Полный текст (802 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
حكم التقليد في المختلف فيه
قال: [ومن قلّد في صحة نكاح صح ولم يفارق]، أي زوجته، [بتغير اجتهاده كالحكم بذلك].
من قلّد في نكاح مختلف فيه، كالذي ينكح امرأة بلا ولي تقليداً للإمام أبي حنيفة، صح النكاح لأنه مقلّد، ولم يفارق زوجته بتغير اجتهاده، فإذا سأل في المستقبل عالماً آخر وأفتاه أن النكاح بلا ولي باطل فلا يلزمه أن يُفارق زوجته؛ لأنه بنى زواجه على تقليد لإمام معتبر.
قوله: [كالحكم بذلك] جعل التقليد في الفتيا كالحكم، بعض الناس يطلّق امرأته وهي حائض، فيفتيه العالم بأن طلاق الحائض لا يقع، ثم بعد ذلك يأخذ بقول عالم آخر يرى أن طلاق الحائض يقع، فلا نقول إن تلك الطلقة السابقة قد وقعت؛ لأنك بنيت ذلك على سؤال لعالم يؤخذ بفتياه ويُقلّد، فبرئت ذمتك عند الله جل وعلا.
стр. 702
الدعوى على الغائب ونحوه وكتاب القاضي
стр. 703
ما تصح فيه الدعوى على الغائب ونحوه
قال: [فصل: وتصح الدعوى بحقوق الآدميين على الميت وعلى غير المكلف وعلى الغائب مسافة قصر، وكذا دونها إن كان مستتراً بشرط البيّنة في الكل].
يرى الحنابلة أن الحكم على الغائب يصح، يعني: تصح الدعوى إذا كان الخصم غائباً وأنت أيها المُدّعي ذهبت إلى القاضي ومعك شهود عدول، والخصم غائب عن البلد مسافة قصر أو كان مستتراً مستخفياً؛ لأن المستخفي كالغائب.
وكذلك إذا كان ميتاً؛ لأن الميت كالغائب.
وكذلك إذا كان كذلك غير مكلّف، كصبي أو مجنون؛ لأنهم أولى من الغائب، لأنهم لا يعبّرون عن أنفسهم؛ فإذا كان الأمر كذلك فإن القاضي يحكم مع غياب الخصم.
واستدلوا بما جاء في الصحيحين أن النبي ﵊ لما قالت له هند زوجة أبي سفيان: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفينا، فقال لها النبي ﵊: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) متفق عليه؛ قالوا: وهذا يدل على أن الغائب يُحكم عليه.
وقال الأحناف وهو رواية عن أحمد: بل إن الغائب لا يُحكم عليه، أما الحديث فإنه في الفتيا لا في القضاء، وهناك فرق بين القضاء والفتيا، ولذا جاء في الترمذي والنسائي أن النبي ﵊ قال: (إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع قول الآخر فإنك إن فعلت ذلك تبيّن لك القضاء) وهو حديث صحيح.
وعلى ذلك فلا يُحكم على الغائب إلا لضرورة، وإلا فإنه لا يحُكم على الغائب.
أما الحديث المتقدم فإن ذلك في الفُتيا لا في القضاء، وأيضاً: ليس فيه أن أبا سفيان كان خارج البلد، وإنما كان غائباً عن مجلس القضاء.
إذاً: المذهب يرون أنه يُحكم على الغائب، ويرون أنه يُحكم عليه بلا يمين أيضاً، وبلا طلب كفيل.
وقال الشافعية: نحكم على الغائب لكن نطلب من المُدّعي مع البيّنة اليمين احتياطاً.
وقال بعض الحنابلة: نطلب منه أن يأتي بكفيل، حتى إذا أتى الآخر وتبيّن لنا أن الحكم لم يكن في محله فإنا قد حفظنا حقه بالكفيل؛ لأن الرجل قد يأتي ببيّنة أنه قد أقرض فلاناً قبل سنة، لكن هذا المستقرض قد رد له الحق وعنده بيّنة أنه رد الحق.
ولذا فالصحيح أنه لا يُحكم على غائب إلا عند الضرورة.
стр. 704
كتاب القاضي إلى قاض آخر
قال: [ويصح أن يكتب القاضي الذي ثبت عنده الحق إلى قاض آخر معين أو غير معين].
هذا في كتابة القاضي فالقاضي قد يكتب إلى قاض آخر إما بحكمه أو بما ثبت عنده من البيّنة.
يعني: قد يكتب القاضي إلى الشيخ فلان في بلدة كذا إنه قد ثبت عندي أن فلاناً قد اقترض من فلان عشرة آلاف ريال بشهادة فلان وشهادة فلان وحكمت بذلك.
لأنه قد يكون الشخص هنا مثلاً وغريمه في مصر والشهود هنا، فيذهب المدعي بالشهود هنا إلى القاضي ويشهدون عند القاضي، فيحكم ويُكتب بذلك إلى القاضي في مصر، وقد يكتفي بأنه ثبت عنده، وقد يحكم ويطلب منه التنفيذ ويقول: نفِّذ حكمي هذا فإني قد حكمت بناء على البيّنة، وأطالبك أن تنفّذ ذلك.
قوله: [معيّن أو غير معيّن] المعيّن مثل: إلى فلان قاضي كذا، وغير المعين أن يكتب: إلى من بلغه كتابي هذا من القضاة.
[بصورة الدعوى الواقعة على الغائب بشرط أن يقرأ ذلك على عدلين ثم يدفعه لهما]، أي: عندما يكتب القاضي كتابه يقرأ ذلك على عدلين اثنين، ويدفعه لهما ليذهبا به إلى القاضي الآخر.
والقول الثاني في المسألة وهو اختيار ابن القيم والشيخ محمد بن إبراهيم: أنه يكفي أن يعرف القاضي الآخر خطه وختمه، فإذا كان عليه ختم وكان خط القاضي أيضاً معروفاً لديه، فهذا يكفي ولا يحتاج إلى شهادة اثنين يقرؤه عليهما، وهذا هو الصحيح؛ قال ابن القيم: وعليه عمل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال منذ زمن النبي ﵊ إلى اليوم.
قال: [ويقول فيه: وإن ذلك قد ثبت عندي، وإنك تأخذ الحق للمُستحق.
فيلزم القاضي الواصل إليه ذلك العمل به]، يلزمه أن يعمل بذلك إجماعاً.
стр. 705
دليل الطالب_كتاب القضاء [٣]
قد تحصل الشركة في الأموال بطريق الإرث أو غيره، وقد يكون المال المشترك عقاراً وقد يكون منقولاً، وفي كل حال فإن الشركاء قد يحتاجون إلى القسمة بينهم، وكثيراً ما يترافعون إلى القضاء للفصل بينهم في ذلك، وعليه فيحتاج القاضي إلى معرفة القسمة وما تتطلبه من حساب، وما هي أنواعها ومحل كل نوع.
стр. 706
أحكام القسمة
стр. 707
أنواع القسمة والتعريف بها
قال: [باب القسمة: وهي نوعان: قسمة تراض وقسمة إجبار].
عندما يكون بينك وبين زيد من الناس دار، أو عقار، أو دابة، أو غير ذلك، وتريد أن تقسم فتأخذ حقك ويأخذ هو حقه، هذا الباب يشرح ذلك، فذكر المؤلف أن القسمة نوعان: قسمة تراض وقسمة إجبار.
يعني: هناك قسمة يُشترط فيها التراضي، فليس للقاضي ولا لغيره أن يقسم إلا مع التراضي، وهي القسمة التي فيها ضرر أو رد عوض، فالضرر مثل نقص القيمة، فإذا قُسمت حصل نقص في القيمة، أو احتاج أن يرد عوضاً، يقول: يا فلان أعط فلاناً كذا عوضاً لأننا أعطيناك الجهة الأفضل؛ فهذا النوع لا بد فيه من التراضي.
وهناك قسمة إجبار: وهي التي إن طلب أحد الطرفين القسمة أجبر القاضي الطرف الآخر عليها، وهي التي لا يكون فيها ضرر ولا يكون فيها رد عوض.
مثلاً: أرض مساحتها ألف متر معتدلة فلهذا خمسمائة ولهذا خمسمائة إذا لم يكن فيها رد عوض، لكن لو كانت الأرض التي في إحدى الجهتين تقع على شارع عام وهي أفضل بحيث إن الذي يأخذها يرد عوضاً للآخر، فإنا نقول: هذه من النوع الأول، وليست قسمتها قسمة إجبار.
стр. 708
أحكام قسمة التراضي
قال: [فلا قسمة في مشترك إلا برضا الشركاء كلهم حيث كان في القسمة ضرر يُنقص القيمة كحمام، ودور صغار، وشجر مفرد، وحيوان]، هذه لا يمكن أن تقسم إلا برضا الطرفين، إذاً ما هو الحل؟ الحل أن القاضي يلزمهما بالبيع ويقسم الثمن بينهما، فإن أبى أحدهما البيع فإن القاضي يبيع ويأخذ الثمن ويقسمه بينهما، ولا يمكن أن يقسم بينهما على الصورة المتقدمة.
مثال ذلك: اثنان بينهما ناقة يشتركان فيها ماذا يفعل القاضي؟ لا يمكن أن تُقسم، فيبيع هذه الناقة ويقسم الثمن.
كذلك إذا حدث بالقسمة نقص، مثلاً: بينهما شقة واحدة يشتركان فيها ورثاها عن أبيهما، فماذا يفعل القاضي؟ نقول: إما أن تتراضيا على حالكما الآن وتنتفعان بها على هذه الصورة، وإلا فإن القاضي يبيع ويقسم الثمن.
قال: [وحيث تراضيا صحت]، أي: إن تراضيا على القسمة صحت، [وكانت بيعاً، وثبت فيها ما يثبت فيه من الأحكام]، فيكون من باب البيع إذا تراضيا على القسمة، فإذا قال أحدهما: أنا آخذ هذا القسم وأنت تأخذ القسم هذا وتراضيا فيكون بيعاً، وعلى ذلك ففيه خيار المجلس وفيه خيار الشرط، وفيه كذلك خيار الغبن كسائر البيوع، أي: فله حكم سائر البيوع.
قال: [وإن لم يتراضيا ودعا أحدهما شريكه إلى البيع في ذلك أو إلى بيع عبد، أو بهيمة، أو سيف، ونحوه مما هو شركة بينهما، أُجبر إن امتنع] كما تقدم شرحه دفعاً للضرر.
يعني: هذا يُطالب بحقه ولم يتراضيا على القسمة فإنه يُجبر على البيع ويُقسم الثمن، [فإن أبى بيع عليهما]، كما تقدم، فيبيعه القاضي [وقُسم الثمن] بينهما.
قال: [ولا إجبار في قسمة المنافع]، وذلك مثل دار وقف على هذين الاثنين، فلا يمكن القسمة؛ لأن هذه منفعة وليست عيناً، ولا إجبار في قسمة المنافع، [فإن اقتسماها بالزمن كهذا شهراً والآخر مثله، أو بالمكان كهذا في بيت والآخر في بيت صح جائزاً، ولكل] منهما، [الرجوع] متى شاء.
إذاً: إذا كانت هناك منفعة مشتركة بينهما، كأن أوقف الأب هذه الدار على أولاده وهما اثنان ينتفعان بها فهذه لا يمكن قسمتها؛ لأنها وقف، وعلى ذلك فإن اقتسما بالزمن كأن يكون لهذا شهراً ولهذا شهراً، أو بالمكان كهذا في بيت أو في شقة وهذا في شقة؛ صح جائزاً لا لازماً، ولكل منهما الرجوع.
стр. 709
أحكام قسمة الإجبار
[فصل: النوع الثاني: قسمة إجبار؛ وهي ما لا ضرر فيها ولا رد عوض] ليس فيها ضرر وليس فيها رد عوض.
[وتأتي في كل مكيل وموزون]، مثلاً: يشتر كان في عشرة كيلو من البر، فهذه لا ضرر في القسمة ولا رد عوض، بل لهذا خمسة ولهذا خمسة، ولذا تسمى قسمة إجبار، لأنهما يجبران على القسمة؛ أي: ما دام أحدهما يطالب بالقسمة فيُجبر الآخر عليها؛ لأنه لا يلحقه ضرر، والنبي ﵊ يقول: (لا ضرر ولا ضرار).
[وفي دار كبيرة] الدار الكبيرة يمكن أن تُقسم، [وأرض واسعة، ويدخل الشجر تبعاً].
وهذا النوع ليس بيعاً، إنما هو فرز، يعني: فُرز حق هذا من حق هذا، فلا يُعد بيعاً فيه خيار مجلس وغير ذلك! بخلاف قسمة التراضي السابقة فهي بيع.
قال: [فيُجبر الحاكم أحد الشريكين إذا امتنع على القسمة؛ لأنه لا ضرر عليه، ويصح أن يتقاسما بأنفسهما أو أن ينصِّبا قاسماً بينهما] أي: أن يجعلا بينهما قاسماً.
[ويُشترط إسلامه وعدالته وتكليفه] لأنه يُلزم بقسمته فيكون كالقاضي، وعلى ذلك فلا بد أن يكون مسلماً عدلاً مكلفاً.
قال: [ومعرفته بالقسمة] أي: أن يعرف كيف يقسم، [وأجرته بينهما على قدر أملاكهما]، فإن كان هذا له النصف وهذا له النصف فالأجرة بينهما على النصفين، وإن كان لهذا الثلث ولهذا الثلثان، فهذا عليه من الأجرة الثلث وهذا عليه من الأجرة الثلثان.
قال: [وإذا تقاسما بالقرعة جاز، ولزمت القسمة بمجرد خروج القرعة] إذا تراضيا واختارا القرعة فتكون القرعة كالقاضي وكالقاسم، فما خرجت القرعة به حكمنا به ولزم، وليس لأحدهما بعد ذلك الرجوع، [ولو فيما فيه رد وضرر] أي: فإذا تراضيا على القرعة فإن القرعة تلزم إذا خرجت.
[وإن خيّر أحدهما الآخر بلا قرعة وتراضيا لزمت بالتفرق] يعني بأبدانهما، فإذا قال أحدهما للآخر: أنا أقسم وأنت تختار فقسم الدار إلى قسمين وقال له: اختر أنت، فاختار، فإنهما إذا تفرّقا بأبدانهما لزم ذلك.
[وإن خرج في نصيب أحدهما عيب جهله خُيّر بين فسخ وإمساك ويأخذ الأرش] أي: إن كان في نصيب أحدهما عيب فإنه يُخيّر إذا كان يجهل العيب، أي: لم يعرف العيب سابقاً، لأنه لم يدخل على بصيرة، ولذا فإنه يُخير بين فسخ وبين إمساك وأرش.
[وإن غُبن غبناً فاحشاً بطلت] لأن هذا الفرز قد تبيّن فساده إذا كان فيه غبن فاحش.
[وإن ادّعى كل أن هذا من سهمه تحالفا ونُقضت] إذا ادّعى أحدهما حدهأن هذا النصيب له، وقال الآخر: بل القرعة قد خرجت لي وهو نصيبي فاختلفا، فإنهما يتحالفان، فيحلف هذا ويحلف هذا، وتُنقض هذه القسمة أو هذا الفرز.
[وإن حصلت الطريق في حصة أحدهما ولا منفذ للآخر بطلت]؛ لأنه تبيّن أنها ليست قسمة عادلة، لأنه إذا كان الطريق يصل إلى هذه الجهة ولا يصل إلى تلك الجهة، فالجهة الأخرى ليس لها منفذ؛ فتكون قسمة جائرة، وعلى ذلك فتبطل.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 710
دليل الطالب_كتاب القضاء [٤]
طلب أحد الخصمين الآخر إلى القضاء هو الدعوى، فيستدعي القاضي الخصم المطلوب ثم يقضي بين المتداعيين، والدعوى تختلف بحسب العين المدعاة، لأنها إما أن تكون بيديهما أو أحدهما أو عند ثالث أو غير ذلك.
стр. 711
تعريف الدعاوى والبينات وممن تسمع الدعاوى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الدعاوى والبينات.
الدعاوى: جمع دعوى، وهي في اللغة: الطلب.
وأما في الاصطلاح: فهي إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاقاً في يد غيره أو ذمته.
وأما البينات فهي: جمع بيّنة.
وهي: ما أظهر الحق وأبانه كالشهود.
عندنا المُدّعي وعند المُدّعى عليه، فالمطالب هو المُدّعي والمُطالَب هو المُدّعى عليه.
المُدّعي: من إذا ترك تُرك، يعني إذا ترك الدعوى تُرك، وأما المُدّعى عليه: فمن إذا ترك لم يُترك؛ لأنه هو المُطالب.
قال: [لا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف] يعني أن القاضي لا يسمع الدعوى إلا أن تكون من جائز التصرف، وهو الحر المكلّف الرشيد، فإن لم يكن كذلك سمعها من وليه.
стр. 712
أحوال العين المدعاة وحكم كل حال
стр. 713
الحال الأولى
[وإن تداعيا عيناً لم تخل من أربعة أحوال: أحدها: ألا تكون بيد أحد].
اختلف اثنان في عين، هذه العين ليست في يد هذا ولا في يد هذا كأن اختلفا في دابة في البر، هذا يقول: هذه الدابة لي، وهذا يقول: هذه الدابة لي، فليست بيد أحد منهما.
[ولا ثم ظاهر] أي: ليس هناك ظاهر يُعمل به، لو كان زمامها بيد أحدهما فهذا ظاهر، لو كان أحدهما راكباً لها فهذا ظاهر نأخذ به، لكن ليس هناك ظاهر يُعمل به.
[ولا بيّنة لأحدهما] فلا لهذا بيّنة ولا لهذا بيّنة، يعني: ليس لهذا شهود على أنها له ولا لهذا شهود على أنه له.
[فيتحالفان ويتناصفانها لاستوائهما في الدعوى] يعني تكون لهما جميعاً، لهذا النصف ولهذا النصف.
وقد جاء في سنن أبي داود: (أن رجلين اختلفا في دابة ليس لأحدهما بيّنة فجعلها النبي ﵊ لهما على نصفين).
قال: [وإن وجد ظاهر لأحدهما عُمل به]، أي: إذا وُجد ظاهر يدل على أنها لأحدهما فإنه يُعمل به، كما لو اختلف الزوجان بعد الطلاق فالمرأة تقول هذا لي، والزوج يقول: هذا لي ولا بيّنة، فننظر: إن كان الشيء مما يصلح للنساء كان لها بيمينها، وإن كان الشيء مما يصلح للرجال كان للرجل بيمينه، مثل القماش للنساء، ومثل أدوات المطبخ للنساء، فهذا ظاهر، فنحكم بالظاهر مع اليمين.
стр. 714
الحال الثانية
قال: [الثاني]، يعني الحال الثانية: [أن تكون بيد أحدهما، فهي له بيمينه].
أحدهما آخذ بزمامها أو قد ركبها فهي بيده، أو أرض يزرعها والآخر يقول: هي لي، فنقول: هي لمن كانت بيده؛ لأن النبي ﵊ قال في الحديث المتقدم: (شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك).
وقال النبي ﵊: (لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المُدّعى عليه) رواه مسلم.
وفي البيهقي: (البيّنة على المُدّعي واليمين على من أنكر)، وهذه الرواية فيها ضعف لكن أهل العلم قد أجمعوا على ذلك.
إذاً: إن كانت بيد أحدهما فإنا نحكم بأنها لمن كانت بيده وعليه اليمين، [فإن لم يحلف] كأن قال: لا أحلف، [قُضي عليه بالنكول ولو أقام بيّنة].
إذاً: لا نسمع بيّنته؛ لأنه لا حاجة للبيّنة بل يحلف فقط، أي أنه إذا نكل عن اليمين فقال: أنا عندي بينة فلا أحلف قال المؤلف هنا: لا نقبل بيّنته، بل نقول: إما أن تحلف وإلا فإنا ندفع هذه الأرض التي تغرسها للمُدّعي.
والصحيح وهو القول الثاني في المسألة، وقول في المذهب وعليه أهل الفتيا كما في الشرح: أن البيّنة تُقبل منه؛ لأن الشخص يحتاج للبيّنة وإن كان عنده يمين، لئلا يُتهم بأن يقال إنه حلف كاذباً، فيحتاج للبيّنة ليدفع التهمة وليسلم من اليمين.
إذاً: هذا رجل بيده عين جاء آخر وادّعى أن هذه العين التي بيده له وليس عنده بيّنة، فقال صاحب اليد: أنا عندي بيّنة، نقول: لا نسمع بينتك على المذهب، وإنما نُطالبك باليمين، فإن حلفت فهي لك وإن نكلت فهي للمُدّعي.
والصحيح كما تقدم أنا نأخذ ببيّنته إن أحب ذلك وترك اليمين.
стр. 715
الحال الثالثة
قال: [الثالث] أي: الحال الثالثة: [أن تكون بيديهما جميعاً، كشيء كل ممسك ببعضه].
دابة هذا ممسك بجانبها وهذا ممسك بجانبها، هذا يقول هي لي، وهذا يقول هي لي مثلاً هما في السوق، هذا وضع يده على هذه الدابة وهذا وضع يده عليها، وكل يقول: هي لي إذاً: لا يمكننا أن نقول هي بيد هذا ولا يمكننا أن نقول هي بيد هذا دون الآخر، بل هي بيد الاثنين جميعاً.
قال: [فيتحالفان ويتناصفانه]، كالمسألة السابقة؛ للحديث المتقدم، لأن يد هذا عارضت يد هذا، فتساقطتا، وعلى ذلك فنقول: كما لو لم تكن هناك يد فيتناصفان.
[فإن قويت يد أحدهما] أي: كانت يد أحدهما أقوى [كحيوان واحد سائقه والآخر راكبه] فالراكب أقوى من السائق، [أو قميص واحد آخذ بكمه والثاني لابسه، فللثاني بيمينه] أي: نحكم به للثاني لأن يده أقوى، يعني نأخذ للراكب هنا، ونأخذ للابس؛ لأن يده أقوى.
[وإن تنازع صانعان في آلة دكانهما]، عندنا صانعان في الورشة اختلفا، [فآلة كل صنعة لصانعها]، فآلة الحدادة تكون للحداد، وآلة النجارة تكون للنجار، وآلة الميكانيكا تكون للميكانيكي، وهكذا.
قال: [ومتى كان لأحدهما بيّنة فالعين له]، إن قال النجار: نعم هذه آلة حدادة؛ لكنها لي وعندي بيّنة تشهد أنها لي، والآخر لا بيّنة له! فلا شك أن البيّنة تُقدّم.
قال: [فإن كان لكل منهما بيّنة به وتساوتا من كل وجه تعارضتا وتساقطتا]، أي إن تنازعا في عين، وهذا له بيّنة وهذا له بيّنة، فنقول: هاتان البيّنتان تعارضتا فتساقطتا وعلى ذلك [فيتحالفان ويتناصفان ما بيديهما] كما تقدم إيضاحه.
قال: [ويقترعان فيما عداه]، كم بقي عندنا حال؟ قد ذكر أن تكون بيديهما جميعاً، وأن تكون بيد أحدهما، وأن لا تكون بيد أحد منهما، فبقي أن تكون بيد أجنبي، يعني أن تكون بيد طرف ثالث وليست بيد هذا ولا بيد هذا، فما الحكم؟ قال: [ويقترعان فيمن عداه، فمن خرجت له القرعة فهو له بيمينه].
يعني إذا كانت هذه السلعة ليست بيديهما جميعاً بل هي بيد ثالث فإنهما يقترعان، فمن خرجت القرعة له فهي له بيمينه.
ويدل على ذلك ما جاء في سنن أبي داود: (أن رجلين اختلفا في عين وجاء كل واحد منهما ببيّنة، فقضى النبي ﵊ أن يستهما).
وجاء في سنن أبي داود: (أن رجلين اختلفا ولم يكن لأحد منهما بيّنة، فأمرهما النبي ﵊ أن يستهما أحبا أو كرها).
والحديث الأول رواه الشافعي أيضاً، وأما هذا فهو في أبي داود.
إذاً: إذا كانت العين ليست بيد الطرفين وليس لهما بيّنة، أو لكل منهما بيّنة بحيث إن بيّنة هذا تعارض بينة هذا، فيستهمان ومن خرجت القرعة له قلنا: هي لك بيمينك.
стр. 716
بينة الداخل والخارج
قال: [وإن كانت العين بيد أحدهما فهو داخل والآخر خارج، وبينة الخارج مُقدّمة على بينة الداخل].
إذا كانت العين بيد أحدهما كأرض يغرسها، فهذا يُعد داخلاً فالذي تكون اليد له يعد هو الداخل، والمُدّعي خارج ليست له على هذه الأرض يد، أقام كل منهما بينة، ادّعى زيد أن الأرض التي يغرسها عمرو له وأتى بشهود يشهدون أنها له، فقال الذي يغرس الأرض وهو عمرو: إنها لي أيها القاضي وهذه بيّنتي أيضاً، وأتى بشهود؛ قالوا هنا: لا نقول إن البيّنتين تتعارضا، لأن هذه بيّنة داخل وهذه بيّنة خارج، وإنما نأخذ ببينة الخارج ولا نأخذ ببيّنة الداخل، قالوا: لأن بينة الداخل لا تُسمع؛ لأنه مُدّعى عليه والمدعى عليه تُسمع منه اليمين ولا تتوجه إليه البيّنة.
وهذا القول ضعيف، ولذا ذهب الجمهور وهو اختيار الشيخ محمد بن عبد الوهاب واختيار الشيخ محمد بن إبراهيم أنا نسمع بيّنة الداخل فنُقدّم بيّنة الداخل؛ لأن الداخل معه مُرجّح وهو أنها في يده.
قالوا: وإنما جاء الشرع في أن البيّنة على المُدعي واليمين على من أنكر لأن الأصل أن تكون البينة واحدة لا غير، أما إذا كانت هناك بينتان فإنا نسمع هذه ونسمع هذه إذاً: الصحيح أنا نأخذ هنا ببينة الداخل لأن البينتين تعارضتا فتساقطتا، وبقي لنا أن الداخل له شاهد الحال وهو يده على هذه الأرض التي يغرسها.
ومثل ذلك لو اختلف اثنان في دابة هذا آخذ بزمامها أو راكب لها وهذا مُدّع ليست يده عليها، فأقام هذا بيّنة وأقام هذا بيّنة، فالمذهب أنا نأخذ ببينة المُدّعي وهو الذي ليست يده عليها، قالوا: لأن الآخر تتوجه عليه اليمين فقط، والصحيح ما تقدم وأنا نأخذ ببينة الداخل؛ لأن الداخل يشهد له ظاهر الحال.
وإذا زدنا على ذلك اليمين كما تقدم في مسألة سابقة يكون هذا أحوط في حفظ الحق.
قال: [لكن لو أقام الخارج بيّنة أنها ملكه والداخل بينة أنه اشتراها منه قُدّمت بينته].
هنا حتى على المذهب لو قال الخارج: إن شهودي يشهدون أنها لي وأني ورثتها عن آبائي، فقال الشهود: نعم نشهد أنه ورثها من آبائه، فقال الداخل: إن بينتي تشهد أني اشتريتها منه، فلا شك أنا نقدم بينة الداخل حتى على المذهب؛ قال: [لما معها من زيادة العلم، أو أقام أحدهما بينة أنه اشتراها من فلان، وأقام الآخر بينة كذلك، عُمل بأسبقهما تاريخاً].
يعني: قلنا للخارج: من أين اشتريت؟ قال: اشتريتها من زيد.
قلنا: متى؟ قال: قبل سنة، وقلنا لهذا الداخل: متى اشتريتها؟ قال: قبل سنتين، فنحكم للأسبق منهما.
стр. 717
الحال الرابعة
قال: [الرابع: أن تكون بيد ثالث] هناك في المسألة السابقة كانت بيد ثالث لا يدّعيها، أما هنا فالثالث يدّعي أنها له.
يعني: ادّعى زيد وعمرو الدابة التي يركبها بكر، فزيد يقول لي، وعمرو يقول لي، وبكر يقول: لا، بل هي لي قال: [فإن ادّعاها لنفسه حلف لكل واحد منهما يميناً]، يحلف أمام القاضي لهما جميعاً فيقول: والله إنها ليست لزيد وإنما هي لي، والله إنها ليست لعمرو وإنما هي لي.
[فإن نكل] أي: إن حلف كانت له لأنها بيده وليست بيد زيد ولا عمرو، وإن لم يحلف [أخذاها منه مع بدلها] أي: فيأخذان العين ويأخذان بدلها أيضاً، وهو مثلها إن كانت من المثليات أو قيمتها إن كانت من المقومات، قالوا: لحق الاثنين فإنه نكل عن يمين هذا ويمين هذا فيكون كما لو أتلفها على أحدهما.
[واقترعا عليهما] مثلاً: أخذنا الناقة وأخذنا أيضاً بدلها من الثالث الذي نكل، واقترعا عليهما، فمن خرجت القرعة له حلف وأخذ الدابة وأخذ بدلها.
قال: [وإن أقر بها لهما اقتسماها] قال: أنا أقر أنها لزيد وعمرو.
قال: [وحلف لكل واحد يميناً] يعني: يحلف لزيد وعمرو؛ لأنه أشركهما فيقول: والله إن لعمرو نصفها ووالله إن لزيد نصفها، وقد كان زيد يدّعي أنها كلها له وعمرو يدّعي أنها كلها له، فيحلف أن لهذا النصف وأن لهذا النصف، [وحلف كل واحد لصاحبه على النصف المحكوم له به]، فإذ أخذ زيد النصف حلف وإذا أخذ عمرو النصف حلف؛ لأن هذا ينكر أنه له، لأن زيداً يقول: هي لي كلها، وعمراً: يقول هي لي كلها.
قال: [وإن قال] أي: إن قال هذا الذي بيده وهو الطرف الثالث [هي لأحدهما] ما هي للاثنين، إنما هي لأحدهما [وأجهله]، فلا أدري هل هي لزيد أو لعمرو؟ أنا أخذتها من مكان هما فيه ولا أدري هل هي لزيد أم لعمرو؟ [فصدّقاه] على جهله [لم يحلف] هو؛ لأنهما صدّقاه [وإلا حلف يميناً واحدة].
يعني: إذا صدقاه فلا يمين، وإن لم يصدقاه حلف يميناً واحدة؛ لأن صاحب الحق واحد فإنه يقول إما لهذا وإما لهذا، [ويقرع بينهما] يعني بالقرعة، [فمن قرع حلف وأخذها].
стр. 718
دليل الطالب_كتاب الشهادات [١]
لا يقضي القاضي للمدعي بمجرد دعواه، وإنما يطلب من الخصم الإقرار بالدعوى أولاً، فإن لم يقر طلب من المدعي البينة، فإذا شهدت البينة ثبت الحق للمدعي، ولذلك فأمور الشهادات وما يتعلق بها من شروط وأحكام هي مما يجب على القاضي العلم به.
стр. 719
أحكام الشهادات
стр. 720
تعريف الشهادة وما تصح به
قال: [كتاب الشهادات].
الشهادات: جمع شهادة، والشهادة هي الإخبار بما علمه برؤية أو سماع، أو استفاضة وتكون بلفظ: أشهد، لا بغير هذا اللفظ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو مذهب المالكية والأحناف ورواية عن أحمد: تصح الشهادة بكل لفظ يدل عليها، يعني: لا يُشترط أن يقول أشهد، فلو قال: رأيت فلاناً يقتل فلاناً فهي شهادة، ولو قال: سمعت فلاناً يطلّق امرأته فهي شهادة، وهذا هو الراجح.
قال شيخ الإسلام: ولا نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب يدل على اشتراط أن تكون بلفظ أشهد.
إذاً الحنابلة قالوا: لا بد أن تكون الشهادة بلفظ أشهد، والصحيح أنه لا يُشترط، بل إذا قال ما يدل على الشهادة كسمعت أو رأيت فهي شهادة؛ لكن إن كانت بلفظ (علمتُ) فلا؛ لأن (علمت) يجوز أن تكون بالخبر عن عدل.
стр. 721
حكم تحمل الشهادة وأدائها
قال: [تحمّل الشهادة في حقوق الآدمين فرض كفاية؛ قال جل وعلا: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:٢٨٢]، يعني: إذا ما دعوا للتحمل أو دعوا للأداء، فإذا دُعيت لتحمل شهادة فتحملها فإنها من فروض الكفاية، وإذا لم يكن ثم غيرك تعينت عليك.
[وأداؤها فرض عين].
إذاً: تحملها فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقي، وأما أدائها فهو فرض عين، ولذا قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] يعني فسق، فإذا سئل الشهادة وجب عليه أن يؤديها، أو إذا كان المشهود له لا يدري أن عنده شهادة له ويحتاج لشهادة ولم يسأله؛ لأنه لا يعلم أن عند فلاناً شهادة له بهذا الحق فالواجب عليه أن يبادر بأدائها.
[ومتى تحملها وجبت كتابتها]، لئلا ينساها، يعني يجب أن يكتب الشاهدة لئلا ينساها فيضيع الحق على صاحبه.
стр. 722
حكم أخذ الأجرة على الشهادة وكتمانها
[ويحرم أخذ أجرة وجُعل عليها] لا يجوز أن يأخذ على الشهادة أجراً ولا جُعلاً، وذلك لأنها من فروض الكفاية كصلاة الجنازة؛ ولأن أخذ الأجرة على ذلك يفتح باب شر وفساد من شهادة الزور.
[لكن إن عجز عن المشي أو تأذى به فله أخذ أُجرة مركوب] يعني: أنها قد تحتاج إلى سفر، وقد تحتاج إلى ذهاب إلى المحكمة والمحكمة يثقل عليك أن تمشي إليها بأقدامك، فتقول: ادفع لي أُجرة السيارة التي أركبها، ولا حرج عليك في ذلك، وإذا كان تحتاج إلى طائرة فلك أن تشترط عليه أن يدفع التذكرة؛ لأن الإنسان لا يلزمه أن ينفع غيره بضرر نفسه، فيقول: هذا نفع لك لكنه يضرني! فادفع أنت أُجرة المركوب، حتى لو كان الشاهد غنياً.
قال: [ويحرم كتم الشهادة] للآية، [ولا ضمان] يعني إذا كتم الشهادة فلا يلحقه الضمان، فلا تلازم بين التحريم وبين الضمان.
فلان استقرض منه قرضاً وأشهد فلاناً وفلاناً ثم إن المستقرض جحد وذهب هذا إلى الشهود فأبوا أن يشهدوا، فلا نقول: إن عليهم الضمان، ففي المستقبل أرادوا التوبة وقالوا: نحن كتمنا الشهادة، فلا نقول عليكم الضمان؛ لأن الذي أكل المال هو المستقرض، ولا تلازم بين الإثم الذي لحقهما بسبب ترك الشهادة وبين الضمان.
стр. 723
حكم الإشهاد على العقود وبيان ما يشهد به
[ويجب الإشهاد في عقد النكاح خاصة ويسن في كل عقد سواه] فلا بد في النكاح كما تقدم في كتاب النكاح من شاهدي عدل لا يصح النكاح إلا بذلك.
[ويسن في كل عقد سواه]؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة:٢٨٣]]، هذا يدل على أن الشهادة في البيوع وفي غيرها مستحبة فالأمر ليس أمر إيجاب.
قال: [ويحرم أن يشهد إلا بما يعلم] قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦].
وجاء في البيهقي: (أترى الشمس؟ قال: نعم.
قال: على مثلها فاشهد أو دع)، لكن الحديث ضعيف.
[إما برؤية أو سماع] يشهد إما برؤية، يكون قد رأى فيقول: أشهد أن فلاناً شرب الخمر، أو يسمع فلاناً يُطلّق امرأته فيشهد بسماعه، ومن السماع أيضاً الاستفاضة، والاستفاضة: أن يكون الخبر مشهوراً عند الناس يتناقلونه، وتكون بالموت، بالنسب، بالملك المطلق ونحو ذلك، فيصح أن يُشهد بالاستفاضة؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك.
فالاستفاضة: ما يتعذر غالباً علمه بالمشاهدة أو السماع فيتناقله الناس كالملك المطلق، يعني يشهد أن هذا البيت ملك لفلان لأنه بيده، لا يشهد أنه اشتراه من فلان لأن هذا يُعلم بالسماع، أما الاستفاضة فيشهد بالملك المطلق، ويشهد بالنسب ونحو ذلك.
وهنا عند قوله: (تحمّل الشهادة في حقوق الآدميين فرض كفاية) يعني لا في حقوق الله جل وعلا؛ لأن حقوق الله جل وعلا مبنية على الستر ومبنية على التسامح، فلو طُلب منه أن يشهد على زنا أو على شرب خمر فإنا لا نقول إنه يجب عليه ذلك وأنها فرض عين بل نقول: إن هذا لا يُستحب؛ لأن حقوق الله جل وعلا مبنية على المسامحة والستر، إلا أن يكون الرجل معروفاً بالفساد والشر فيتوجه كما قال صاحب الفروع: أن الشهادة هنا تجب، فيتوجه عدم الستر وينبني على هذا أن يُشهد عليه.
قال: [ومن رأى شيئاً بيد إنسان يتصرف فيه مدة طويلة].
ترى أن فلاناً يزرع هذه الأرض أو يغرسها أو يسكن في هذا البيت يتصرف فيه مدة طويلة كما يتصرف المُلّاك في هذا البيت يُرممه، ويعيد بناءه، ولذا قال: [من نقض وبناء وإجارة وإعارة فله أن يشهد له بالملك]، يقول: أشهد أنه يملكه، فإذا دُعي للشهادة شهد أنه يملكه؛ لأنه بيده مدة طويلة يتصرف فيه كما يتصرف المُلّاك.
[والورع أن يشهد باليد والتصرف]، الورع أن يقول: أنا أشهد أنه تحت يده وتحت تصرفه ويقف عند هذا.
стр. 724
ذكر صور من الشهادة تختلف أحكامها
قال: [فصل: وإن شهدا أنه طلّق من نسائه واحدة ونسي عينها لم تُقبل].
قالوا: نشهد أنه طلّق امرأة من نسائه لا ندري هل هي فاطمة أم زينب؟ لم تُقبل شهادتهما؛ لأنها شهادة بغير معين.
[ولو شهد أحدهما أنه أقر له بألف] قال: أشهد أن زيداً قد أقر لعمرو بألف، [والآخر أنه أقر له بألفين] قال الآخر: أنا أشهد أنه أقر له بألفين، فشاهد يشهد أنه أقر له بألف وشاهد آخر يشهد أنه أقر له بألفين؛ قال: [كملت بالألف] لاتفاقهما عليها، [وله] أي المشهود له، [أن يحلف على الألف الآخر مع شاهده، ويستحقه]، يكون شاهد ويمين؛ لأن اليمين مع الشاهد يُعمل بها.
قال: [وإن شهدا أن عليه ألفاً] شهد هذا وهذا أن على عمرو ألفاً لزيد، [وقال أحدهما: قضاه بعضه] قال أحدهما: إنه قد قضاه بعضه أربعمائة أو خمسمائة [بطلت شهادته]؛ لأنه نقضها حيث شهد أولاً بأن عليه، ولم يقل: بأنه أقرضه، بل قال: إن عليه ثم قال: إنه قد وفاه بعضه فيكون هذا نقضاً؛ لكن لو قال: إنه أقرضه فلا يُعد نقضاً، ولذا قال: [وإن شهدا أنه أقرضه ألفاً، ثم قال أحدهما: قضاه نصفه صحت شهادتهما]؛ لأنه لم ينقض كلامه.
هناك قال: أنا أشهد أن عليه ألف ريال، ثم قال: إنه قضاه بعضه، فهذا نقض، أما إذا قال: إنه أقرضه ألفاً ثم قال: إنه قد وفّاه البعض، فهذا لا يُنافي هذا.
قال: [ولا يحل لمن أخبره عدل باقتضاء الحق أن يشهد به]، أي: إذا تحملت شهادة، فشهدت أن فلاناً أقرض فلاناً عشرة آلاف ريال، ثم قال لك رجل ثقة: إنه قد قضاه، فلا يحل لك أن تشهد بأنه قضاه، وأنه اقتضى الحق؛ لأن هذا لم تشهده أنت وإنما هو خبر عن عدل.
قال: [ولو شهد اثنان في جمع من الناس على واحد منهم أنه طلّق أو أعتق، أو شهدا على خطيب أنه قال أو فعل على المنبر في الخطبة شيئاً، ولم يشهد به أحد غيرهما؛ قُبلت شهادتهما]؛ لكمال النصاب.
هذا رجل طلّق امرأته في مجمع من الناس اجتمع أهل السوق ليصلحوا وهم مائة رجل، ثم إن اثنين من المائة عدلين شهدا أنه قد طلّق ولم يشهد البقية فيكفي هذا ولا نحتاج أن نقول: اشهدوا جميعاً.
كذلك لو أن اثنين شهدا على خطيب أنه قال كذا وكذا على المنبر فتكفي شهادتهما، ولا نقول: لا بد أن يشهد الجميع؛ وذلك لكمال النصاب.
стр. 725
الأسئلة
стр. 726
الفرق بين تحمل الشهادة وأدائها
السؤال
ما الفرق بين تحمل الشهادة وأدائها؟
الجواب
التحمل أن تسمع الشهادة، يقول لك فلان: تعال اشهد أني أقرضت فلاناً! فهذا تحمل.
والأداء يكون عند القاضي.
стр. 727
حديث الرجلين اللذين ادعيا البعير
السؤال
في حديث الرجلين اللذين ادعيا البعير؛ هل قسم النبي ﷺ بالثمن؟
الجواب
لهما أن يأخذاه جميعاً، وإن اختلفا وأرادا القسمة فإنه يباع عليهما أو يبيعانه ويقتسمان الثمن كما تقدم، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 728
دليل الطالب_كتاب الشهادات [٢]
الشهادة عند القاضي بحق من الحقوق يشترط فيها شروط لابد من توفرها في الشاهد، وقد تختلف الشروط بحسب الحق المشهود به، وبعض هذه الشروط خاضعة للعرف.
وكما يشترط للشهادة شروط فإنه قد يمنع من قبولها موانع توجب على القاضي عدم قبولها كالقرابة القريبة بين الشاهد والمشهود له، والعداوة الدنيوية بين الشاهد والمشهود عليه ونحو ذلك مما بينه الفقهاء في كتبهم.
стр. 729
شروط من تقبل شهادته
стр. 730
البلوغ والعقل والنطق والحفظ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب شروط من تقبل شهادته، وهي ستة: أحدها البلوغ فلا شهادة لصغير ولو اتصف بالعدالة].
لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] وهذا لا يتوجه في حق الصغير؛ لأنه غير مكلف، فلا يقال فيه إنه آثم قلبه.
ولأن الله قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] فدل هذا على أن الصبي لا تقبل شهادته.
[الثاني: العقل]، هذا هو الشرط الثاني؛ [فلا شهادة لمعتوه ومجنون].
المعتوه: هو ناقص العقل، يعني: ليس عقله تاماً، بل فيه شائبة جنون.
وأما المجنون: فهو الذي لا يعقل.
فلا تُقبل شهادتهما؛ لأن قول هؤلاء على أنفسهم لا يُقبل، فأولى من ذلك ألا يُقبل قولهم على غيرهم.
[الثالث: النطق فلا شهادة لأخرس] يعني: لا تقبل في الشهادة إشارة الأخرس؛ [إلا إذا أداها بخطه]، فإذا أداها بخطه قُبلت؛ لأن الخط يُقبل، فإذا عُلم أنه خط فلان قُبل، ولذا قال النبي ﵊: (ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين عنده شيء يوصي به إلا ووصيته مكتوبة عنده) كما في الصحيحين، فدل هذا على أن الخط يُقبل، أما إشارته فلا تُقبل.
وقال الإمام مالك: بل تُقبل شهادة الأخرس ولو بإشارته، لأن الإشارة منه تقوم مقام النطق وهذا أصح.
[الرابع: الحفظ، فلا شهادة لمغفّل ومعروف بكثرة غلط وسهو].
لأنه لا تحصل الثقة بقوله، وعليه: إذا كان الرجل يُعرف بكثرة الغلط وكثرة السهو وفيه غفلة فإن شهادته لا تُقبل.
стр. 731
الإسلام
[الخامس: الإسلام].
لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢].
وقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] والكفار ليسوا من رجالنا.
وعلى ذلك فلا تُقبل شهادة الكافر، ولذا قال: [فلا شهادة لكافر ولو على مثله]، فلو شهد نصراني على نصراني، أو يهودي على يهودي فكذلك لا تُقبل إذاً شهادة الكافر لا تُقبل ولو على مثله.
والقول الثاني في المسألة، وهو مذهب الأحناف وقول إسحاق وأبي عبيد ورواية عن أحمد واختيار شيخ الإسلام: أن شهادة الكفار تُقبل إن شهدوا على بعضهم، فشهادة بعضهم على بعض تُقبل، وهذا هو الراجح؛ وذلك لأن الحاجة تدعو إلى ذلك لإثبات حقوقهم لئلا تضيع الحقوق.
وأما قوله جل وعلا: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، وقوله جل وعلا: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] فإنهما في خطاب المؤمنين، فإن الله جل وعلا قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ)) إلى قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] وقال: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١] إلى أن قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]؛ فهذا في بيان أن شهادة الكافر لا تُقبل في حق المسلم وهذا مُسلّم، أما شهادة بعضهم على بعض فإنها تُقبل لأن الحاجة داعية إلى ذلك.
وهل يشترط اتحاد الملة أم لا؟ على قولين: أصحهما وهو قول إسحاق وأبي عبيد: أنها تُشترط؛ لأن الملة إذا اختلفت كان ذلك محل تُهمة، بأن يُتهم اليهودي في شهادته على النصراني أو العكس، فإذا اتحدت الملة أمِنا ذلك.
ولأن العادة أن بعضهم يشهد لبعض، فالنصارى يكتفون بشهادة بعضهم لبعض، وكذلك اليهود.
إذاً: الصحيح أن شهادة بعضهم لبعض مع اتحاد الملة تُقبل.
стр. 732
حكم شهادة الكافر للمسلم
وتُقبل شهادة الكافر للمسلم في الوصية التي تكون في السفر مع الضرورة؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]؛ قالوا: فهذا يدل على أنه عند الضرورة في السفر تصح شهادة الكافر للمسلم على الوصية.
والمشهور في المذهب أنه يشترط أن يكون من أهل الكتاب.
وعن أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام أنه لا يشترط أن يكون من أهل الكتاب؛ لأن الله قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] فدخل في ذلك غير أهل الكتاب من الوثنيين.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أيضاً أن ذلك يصح في الحضر أيضاً عند الضرورة؛ لأن الأمر منوط بالضرورة، فلا فرق في ذلك بين حضر أو سفر، وهذا هو الصحيح.
стр. 733
العدالة
قال: [السادس: العدالة] هذا هو الشرط السادس: أن يكون الشاهد عدلاً.
وتقدم الكلام على هذا في درس سابق، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢].
وتقدم أن العدالة تُشترط بحسب الإمكان.
стр. 734
ما يعتبر للعدالة في الشهادة
стр. 735
صلاح الدين
وذكر الشيخ محمد بن إبراهيم أن الذي يشرب الدخان مثلاً في بلد الدخان فيها فاش ومنتشر لا نقول برد شهادته كما نقول ذلك في بلد لا يُشتهر فيها شرب الدخان، وقد لا يشربه إلا من هو معروف بالفسق فالمعاصي تختلف من بلد إلى بلد في انتشارها.
وعلى ذلك فكما تقدم أنه من كان معروفاً بالصدق والأمانة فإن شهادته تُقبل؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢].
قال: [ويُعتبر لها شيئان: الصلاح في الدين، وهو أداء الفرائض برواتبها].
أن يؤدي الفرائض برواتبها، هذا هو الصلاح في الدين.
وقوله: (برواتبها)، هذا هو المشهور في المذهب قالوا: لأن الذي يترك الرواتب لا تسلم فرائضه، يعني قد يترك فريضة.
والقول الثاني في المذهب وهو الراجح: أنه لا يُشترط أن يؤدي الرواتب؛ لأن النبي ﵊ لما سأله الرجل عن الفرائض ثم قال: لا أزيد على هذا ولا أنقص؛ قال: (أفلح إن صدق) كما جاء في الصحيحين، ولا يمكن أن نرد شهادة من قال عنه النبي ﵊ ذلك إنه مُفلح.
وعلى ذلك فالصحيح أن الرواتب لا تُشترط إنما يشترط أداء الفرائض، [واجتناب المحرم بأن لا يأتي كبيرة ولا يُدمن على صغيرة].
والكبيرة: هي ما فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وما ترتب عليها لعن أو غضب أو نفي إيمان.
ما ترتب عليها حد في الدنيا كالزنا، أو وعيد في الآخرة كإسبال الثوب خيلاء، أو ترتب عليه لعن كأكل الربا، أو غضب كالذين يبنون المساجد على القبور، أو نفي الإيمان كالزنا والسرقة ففيها حد، وفيها أيضاً أن النبي ﷺ نفى الإيمان عن مرتكبها، وكذلك غيرها مما قال النبي ﵊ في حقه بنفي الإيمان أو أنه لا يجد ريح الجنة، فهذا كله يدل على أنه كبيرة، وما دون ذلك فهو صغيرة.
قال: [ولا يُدمن على صغيرة].
يعني: لا يصر على الصغائر؛ لأنها تجتمع على العبد فتهلكه، ولأن المداومة على الصغائر يدل على نوع استهانة بما حرّم الله جل وعلا.
стр. 736
استعمال المروءة
قال: [الثاني: استعمال المروءة].
إذاً: يُعتبر للعدالة شيئان: الصلاح في الدين، والثاني: استعمال المروءة فلا يكون الرجل عدلاً حتى يكون صالحاً في دينه وأن يكون ذا مروءة، وقد تقدم شرح الصلاح في الدين.
أما المروءة فقال المؤلف: [بفعل ما يُجمّله ويزينه، وترك ما يدنسه ويشينه؛ لأن الذي لا مروءة له لا يؤمَن عليه الكذب ولا تؤمَن عليه الخيانة، كما جاء في الحديث: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) كما جاء في البخاري.
فالذي لا يستحي لا مروءة له، فلا يؤمَن عليه أن يكذب في شهادته، ولا يؤمن عليه كذلك أن يخون في أمانته.
ثم ذكر أمثلة فقال: [فلا شهادة لمتمسخر] وهو الذي فيه صفة استهزاء، [ورقّاص، ومشعبذ] الشعبذة هي خفة في اليدين، لكن ليست سحراً، وإنما هي خفة في اليدين، يعني يحضر المهرجانات ويكون عنده خفة في يديه.
[ولاعب بشطرنج ونحوه]، ولأن اللعب بالشطرنج كذلك حرام.
[ولا لمن يمد رجليه بحضرة الناس].
وهذه المسائل تختلف فيها الأعراف، فبعض البلاد إذا جلس الرجل في مجالس الرجال فمد رجليه سقطت مروءته، وبعضها لا يكون كذلك، فنرجع إلى المروءة في نفس البلد.
[أو يكشف من بدنه ما جرت العادة بتغطيته].
إذا كان أهل البلد قد جرت عادتهم بتغطية الرأس فمشى في تلك البلد حاسر الرأس عُد ذلك في تلك البلد مُسقطاً لمروءته، لا في البلد الأخرى التي يُشتهر فيها حسر الرأس.
كذلك لو خرج في البلد وعليه لباس قد كشف عن منكبيه مثلاً وربما كشف عن ساقيه، فهو يمشي في الشارع على هذه الصفة؛ فإنك لا تكاد تجد بلداً إلا وهذا عندهم مما تسقط به المروءة.
[ولا لمن يحكي المضحكات]، يعني يحكي للناس النكت والمضحكات في المجالس.
[ولا لمن يأكل في السوق] أي: يجلس في السوق ويأكل، وهذا كما ذكرت لكم يختلف باختلاف الأعراف.
[ويُغتفر اليسير كاللقمة والتفاحة] مثلاً: قد تكون في بلدك لا تأكل أبداً في الشارع لكن عندما يأتي الإنسان إلى مكة يجد الناس يأكلون مثلاً في الشارع عند المطاعم أو نحوها فيأكل معهم، فهذا لا يُنقص مروءتهم؛ لأن هذا يختلف كما ذكرت لكم باختلاف البلدان.
هنا كما رأيتم شرط العدالة فيه عسر، فإذا قلنا بالشروط التي ذكرها المؤلف من الصلاح في الدين والمروءة فقد لا نجد إلا اليسير ممن يصلح للشهادة، ولذا كما قال ابن القيم ﵀: إنه تُقبل شهادة الفاسق الأمثل فالأمثل عند الضرورة كما في هذه الأزمنة، قال: وإنما يُنكره أكثر الفقهاء بألسنتهم؛ لكن في المحاكم يقبلونه؛ لأن الحاجة تدعو إلى هذا، ولو رددنا شهادة من عنده فسق في هذا العصر فقد لا نجد إلا اليسير ممن تُحفظ بهم حقوق الناس في الشهادات.
стр. 737
حكم شهادة من تحمل حال النقص أو كان فيه نقص
стр. 738
حكم التحمل قبل حصول شرط الشهادة والأداء بعده
قال: [فصل: ومتى وجد الشرط بأن بلغ الصغير وعقل المجنون وأسلم الكافر وتاب الفاسق قُبلت الشهادة بمجرد ذلك].
إذاً: لو تحملها صبياً وأداها بالغاً قُبلت، والمجنون لا نقبل شهادته فإذا عقل قبلنا شهادته؛ لكن تحمله لا يُقبل؛ لأنه لا عقل له فلا يُقبل تحمله، لكن الصبي يقبل تحمله ويؤديها بعد بلوغه.
كذلك الكافر إذا تحمل شيئاً في كفره وأداه بعد إسلامه قُبل.
وكذلك إذا تحمل الفاسق شهادة وأداها بعد توبته قُبلت؛ لأن الاعتبار إنما هو حال الأداء، لئلا يكذب ولا يخون.
стр. 739
حكم شهادة العبد وأصحاب الحرف الدنيئة
قال: [ولا تشترط الحرية] يعني لا يُشترط أن يكون الشاهد حُراً، [فتُقبل شهادة العبد والأمة في كل ما تُقبل فيه شهادة الحر والحرة].
ولذا فإن أمة سوداء كما جاء في البخاري قالت: (إني قد أرضعت عقبة والتي نكح، فقال النبي ﷺ : كيف وقد قيل؟ ففارقها عقبة) أي: لأن هذه الأمة شهدت.
ولقوله جل وعلا: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] والعبيد من رجالنا.
وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢].
قال: [ولا يُشترط كون الصناعة غير دنيئة].
يعني: لا يُشترط في الشاهد أن تكون صناعته ليست دنيئة، فلو كان حجاماً أو حداداً أو زبالاً أو كنّاساً فإن شهادته تُقبل فمثل الكنّاس شهادته تُقبل لعمومات الأدلة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢].
стр. 740
حكم شهادة الأعمى
قال: [ولا كونه بصيراً، فتقبل شهادة الأعمى بما سمعه حيث تيقن الصوت وبما رآه قبل عماه].
الأعمى تُقبل شهادته بما رآه قبل عماه، وتقبل شهادته فيما سمعه يقول: أعرف صوت فلان وقد سمعته يطلّق فلانة، فتُقبل شهادته ما دام أنه متيقن أن هذا هو صوت فلان.
следующие страницы →