← Джавами‘

Джавами‘ · id 37793

دروس الشيخ حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (802 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

شروط المقذوف قال: [وخمسة في المقذوف] أي: خمسة لا بد أن تتوفر في المقذوف، فإذا وجدنا أن القاذف مكلف، ووجدناه مختاراً، وليس بوالد فننظر إلى المقذوف، وفيه خمسة شروط يجب توفرها، وهي: هذه الخمسة؟ قال: وهي كونه حراً؛ لأن الله قال: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤]، والمحصنات هن الحرائر العفيفات، فلا بد أن يكون المقذوف حراً، وأما العبد ففيه التعزير، فلو أن رجلاً قذف عبداً فإنه لا يقام عليه الحد، وإنما يعزر؛ لأن العار الذي يلحق العبد ليس كالعار الذي يلحق الحر؛ فإن هذا عبدٌ يباع ويشترى، وليست حاله كحال هذا الحر. قال: [وهو كونه حراً]، ولذا في الآية كما تقدم: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤]، والعبد كالأمة، فالأمة لا حد في قذفها وإنما فيه التعزير، والعقوبة والتعزير من قبل القاضي بما يراه. [مسلماً]، فلو أنه قذف كافراً ذمياً فلا يحد، وإنما يعزر، ولذا قال الله جل وعلا: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور:٢٣]، وعلى ذلك فمن قذف من ليس بمؤمن كالكافر الذمي فإنه لا يحد، وإنما يعزر. قال: [عاقلاً]؛ لأن المجنون لا يلحقه عار، فلا عقل له حتى يلحقه العار، ولذا فإن الناس لا يعيبون المجنون بالزنا؛ لأنه لا عقل له. فلو قذف مجنوناً أو مجنونة فقال مثلاً: مجنونة آل فلان يزنى بها، فإنه لا يحد بذلك. [عفيفاً]، أما إذا كان ظاهر الفجور فإنه لا حد في ذلك، فإذا كان الرجل معروفاً بالفجور، أو كانت المرأة من النساء الفاجرات المشهورات بذلك المعروفات بالفجور عند الناس؛ فإن في ذلك التعزير؛ لأن في هذا شبهة، فالمرأة عندما تشتهر بالزنا، أو الرجل عندما يعرف بالزنا، فالرجل عندما يرميه بالزنا إنما يرميه بناءً على أن الناس يقولون ذلك، وأن هذا الأمر مشتهر، وأن هذا الأمر معروف، وأن هذا ظاهر في حاله، وما يكون عليه من خلقٍ، فهذا لا يحد، ولذا قال الله جل وعلا: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور:٢٣]، وفي الحديث كذلك: (المحصنات الغافلات المؤمنات)، فهذا قذف غافلة، وأما هذه التي تعرف بالفجور، ويظهر عليها الفجور، فإنه لا حد في قذفها، وإنما فيه التعزير، فلها أن تطالب وإن كانت معروفة بالفجور، وهذا الرجل الذي يعرف بالفجور له أن يطالب بالتعزير. قال: [عفيفاً عن الزنا، يطأ ويوطأ مثله] أي: إذا كان مثله يطأ، أو كان مثلها يوطأ، وهو ابن عشر في المذهب الذي تم له عشر من الرجال، والتي تم لها تسع سنين للنساء، وتقدم أن الراجح أن هذا لا حد له من جهة الزمن، وإنما ينظر في ذلك إلى خلقته وبدنه ونحو ذلك، وعلى ذلك فنقول: لا بد أن يكون مثله يطأ، فلو أن رجلاً أتى إلى طفل وقال: فلان زانٍ، وهو طفل لا يطأ مثله، فلا يحد؛ لأن كذبه معلوم، لكنه يعزر. كذلك إذا كانت المرأة ممن لا يوطأ مثلها لأنها صغيرة فكذلك لا حد في ذلك؛ لأن كذبه معروف، فلا يلحق هذه البنت العار، لكنه يعزر.

стр. 492

حكم من قذف غير البالغ قال: [لكن لا يحد قاذف غير البالغ حتى يبلغ ويطالب بحقه]. أي: فمن قذف غير بالغٍ، يعني: قذف صبياً، وهذا الصبي يطأ مثله، كأن يكون مثلاً ابن إحدى عشرة سنة، أو ابن اثنتي عشرة سنة، أو ابن ثلاث عشرة سنة ولم يبلغ بعد، فقذفه رجل بالزنا، يقول: لا يحد هذا القاذف حتى يبلغ هذا المقذوف، ويطالب به بعد بلوغه. إذاً: من قذف صبياً يطأ مثله ففي ذلك الحد، ولذا قال المؤلف هنا: عاقلاً، ولم يقل بالغاً، فلا يشترط البلوغ في المقذوف، وإنما يشترط في القاذف، فالمقذوف وإن كان غير بالغٍ يحد قاذفه ما دام أن مثله يطأ، لكن يقام الحد إذا بلغ، وطالب بحقه؛ وذلك لأن المذهب -وهو قول الجمهور-: أن القذف حق للمقذوف، فلا يقام ولا يستوفى إلا بطلبه، ولذا فإن له العفو، قالوا: ولأن هذا -أي: القذف- جناية على العرض، فكان كالجناية على البدن. فإن قيل: فلماذا لم يقتص منه برميه بالزنا؟ نقول: هذا إثم، فلا يقتص بمثله، ولذا وضع الشارع له حداً وهو ثمانون جلدة. وقال الأحناف وهو رواية عن أحمد: بل هو حق لله، فإذا قلنا: إنه حقٌ لله، فلا يسقط بالعفو، ويستوفى من دون مطالبة إذا بلغ الحاكم، لكن ما ذهب إليه أهل القول الأول هو الأقرب. وعلى ذلك فنقول: هو حق لهذا الآدمي المقذوف، فلا يقام إلا بمطالبته، ولا يستوفى إلا بمطالبته، وهذا صبي إلى الآن فيحق له أن يطالب إذا بلغ، فإذا بلغ اعتبر قوله، وسألناه إن فلاناً قد قذفك وأنت صبي، ومثلك يطأ، والعار يلحقك، فهل تطالب؟ فإذا قال: لا ما أطالب، وأنا قد عفوت عنه، سقط الحد.

стр. 493

حكم من قذف غير المحصن قال: [ومن قذف غير محصنٍ عزر]، الذي يقذف المجنون يعزر، الذي يقذف الأمة كذلك، الكلام فيما تكلم في الحد، وأما التعزير وهي العقوبة التي تكون من القاضي فإنها تثبت كما تقدم شرحه.

стр. 494

كيفية ثبوت حد القذف قال: [ويثبت الحد هنا، وفي الشرب والتعزير بأحد أمرين: إما بإقراره مرة، أو شهادة عدلين] يعني: يثبت إما بأن يقر على نفسه ولو مرة، يقر على نفسه أنه قذف فلاناً، فأدعى عليه فلان أنه قذف فأقر، أو أن يشهد اثنان بأن فلاناً قذف فلاناً، فهذه بينة، ويكفي هنا شهادة اثنين عدلين، ويأتي شرح هذا في الشهادات إن شاء الله.

стр. 495

الأمور التي يسقط بها حد القذف قال: [فصل: ويسقط حد القذف بأربعة: بعفو المقذوف]، وقد تقدم؛ لأنه حقه، [أو بتصديقه] يعني: يقر على نفسه بالزنا، فيقال له: إن فلاناً قد رماك بالزنا، فيقول: صدق، فهذا أقر على نفسه بالزنا. قال: [أو بإقامة البينة] فنقول مثلاً: يا فلان! إنك قد قذفته بالزنا فنريد أن نقيم عليك الحد، فيقول: لا، أنا عندي أربعة شهود، فأتى بأربعة شهود، فهنا يسقط عنه. قال: [أو باللعان]، وهذا بين الزوجين كما تقدم شرحه. إذاً: هذه الأمور يسقط فيها حد القذف، وهي أولاً: أن يعفو المقذوف، وثانياً: أن يصدق القاذف المقذوف، والثالث: أن يأتي المقذوف ببينة وهي أربعة شهود، والرابع: اللعان.

стр. 496

أقسام القذف قال: [والقذف حرام وواجب ومباح]، فيحرم فيما تقدم؛ لأنه من الكبائر، ويجب على من يرى زوجته تزني ثم تلد ولداً يغلب على ظنه أنه من الزاني؛ لشبهه به، فهذا يجب عليه أن يقذفها؛ ليلاعنها وينفي هذا الولد؛ لئلا يدخل هذا الولد على غير أهله، فيرث، ولا تحتجب عنه النساء وغير ذلك من الأحكام. قال: [ويباح إذا رآها تزني، أي: يباح القذف]، إذا رآها تزني ولم تلد لا يلزمه نفيه، وفراقها أولى، فيفارقها أولى من قذفها؛ لأن هذا أستر لها ولأهلها ولأولاده إن كان لها أولاد منه. إذاً: إذا كان رآها تزني لكنها لم تأت بولد يشبه الزاني ويغلب على ظنه أنه منه، فنقول: يباح لك أن تقذفها، لكن الستر أولى، فالله ستير يحب الستر جل وعلا.

стр. 497

ذكر ألفاظ القذف الصريحة والألفاظ المكنية ثم قال: [فصل: ذكر صريح القذف وذكر كنايته]، الصريح: كل لفظ يدل على الزنا أو اللواط صراحةً لا يحتمل غيره، يعني: لا يمكنه أن يقول: أنا أريد كذا، فهو لا يحتمل غير الزنا الصريح، هذا هو صريحه، وهنا لو ادعى أنه يريد شيئاً آخر لم يقبل منه، فلو قال: يا فلان! أنت زانٍ، ثم بعد ذلك لما أتي به إلى القاضي قال: أريد أنه ينظر إلى النساء، والنبي ﷺ يقول: (والعينان تزنيان وزناهما النظر)، فنقول: لا. هذا وجه بعيد لا يحتمل، فهذه ألفاظ صريحة، والألفاظ الصريحة يؤخذ بها مطلقاً، ثم ذكرها ﵀. قال: [وكنايته]، الكناية هي التي تحتمل الزنا وتحتمل غير الزنا، فإذا ادعى القاذف أنه يريد غير الزنا، فقال: أنا ما أريد الزنا وإنما أريد كذا، مثل أن يقول: يا خبيث مثلاً أو غير ذلك من الألفاظ، وقال: أنا أريد بالخبيث هنا خبيث الطباع، أو رماه بالتخنث، وقال: أنا أريد هنا التكسر والتشبه بالنساء ولا أريد الزنا، فيقبل هذا الكلام منه بيمينه. إذاً: اللفظ الصريح لا يقبل منه التخلص منه، ويقام عليه الحد، وغير الصريح الذي يحتمل إن ادعى هذا الاحتمال قُبل ذلك منه، ولكن لا بد من يمينه، وظاهر ذلك: أنه يقبل منه ولو كانت هناك قرائن تدل على أنه يريد زنا الصريح، واختار ابن القيم وهو قول ابن عقيل وهو مذهب المالكية: أنه إذا كانت القرائن تدل على أنه يريد الزنا الصريح، وأتى بلفظٍ محتمل فإنا نحمل كلامه على الزنا الصريح؛ لوجود قرائن، فهذه القرائن تبعد ذلك الاحتمال، وهذا هو القول الراجح؛ لئلا يتذرع الناس إلى قذف غيرهم بالزنا بألفاظ محتملة.

стр. 498

إذا أراد بألفاظ الكناية حقيقة الزنا قال: [فإن أراد بهذه الألفاظ حقيقة الزنا حُدّ، وإلا عُزِّر]، يعني: إذا قال: ما أريد الزنا الصريح، وكان اللفظ محتملاً قبل ذلك منه كما تقدم بيمينه، لكنه يعزر.

стр. 499

حكم من قذف أهل بلدة أو جماعة لا يتصور الزنا منهم عادة قال: [ومن قذف أهل بلدة، أو جماعة لا يتصور الزنا منهم عادة عزر]، لو قال: أهل البلدة الفلانية زناة، أو دولة أو مدينة كبيرة، أو قبيلة كبيرة، فهذا لا يتصور، ويعلم كذبه عادة، فهذا يعزر فقط ولا يقام عليه الحد، فيعزره القاضي ولا يقام عليه الحد؛ لأن العار لا يلحقهم بمثل هذا القول؛ لأن كذب هذا معلوم.

стр. 500

حكم من قذف جماعة يتصور الزنا منهم عادة قال: [وإن كان يتصور الزنا منهم عادة مثل عشيرة معينة آل فلان رماهم بالزنا يتصور ذلك منهم؛ لأنهم محدودون، وقذف كل واحدٍ بكلمة، فلكل واحدٍ حد]، فهم مثلاً خمسون، وقال: فلان زانٍ، وفلان زانٍ، وفلان زانٍ، واحداً واحداً، فيقام عليه الحد، ولو خمسين حداً؛ وذلك لأن لكل واحدٍ منهم قذف، وأما إذا قذفهم بكلمة واحدة فحد واحد، ولذا قال: وإن كان إجمالاً فحد واحد، وهذا هو ظاهر الآية؛ فإن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور:٢٣] فقال: (المحصنات) وهذا جمع، فدل على أن من رمى جماعة بلفظٍ واحد فحدٌ واحد إن كان يتصور وقوع ذلك منه، وأما إذا فصل فقال: فلان، وفلان، وفلان، فلكل واحدٍ منهم حدٌ. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 501

دليل الطالب_كتاب الحدود [٣] الخمر مفسد للعقل مضر بالبدن، فمنافعه قليلة وأضراره كثيرة، وقد حذر الشرع منه وبين عقوبة فاعله في الدنيا والآخرة.

стр. 502

حد السكر

стр. 503

الدليل على تحريم المسكر وأقوال العلماء في ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: حد المسكر]. السكر: لذة ونشوة يذهب معها العقل، فلا يدري صاحبها ما يقول، قال تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣]، وقد أجمع أهل العلم على تحريم الخمر، وإنما وقع الخلاف في ما لم يسكر قليله من غير العنب، وأما ما أسكر قليله فلا خلاف بين أهل العلم في تحريمه كله، سواء كان من العنب أو التمر أو الحنطة أو الشعير، أو العسل، وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير). وأما إذا كان قليله لا يسكر لكن كثيره يسكر فأجمعوا كذلك على تحريمه إذا كان من العنب، فما كان من العنب فإنه حرام وإن كان قليله لا يسكر ما دام أن كثيره مسكراً، وأما إذا كان من غير العنب فقال أهل الكوفة: إنه جائز، وهذا خلاف ما ذهب إليه عامة أهل العلم، فعامة أهل العلم على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، وقد جاء هذا صريحاً كما عند الخمسة أن النبي ﵊ قال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، وفي أبي داود أن النبي ﵊ قال: (ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام). وأما أهل الكوفة فأجازوه من غير العنب إن كان قليله لا يسكر، ولا يشرب كثيراً يسكره. إذاً: فهم يقولون: أولاً: ألا يكون من العنب، ثانياً: أن يكون قليله لا يسكر، فإذا قدر مثلاً أن شراب الشعير يسكر منه قدر لترٍ فشرب منه ربع لترٍ، وكان ربع اللتر هذا كما تقدم في هذا الحد لا يسكر فلا حرج عليه في ذلك، هذا هو قولهم، فلا يقولون بشرب النبيذ مطلقاً كما يفهم بعض الناس ويغلط، بل يرون أنه له أن يشرب هذا القليل الذي لا يسكر، ولو زاد فشرب زيادةً سكر، لكنه لم يشرب إلا هذا القدر الذي لا يسكر، ومع ذلك فقد ذهب عامة أهل العلم إلى القول بتحريم ذلك، بل قالوا: بأن شارب هذا القليل يحد، ولم يقولوا ذلك في النكاح بلا ولي؛ لأن الأحاديث فيه أظهر. والجمهور يقولون: إن من نكح بلا ولي فإنه لا يقام عليه الحد، وأما من شرب النبيذ من غير العنب الذي يسكر كثيره وقد شرب منه قليلاً فقالوا: إنه يحد؛ قالوا: لأن هذا ذريعة إلى شرب الكثير، ولأن الأحاديث فيه أصرح. قال الإمام أحمد ﵀ في الأحاديث في تحريم ذلك: تثبت من عشرين وجهاً، وقال ﵀: لا يصح في الرخصة في المسكر حديث. وقال ابن المنذر ﵀: وقد استدل أهل الكوفة بأحاديث معلولة ذكرناها وذكرنا عللها. إذاً: لا يصح في هذا الباب حديث.

стр. 504

حد من شرب مسكراً قال: [من شرب مسكراً مائعاً أو استعط به]؛ لأن المقصود من ذلك: أن يدخل بدنه سواء كان هذا بشربٍ أو استعاط، والاستعاط من الأنف، [أو احتقن به] كحقنة في الدبر، [أو أكل عجيناً ملتوتاً به]، أي: أكل عجيناً عجن بالخمر، ولو لم يسكر لما تقدم، ما دام أن كثيره مسكر فإن ذلك لا يجوز. وأما لو استُهلك كالذي يخلط في ماء فيستهلك ويبقى الاسم للماء كبعض المشروبات التي يكتب على عبواتها أن فيها نسبة من الكحول، لكن هذه لو تشرب منها الكثير فإنه لا يسكر، فهذا قد استهلك وذهب، ولا يخلو كثير من الأشربة من وجود نسبة معينة من كحول، لكن هذه النسبة مستهلكة، ولذا لا حرج في شرب ما يصنع من الشعير الذي لا يسكر، ويأتي ما ثبت من شربه ﵊ لذلك إذا لم يتجاوز ثلاثة أيام، يأتي ذلك إن شاء الله. قال: [ولو لم يسكر حد ثمانين إن كان حراً]، وألحق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الحشيشة بذلك، وهذا ظاهر، ولذا قال عمر ﵁: (والخمرة ما خامر العقل)، فما أذهب العقل فهو خمر، وقال ﵊: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)، رواه مسلم في صحيحه. قال: [حد ثمانين إن كان حراً]، وأما العبد فإنه يحد أربعين، كما تقدم في حد الزنا -يعني: قياساً على حد الزنا- والدليل على أنه يحد ثمانين ما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁، قال: (أتي النبي ﵊ برجل شرب الخمر فأمر بضربه بجريدتين نحواً من أربعين، وفعله أبو بكر، فلما كان عمر ﵁ استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر به) إذاً: فهي سنة عمرية. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: (جلد النبي ﵊ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي) يعني: الجلد بالثمانين، فهذه زيادة على ما كان على عهد النبي ﵊، وعلى ما كان في عهد أبي بكر، وهذه الزيادة دعا إليها استشراء الخمر وكثرة شربها، فلما رأى عمر ذلك رأى أن يحد بثمانين، وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة، ولذا قال علي كما تقدم (وكل سنة، وهذا أحب إلي). وقال بعض أهل العلم وهو اختيار شيخ الإسلام ورواية عن أحمد: بل يحد أربعين؛ لأن هذا هو الذي كان على عهد النبي ﵊ وعلى عهد أبي بكر، والذي يترجح ما كان في عهد عمر ﵁، لكنا نقول: إن الأربعين حدٌ والأربعين الأخرى تعزير، وعلى ذلك فـ عمر ﵁ ضربه ثمانين: أربعين منها حد، وأربعين منها تعزير.

стр. 505

حكم قتل من تكرر منه شرب الخمر هل يصل الحد بشارب الخمر إلى القتل؟ ذهب إلى ذلك أهل الظاهر إن شربه في الرابعة وقد حد قبل ذلك ثلاثاً، وقد جاء عند الخمسة أن النبي ﵊ قال: (إذا شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه) إذاً: أقيم عليه الحد ثلاثاً. ثم قال رسول الله: (ثم إذا شرب في الرابعة فاضربوا عنقه)، والحديث رواه الخمسة وإسناده صحيح، وقد أخذ به أهل الظاهر، وأما الجمهور فلم يأخذوا به، وقالوا: جاء في الصحيحين أن رجلاً لعنه أحد الصحابة وقال لما أتي به ليجلد: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، وكان ذلك في شرب الخمر، وفيه أن النبي ﷺ قال: (لا تلعنوه؛ فقد علمت أنه يحب الله ورسوله)، ولم يقتل. وفي أبي داود عن قبيصة -وهو من صغار الصحابة- قال: (ثم أتي النبي ﷺ برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، قال: ورفع السيف فكانت رخصة). فالجمهور قالوا: هذا منسوخ، وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية وطائفة من أهل العلم وقالوا: بل هو من باب التعزير، فإن رأى الإمام ذلك عزر به. أي: أن الأصل هو الحد ولو أتى عشر مرات، لكن إن رأى الإمام التعزير بالقتل فإنه يعزر به.

стр. 506

شرط إقامة الحد على شارب الخمر قال: [وأربعين إن كان رقيقاً، بشرط كونه مسلماً مكلفاً مختاراً]؛ لأن الحدود إنما تقام كما تقدم على المكلف، فلا بد أن يكون بالغاً عاقلاً. قوله: [مسلماً]؛ لأن الخمر ليست بحرامٍ عند الكفار، بخلاف الزنا فإنه عند أهل الذمة حرام، ولذا فإنه لا يقام عليهم الحد في شرب الخمر. قال: [بشرط كونه مسلماً مكلفاً مختاراً لشربه]، وأما إذا كان مكرهاً فلا شيء عليه لما تقدم. قال: [عالماً أن كثيره مسكر]، قال عمر ﵁ كما في مصنف عبد الرزاق: (لا حد إلا على من علمه)، فما دام أنه لا يعلم أن كثيره يسكر فلا شيء عليه. قال: [ومن تشبه بشرّاب الخمر في مجلسه وآنيته حرم وعزر]، مثل أن يجمع أصحابه ويقول لهم: اجلسوا على هذه الصفة: وأتى بكئوس يشرب بها الخمر عادة، وأتى بما يصب به الخمر عادة، ووضع فيه عصيراً أو نحو ذلك، وأخذ يدور عليهم بهذا كصفة شرب الخمر تماماً، فهذا قد تشبه بهم، ومن تشبه بقومٍ فهو منهم، وسداً لهذا الباب فإنه يعزر، فيحرم هذا الفعل ويعزر.

стр. 507

يحرم شرب العصير إذا أتى عليه ثلاثة أيام ولم يطبخ قال: [ويحرم العصير إذا أتى عليه ثلاثة أيام ولم يطبخ]، فقد ثبت في صحيح مسلم (أن النبي ﵊ كان ينبذ له الزبيب فيشربه ﵊ اليوم والغد وبعد الغد، فإذا كان مساء الثالثة أمر أن يهراق أو يسقى الخدم يبادر به الفساد)، أي: يسقى الخدم ليبادر قبل فساده، يعني: يشربونه فوراً قبل أن تتم هذه الأيام الثلاثة بلياليها، وهذا الحديث الذي رواه مسلم يدل على أن هذا العصير الذي ينبذ يكون من تمرٍ؛ لأن هذا الذي كان ينبذ للنبي ﵊ من الزبيب ومثله التمر، ونحو ذلك مما يتخمر إذا ترك، يعني: يشتد ويكون فيه شدة إذا ترك ثلاثة أيام، فتكون فيه رطوبة فيسكر، فيوضع مثلاً عند فراشه ويشربه ثلاثة أيام، وبعد اليوم الثالث لا يُشرب.

стр. 508

حكم شرب العصير إذا طبخ وذهب ثلثه قال: [ولم يطبخ]، إذاً: فالطبخ يجيزه، فيطبخ حتى لا يبقى إلا ثلثه، يعني: يذهب ثلثاه، فإذا ذهب ثلثاه في الطبخ فإنه تزول آفته من الرطوبة، وفي ذلك آثار عن الصحابة ﵃: عن عمر وأبي موسى وغيرهما، وعلى ذلك إذا مضت عليه ثلاثة أيام ثم طبخ فذهب ثلثه يعني: تبخر ثلثه، وبقي ثلثه؛ فإنه جائز.

стр. 509

حكم إقامة الحد على من ظهرت منه رائحة الخمر أو تقيأها قد تقدم لكم أن حد الخمر يثبت بالبينة وهي شهادة اثنين عدلين، ويثبت كذلك بالاعتراف، وتقدم إيضاح ذلك، وهل يثبت بظهور رائحته، أو بأن يتقيأ الخمر؟ قال الجمهور وفيهم الحنابلة: لا يقام الحد بذلك، قالوا: لأن الحدود تدرأ بالشبهات. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب مالك واختيار ابن القيم: أنه يقام عليه الحد؛ لأنها لم تظهر الرائحة إلا وقد شرب، ولم يتقيأها إلا وقد شربها، ولذا قال عثمان ﵁ كما في صحيح مسلم: (إنه لم يتقيأها إلا وقد شربها)، وهذا أيضاً قد صح عن عمر ﵁ كما في ابن أبي شيبة. وهذا القول أظهر لا سيما مع القرائن، كأن يكون الرجل معروفاً بالفسق ويحكى عنه شرب الخمر ونحو ذلك، فيقبض عليه وهو يتقيأ، أو وقد ظهرت منه هذه الرائحة.

стр. 510

التعزير

стр. 511

تعريف التعزير قال: [باب التعزير]. التعزير: هو في اللغة المنع، وأما في الشرع: فهو التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. تقدم لكم في مسائل كثيرة أنه إذا لم يكن هناك حد فالتعزير، والتعزير هو التأديب في كل معصيةٍ لا حد فيها ولا كفارة، فالزنا فيه حد، فلا تعزير فيه إذاً، ولا تعزير في جماع الرجل لامرأته في نهار رمضان؛ لأن في ذلك الكفارة. إذاً: لا يكون فيها حد؛ لأنه إذا كان فيها الحد فيجب أن يقام الحد، ولا كفارة فيها، فكل معصية مثل أن يخلو بامرأةٍ ويباشرها دون الفرج، فهذا فيه تعزير، وليس فيه حدٌ ولا كفارة.

стр. 512

التعزير في كل معصية لا حد فيها قال: [يجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة]، هذا هو المذهب، لكن القول بالوجوب يشكل عليه ما ثبت في أحاديث كثيرة أن النبي ﵊ لم يعزر كثيراً من العصاة، منهم الذي أتاه وذكر له أنه أصاب من امرأة كل شيءٍ إلا النكاح، وقال له: (أصليت معنا) الحديث، وفيه أن النبي ﷺ قال له: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، ولم يعزره ﵊، وكذلك في أحاديث كثيرة لكثير من العصاة لم يثبت تعزيرهم، ولذا قال الإمام أحمد ﵀ في رواية أخرى عنه خلافاً للمشهور: إنه مندوب، يعني: التعزير. والقول الثالث وهو أصحها وهو قول بعض الحنابلة ومذهب الشافعية: أن التعزير يرجع إلى الإمام بحسب المصلحة، فإذا رأى أن هذه المعصية قد انتشرت وأنه يجب أن يعزر فيها الناس بعقوبة تردعهم عنها فعل ذلك، وإلا ترك، إذاً: هذا يرجع إلى ما يراه الإمام، وهذا من سياسة الناس بالشرع، وهذا هو الراجح.

стр. 513

التعزير حق من حقوق الله تعالى فلا يشترط فيه مطالبة المجني عليه قال: [وهو من حقوق الله تعالى لا يحتاج في إقامته إلى مطالبة]، التعزير حق لله لا يحتاج إلى مطالبة؛ لأنه كما تقدم في كل معصية، وعلى ذلك فلا يحتاج إلى مطالبة، بل هو حقٌ لله ، فالإمام إذا رأى التعزير عزر، ولا يحتاج هذا إلى مطالبة. قال: [إلا إذا شتم الولد والده، فلا يعزر إلا بمطالبة والده]؛ قالوا: لأن الأب له أن يعزر، وله أن يؤدب ولده، فلو شاء أدبه، فما دام أنه لم يؤدبه فننظر إن طلب التأديب، فقد يكون عاجزاً عن التأديب فيطلب من الحاكم ويذهب إلى القاضي ويقول: أدب ولدي، وهذا ما ذكره في الإقناع، وظاهر المنتهى خلافه، لكن ما ذكر هنا هو الأظهر، وأن الولد لا يؤدب؛ لأن الأمر راجع إلى الوالد إن شاء أدبه، وإن عجز طالب.

стр. 514

لا يعزر الوالد بحقوق ولده قال: [ولا يعزر الوالد بحقوق ولده]؛ لأن النبي ﷺ : (أنت ومالك لأبيك).

стр. 515

لا يزاد في جلد التعزير على عشرة أسواط قال: [ولا يزاد في جلد التعزير على عشرة أسواط]، يقولون: أقصى حد في التعزير هو عشرة أسواط، فلو خلا رجلٌ بامرأة وباشرها لكنه لم يطأها، وقبض عليه أو اعترف، أو كانت هناك بينة وأراد الحاكم أن يعزره فإنه لا يعزره إلا بعشرة أسواط فأقل. واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حدٍ من حدود الله). وفي المسألة أربعة أقوال لأهل العلم، القول الثاني في المسألة: أن للإمام أن يعزر بما رأى، يعني: ولو بمائتي سوط، وهو مذهب المالكية. القول الثالث وهو مذهب الأحناف والشافعية ورواية عن أحمد: أن له أن يعزر بما دون الحد، وهو ثمانون بالنسبة للحر، وأربعون بالنسبة للعبد، وعلى ذلك فلو خلا بامرأة وبات عندها لكنه لم يطأها، فللحاكم أن يجلده تسعة وتسعين سوطاً، ولا يجلده مائة، وإن كان عبداً فتسعة وأربعين. القول الرابع وهو أصحها وأحسنها كما قال ابن القيم ومال إليه شيخ الإسلام كما ذكر ذلك صاحب الإنصاف: أنه لا يبلغ به الحد إذا كانت المعصية في جنسها حدٌ، فإن لم يكن في جنسها حد فله أن يعزر بما يرى. وهذا قريب من المذهب الذي قبله لكنه أضبط، يقول: ننظر إلى المعصية: فإن كانت هذه المعصية فيها حد فإنا لا نتعدى هذا الحد، فإن خلا رجل بامرأة ولم يطأها، فإن الشرع قد قضى بأن الزنا فيه مائة جلدة، فإنا لا نعزره بمائة جلدة فيما إذا خلا بها، وإنما نعزره بتسع وتسعين فأقل. وأما إذا كانت المعصية ليس في جنسها حد فله أن يعزر بما يرى، فلو أن رجلاً مثلاً شرب الماء في نهار رمضان أمام الناس وخشي الإمام أن يترتب على ذلك استطالة للخلق في هذا الباب، فرأى أنه يجلد مثلاً خمسمائة سوط، في كل أسبوع مثلاً يجلد مائة، ولا يجلد في اليوم أكثر من مائة فهذا لا يتحمله، لكن تجزأ ففي كل أسبوع يأتون به ويجلد، إذا رأى ذلك فلا بأس به، بل لو رأى أن يعزر بالقتل فله ذلك، ولذا ذهب المالكية وهو اختيار ابن القيم ووجه في مذهب أحمد: أن الداعية إلى البدعة قد يصل التعزير به إلى القتل إذا لم تندفع مفسدته إلا بذلك، فإذا كان يدعو إلى بدعة مغلظة ولم تندفع بدعته إلا بذلك، فمذهب المالكية وهو وجه في مذهب أحمد واختاره ابن قيم الجوزية: أنه يجوز للإمام أن يعزره بالقتل. وقد تقدم الكلام في تعزير شارب الخمر.

стр. 516

حكم الرجل إذا وطئ أمة له فيها شرك قال: [إلا إذا وطئ أمة له فيها شرك فيعزر بمائة سوطٍ إلا سوطاً]؛ لثبوت أثرٍ في ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه فيما رواه عبد الرزاق في مصنفه، إذاً: استثنوه لهذا الأثر، والآثار في هذا الباب كثيرة، فقد تقدم أن عمر زاد في حد الخمر أربعين، وعند الطحاوي بإسناد حسن أن علياً ﵁ جلد رجلاً شرب الخمر في رمضان أربعين جلدة، وهذا فوق الحد، يعني: جلده الحد وجلده عشرين زيادة على الحد، وليس في الأثر أنه يزيدها في نفس المجلس. فالمقصود أنه جلده عشرين سوطاً، وهذه أكثر من عشرة أسواط.

стр. 517

حكم من شرب مسكراً في نهار رمضان قال: [وإذا شرب مسكراً نهار رمضان فيعزر بعشرين مع الحد]؛ لأثر علي ﵁ عند الطحاوي، ولا بأس بتسويد وجه من يستحق التعزير، وروي ذلك عن عمر، والمناداة عليه بذنبه، فهذه كلها أنواع من التعزير يقدرها الإمام، فأخفه التوبيخ بالكلام وأعلاه القتل، والتوبيخ بالكلام مثل أن يقول له: أنت لا يصلح لك مثل هذا الفعل أنت ابن فلان، أنت من الأسرة الفلانية، أنت من بيت شرف فكيف تفعل هذا؟ فهذا قد يكون أشد عليه من السياط. إذاً: فباب التعزير هذا يرجع إلى القاضي، فيعزر بما يرى، فقد يكون ذلك بكلمة تكون أشد عليه من السياط، وقد يكون بالجلد، وقد يكون بالحبس، وقد يكون بالقتل كما تقدم.

стр. 518

حكم التعزير بحلق اللحية قال: [ويحرم حلق لحيته]، هذا لا يجوز؛ لأن الشرع لا يأتي بذلك، ولأن هذا مثلة، بل لأنه يخالف الشرع أيضاً، وهذا يفعله بعض أهل البادية.

стр. 519

حكم التعزير بأخذ المال قال: [وأخذ ماله]، فإذا أتى بمعصية لا يؤخذ شيء من ماله تعزيراً، يعني: لا يغرم غرامة مالية تؤخذ من ماله من باب التعزير، هذا هو المذهب وهو قول الجمهور: أن المال لا يؤخذ في التعزير، واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن قيم الجوزية: أنه يجوز إتلاف المال وأخذه في باب التعزير. قال شيخ الإسلام: وهذا جارٍ على أصول أحمد، ولهذا أدلة كثيرة، فمنها: أن النبي ﵊ أمر بتحريق متاع الغال وهذا في الصحيح، ومنها: أن النبي ﷺ أمر أن يحرق الثوبين المعصفرين، وهذا في صحيح مسلم، وأمر ﵊ أن يهراق الخمر، وأن تكسر آنيته، مع أنها يمكن أن تغسل، وهذه مال، والحديث في الترمذي. وقال النبي ﵊ كما في مسند أحمد: (فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا) قال ذلك فيمن منع الزكاة، فأخذ شطر المال هو من باب التعزير؛ لأنه منع الزكاة، وثبت عن عمر كما في ابن أبي شيبة: أنه أحرق بيت شارب خمر. إذاً: هذه كلها آثار تدل على ذلك، وهذا هو الراجح، وهذا جارٍ على أصول أحمد كما قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، ويكون هذا بالعدل لا بالإضرار، ويكون المقصود من ذلك سياسة الناس بالشرع، ولا يكون المقصود من ذلك أخذ مكوس عليهم ويكون ذلك ظلماً لهم، وإنما هذا يكون بناءً على المصلحة.

стр. 520

الألفاظ الموجبة للتعزير

стр. 521

حكم قول المسلم لأخيه يا كافر قال: [فصل: ومن الألفاظ الموجبة للتعزير قوله لغيره: يا كافر] هذا اللفظ ليس فيه حد القذف، وإنما فيه التعزير كما تقدم، أو يقول: [يا فاسق، يا فاجر، يا شقي، يا كلب، يا حمار، يا تيس، يا رافضي، يا خبيث، يا كذاب، يا خائن، يا قرنان، يا قواد، يا ديوث، يا علق] فهذه الألفاظ فيها التعزير، أما لو قال: يا زانٍ ورماه بالزنا ففيه الحد كما تقدم.

стр. 522

حكم أن يقال للذمي يا حاج قال: [ويعزر من قال لذمي: يا حاج] لأنه شبه قصد الكنائس بقصد بيت الله، وهو لا يريد ذلك، ولو كان يريد ذلك فهذا كفر، لكن هذه الكلمة: يا حاج! إنما تقال للمسلم، وعلى ذلك فيعزر، لكن بعد أن يعلّم ذلك إذا كان يجهل؛ لأن بعض الناس يقول كلمة: يا حاج! لكبير السن، وقد لا يفهم ماذا يراد بقوله يا حاج، ولذا يقولون: يا حاج لمن لم يحج، وهم يعلمون أنه لم يحج، وإنما أصبحت تقال من باب التكريم لكبير السن، وعلى ذلك فيعلم ويبين له أن ذلك لا يجوز قبل أن يعزر.

стр. 523

حكم لعن الذمي بلا موجب قال: [أو لعنه بغير موجب]، إذا لعن ذمياً: نصرانياً أو يهودياً وقال: لعنك الله فإن ذلك لا يجوز، ويعزر على ذلك إلا إذا كان هناك موجب، أما إذا لم يكن هناك موجب فإن هذا لا يجوز، ولعن المعين في أصح القولين لا يجوز، والذي يجوز هو اللعن على العموم: لعن الله اليهود، لعن الله النصارى، وأما أن تلعنه بعينه فتقول له: لعنك الله، فهذا لا يجوز، ولذا لما لعن النبي ﵊ أولئك الثلاثة قال الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 524

دليل الطالب_كتاب الحدود [٤] حفظ المال من المقاصد الشرعية العظمى، وقد شرع لذلك حد السرقة الذي به يعاقب السارق، وينزجر أمثاله، وله شروط وأركان وآداب، وكذلك شرع حد قطاع الطريق، لتأديب من تسول له نفسه إخافة الطريق، وترويع الآمنين، وسلب أموالهم.

стр. 525

حد السرقة

стр. 526

شروط القطع في السرقة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القطع في السرقة]. قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة:٣٨]، وقد أجمع أهل العلم على القطع في السرقة. قال المصنف ﵀: [ويجب بثمانية شروط]:

стр. 527

من شروط قطع اليد السرقة [أحدها: السرقة، وهي: أخذ مال الغير من مالكه أو نائبه على وجه الاختفاء، فلا قطع على منتهب]. هذا هو حد السرقة، وشرطه أن يأخذه خفية، ولذا قال: فلا قطع على منتهب، وهو الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة كما تفعله البادية، فالمال الذي يؤخذ على وجه الغنيمة يسمى انتهاباً، فهذا لا قطع فيه، وإنما فيه التعزير. وقد روى الخمسة أن النبي ﵊ قال: (لا قطع على خائن ولا منتهب ولا مختلس)، قوله: [لا قطع على خائن]. أي: للوديعة، فالذي يجحد الوديعة -يعني: الأمانة- لا يقطع. [ولا مختلس]: وهو الذي يأخذه على حين غفلة صاحبه، يعني: يضع مثلاً الجوال على الدرج وهو يشتري بعض أغراض من المحل ويكلم أهله ويسألهم عما يحتاجون إليه مثلاً من أغراض، فيأتي شخص على حين غفلة ويأخذه، فهذا اختلاس؛ لأنه أخذ على حين غفلة، فلا حد فيه، وإنما في ذلك التعزير. قال: [فلا قطع على منتهب، ومختطف]، وهو المختلس الذي يأخذ الشيء على حين غفلة ويهرب به، فهذا لا يقطع، بخلاف من يقطع الجيب ويأخذ منه، وهو ما يسمى بالنشال؛ فإن هذا يأخذه من حرزه خفية، فهذا تقطع يده. قال: [وخائن في وديعة]، للحديث المتقدم، فإذا خان وجحد الوديعة فإن يده لا تقطع. قال: [لكن يقطع جاحد العارية]، فمن استعار شيئاً ثم جحده فإن في ذلك القطع، وقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة ﵂: (أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﵊ بقطع يدها)، ونحوه عن ابن عمر في أبي داود والنسائي، فهو شاهد له، ونحوه أيضاً عند النسائي من مراسيل سعيد بن المسيب، وهذا من مفردات المذهب، وبه قال إسحاق وهو الصواب، فهذه المرأة التي كانت تستعير المتاع فتجحده هي جاحدة للعارية فوجب قطعها. فإن قيل: ما الفرق بين جاحد الأمانة وبين جاحد العارية؟ ف الجواب أن جاحد العارية محسنٌ إليه بها، فهو في حاجة إلى هذه العارية، ولا يمكن حفظ صاحب هذه العارية إلا بهذا، وأما جاحد الأمانة فإن من وضع عنده الأمانة لا يخلو من تفريط؛ لأن هذا تبين أنه غير أمين، فلا يخلو من وضع عنده الأمانة من تفريطٍ في إعطائه لهذه الأمانة، بخلاف العارية فإن هذا الذي قد أخذها هو المحتاج إليها، وقد أعطاه لهذا الرجل، أو أعطته هذه المرأة هذه العارية إحساناً له، فإذا لم يقطع ترتب على ذلك امتناع الناس عن الإحسان في هذا الباب، فلا يعيرون، وبهذا يتبين الفرق بين جحد العارية وجحد الأمانة، ولذا فرق بينهما الشارع، والشارع لا يفرق بين المتماثلات، ولا يجمع بين المختلفات.

стр. 528

من شروط القطع في السرقة كون السارق مكلفاً قال: [الثاني: كون السارق مكلفاً]؛ لما تقدم؛ لأن غير المكلف مرفوع عنه القلم، فلا يقام عليه الحد. [مختاراً]: لأن المكره قد رفع عنه القلم، وتجاوز الشرع عن مؤاخذته. [عالماً بأن ما سرقه يساوي نصاباً]: فلو سرق شيئاً لا يظن أنه يساوي نصاباً، وظن أنه لا يساوي إلا الشيء اليسير الذي دون النصاب، فتبين أن هذا الكيس الذي أخذه فيه مثلاً مجوهرات، وكان يظن أن فيه طعاماً أو نحوه، فلا قطع؛ لما تقدم من قول عمر ﵁: لا حد إلا على من علمه، والحدود تدرأ بالشبهات.

стр. 529

من شروط القطع في السرقة كون المسروق مالاً قال: [الثالث: كون المسروق مالاً]، يعني: مالاً محترماً له قيمة، فإذا كان المال لا قيمة له فليس بمحترمٍ في الشرع، فلا حد فيه، ولذا قال المؤلف هنا: [لكن لا قطع بسرقة الماء]؛ لأن الماء لا يتمول عادة، لكن إذا كان يتمول عادةً كالذي يدخل مستودعاً مثلاً ويأخذ من مياه الصحة هذه التي تباع، فهذا متمول عادة، لكن لو أتى إلى أهل بيت وعندهم ماء للشرب فأخذ منه، فهذا لا يتمول عادةً. قال: [ولا بإناء فيه خمرٍ] أو ماء كذلك، ولذا أمر النبي ﷺ بكسر دنانه؛ لأنه وفيه الخمر ليس له قيمة مالية. قال: [ولا بسرقة مصحف]؛ لأن المصحف لا يجوز بيعه في المذهب، فإن قلنا بجواز بيعه قلنا بقطع يد من سرقه، فهذا ينبني على هذا الخلاف، والذي يترجح جواز بيعه. قال: [ولا بما عليه من حلي]؛ لأن هذا تابع، فلو سرق مصحفاً فيه حلي، يعني: جلّد بشيء من حلي، أو وضع في أطراف جلادته شيء من حلي فإنه لا يقطع بذلك؛ لأن هذا تابع، ولأنه لا يجوز بيعه مع تابعه، هذا على المذهب، والحدود تدرأ بالشبهات. قال: [ولا بكتب بدعة وتصاوير]، فلو سرق كتب بدعة من مكتبة، كالذي يسرق كتب السحر أو بعض كتب أهل البدع فلا تقطع يده؛ لأن هذا لا قيمة له، والتصاوير كذلك، لكن لو كان الثوب فيه صورة مثل ملابس الأطفال التي فيها صور، فالذي يظهر أن لها قيمة، وأما إذا كانت صورة فقط غير مأذون فيها شرعاً فلا قطع فيها، لكن لو سرق مثلاً صور للأطفال التي تلعب بها البنات، فهذه لها قيمة، هذا كله إذا بلغت نصاباً، ويأتي شرحه. قال: [ولا بآلة لهو كمزمارٍ ونحوه، ولا بصليب أو صنم]، إذاً: كل مالٍ ليس بمحترم -يعني: لا قيمة له- فلا تقطع به اليد.

стр. 530

أن يبلغ المسروق النصاب [الرابع: كون المسروق نصاباً، وهو ثلاثة دراهم أو ربع دينار]، كون المسروق نصاباً؛ لقوله ﵊: (لا تقطع اليد إلا في ربع دينارٍ فصاعداً)، والدينار قدره أربع جرامات وربع الجرام، وعلى ذلك فالربع يكون جراماً وربع الربع، فإذا قلنا: إن الجرام يساوي ثمانين ريالاً مثلاً، فعلى ذلك يقطع بمائة ريال؛ لأن هذا ربع دينار. قال: [أو ثلاثة دراهم]، هذا الأصل الثاني، ولذا جاء في الصحيحين: (أن النبي ﵊ قطع بمحجن قيمته ثلاثة دراهم). قال: [أو ما يساوي أحدهما]، هذا أصل وهذا أصل، إما أن يساوي ثلاثة دراهم، وإما أن يساوي ربع دينار، وتعتبر القيمة حال الإخراج، يعني: حال إخراجه من حرزه؛ لأن هذا هو وقت وجوب القطع، لوجود سببه، إذاً: المعتبر هو قيمته حال إخراجه، وعلى ذلك فلو أنه عند القطع لا يساوي إلا خمس دينار، لكنه عند إخراجه يساوي ربع دينار، أو يساوي نصف دينار، فهل فيه قطع؟ نعم فيه القطع. إذاً: ننظر إلى ثمنه حال إخراجه.
следующие страницы →