Полный текст (802 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
أحكام العاقلة
стр. 457
تعريف العاقلة
الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب العاقلة].
العاقلة: من العقل، وهي الدية، وذلك لأنهم كانوا يعقلون الإبل عند أهل القتيل، وهو -أي: العقل- الحبل الذي تربط به رجل الناقة.
فالعاقلة إذاً من الدية، والدية يقال لها عقل؛ لأنها تكون في الإبل، وقد كانت الإبل تعقل عند أهل القتيل.
قال: [وهي.
أي: العاقلة: ذكور عصبة الجاني نسباً وولاءً.
أي: لا رحماً].
هذه هي العاقلة، فالعاقلة التي تتحمل كما تقدم دية الخطأ وشبه العمد هم عصبة القاتل الذكور، والعصبة كما تقدم في الفرائض تكون في النسب وفي الولاء لا في الرحم، يعني: لا يدخل الخال، ولا ابن الخال، لأنهم رحم، أما العم وابن العم، والأخ الشقيق، والأخ لأب، فهؤلاء يدخلون، لأنهم عصبة.
وقد جاء كما تقدم في الصحيحين في قصة الهذليتين اللتين اقتتلتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، وفيه: (أن النبي ﵊ قضى بأن دية المرأة على العاقلة) هذه هي العاقلة.
وقد جاء عند الخمسة إلا الترمذي: (أن النبي ﵊ قضى أن دية المرأة على عصبة القاتلة ولا يرثون منها شيئاً إلا ما فضل من ورثتها).
إذاً: العاقلة هم عصبة القاتل من الحواشي، ومن الأصول، ومن الفروع، فدخل في ذلك الأب والابن، والإخوة والأعمام، وتقدم إيضاح هذا في كتاب الفرائض، ولا يدخل في ذلك الجاني نفسه، وهذا هو ظاهر الحديث، وهو المشهور في المذهب؛ وذلك لأن النبي ﵊ قضى بأن دية المرأة على العاقلة، ولا يدخل هو في العاقلة، هذا هو ظاهر الحديث.
وكذلك الحديث الآخر الذي فيه: (أن النبي ﷺ قضى بدية المرأة على عصبة القاتلة) ولا يدخل الجاني نفسه على ظاهر هذا اللفظ.
وقال بعض العلماء، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي بل يدخل في ذلك الجاني، قالوا: لأنه أولى، والصحيح الأول؛ لظاهر الحديث كما تقدم؛ فإن ظاهر الحديث أنها تجب على عاقلته.
стр. 458
من لا تحملهم العاقلة
قال: [ولا تحمل العاقلة عمداً]، وقد صح ذلك عن ابن عباس ﵁ كما في البيهقي أنه قال: لا تحمل العاقلة عمداً، ولا اعترافاً، ولا صلحاً، ولا ما جنى المملوك -أي: ما جني على المملوك-.
كما قال ذلك الأصمعي وابن أبي ليلى وأبو عبيد.
فالعاقلة لا تتحمل هذه الأشياء، بل تكون على الجاني نفسه، فإذا قتل عمداً فعلى الجاني نفسه الدية ولا تكون على عاقلته، وإذا قتل عبداً وجبت قيمته على الجاني نفسه؛ وذلك لأن العبد مال فكان له مجرى سائر الأموال، كما لو أتلف سيارة أو أتلف حيواناً، أو غير ذلك؛ فإن ذلك يكون على الجاني المتلف فكذلك العبد؛ لأن العبد مال، ولذا لا تسمى دية في حقه، وإنما هي قيمة، وتختلف باختلاف صفاته، فقد تزيد وقد تنقص باختلاف صفاته، فهو مال يباع ويشترى.
قال: [ولا إقراراً]، إذا أقر على نفسه بقتل خطأ أو شبه عمد؛ فإن العاقلة لا تحمل ذلك، بل يتحمله هو؛ لئلا يكون ذلك طريقاً إلى الحيلة، كأن يأتي إلى القاضي ويقول: أنا أقر أني قتلت فلاناً، ويتفق هو وأهل الميت على أخذ الدية، ولا يكون هو القاتل، وعلى ذلك فإذا اعترف هو فإن العاقلة لا تحمل ذلك إلا إذا صدقته فإنها تحمل ذلك؛ لأن تصديقها يجعله كما لو ثبت القتل بالبينة، فما دام أنها تصدق فإن ذلك يكون كالبينة، ولأن الحيلة التي تخشاها كما تقدم قد زالت ولأن ما كنا نخشاه من التحايل في ذلك قد زال؛ لأنهم هم يصدقون، يعني: العصبة تصدق.
[ولا صلحاً]، فلو أن رجلاً أتي به إلى القاضي وقيل له: إنك قد قتلت فلاناً خطأً فقال: أنا لم أقتله، فقيل له: احلف! فقال: أنا لا أحب أن أحلف على شيء، لكن أتحمل الدية ولا أحلف، فهل تتحمل ذلك العاقلة؟ لا تتحمله العاقلة، بل يتحمل ذلك الجاني نفسه.
إذاً: إذا أقر أنه قتل عبداً ولم تصدقه العاقلة فإنه هو الذي يتحمل، أما إذا صدقته فإن العاقلة تتحمل.
كذلك: إذا قتل عمداً، فإن العاقلة لا تحمل ذلك، وكذلك الصلح، وكذلك ما دون الثلث من الدية، فهذه أربعة أشياء لا تحملها العاقلة كما هو المشهور في المذهب.
وهناك أثر عن عمر رواه ابن حزم في المحلى من طريق ابن وهب: لا تحمل العاقلة ما دون الثلث من الدية التامة، فما دون الثلث من الدية التامة لا تحمله العاقلة، ولقول النبي ﵊: (الثلث والثلث كثير) فما دون الثلث من الدية التامة لا تحمله العاقلة، فلو قطع أصبعاً خطأً ففيه عشر من الإبل، وثلث الدية التامة ثلاثة وثلاثون بعيراً وثلث؛ لأن الدية التامة مائة من الإبل، وهي دية المسلم الذكر.
وعلى ذلك: فإذا كانت الدية دون ثلاثٍ وثلاثين وثلث من الإبل؛ فإن الجاني نفسه يتحمل ذلك.
لو أنه قطع يد امرأةٍ مسلمة ففي ذلك نصف الدية، وديتها خمسون من الإبل، وعلى ذلك ففيه خمس وعشرون من الإبل، فهي دون ثلث الدية التامة، فيحملها الجاني نفسه كما تقدم، ولذا قال: [ولا ما دون ثلث دية ذكرٍ مسلم].
قال: [وتحمل الخطأ وشبه العمد]، العاقلة تحمل الخطأ، وتحمل شبه العمد، وتقدم ما يدل على ذلك، إذاً: لا نستثني إلا العمد.
قال: [مؤجلاً في ثلاث سنين]، أي: تؤجل الدية على العاقلة في ثلاث سنين، وتقدم ذكر هذا في درسٍ سابق.
قال: [وابتداؤه]، أي: ابتداء حول القتل [من الزهوق]، أي: زهوق النفس، وتقدم أيضاً شرح هذا، وأنه إذا مات في أول محرم فإن ثلث الدية يجب في واحد محرم من السنة التي بعدها وهكذا؛ حتى تنتهي السنون الثلاث.
قال: والجرح من البرء، أي: إذا كانت دية جرح فمن البرء.
стр. 459
يبدأ بالأقرب فالأقرب من العاقلة
قال: [ويبدأ بالأقرب فالأقرب كالإرث]، معلوم أن العصبة جهات، [فيبدأ بالأقرب فالأقرب]، وعلى ذلك فلا يؤخذ من الأعمام شيء مع وجود الإخوة وهكذا، فنبدأ في العاقلة بالأقرب فالأقرب، فلا نأخذ من جهة بعدى مع وجود جهة قربى، كالإرث.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الأحناف: أنه يؤخذ من الجميع، يعني: يحصر القاضي الذكور البالغين من عصبة هذا القاتل خطأً أو شبه عمد، من الأعمام وأبناء الأعمام والإخوة والأب والابن، وتقسم على الجميع، وهذا هو الراجح، وهو ظاهر الأدلة، لأن النبي ﷺ قضى به على العاقلة، وهؤلاء من العاقلة.
وأما القياس على الإرث فهو قياس مع الفارق؛ وذلك لأن الإرث لو أدخلنا فيه جميع العصبة لم يحصل لكل فرد منهم إلا الشيء اليسير، فيتوزع هذا المال الكثير على هذه الأعداد، ويكون كالضائع، لأنه يكون لكل واحد منهم الشيء اليسير.
وأما العصبة؛ فإنا إذا وزعنا ذلك على الجميع كان في ذلك تخفيف عليهم، وهذا القول هو القول الراجح في هذه المسألة.
قال: [ولا يعتبر أن يكونوا وارثين لمن يعقلون عنه، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب عقلوا]، وهذا للحديث المتقدم؛ لأن النبي ﵊ قال: (ولا يرثون منها شيئاً إلا ما فضل من ورثتها)، فقد يكون المال مستغرقاً بالفروض، ولا يبقى للمعصب شيء، فهذا المعصب الذي لا يأخذ شيئاً من الإرث يلزمه في باب العاقلة أن يشارك في العقل، وذلك للحديث المتقدم.
стр. 460
من لا يحمل الدية من العاقلة
قال: [ولا عقل على فقير]، الفقير لا يلزمه أن يدفع شيئاً من الديه؛ لأنه محتاج إلى المواساة.
قال: [وصبي]، الصبي ولو كان ذا مال كثير لا يلزمه شيء؛ لأنه ليس أهلاً للنصرة، ومبنى العاقلة على النصرة، وهذا لا ينصر، وهذا هو قول جمهور العلماء.
[ومجنون]: كذلك المجنون لا يعقل، يعني: لا يدفع شيئاً وإن كان من أقرب الناس إلى القاتل؛ وذلك لأنه ليس من أهل النصرة.
قال: [وامرأة]، كذلك المرأة ليست من أهل النصرة.
قال: [ولو معتقة]، يعني: ولو كانت هذه المرأة معتقة؛ لأنها عصبة، وذلك أن المرأة تكون عصبة بالعتق، ومع ذلك فإنها لا تدفع شيئاً في هذا الباب، وذلك لأنها ليست من أهل النصرة.
قال: [ومن لا عاقلة له]، إذا كانت عاقلته معدومة فما الحكم؟ [أو له عاقلة وعجزت]، أي: أن عاقلته كلها فقراء ليس فيهم قادر، [فلا دية عليه هو]، أي: الجاني، يعني: لا تكون الدية عليه، وإنما تكون في بيت المال، كما قال: [وتكون في بيت المال]، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين: (أن النبي ﵊ ودى قتيل خيبر بمائة من إبل الصدقة) يعني: من بيت المال.
إذاً: إذا كانت العاقلة معدومة أو كانت عاجزة فتكون الدية في بيت المال.
قال: [كدية من مات في زحمة كجمعة وطواف]، لو أن الناس ازدحموا في جمعة أو في طوافٍ أو في حج فتفرقوا عن ميت، فإن الدية في بيت المال، حتى لا يضيع دم المسلم هدراً.
قال: [فإن تعذر الأخذ منه]، يعني: من بيت المال، [سقطت]، أي: فلا ترجع على الجاني، ولا يطالب بها الجاني.
والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد: أنها تجب على القاتل نفسه، وهو مذهب الشافعية واختاره شيخ الإسلام، وهو الراجح، وذلك لأن الأصل في ضمان المتلفات أنها تكون على المتلف، ولأن الله قال: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢]، هذه الدية يجب أن تصل إلى أهل الميت، وهذا أثر فعله، وقد أوجبناها أولاً على العاقلة من باب التخفيف، ثم في بيت المال كذلك من باب التخفيف عليه، أما إذا لم يكن بيت مال ولا عاقلة فلا يضيع دم هذا المسلم هدراً، بل تجب على الجاني نفسه؛ لأن الله يقول: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢].
إذاً نقول: هي على العاقلة، ثم على بيت المال، ثم على الجاني نفسه.
стр. 461
كفارة القتل
قال: [باب: كفارة القتل.
لا كفارة في العمد عند جمهور العلماء]، أي: لأن الله جل وعلا إنما أوجب الكفارة في الخطأ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وأما العمد فلا كفارة فيه، وإنما تجب فيه التوبة إلى الله جل وعلا.
قال: [وتجب فيما دونه] يعني: الخطأ وشبه العمد، [في مال القاتل لنفسٍ محرمة ولو جنيناً]، ودخل في النفس المحرمة المسلم والذمي والمستأمن، فمن قتل مسلماً أو قتل ذمياً يهودياً أو نصرانياً أو قتل مستأمناً، فإن عليه الكفارة.
وقوله: [ولو جنيناً].
ولو أنه ضرب بطن امرأة فأسقطت جنيناً، فعليه الكفارة؛ لأن هذا الجنين محترم، وهذا هو قول الجمهور.
ولو كان القاتل صبياً أو مجنوناً مسلماً أو ذمياً فإن الكفارة تجب، إذاً: الكفارة تجب على كل قاتل، إذا كان هذا القاتل مسلماً أو ذمياً مكلفاً أو غير مكلف؛ لعمومات الأدلة: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢].
وسواء قتله مباشرة كالسيف أو قتله متسبباً كأن يحفر بئراً أو نحو ذلك.
قال: [ويكفر الرقيق بالصوم]؛ لأن الكفارة هي عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، والرقيق لا مال له، وعلى ذلك فيصوم شهرين متتابعين.
[والكافر بالعتق]؛ لأنه لا يصح الصوم منه، فيجب أن يعتق رقبة في ماله، يأمره القاضي بذلك.
[وغيرهما يكفر بعتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين]؛ للآية الكريمة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢].
قال: [ولا إطعام هنا]، ليس هناك إطعام، وعلى ذلك فنقول له أولاً: أعتق رقبة، فإن قال: إني لا أقدر على عتق الرقبة، لأنه ليس عندي مال أعتق به، فإنا نقول له: صم شهرين متتابعين، فإن قال: لا أستطيع.
نقول: تبقى في ذمتك حتى تقدر عليها.
والقول الثاني في المسألة: أنه يجب عليه إطعام ستين مسكيناً، قياساً على كفارة الجماع وعلى كفارة الظهار، وهذا أقرب، وهو رواية عن الإمام أحمد.
وظاهر ما تقدم أن قاتل نفسه عليه الكفارة، تخرج من ماله، وهو المشهور في المذهب: أن قاتل نفسه.
والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن أحمد، واختاره الموفق ابن قدامة، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو مذهب الأحناف: أنه لا تجب في ماله الكفارة.
يعني: لا يخرج من تركته ما يكفر به عنه، وهذا القول هو الراجح، ويدل على ذلك أن الله قال: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢]، وظاهر الآية أنها تدفع إلى غير قاتل نفسه.
ولما ثبت في الصحيحين في قصة عامر بن الأكوع ﵁ فإنه رجع إليه سيفه فقتل نفسه، يعني: خطأً، ولم يأمر النبي ﵊ بإخراج كفارة من تركته، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
قال: [وتتعدد الكفارة بتعدد المقتول]، الكفارة تتعدد بتعدد المقتول، وهذا واضح، فلو قتل ثلاثة كما يكون هذا في حوادث السيارات أو غيرها، فعليه كفارات بعدد القتلى.
قال: [ولا كفارة على من قتل من يباح قتله كزانٍ محصن]؛ أي: لأن نفسه ليست محترمة، فليس معصوم الدم.
قال: [ومرتد كذلك، وحربي كذلك، وباغٍ كذلك، وقصاصاً ودفاعاً عن نفسه]، فلو قتله قصاصاً فلا كفارة؛ لأنه قتله بحق، وكذلك من قتل أحداً دفاعاً عن نفسه، واحتاج إلى القتل، بحيث لم يندفع هذا الصائل إلا بالقتل فإنه لا كفارة عليه؛ لأن هذا القتل مباح له.
стр. 462
دليل الطالب_كتاب الحدود [١]
من تعاليم الإسلام محاربة الجريمة وقطع دابرها وتأمين المجتمع المسلم منها، ومما شرع الله لذلك الحدود الشرعية، فإنها تكون تأديباً للجاني وردعاً لأمثاله.
стр. 463
أحكام الحدود
стр. 464
شروط من يقام عليه الحد
قال: [كتاب الحدود].
الحدود: جمع حد، والحد في اللغة: المنع.
وأما في الاصطلاح: فهي العقوبة المقدرة شرعاً لمعصية، هذه هي الحدود، فكل عقوبة حددها الشارع لمعصية من المعاصي كالزنا؛ فإن هذه العقوبة تسمى حداً.
قال: [لا حد إلا على مكلف]، والمكلف هو العاقل البالغ، فإذا زنى من ليس عاقلاً أو ليس بالغاً فلا يقام عليه الحد، ولذا قال النبي ﵊ لـ ماعز: (أبك جنون؟) كما في الصحيحين، فدل ذلك على أن الجنون يدرأ عنه الحد، وقال عليه الصلاة: (رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يعقل، والنائم حتى يستيقظ).
قال: [لا حد إلا على مكلف ملتزمٍ].
يعني: ملتزماً لأحكام الشرع، فدخل في ذلك المسلم والذمي، فالمسلم ملتزم لأحكام الشريعة فتقام عليه الحدود؛ ولو لم يلتزم بأحكام الشرع لم يكن مسلماً، فالمسلم يلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، وكذلك الذمي، وهو الذي يعيش في بلدنا وله ذمتنا، فهذا ملتزم تقام عليه الحدود، إذاً: الملتزم هو المسلم والذمي.
وخرج من ذلك الحربي والمستأمن، فالحربي لا تقام عليه الحدود، والمستأمن كذلك لا تقام عليه الحدود.
قال: [عالمٍ بالتحريم]، أي: ليس جاهلاً به، الجاهل بالتحريم لا يقام عليه الحد، لكن هل هذا على الإطلاق؟
الجواب
لا.
بل نقيد ذلك بما إذا كان مثله يجهله، فالجهل لا شك أنه عذر، ولذا قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والخطأ هو الجهل، قال الله: (قد فعلت) كما في صحيح مسلم.
وهذا كما يكون في أمور الناس، فلو أن رجلاً خالف في مخالفة مرورية، كقطع إشارة أو نحو ذلك، وقال: أنا لا أعرف أن هذه مخالفة، فإنهم ينظرون، إذا كان الأمر واضحاً جلياً ظاهراً كالإشارة لم يقبلوه، وقالوا: إن مثلك لا يجهل، ولو كان أمراً خفياً كأن يكون الشارع جديداً، وكان له في القديم مثلاً أكثر من اتجاه، والآن ليس له إلا اتجاهاً واحداً، فقد يخفى هذا، وقد يكون الرجل غريباً على البلد، لا يعرف أن هذا الشارع له اتجاه واحد.
فكذلك في أمور الشرع، فإذا كان حديث عهدٍ بإسلام، أو كان ناشئاً في بادية، وباديتنا في هذا الزمن لا يخفى عليهم الشيء الكثير من أمور الناس؛ لأنهم متعلمون، لكن قد يكون إنسان يعيش بعيداً في الصحراء ولا يعرف من أمور الناس شيئاً، فلا حد.
стр. 465
الشفاعة في الحدود
قال: [وتحرم الشفاعة وقبولها في حدٍ لله تعالى بعد أن يبلغ الإمام]، قال النبي ﵊: (من حالت شفاعته دون حدٍ من حدود الله فهو مضاد لله تعالى في أمره) رواه أبو داود.
وقال ﵊ لـ صفوان بن أمية لما شفع لمن سرق رداءه: (فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به) وقال لـ أسامة بن زيد: (أتشفع في حدٍ من حدود الله) كما في الصحيحين.
وقال كما في أبي داود: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍ فقد وجب).
لهم أن يتعافوا قبل أن يبلغ الحاكم، وأما إذا وصل الأمر إلى الإمام أو من ينيب الإمام وهم القضاة؛ فإنه لا شفاعة، قد تمر على رجلٍ معه آخر يريد أن يذهب به إلى الشرطة، أو وصل به إلى الشرطة، وقبل أن يصل هذا إلى الإمام أو من ينيبه الإمام فيجوز في هذه الحال أن تشفع.
стр. 466
وجوب إقامة الحدود
قال: [وتجب إقامة الحد ولو كان من يقيمه شريكاً في المعصية]، يعني: لا تقل إني قد شاركته في المعصية فلا أقيم عليه الحد، بل يقام عليه الحد، ولو كان هذا الذي يقيمه عليه شريكاً له، بعض الناس يقول: إننا كذلك نفعل هذا الأمر، نقول: وإن كنت تفعله فأنكر على من يفعله؛ لأنك إذا لم تنكر على من يفعله كنت في أحط الأمور الثلاثة؛ لأن الناس منهم من يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه، وهذه المرتبة العليا، ومنهم من يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، لكن حاله ليست كحال المرائين، بل يرغب بالتوبة ويأمل الرجوع إلى الله جل وعلا، لكن نفسه تغلبه.
والمرتبة الثالثة: هي أن يأمر بالمنكر ويأتيه، وينهى عن المعروف ولا يأتيه، وهذه أقبح هذه الأحوال، فالله جل وعلا عندما قال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، أراد -كما قرر غير واحدٍ من أهل العلم- أن تكون حال المؤمن في الحالة العليا التي تقدم إيضاحها.
стр. 467
من الذي يقيم الحدود
قال: [ولا يقيمه إلا الإمام أو نائبه]، الإمام الذي له الإمامة العظمى هو الذي يقيمه، وكان النبي ﵊ وخلفاؤه الراشدون يقيمون الحدود، ونائبه هو الذي ينيبه الإمام كما يكون هذا الآن في وزارة الداخلية، ويدل على ذلك أن النبي ﵊ قال كما في الصحيحين: (اغدوا يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) فهذا نائب للنبي ﵊ في هذه المسألة.
إذاً: لا يقيم الحدود إلا الإمام أو من ينيب الإمام، ولا يقيم آحاد الناس؛ لأنهم إذا أقاموه بأنفسهم ترتب على ذلك أولاً سفكٌ للدماء، وقطعٌ للأطراف، وأذى للخلق، ولأنه لا يؤمن من الحيف، ولأن كثيراً من هذه المسائل تنبني على الاجتهاد.
قال: [والسيد على رقيقه]، السيد يقيم الحد على رقيقة، ولذا قال النبي ﵊ كما في الصحيحين: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب) والحديث متفق عليه.
فالسيد يقيمه على عبده؛ لأن عبده ماله، وأمته ماله، فهو أمين عليه.
стр. 468
مراتب الحدود وكيفية إقامتها
قال: [وتحرم إقامته في المسجد]، فقد نهى النبي ﵊ أن تقام الحدود في المساجد، كما في سنن الترمذي.
قال: [وأشده جلد الزاني]، هذا أشد الحدود، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، فأشد الحدود هو جلد الزاني، [فالقذف فالشرب فالتعزير]، القذف لأنه ثمانون جلدة، فكان أعلى من الخمر، وأما الخمر فإن هذه الثمانين ليست كلها حداً، بل منها أربعون حداً وأربعون تعزيراً؛ لأن شارب الخمر كان يجلد في عهد النبي ﵊ أربعين جلدة، فلما كان عهد عمر وأكثر الناس من شرب الخمر جلدهم ثمانين، وسيأتي هذا إن شاء الله في الكلام على شرب الخمر.
قال: [فالتعزير]، إذاً: جلد الزنا أشد، وليس من جهة العدد فحسب، بل ومن جهة الصفة، يعني: يكون الضرب في الزنا أشد، ثم القذف، ثم الشرب، ثم التعزير.
قال: [ويضرب الرجل قائماً]؛ ليأخذ كل عضوٍ نصيبه، يعني: لتأخذ أكثر أعضاء البدن نصيبها.
قال: [بالسوط]، فيضرب بالسوط، ولا يضرب بحديد أو نحو ذلك؛ لأن المقصود تأديبه وزجر الناس عن هذه المعصية، وليس المقصود إتلاف نفسه.
فيضرب بسوطٍ لا جديد ولا خلق، لأن الجديد قد يشق الجلد ويؤذي الأذى الكثير، والخلق قد لا يؤدب، فيكون وسطاً بينهما.
قال: [ويجب اتقاء الوجه، والرأس، والفرج، والمقتل؛ لئلا يؤدي ذلك إلى إتلافه]، ولأن الوجه ينهى عن ضربه وعن تقبيحه، كما جاء في ذلك الأدلة.
قال: [وتضرب المرأة جالسة]؛ لأن هذا أستر لها، فلا تضرب قائمةً.
قال: [وتشد عليها ثيابها]؛ لأن هذا كذلك أستر لها، ولحديث الجهنية في صحيح مسلم، فإن النبي ﵊ أمر فشدت عليها ثيابها.
قال: [ويحرم بعد الحد حبس وإيذاء بكلام]، لا يجوز بعد ذلك حبسه، ولا يجوز بعد ذلك إيذاؤه بالكلام، وذلك لأن الإيذاء بالكلام والتعيير ونحوه نسخ إلى الحد، ولأن حبسه عقوبة زائدة على ما أمر الله به، فإن الله قد أمر بجلده مائة إذا كان زانياً، أو إذا قذف يجلد ثمانين جلدة، فلا يحبس؛ لأن الحبس زيادة على ما جاء به الشرع، لكن إن ارتبط به أمر آخر، فرأى القاضي أن يحبس من أجله، فهذا أمر آخر، لأن هناك ما يقتضي ذلك زائداً عن مجرد المعصية، كأن يرى الناس قد استهانوا بهذا الأمر وكثر عندهم ونحو ذلك، وأما في الأصل فإنه لا يزاد عليه، ويأتي الكلام على هذا إن شاء الله في التعزير.
قال: [والحد كفارة لذلك الذنب]؛ لحديث عبادة المتقدم، وفيه أن النبي ﵊ قال: (ومن عوقب من ذلك بشيء فهو كفارة له) فالحدود كفارات.
ومن أتى حداً ستر نفسه، فإن الله ستيرٌ يحب الستر، كما جاء في سنن أبي داود وغيره، ولم يسن أن يقر به عند الحاكم، فلا يستحب له أن يذهب إلى القاضي ويقر على نفسه بهذا الذنب، بل المستحب في حقه أن يستر على نفسه، وأن يتوب إلى الله .
стр. 469
تداخل الحدود
قال: [وإن اجتمعت حدود لله تعالى من جنسٍ تداخلت]، فلو أنه زنى عشر مرات؛ فإنه يحد مرة، لكن إن زنى فحد، ثم زنى ثانية حد، ثم زنى ثالثة حد وهكذا، لكن لو أنه أتي به وقد زنى مرات كثيرة؛ فإنه لا يحد إلا حداً واحداً، فتتداخل هذه الحدود.
قال: [ومن أجناسٍ فلا]، إذا كانت من أجناسٍ فلا، يعني: إذا كانت الحدود من أجناسٍ مختلفة فلا تداخل، [إلا إذا كان فيها قتل]؛ فإن القتل يأتي على غيره ويحيط بغيره، وعلى ذلك فلو أن رجلاً وهو بكرٌ قد زنى، وسرق، وقذف، فنقول: تقطع يده لسرقته، ويجلد ثمانين جلدة لقذفه، ويجلد أيضاً مائة جلدة لزناه، لكن يفصل بينهما لئلا يضره ذلك.
هذا هو ظاهر الأدلة؛ فإن الله أمر أن نقطع يد السارق وهذا سارق، وأن نجلد القاذف وهذا قاذف، فاجتمعت فيه هذه الأوصاف التي تقتضي أن تتعدد من أجلها الحدود، فهو قاذف وهو سارق وهو زانٍ، فصفة الزنا تقتضي الجلد من البكر، وصفة السرقة تقتضي قطع اليد، وصفة القذف تقتضي أن يجلد ثمانين جلدة.
وأما إن كانت الحدود من جنسٍ واحد كأن يسرق مرات كثيرة، أو يزني مرات كثيرة، فهذا لا يقام عليه الحد إلا مرة واحدة، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، فقد أجمعوا على ذلك كما حكى ذلك ابن المنذر وغيره.
وإن كان هذا الذي نريد أن نقيم عليه الحد مريضاً، فننظر إن كان مرضه يرجى برؤه، فالأصح وهو قول الجمهور خلافاً للمذهب أننا ننتظر حتى يبرأ، والحنابلة يرون أنه يقام عليه الحد بقدر ما يحتمل، يعني: يخفف بقدر لا من جهة العدد ولكن من جهة صفة الضرب، والصحيح: أنه يؤخر حتى يبرأ، ولذا فإن علياً ﵁ لما بعثه النبي ﷺ ليجلد امرأة كانت قد زنت، فأتاها وهي نفساء، فتركها ﵁ حتى تخرج من نفاسها، فقال له النبي ﵊: (أحسنت) والحديث في صحيح مسلم.
وإن كان المريض لا يرجى برؤه كشيخ كبير في السن، أو مصابٍ بمرض كالأمراض المستعصية، ولا يرجى زوال مرضه، فيضرب بما لا يضره، وقد جاء في سنن أبي داود والنسائي: (أن رويجلاً خبث بأمة فأمر النبي ﵊ أن يحد، فقيل له: إنه ضعيف، فأمرهم أن يأخذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ قال: فاضربوه به)، فيأخذون هذا العثكال الذي فيه مائة شمراخ ويضربونه به ضربة واحدة، وفي الحديث: (فاضربوه به ضربة واحدة).
والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
стр. 470
إقامة الحدود في الغزو والحرم
واعلم أنه في الغزو لا يقام الحد على الغازي، وإنما يترك حتى يرجع، وهذا من مفردات أحمد، وفيه آثار عن الصحابة تدل عليه، واختار ابن القيم الجوزية ﵀ أنه إذا تاب توبةً نصوحاً، أو كانت منه نكاية في العدو؛ فإنه لا يقام عليه الحد، واستدل بقصة أبي محجن؛ فإن سعد بن أبي وقاص ﵁ لم يقم عليه الحد، والأثر في مصنف عبد الرزاق، ورواه ابن سعد وغيرهما، وهو أثر صحيح.
فلا يقام الحد في الغزو، ثم إن تاب توبةً نصوحاً، وظهرت منه التوبة، أو كانت منه نكاية بالعدو؛ فإنه لا يقام عليه الحد.
ونختم هذا الدرس بمسألة وهي: [أن من أتى حداً من حدود الله، أو قتل، ثم إنه لجأ إلى الحرم، وكان قد فعل ذلك في الحل، فإنه لا يقام عليه الحد حتى يخرج]، وهذا هو المشهور في مذهب أحمد، وهو قول الجمهور من التابعين، كما قال ابن القيم ﵀: ولا يعرف أن صحابياً ولا تابعياً خالفهم.
وفيه أثر عن ابن عباس ﵁ رواه ابن جرير أنه قال: من قتل أو سرق في الحل، ثم دخل الحرم، فلا يجالس ولا يكلم ولا يؤوى، ولكنه يناشد حتى يخرج، فإذا خرج أقيم عليه الحد.
وعند ابن جرير عن ابن عمر ﵁ أنه قال: لو رأيت قاتل عمر في الحرم ما ندهته.
يعني: ما زجرته، ولا يعلم لهما مخالف.
ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وعلى ذلك فلا يقام عليه الحد، لكن يضيق عليه، فلا يؤجر إذا أراد أن يستأجر، ولا يباع منه شيء إذا أراد أن يشتري، ولا يجالس فإذا أتى إلى مجلس قاموا منه، ولا يؤوى، ويناشد أن يخرج، ويقال له: تب إلى الله واخرج.
لكن من أتى حداً في نفس الحرم فإنه يقام عليه الحد، فلو أن رجلاً زنى في الحرم أو قتل أو سرق فإن الحد يقام عليه.
فإن قيل: ما الفرق؟ نقول: الأول مستعيذ بالحرم لاجئ إليه، والآخر مستهين به قد اخترق حرمته.
وعلى ذلك فنقول: من أتى حداً أو قتل، ثم لجأ إلى الحرم فإنه يترك حتى يناشد أن يخرج ولا يعتدى عليه، ولكن يضيق عليه حتى يخرج؛ فإذا خرج أقيم عليه الحد.
ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 471
دليل الطالب_كتاب الحدود [٢]
من الحدود الشرعية في الإسلام حد الزنا وحد القذف، وهما مما شرع لحماية الأعراض وصونها من الجناية عليها، ولهذه الحدود شروط وأركان وأسباب وآداب.
стр. 472
حد الزنا
стр. 473
تعريف الزنا
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب حد الزنا].
الزنا هو فعل الفاحشة في قبلٍ أو دبر، والدبر وإن كان لا يحل من الزوجة، وليس محلاً للوطء المشروع، لكن الفقهاء يذكرون مسائل تترتب على فعله، وإلا فإنه لا يجوز شرعاً، وتقدم شرح هذا في كتاب عشرة النساء، والمراد هنا الدبر من أجنبية.
قال: [هو فعل الفاحشة في قبلٍ أو دبرٍ] يعني: أن يطأ امرأة لا تحل له في قبلها، أو أن يطأ دبر أجنبية، ويأتي الكلام على اللواط في مسألة في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
стр. 474
حد الزاني المحصن
قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، فإذا زنا المحصن وجب رجمه حتى يموت، وعلى ذلك فحد الزاني المحصن الرجم، وقد ثبت أن النبي ﵊ كما في الصحيحين قال: (واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)، ورجم ﵊ ماعزاً كما في الصحيحين، ورجم الغامدية كما في الصحيحين أيضاً، وكان في القرآن آية تتلى فيها الرجم، فنسخ لفظها وبقي حكمها؛ ابتلاءً لهذه الأمة.
وقد جاء في الصحيحين أن عمر ﵁ قال: إن الله قد بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فجلد النبي ﵊ وجلدنا بعده، وإني أخشى إن طال بالناس زمنٌ أن يقول قائل: إنا لا نجد الرجم في كتاب الله، وإن الرجم حقٌ في كتاب الله على من زنا إذا أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف]]، والحبل هو الحمل.
وعلى ذلك: كانت آية من القرآن تتلى، ثم نسخ لفظها وبقي حكمها؛ ابتلاءً لهذه الأمة، ولبيان فضيلتها وأنها تعمل بما نسخ لفظه من القرآن وبقي حكمه، بخلاف أهل الكتاب الذين تركوا العمل بما بقي حكمه وبقي لفظه عندهم، وتحايلوا في ترك العمل به، كالرجم هنا، فقد وضع رجل من اليهود يده على آية الرجم بين يدي النبي ﵊، وهي مكتوبة في كتابهم كما ثبت في الصحيح.
قال: [وجب رجمه حتى يموت]، وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي ﵊ قال: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم).
стр. 475
ضابط الإحصان
قال: [والمحصن]، المحصن هو الذي إذا زنا وجب رجمه، قال: [والمحصن هو من وطئ زوجته في قبلها]، يعني: بهذا يثبت الإحصان، أي: نحكم بأنه محصن إذا وطئ زوجته في قبلها بنكاحٍ صحيح، وعلى ذلك فإذا عقد فقط ولم يطأ فلا يكون محصناً حتى يطأ، ويكون وطؤه لزوجته، فلو كان وطؤه لسريته -وهي أمته- فلا يكون محصناً، وإنما يكون بكراً غير محصن.
إذاً: المحصن هو المتزوج الذي وطئ زوجته في قبلها بنكاحٍ صحيح لا بنكاحٍ باطل، ولا بنكاح فاسدٍ يعتقد فساده، فإذا نكحها بنكاحٍ باطل كالذي ينكح المعتدة فهذا النكاح للمعتدة نكاح باطل، ولا يحصل به الإحصان، وكذلك إذا كان بنكاحٍ فاسدٍ وهو يعتقد فساده، كنكاح المرأة بلا ولي وهو يعتقد أنه فاسد، وأما إذا كان على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ أو من وافقه، فهو يعتقد صحته، فإنه يكون محصناً بذلك، لكن الذي ينكح بلا ولي وهو يعتقد أن هذا فاسد، فلا نقول إنه محصن بذلك بحيث إنه إذا زنا بعد ذلك أقمنا عليه الحد، لا.
قال: [وهما حران]، فلو كانت زوجته أمةً فلا إحصان؛ لا إحصان إلا بالحرة.
[مكلفان]: إذا كان هو أو هي غير مكلفين فكذلك، فلا بد أن يكون هو مكلفاً، وأن تكون هي مكلفة، ومعلوم أن المكلف يحصل به من الإحصان والحفظ ما لا يحصل بمن هو دونه، وهذا هو قول جمهور العلماء.
إذاً: أن يطأ زوجة لا سرية، في قبلٍِ، وأن يكون حراً، وأن يكون مكلفاً، وأن يكون الطرف الثاني كذلك، وعلى ذلك فلو كان رجلاً مكلفاً لكن زوجته صبية، فلا يقام عليه حد الزنا للمحصن، وإنما يقام عليه حد الزنا لغير المحصن وهو البكر، والحدود تدرأ بالشبهات.
стр. 476
حد الزاني غير المحصن
قال: [وإن زنا الحر غير المحصن جلد مائة جلدة]، ما تقدم في المحصن، وأما غير المحصن فإنه يجلد مائة جلدة؛ للأحاديث التي تقدم ذكرها، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، قال: [وغرب عاماً]؛ للحديث المتقدم وهو حديث عبادة، وفيه: (البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة)، وفي الترمذي أن أبا بكر ﵁ جلد وغرب، وأن عمر ﵁ جلد وغرب.
[إلى مسافة قصر]؛ لأن المسافة التي هي دون هذه المسافة لا تعد تغريباً، بل ويكون من حاضري المكان، وعلى ذلك فيغرب مسافة قصرٍ فأكثر، والمرأة كذلك تغرب مسافة قصرٍ وأكثر، لكن لا بد لها من محرم يحفظها، [وأما في الرجم فيكفي فيه -على الصحيح، وهو المذهب، وهو قول الجمهور- يكفي فيه الرجم]، وأما حديث عبادة الذي فيه: (خذوا عني) الحديث، وفيه: (والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) فهذا منسوخ؛ لأن آخر الأمر من النبي ﵊ أنه اكتفى بالرجم كما في حديث: (واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)، ورجم ماعزاً والغامدية ولم يثبت أنه ﵊ جلدهما.
وصح ذلك أيضاً عن عمر ﵁ كما في مصنف ابن أبي شيبة أنه رجم ولم يجلد، ولأن الرجم يأتي على الجلد، فالقتل يحيط بما دونه، وحديث عبادة واضح في أن النبي ﵊ قاله في أول الأمر؛ لأنه قال: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً)، والله جل وعلا يقول في كتابه: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٦] إلى أن قال : ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥].
стр. 477
حكم الذمي إذا زنا بمسلمة وكذلك الحربي
ثم قال: [وإن زنا الذمي بمسلمة قتل]، الذمي إذا زنى بمسلمة فإنه يقتل؛ لأنه يكون بذلك قد نقض عهده، فلا ذمة له، وإن زنى الحربي فلا شيء عليه؛ لأنه غير ملتزمٍ بشريعتنا، ولأنه مهدر الدم، فدمه هدر، وعلى ذلك فلا شيء عليه من هذه الجهة؛ لأنه حربي والحربي مهدر الدم.
стр. 478
حكم الرقيق إذا زنا
وقال قبل ذلك: [وإن زنا الرقيق جلد خمسين]؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، ومعلوم أن الرجم لا يمكن تنصيفه؛ لأنه قتل، وعلى ذلك فحدهن وحد العبيد هو الجلد فقط، ويكون الجلد خمسين جلدة، ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، ولا يغرب؛ لأن تغريبه إضرارٌ بسيده، فبذلك نفوت حق السيد.
стр. 479
حكم المحصن إذا زنا بغير المحصن
قال: [وإن زنى المحصن بغير المحصن فلكل حده]، إذا زنى رجل محصن بامرأة بكر ليست محصنة فهذا له حده وهذا له حده، فالمحصن حده الرجم، والبكر حده الجلد، ولذا قال النبي ﵊: (واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)، وقال للرجل: (على ابنك جلد مائة وتغريب عام)، فقضى أن على العسيف الذي زنى بهذه المرأة أن عليه جلد مائة وتغريب عام؛ لأنه بكر، وقضى على المرأة بالرجم، فهنا أحدهما يرجم والآخر يجلد.
والتغريب عاماً يكون باعتبار السنة الهجرية؛ لأن هي المعتبرة في الشرع، فيكون بالسنة الهجرية لا الشمسية.
стр. 480
حكم من زنا ببهيمة
قال: [ومن زنى ببهيمة عزر، ولا حد عليه؛ لأنها معصية، والمعصية فيها التعزير]، كما سيأتي إن شاء الله، فالمعصية فيها التعزير، ولا يقتل رجماً إن كان محصناً، ولا يجلد إن كان بكراً، وأما ما جاء عند الخمسة إلا النسائي أن النبي ﵊ قال: (من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) فالحديث منكر، وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي والطحاوي وغيرهم، فلا يصح هذا الحديث، بل هو حديث معل.
стр. 481
حكم اللواط
قال: [ولو تلوط]، اللواط فيه الحد في المشهور في المذهب، وقد جاء عند البيهقي أن النبي ﵊ قال: (إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان)، والحديث لا يصح، لكنهم جعلوه قياساً على الزنا؛ بجامع أن كليهما وطء لفرج.
والقول الثاني في المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم الجوزية ورواية عن أحمد: أنه يرجم مطلقاً محصناً كان أو غير محصنٍ، وذلك لإجماع الصحابة على ذلك، وقد حكى الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية، وأورد الآثار في ذلك ابن نصر، وأورد الآثار في ذلك الآجري رحمه الله تعالى في كتابه (تحريم اللواط).
واختلف الصحابة في كيفية قتله مع إجماعهم على أنه يقتل، فمنهم من قال: إنه يرجم، كـ ابن عباس، ومنهم من قال: إنه يرمى من شاهق، ومنهم من قال: إنه يحرق، ومنهم من قال: إنه يقتل بالسيف، وأصحها أنه يرجم، وهو قول ابن عباس ﵁، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر:٧٤]، فأمطر الله عليهم هذه الحجارة، وعلى ذلك فلإجماع الصحابة ﵃ نقول: بأنه يقتل، ويكون قتله بالحجارة، يعني: يرجم، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
стр. 482
من شروط وجوب حد الزنا تغييب الحشفة
قال: [وشرط وجوب الحد ثلاثة أحدها: تغييب الحشفة أو قدرها]، هذا هو الشرط الأول: أن يغيب الحشفة وهي موضع الختان من الرجل، [وهي موضع الختان من المرأة]، بأن يكون هناك إيلاج بتغييب هذه الحشفة، فلا بد من إيلاج، فإذا لم يكن هناك إيلاج فلا حد، ولا بد أن يكون هذا الإيلاج بالحشفة، أو بقدرها لمن لا حشفة له.
قال: في فرجٍ أو دبرٍ لآدمي حي لا ميت.
فلو وطئ ميتةً لم يحد؛ لأنها لا تشتهى في العادة، وتنفر الطباع منها، إذاً: لا بد من الإيلاج، فلو باشر المرأة بين فخذيها أو نحو ذلك فإنه لا يحد، وإنما يعزر، وأما الحد فإنه لا بد فيه من إيلاج، يعني: بأن يولج في المرأة كالرشا في البئر، وكالمرود في المكحلة.
стр. 483
من شروط وجوب حد الزنا انتفاء الشبهة
قال: [الثاني: انتفاء الشبهة]، وقد جاء في الترمذي أن النبي ﷺ قال: (ادرءوا القتل والقطع عن المسلم ما استطعتم)، والحديث ضعيف، لكنه صح عن ابن مسعود ﵁ عند البيهقي ولا يعلم له مخالف، بل قد أجمع أهل العلم كما قال ابن المنذر ﵀ على ذلك: إن الحدود تدرأ بالشبهات.
وعلى ذلك فلو وطئ أمةً له فيها شرك، يعني: مشتركة بينه وبين صاحبٍ له، فهذه لا توطأ في الأصل، فلو وطئها فهذه شبهة، فيعزر ولا يحد، ولو وطئ الأب أمة ولده كذلك، ولو نكح نكاحاً مختلفاً فيه إن كان يعتقد فساده، كالذي ينكح امرأةً بلا ولي، يعني: يكتفي بالرضا وبقية الشروط لكن لا يكون هناك ولي، فهذا نكاح فاسد عند الجمهور، فإذا فعله من يعتقد فساده، وأنه لا يجوز للرجل أن ينكح المرأة إلا بولي، ومع ذلك نكح، فإنا لا نقيم عليه الحد؛ للشبهة، أو نكح امرأة معتدة، وهو يعتقد الصحة ويظن أنها غير معتدة، أو يجهل ذلك، أو يخفى عليه، فهذه شبهة.
стр. 484
من شروط وجوب حد الزنا ثبوته
الثالث: [ثبوته؛ إما بإقرار أربع مرات] إذاً: الشرط الأول أن يولج الحشفة أو قدرها عند عدم الحشفة، الثاني: انتفاء الشبهة؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، الثالث: ثبوت الزنا.
وبماذا يثبت الزنا؟ قال: إما بإقرار أربع مرات، ففي حديث أبي هريرة في الصحيحين: (فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﵊ فقال: أبك جنون؟ قال: لا.
قال: اذهبوا به فارجموه)، فلا بد إذاً أن يقر على نفسه أربع مرات في مجلس أو في مجالس، فيقر على نفسه بالزنا الصريح أربع مرات ولا تكفي مرة، ولا مرتان، ولا ثلاث، ولا أربع، فلا بد أن يقر على نفسه أربعاً.
فثبوته إما بإقرارٍ أربع مرات ويستمر على إقراره، فإن رجع عن إقراره تُرك، ولذا قال النبي ﵊ عندما فر ماعزاً لما مسته الحجارة فلحقوه وقتلوه، قال النبي ﵊: (هلا تركتموه؛ لعله أن يتوب فيتوب الله عليه).
إذاً: إذا رجع فإنه يترك، هذا في الإقرار، وأما في البينة فلا يقبل رجوعه.
قال: [أو شهادة أربعة رجالٍ عدول]، قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤]، فلا بد أن يأتي بأربعة شهداء ليس فيهم زوج؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤]، ولم يعد الزوج شاهداً، ولأنه متهم في حق امرأته، كما تقدم هذا في باب اللعان، وليس فيهم أعمى؛ لوجود مانع.
إذاً: أربعة شهود عدول ليس فيهم زوج وليس فيهم أعمى، وهؤلاء الشهود العدول يثبتون الزنا في مجلسٍ واحد لا في مجالس، ويصفونه، يقولون: رأيناه كذا وكذا بالجماع الصريح، مثل أن يقولوا: رأينا المرود في المكحلة، والرشا في البئر، فيصفونه وصفاً تاماً واضحاً.
стр. 485
إذا كان أحد الشهود غير عدل
قال: [أو شهادة أربعة رجالٍ عدول، فإذا كان أحدهم غير عدلٍ حد للقذف]، أي: لو أن هؤلاء الأربعة كان أحدهم ليس عدلاً فإن هؤلاء الثلاثة يجلدون حد القذف، ولذا جلد عمر ﵁ الثلاثة كما عند البيهقي، فلم يثبت الرابع الزنا الصريح، فحد ﵁ الثلاثة جميعاً.
إذاً: فهؤلاء الشهود الأربعة إذا كان أحدهم ليس عدلاً فإن هؤلاء الثلاثة يجلدون حد القذف، وقلنا: إنه لا بد أن تكون شهادتهم في مجلسٍ واحد، يعني: في مجلس القاضي الواحد، فإذا كان له مجلس في الضحى فأتى ثلاثة وشهدوا في أوله، وأتى الرابع وشهد في آخره قبل، لكن لو أتى الرابع في مجلسٍ ثانٍ وشهد، لم يقبل ذلك، ولذا فإن عمر ﵁ جلد الثلاثة ولم ينتظر حتى يأتوا بشاهدٍ رابع في مجلسٍ آخر، وهذا كله من باب حفظ عرض المسلم، وألا يقدم أحد على الكلام في مثل هذه المسائل إلا ببينة واضحة.
إذاً: لا بد أن يكون ذلك في مجلسٍ واحدٍ، وأن يصفوه الوصف الصريح في الجماع.
стр. 486
إذا شهد أربعة بزناه بفلانة وشهد أربعة آخرون بزنا الشهود السابقين
قال: [وإن شهد أربعة بزناه بفلانة] أي: شهد أربعة أن فلاناً قد زنا بفلانة، فشهد أربعة آخرون أن الشهود هم الزناة، أي: أتى أربعة وهم عدول فقالوا: إن هؤلاء الأربعة هم الزناة، صُدِّقوا، وحُدَّ الأولون فقط والمرأة لا تحد؛ لأن الأربعة الذين شهدوا عليها ثبت أنهم غير عدول، وهؤلاء قالوا: هم الزناة، ولم يقولوا: إنهم قد زنوا بفلانة، ولا يحد المشهود عليه لقدح الآخرين في شهادتهم، وحد الأولون فقط للقذف والزنا، فقد قذفوا هذه المرأة، ولأنهم زنوا.
стр. 487
حكم من حملت وليس لها زوج ولا سيد
قال: [وإن حملت من لا زوج لها ولا سيد لم يلزمها شيء]، أي: إن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم يلزمها شيء؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وقد جاء عند البيهقي: أن امرأة -والأثر صحيح- حملت فأتي بها إلى عمر، فقالت: إنها يثقل رأسها في النوم، وإنها حملت من ذلك، فلم يقم عليها الحد، فهذا واقع لا سيما في القديم مع كثرة العمل وتعب النساء، فترمي بنفسها وتنام وتكون ثقيلة الرأس، فلا تشعر فقد يطأها وهي لا تشعر، وتحمل من هذا الزنا، والحدود تدرأ بالشبهات، لكن إذا أتوا بها حامل ولم تدعي شبهة فعن الإمام أحمد: أنها إذا لم تدعي شبهة فإن الحد يقام عليها، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه، ويدل على ذلك أن عمر ﵁ قال: إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف، والشبهة البعيدة جداً لا ينظر إليها، وإنما ينظر إلى الشبهة التي يجوز وقوعها، فالمرأة إذا وجدت حاملاً وأتي بها حاملاً ولم تدعي شبهةً، فالذي يظهر في هذا أنها يقام عليها الحد، والله أعلم.
стр. 488
حد القذف
قال: [باب حد القذف].
القذف: هو الرمي بالزنا أو اللواط، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣]، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، وذكر منهن ﵊: قذف المحصنات الغافلات المؤمنات).
стр. 489
حد القذف للحر والرقيق
قال: [ومن قذف غيره بالزنا حد للقذف ثمانين إن كان حراً للآية، وأربعين إن كان رقيقاً؛ لأثر عبد الله بن عامر أنه أدرك عمر ﵁ ومن بعده على ذلك، وأنهم كانوا لا يجلدون المملوك في القذف إلا أربعين.
رواه ابن أبي شيبة وغيره].
وعلى ذلك فالمملوك يجلد أربعين، والحر إذا قذف يجلد ثمانين.
стр. 490
شروط القاذف
وإنما يجب بشروط تسعة، فلا حد حتى تجتمع هذه الشروط التسعة، يعني: لا نقيم الحد على من قذف؛ حتى تثبت أو تجتمع هذه الشروط التسعة، أربعة منها في القاذف، وهو أن يكون -أي: القاذف- بالغاً عاقلاً؛ لأن المجنون والصبي لا حد عليهما كما تقدم، والحديث فيه: (رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: الصبي والمجنون).
إذاً: لا بد أن يكون هذا الذي رمى بالزنا غيره لا بد أن يكون عاقلاً، وأن يكون بالغاً.
قال: [مختاراً لا مكرهاً]، لأن النبي ﷺ : (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فإذا أكره بحبسٍ أو جلدٍ أو سيفٍ أو نحو ذلك على أن يرمي فلاناً بالزنا أكره الإكراه المعتبر شرعاً فإنه لا يقام عليه الحد.
قال: [ليس بوالدٍ للمقذوف وإن علا كالقود]، أي: لو قذف الوالد ولده، أو قذفت الأم ولدها، فلا حد، إذاً: هذه شروط أربعة لا بد من توفرها في القاذف: أن يكون القاذف بالغاً، وأن يكون عاقلاً، وأن يكون مختاراً، وألا يكون والداً، أي: القاذف.
стр. 491
شروط المقذوف
قال: [وخمسة في المقذوف] أي: خمسة لا بد أن تتوفر في المقذوف، فإذا وجدنا أن القاذف مكلف، ووجدناه مختاراً، وليس بوالد فننظر إلى المقذوف، وفيه خمسة شروط يجب توفرها، وهي: هذه الخمسة؟ قال: وهي كونه حراً؛ لأن الله قال: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤]، والمحصنات هن الحرائر العفيفات، فلا بد أن يكون المقذوف حراً، وأما العبد ففيه التعزير، فلو أن رجلاً قذف عبداً فإنه لا يقام عليه الحد، وإنما يعزر؛ لأن العار الذي يلحق العبد ليس كالعار الذي يلحق الحر؛ فإن هذا عبدٌ يباع ويشترى، وليست حاله كحال هذا الحر.
قال: [وهو كونه حراً]، ولذا في الآية كما تقدم: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤]، والعبد كالأمة، فالأمة لا حد في قذفها وإنما فيه التعزير، والعقوبة والتعزير من قبل القاضي بما يراه.
[مسلماً]، فلو أنه قذف كافراً ذمياً فلا يحد، وإنما يعزر، ولذا قال الله جل وعلا: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور:٢٣]، وعلى ذلك فمن قذف من ليس بمؤمن كالكافر الذمي فإنه لا يحد، وإنما يعزر.
قال: [عاقلاً]؛ لأن المجنون لا يلحقه عار، فلا عقل له حتى يلحقه العار، ولذا فإن الناس لا يعيبون المجنون بالزنا؛ لأنه لا عقل له.
فلو قذف مجنوناً أو مجنونة فقال مثلاً: مجنونة آل فلان يزنى بها، فإنه لا يحد بذلك.
[عفيفاً]، أما إذا كان ظاهر الفجور فإنه لا حد في ذلك، فإذا كان الرجل معروفاً بالفجور، أو كانت المرأة من النساء الفاجرات المشهورات بذلك المعروفات بالفجور عند الناس؛ فإن في ذلك التعزير؛ لأن في هذا شبهة، فالمرأة عندما تشتهر بالزنا، أو الرجل عندما يعرف بالزنا، فالرجل عندما يرميه بالزنا إنما يرميه بناءً على أن الناس يقولون ذلك، وأن هذا الأمر مشتهر، وأن هذا الأمر معروف، وأن هذا ظاهر في حاله، وما يكون عليه من خلقٍ، فهذا لا يحد، ولذا قال الله جل وعلا: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور:٢٣]، وفي الحديث كذلك: (المحصنات الغافلات المؤمنات)، فهذا قذف غافلة، وأما هذه التي تعرف بالفجور، ويظهر عليها الفجور، فإنه لا حد في قذفها، وإنما فيه التعزير، فلها أن تطالب وإن كانت معروفة بالفجور، وهذا الرجل الذي يعرف بالفجور له أن يطالب بالتعزير.
قال: [عفيفاً عن الزنا، يطأ ويوطأ مثله] أي: إذا كان مثله يطأ، أو كان مثلها يوطأ، وهو ابن عشر في المذهب الذي تم له عشر من الرجال، والتي تم لها تسع سنين للنساء، وتقدم أن الراجح أن هذا لا حد له من جهة الزمن، وإنما ينظر في ذلك إلى خلقته وبدنه ونحو ذلك، وعلى ذلك فنقول: لا بد أن يكون مثله يطأ، فلو أن رجلاً أتى إلى طفل وقال: فلان زانٍ، وهو طفل لا يطأ مثله، فلا يحد؛ لأن كذبه معلوم، لكنه يعزر.
كذلك إذا كانت المرأة ممن لا يوطأ مثلها لأنها صغيرة فكذلك لا حد في ذلك؛ لأن كذبه معروف، فلا يلحق هذه البنت العار، لكنه يعزر.
стр. 492
حكم من قذف غير البالغ
قال: [لكن لا يحد قاذف غير البالغ حتى يبلغ ويطالب بحقه].
أي: فمن قذف غير بالغٍ، يعني: قذف صبياً، وهذا الصبي يطأ مثله، كأن يكون مثلاً ابن إحدى عشرة سنة، أو ابن اثنتي عشرة سنة، أو ابن ثلاث عشرة سنة ولم يبلغ بعد، فقذفه رجل بالزنا، يقول: لا يحد هذا القاذف حتى يبلغ هذا المقذوف، ويطالب به بعد بلوغه.
إذاً: من قذف صبياً يطأ مثله ففي ذلك الحد، ولذا قال المؤلف هنا: عاقلاً، ولم يقل بالغاً، فلا يشترط البلوغ في المقذوف، وإنما يشترط في القاذف، فالمقذوف وإن كان غير بالغٍ يحد قاذفه ما دام أن مثله يطأ، لكن يقام الحد إذا بلغ، وطالب بحقه؛ وذلك لأن المذهب -وهو قول الجمهور-: أن القذف حق للمقذوف، فلا يقام ولا يستوفى إلا بطلبه، ولذا فإن له العفو، قالوا: ولأن هذا -أي: القذف- جناية على العرض، فكان كالجناية على البدن.
فإن قيل: فلماذا لم يقتص منه برميه بالزنا؟ نقول: هذا إثم، فلا يقتص بمثله، ولذا وضع الشارع له حداً وهو ثمانون جلدة.
وقال الأحناف وهو رواية عن أحمد: بل هو حق لله، فإذا قلنا: إنه حقٌ لله، فلا يسقط بالعفو، ويستوفى من دون مطالبة إذا بلغ الحاكم، لكن ما ذهب إليه أهل القول الأول هو الأقرب.
وعلى ذلك فنقول: هو حق لهذا الآدمي المقذوف، فلا يقام إلا بمطالبته، ولا يستوفى إلا بمطالبته، وهذا صبي إلى الآن فيحق له أن يطالب إذا بلغ، فإذا بلغ اعتبر قوله، وسألناه إن فلاناً قد قذفك وأنت صبي، ومثلك يطأ، والعار يلحقك، فهل تطالب؟ فإذا قال: لا ما أطالب، وأنا قد عفوت عنه، سقط الحد.
стр. 493
حكم من قذف غير المحصن
قال: [ومن قذف غير محصنٍ عزر]، الذي يقذف المجنون يعزر، الذي يقذف الأمة كذلك، الكلام فيما تكلم في الحد، وأما التعزير وهي العقوبة التي تكون من القاضي فإنها تثبت كما تقدم شرحه.
стр. 494
كيفية ثبوت حد القذف
قال: [ويثبت الحد هنا، وفي الشرب والتعزير بأحد أمرين: إما بإقراره مرة، أو شهادة عدلين] يعني: يثبت إما بأن يقر على نفسه ولو مرة، يقر على نفسه أنه قذف فلاناً، فأدعى عليه فلان أنه قذف فأقر، أو أن يشهد اثنان بأن فلاناً قذف فلاناً، فهذه بينة، ويكفي هنا شهادة اثنين عدلين، ويأتي شرح هذا في الشهادات إن شاء الله.
стр. 495
الأمور التي يسقط بها حد القذف
قال: [فصل: ويسقط حد القذف بأربعة: بعفو المقذوف]، وقد تقدم؛ لأنه حقه، [أو بتصديقه] يعني: يقر على نفسه بالزنا، فيقال له: إن فلاناً قد رماك بالزنا، فيقول: صدق، فهذا أقر على نفسه بالزنا.
قال: [أو بإقامة البينة] فنقول مثلاً: يا فلان! إنك قد قذفته بالزنا فنريد أن نقيم عليك الحد، فيقول: لا، أنا عندي أربعة شهود، فأتى بأربعة شهود، فهنا يسقط عنه.
قال: [أو باللعان]، وهذا بين الزوجين كما تقدم شرحه.
إذاً: هذه الأمور يسقط فيها حد القذف، وهي أولاً: أن يعفو المقذوف، وثانياً: أن يصدق القاذف المقذوف، والثالث: أن يأتي المقذوف ببينة وهي أربعة شهود، والرابع: اللعان.
следующие страницы →