجهمية فإنها بريئة من الاستدلال، وإنما معتبر قولهم هو ما سموه في كتبهم وتكلم به نظارهم وهو دليل الأعراض، ولا يتسع المقام للكلام عن هذا الدليل، وإنما الذي يدرك هنا أن هذه المقالة ليس عليها أثر من الهدي، بل الدلائل من القرآن المجملة والمفصلة وكذا من السنة والإجماع تعارض قول هؤلاء وتبطله.
وهذا يبين أن معارضة الأصول الثلاثة -الكتاب والسنة والإجماع- لأقوال أهل البدع فيها تفاوت، وإن كانت جميع البدع باطلة بالكتاب والسنة والإجماع، إلا أن هذه المعارضة يدخلها قدر من التفاوت؛ ولهذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن مقالة الجهمية ليس عليها أثر من آثار الأنبياء، وإنما هي قول قوم من الملاحدة الفلاسفة، نقلها من نقلها من النظار إلى من انتصر لشيء من أصول الإسلام أو تسمى بدين الإسلام، ولهذا بين سابقاً أن الجهمية يكثر في طائفتهم الزنادقة، وهم المنافقون، الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر.
стр. 94
أن حقيقة قولهم تعطيل الله تعالى عن كماله
[الثاني: أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وإن كان منهم من لا يعلم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع، فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله فأصل الكفر الإنكار لله].
يبين المصنف في كلامه أن حقيقة مذهب الجهمية التعطيل للصانع، فإن نفي صفات الله، ونفي أفعال الرب المتعلقة بمشيئته وإرادته هذا هو التعطيل، ولهذا كان إثبات الكمال له بأسمائه وصفاته، وكان نفي الصفات هو التعطيل لمقام ربوبيته ومعرفته
إلخ.
فهو يبين أن حقيقة قولهم -أي: الحقيقة العلمية في نفس الأمر- هي التعطيل، ولهذا كل من قال بقولهم ممن يعرف حقيقة قولهم، ومتضمنه فإنه لابد أن يكون كافراً، وعن هذا قال المصنف لمن ناظره ممن تأثر بشيء من أصول الجهمية وهم غلاة الأشاعرة، قال: "أنا لو أقول بقولكم كفرت".
وهذا في مسألة العلو؛ لأن من أنكر علو الرب فقد جحد كمالاً من كماله، وأصلاً من أصول كماله الواجب، وهو أصل -لا بد منه- في مقام ربوبيته سبحانه تعالى.
ولكن المصنف قد أبان: أنه لا يلزم أن يكون من تكلم بكلمة الجهمية، أو من نسب إلى هذه الطائفة يعلم حقيقة قولها.
وعليه: يمكن أن يقال: إن من بان له أن قول الجهمية مستلزم تعطيل الصانع فالتزم به فإنه يكون كافراً.
ما معنى تعطيل الصانع؟
أي: تعطيل الله عن كماله، ومن المعلوم أن المسلمين أجمعوا -من أهل السنة وغيرهم- على أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص، وقد حكى هذا الإجماع المصنف وغيره.
وتعتبر أقوال الجهمية ضرباً من نقص الباري ، فإن كل ما خالف وعارض كماله فإنه نقص ولابد، ومع ذلك فإن من تكلم بهذا الكلام من النظار لا يرون أن قولهم تعطيل للباري، ونقص له بل يرونه كمالاً، وهذا ليس موجباً لإسقاط العذر في حقهم من كل وجه، فإنه لا يرفع عنهم قدر الظلم والتفريط، بل لا يرفع عنهم أن يكون منهم من يكون كافراً في نفس الأمر، بل لا يرفع عنهم أن يكون منهم من يقال بكفره ولو على مقام من مقامات الاجتهاد.
إنما المقصود: أن من التزم مبدأ النقص أو إسقاط الكمال -ولو في مسألة واحدة- فهذا يعد كافراً ظاهراً وباطناً.
والمقصود هنا: أن يعتبر في قول المصنف "وإن كان منهم" أي: من الجهمية، ومن أخذ بأقوالهم "من لا يعلم أن قولهم مستلزم لتعطيل الصانع" فإن من علم ما في قولهم والتزمه فإن هذا لابد أن يكون كافراً.
стр. 95
مخالفتهم لما اتفقت عليه الملل وأهل الفطر السليمة
[الثالث: أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها وأهل الفطر السليمة كلها].
فإن الله فطر الخلق على الإيمان بأسمائه وصفاته، حتى إن مشركي العرب لما نزل القرآن وفيه ذكر للأسماء والصفات لم ينازعوا رسول الله ﷺ في هذا الباب، لا بشيء من عقلهم ولا غير ذلك، وإنما نازع من نازع منهم في مسألة البعث، في مثل قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] فهذه منازعة عقلية في مسألة البعث، وقد أجيب عنها في القرآن في قول الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧].
وأما صفاته فلم ينقل عن المشركين نزاع فيها من جهة العقل، وهذا يدل على أن العقل يقضي بالتسليم بثبوتها وليس بمنعها كما يزعم القوم.
فالقصد: أن مقالة الجهمية بتعطيل صفات الرب سبحانه مخالفة لقول أهل الملل، فإن الكتب السماوية قبل التحريف فيها ذكر لأسماء الرب وصفاته، وحتى بعد التحريف؛ فقد ذكر المصنف أن في التوراة بعد تحريفها بقية كثيرة من ذكر أسماء الرب وصفاته.
стр. 96
خفاء كثير من مقالات الجهمية على كثير من أهل الإيمان
[لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى يظن أن الحق معهم؛ لما يوردونه من الشبهات، ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله، ورسوله باطناً وظاهراً].
لقد تكلم المصنف ﵀ في مقالات وصفها في الابتداء بأنها مقالاتٌ كفرية، ثم ذكر بعد ذلك أنها مقالاتٌ كفرية مغلظة من ثلاثة أوجه، وهذا يبين أن المقالات الكفرية لا يلزم أن تكون مقالات متساوية، بل يدخلها قدر من التفاوت من جهة بيان الكفر، فمقالة الجهمية من أظهر المقالات من حيث مخالفتها للإجماع والنصوص، ومن حيث ما تتضمنه وتستلزمه من التعطيل، ومن حيث مخالفتها للملل والفطرة.
لكن مع هذا التقرير من المصنف: إلا أنه يستدرك فيقول: "لكن مع هذا قد يخفي كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان، حتى يظن أن الحق معهم، لما يوردونه من الشبهات".
ثم يقول: "ويكون أولئك" أي: من تقلد شيئاً من أقوال الجهمية الكفرية الظاهرة الكفر في حكم الله ورسوله.
"مؤمنين بالله ورسوله باطناً وظاهراً" أي: ليسوا كفاراً، وهذا تصريح من المصنف يمنع القول بتكفير جميع الأعيان الذين يقولون بشيء من أقوال الجهمية، وأن من قال ذلك من السلف إنما أراد به الغالية، الذين ظهر من قرائن أحوالهم الالتزام بالتعطيل، وتبين لنا أن من التزم التعطيل على حقيقته بعد ما تبين له موجبات الصواب، وموجبات مناطات الكمال الصحيحة، فهذا لا شك أنه لا يصدر إلا عن زندقة وإلحاد.
[وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة، فهؤلاء ليسوا كفاراً قطعاً].
هذا تصريح متين من المصنف بأن القائل قد يقول قولاً كفرياً بالإجماع، لكنه على قدر من الاشتباه، فإن حكم هذا القول في حق من تبين له لا يلزم أن ينطبق على من التبس عليه.
[بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي؛ وقد يكون منهم المخطئ المغفور له؛ وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه].
هذا التقرير الذي ذكره المصنف ﵀ مقالات الجهمية يقال في غيره من الأصول وفي غيره من المقالات.
стр. 97
أقسام المقالات التي يقول بها أهل البدع
هنا قاعدة يتفطن لها في تقرير مقالات المخالفين من أهل القبلة، وهي: أنه ما من طائفة من هذه الطوائف إلا وفي كلامها ما هو -من حيث الحقيقة الشرعية أو من حيث الحكم الشرعي- كفر أكبر: كتعطيل الصفات، أو تكفير الصحابة، والإطباق على سبهم سباً مطلقاً
إلى أمثال هذه المقالات، فهذه مقالات كفرية، لا جدل في كونها كفراً، ولكن المقالات التي تقول بها هذه الطوائف والتي يقال: أنها كفر، تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تكون المقالة مما يعلم بالضرورة أنها كفر.
ومن مثال ذلك: النفي لعلم الرب بما سيكون من أفعال العباد، فهذه مقالة كفرية يمتنع التوهم فيها، ولا يتوهم فيها إلا من هو -على أقل أحواله- معرض عن الحق، إن لم يكن قاصداً تكذيب الحق؛ لأنها خلاف الفطرة.
وكذلك المقالات التامة من مقالات الجهمية، وهي مقالة الجهمية الغالية، الذين يعطلون جميع الأسماء والصفات وينكرونها.
وكذلك من الأمثلة: مسألة العصمة عند بعض الطوائف، فمن نسب لقوم العصمة على معنى أنهم يعلمون الغيب، وما في النفوس والصدور، أو يقدرون ما يقدرون من حوادث الكون، ويسيرون هذه المسائل الكونية، أو أنهم مقطوعون عن هدي النبي ﷺ ، وأنهم يأخذون من العلم المختص، أو أن لهم مقاماً من اللوح المحفوظ لا يعرفه محمد ﷺ ولا جبريل ﵇، أو أنهم يباشرون العلم في اللوح المحفوظ، فمن ادعى العصمة لأحد من الناس سواء سماه إماماً أو ولياً أو غير ذلك على هذا المعنى ..
فهذا المدعي كافر، ولا جدل في كفره بعينه.
القسم الثاني: أن تكون المقالة كفراً، والفرق بين هذا القسم والقسم الأول هو في الإبانة والبيان والظهور.
فالقسم الأول: هو المقالات الظاهرة على التمام للخاصة والعامة، والتي يمتنع عليها التوهم، فلا تصدر إلا عن زندقة وكفر.
أما القسم الثاني: فهو وإن كان كفراً إلا أنه قد يشتبه على من يشتبه عليه من الناس.
فهذه المقالات إذا قيل: إنها كفر، فهذا على حقيقته، وكلام السلف في ذلك على حقيقته، أي: أنها كفر بالله ، ولكن الأصل في القائل بها أنه لا يكفر بعينه إلا إذا عُلم قيام الحجة عليه.
ويُعلم ذلك بطرق -كالمناظرة وأمثالها- يعرفها المجتهدون من العلماء، فمن عُلم قيام الحجة عليه كُفر بعينه، وإذا كفر واحد بها فإنه لا يلزم من ذلك التكفير لكل من نطق بها، أي: لا يلزم إذا كفر إمام من الأئمة أحد القائلين بها أن كل من نطق بهذه المقالة يعطى نفس الحكم، وهذا هو الغالب على المقالات الكفرية عند طوائف أهل القبلة.
إذاً: المقالات البدعية عند أهل القبلة ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مقالات بدعية تخالف الإجماع وليست كفراً، وهي البدع التي دون الكفر.
القسم الثاني: مقالات بدعية كفرية؛ ولكن يدخلها ما يدخلها من الاشتباه، فهذه لا يكفر قائلها إلى حيث عُلم قيام الحجة عليه.
ومثال هذا: القول بخلق القرآن، فهذه كلمة كفر، لكن القائل بها ليس بكافر إلا إذا عُلم قيام الحجة عليه.
ومثل هذا القول بأن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، فإن هذا القول معارض لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦].
لكن ننبه هنا إلى مسألة: وهي أن هناك من يقول: من قال بأن العبد يخلق فعله، أو أن الله ليس خالقاً لأفعال العباد ..
فهوكافر، ويعلل هذا بأن قائل هذه المقالة مشرك، وكما أن الله كفر المشركين في الألوهية، كذلك يكفر من هو مشرك في الربوبية.
ومثل هذا الوجه من الأخذ للمسائل ليس بحسن، فإنه لا شك أن هذه المقالة مناسبة لمادة الكفر، ولكن القائل بذلك لا يكفر إلا حيث عُلم قيام الحجة عليه، وقد كان الإمام أحمد وأمثاله يقولون: "لو تركنا الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة".
القسم الثالث: هو المقالات الكفرية البينة الكفر التي لا تصدر إلا عن كفر، ويمتنع عليها التوهم والاشتباه، فهذه أصحابها كفار، ومثال ذلك: من يكفر الصحابة عن بكرة أبيهم إلا نفراً يسيراً كـ علي وأمثاله، ومن قال بعصمة الأئمة أو غيرهم على معنى أنهم يعلمون الغيب وأمثال ذلك فهذا كافر، ومن قال بتحريف القرآن فهذا كافر.
стр. 98
تحقيق أن يكون القول الكفري تقول به طائفة معينة
وقد يقول قائل: جميع الطائفة المعينة يقولون بهذا القول؟
نقول: هذا يحتاج إلى تحقيق، وإذا نسب ناسب من أهل المقالات أو حتى من الطائفة نفسها قولاً إلى طائفة فإنه لا يلزم أن تكون هذه الطائفة مطردة على هذا القول، بل قد يقع فيهم خلاف ..
هذه جهة.
ولو سلم أن ثمة اطراداً فلابد من التحقق -وهذه مسألة لابد من فقهها في مسائل التكفير- من تفسير المعاني، فإن المعنى قد يكون مجملاً وينطق به قوم، ولكن كل درجة من هذه الطائفة يفسرونه بحقيقة منتهاهم، فإن الطوائف وإن اشتركت في الأسماء إلا أن منها الغالية ومنها دون ذلك، كمسألة العصمة: فإن منهم من يفسرها بمقام من الابتداع، حتى إن قيل: إنه كفر، فإنه يكون من الكفر الذي يدخله قدر من التوهم، فلا يبادر إلى تكفير الأعيان.
ومن الغلاة الذين يقولون بمسألة العصمة: من يفسر العصمة بمقام من الكفر المحض، كالقول بأنهم يعلمون الغيب، وأنهم مقطوعون عن أثر النبي ﷺ ، أو أنهم أفضل علماً منه، أو أنهم يأخذون من اللوح المحفوظ مباشرة والنبي ﷺ يأخذ بواسطة ..
هذه المعاني من التزمها فلا شك أنه كافر.
إذاً: الاسم الواحد من أسماء البدع قد يفسره أربابه بتفسيرين، ويكون بينهما اشتراك، ويكون كلاهما بدعة مخالفة للإجماع، بل قد يكون كلا التفسيرين عند هذه الطائفة لهذا الأصل من أصولهم تفسيراً كفرياً، لكن قسماً منهم يفسرونه تفسيراً غالياً؛ فيكون من الكفر المحض البين.
والقسم الآخر من هذه الطائفة يفسره بقول كفر أيضاً، ولكنه كفر يدخله قدر من التوهم.
إذاً: لابد من تحقق أمرين: أن جميع الطائفة تقول بهذا القول، وهذا يحتاج إلى تحقيق، ولهذا يخطئ من ينسب إلى جميع الشيعة أنهم يقولون بتحريف القرآن، فإنه وإن كان طائفة منهم يقولون بذلك، كما في الكتاب المعروف عندهم: "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب"، إلا أن هناك طائفة منهم لم يقولوا بذلك، فلا يجوز أن ينسب من لم يقل بهذا القول إليه عنوةً؛ لأن من الشيعة من قال به، فضلاً عن كون بعض علماء الشيعة قد صرح بإبطال هذا القول ونفيه.
إذاً: كل من قال قولاً والتزم بمعنى من معانيه أُخذ بهذا القول الذي قاله وبالمعنى الذي التزمه.
وأما أخذ الطوائف من أهل القبلة بالأسماء -سواء كانت أسماء طائفة أو أسماء بدعة- فهذا ليس بحكيم؛ لأن الطوائف تختلف، ولأن البدعة وإن اتفق اسمها إلا أن درجتها تختلف.
ومثال ذلك: اسم الإرجاء، فهو اسم مقالة بدعة: وهي بدعة الإرجاء، ومن بِدع الإرجاء بدعة الفقهاء الذين يقول الأئمة كـ شيخ الإسلام: "إنها من بدع الأقوال وليست من بدع العقائد".
وبالإجماع أنها ليست بدعة كفرية، لا من الكفر المحض ولا من غيره.
وكذلك من بدع المرجئة: بدعة مرجئة الجهمية المحضة التي هي كفر كما ذكره وكيع وابن مهدي وأحمد.
إذاً: قد يكون اسم البدعة مشتركاً، كما أن اسم الطائفة قد يكون مشتركاً، والنتيجة هنا: أن نتيجة تعليق التكفير بأسماء الطوائف أو أسماء البدع ليس كافياً وحده، بل لابد من اعتبار اطراد المعاني والتزامها ..
أي: هل جميع هذه الطائفة يقولون بهذا القول؟
стр. 99
التحقيق في كون أفراد الطائفة المعينة على درجة واحدة في القول الكفري أو البدعي
وإذا تحقق أن جميعهم يقولون به، هل جميعهم فيه على درجة واحدة؟
ولتوضيح الاختلاف في الدرجة نضرب لذلك مثلاً: الفناء عند الصوفية، قوم من الصوفية يفسرون الفناء تفسيراً كالفناء عن وجود السوى، يقول شيخ الإسلام: "هذا الفناء كفر".
أما الفناء عن شهود السوى فهو فناء بدعي لا يصل إلى حد الكفر، أما الفناء عن إرادة السوى، فإن ابن تيمية يقول عنه: "وهذا الفناء هو فناء الأولياء وأهل الإيمان، وإن لم يذكروا هذه التسمية عند محققيهم"، وهذا مع أن المصطلح كله يسمى الفناء.
وإذا كانت الأسماء في كتاب الله تشترك، فمن بابٍ أولى أنها تشترك في أسماء حادثة ليست من أسماء الديانة.
ومن أمثلة الاشتراك في الأسماء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ قوله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) فقد علق الكفر على السماع به ﷺ ؟
والله سبحانه تعالى يقول في القرآن عن الكفار: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣]، فكأن الكفار لم يسمعوا، مع أن الكفار سمعوا قطعاً!
نقول: لا تعارض بين الآية والحديث ولا بين القرآن بعضه مع بعض.
وهذا يدل على أن: الفقه الفقه للأسماء، وقد قال الإمام أحمد: "أكثر ما يخطئ الناس من جهة المجمل والقياس"، ويقول شيخ الإسلام: "قالت الفلاسفة: إن أكثر اختلاف العقلاء من جهة الاشتراك في الأسماء".
إذاً: اسم التشيع ليس وحده كافياً للتكفير، فإن من الشيعة قوماً من أهل الصلاح والتقوى وإن كانوا أهل بدعة، كبعض الشيعة المفضلة الذين كانوا في التاريخ الإسلامي، والذين ليس عندهم إلا بدعة التفضيل لـ علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر، مع ثنائهم على أبي بكر وعمر، وليس عندهم بدعة غير تلك، فهؤلاء يقول ابن تيمية عنهم: "هذه طريقة فضلاء الزيدية، فهؤلاء يعدون في أهل السنة والجماعة وإن كان قولهم بدعة".
стр. 100
فرق الشيعة التي ظهرت في زمن علي ﵁ وأحكامها
وقد ظهرت ثلاث طوائف في زمن علي بن أبي طالب:
الطائفة الأولى: المؤلهة لـ علي، وقد أحرقهم ﵁ بالنار، وهذا ثابت عنه، وإن كان ابن عباس تعقب علياً في الإحراق، وقال: (لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: لا تعذبوا بعذاب الله، ولقتلتهم؛ كما قال النبي ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه) فهذه مسألة اجتهاد بين ابن عباس وعلي، وإن كان الأظهر فيها طريقة ابن عباس؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يعذب بعذاب الله -أي: بالإحراق بالنار-، لكن لعل علياً لم يبلغه النهي، فاجتهد من باب قطع دابر الفتنة، وعلى كل حال هذا مقام من الاجتهاد.
الطائفة الثانية: السابة، وهم شيعة ينتسبون إلى علي يسبون أبا بكر وعمر، وقد تتبع علي بن أبي طالب هؤلاء السابة، حتى إنه لم يبق أحداً في دائرة جيشه وعسكره ممن يسب أبا بكر وعمر، وقد كان موقفه ﵁ من السابة غليظاً.
الطائفة الثالثة: المفضلة الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فكان علي ﵁ يقول: "لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري".
إذاً: الأسماء كلها شيعة، ولكن الحقائق مختلفة.
ونتيجة هذا: أن الاشتراك باسم طائفة أو اسم بدعة لا يستلزم اتفاق الأعيان في جميع الحقائق العلمية.
[وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة: أن الإيمان يتفاضل ويتبعض؛ كما قال النبي ﷺ : (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) وحينئذ فتتفاضل ولاية الله وتتبعض بحسب ذلك].
يجعل شيخ الإسلام ﵀ الولاية تبعاً للإيمان، فكما أن للإيمان أصلاً وكمالاً، كذلك الولاية لها أصل وكمال، وهي تزيد وتنقص.
стр. 101
أصل قول الخوارج
[وإذا عرف أصل البدع فأصل قول الخوارج أنهم يكفرون بالذنب، ويعتقدون ذنباً ما ليس بذنب].
إذاً هم يكفرون بالكبائر، بل بما يرونه من الكبائر، فإنهم قد سموا علي بن أبي طالب صاحب كبيرة مع أنه ﵁ لم يفعل كبيرةً.
[ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب -وإن كانت متواترة- ويكفرون من خالفهم، ويستحلون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي ﷺ فيهم: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) ولهذا كفروا عثمان وعلياً وشيعتهما؛ وكفروا أهل صفين -الطائفتين- في نحو ذلك من المقالات الخبيثة].
وكان هدي الصحابة الذين أدركوا الفتنة مع الخوارج -وهم أول طائفة خرجت ونباذت المسلمين بالسيف- أنه لم تكن مسائل التكفير من باب المقابلات، أي: إنهم لم يقابلوا تكفير هذه الطائفة بالتكفير؛ فإن أخذ التكفير على وجه المقابلة ليس من طرق أهل السنة كما ذكره المصنف، وإنما هو مذهب ذكره بعض أهل البدع، ودخل على بعض أصحاب الأشعري، وهو قول حكاه البغدادي من الأشاعرة في كتبه: "أن من طرق التكفير أنا نكفر من كفرنا من الطوائف، ومن لم يكفرنا لا نكفره" ..
فهذه من طرق أهل البدع، وأما أهل السنة فإنهم يقيسون التكفير بالحق، سواءٌ كانت الطائفة المقابلة بالتكفير التزمت هذا مع أهل السنة أو لم تلتزمه.
стр. 102
أصل قول الرافضة
[وأصل قول الرافضة أن النبي ﷺ نص على علي نصاً قاطعاً للعذر، وأنه إمام معصوم، ومن خالفه كفر، وأن المهاجرين والأنصار كتموا النص، وكفروا بالإمام المعصوم، واتبعوا أهواءهم، وبدلوا الدين وغيروا الشريعة، وظلموا واعتدوا؛ بل كفروا إلا نفراً قليلاً -بضعة عشر أو أكثر- ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالا منافقين.
وقد يقولون: بل آمنوا ثم كفروا.
وأكثرهم يكفر من خالف قولهم، ويسمون أنفسهم المؤمنين ومن خالفهم كفاراً، ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دار ردة أسوأ حالاً من مدائن المشركين والنصارى؛ ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين، ومعاداتهم ومحاربتهم؛ كما عرف من موالاتهم الكفار المشركين على جمهور المسلمين، ومن موالاتهم الإفرنج النصارى على جمهور المسلمين؛ ومن موالاتهم اليهود على جمهور المسلمين.
ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم، ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة].
فهذه الطائفة لا شك أنها شر الطوائف المدعية للإسلام، وما ذكره المصنف من أصول الضلال والكفر عندهم، فإنه عندهم وما هو فوق ذلك، ولهذا ذكر المصنف: أن منهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق، فقد انتسب إلى هذا الاسم قوم من الكفار الذين يُعلم كفرهم من الدين بالضرورة، ممن يعطلون الشرائع الخمس، أو ممن يطعنون على قضاء الله بما يسمونه البداء، فإن من يقول بالبداء ويقول بالعصمة -على معنى علم الغيب- أو يحرف القرآن أو يقول بتحريفه، أو يقول: إن جبريل قد خان الأمانة؛ وأنه خدع الله -تعالى الله عن ذلك- من الأقوال التي يلتزمها من يلتزمها من هؤلاء الغلاة، فهؤلاء ليسوا من الإسلام في قبيل ولا دبير.
لكن مع ذلك قد ينتسب إلى مثل هذه الطوائف من يكون على قدر من اشتباه الحال، ولا يلتزم هذا الكفر المغلظ في سائر أقواله، وإنما يلتزم أوجهاً من الكفر المشتبه أو الذي قد يدخله مادة من الاشتباه، وعن هذا ذكر المصنف أن هذه الطائفة والخوارج قد تنازع أو تردد الأئمة في تكفيرهم، لكنه لم يرد ﵀ أن الأئمة تنازعوا أو ترددوا في تكفير من يقول بالبداء على الله، أو أنهم ترددوا في تكفير من يقول بالعصمة على معنى علم الغيب، أو من يقول بتحريف القرآن، أو من يقول بتقرير الشرك في الألوهية والتزامه ونبذ التوحيد؛ فإن من يلتزم مثل هذه الأصول المغلظة من الكفر فإنه يكون كافراً، سواء سمى نفسه بهذا الاسم أو بغيره ..
هذا لا جدل فيه.
ولكن مع ذلك لا يلزم أن كل من انتسب لهذه الطائفة يلتزم جميع هذه الأسماء والحقائق، وهذا أهم من الأسماء، لا يلزم أن جميعهم يلتزمون جميع هذه الحقائق، فإن من التزم الحقائق التي هي من الكفر المحض البين، الذي عُلم بالضرورة أنه كفر ..
فهؤلاء لا شك أنهم كفار، ولهذا يكثر فيهم الزنادقة كما ذكر المصنف ﵀، وإن لم يلزم من ذلك الاطراد.
وهنا أيضاً مسألة وهي أن: من قيل فيه أنه من أصحاب المقالات الكفرية ولم يجزم بتكفيره بعينه، فإن عدم الجزم بتكفيره بعينه لا يلزم منه الحكم بإسلامهم، أي: أن عدم العلم بالتكفير لا يعني العلم بالإسلام.
وإذا قيل: فبم يسمون؟
قيل: تجرى عليهم أحكام المسلمين كما أجريت على المنافقين الذين هم كفار في الباطن.
إذاً: لا يصح أن يعلق التكفير لأعيان المنتسبين لقبلة المسلمين بمجرد الأسماء؛ فإنه ما من طائفة -في الغالب- إلا وفيها الغلاة والمتوسطون والمقتصدون، وقد توجد بعض الطوائف التي لا يكون فيها قوماً مقتصدين كالجهمية مثلاً، فإنه لا مقتصد فيهم، ولكنهم مع ذلك درجات، ليسوا وجهاً واحداً.
فالقصد: أنه لا يعلق التكفير بالأسماء، لا بأسماء الطوائف ولا بأسماء البدع، وإنما يعلق التكفير بالمعاني التي يلتزمها أصحابها، فهذه المعاني بأي اسم عبر بها إن كانت من الكفر المحض قيل: إن صاحبها كافر.
وإن كانت من الكفر الذي قد يدخله قدر من التوهم؛ تُوقف في تكفير صاحبها، وإذا توقف في تكفيره فلا يلزم القطع بأنه مؤمن ظاهراً وباطناً، بل قد يكون منافقاً.
ولهذا إذا قيل: إن الطائفة المعينة ليسوا كفاراً، لا يلزم أن يقال: إن جميع أعيانهم مسلمون.
أي من قال: إن الطائف المعينة ليست طائفة كافرة بأعيانها، لا يلزمه جعل جميع الأعيان على الإسلام، أو الجزم لهم بالإسلام الظاهر والباطن، بل عدم الجزم بالكفر لا يعني الجزم بثبوت الإسلام.
وقد يقول قائل: إذاً لا يبقى لنا علم بهم.
نقول: وليكن ذلك، فقد ذكر الله ذلك عن نبيه في كتابه في مسألة المنافقين، فقال: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة:١٠١]: أن كثيراً من المنافقين لم تعلم حاله.
стр. 103
ظهور فرق الزندقة والنفاق من طائفة الرافضة
[ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم].
الباطنية الغلاة، وهم الذين أتوا إلى البيت الحرام في زمن القرامطة وأخذوا الحجر الأسود، وكان الحاكم بأمر الله يدعي مقاماً من الألوهية والربوبية.
وحكم من يدعي مقام الربوبية أو الألوهية لنفسه أو لغيره هو الكفر، أي: من يشرك في الألوهية شركاً صريحاً فهذا كافر كما كفّر الله أبا جهل وأمثاله من المشركين الذين كفروا بلا إله إلا الله، ولكن الأسماء لا تطرد؛ لأن ما يسمى بالدولة الفاطمية أو العبيدية لما ظهرت في مصر، بقوا في حكم مصر مائتي سنة، ولم يكن المصريون قبل ذلك أهل شيعة أساساً، لكن أجبر من أجبر منهم -ولا سيما من كان قريباً من بلاط الملك- فأظهر كثير منهم الانتصار لهؤلاء والتشيع على اسم هؤلاء.
فهؤلاء العامة الذين أظهروا هذا التشيع، وخدعوا بالتشيع لا يقال: إنهم بمجرد تسميتهم أنفسهم باسم هؤلاء يعطون حكمهم الذي هو في الباطن؛ لأن من طرق الطائفة الباطنية: أنهم لا يبوحون بحقائق الباطنية لعامتهم، فإذا كان لا يبوحون بالباطنية لعامتهم فإنه لا يجوز أن يكفر العامة منهم مع أنهم لا يعرفون هذا الباطن ولا يقولون به أصلاً.
стр. 104
الرافضة شر من الخوارج
[ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة؛ ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهورالعامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني.
فإنما معناه: لست رافضياً].
أي: أن التقسيم العام هو أن السنة يقابلها الرفض، أما التقسيم الخاصة: فإن السنة؛ يقابلها البدعة، أي: طوائف أهل البدع الأخرى.
[ولا ريب أنهم شرٌ من الخوارج].
لا ريب أنهم شرٌ من الخوارج من جهة فساد العقائد، وفساد الأحوال الظاهرة والباطنة، فإنهم من أفسد الطوائف ظاهراً وباطناً، لكن الخوارج فيهم شدة على المسلمين من جهة السيف، فإنهم استباحوا دماء المسلمين.
[لكن الخوارج كان لهم في مبدأ الإسلام سيف على أهل الجماعة، وموالاتهم الكفار أعظم من سيوف الخوارج، فإن القرامطة والإسماعيلية ونحوهم من أهل المحاربة لأهل الجماعة، وهم منتسبون إليهم].
"منتسبون إليهم" ولكن كما أن الشيعة تنتسب لها القرامطة والإسماعيلية كذلك ينتسب للشيعة الزيدية المفضلة، وهذا يدل على أن "الشيعة" اسم عام، فلا يجوز أن يعلق التكفير به، ولا شك أنه غلط عقلاً وشرعاً، فإن من الشيعة قومٌ عرفوا بأنهم مسلمون لا جدل في إسلامهم كالشيعة المفضلة لـ علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر، فهذا قولٌ قاله قوم من الشيعة، وعليه طائفة معروفة منهم من أصول الزيدية، وإن كان من الزيدية من فسد مذهبه فيما بعد، ولكن هذه الطائفة المفضلة لـ علي بإجماع المسلمين ليسوا كفاراً، مع أن الناس يسمونهم وهم يسمون أنفسهم "شيعةً".
إذاً: تعليق التكفير باسم الشيعة أو غيره غير صحيح، إنما الكافر: هو من قال حقيقةً من الحقائق الكفرية وعُلم قيام الحجة عليه، إما لكون مقالته من الكفر المحض الصريح الذي يمنع التوهم، وأما أن يكون كافراً لأن الحجة أقيمت عليه بالجدل والمناظرة.
стр. 105
القدرية والمعتزلة
[وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق؛ والروافض معروفون بالكذب.
والخوارج مرقوا من الإسلام، وهؤلاء نابذوا الإسلام.
وأما القدرية المحضة فهم خير من هؤلاء بكثير، وأقرب إلى الكتاب والسنة].
قوله: "القدرية المحضة" أي: من زلَّ في مسألة أفعال العباد، فقال: أنها ليست مخلوقة، وأنها ليست بإرادة الله ومشيئته ..
فهذا القول قد قاله بعض أصحاب الرواية والإسناد، ومعنى أنهم قدرية محضة أي: ليس عندهم بدعة إلا مسألة أفعال العباد، فهذا النوع من القدرية المحضة التي غلطت في مسألة أفعال العباد، وهي في جمهور أصولها مقاربة للسنة والجماعة، هؤلاء لم ينطق أحد من السلف بتكفيرهم كما نص عليه المصنف في مقام آخر.
[لكن المعتزلة وغيرهم من القدرية هم جهمية أيضاً].
فالمعتزلة قدرية، ولكنهم ليسوا قدرية محضة، بمعنى: ليس عندهم بدعة القدر فقط، بل عندهم بدعة القدر وعندهم بدعة التجهم في نفي الصفات
إلى غير ذلك.
[وقد يكفرون من خالفهم، ويستحلون دماء المسلمين؛ فيقربون من أولئك].
أي: يقاربون الشيعة، وقد حصل أصلاً بين الشيعة والمعتزلة تجانس بعد ظهور المعتزلة البغدادية الذين تشيعوا لـ علي بن أبي طالب، حتى دخلت الشيعة فأخذت من معتزلة بغداد نفي الصفات، ونفي خلق أفعال العباد؛ ولهذا غلب على الشيعة الإمامية فيما بعد القول بنفي الصفات، والقول بأن الله لم يخلق أفعال العباد.
стр. 106
المرجئة ليسوا من أهل البدع المغلظة
[وأما المرجئة فليسوا من هذه البدع المعظلة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة].
كـ حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وأمثالهما.
[وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة].
أي: المرجئة الفقهاء لم يعدوا عند الأئمة إلا من أهل السنة والجماعة.
[ولما كان قد نسب إلى الإرجاء والتفضيل قوم مشاهير متبَعون، تكلم أئمة السنة المشاهير في ذم المرجئة والمفضلة تنفيراً عن مقالتهم، كقول سفيان الثوري: "من قدم علياً على أبي بكر والشيخين فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ وما أرى يصعد له إلى الله عمل مع ذلك أو نحو هذا القول.
قاله لما نسب إلى تقديم علي بعض أئمة الكوفيين، وكذلك قول أيوب السختياني: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
قاله لما بلغه ذلك عن بعض الكوفيين، وقد روي أنه رجع عن ذلك].
"إلى الإرجاء" أي: إلى القول بأن الأعمال ليست داخلة في اسم الإيمان.
"والتفضيل": أي: تفضيل علي على أبي بكر وعمر.
والمقصود بالشيخين: عمر وعثمان، وهذه المسألة -تفضيل علي على عثمان - الصواب فيها: أنها اجتهاد، وإن كان الصحيح فيها، وهو الذي عليه جمهور الأئمة، واستقر عليه أمر أهل السنة: أن عثمان أفضل من علي، لكن من نازع في ذلك فإنما نازع في اجتهاد، والإمام أحمد ﵀ يرى أن المنازع في ذلك ليس صاحب بدعة، بل قوله اجتهاد، كما ذكر ذلك عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الواسطية وغيرها.
إذاً: المسألة المحكمة: هي تقديم أبي بكر وعمر على غيرهم، أما التفضيل لـ علي على عثمان فهذه مسألة في أصلها كانت مسألة نزاع بين أهل السنة، والذي عليه جمهورهم التفضيل لـ عثمان، وهو الذي استقر عليه أمرهم، لكن المسألة ليس فيها محكم وقاطع.
إذاً: نقول: من قدم علياً على أبي بكر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، ومن قدم علياً على عمر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، لكن من قدم علياً على عثمان في التفضيل هل نقول أنه أزرى بالمهاجرين والأنصار؟ لا يلزم هذا، وقد يستدل قائل هذا بأن عبد الرحمن بن عوف لما استشار الناس بين عثمان وعلي في الخلافة قدم المهاجرين والأنصار عثمان.
نقول: أولاً: هذا ليس بلازم؛ لأن هذا كان في الخلافة والمسألة هنا مسألة تفضيل؛ ولا تلازم بين التفضيل والخلافة؛ والدليل على أنه لا تلازم بينهما: أنه لو كان يلزم أن الفاضل هو الخليفة لم يجعل عمر الخلافة في ستة، ولحسمها في واحد؛ إلا أن يكون عمر ليس عنده وضوح وانضباط في أي هؤلاء الستة هو الفاضل، فإذا رجعنا إلى ذلك فهذا أيضاً لا بأس به، معناه: أنه ليس هناك اطراد عند الصحابة في تقديم عثمان على علي.
ثانياً: أن من الستة الذين جعل عليهم عمر مدار الخلافة من أسقط حقه لـ عثمان، ومنهم من أسقط حقه لـ علي، فهذا الذي أسقط حقه لـ علي قدم علياً، فهل نقول: إنه خرج إلى البدعة؟ هذا ليس بصحيح؛ فإن المسألة مسألة اجتهاد.
وإذا قيل: ما الصواب؟
قيل: الصواب الذي عليه جمهور أهل السنة، واستقر عليه أمرهم: التقديم لـ عثمان ..
هذا في الفضيلة؛ وأما في الخلافة فلا شك -وهذا مجمع عليه- أن عثمان قبل علي.
إذاً: الصواب: أن المسألة ليست من القطعيات، بل هي مسألة اجتهاد؛ لأنه لم يقدم جميع المهاجرين والأنصار عثمان على علي، فإن منهم من أسقط حقه لـ علي ابتداءً.
وكذلك عمر جعلها في الستة؛ مما يدل على قدر من التردد والتساوي عنده، ثم إن عبد الرحمن بن عوف إنما اعتبر الأمر بالغلبة وليس بالضرورة بجميع الأعيان.
[وكذلك قول الثوري ومالك والشافعي وغيرهم في ذم المرجئة لما نسب إلى الإرجاء بعض المشهورين].
يقصد بذلك بعض الفقهاء من أهل الكوفة.
[وكلام الإمام أحمد في هذا الباب جارٍ على كلام من تقدم من أئمة الهدى، ليس له قول ابتدعه، ولكن أظهر السنة وبينها، وذب عنها وبين حال مخالفيها وجاهد عليها، وصبر على الأذى فيها لما أُظهرت الأهواء والبدع؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين، فلما قام بذلك قرنت باسمه من الإمامة في السنة ما شهر به وصار متبوعاً لمن بعده، كما كان تابعاً لمن قبله].
فليس له اختصاص لا هو ولا غيره؛ فإن السنة اللازمة هي ما انضبط في كتاب الله وسنة نبيه وأجمع عليه السلف، أما أقوال آحادهم -كـ أحمد أو غيره ممن كان قبله أو بعده- فهذا ليس من السنة اللازمة، إلا إذا كان قوله على هدي إجماع أو انضباط عن من سلف؛ وإنما أشير إلى الإمام أحمد كثيراً لما قارن حاله من الانتصار للسنة والرد على أهل البدع، وإلا فجميع الأئمة الأربعة وأمثالهم هم من أئمة السنة والجماعة ولا جدل في ذلك.
стр. 107
خلاصة بعض الأصول التي تم شرحها في هذه الرسالة
[وإلا فالسنة هي ما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ ، وتلقاه عنهم التابعون، ثم تابعوهم إلى يوم القيامة، وإن كان بعض الأئمة بها أعلم وعليها أصبر، والله أعلم وأحكم ..
والله أعلم].
بهذا ختم المصنف هذا التعليق والشرح الفاضل على هذا الحديث، سواء قيل: إن الحديث منضبط الصحة، أو ليس كذلك، فإن هذه أصول شرعية قررها خلال ذلك.
وأحب هنا أن نعطي قدراً من التلخيص لبعض الأصول التي تم توضيحها خلال هذا الشرح:
стр. 108
مذهب السلف يعلم بالنقل لا بالفهم
أولاً: أن مذهب السلف إنما يعلم بالنقل وليس بالفهم، وأخذه عن طريق الفهم قد دخل على بعض أصحاب السنة من المتأخرين.
ومن فروع الفهم أن يأتي متأخر من المتأخرين -ولو كان فاضلاً- فيروي عن إمام من أئمة السلف -كـ الثوري أو أحمد أو إسحاق أو ابن المبارك أو أمثال هؤلاء- كلمةً ما، فيجعل هذه الكلمة بمجرد قول هذا الإمام لها قسطاساً وسنة لازمة إما في العقائد وإما في الأحكام ..
وهذا ليس بصحيح؛ فإن مذهب السلف لا يعرف بقول واحدٍ أو اثنين أو ثلاثة منهم، وإنما يعرف مذهبهم بالإجماع المنضبط: إما استفاضةً وإما نقلاً؛ ولهذا فكثير من أقوال السلف هي قول من الاجتهاد، ولا يلزم بالضرورة أن يكون سنةً لازمة لجميع المسلمين.
стр. 109
أقسام أصحاب الأئمة المتأخرين الذين انتصروا للسنة والجماعة
ثانياً: أن أصحاب الأئمة المتأخرين الذين انتصروا للسنة والجماعة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: من هو على طريقة أهل الحديث -أي: على طريقة الأئمة المحضة- كـ شيخ الإسلام ابن تيمية، فهذا الرجل إذا قيل: من أحق من يعتبر فقهه لمذهب السلف بعد الأئمة؟ فلا جدل أن هذا الإمام هو أخص هؤلاء.
وثمة قوم تأثروا ببعض البدع الكلامية، وانحرفوا عن ظواهر السنن وعن التمسك بالأثر، وهؤلاء القوم ممن تأثر بطرق الكلابية أو غيرها في الغالب أن طالب العلم من أصحاب السنة لا يتأثر بهم؛ لأن تأثرهم بعلم الكلام بين، وقد أسقط رتبة التمسك بآرائهم وكلماتهم.
ولكن الذين يدخل على بعض أصحاب السنة أو بعض طلبة العلم من المعاصرين شيء من أثرهم، وأثرهم ليس محققاً على السنة والجماعة، هم القسم الثالث، وهم الذين لم يحققوا طريقة أهل الحديث المحضة من الأئمة، ولم يتأثروا بشيء من طرق المتكلمين، ولكنهم زادوا في الرد على المخالف.
وهذه حقيقة لابد أن تعرف: أن من أصحاب الأئمة من الفقهاء من بالغ في الرد على المخالف، فأطلق التكفير لكثير من الطوائف.
وسبق أن ذكرت لذلك مثلاً وهو شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي، فهو إمام فاضل من العباد النساك الفقهاء في مذهب الإمام أحمد، وهو من المنتصرين للسنة والجماعة، وقوله في الصفات محقق، وهو من أظهر من رد على الجهمية وحقق إثبات الأسماء والصفات، لكنه متصوف، بل شديد الغلط في التصوف، كذلك عنده بدع في مسألة القدر وغيرها، وعنده فيما يختص بمقامنا هذا: أنه يبالغ في التعنيف على المخالف، ويكفر الأعيان، ويكفر الأشاعرة بالجملة، والشيعة أحياناً بالجملة
إلخ.
وهذه الطرق لم تكن مطردة عند السلف؛ فإن السلف إذا كفروا طائفة فإنما أرادوا من التزم حقائق الأقوال الكفرية البينة الكفر، فعندما كفر السلف الجهمية، إنما أرادوا الجهمية المغلظة الغلاة، الذين عطلوا الرب سبحانه عن جميع أسمائه وصفاته، وأما من دخل عليه مادة من التجهم فهذا لم يكن كافراً عند السلف بالتعيين، وإن كان عدم الحكم بتكفيره لا يستلزم الحكم بإسلامه وإيمانه.
وكذلك يعتبر ابن حزم ممن عنده اندفاع في تكفير الأعيان، فهو يقول مثلاً: وقال أبو هاشم الجبائي الكافر كذا كذا ..
مع أنه يرجع في كتاب الأصول إلى تقرير قاعدة تعد من أوسع القواعد في درء التكفير، وقد أخذها شيخ الإسلام ابن تيمية وانتصر لها بعد تقييدها، وهي: أن من أراد الحق واجتهد في طلبه من جهة الرسول ﵊ فأخطأه فإن خطأه مغفور له ..
هذه قاعدة قررها ابن حزم، وجاء شيخ الإسلام وشرحها في بعض كتبه، ولكنه قيدها بقيود على هدي الأئمة ﵏.
فالنتيجة من هذا: أن اعتبار مسائل التكفير يؤخذ من إطباقات السلف واستفاضة أقوالهم، أما إذا تكلم فلان أو فلان ولو عرف بالسنة، فهذا إذا لم يعلم أن قوله موافق لقول الأئمة على التحقيق فإن قوله أحسن ما يقال فيه: أنه اجتهاد ليس بلازم.
стр. 110
لا يكفر أحد من أهل القبلة بمجرد الأسماء
ثالثاً: أنه لا ينبغي تعليق التكفير في أهل القبلة بالأسماء، سواء كانت أسماء طوائف أو أسماء بدع، إنما الذي يعلق التكفير لهم بالأسماء هم من سمى الله كفرهم في كتابه: كاليهود؛ فإن كل يهودي كافر، وكالنصارى؛ فإن كل نصراني كافر، وكالمجوس؛ فإن كل مجوسي كافر، وكالذين أشركوا؛ فإن كل مشرك كافر ..
وهلم جرا.
وأما الطوائف التي حدثت بين ظهراني المسلمين -من شيعة، أو جهمية، أو خوارج- فلا يجوز أن يقال: إن جميع من سمي بهذا الاسم كافر بعينه؛ فإن هذا لم يدرج عليه السلف، ومع ذلك فإن كثيراً من هذه الطوائف في أعيانها كفارٌ زنادقة، وفي مقالاتها كفرٌ كثير، ومن لم يُعلم كفره من أعيانهم فلا يلزم العلم أو الجزم بإسلامه وإن أجريت عليه أحكام المسلمين ..
هذا هو الاقتصاد والتحقيق الذي عليه السلف، وجميعهُ مقرر في كلام شيخ الإسلام ﵀.
وإن كنت أقول: إن كلام شيخ الإسلام ﵀ أحياناً فيه اشتراك، فقد يظهر من كلامه في مقام التكفير لطائفة من الطوائف بالتصريح، وفي مقام آخر يتأخر عن ذلك؛ وهذا لأن أسماء الطوائف مشتركة، بمعنى: أن الطائفة قد يكون عندها غلاة وغير غلاة، والقاعدة هي: أن من التزم القول بقول من الأقوال البينة الكفر في كلام الله ورسوله -كمن قرر الشرك الأكبر أو القول بالتحريف أو ما إلى ذلك- فهذا كافر.
إذاً: التكفير يعلق بالمعاني البينة وليس بمجرد الأسماء، وإن كانت جميع هذه الأسماء المخالفة للسنة والجماعة هي من البدع التي يجب إنكارها والتغليظ على أهلها.
هذا هو مجمل هذه المسائل، وهي تحتاج إلى قدر من البسط والتبيين والمتابعة.
وأنا أنصح الإخوة القراء بتأمل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الباب.
أما من ضاق عليه فهم كلام شيخ الإسلام، ورأى أنه لا يكفر هؤلاء ولا يكفر هؤلاء، وهو يريد أن يكفر؛ فرجع ليقول: إن ابن تيمية متساهل في التكفير أو متناقض في مسألة التكفير ..
فهذا ليس بشيء، وهو المتناقض، الجاهل، الغالي في هذه المسألة!
أما شيخ الإسلام ﵀ فلا يوجد بعد الأئمة ﵏ أعدل منه ولا أفقه منه، فهذا الإمام لا يطعن فيه إلا جاهل، ولا ينزله من مقام من مقامات العلم إلا جاهل.
رابعاً: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يلتزم التكفير في الشيعة، بل لما ذكر مسألة السب قال: إن فيها تفصيلاً.
فمن سب الصحابة على معنى التكفير لهم فهذا كافر، لكن من سب على معنى أخذ أموال آل البيت وما إلى ذلك فهذا ليس بكفر، وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن من السب ما هو كفر بين، ومن السب ما ليس كفراً، ومن السب ما هو متردد فيه ينظر في قائله وإقامة الحجة عليه.
وليس المقصود من هذا التفصيل عدم التكفير، وإنما القصد ذكر التفصيل والتحقق من ثبوت الكفر على المعين، وإلا فالأصل: أن من شهد الشهادتين وأظهر الصلاة والزكاة وحج البيت وصوم رمضان أنه يسمى مسلماً كما سمى الله من لم يدخل الإيمان في قلبه مسلماً، وكما دخل المنافقون في اسم الإسلام، وقد قال شيخ الإسلام: "إن المنافقين النفاق الأكبر يدخلون في اسم المسلمين بإجماع العلماء، وكان الصحابة يوارثونهم ويناكحونهم، ويسلمون عليهم ويردون ﵈
وإلى آخره، وما كانوا يخصون في الجملة بشيء من الأحكام".
هذا، ونسأل الله أن يرزقنا السداد والصواب في القول والعمل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.