← Джавами‘

Джавами‘ · id 37793

دروس الشيخ حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (802 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

استعمال المروءة قال: [الثاني: استعمال المروءة]. إذاً: يُعتبر للعدالة شيئان: الصلاح في الدين، والثاني: استعمال المروءة فلا يكون الرجل عدلاً حتى يكون صالحاً في دينه وأن يكون ذا مروءة، وقد تقدم شرح الصلاح في الدين. أما المروءة فقال المؤلف: [بفعل ما يُجمّله ويزينه، وترك ما يدنسه ويشينه؛ لأن الذي لا مروءة له لا يؤمَن عليه الكذب ولا تؤمَن عليه الخيانة، كما جاء في الحديث: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) كما جاء في البخاري. فالذي لا يستحي لا مروءة له، فلا يؤمَن عليه أن يكذب في شهادته، ولا يؤمن عليه كذلك أن يخون في أمانته. ثم ذكر أمثلة فقال: [فلا شهادة لمتمسخر] وهو الذي فيه صفة استهزاء، [ورقّاص، ومشعبذ] الشعبذة هي خفة في اليدين، لكن ليست سحراً، وإنما هي خفة في اليدين، يعني يحضر المهرجانات ويكون عنده خفة في يديه. [ولاعب بشطرنج ونحوه]، ولأن اللعب بالشطرنج كذلك حرام. [ولا لمن يمد رجليه بحضرة الناس]. وهذه المسائل تختلف فيها الأعراف، فبعض البلاد إذا جلس الرجل في مجالس الرجال فمد رجليه سقطت مروءته، وبعضها لا يكون كذلك، فنرجع إلى المروءة في نفس البلد. [أو يكشف من بدنه ما جرت العادة بتغطيته]. إذا كان أهل البلد قد جرت عادتهم بتغطية الرأس فمشى في تلك البلد حاسر الرأس عُد ذلك في تلك البلد مُسقطاً لمروءته، لا في البلد الأخرى التي يُشتهر فيها حسر الرأس. كذلك لو خرج في البلد وعليه لباس قد كشف عن منكبيه مثلاً وربما كشف عن ساقيه، فهو يمشي في الشارع على هذه الصفة؛ فإنك لا تكاد تجد بلداً إلا وهذا عندهم مما تسقط به المروءة. [ولا لمن يحكي المضحكات]، يعني يحكي للناس النكت والمضحكات في المجالس. [ولا لمن يأكل في السوق] أي: يجلس في السوق ويأكل، وهذا كما ذكرت لكم يختلف باختلاف الأعراف. [ويُغتفر اليسير كاللقمة والتفاحة] مثلاً: قد تكون في بلدك لا تأكل أبداً في الشارع لكن عندما يأتي الإنسان إلى مكة يجد الناس يأكلون مثلاً في الشارع عند المطاعم أو نحوها فيأكل معهم، فهذا لا يُنقص مروءتهم؛ لأن هذا يختلف كما ذكرت لكم باختلاف البلدان. هنا كما رأيتم شرط العدالة فيه عسر، فإذا قلنا بالشروط التي ذكرها المؤلف من الصلاح في الدين والمروءة فقد لا نجد إلا اليسير ممن يصلح للشهادة، ولذا كما قال ابن القيم ﵀: إنه تُقبل شهادة الفاسق الأمثل فالأمثل عند الضرورة كما في هذه الأزمنة، قال: وإنما يُنكره أكثر الفقهاء بألسنتهم؛ لكن في المحاكم يقبلونه؛ لأن الحاجة تدعو إلى هذا، ولو رددنا شهادة من عنده فسق في هذا العصر فقد لا نجد إلا اليسير ممن تُحفظ بهم حقوق الناس في الشهادات.

стр. 737

حكم شهادة من تحمل حال النقص أو كان فيه نقص

стр. 738

حكم التحمل قبل حصول شرط الشهادة والأداء بعده قال: [فصل: ومتى وجد الشرط بأن بلغ الصغير وعقل المجنون وأسلم الكافر وتاب الفاسق قُبلت الشهادة بمجرد ذلك]. إذاً: لو تحملها صبياً وأداها بالغاً قُبلت، والمجنون لا نقبل شهادته فإذا عقل قبلنا شهادته؛ لكن تحمله لا يُقبل؛ لأنه لا عقل له فلا يُقبل تحمله، لكن الصبي يقبل تحمله ويؤديها بعد بلوغه. كذلك الكافر إذا تحمل شيئاً في كفره وأداه بعد إسلامه قُبل. وكذلك إذا تحمل الفاسق شهادة وأداها بعد توبته قُبلت؛ لأن الاعتبار إنما هو حال الأداء، لئلا يكذب ولا يخون.

стр. 739

حكم شهادة العبد وأصحاب الحرف الدنيئة قال: [ولا تشترط الحرية] يعني لا يُشترط أن يكون الشاهد حُراً، [فتُقبل شهادة العبد والأمة في كل ما تُقبل فيه شهادة الحر والحرة]. ولذا فإن أمة سوداء كما جاء في البخاري قالت: (إني قد أرضعت عقبة والتي نكح، فقال النبي ﷺ : كيف وقد قيل؟ ففارقها عقبة) أي: لأن هذه الأمة شهدت. ولقوله جل وعلا: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] والعبيد من رجالنا. وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]. قال: [ولا يُشترط كون الصناعة غير دنيئة]. يعني: لا يُشترط في الشاهد أن تكون صناعته ليست دنيئة، فلو كان حجاماً أو حداداً أو زبالاً أو كنّاساً فإن شهادته تُقبل فمثل الكنّاس شهادته تُقبل لعمومات الأدلة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢].

стр. 740

حكم شهادة الأعمى قال: [ولا كونه بصيراً، فتقبل شهادة الأعمى بما سمعه حيث تيقن الصوت وبما رآه قبل عماه]. الأعمى تُقبل شهادته بما رآه قبل عماه، وتقبل شهادته فيما سمعه يقول: أعرف صوت فلان وقد سمعته يطلّق فلانة، فتُقبل شهادته ما دام أنه متيقن أن هذا هو صوت فلان.

стр. 741

موانع الشهادة

стр. 742

الأول الملك أو البعضية أو الزوجية قال: [باب موانع الشهادة]. الموانع: جمع مانع، والمانع: هو ما يلزم من وجوده العدم، مثل الحيض يمنع من الصلاة. فهنا يذكر موانع الشهادة. قال: [وهي ستة: أحدها: كون الشاهد أو بعضه ملكاً لمن يشهد له]. يعني: لا تُقبل شهادة العبد لسيده، لأن العبد يتبسّط بمال سيده وسيده يُنفق عليه فإنه لا مال له، فكان كالولد مع والده فكما أن الولد -كما سيأتي- لا تُقبل شهادته لوالده فكذلك العبد لسيده. وكذلك لو كان يملك بعضه وبعضه حر، كأن يملك زيد نصفه ونصفه الآخر حر، فكذلك لا تُقبل شهادته. [وكذا لو كان زوجاً له ولو في الماضي]. الزوج لا تُقبل شهادته لزوجه، كذلك المرأة لا تُقبل شهادتها لزوجها، فلا يصح أن يكون الشاهد أحد الزوجين، هذا مذهب الجمهور، قالوا: لأن المرأة تتبسّط في مال زوجها؛ ولأن بينهما ما يدعو إلى التهمة في الشهادة، مما هو نحو ما يكون بين الولد ووالده، فالصلة قوية بين الزوجين. قال هنا: (ولو في الماضي) أي: ولو كان قد أبانها أو خلعت نفسها منه، قالوا: لأنه قد يُحتال بهذا، قد يبين المرأة ثم يعود إليها بعد الشهادة فيُسد هذا الباب. وقال الشافعية ورواية عن أحمد: بل شهادة أحد الزوجين للآخر تصح لعموم الآيات، والذي ترجح ما ذهب إليه الجمهور، إلا إذا انتفت التهمة فإنا نقبل كما ذكر هنا، أي: لو أنه أبانها وعُلم أن هذه البينونة لا تكون لطلب الشهادة على مثل هذا الأمر وهي الآن تشهد له أو يشهد لها والأمر يسير بحيث لا يفارق الرجل امرأته بالثلاث من أجل الشهادة به، فهنا التهمة منتفية. قال: [أو كان من فروعه وإن سفلوا من ولد البنين والبنات أو من أصوله وإن علوا]. إذا كان من فروعه أو من أصوله فلا تُقبل الشهادة، فالولد لا يشهد لوالده ولا لجده ولا لأمه ولا لجدته، وكذلك الوالد لا يشهد لولده، والأم لا تشهد لولدها الذكر ولا لبنتها. إذاً: الأصول والفروع لا تصح الشهادة لهم، هذا هو مذهب الجمهور، واستدلوا بقول عمر ﵁ الذي رواه البيهقي بإسناد صحيح أنه قال: المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلوداً بحد، أو مجرباً في شهادة زور، أو ظنيناً في قرابة أو ولاء، الظنين: هو المتهم، يعني أن يكون متهماً في قرابة، وأقوى القرابة التي تكون معها التهمة هي قرابة الأصول والفروع. وقال أهل الظاهر وهو قول شريح القاضي والمزني وابن حزم: إن شهادة الأصول تصح للفروع والعكس، قالوا: لعمومات الأدلة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢]. واختار ابن قيم الجوزية وهو رواية عن أحمد، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم وظاهر اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن شهادة الأصول والفروع تُقبل عند انتفاء التهمة. إذاً: لا تُقبل إلا إذا انتفت التهمة، كأن يكون الرجل مبرّزاً في العدالة، معروفاً بالصلاح فمثله لا يشهد لولده أو لحفيده مثلاً أو لجده أو جدته بشهادة زور. إذاً: الصحيح وهو قول الجمهور: أن شهادة الأصول والفروع لا تُقبل؛ لكن إن رأى القاضي أن التهمة منتفية في مثل هذه القضية، وأن الرجل له عدالة تمنعه عن الشهادة في مثل هذا فالأظهر أنه يقبل شهادته. قال: [وتُقبل لباقي أقاربه] كأخيه إجماعاً، فالأخ يشهد لأخيه ويشهد لعمه، يقول مثلاً: أشهد أنه أقرض فلاناً كذا، أشهد أن فلاناً قد جرحه! إذاً: الأخ يشهد لأخيه، ويشهد لعمه، ويشهد لخاله. [وكل من لا تُقبل له فإنها تُقبل عليه لعدم التهمة]. لأن الله جل وعلا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥] لو شهد الولد على والده يقول: أشهد أن فلاناً أقرض أبي، أو الوالد على ولده: أشهد أن فلاناً قد أقرض ابني، فهذه تُقبل بلا خلاف لعدم التهمة، والكلام فيما تقدم في الشهادة له لينفعه فهنا تكون التهمة.

стр. 743

الثاني كونه يجر بها نفعاً لنفسه قال: [الثاني: كونه يجر بها نفعاً لنفسه]. إذا كانت الشهادة فيها نفع للشاهد فلا تُقبل، يعني: إذا أتى شاهد عند القاضي يشهد بأمر يترتب على ذلك نفع له فلا تُقبل؛ لأنه يتهم. قال: [فلا تُقبل شهادته لرقيقه]، أي: لا تُقبل شهادته لعبده، لأن عبده مال له، [ومكاتبه]، كذلك. [ولا لمورثه بجرح قبل اندماله]؛ لأنه قد يسري إلى نفسه فتجب الدية، فيُتهم أنه يريد الدية. لو شهد أن فلاناً قد جرح مورثه، وأن هذا الجرح لم يندمل وأنه قد سرى حتى مات بسببه، فإنه يتهم أنه يريد الإرث فلا يُقبل. [ولا لشريكه فيما هو شريك له]، يعني: لو ثبت للقاضي أن هذا شريك له في هذه الشركة وهو يشهد بما يعود به النفع للشركة فلا يُقبل. مثلاً: أنت شريك في شركة وشهدت لشريكك بما يعود نفعه للشركة فلا تقبل؛ لكن إذا كان يعود نفعه للشريك لا للشركة فتشهد. مثاله: زيد وعمرو يشتركان في شركة، فشهد زيد لعمرو بأمر يعود نفعه له لا للشركة، فشهادته تُقبل لعدم التهمة، لكن إذا كان النفع يعود للشركة بأن يكون هذا القرض للشركة أو الدين للشركة، فهنا لا تُقبل الشهادة. قال: [ولا لمستأجره فيما استأجره فيه] كمن نوزع مثلاً في قماش وكان قد أعطى هذا القماش خياطاً فخاطه، الآن الخياط من مصلحته أن يكون هذا الثوب لهذا الذي دفعه له حتى لا تضيع أجرته، فإذا شهد الخياط في هذا الثوب الذي خاطه من أجل أن لا تضيع الأجرة، فهنا يكون هذا الخياط متهماً؛ لأنه يريد نفع نفسه؛ لأن هذا الثوب إذا رجع إلى هذا الرجل الذي أعطاه إياه أخذ أجرته، وإذا خرج عن يده فقد لا يأخذ أجرته.

стр. 744

الثالث أن يدفع بها ضرراً عن نفسه قال: [الثالث: أن يدفع بها ضرراً عن نفسه]. إذا كانت الشهادة فيها دفع ضرر عن النفس فلا تُقبل، أي: إذا كان يترتب عليها دفع ضرر عن نفسه فلا تُقبل؛ لأنه متهم. قال: [فلا تُقبل شهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ]، كأن شهد اثنان على رجل بأنه قتل فلاناً خطأ، وعليه فإن العاقلة هي التي يلزمها بدفع الدية، فجاءت العاقلة وجرحت الشهود، نقول: لا تُقبل شهادتهم في طعن الشهود؛ لأنهم يريدون دفع الضرر عن أنفسهم، فهم لا يريدون أن يدفعوا دية، فلا تُقبل شهادتهم. يعني: عندنا رجل قتل رجلاً ولم يقر بأنه قتل، وشهد اثنان زيد وعمرو أنه قد قتل خطأ، فالقاضي يطالب العصبة بالدية، فالعصبة هنا أتوا وقالوا: إنا نطعن في الشهود. فنقول: أنتم شهادتكم في طعن الشهود لا تُقبل، ائتوا بشهود آخرين من غيركم يشهدون أن هؤلاء الشهود لا يصلحون للشهادة. قال: [ولا شهادة الغرماء بجرح شهود دين على مفلس]، فإذا كان هذا الرجل مفلساً وجاء زيد وعمرو وادّعى كل واحد منهم أن عنده له خمسين ألفاً، فالقاضي في الأصل يحصي مال المفلس ويوزعه على غُرمائه بقدر حصصهم، فإذا لم يجد عنده مثلاً إلا مائة ألف ريال، وغرماؤه أربعة كل واحد يريد خمسين ألفاً، فإنه يُعطي كل واحد خمسة وعشرين ألفاً والباقي في الذمة. فالآن أحصى ماله ووجده مائة ألف ريال وزيد يريد خمسين ألفاً وعمرو يريد خمسين ألفاً، وبكر وعبد الله كل واحد منهم يريد كذلك خمسين ألفاً، وكانا هما اللذين طالبا بالدين حتى حُجر عليه، فإذا سلما من زيد وعمرو أخذا حقهما كاملاً. فالمفلس لم يقر أن لزيد وعمرو لكل واحد منهما خمسين ألفاً، فلو جاء الغرماء وقالوا: إن شهود الحق الذي لزيد وإن شهود الحق الذي لعمرو لا يصلحون للشهادة، فنحن نطعن بهم. نقول: نحن لا نقبل طعنكم؛ لأن هذا الطعن أنتم متهمون فيه، لأنكم تُريدون أن تدفعوا الضر عن أنفسكم. قال: [ولا شهادة الضامن لمن ضمنه بقضاء الحق أو الإبراء منه]. الكفيل الغارم أتى يشهد أن مكفوله قد قضى الدين، فلا تُقبل الشهادة، لأنه يريد إبراء ذمته، لأن الضامن يتعلق الدين بذمته. قال: [وكل من لا تُقبل شهادته له لا تُقبل شهادته بجرح شاهد عليه]؛ لما تقدم. يعني: جاء رجل يشهد على والدك، ثم أتيت أنت شاهداً من الشهود الذين يطعنون في هذا الشاهد، فلا نقبل ذلك؛ لأن شهادتك لوالدك لا تُقبل فكذلك طعنك بالشاهد عليه. ادّعى زيد أنه أقرض أباك ألف ريال وأتى بشاهد أو بشاهدين، فأتيت تشهد أن الشاهدين اللذين شهدا على أبيك من أهل الفجور، وأنهما يشربان الخمر تريد أن يسلم أبوك من القرض، فلا تُقبل شهادتك، فكما أن شهادتك له لا تُقبل، فطعنك في الشهود الذين يشهدون عليه كذلك لا يقبل.

стр. 745

الرابع العداوة لغير الله قال: [الرابع العداوة لغير الله]. أما العداوة لله فإن الشاهد يُقبل؛ لأن عداوته لله فلا يُمكن أن يكذب ويظلم هذا الرجل وهو يعاديه لمعصيته أو لبدعته؛ لكن إذا كانت العداوة لأمر في نفسه! فلا تُقبل شهادته عليه؛ لقول النبي ﵊ فيما جاء في أبي داود: (لا تُقبل شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر -أي: ذي حقد- على أخيه، ولا القانع لأهل البيت). القانع لأهل البيت يعني الرجل يُنفق عليه أهل البيت، تجد الرجل الفقير يسكن بجوار أغنياء يُرسلون له الطعام والمئونة والكساء، فهذا أصبح كالولد لا تقبل شهادته لهم. وذو الغمر: هو ذو الحقد، فالذي يعاديك لا تُقبل شهادته عليك قال: [كفرحه بمساءته، وغمه لفرحه، وطلبه له الشر، فلا تُقبل شهادته على عدوه]. يعني: إذا جاء شاهد يشهد عليك فأثبت أن بينك وبينه عداوة غير دينية، إما عداوة بين الأسرة، أو بين القبيلتين، أو نحو ذلك، فإذا أثبت ذلك فإن شهادته لا تُقبل عليك. قال: [إلا في عقد النكاح]، أي: تُقبل في عقد النكاح، لأن عقد النكاح المقصود منه إظهار النكاح وإعلانه.

стр. 746

الخامس العصبية قال: [الخامس: العصبية: فلا شهادة لمن عُرف بها، كتعصّب جماعة على جماعة وإن لم تبلغ رُتبة العداوة]، لما تقدم. إذا كان بينهم عصبية وإن لم تبلغ درجة العداوة فلا تُقبل للتهمة.

стр. 747

السادس الشهادة المعادة بعد أن ردت لتهمة [السادس: أن تُرد شهادته لفسقه ثم يتوب ويعيدها]. هذا رجل ذهب إلى القاضي وشهد أن فلاناً قد أقرض فلاناً كذا وكذا، فقال القاضي: أنت فاسق ولا تقبل شهادتك، فتاب، ثم رجع يعيد الشهادة نفسها فنقول هنا: لا نقبل؛ لأنه يُتهم أنه انتصر لنفسه وأراد أن لا تُرد شهادته فتاب من أجل ذلك، لكن إن شهد بأمر آخر قبلنا. أما الأمر الذي رددنا شهادته قبل لفسقه فلا نقبله الآن؛ لأنه يتهم أنه يريد أن يزيل العار الذي لحقه، يقول: القاضي رد شهادتي في هذا الأمر فلا بد أن أشهد فيه، ويتوب ويترك الفسق، ثم يذهب ويشهد بالأمر نفسه فلا نقبل. لكن إذا أتى القاضي يشهد بأمر آخر وقد تاب فالواجب أن يقبل شهادته. [أو يشهد لمورثه بجرح قبل برئه ثم يبرأ ويعيدها]. شهد لمورثه بجرح قبل أن يبرأ الجرح فردت شهادته، ثم برئ الجرح فجاء يعيد الشهادة السابقة، فنحن في السابق رددناها لأنا نخشى أنه يريد أن تسري حتى يموت مورثه فيرثه، أما الآن فقد برئ؛ لكنا نخشى أنه أراد دفع العار السابق، فهي كالمسألة السابقة. [أو ترد لدفع ضرر أو جلب نفع أو عداوة أو ملك أو زوجية ثم يزول ذلك]، يعني: المانع، [وتعاد؛ فلا تقبل] شهادته [في الجميع]؛ للمعنى المتقدم؛ أنا نخشى أنه أراد أن يدفع العار عن نفسه. قال: [بخلاف ما لو شهد وهو كافر، أو غير مكلّف، أو أخرس، ثم زال ذلك وأعادوها]، أي: فهنا نقبل شهادتهم التي أعادوها؛ لأنهم لا يُتهمون بإزالة العار؛ لأن في مثل هذه المسائل لم يلحقهم عار بذلك.

стр. 748

دليل الطالب_كتاب الشهادات [٣] الحق المشهود به أقسام تختلف أنصبة الشهادة فيها بحسب اختلافها، وبعض الحقوق لا يقبل فيها إلا الرجال دون النساء، وبعضها يقبل فيها الرجال والنساء، وبعضها تثبت بشاهد ويمين المدعي، وبعضها يقضى فيها بنكول المدعى عليه عن اليمين وهكذا، وقد يتعذر حضور الشاهد ويكون قد شهد على شهادته غيره، وهو ما يسمى بالشهادة على الشهادة، وهي مقبولة لكن لها شروط وضوابط لابد من مراعاتها.

стр. 749

أقسام المشهود به

стр. 750

الأول الزنا قال: [باب أقسام المشهود به، وهو ستة: الزنا؛ فلا بد فيه من أربعة رجال]. قال الله جل وعلا: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣]. إذاً: لا بد أن يكون الشهود أربعة، والعدد إذا أُنث دل ذلك على أن المعدود مذكّر ((بِأَرْبَعَةِ)) يعني أربعة رجال، وهذا هو قول عامة أهل العلم: أن شهود الزنا لا بد أن يكونوا أربعة رجال، فلا مدخل لشهادة النساء في حد الزنا. [يشهدون به] يعني بالزنا أو باللواط، [وأنهم رأوا ذكره في فرجها]، يعني الشيء الصريح، [أو يشهدون أنه أقر أربعاً]، أي: أربعة رجال يشهدون أن فلاناً في المجلس الفلاني أقر على نفسه أنه زنا بفلانة. هناك لما كانوا شهوداً من غير إقرار لا نقبل رجوعه لكن هنا يُقبل رجوعه، وتقدم شرح هذا والذي يهمنا هنا أن الزنا لا يُقبل فيه إلا شهادة أربعة شهود رجال فلا مدخل للنساء هنا.

стр. 751

الثاني ادعاء الفقر ممن عرف بالغنى ليأخذ من الزكاة [الثاني: إذا ادعى من عُرف بغنى أنه فقير ليأخذ من الزكاة، فلا بد من ثلاثة رجال]. لقول النبي ﵊: (حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة) كما في صحيح مسلم. فإذا كان الرجل معروفاً بالغنى ثم الآن هو يطالب بالزكاة ويقول: أنا فقير! فلا بد أن يأتي بثلاثة شهود من بطانة أهله يشهدون أنه من أهل الزكاة.

стр. 752

الثالث القود والإعسار وما لا يقصد به المال قال: [الثالث: القود والإعسار، وما يوجب الحد والتعزير، فلا بد فيه من رجلين]، وبذلك مضت السنة كما قال الزهري، فلا بد من رجلين. إذاً: الأربعة في الزنا، أما في سائر الحدود وفي القصاص وفي الأمور التي يعزّر بها القاضي لا بد من شهادة رجلين، ولا مدخل للنساء أيضاً في هذا، كما أن الزنا حد لا تدخل فيه النساء فكذلك سائر الحدود، والقصاص كذلك؛ لأن القصاص فيه إراقة للدم، فيحتاط للدم فلا نقبل إلا شهادة الرجال. إذاً عندنا أن حد الزنا لا يُقبل فيه إلا الرجال للآية، ويقاس عليه سائر الحدود كحد السرقة، ويقاس عليه القود يعني القصاص، فلا يؤخذ فيه كذلك إلا بشهادة الرجال، ويكفي فيه شهادة رجلين، والتعزير كذلك، كأن يسب فلان فلاناً فهذا لا بد فيه من شهادة رجلين؛ لأنه عقوبة كالحد. قال: [ومثله النكاح، والرجعة، والخلع، والطلاق، والنسب، والولاء، والتوكيل في غير المال]. هنا مسائل ليست حداً ولا قصاصاً ولا فيها عقوبة ولا يُقصد منها المال؛ فالنكاح لا يُقصد منه المال، والطلاق لا يُقصد منه المال والنكاح وإن كان فيه مهر لكن ليس المقصود هو المال كالبيع، وكذلك الخلع، والنسب، والولاء، فهذه مسائل لا يُقصد منها المال، قالوا: كذلك لا بد فيها من شهادة رجلين. وعن الإمام أحمد ﵀، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن شهادة الرجل والمرأتين تصح، وأن للنساء مدخلاً في هذه الأمور التي ليست حدوداً ولا قصاصاً ولا تعزيراً من المسائل غير المالية أما الأمور المالية فسيأتي أن النساء تدخل، لكن الكلام فيما لا يُقصد فيه المال مثل النكاح والطلاق والرجعة، والصحيح أن شهادة المرأتين هنا كشهادة رجل؛ لقول النبي ﵊: (أليست شهادة المرأتين كشهادة الرجل؟) كما في الصحيح، وهذا عام، وعلى ذلك فلا نستثني في شهادة النساء إلا الحدود والقصاص والتعزيرات.

стр. 753

الرابع المال وما يقصد به المال قال: [الرابع: المال وما يُقصد به المال كالقرض، والرهن، والوديعة، والعتق، والتدبير، والوقف، والبيع، وجناية الخطأ]. يعني أن فلاناً قتل فلاناً خطأ، فهذا لا يكون فيه قصاص بل فيه دية؛ قال: [فيكفي فيه رجلان أو رجل وامرأتان]. إذاً: لو شهد رجل وامرأتان أن فلاناً قتل فلاناً خطأ تُقبل، وكذلك في البيع، والقرض، والرهن؛ لأن هذه مسائل مالية، وقد قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة:٢٨٢] إلى قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]. إذاً: شهادة المرأة لها مدخل في المسائل المالية، وكذلك على الراجح في المسائل التي لا يُقصد منها المال وليست حداً ولا قصاصاً ولا تعزيراً، كما تقدم. قال: [أو رجل ويمين]، فشهادة الرجل في المسائل المالية تكفي مع يمين صاحب الحق؛ لأن النبي ﷺ : (قضى بالشاهد واليمين)، كما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس، وكما في أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة. زيد ادّعى أنه أقرض عمراً، وأقام بكراً شاهداً، فالقاضي يسمع هذه الشهادة ويطالبه باليمين، فيقول: احلف أنك أقرضته، فيشهد الشاهد أولاً ثم يحلف هو ثانياً، لأن النبي ﷺ : (قضى بالشاهد واليمين)، يعني في المسائل المالية. وكذلك -على الصحيح- في المسائل التي قبلها، وهي التي ليست حداً ولا قصاصاً ولا تعزيراً، فليس فيها عقوبة، مثل الرجعة، والخلع، والطلاق، فيصح فيها الشاهد واليمين فيما اختاره شيخ الإسلام، وهو رواية عن أحمد؛ قالوا: لعموم حديث: (أن النبي ﵊ قضى بالشاهد واليمين). قال: [لا امرأتان ويمين]. هذا رجل ادّعى أنه أقرض زيداً، وأتى بامرأتين تشهدان ويمينه، قالوا: لا يصح هنا، لأن المرأتين لا تقومان مقام الشاهد الرجل. والصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام ووجه في مذهب أحمد ومذهب المالكية: أن المرأتين تقومان مقام الرجل في هذا مع اليمين؛ وذلك لأن شهادة المرأتين تجعل جانب المُدّعي أقوى، وتجعل الظاهر معه، واليمين في جانب أقوى المتداعيين. وعلى ذلك فنقبل شهادة امرأتين، مكان الشاهد الرجل مع اليمين، وهو مذهب مالك ووجه في مذهب أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو كان لجماعة حق بشاهد حق فأقاموه فمن حلف أخذ نصيبه]. إذا كان لجماعة حق على شخص، كأن أقرضه هذا مائة، وهذا مائة، وهذا مائة حتى أكملوا له ألفاً وكانوا عشرة، فأقاموا شاهداً يشهد بما حصل، وأن هذا قد أقرضه مائة وهذا قد أقرضه مائة، فهذا شاهد واحد، وبقيت اليمين فنقول: من حلف منكم أخذ حقه، ومن لم يحلف ونكل عن اليمين لم يأخذ شيئاً، فلا تكفيه يمين صاحبه؛ لأن الحق يثبت بشاهد ويمين، فالشاهد للجميع وعلى كل واحد منهم يمين ليأخذ حقه، ولذا قال: قال: [ولا يشاركه من لم يحلف؛ لأنه لا حق له فيه].

стр. 754

الخامس داء دابة وموضحة ونحوهما قال: [الخامس داء دابة وموضحة ونحوهما؛ فيُقبل قول طبيب وبيطار واحد لعدم غيره في معرفته]. هذا فيما يتعلق بالموضِحة وبأدواء الدواب، فعندما تحصل جناية على إنسان أو جناية على دابة، فإنا نكتفي في معرفة الجرح على قول طبيب واحد عند عدم غيره، وكذلك فيما يتعلق في أدواء الدواب بقول بيطار واحد. قال: [وإن اختلف اثنان قُدّم قول المُثبِت]؛ لأن المثبت معه زيادة علم. هذا كله تبع كما تقدم للمسألة السابقة في قوله: [ولا يشاركه من لم يحلف]، وذكر هنا أنه يكفي في داء الدابة قول بيطار واحد، وفي داء ابن آدم في موضحة ونحوها يكفي قول طبيب واحد إذا عُدم غيره.

стр. 755

السادس ما لا يطلع عليه الرجال غالباً ثم قال: [السادس: ما لا يطّلع عليه الرجال غالباً كعيوب النساء تحت الثياب] كالبرص [والرضاع] أي: وفي إثبات الرضاعة، [والبكارة والثيوبة والحيض، وكذا جراحة وغيرها في حمام وعرس]، يعني: في حمام للنساء وفي عرس للنساء، [ونحوهما مما لا يحضره الرجال]، يعني غالباً؛ [فيكفي فيه امرأة عدل]. فهذه المسائل تكفي فيها شهادة امرأة واحدة إذا كانت تتصف بالعدالة، ويدل على ذلك ما تقدم في قصة عقبة بن الحارث في صحيح البخاري وغيره، وأن أمة سوداء قالت: (إني قد أرضعت عقبة والتي نكح، فقال النبي ﵊: كيف وقد قيل؟)، فدل ذلك على أن المسائل التي جرت العادة أن الرجال لا يطّلعون عليها تكفي فيها شهادة امرأة واحدة عدل؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، في مثل معرفة أن هذه المرأة بكر أو ثيّب، وفي مسألة الرضاع، وفي الجراح التي تكون في أماكن خاصة بالنساء. قال: [والأحوط اثنتان]؛ لأن هذا أكمل كالرجال، لكن لما كانت النساء في العادة لا يُقدمن على الشهادة كالرجال اكتفينا بشهادة امرأة واحدة، فإذا كان عندنا شاهدتان فإن هذا أكمل. إذاً: لو أن امرأة واحدة عدلاً شهدت أن فلانة قد أرضعت فلاناً فنقول: هو ولدها من الرضاع بشهادة هذه المرأة الواحدة المعروفة بالعدالة، ويُفرّق بينه وبين وامرأته بناء على ذلك. لكن إذا ارتاب القاضي فله أن يُحلّف هذه المرأة، قال الله جل وعلا: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]، وعليه: فإذا حصلت ريبة عند القاضي في هذه الشهادة فله أن يطلب يمينها.

стр. 756

حكم الشهادة الناقصة عن الكمال قال: [فصل: فلو شهد بقتل العمد رجل وامرأتان لم يثبت شيء]؛ لأن قتل العمد كما تقدم لا بد فيه من شهادة رجلين. وعلى ذلك: فإذا شهد به رجل وامرأتان لم يثبُت شيء، يعني: لا قصاص ولا مال، أما القصاص فظاهر وتقدم؛ لأنه لا بد من شهادة رجلين، وأما المال -يعني الدية- فلأن المال فرع عن ثبوت القصاص؛ لأن الأولياء لهم أن يختاروا القصاص ولهم أن يختاروا الدية، ولهم أن يعفوا مجاناً، وعلى ذلك فإذا كان القصاص لا يثبت لم يثبت المال لأنه فرع عنه. [وإن شهدوا بسرقة ثبت المال دون القطع]. إن شهد رجل وامرأتان أن فلاناً قد سرق كذا وكذا فلا حد، لعدم كمال بينة الحد، فإن الحد لا بد فيه من شهادة رجلين، والبيّنة هنا غير كافية فهي شهادة رجل وامرأتين، لكن هل يثبت المال؟ قال هنا: (ثبت المال) يعني: الضمان لمن سُرق منه، فنقول لهذا الذي قامت هذه البيّنة بأنه قد سرق: لا نُقيم عليك الحد لعدم حصول بيّنة الحد لكن عليك الضمان للمسروق منه؛ لأن بيّنة المال قد ثبتت وهي شهادة رجل وامرأتين. فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها؟ ف الجواب أن المال هناك فرع عن القصاص، فإذا تركه الأولياء انتقلوا إلى المال أو العفو مجاناً، وأما المال في السرقة فليس ببدل، وذلك بأن السارق يجب عليه الحد والضمان معاً؛ لكن القاتل عمداً لا نقول إنه يجب عليه القصاص والدية، بل يجب عليه القصاص إلا أن يعفو أولياء الدم عن القصاص فننتقل إلى المال. فالمال في مسألة القصاص بدل، وأما المال في مسألتنا هذه فهو حق آخر، فتُقطع يد السارق وعليه أيضاً ضمان الحق للمسروق منه. قال: [ومن حلف بالطلاق أنه ما سرق أو ما غصب ونحوه فثبت فعله برجل وامرأتين أو رجل ويمين ثبت المال ولم تطلق]. هذا رجل حلف بالطلاق أنه ما سرق فقال: إن كنت قد سرقت فامرأتي طالق! وبيّنة الطلاق كما تقدم شهادة رجلين في المشهور في المذهب، وبيّنة ضمان المال دون ذلك، وهي شهادة رجل وامرأتين. فإذا أتى رجل وامرأتان وشهدوا أنه قد سرق ثبّتنا عليه الضمان ولم نُثبّت عليه الحد كما تقدم، لكن هل تطلق امرأته بهذه البيّنة؟ الجواب: لا تطلق امرأته بهذه البيّنة حتى يُقر؛ لأن الطلاق لا بد فيه من شهادة رجلين. إذاً: ليس للقاضي أن يُثبت طلاقاً بناء على هذه البيّنة التي ثبت فيها الضمان نوضح بمثال آخر: قال: ما غصبت فلاناً حقه وإن كنت قد غصبته حقه فامرأتي طالق، ثم إنه ثبت أنه غصب بشهادة رجل وامرأتين فهنا لا نطلق عليه امرأته بهذه البيّنة؛ لأنه لا بد في بيّنة الطلاق من شهادة رجلين، ولا تكفي شهادة رجل وامرأتين؛ هذا على المذهب، وتقدم أن الراجح خلافه، لكن المال يثبت بشهادة رجل وامرأتين كما تقدم شرحه.

стр. 757

أحكام الشهادة على الشهادة

стр. 758

صورة أداء الشهادة على الشهادة ومحلها قال: [باب الشهادة على الشهادة والرجوع عن الشهادة وصفة أدائها]. عندنا شهادة أصل وعندنا شهادة فرع، تقدم الكلام على شهادة الأصل، وهنا المؤلف يذكر شهادة الفرع؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى شهادة الفرع، وصفتها: أن يقول رجل لآخر: يا فلان اشهد عليّ بأني أشهد أن فلاناً قد أقرض فلاناً كذا وكذا. مثلاً: تريد أن تسافر إلى بلدك وقد تحمّلت شهادة، وتخاف أن يطول بك السفر وصاحب الحق يحتاج إلى شهادتك وأنت بعيد، فتقول: يا فلان اشهد عليّ أني أشهد أن فلاناً قد أقرض فلاناً كذا وكذا، أو يا فلان اشهد عليّ أني أشهد أن فلاناً قد أقر لفلان بكذا، وهكذا، فهذه تسمى شهادة فرع. قال: [الشهادة على الشهادة أن يقول: اشهد يا فلان على شهادتي أني أشهد أن فلان ابن فلان أشهدني على نفسه، أو شهدت عليه، أو أقر عندي بكذا]، وعلى ذلك فلا بد أن يسترعيه الشهادة، يعني: يطلب شاهد الأصل من شاهد الفرع أن يحمل هذه الشهادة عنه. قال: [ويصح أن يشهد على شهادة الرجلين رجل وامرأتان]؛ يعني في المسائل التي يُقصد منها المال. لو أن زيداً وعمراً يشهدان بأن بكراً قد أقرض عبد الله كذا وكذا فزيد أقام رجلاً فرعاً عنه، وعمرو أقام امرأتين فرعاً عنه، والمسألة مالية وليست في قصاص ولا حد فإن هذا يصح. ولا يصح أن يكون لهما شاهد واحد، مثل أن يكون زيد وعمرو يشهدان بكذا ثم إن بكراً يحمل الشهادة عن زيد ويحمل الشهادة عن عمرو؛ لأن الأمر يئول إلى شاهد واحد فلم تكمل به البيّنة. إذاً: لا بد لا بد أن يكون الحاصل عندنا مثل ما يثبت به الحق في الأصل، يعني: أن يكون شهود الفرع ممن يثبت بهم الحق في الأصل، فإذا كانت المسألة مالية فتحصّل عندنا رجل وامرأتان صح، ولو كانت المسألة مالية وكان الفرع واحداً فلا بد من اليمين كما تقدم إيضاحه. قال: [ويصح أن يشهد على شهادة الرجلين رجل وامرأتان، ورجل وامرأتان على مثلهم، وامرأة على امرأة فيما تُقبل فيه المرأة].

стр. 759

شروط الشهادة على الشهادة قال: [وشروطها أربعة] هذه شروط الشهادة على الشهادة. [أحدها: أن تكون في حقوق الآدميين]، كالأموال، فلا تُقبل في حدود الله جل وعلا؛ لأن حدود الله مبناها على الستر والمسامحة، فلا نحتاج فيها إلى شاهد فرع. الشرط [الثاني: تعذّر شهود الأصل بمرض أو خوف أو غيبة مسافة قصر]، أي: أن يتعذر حضور شهود الأصل إما لمرض أو لخوف سلطان أو لغيبة مسافة قصر. إذاً: شاهد الفرع كالتيمم بالتراب، فلا يصح التيمم بالتراب مع وجود الماء، فإذا وجد عندنا شهود الأصل لم نقبل شهود الفرع، وذلك لئلا يطول نظر القاضي في الشهود؛ لأنه يحتاج إلى أن ينظر إلى عدالة شهود الأصل، وإلى عدالة شهود الفرع، فيطول الأمر ويكثر الخطأ، ولأنه إنما جاز الأخذ بشهادة الفرع عند الحاجة فما عدا الحاجة لا نأخذ بها. قال: [ويدوم تعذّرهم إلى صدور الحكم فمتى أمكنت شهادة الأصل وقف الحكم على سماعها]. أتى شهود الأصل قبل أن يحكم القاضي فنقول: إذاً: تترك شهادة شهود الفرع، وتأخذ بشهادة شهود الأصل. إذاً: هذا كما لو صلى بتيمم نقول: بطلت صلاته وعليه أن يعيد الصلاة بوضوء. قال: [الثالث: دوام عدالة الأصل والفرع إلى صدور الحكم، فمتى حدث من أحدهم قبله ما يمنعه وقف]، أي الحكم، فلا بد أن تدوم عدالة الأصل وعدالة الفرع. لو أن رجلاً عدلاً حمّلك شهادة وأنت عدل، ثم إن هذا العدل طرأ عليه فسق وهو غائب، فذهبت لتنقل للقاضي وتشهد بأن فلاناً قد حمّلك شهادته بكذا، لكن هذا الأصل قد صار فاسقاً، فهل ننظر إلى شهادتك؟ الجواب لا. وإن كنت عدلاً، لأن الذي حمّلك الشهادة قد طرأ عليه فسق. وكذلك لو أن شاهد الفرع طرأ عليه فسق فنقول إذاً: لا نأخذ بشهادة الفرع ونرجع إلى شهادة الأصل، أو يُحمّل الأصل شاهداً آخر يشهد مكانه، كما إذا كان خائفاً في بيته لا يستطيع الخروج فنقول: إذاً يذهب شاهد آخر ويتحمل شهادته ليشهد عند القاضي. قال: [الرابع: ثبوت عدالة الجميع] فلا بد من عدالة شهود الأصل ومن عدالة شهود الفرع.

стр. 760

حكم تعديل شاهد الفرع للأصل أو لرفيقه قال: [ويصح من الفرع أن يُعدّل الأًصل]؛ لأنها شهادة بالحق فهي مقبولة. يعني يصح أن يكون الفرع شاهداً على شهادة الأصل وشاهداً أيضاً أن الأصل عدل، فإذا كان ممن تؤخذ بتزكيته فيصح أن يشهد بأن شاهد الأصل عدل. مثلاً: حمّلك رجل اسمه فلان بن فلان شهادة وسافر، فذهبت إلى القاضي وقلت: أشهد أن فلاناً قد أشهدني على كذا وكذا، وأشهد أنه عدل، فيصح هذا. [لا تعديل شاهد لرفيقه] فإذا شهد اثنان بحق وشهد أحدهما أن الشاهد الثاني عدل، فإنه لا يصح؛ لأن هذا يؤدي إلى انحصار الشهادة في أحدهما. قال: [وإذا قال شهود الأصل بعد الحكم بشهادة الفرع: ما أشهدناهم بشيء لم يضمن الفريقان شيئاً]. أما شهود الفرع فلا يضمنون؛ لأنه لم يثبت كذبهم، لأنه يجوز أن يكون هؤلاء قد حمّلوهم الشهادة ونسوا. وأما شهود الأصل فلا نقول إنهم قد رجعوا عن الشهادة؛ لأنهم لم يشهدوا أصلاً حتى يُقال إنهم قد رجعوا، وعلى ذلك فلا ضمان لا على شاهد الأصل ولا على شاهد الفرع.

стр. 761

مسائل متفرقة في أحكام الشهادة

стр. 762

ما تقبل به الشهادة من الألفاظ وما لا تقبل به قال: [فصل: ولا تُقبل الشهادة إلا بأشهد، أو شهدت، فلا يكفي: أنا شاهد، ولا: أعلم، أو أتحقق]، أو أعرف، أو أتيقن، [أو أشهد بما وضعت به خطي]. يقول: هذه كلها لا تُقبل، ولا بد من قول: أشهد بكذا، أو شهدت بكذا، فلا يُقبل أي لفظ يحتمل غير ذلك، وتقدم أن الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن كل لفظ يدل على الشهادة فإن الشهادة تصح به، فلو قال: سمعته يقول كذا، أو رأيته يفعل كذا، فالراجح أن ذلك يصح. [لكن لو قال: من تقدمه غيره بالشهادة: بذلك أشهد أو كذلك] أشهد، [صح]. شهد زيد عند القاضي أن عمراً أقرض فلاناً كذا، فقال بكر: وهو الشاهد الثاني بذلك أشهد، أو قال: كذلك أشهد، فهذا يكفي؛ لأن هذا صريح في إقراره لشهادة الآخر وشهادته بذلك.

стр. 763

رجوع الشهود عن الشهادة [وإذا رجع شهود المال أو العتق بعد حُكم الحاكم لم يُنقض] يعني لم يُنقض الحكم [ويضمنون]. شهد اثنان أن زيداً قد أقرض عمراً ألف ريال، فلما حكم القاضي بذلك وألزم عمراً بدفع هذا المال لزيد رجع الشهود، فقالوا: أخطأنا أو وهمنا أو نحو ذلك؛ قال: لم يُنقض الحكم، لاحتمال أنهم رجعوا خوفاً، أو رغبة، أو لرشوة أو نحو ذلك، ويضمن الشهود لأنهم الذين أخرجوا الحق من يد مالكه. فإن كان الشهود لم يرجعوا وقد زكاهم فلان وفلان ثم ظهر أنهم فساق بيّن فسقهم فنضمّن المزكين كما أقر هذا شيخ الإسلام لأن المزكين هم الذين غرروا وأخرجوا الحق من صاحبه.

стр. 764

تعزير شاهد الزور قال: [وإذا علم الحاكم بشاهد زور بإقراره]، يعني أقر أنه شاهد زور [أو تبيّن كذبه يقيناً عزّره ولو تاب] لأنه تاب بعد أن بلغ الأمر القاضي، وعلى ذلك فيعزّره [بما يراه ما لم يخالف نصاً] يعني: فلا يعزّره بما يخالف النص كحلق اللحية! وإنما يعزّره بما يراه مناسباً مما لا يخالف الشرع، [وطيف به في المواضع التي يشتهر فيها فيقال: إنا وجدناه شاهد زور فاجتنبوه]. وفي هذا الزمن يكفي أن يُكتب ذلك في جريدة ونحوها ليحذر الناس منه. إذاً على القاضي أن يؤدب شاهد الزور، وأن يُحذّر الناس منه!

стр. 765

اليمين في الدعاوي

стр. 766

المواضع التي لا يحلف فيها المنكر قال: [باب اليمين في الدعاوى: البيّنة على المُدعي واليمين على من أنكر] وتقدم شرح هذا، وأنه جاء في البيهقي، وأن إجماع أهل العلم على أن البيّنة على المُدعي واليمين على من أنكر. [ولا يمين على مُنكر ادُّعي عليه بحق لله تعالى كالحد]. تقدم أن اليمين على المُدّعى عليه لكن هذا لا يكون في حقوق الله جل وعلا؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة كالحد، ففي السرقة لا نُرجع إليه اليمين، لو ادّعى رجل أن فلاناً قد سرقه، وأتى بشاهد مثلاً أنه قد سرق فلا نقول لهذا المُدّعى عليه: احلف أنك لم تسرق؛ لأنه لو نكل فلا فائدة من نكوله، إذ لا يمكن أن نقيم عليه الحد بمجرد نكوله؛ لأنه لا يُقام عليه الحد إلا بإقراره واعترافه أو ببيّنة وهي شهادة رجلين. قال: [ولو قذفاً]؛ لأنه حق لله تعالى، [والتعزير] كذلك، [والعبادة] أي: فلا يقال للإنسان احلف أنك تصلي؛ لأن حقوق الله جل وعلا مبنيّة على المسامحة ولا يُمكن أن نُحلّف فيها، ولا يُمكن أن نحكم بالنكول. أيضاً: [إخراج الصدقة] لا يُقال للرجل: احلف أنك تُخرج صدقة مالك، ولذا قال الإمام أحمد ﵀: لا يُستحلف الناس على صدقاتهم. [والكفارة والنذر] كذلك لا يقال له: احلف أنك قد كفّرت عن يمينك، ولا احلف أنك قد أوفيت بنذرك. وذلك لأن اليمين إنما جاءت في حقوق الآدميين، قال النبي ﵊: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المُدّعى عليه) رواه الإمام مسلم، فدل على أنها لا تكون في حقوق الله جل وعلا. قال: [ولا على شاهد أنكر شهادته، وحاكم أنكر حكمه] إذا أنكر الشاهد أنه قد شهد بذلك، أو أنكر الحاكم أنه قد حكم بذلك، فإنا لا نوجه إلى أحد منهما اليمين؛ وذلك لأنه لا يُقضى في ذلك بالنكول، فإذا قال الشاهد: أنا لا أحلف فهل نقضي عليه بالنكول ونحمله الحق؟ لا. إنما هو شاهد، ولذا فإنا لا نوجه إليه اليمين. يقول: [ويحلف المُنكر في كل حق آدمي يُقصد منه المال كالديون والجنايات والإتلافات، فإن نكل عن اليمين قُضي عليه بالحق]. إذاً: يحلف المُنكر في كل حق آدمي يُقصد منه المال مثل القرض، والمبايعات، والديون، والجنايات التي فيها أرش أو دية، مثلما لو قتل خطأ، فما كان فيه مال أو يُقصد منه المال فهو الذي تتوجه فيه اليمين. إذاً: القاضي لا يطلب اليمين إلا في حقوق الآدميين التي يُقصد منها المال.

стр. 767

صفة اليمين على نفي فعل نفسه وعلى الدعوى على غيره قال: [وإذا حلف على نفي فعل نفسه أو نفي دين عليه حلف على البت] يعني على القطع، فإذا حلف على نفي فعل نفسه قال: والله ما فعلت هذا قط، ما فعلته أبداً، والله ما لفلان عليَّ دين، أو ما لفلان عليَّ شيء، فيقطع لأنه فعل نفسه، ولا يقول: والله لا أعلم أن لفلان عليّ شيئاً! نقول: لابد أن تقطع؛ لأن هذا فعل نفسك. لكن [وإن حلف على نفي دعوى على غيره كمورثه ورقيقه وموليه، حلف على نفي العلم] فإذا كان أحد يدّعي على مورثه أو على رقيقه أو على موليه، فإنه يحلف على نفي العلم فيقول: والله لا أعلم أن لفلان على مورثي شيئاً. إذاً: إذا توجهت عليك اليمين في شيء يرجع إلى فعلك أنت فلا بد من القطع، أعني: أن يكون الكلام قاطعاً، وأما إذا كان يرجع إلى فعل غيرك كمورثك فإنه يكفي أن تقول: والله لا أعلم أن لفلاناً على أبي كذا، أو: والله لا أعلم أن لفلان على ولدي المتوفى كذا! ونحو ذلك من الألفاظ. قال: [ومن أقام شاهداً واحداً بما ادعاه حلف معه على البت] يعني يقطع ولا يقول: والله لا أعلمه بل يقطع، مثلاً: هذا شاهد لك أنك أقرضت زيداً فإذا شهد الشاهد حلفت أنت معه بعد شهادته على البت، تقول: والله إن لي على فلان كذا وكذا. قال: [ومن توجه عليه حلف لجماعة حلف لكل واحد يميناً ما لم يرضوا بواحدة]. إذا كان الذين يدّعون عليك جماعة، وتوجهت عليك اليمين فتحلف لكل واحد منهم يميناً، إلا أن يرضوا بيمين واحدة.

стр. 768

تغليظ اليمين قال: [فصل: وللحاكم تغليظ اليمين فيما له خطر] يعني إذا كان الأمر له خطر فله أن يغلّظ اليمين، ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجوب تغليظ اليمين إذا رأى القاضي المصلحة في ذلك؛ لأن ذلك وسيلة لتحصيل الحق لصاحبه. يقول: [كجناية لا توجب قوداً] لأن الجناية التي توجب القود -وهو القصاص- لا يمين فيها، لكن إذا كان قتل خطأ كما لو ادعوا أن فلاناً قد قتل مورثهم يريدون الدية! فهنا تتوجه اليمين؛ لأن هذا حق لآدمي يُقصد منه المال، فللقاضي أن يطلب تغليظ اليمين، يقول: احلف مثلاً عند منبر المسجد، وإذا كنت في مكة قال: بين الباب وبين الركن، أو احلف بعد صلاة العصر يغلّظ اليمين. [وعتق ومال كثير قدر نصاب زكاة]، يريد منه مائة ألف ريال مثلاً فللقاضي أن يغلّظ اليمين، لكن لو كان لا يريد منه إلا مائة ريال لا تغلظ اليمين بمثل هذا. قال: [فتغليظ يمين المسلم أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، الضار النافع، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور] يحلف هذه اليمين التي فيها تغليظ. قال: [ويقول اليهودي] أي: إذا توجهت اليمين إلى يهودي يعيش في بلادنا ورُجع إلى القاضي. [والله الذي أنزل التوراة على موسى، وفلق له البحر، وأنجاه من فرعون وملئه. ويقول النصراني: والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى وجعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص]، هذا تغليظ من جهة اللفظ. قد يكون التغليظ من جهة الزمان، وذلك بأن يحلف بعد صلاة العصر، قال الله جل وعلا: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة:١٠٦] قال عامة المفسرين: يعني من بعد صلاة العصر. وقد يكون التغليظ -كما تقدم- في المكان عند المنبر، ولذا قال النبي ﵊: (من حلف على منبري يميناً آثمة فليتبوأ مقعده من النار) رواه أبو داود وهو حديث صحيح. [ومن أبى التغليظ لم يكن ناكلاً]، إذا قال: لا أحلف إلا يميناً لا تغليظ فيها لا يُعد ناكلاً. والصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام أنه يُعد ناكلاً؛ لأنه إذا كان يأبى التغليظ ونقبل ذلك منه ولا نعده نكولاً فلا فائدة إذاً من تغليظ اليمين. قال: [وإن رأى الحاكم ترك التغليظ فتركه كان مصيباً]. يعني: إذا رأى أن يترك التغليظ فتركه فإنه يكون مصيباً، يعني أن الأمر يرجع إلى القاضي.

стр. 769

الأسئلة

стр. 770

حكم مشاهدة شاهد الفرع للشيء المشهود عليه السؤال هل تشترط رؤية شاهد الفرع للشيء المشهود عليه؟ الجواب لا يشترط ذلك، فلو أن أباك حمل شهادة قبل خمسين سنة، ثم إنه حمّلك إياها قال: أنا أخشى أن أموت وهؤلاء يحتاجون إلى شهادتي على أرضهم، أو على مزرعتهم، فتحمّل مني هذه الشهادة، فيصح ذلك.

стр. 771

حكم كتم الشهادة السؤال ما هو حكم من كتم شهادته؟ الجواب كما قال الله جل وعلا في القرآن: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] هذا يدل على الإثم، ويدل على الفسق، فإذا كتم الشهادة فإنه يفسق بذلك، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 772

دليل الطالب_كتاب الإقرار يثبت الحق عند القاضي بإقرار المدعى عليه بما ادعاه المدعي، والإقرار حجة كافية لا يجوز الرجوع فيها في حقوق الآدميين بخلاف حقوق الله، لكن قد يلابس الإقرار أمور تقدح فيه وتجعله غير مقبول، وذلك عند وجود تهمة كإقرار المريض لأحد الورثة بدين حتى يحوز التركة دونه غيره، وقد يقر المرء بشيء ثم يستثني في إقراره، وهذا الاستثناء له أحكام لابد أن يكون القاضي عارفاً بها.

стр. 773

أحكام الإقرار

стр. 774

تعريف الإقرار وبيان من يصح إقراره قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الإقرار]. ختم المؤلف هنا كتاب الفقه بالإقرار تفاؤلاً بحسن الخاتمة بالإقرار بالشهادتين، فإن النبي ﵊ قال: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) وجعل هذه المسألة أيضاً آخر مسألة في هذا الكتاب، نسأل الله جل وعلا أن يختم لنا بخير. وبعض الفقهاء يضعون باب العتق خاتمة لكتاب الفقه تفاؤلاً بالعتق من النار. الإقرار: هو الاعتراف بالحق، ومنه قول النبي ﵊: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمه) متفق عليه. قال: [لا يصح الإقرار إلا من مكلف]، يعني من بالغ عاقل، [مختار]، لا مكره، ولذا قال ﵊ فيما ثبت في سنن أبي داود وغيره (رُفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ). وقال في البيهقي وغيره: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه). نأخذ من هذين الحديثين أن غير المكلف -وهو المجنون أو الصبي- لا يصح إقراره، فلو أن صبياً أقر أن لفلان عليه مائة ريال لم نأخذ بإقراره، وكذلك المجنون. والمختار كما تقدم هو غير المكره للحديث المتقدم (وما استكرهوا عليه) فالمُكره لا يؤخذ بإقراره. وإذا قال: أنا قد أُكرهت فلا نقبل دعوى الإكراه إلا ببينة أو ما يدل على الإكراه كأن يقر في حبس، أو أن يظهر عليه أثر ضرب، ونحو ذلك، وإلا فإن دعوى الإكراه لا تُقبل؛ لأن الأصل عدم الإكراه. لو قال: إني إنما أقررت مُكرهاً نقول: هل عندك بيّنة؟ إن قال: لا. فنقول: هل عندك ما يدل على الإكراه كأن تقر تحت السياط أو في حبس؟ فإن قال: لا، فإنا نقول له: لا نقبل منك هذه الدعوى؛ لأن الأصل عدم الإكراه. قال: [ولو هازلاً] كالطلاق؛ فالهازل يؤخذ بإقراره لتعلُّق حق المُقَر له بذلك. [بلفظ أو كتابة لا بإشارة إلا من أخرس]. الإقرار بلفظه أن يقول: أُقر أن لفلان عليّ ألف ريال، أو يكتب بخطه: هذا أنا فلان ابن فلان أُقر بأن لفلان عليّ كذا. أما الإشارة فلا يؤخذ بها إلا من أخرس؛ لأن الإشارة من الأخرس تقوم مقام النطق. قال: [لكن لو أقر صغير أو قن أُذن لهما في تجارة في قدر ما أُذن لهما فيه صح]. الصبي تقدم أنه لا يؤخذ بإقراره، لكن إن كان وليه قد أذن له بتجارة قبل إقراره بحدود ما يؤذن لمثله به مثل ما يسمى بالبسطة التي يبيع بها الصغار عند أبواب المساجد أو في الطرق، فإذا اشترى منه رجلاً مثلاً بخمسمائة ريال وأعطاه البضاعة وبقيت عنده دراهم، فأقر هذا الصبي أن هذا الرجل يريد منه ما بقي من الخمسمائة وهي مثلاً ثلاثمائة ريال، فإنه يؤخذ بالإقرار؛ لأنه ما دام أنه أُذن له بالتصرف بالبيع والشراء بحدود ما يصلح لمثله، فكذلك نأخذ بإقراره في هذا.

стр. 775

حكم إقرار المكره بغير ما أكره عليه قال: [ومن أُكره ليقر بدرهم فأقر بدينار، أو ليقر لزيد فأقر لعمرو، صح ولزمه]؛ لأنه أقر بغير ما أُكره عليه. قيل له: إما أن تُقر لزيد بمائة ريال وإلا جلدناك وسجناك، فقال: بل أُقر أن له عليّ ألفاً وليس مائة؛ نأخذ بهذا؛ لأنه لو كان الذي جعله يقر الإكراه لأقر بالمائة فقط، فلما أقر بالألف دل على أنه يُراد منه ألف ريال. كذلك لو أُكره ليقر لزيد فأقر لعمرو نقول: نأخذ بالإقرار، فلو جُلد ليقر أن زيداً يريد منه مائة ريال فقال: لا أُقر بذلك إنما أُقر لأخيه عمرو فنأخذ بإقراره لعمرو؛ لأن السياط لو كانت هي السبب في إقراره لعمرو لأقر لزيد؛ لأنه إنما يُجلد ليقر لزيد لا لعمرو. قال: [وليس الإقرار بإنشاء تمليك] أي أن الذي يُقر لا يُعد مُنشئاً لمُلك. هذا رجل أقر أن هذه الدار التي يسكنها لفلان وليست له، فهل نقول إنه أنشأ ملكاً جديداً بهذا الإقرار؟ الجواب لا؛ لأن الإقرار في الحقيقة إخبار بما في نفس الأمر، فالذي يُقر ويقول: أُقر أن هذه الدار لزيد إنما يخبر عن الواقع، فهو لم لا يُنشئ، ولم يهب، ولم يُملّك، وإنما يُخبر عن ملك سابق، فهو -إذاً- مُخبر لا منشئ. قال: [فيصح حتى مع إضافة الملك لنفسه كقوله: كتابي هذا لزيد]؛ لأن الإضافة تكون لأدنى مناسبة. قيل له: لمن هذا الكتاب الذي بيدك؟ قال: كتابي هذا لزيد فقوله: (كتابي هذا) إذا نظرنا إلى اللفظ وجدناه ينافي قوله: (لزيد) لأن قوله (كتابي) يعني: لي، و (لزيد) أضافه لمالك آخر؟ فنقول: إن الإضافة تكون لأدنى مناسبة، فلو قال: بيتي هذا لفلان نقول: هذا إقرار، وقوله: (بيتي) هذه إضافة والإضافة تكون لأدنى مناسبة.
следующие страницы →