← Акыда

Акыда · id 37795

دراسة موضوعية للحائية ولمعة الاعتقاد والواسطية

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (363 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

دراسة موضوعية [١] دين الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله تعالى للناس ديناً، والذي تكفل الله تعالى بحفظه دون سائر الأديان، والكتاب والسنة الصحيحة هما المصدران اللذان تؤخذ منهما جميع عقائد الإسلام وتشريعاته، فيجب على كل مكلف اتباعهما دون غيرهما، وأهل السنة والجماعة هي الفرقة الوحيدة التي التزمتهما علماً وعملاً واعتقاداً، فيجب لزوم عقيدة أهل السنة في سائر أمور الدين ونبذ ما سواها من آراء ومعتقدات الفرق الضالة المنحرفة عن هدي الكتاب والسنة.

стр. 2

أهمية الالتزام بالدين الإسلامي والاستقامة عليه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فإن هذا الدين الذي بعث الله به محمداً ﷺ للناس كافة هو أصدق الأديان وأفضلها وآخرها، وقد جاء هذا الدين لصلاح الإنسان في نفسه وماله وحياته بأكملها، فإنه لا صلاح للإنسان ولا هداية له ولا طمأنينة ولا سعادة ولا سرور إلا بالالتزام بدين الله والاستقامة على هديه، يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]، فالهدى والدين الحق: هو العلم النافع والعمل الصالح، فسمى الاهتداء بهذا الدين هدى؛ لأن الإنسان في ضلال وفي عماية إلا إذا اهتدى بهذا الدين والتزم به، وقد سمى الله القرآن وما تضمنه من العقائد والمفاهيم بمجموعة أسماء، كل اسم من هذه الأسماء يدل على صفة من هذه الصفات، وكلها تدل على الثناء على هذا الدين، فسماه هدى، وسماه شفاء، وسماه روحاً؛ لأن الحياة الحقيقية موقوفة على هذا القرآن، وسماه أيضاً بأنه نور؛ لأن الإنسان في عماية وفي ضلال إلا إذا اهتدى بهذا القرآن وما جاء فيه من الأحكام والعقائد، ولهذا كل الأديان غير هذا الدين باطلة وفاسدة وغير مقبولة، وكل المناهج والفلسفات والآراء والمذاهب غير ما وافق كتاب الله وسنة نبيه ﷺ هي آراء ومذاهب وفلسفات باطلة ضالة، وهي ناتجة عن هوى متبع، سواء كان هذا الهوى في أصله دين، كما هو الحال في تفرق الأديان، أو كان هذا الهوى في قاعدة من قواعد هذا الدين كما هو حاصل في انحراف الفرق الضالة التي افترق إليها المسلمون، فالنبي ﷺ بعد أن ذكر افتراق اليهود والنصارى قال: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، فلما سئل عنها النبي ﷺ ، قال: (هي الجماعة) وفي بعض الروايات قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فهذا الحديث العظيم فيه دلالات كثيرة، منها: أن هذه الأمة لابد أن تفترق، وأن هذا الخلاف والافتراق الذي نشاهده لا ينبغي أن يحزن الإنسان وأن يشغله، بل لا ينبغي أن يتصور أن هذا الخلاف المحتدم بين هذه الأمة أنه علامة على ضياعها وعدم انتصارها وظهورها، فإن النبي ﷺ بين أن هذا أمر قدري، وأنه لابد من حصول هذا الاختلاف وهذا التفرق، لكنه في نفس الوقت بين ﷺ المنهاج الذي يضبط الإنسان والذي ينجيه في الدنيا والآخرة، فقال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، يعني: من كان على طريقة النبي ﷺ في العقيدة، وفي التعامل مع الكتاب والسنة، وفي السلوك، وفي الدعوة، وفي أي باب من أبواب هذا الدين.

стр. 3

تكفل الله بحفظ الدين الإسلامي عن بقية الأديان لقد تميز الدين الإسلامي عن غيره من الأديان بأنه محفوظ ولله الحمد؛ لأن النبي ﷺ هو خاتم النبيين، ولأنه لا نبي بعد النبي ﷺ إلى قيام الساعة، وهذا الدين محفوظ بعدة أمور: أولاً: بحفظ الكتاب والحكمة اللذين هما المصدر الأساسي لهذا الدين. والأمر الثاني: بحفظ أهل العلم لمناهج الاستدلال بهذا القرآن، وبهذه الحكمة التي هي السنة، وبما يتعلق بهذا القرآن من العقائد والآراء والمناهج. فهذه الأمة -ولله الحمد- متميزة عن غيرها من الأديان الأخرى، فاليهودية والنصرانية لم تحفظ كتبهم، وإنما تفرقت في أيدي الناس وأصبحوا يروونها، ولهذا عندما تقرأ ما يسمونه بالكتاب المقدس، سواء العهد الجديد أو العهد القديم، تجد أنها عبارة عن حكايات يحكونها، وليست هي من كلام الله ، ولا من كلام الرسل الذين بعثهم الله سواء موسى أو عيسى أو غيرهم من الرسل الذين أرسلهم الله إلى هاتين الأمتين، وإنما يقوم تلاميذ هؤلاء أو تلاميذ تلاميذهم بحكاية هذه الحكايات بدون أي إسناد وبدون أي برهان يقيني يدل على صحة هذه العقائد أو هذه الأفكار أو هذه الآراء الموجودة في ما يسمونه بالكتاب المقدس. إذاً: منهج هذه الأمة محفوظ، والاهتداء بهدي النبي ﷺ ممكن حتى لو تأخر الزمان، وحتى لو نسق العالم عن نهايته كما يقولون. وللأسف الشديد أنك تجد كثيراً من الناس قد يدخل في نفسه شيء من الشك أو شيء من الشعور بأنه لا يمكن للإنسان أن يهتدي بالهدي الرباني المميز للعقيدة الصحيحة عن غيرها؛ بسبب البعد الشاسع في الزمان والتفرق في البلاد، وهذا لا شك أنه تصور فاسد، بل يجب على الإنسان أن يعتقد عقيدة جازمة بأن هذا الدين محفوظ إلى قيام الساعة، ولهذا يقول النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين) والظهور معناه: أنه يمكن للإنسان أن يعرفه؛ لأنهم ليسوا مستترين عن الأنظار أو مختفين أو أن عملهم وعقائدهم سرية لا يدركها أحد، وإنما هم كما قال النبي ﷺ في وصفهم: (ظاهرين)، وفي بعض الألفاظ قال: (منصورة)، وفي بعض الألفاظ قال: (يقاتلون على دين الله ، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).

стр. 4

أدلة وجوب اتباع الكتاب والسنة والنهي عن البدعة هذه المقدمة الضرورية لها أدلة كثيرة جداً من الكتاب والسنة، ولهذا عقد العلماء في كتب العقائد أبواباً مستقلة في الترغيب في اتباع السنة والنهي عن البدعة، ويستدلون لذلك بعشرات النصوص القرآنية والنبوية، وآثار الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين ومن بعدهم، في أهمية الالتزام بهدي النبي ﷺ وبالسنة المطهرة التي جاء بها ﷺ ، ولهذا يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، ويقول : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، ويقول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ويقول ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، وقال أكثر من واحد من الصحابة ومن التابعين: (السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تركها غرق)، فاتباع السنة أمر لازم وضروري.

стр. 5

قضايا مهمة تتعلق بالكتاب والسنة

стр. 6

اتباع الكتاب والسنة بين الالتزام والادعاء من القضايا التي نحتاج أن نجليها وأن نوضحها خصوصاً في هذا الوقت الذي نعيشه الآن هي، أن اتباع الكتاب والسنة أصبح شعاراً عاماً تدعيه طوائف متعددة من الناس مختلفة في الآراء والمناهج والأفكار، وأصبحت كلمة اتباع الكتاب والسنة شعاراً غير مميز لكثير من الطوائف بعضها عن بعض، ولهذا لابد أن ندخل أكثر في العمق لنميز منهاج السلف الصالح ومنهاج أهل السنة والجماعة في تعاملهم مع الكتاب والسنة. هناك الكثير من الزنادقة الذين يريدون إفساد الدين بعقائد باطلة هم لا يعتقدونها، لكن لهم هدف من وراء نشر هذه العقائد بين الناس من أجل إضلال الخلق ومن أجل إفساد عقائد الناس، سواء كانت أهدافهم سياسية أو اجتماعية، وكان أكبر من مثل هذا الاتجاه هم اليهود الذين يريدون إفساد عقائد الناس من أجل أن تبقى لهم السيطرة والمكانة، هذا على المستوى العام، وهناك زنادقة اضطروا إلى إخفاء الكفر وإعلان الإسلام من أجل انتشار منهاج المسلمين، ومن أجل الخوف على أنفسهم من القتل، فكانت ظاهرة الزندقة، ومجال الحديث هنا ليس عن ظاهرة الزندقة وكيفية نشأتها وتطورها، لكن الذي يهمنا هو أن هناك من الزنادقة ومن المستشرقين ومن الذين لديهم قراءات في كتب المسلمين أصبحوا يأتون بالعقائد الضالة والمناهج الفاسدة ويستدلون عليها بالكتاب والسنة، مثلاً الشيعة الذين يسبون أصحاب النبي ﷺ تجدهم يحاولون أن يجمعوا بعض الشواهد من القرآن ومن السنة، ومن السير والأخبار ومن غيرها حتى يظهروا بصفة الأشخاص الذين لديهم حجة وبيان، وفي كتاب (كشف الشبهات) بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ خاصية معينة في الشبهات التي تنشر، وهي أن أصحاب الشبهات لا يتكلمون اعتباطاً، وإنما يتكلمون بعلم، لكنه علم فاسد مضلل، ليس علماً يقينياً وصحيحاً، والمشكلة أن هؤلاء يؤثرون على عقائد العامة وعلى عقائد أنصاف المثقفين، فتجد بعض الأحيان كتاباً مليئاً بالأدلة وبأقوال العلماء وبنصوص الفقهاء، حتى إن هذه السمة صارت منتشرة، فتجد أحدهم يبدأ بجمع بعض أقوال العلماء ويأخذ النص فيبتره ويتأوله، ثم يأتي إلى عالم من العلماء نقل مذاهب شاذة مثلاً ثم رد عليها، فينقل هذه المذاهب ويترك الرد عليها، ومعروف أن أي أمة من الأمم لديها أشخاص عندهم آراء شاذة وآراء غير صحيحة، فهذا يحرم على النساء الحجاب، وذاك يحرم صيام الست من شوال بشكل مستمر قائلاً: أخشى أن تتحول إلى بدعة، فمن حرصه على السنة حرم على الناس أن يصوموا الست من شوال، زاعماً أنها قد تتحول إلى بدعة يعتادها الناس، وتصبح كأنها في حكم الواجب، ثم يبدأ بنقل نصوص كثيرة من هنا وهناك يجمعها عن طريق بتر النصوص والتلاعب بها. فالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يقول: إن هؤلاء يتكلمون بنصوص سواء قرآنية أو نبوية أو أقوالاً لأهل العلم يخدعون بها العوام ويضللونهم، ويضللون الأشخاص غير المتخصصين، كأحدهم أفنى عمره كله في الطب لا يعلم شيئاً من الأحكام الشرعية فمستواه ضحل وضعيف جداً، فعندما يقرأ مثل هذا يقول: يا أخي! انظر إنه ينقل كلام العلماء، مع العلم أن هذا الطبيب أو المتخصص في أي تخصص من التخصصات الأخرى أو العامي الجاهل، لن يتوقع منه أنه سيرجع إلى هذه الكتب لأنه قد لا يعرفها، وقد لا يدري ما هي، لكنه يبهر بكثرة المراجع، وكثرة أرقام الصفحات والمجلدات، وكثرة النقول التي ينقلها، وكثرة الآيات والأحاديث التي يوردها، وبهذه الطريقة يضللون الخلق.

стр. 7

أهمية تعلم منهج أهل السنة كذلك ينبغي أن نتعلم مناهج أهل السنة في التعامل مع القرآن والسنة، لأن هناك طوائف ترى الاستدلال بأدلة ليست من القرآن والسنة مثل المتكلمين الذين جاءوا بالدليل العقلي وجعلوه صنواً للدليل الشرعي، أو مثل المقلدين الذين يجعلون قول الإمام مثل النصوص الشرعية، أو مثل الشيعة الذين يجعلون قول أئمتهم مثل النصوص الشرعية باعتبار أنهم معصومون، فالمناهج في طريقة التعامل مع الكتاب والسنة تنقسم إلى قسمين: مناهج سنية سلفية صحيحة، ومناهج بدعية ضالة منحرفة. إذاً: يجب أن نتعلم التمييز بين هذه المناهج، ويكون ذلك بدراسة أصول الفقه وبتعلم طريقة الصحابة رضوان الله عليهم في الإفتاء، وفي كيفية التعامل مع القرآن ومع السنة، وبهذا تكون كل أمور المسلمين وأهل السنة منضبطة، فليس هناك قول من الأقوال إلا وله حكم شرعي، وليس هناك عقيدة إلا ولها حكم شرعي، وليس هناك فكرة إلا ولها تقويم شرعي، ومن الخطأ الكبير الذي نعايشه خصوصاً مع موجة الإعلام المعاصر الآن الذي يدندن حول الرأي والرأي الآخر كما يسمونه، أرادوا أن يفقدوا أهل السنة والدعاة والمصلحين هذه الخاصية التي تميزهم عن غيرهم، فنحن أهل السنة لدينا خاصية مميزة وهي أنه إذا حكمنا على كاتب من الكتاب أنه مبتدع فنحن لا نحكم عليه بالهوى، وإذا حكمنا على شخص بأنه كافر فنحن لا نحكم عليه بالهوى، وإذا حكمنا على شخص بأنه مخطئ فنحن لا نحكم عليه بالهوى، فالإنسان كما يكون ملتزماً في سلوكه وفي أخلاقه بالشريعة، يجب أن يكون ملتزماً في أحكامه وفي عقائده بالشريعة أيضاً، ولهذا هناك باب كبير من أبواب العقيدة اسمه: باب الأسماء والأحكام، هذا الباب تابع لباب الإيمان والكفر، فهناك أسماء شرعية لها حدود منضبطة في القرآن والسنة، فهناك اسم الكافر، والمشرك، والفاسق، والضال، والمبتدع، والزنديق مثلاً، وهناك أيضاً أحكام: خارج عن الإسلام يجب أن يقتل، أمة محاربة يجب أن تقاتل، مستأمنون، أهل بدع يجب هجرهم، أشخاص مجتهدون أخطئوا لهم أجر، لكنهم ملتزمون بالسنة، وهكذا أمور كثيرة في الشريعة يجب أن نتعلمها حتى نعرف كيف نكون ملتزمين بالكتاب والسنة في أحكامنا وفي إطلاقنا للأسماء على الناس. والحقيقة: أن هذا يدل بشكل مؤكد على أهمية تعلم العلم الشرعي، فإن العلم الشرعي إذا تعلمه الإنسان والتزم بكلام الله وكلام الرسول ﷺ فإنه سيكون منضبطاً في ما يطلقه من أسماء وأحكام على الخلق. وأكثر الخلافات التي نسمعها الآن هي متعلقة بالأسماء والأحكام، فهناك طائفة متسرعة في إطلاق الأسماء والأحكام على الخلق بشكل غير منهجي وغير شرعي، وهناك طائفة أخرى تطالب باحترام الآخر، ويجعلون كلمة الآخر هكذا مفتوحة، وهذه (كلمة الآخر) كلمة جديدة لها عشر سنوات، صار الناس يرددونها: ما هو موقفك من الآخر؟ يجب أن تكون متسامحاً مع الآخر، الرأي والرأي الآخر، وكأن الآخر هذا ليس له تقويم، الآخر هذه كلمة عائمة بحسبه، إن كان كافراً فحكمه الكفر، وإن كان مسلماً فهو بحسب حاله، وإن كان مبتدعاً فهو مبتدع، وإن كان من أهل السنة فهو من أهل السنة، ثم أهل السنة يختلفون، فمنهم من يصيب فله أجران، ومنهم من يخطئ فله أجر، فالفوضى التي نلاحظها في ما يتعلق بالأسماء والأحكام سببها عدم التأصيل الشرعي، فتجد مثلاً من مهنته وبضاعته الأساسية القراءة في الصحافة وفي المجلات ثم يتكلمون عن قضايا عميقة وصعبة بدون علم شرعي، كذلك تجد من ليس لديهم معلومات شرعية كافية، بل هم من المبتدئين من طلاب العلم، تجد أنهم يتكلمون في قضايا حساسة وخطيرة، ويطلقون الأسماء والأحكام في هذا الموضوع. ولهذا نحن بحاجة إلى التعلم بشكل مستمر. أولاً: أن نعلم حجية الكتاب والسنة والأدلة الدالة التي تجعل الإنسان يطمئن بشكل كبير على أن الكتاب والسنة حجة في ذاتهما. والأمر الثاني: أن نتعلم المناهج الشرعية في طريقة التعامل والاستدلال بالكتاب والسنة. والأمر الثالث: أن نتعلم ضوابط وحدود الأسماء الشرعية، وضوابط وحدود الأحكام المترتبة عليها، وحينئذ يتكلم الإنسان بعلم، أو يجب عليه أن يسكت إذا كان الحال في قضية ليس لديه علم شرعي فيها، فالتخبط والحيرة والفوضى التي نراها اليوم في كثير من الناس، سواء على مستوى شباب الدعوة أو على مستوى أعم وأشمل من ذلك، سببه هو عدم الدارسة الكافية، أو أنه في بعض الأحيان قد يظن الإنسان أن طريقة طلب العلم هي: أن تدرس متناً، ويدرسه بطريقة آلية، يعني: يعرف صاحب الكتاب ويعرف المسائل الموجودة والأدلة فقط بدون أن يفهم ويتفقه، ولهذا تحدث أهل العلم كثيراً في الكتب التي صنفوها في العلم أن العلم ليس هو حفظ المسائل وتكرار المسائل واجترارها بشكل مستمر، وإنما العلم الفقه، أي: أن يفهم الإنسان حدود الأسماء الشرعية، وحدود الأحكام المترتبة عليها، وأن يتكلم الإنسان بعلم أو يسكت بدون أن يكون عليه مسئولية شرعية بسبب كلمة يتكلم بها.

стр. 8

بعض مظاهر الفوضى بسبب عدم الالتزام بالعلم الشرعي من مظاهر الفوضى التي نعايشها الآن: أن الرجل يكون من أهل السنة له عقيدة مشهورة في مسائل السنة الأساسية، لكنه قد يجتهد في مسألة من المسائل فيخطئ، وقد يكون خطؤه هذا فيه مشابهة لطائفة من الطوائف المنحرفة، فمن مظاهر الفوضى أنك تجد أشخاصاً يأتون إلى هذا العالم فيسقطون كل أوصاف تلك الطائفة المنحرفة عليه؛ لوجود هذا التوافق الموجود عنده من أجل هذا الرأي، وينسون أنه في باب كذا وفي باب كذا وفي باب كذا من الأبواب التفصيلية المعروفة عند أهل السنة أنه على السنة وأنه على عقيدة صحيحة، وهذا من الظلم والجور. إن بعض أهل السنة السابقين وافقوا طوائف من أهل البدع في بعض الآراء الجزئية، ومع ذلك لم يعتبرهم أحد أنهم من أهل البدع والضلالة، ثم ينزل عليهم كل الأوصاف المتعلقة بأهل البدع والضلالة والعياذ بالله. فالإمام الطبري ﵀ إمام وعالم كبير: كان يؤول الكرسي بأنه العلم، وهذا تأويل صريح، مع أن آية الكرسي، وحديث ابن عباس ﵁: في أن الكرسي موضع قدمي الرب صريحان في المسألة، ومع هذا أولها بأنه العلم، ولم يقل أحد بأن الطبري ﵀ من المؤولة ومن المعطلة، ثم ينزل عليه أوصاف المعطلة والمؤولة جميعاً، هذا مظهر من المظاهر. مظهر آخر من مظاهر الفوضى التي نعايشها بسبب عدم الالتزام بالعلم الشرعي: هو أن تجد إنساناً في خطابه الدعوي أو في خطابه الفكري، تجد أنه يعيش في حالة كما يسمونها من الانفلات، فتجد أن كلامه ليس له حدود، قد يصدق كلامه الذي فيه مدح أو ثناء على طوائف من أئمة الكفر، يصدق كلامه في الذم على طوائف من أهل الإيمان، فأصبح الكثير لا يعرف حدود مقصوده أو رأيه، وهذا الانفلات في الخطاب سببه أيضاً عدم الالتزام باللغة الشرعية، والضوابط الشرعية في ما يتعلق بالأحكام والمفاهيم وحدودها وضوابطها، ولهذا لا تجدون مثلاً في خطاب عالم كشيخ الإسلام ابن تيمية تسيباً، بل تعرفون حدود كلامه وانضباطه، كذلك الحال فيما يتعلق بمشايخ وأئمة أهل السنة سواء في العصر الحديث أو المتقدمين، تجد أنهم من أضبط الناس في ما يتكلمون به، ومن أدق الناس عبارة في ما يتحدثون به، ولهذا نؤكد على أهمية دراسة العلم بالطريقة التي سبق أن أشرنا إليها، وهي أن تعرف أدلة حجية الكتاب والسنة حتى تستطيع أن تبطل، وعلى الأقل أن يتميز لديك بشكل يقيني ودقيق فساد العقائد الأخرى التي جعلت أدلة مصافة للكتاب والسنة، ثم تدرس المناهج المنضبطة الشرعية التي يكون الاستدلال من خلالها بالنصوص الشرعية استدلالاً صحيحاً، ثم تعرف حدود الأسماء والأحكام في ما يتعلق بالخلاف الذي يحصل بين الناس، سواء خلافاتنا مع الكفار أو خلافاتنا مع أهل البدع، أو خلافات أهل السنة فيما بينهم، بحيث يتكلم الإنسان أو يعتقد بشكل دقيق وصحيح وموافق للنصوص الشرعية. هذه المقدمة أرى أنها ضرورية في مقتبل درس يتعلق بالعقيدة، لأننا سنجد طوائف انحرفت في العقائد وسنذكر بعض الآراء والمناهج والأفكار، وقد نذكر بعض الأحيان أعلاماً مشهورين خالفوا السنة في هذه المسألة أو تلك ونرد عليهم، وهذا أمر طبيعي فإن هذه هي طريقة أهل العلم من القديم أن الحق أحق أن يتبع وأن التقليد مذموم، وأنه يجب على الإنسان أن يكون متبعاً لنصوص الكتاب والسنة بشكل دائم ومستمر.

стр. 9

ترجمة مؤلف الحائية ابن أبي داود المتوفى سنة ٣١٦هـ هو أبو بكر ابن صاحب السنن المشهور أبي داود سليمان بن الأشعث، وأبو بكر اسمه عبد الله، استفاد من والده الذي كان عالماً، فطوف به والده كثيراً في البلاد، وكان حافظاً وإماماً مشهوراً. ومن القصص التي تذكر في حفظه: أنه لما جاء إلى سجستان طلبوا منه أن يحدث، فقال: ليس عندي أصل، يعني: ليس عندي كتاب أحدث منه، فقالوا: ابن أبي داود ويحتاج إلى أصل؟! فاستفزوه فأملى عليهم ثلاثين ألف حديث، فلما رجع إلى بغداد لم ينتقد منها إلا ستة، وهذا يدل على سعة حفظه وعلمه ﵀، وقد كان من أئمة أهل السنة، وهذه الأبيات التي ستأتي معنا تدل على ذلك، وقد كان أبو بكر بن أبي داود عالماً مصنفاً مشهوراً، له مجموعة من الكتب، منها (المصاحف) وهو مطبوع، وأيضاً: كتاب (البعث) وهو مطبوع أيضاً، وهذه الحائية تقريباً ستة وثلاثون بيتاً، أو ثمانية وثلاثون بيتاً موزعة على مجموعة من الأبواب، وسيأتي الحديث عنها إن شاء تعالى. وحائية ابن أبي داود شرحها الآجري ﵀ صاحب (الشريعة)، لكن شرحه غير موجود الآن، وشرحها أيضاً السفاريني صاحب (لوامع الأنوار) المشهور، وصاحب الدرة المضيئة، وشرحه مطبوع، وهذه الحائية ثابتة من حيث الإسناد عن أبي بكر بن أبي داود فقد نقلها عنه مباشرة تلميذه ابن شاهين ضمن كتابه (شرح مذاهب أهل السنة)، وهو مطبوع، وقد نقل عنه القصيدة كاملة في أربعين بيتاً تقريباً نقلها مباشرة عن شيخه، وأيضاً نقلها ابن أبي يعلى في (طبقات الحنابلة)، وكذلك نقلها الحافظ الذهبي ﵀ في (سير أعلام النبلاء) في ترجمة ابن أبي داود نقلها بإسناده عن ابن شاهين الذي سبق أن أشرنا إليه.

стр. 10

ترجمة مؤلف لمعة الاعتقاد الكتاب الثاني هو: لمعة الاعتقاد لـ ابن قدامة ﵀، وابن قدامة إمام مشهور وعالم معروف، له في العقيدة كتاب (العلو)، وأيضاً كتاب (ذم التأويل) وهما مطبوعان، وهو إمام مشهور كان في جيش صلاح الدين الأيوبي عندما كان يجاهد الصليبيين في بيت المقدس، فقد كان جامعاً بين العلم والجهاد أيضاً. وهذا المتن قد شرحه كثيرون، لكن من أفضل الشروح تقريباً هو شرح الشيخ العلامة محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى.

стр. 11

ترجمة مؤلف العقيدة الواسطية الكتاب الثالث هو العقيدة الواسطية لـ ابن تيمية، وهو إمام معروف ومشهور وتراجمه معروفة، وكتبه في العقيدة معروفة أيضاً.

стр. 12

طريقة دراسة الكتب الثلاثة في العقيدة في نفس الوقت وطريقة دراستنا إن شاء الله لهذه الكتب الثلاثة هي دراسة موضوعية، يعني: موضوع هذه المتون الثلاثة متقاربة كلها في العقيدة، ولهذا وزعت الموضوعات الموجودة في هذه الكتب الثلاثة إلى ستة أبواب: الباب الأول: باب الصفات، والباب الثاني: باب القدر، والباب الثالث: باب الإيمان، والباب الرابع: باب الغيبيات، والباب الخامس: باب الصحابة وكرامات الأولياء، والباب السادس: باب السلوك. وهذه الأبواب الستة موجودة في الكتب الثلاثة بنسب متفاوتة، فيوجد في كتاب ما لا يوجد في كتاب آخر، ولهذا بدلاً من أن ندرس هذا مستقلاً وهذا مستقلاً وهذا مستقلاً، مع أن الموضوعات متقاربة ومتداخلة، أردنا دراستها جميعاً في مكان واحد، فالمكرر سنأخذه في الأماكن الثلاثة جميعاً، والمميز سندرسه إن شاء الله، بحيث نخرج من هذا الدرس وقد درسنا ثلاثة كتب في وقت واحد بالطريقة التي أشرت إليها بإذن الله تعالى. أسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 13

الأسئلة

стр. 14

حكم الخوض والكلام في المناهج السؤال كثير من الشباب في هذا العصر يخوضون في الكلام في المناهج، ويقولون: الشيخ فلان فيه كذا، والشيخ فلان فيه كذا؟ الجواب هذه إحدى علامات أو نقاط الضعف في شباب الدعوة الإسلامية، فتجد أحياناً أن المنهج يكون واحداً وهو منهج السنة، لكن تجد رأي هذا الشيخ يختلف عن رأي هذا الشيخ، فيتعصبون لرأي هذا الشيخ ويذمون هذا الشيخ، وبناء على هذا يصنفون المشايخ، وهذا لا شك أنه خطأ، صحيح أن الإنسان لا يجوز له أن يتبع الشيخ أو العالم في خطئه، لكن لا يجوز له أيضاً أن يسبه ويذمه، ونحن نقول: تقويم الآراء لها ميزان في الكتاب والسنة، فأنت إذا سمعت أن الشيخ الفلاني له رأي انظر إلى رأيه، وقبل أن تنظر إلى رأيه اطلب العلم الشرعي حتى يكون ميزانك ميزاناً صحيحاً، فإذا تعلمنا العلم الشرعي وسمعنا رأياً لشيخ من المشايخ نأخذ هذا الرأي بشكل هادئ بعيداً عن الظلم والاعتداء، ثم نزنه، وحينئذٍ لا يخلو رأيه من عدة حالات: إما أن يكون رأيه كفراً والعياذ بالله، أو بدعة، أو اجتهاداً اجتهده، وكل واحدة من هذه الحالات لها أحكامها الخاصة بها، فلو افترضنا أن رأيه كان كفراً والعياذ بالله، فإذا جئنا إلى هذا الإنسان المعين فلابد أن توجد فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع، كحال بعض الصحابة الفضلاء الأخيار وقعوا في الكفر ولم يكفروا، ومنهم حاطب بن أبي بلتعة الذي حضر يوم بدر، ووقع في الكفر، لكنه لم يكفر، ولهذا لا يستغرب أن يقع مثلاً عالم فاضل في مقالة من المقالات، قد تكون هذه المقالة كفرية في حد ذاتها، لكن هو نفسه لا يكفر، وقد يكفر إذا قالها غيره، فبعض الأحيان يكون هناك رأي واحد يقول به عشرة؛ سبعة يكفرون وثلاثة لا يكفرون، لأنهم يتفاوتون بحسب: هل هذا الإنسان عنده علم بهذا الحكم؟ هل هو متأول؟ هل هو جاهل بها؟ على تفصيلات مشهورة عند أهل السنة في مسألة عوارض الأهلية. كذلك لو أن القول الذي قاله من صنف البدع، ننظر هل هذه البدعة عند هذا الإنسان منهج بدعي يسير عليه ويدعو الناس إليه، أو أنها مقالة أخطأ فيها، فإذا كانت مقالة أخطأ فيها فلا يجوز للإنسان أن يجعلها منهجاً له، ثم إن الاجتهاد بعض الأحيان قد يكون اجتهاداً يثاب عليه الإنسان إذا كان اجتهاداً شرعياً بذل فيه غاية الجهد، وقد تكون زلة من ضمن الزلات كما سماها ابن تيمية ﵀ في (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، وهذه الزلة من جنس الذنوب والمعاصي، وقد يكون لديه من الجهاد والصدق والصبر والبذل والحب لله ولرسوله ما يمحو عنه هذه الزلة. إذاً: يجب على الإنسان أن يكون منضبطاً من الناحية الأخلاقية والأدبية، ولا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بالكلام عن الناس وذمهم ونقدهم والقدح فيهم، بل يجب أن يهتم بالمكاسب الأساسية للدعوة الإسلامية وهي الدعوة إلى السنة، والالتزام بها وحياطتها والمحافظة عليها، وأما الخلافات التي تكون بين أهل العلم فيما بينهم فلا يجوز أن يبني عليها الإنسان موقفاً أو منهجاً أو رأياً عنيفاً أو متشدداً.

стр. 15

كيفية التعامل مع من يروج للباطل في الصحف والمجلات السؤال هناك من يروج الباطل في الصحف والمجلات، فكيف يكون الرد على مثل هؤلاء؟ الجواب الرد على هؤلاء أمر ضروري، لكن هنا قضية مهمة، وهي أنه لا يصلح أن يرد على مثل هؤلاء إلا من يملك الحجة والبرهان والدليل الصحيح، وأن يكون الإنسان إذا أراد أن يرد عليهم أن يكون مستعداً للرد؛ لأنه في بعض الأحيان قد يأتي إنسان منحرف ينشر بدعته ولديه لسان وقوة، وثقافة واسعة، فيأتي شاب بسيط يتهجم عليه يسبه فقط، فيكون هذا فتنة للآخرين الذين ينظرون إليه، فهم ينظرون إلى أن كلام ذلك منظم ودقيق وقوي، وأن كلام الراد كله سب وشتم وليس فيه فائدة، وبهذه الطريقة يكون قد هيأ مجالاً لانتشار هذه الفكرة، وحقيقة أنا لي تعليقات على كثير من الإخوة الذين يشاركون في مثل الحوارات التي تكون عن طريق الإنترنت: التعليق الأول: أنه لا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بمثل هذا، بل عليه أن يشغل نفسه بالنافع والمفيد، فكون الإنسان لديه منهج في طلب العلم يرتقي فيه ويشتغل بما ينفعه، أفضل من الاشتغال بالكلام الذي لا داعي له في المنتديات، وحال هذه المنتديات كحال الجلسات التي تكون على الأرصفة، ولو أن إنساناً جعل يومه وليلته للجلسات هذه التي على الأرصفة من جلسة إلى جلسة أخرى فلن يستفيد. التعليق الثاني: أن الإنسان ينبغي له أن يكتب بشكل مفيد، وإذا كان هو نفسه ليس عنده أهلية أو قدرة على الكتابة بشكل قوي فلا يتعرض للكتابة وهو غير مقتدر، وأفضل الأحوال ألا يشتغل الإنسان بمثل هذا، وإنما يشتغل بما ينفعه في دراسة العلم ونحوه.

стр. 16

حكم حضور دعوة الاحتفال بالمولد السؤال ما حكم حضور دعوة الاحتفال بالمولد، علماً أنه لا توجد منهيات أو منكرات فيه؟ الجواب الأصل أن الاحتفال بالمولد في حد ذاته يعتبر منكراً وبدعة، أما مجرد المشاركة حتى لو لم يكن فيه اختلاط، أو موسيقى فإنها تعتبر مخالفة للسنة؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا من أكثر الناس محبة للنبي ﷺ ولم يتخذوا يوم مولده عيداً، كما هو الحال عند أصحاب هذه الموالد.

стр. 17

كيفية تطبيق مبدأ الموازنة بين الحسنات والسيئات السؤال بعض العلماء المعاصرين لا يأخذون بمبدأ الموازنة بين الحسنات والسيئات، بل يقومون بتجريح المخطئ انطلاقاً من قاعدة: أن الجرح مقدم على التعديل، وقد يؤلفون المؤلفات في إسقاط بعض الألفاظ والأعمال لبعض الطوائف المبتدعة، فما رأيكم؟ الجواب مبدأ الموازنة بين الحسنات والسيئات ليس على إطلاقه في كل موضع وفي كل شخص، وإنما الصحيح أن الموقف من الآراء والأفكار المخالفة للسنة يختلف باختلاف الشخص وباختلاف الوقت وباختلاف الحال، ولهذا فرق العلماء بين المبتدع الداعي لبدعته، والمبتدع الذي لا يدعو لبدعته، كذلك هناك فرق بين المبتدع الذي بدعته مؤثرة ورائجة في الناس، وبين المبتدع الذي بدعته مقصورة عليه ولا يستجيب لها أحد، وهناك فرق أيضاً بين المبتدع الذي يبتدع بدعة في قضية عامة تشغل الناس وتتعلق أنظار الناس بها، وبين من يتكلم بكلام عابر ثم يكون ضمن كلامه بدعة يقول بها، ولهذا مثل هذه الأشياء توزن بميزان المصلحة والمفسدة، وهذا الميزان لا يستخدمه بشكل جيد إلا أهل العلم، فهم الذين يستطيعون أن يزنوا الأمور بميزان المصلحة والمفسدة، فبعض الأحيان قد يكون من المصلحة أن تنتقد صاحب هذه البدعة وألا تذكر له حسنة؛ لأنه ليس المجال مجال ذكر الحسنات، ولهذا نجد كلام شيخ الإسلام ﵀ مختلفاً من كتاب إلى كتاب، ومن حالة إلى حالة، ومن مسألة إلى مسألة، وكل ذلك بحسب الظرف والوقت والحال والشخص والتأثر، فهناك اعتبارات أخرى، فليس هناك لهذه القضية قاعدة واحدة يمكن لكل الناس أن يطبقها في كل الأحوال، وإنما هي تختلف بحسب الحال، ولهذا نجد بعض الناس مثلاً يأخذ بمبدأ الموازنة بين السيئات والحسنات، فيأتي إلى شخص ينشر بدعته على الناس جميعاً ثم يقول: لابد أن نوازن بين الحسنات والسيئات وألا نرد عليه إلا بذكر حسناته، وهذا غير لازم، فنحن عندما نقرأ كلام أهل العلم لا نجد أنهم في كل حال يذكرون حسنات هؤلاء، وإنما بحسب الحال، مثلاً ابن تيمية عندما يرد على الأشاعرة، في بعض الأحيان يغلظ عليهم حتى يقول: إنهم مخانيث المعتزلة، ولا يذكر لهم في ضمن كلامه في تلك اللحظة ثناء، لكنه عندما يتكلم على النصارى والرد على النصارى، تجده يذكر مواقف علماء الأشاعرة في الرد عليهم ويثني عليهم في ردودهم، فتجد أن الحال يختلف من هنا إلى هناك، لذلك قد تجلس مثلاً مع أشخاص معجبين برأي من الآراء وتريد أن تغلظ حتى تبين أن هذا القضية غير صحيحة وأنها خطأ، وبعض الأحيان قد تجد شخصاً متشدداً في موضوع من الموضوعات، فهذه القضية راجعة إلى مسألة المصالح والمفاسد وحكمة الداعية، لكن الأصل هو أن الإنسان يبتعد عن تجريح الخلق إلا إذا كان عنده علم، وإذا لم يكن لديه علم فلا يشتغل بالنقد وإيذاء الخلق بدون علم، وأحياناً قد تجد أن المسألة اجتهادية يضعها إنسان وكأنها مسألة من مسائل الكفر وهذا لا يجوز، بل يجب على الإنسان أن يكون عاقلاً متزناً لا يتكلم إلا بعلم.

стр. 18

مناهج الاستدلال بالقرآن والسنة السؤال ما هي مناهج الاستدلال بالقرآن والسنة؟ الجواب كتب الأصول في الجملة هي التي تتحدث عن مثل هذه المناهج، وهذه العلوم تسمى علوماً معيارية، يعني: تحدد المعايير والأسس والقواعد الأساسية التي تضمن للإنسان السير الصحيح، فمصطلح الحديث مثلاً علم معياري للنقل عن الرسول ﷺ ، وعلم أصول الفقه علم معياري لطريقة التعامل مع الكتاب والسنة.

стр. 19

موقف المسلم من الفتن السؤال ما هو موقف المسلم من الفتن حتى ينجو مما حذر الله من الأهواء والفتن؟ الجواب لا شك أن الفتن منتشرة انتشاراً كبيراً جداً، وكلما تقدم الزمان كلما راجت الفتن والعياذ بالله، وليس هناك عاصم بعد توفيق الله من الفتن إلا بالالتزام بالكتاب والسنة، هذا فيما يتعلق بالفتن العلمية والفكرية، أما الفتن العملية مثل: (الحروب) وتشتت أمر الناس، وانفصام عقد اجتماعهم، فمثل هذه الفتن العملية التي يكثر فيها القتل والهرج والمرج، ينبغي على الناس أن يلتزموا مع علمائهم ومع المصلحين فيهم، فموضوع الفتن يحتاج إلى وقت طويل حتى يكون هناك حديث عنه، لكننا نتكلم هنا من حيث الجملة.

стр. 20

حكم الاقتداء بالعلماء في عمل من الأعمال السؤال أنا إمام مسجد أقنت في هذه الأيام، وأنا أقتدي بالشيخ ابن باز في هذا، هل عملي فيه خلاف للسنة؟ الجواب لا، ليس فيه خلاف للسنة إذا كنت ممن يقتدي بالشيخ عبد العزيز بن باز فهو إمام وعالم من العلماء المسلمين، لكن بشرط: ألا تكون عندك معرفة بدليل صريح من القرآن والسنة يخالف قوله، فطريقة أهل السنة فيما يتعلق بالعلاقة مع العلماء: هي احترامهم ومحبتهم وتقديرهم وتعظيمهم وقبول فتواهم، إلا ما علمنا أنه مخالف للكتاب والسنة، فما علمنا أنه مخالف للكتاب والسنة فلا يجوز قبوله أبداً.

стр. 21

دراسة موضوعية [٢] منهج أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هو إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ ، وبذلك نعرف بطلان عقائد الفرق الضالة الذين قدموا العقل على النقل ونفوا ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات.

стр. 22

شرح مقدمة كتاب حلية طالب العلم بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: فإن من المهم جداً أن يتعلم الإنسان مع العلم الأدب وتزكية النفس، والله قد بعث محمداً ﷺ لتعليم الناس قراءة القرآن وتزكية النفوس وتعليمهم أيضاً العلم النافع، يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢]. وتعليم الكتاب هو تفسير الكتاب وتعلم العلم النافع، والحكمة المراد بها: السنة. والتزكية التي جاء بها النبي ﷺ هي تطهير القلب ونماؤه بالعلم النافع والعمل الصالح، فإن القلب هو الأساس بالنسبة لحركة الجوارح، والنبي ﷺ يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب). قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀ في كتابه حلية طالب العلم: [الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم عليه، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه. فأقيد معالم هذه الحلية المباركة عام (١٤٠٨ هـ) والمسلمون - ولله الحمد - يعايشون يقظة علمية، تتهلل لها سبحات الوجوه، ولا تزال تنشط -متقدمة إلى الترقي والنضوج- في أفئدة شباب الأمة، مجدها ودمها المجدد لحياتها، إذ نرى الكتائب الشبابية تترى يتقلبون في أعطاف العلم مثقلين بحمله، يعلون منه وينهلون، فلديهم من الطموح، والجامعية، والاطلاع المدهش والغوص على مكنونات المسائل، ما يفرح به المسلمون نصراً، فسبحان من يحيي ويميت قلوباً]. لا يشك أحد في ظهور هذه الصحوة الإسلامية -ولله الحمد-، وكونها منتشرة في سائر البلاد، وكل من يشاهد الواقع يعرف ذلك جيداً، حتى أن الأعداء الذين يتربصون بهذه الصحوة الإسلامية وهذه اليقظة الإسلامية يعلمون ذلك، بل إن عامة الناس اليوم لا يبغون بدلاً عن الإسلام وعن تطبيق أحكام الإسلام، حتى عبر بعض المغرضين فقال: إن هذه الصحوة الإسلامية صحوة أو هي القاعدة لكن لها هامش محدود. ويقصد بذلك أن القاعدة العريضة من الشعوب الإسلامية تريد الإسلام وتتمنى أن تحكم به، وتتمنى أن تعود إلى تاريخها المجيد، ولكن لها هامش ضيق في التطبيق العملي وفي الواقع المعاش سواءٌ فيما يتعلق بالجانب السياسي أو الجانب الحياتي عموماً. ولكن هذه الصحوة تحتاج إلى توجيه، فهي مثل صحوة الإنسان الذي يستيقظ مباشرة؛ فإنه لا يكون متمالكاً لنفسه، ولا يستطيع أن يقف موقفاً قوياً وواضحاً، ولهذا يوجد في هذه الصحوة كثير من الأخطاء والملاحظات، ويوجد فيها ضعف يحتاج إلى تقوية، وتوجد فيها أخطاء تحتاج إلى تصحيح، وكل ذلك لا يمكن أن يتم إلا بالتصحيح وبالتعليم وبدراسة العلم النافع ومعرفة الحق واتباع هذا الحق. قال المؤلف ﵀: [لكن لا بد لهذه النواة المباركة من السقي والتعهد في مساراتها كافة، نشراً للضمانات التي تكف عنها العثار والتعصب في مثاني الطلب والعمل؛ من تموجات فكرية، وعقدية، وسلوكية، وطائفية، وحزبية. وقد جعلت طوع أيديهم رسالة في (التعالم) تكشف المندسين بينهم خشية أن يردوهم، ويضيعوا عليهم أمرهم، ويبعثروا مسيرتهم في الطلب، فيستلوهم وهم لا يشعرون]. وكتاب الشيخ هذا مطبوع وهو: التعالم وأثره في الفكر والكتاب. ومقصود الشيخ ﵀ أن هذه الصحوة بحاجة إلى تسديد وإصلاح وتعليم، وبحاجة إلى خلق وأدب وتزكية، وبحاجة إلى معرفة الحق واتباعه الذي هو منهج أهل السنة والجماعة، وأنتم تعلمون أن هذه الأمة افترقت إلى فرق متعددة، كما قال النبي ﷺ : (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، فبين أن هذه الفرق فرق هالكة وفرق متوعدة بالنار، مع أنها من جملة المسلمين، لكن هذه الفرق لم تتبع سنة النبي ﷺ فصارت هالكة إلا واحدة، فلما سئل عنها قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). وحتى يكون الإنسان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ والصحابة فهو بحاجة إلى علم، وبحاجة إلى عمل بعيد عن الهوى والشبهات حتى يطبق هذا العلم، وحينئذ يكون من هذه الفئة المصطفاة التي وفقها الله للبعد عن الاختلاف والتفرق والهلاك الذي ورد في هذا الحديث. ولهذا لا بد من التعلم، ولا بد من طلب العلم، والإنسان مهما بلغ من السن أو الوجاهة أو المكانة عند الناس لا بد له أن يطلب العلم، وطلب العلم ليس المقصود به الاستكثار من المحفوظات، في الفقه أو في العقيدة أو في أي باب من الأبواب، وإنما المقصود بالعلم العلم النافع، والفقه المقصود به الفهم، يعني: أن يفهم دين الله على وجهه الصحيح. وأنت قد تجد أشخاصاً كثيرين، هـ

стр. 23

منهج السلف الصالح في الأسماء والصفات القاعدة العامة للسلف في باب الأسماء والصفات هو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء الحسنى والصفات العليا، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ . هذه هي القاعدة العامة فيما يتعلق بهذا الباب العظيم، ومن خلال هذه القاعدة يتبين لنا الالتزام بالقرآن والسنة كمصدر أساسي في معرفة الأسماء والصفات؛ لأن الأسماء والصفات هي من الأخبار، والأخبار في ما يتعلق بالله من الغيب، ولا يمكن للإنسان أن يكتشف الغيب إلا بخبر صادق، وليس هناك أصدق من الله حديثاً ولا من رسول الله ﷺ قيلاً، ولهذا فإن المصدر الأساسي في معرفة أسماء الله وفي معرفة صفات الله هو القرآن والسنة. وهذا يعني أن هناك بعض الصفات يمكن أن تدرك بالعقل؛ فإن الإله المعبود لا بد أن يكون حياً، ولا بد أن يكون عالماً، ولا بد أن يكون مريداً، ولا بد أن يكون سميعاً بصيراً، وهكذا. لكن هذه الدلالة العقلية لا نأخذها استقلالاً وإنما هي من جنس الأدلة التي يمكن الاستدلال بها على صفات الله بعد معرفة النصوص الشرعية من القرآن ومن السنة.

стр. 24

منهج المبتدعة في العقائد وبهذا نعرف بطلان من اعتمد على مصدر آخر غير القرآن والسنة في تلقي العقائد عموماً، وفي باب الأسماء والصفات خصوصاً، وأعني بذلك منهج أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية الذين جعلوا العقل مصدر تلقي العقيدة عموماً والأسماء والصفات بشكل خاص؛ فعظموا العقل تعظيماً كبيراً وجعلوه حاكماً على النصوص الشرعية. وإذا اختلف العقل عندهم مع النقل فإنهم يقدمون دلالة العقل، وأما النقل -سواء كان القرآن أو السنة- فإنهم يؤولونه، ولا شك أن هذا سوء أدب وسوء تعامل مع القرآن والسنة. علماً أنه لا يمكن أبداً أن يكون هناك تعارض بين العقل والنقل؛ لأن العقل خلقه الله والنقل أنزله وجاء به الله ، ولا يمكن أن يكون هناك خلاف وتباين بين ما خلق الله وما أمر به: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. ومشكلة التعارض بين العقل والنقل هي مشكلة قديمة وحديثة في نفس الوقت، فقد وجدت عند الفلاسفة الذين لم يتدينوا بدين سماوي، يعني: ليسوا من اليهود ولا من النصارى كـ أرسطو وأفلاطون، فهؤلاء لم يكن لهم وسيلة للوصول إلى الغيبيات سوى العقل، ولهذا اشتغلوا بتقرير العقائد وتقرير ما يتعلق بما يسمونه: الميتافيزيقيا -وهي الغيبيات- اعتماداً على العقل. فلما جاءت الأديان جاءت بما يوافق العقل، وزادت على ذلك من أمور الغيب التي لا يعلمها العقل لوحده، ثم جاء الإسلام جاء بأصدق عقيدة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته. فلما ترجمت كتب هؤلاء الفلاسفة إلى اللغة العربية وتأثر بها أقوام ليسوا من أهل العلم -يعني: لم يدرسوا الحديث ولم يدرسوا السنة ولم يتعلموا العلم الشرعي أصلاً وإنما كانوا من عموم المسلمين- جاءوا إلى المحكمات من النصوص الشرعية وبدءوا يؤولونها حتى توافق هذه المقررات العقلية الموجودة لديهم. ثم ألفوا الكتب في ذلك وانتشروا وصار لهم ظهور، ورد عليهم أئمة السنة، ومع طول الزمان أصبحوا فرقاً لهم كتب ومبادئ وعقائد وأفكار تختلف غلواً وبعداً عن السنة من فرقة إلى فرقة ومن رأي إلى رأي، لكن كثيراً منهم في الجملة من عموم المسلمين ووقعوا في بدع، وهذا يدل على ضريبة تكلم الإنسان في دين الله بغير علم: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].

стр. 25

أزمة التوفيق بين العقل والنقل في الماضي والحاضر لا يجوز للإنسان أن يتكلم في دين الله بغير علم. وهكذا الحال اليوم؛ حيث نجد كثيراً من المشتغلين بالصحف أو التقارير الإخبارية أو غيرها يتكلمون في قضايا عميقة تتعلق بالموقف من المخالف أو كما يسمونه الرأي الآخر، ويقررون وكأنهم من كبار علماء المسلمين، ولهذا يقعون في زلات عظيمة وكبيرة بسبب الجهل. وهذا لا يعني أن الإنسان لا يتكلم فيما يتعلق بعمومات الإسلام، لكن يجب أن يتكلم بعلم، وإذا لم يكن عنده معلومات تتعلق بهذا الأمر يحيله إلى عالمه ولا يتكلم بغير علم. فما زالت مشكلة التعارض بين العقل والنقل إلى زماننا المعاصر، بل إنها في الزمان المعاصر زادت بشكل أكبر، لأن العالم الغربي اليوم هو المتفوق سياسياً واقتصادياً وثقافياً وفكرياً، والعالم الإسلامي ضعيف بشكل كبير. والعالم الغربي له قصة مع الدين، وقصته يمكن تلخيصها بأنه حطم الدين؛ لأنه يعتقد أن الدين خرافة، وأن العقل هو مصدر كل خير، ولهذا جعلوا تضارباً بين الدين والعلم، أي: العقل. والسبب أنهم ظنوا أن كل الأديان -بما فيها دين الإسلام الذي لم يعرفوه في الحقيقة- معارضة للعقول، ولهذا لا بد أن ترد، ولهذا عندما يعرفون الأديان عموماً يقولون: الإيمان أن تؤمن وتصدق وتجزم بدون برهان يقيني وعقلي يدل على صدق ما تؤمن به، ولهذا يحشرون في الأديان كل الأديان الخرافية والأديان الوضعية كما يسمونها، والأديان التي تأتي من عند الله، كل هذه الأديان يرونها من جنس واحد، وهي أن تؤمن بدون برهان ولا دليل، وإنما لمجرد الخبر، أخبرك فلان بشيء فآمنت به، ولو كان هذا الخبر غير صحيح في نفسه. فأصبحت أزمة العقل والنقل الآن في العصر الحديث أكبر بكثير مما كانت في العصر القديم، وأصبح الدعاة اليوم يواجهون تيارين خطيرين: التيار الأول: تيار تراثي كما يسمونه، وهو الذي يوجد في الكتب القديمة والتي ما زالت تطبع إلى الآن، ويوجد لها معاهد ومراكز ومعاقل للعلم تدرس هذه الكتب التراثية، وهي كتب المعتزلة والأشاعرة وغيرها من الكتب التي تقرر التعارض بين العقل والنقل وتقدم العقل على النقل. التيار الثاني: التيار التغريبي الذي يتمثل في المذاهب الفكرية المعاصرة التي تبناها عدد كبير من الأحزاب والمؤسسات والأشخاص الذين تأثروا بهذه الأحزاب، سواء كانت العلمانية أو الحداثة أو الديمقراطية أو الفكر الغربي عموماً بكل أطيافه وألوانه. فصاروا يتأثرون به، ومن ضمن ما يتأثرون به المنهج العقلي المعاصر الذي يفترض أن الدين إيمان بدون دليل، وأن العلم هو الاستدلال العقلي، وأنه هو اليقيني وحده دون غيره.

стр. 26

دين الإسلام دين يقيني يقبله العقل لكن نحن نقول: إن دين الإسلام هو الدين الحق، وإننا نؤمن بهذا الدين بناءً على أدلة يقينية قطعية وليس إيماناً مجرداً، وهو مبني على صحة نبوة الرسول ﷺ ، وصحة نبوة الرسول ﷺ -كما يقول العلماء- دل عليها أكثر من ألف دليل، يعني: ليس الدليل هو المعجزات فقط وإنما أكثر من ألف دليل، فمن الأدلة مثلاً: أن هذا القرآن في حد ذاته معجزة من حيث بيانه، فتحدى الكفار الأوائل أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل أن يأتوا بعشر سور أو سورة واحدة. أيضاً هذا القرآن معجز؛ لأن فيه إخباراً عن الغيبيات وقعت بالتفصيل، ولو لم يكن من عند الله لما أمكن أن يتنبأ بالغيب ثم يقع، وقد أخبر الرسول ﷺ بغيبيات يقينة، وقد وقعت تماماً، ومن ذلك أنه قال: (إن ابني هذا سيد - يعني الحسن - ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) فحصل تماماً أنه اقتتلت فئتان وأصلح بينهما الحسن عندما تنازل عن الخلافة. كما أخبر النبي ﷺ عن وقوع فتنة بين الصحابة، وأن أهل الحق فيها هم الذين يعتزلون هذه الفتنة. بل إن جملة من الكشوف العلمية اليقينية ورد في النصوص الشرعية ما يدل عليها. هذا بالإضافة إلى شخصية النبي ﷺ وهو كونه صادقاً، فلم يحفظوا عنه كذباً قط، فلا يمكن أن يصدق في حديثه مع الناس ويكذب على الله . أضف إلى هذا: أن النبي ﷺ استمر بين قريش حتى وصل عمره أربعين سنة وهو لم يدع أي دعوى لها علاقة بموضوع النبوة، ولم تكن له علاقات بأشخاص عندهم علم عن النبوات، ثم يأتي بدين متكامل، ويأتي بمعجز لفظي، فكل هذا يدل على صدق نبوته. وإن أردت أن تجمع من النصوص الشرعية ما يدل على أن هذا الدين حق فستجد شيئاً كثيراً وعظيماً. إذاً نحن آمنا بهذا الدين والتزمنا به بناءً على أن هذا الدين دين يقيني صحيح وأن العقل يدل على صدقه وصحته، ويترتب على هذا أن كل ما يخبر به النبي فهو حق ويقين، لأنه ثبت عندنا أنه نبي، فكل ما يخبر به من أمور الغيب لا بد أن يكون حقاً، ومن ذلك هذا الباب الذي نحن في صدد الحديث عنه وهو باب الأسماء والصفات، فكل ما أخبر به الرسول ﷺ سواء نسبه إلى الله كما في القرآن أو تكلم به ﷺ ، فهذا حق في باب الأسماء وفي باب الصفات أيضاً. ونحن أهل السنة نؤمن بها كما جاءت في النصوص الشرعية، فنؤمن أن الله هو العليم الرحيم الجبار المتكبر الرحمن الإله ، هذا بالنسبة لأسمائه. ونؤمن بصفاته سواء الصفات الفعلية مثل النزول والضحك والإتيان والغضب ونحو ذلك، أو الصفات الذاتية مثل العلم والسمع والبصر ونحو ذلك، فهذه الصفات وهذه الأسماء نؤمن بها كما جاءت في النصوص الشرعية.

стр. 27

التوافق بين أسماء الله وأسماء صفاته وبين أسماء المخلوقين وأسماء صفاتهم لا يستلزم التوافق في المسمى وقد أشكل على بعض الناس التوافق في أسماء صفات الله وأسمائه وأسماء وصفات المخلوقين، فالله هو الحي وقد سمى بعض عباده الحي، وهو يعلم وعبده يعلم أيضاً، وهو له قدم ولعبده قدم، وهو له عينان ولعبده عينان، وهو له يد ولعبده يد، هذا التوافق أشكل وأصبح مأزقاً عند الكثير لا يستطيع الخروج منه، أو يخرج منه ببدعة ضالة إما بدعة التعطيل ونفي صفات الله وحقائقها، أو التمثيل وهو أن صفات الله مثل صفات المخلوقين. وهذا المأزق يمكن أن نحله كالتالي: أن التوافق بين أسماء صفات الله وأسماء صفات المخلوق لا تستلزم التوافق في المسمى، فالله يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ويقول: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩] فسمى نفسه الحي وسمى عبده الحي. وكذلك الحال في بقية الأسماء والصفات. نقول: إن الاشتراك في الأسماء لا يقتضي التماثل في المسميات، فإن هذا الاشتراك يحصل في قدر كلي لا وجود له في الخارج وإنما هو موجود في عقل الإنسان وذهنه. ويتميز بالنسبة، يعني: عندما ننسب هذا الأمر نقول مثلاً: يد الإنسان؛ فعرفنا خصوصية معينة لهذه اليد وهي أنها يد إنسان ذات صفة معينة. وإذا قلنا: يد الله، عرفنا أنها يد خاصة بالله لها صفة أخرى تختلف عن صفة المخلوق لأن هناك فارقاً بين الخالق والمخلوق. فهذه القضية لم يدركها المعطلة ولا الممثلة، فالمعطلة قالوا: إن هذا التشابه يقتضي التماثل التام بين صفات الله وصفات خلقه، وبناءً على هذا فلا بد أن ننفي مقتضاها، ورتبوا على هذا أن النصوص القرآنية والنبوية ظواهرها التمثيل، وأن اعتقاد ذلك كفر والعياذ بالله، وأنه لا بد لنا من التأويل، وأن التأويل هو العقيدة الصحيحة التي تجعلنا نصل إلى حقيقة صفات الله ، وأما الإيمان بالظواهر وإثبات ما أثبته الله لنفسه فإن هذا يستلزم التمثيل ولا بد. أما الممثلة فقالوا نفس الكلام، لكن قالوا: لا بد أن نؤمن بما أخبر الله، وقد أخبر الله بالتمثيل فلا بد أن نؤمن به. والحق أن كلتا الطائفتين أخطأت، فإن الله لم يجعل ظاهر هذه النصوص التمثيل، ولم يجعل ظاهر هذه النصوص الموافقة التامة، وإنما هي تتفق في الأسماء لكن تختلف في الحقائق. فأنت الآن مثلاً تقول: يد الفيل، وتقول: يد النملة، هنا يد وهنا يد، لكن هذه مختلفة عن هذه من كل الوجوه. وبناءً على هذا نقول: إن القدر المشترك بين اسم صفة الله واسم صفة العبد لا حقيقة له من حيث الواقع، وإنما هو قدر يقتضيه الاشتراك الذهني فقط، يعني: يمكن أن يوجد في الذهن أن هذه يد وهذه يد، لكن لا يوجد لها صورة وحقيقة معينة في ذهنك. ويمكن أن توجد في الخارج عند الاختصاص أي: عندما يكون يد الله أو يد المخلوق، فتقول: يد المخلوق وتعرف حقيقتها وتعرف طبيعتها، ويد الله تليق بجلاله لا تشبه يد المخلوق، ولا نعلم كيفيتها. فمجرد الاشتراك في الاسم لا يقتضي التماثل في المسميات، ولهذا ضرب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مثلاً في كتابه التدمرية بالجنة، فقال: الجنة ورد في النصوص الشرعية أن فيها نخلاً وفيها ثمراً وفيها فواكه، لكن لا تشبه شيئاً مما في الدنيا، فليست فواكه الجنة مثل فواكه الدنيا، وليس هناك تشابه أصلاً بينهما، ولهذا ورد عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ليس شيء في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. وهذه الأسماء معنى كلي في الذهن، أي: لا يمكن للإنسان أن يميزه إلا بالاختصاص، فإذا خصه فقال: ثمرة الدنيا أو ثمرة الآخرة، وهكذا الحال في كل الأسماء الكلية، فإن الأسماء الكلية لا وجود لها في الواقع، وقد يعبر بعض العلماء عن كلمة الواقع هذه فيقول: في الخارج، يعني: خارج الذهن، فيقولون: في الداخل يعني: داخل الذهن، وفي الخارج يعني: الواقع المعاش الذي يعايشه الناس. إذاً القدر المشترك هو المعنى الكلي الذي يؤخذ من مطلق الاسم، مثل عموم كلمة يد، أو عموم كلمة نزول، أو عموم كلمة علم، أو عموم كلمة وجه، لكن عند الاختصاص تتمايز وتختلف بشكل تام.

стр. 28

أقسام الألفاظ المشتركة في اللغة ودلالتها وقد وقع خلاف كبير عند هؤلاء في القدر المشترك في الأسماء ما هو؟ هل هو مقول بالاشتراك اللفظي، أو هو مقول كما يسمونه بالتواطؤ، أو هو مقول بالتشكيك؟ وهذه مصطلحات للكلمات العربية. فبعضها تقال بالاشتراك اللفظي، مثلاً كلمة عين، ممكن تفهم عين الإنسان، وممكن تفهم العين الجارية، وممكن تفهم الجاسوس، ويمكن أن تفهم أشياء متعددة مع أن الكلمة واحدة، فيعرفون الاشتراك اللفظي بأنه اللفظ الذي يدل على حقائق مختلفة وهو لفظ واحد. فالعين لفظ واحد، لكنها تدل على حقائق مختلفة تمام الاختلاف. كذلك (المشتري) تطلق على الإنسان الذي يشتري بضاعة من بائع، وتطلق على الكوكب، والفرق بين الكوكب وبين المشتري كشخص في الحقائق تماماً. وهناك اصطلاح آخر وهو التواطؤ، والتواطؤ هو الاسم الكلي الذي يدل على أنواع متعددة متفقة في الحقيقة، يمثلون له بكلمة إنسان، فكلمة إنسان كلمة كلية عامة تدل على أشخاص كثر، هذا إنسان وهذا إنسان وهذا إنسان، لكنها كلها متفقة في الحقيقة، أي: حقيقة الإنسان أن له جسداً وروحاً وعينين وأذنين، لكن هذا الإنسان يختلف عن هذا الإنسان، هذا زيد وهذا عمرو، وهذا محمد، وهذا خالد، وهذا فهد، وهكذا. هذا يسمى التواطؤ. والتواطؤ يقسمه بعض الأصوليين إلى قسمين: تواطؤ عام. وتواطؤ خاص. وهناك فرق بين التواطؤ العام والتواطؤ الخاص، وقد يسمون التواطؤ الخاص بالمشكك. ومعنى اصطلاح المشكك: اللفظ الذي يدل على أكثر من معان مختلفة في الحقيقة، لكن مقسمها واحد، وهناك فرق بين أن يكون حقيقتها واحدة وبين أن يكون مقسمها واحداً، مثل كلمة (الحيوان) تدل على أنواع متعددة لكن الحقيقة واحدة. لكن في المشكك الحقيقة ليست واحدة، بل هي حقائق مختلفة، لكن ليس مثل الاشتراك اللفظي، وهي أن الحقائق مختلفة كلياً بحيث إن هذا له معنى مختلف عن المعنى الآخر، وهذه الحقائق المختلفة لها معنى، كل واحد يمكن أن يفهم فهماً من خلال الاسم العام والمطلق. فإطلاق الصفات سواء إطلاقاً عاماً هكذا هي من جنس المشكك وليست من جنس الاشتراك اللفظي، ولهذا جمهور المعطلة من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم يعتقدون أن إطلاق هذه الأسماء من جنس المشكك كما سبق، لكنهم ينفونها لاعتقادهم أن هذا يدل على التماثل ولا بد، ونحن نقول: إنه لا يدل على التماثل وإنما هو معنى عام مشترك يتمايز في الحقائق. وانحرف بعضهم انحرافاً كبيراً جداً في هذه المسألة فقال: إن إطلاق هذه الأسماء هي من جنس الاشتراك اللفظي. وهذا يدل على أن الذي يؤمن بهذه القضية سيدخل في فوضى كبيرة من خلال تفكره في هذا الاشتراك اللفظي. ونحن قلنا: إن الاشتراك اللفظي هو الكلمة التي تستخدم في حقائق متعددة، يعني: العين الباصرة غير العين الجارية من كل وجه، يعني: ليس هناك قدر مشترك بينها أبداً، فهي مختلفة من كل وجه، وإنما اتفقت في الحروف (ع ي ن). وأما اتفاق أسماء صفات الله مع أسماء المخلوقين فهي ليست من هذا الباب، وإنما هي من باب الاتفاق في قدر مشترك ومعنى عام يختلف في الحقائق عند الإضافة، فيقال: هذه صفة المخلوق وهذه صفة الخالق، هذه صفة الله وهذه صفة العبد مثلاً، لأن القول بأنها من الاشتراك اللفظي يجعل الإنسان في متاهة وفي حيرة كبيرة، فعندما يقرأ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ماذا يفهم من كلمة الحي؟ يعني: ما دام أنه بالاشتراك اللفظي يمكن أن يكون معناها بعيداً كل البعد، ونحن خاطبنا الله بلغة العرب الواضحة البينة، وإنما يتضح معنى الآية من السياق. ولو أخذنا مثالاً واحداً وهو الوجود، فالله موجود والعبد موجود، لكن وجود الله ليس مثل وجود العبد، بل هو مختلف تماماً، لكن هذا وجود وهذا وجود، بمعنى: هذا ليس بمعدوم وهذا ليس بمعدوم أيضاً. والوجود له معنى عام يفهمه الإنسان، لكن هذا المعنى لا يمكن للإنسان أن يحدده بالنسبة لله ويجعلها مثل صفة المخلوق، وهذا هو التمثيل الذي حذر الله ونهى عنه. على كل حال هذه خلاصة هذه المسألة، وهي مسألة طويلة الذيل، وهذا هو المأزق الذي وقع فيه أهل الكلام سواء المعطلة منهم أو المشبهة، والحق هو ما سبق أن أشرنا إليه، ولهذا يرد كثيراً في كلام شيخ الإسلام ﵀ أن من لم يقل بالقدر المشترك فهو ينفي وجود الله . ومعنى كلامه أن من لم يقل بأن هناك قدراً مشتركاً بين وجود العبد ووجود الخالق، وأن هذا القدر المشترك لا يقتضي التماثل وإنما هناك تمايز من كل وجه إذا أضيفت إلى الخالق أو المخلوق؛ فإن هذا يقتضي ألا يثبت وجوداً أصلاً، أي: لا يثبت وجوداً حقيقياً لله . هذا ما يتعلق بقضية موقف السلف الصالح رضوان الله عليهم بشكل مجمل في إثبات الأسماء والصفات، فهم يثبتونها كما أثبتها الله وكما أثبتها رسول الله ﷺ ، وينفون ما نفاه الله أو نفاه عنه رسوله ﷺ .

стр. 29

تنوع تقسيم الصفات لاعتبارات مختلفة والصفات تنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتية، وصفات سلبية أو منفية. وهذه نأخذها من القاعدة: وهي إثبات ما أثبته الله وأثبته رسول الله، ونفي ما نفاه الله أو نفاه رسول الله ﷺ ، فهناك صفات أثبتها الله لنفسه وهناك صفات نفاها الله عن نفسه. والصفات الثبوتية كثيرة وهي الأصل، ولهذا أثبت الله لنفسه الحياة والعلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك، ونفى الله عن نفسه نفياً مجملاً كقوله : ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]. وكقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وكقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، فهذا النفي جاء مجملاً؛ لأن النفي التفصيلي ليس فيه شيء من الكمال والمدح، وإنما يكون الكمال بالإثبات التفصيلي والنفي المجمل، هذا بالإضافة إلى أن النفي ينبغي أن يتضمن إثبات كمال الضد، يعني: إذا نفينا عن الله مثلاً ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فذلك لكمال علمه وحياته وإحاطته بكل شيء. ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ:٣] يعني: لكمال علمه، فهو يعلم كل شيء، وهكذا. وتقسيمات الصفات الثبوتية كثيرة لأهل العلم، فهم يقسمونها باعتبار الدليل إلى صفات عقلية وصفات خبرية، والفرق بينهما أن الصفات العقلية يمكن الاستدلال عليها عقلاً بشكل مستقل، وأما الصفات الخبرية فهي التي لا يمكن أن يعرفها الإنسان إلا من الخبر. ومثال الصفات العقلية: العلم والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام. وهناك صفات خبرية مثل: النزول والاستواء والضحك ونحو ذلك هذه من الصفات الخبرية. وقد يقسمون الصفات الثبوتية باعتبار تعلقها بذات الله إلى قسمين: صفات ملازمة لذات الله لا تنفك عنه بوجه من الوجوه، وهي الصفات الذاتية مثل: الوجه واليدين والعلم والحياة ونحو ذلك. وهناك صفات تسمى الصفات الفعلية أو الصفات الاختيارية، وهي الصفات المتعلقة بإرادة الله إذا شاء فعلها وإذا شاء تركها، مثل النزول والاستواء والضحك والخلق ونحو ذلك، ويقسمون هذه الصفات إلى قسمين: صفات فعلية متعدية إلى الخلق وتشمل صفات الربوبية مثل الإحياء والإماتة والتدبير، وهناك صفات لازمة لله مثل الاستواء. فهذه التقسيمات كلها العبرة فيها بالمعنى، وإنما جاءت هذه التقسيمات من أجل التقريب العلمي عندما تقدمت العلوم وأصبح لا بد من تصنيف المسائل وتقسيمها. فالتقسيم في حد ذاته ليس خطأ، إنما الخطأ إذا كان مفهوم التقسيم ومعنى التقسيم فاسداً. يعني: عندما نقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، بعض الناس يقول: هذه بدعة، من أين أتيتم بهذا التقسيم؟ فنقول: البدعة تتعلق بما أخبر الله به أو أخبر عنه النبي ﷺ ، يعني: عندما نقول إن الله أخبر بهذا التقسيم يكون ذلك مبتدعاً، لأنا إذا قلنا: إن الله أخبر بهذا التقسيم بهذا الشكل المفصل فهذا كذب على الله وكذب على الرسول ﷺ ، لكن نحن نقول: إن هذه معان صحيحة وحقائق صحيحة، وهذا إخبار عنها بطريق التقسيمات، وهذا أمر متفق عليه في سائر العلوم، يعني: سواء فيما يتعلق بعلوم العربية أو العلوم الإنسانية عموماً، لا بد من تقسيم القضايا حتى يفهمها الإنسان ويدركها إدراكاً صحيحاً. أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، إنه على كل شيء قدير.

стр. 30

الأسئلة

стр. 31

حكم الدعوة إلى التقريب بين الأديان السؤال بعض الناس يدعو إلى ما يسمى بالتقريب بين الأديان، فما الحكم؟ الجواب لا شك أن التقريب بين الأديان بمعنى خلط الأديان بعضها مع بعض الذي هو وحدة الأديان؛ أن هذا كفر بالله رب العالمين، وأن هذه الفكرة عقيدة فاسدة لا يشك فيها أحد، لكن هناك أشخاص يدعون إلى ما يسمى الحوار بين الأديان. وكلمة (الحوار) كلمة فضفاضة يمكن أن يقصد بها معنى صحيح، ويمكن أن يقصد بها معنى فاسد، ولهذا لا يصح للإنسان أن يضع كلمة حوار موطن القبول مطلقاً، ولا يجعلها أيضاً موطن الرد مطلقاً، وبعض الناس عنده حساسية مباشرة يرى أن هذا المقصود به خلط الأديان، وهذا خطأ. لكن الحوار بحسب طريقة الحوار، إذا كان المقصود به دعوة أصحاب الأديان وبيان العقيدة الصحيحة لهم فهذا أمر مطلوب، وإذا كان غير ذلك فهذا أمر يحكم عليه بحسب حاله.

стр. 32

حكم تكفير المعين إذا ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام السؤال هل يحكم على شخص معين يدعي الإسلام بالكفر إذا ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام مثل موالاة الكفار ومحاربة المسلمين؟ الجواب أولاً: موالاة الكفار ليست ناقضة مطلقاً، وإنما هو بحسب ما يكون في عقيدة الإنسان الذي يوالي، فإذا كانت الموالاة بمجرد التشبه أو الحب لغير وصف الدين، مثلاً لأنه ظريف، لأنه لطيف، لأنه عالم، لأنه يحسن لعب الكرة، فهذا لا يعتبر كفراً مخرجاً عن الملة، وإنما هو كبيرة من الكبائر. أما الموالاة لأجل دينه، يعني: محبته لأجل دينه؛ فهذا هو الكفر المخرج عن الملة. وأيضاً ليست محاربة المسلمين مطلقاً كفراً، لكن إذا كانت لأنهم مسلمون فهذا كفر، أما إذا حاربهم مثلاً لأنه يريد أن يوسع أرضه مثلاً، فهذا ظالم وفاجر لكن لا يصل إلى درجة الكفر. أما إذا ارتكب الإنسان ناقضاً حقيقياً من نواقض الإيمان؛ فإنه عند الحكم عليه لا بد من وجود الشروط وانتفاء الموانع، يعني: لا يصح الحكم عليه مطلقاً، فهناك فرق بين الفعل والفاعل، فقد يأتي إنسان بناقض من النواقض لكن هو نفسه لا يكفر، ولا يخرج عن الإسلام لوجود مانع من الموانع. فـ حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وقع في ناقض عندما كتب إلى كفار قريش يخبرهم بقدوم النبي ﷺ إليهم، فهذا ناقض من النواقض، لكنه هو نفسه لم يكفر، لوجود مانع من الموانع وهو التأويل، ولهذا عذره النبي ﷺ . وهكذا الرجل الذي قال لأهله: (إذا أنا مت فأحرقوني، ثم ذروا رفاتي في الهواء، ثم قال: لئن قدر علي الله ليعذبنني عذاباً شديداً) فهو يعرف الله وهو يعظم الله ، بل إنه خائف من الله ، ووجه الكفر عنده أنه شك في قدرة الله، فهو ليس بكافر لعارض الجهل، فليس كل من وقع في كفر يكون كافراً، قد يكون لديه عذر كأن يكون جاهلاً -وليس الجهل عذراً في كل حال، وإنما هناك تفصيلات دقيقة عند أهل العلم- أو مكرهاً أو متأولاً أو نحو ذلك، فلا يصح للإنسان أن يكفر الأشخاص لمجرد أنهم تلبسوا بالكفر. ولهذا أريد أن أنبه إلى قضية مهمة جداً، وهي أن كثيراً من الشباب يتعجل وقد يصل به الحال أن يكفر عالماً من العلماء، لأن عالماً من العلماء يقول كلمة قد لا يؤيد المجاهدين -مثلاً- فيها، صحيح قد يكون مخطئاً، قد يكون ظالماً مثلاً بحسب قوله، قد يكون مبتدعاً؛ لكن التكفير خطير، فلا يصح للإنسان أن يتجرأ على تكفير أهل العلم، أو على تكفير هيئات معينة، أو جهات معينة. ولهذا نحن بحاجة إلى أن يكون طالب العلم عفيف اللسان، بل عليه أن يبتعد عن بعض الناس الذين يجلسون في مجالسهم فيتكلمون ويلوكون في أخبار بعض أهل العلم الذين يكون لهم مواقف أو آراء اجتهدوا فيها، نعم قد يكون بعضهم أخطأ فيها، لكن ليس كل خطأ كفراً، وليس كل من وقع في مسألة قد تكون هي كفر في ذاتها يكون كافراً، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحذر غاية الحذر من هذا. وهناك قاعدة مشهورة عند العلماء: الخطأ في العذر خير من الخطأ في العقوبة، بمعنى: أنك عندما تجد إنساناً مسلماً في الأصل ثم تلبس بكفر، ثم تخاف من تكفيره وتقول: هو مسلم عندي، وقد يكون هو كافراً في الحقيقة، فهذا الخطأ أخف بكثير من أن تطلق الكفر على إنسان قد يكون مسلماً، ولهذا فالتعجل والكلام بدون علم هو الذي يوصل الإنسان إلى كثير من الزلات. ولهذا ليس هناك أفضل من أن يكون الإنسان ملتزماً بالسنة، وعلى طالب العلم أن يكون عفيف اللسان بعيداً عن الوقيعة في أهل العلم، فالوقيعة في أهل العلم علامة شؤم على الإنسان. صحيح أن المخطئ لا نقبل قوله حتى ولو كان عالماً، ونحن أهل السنة والجماعة -ولله الحمد- لا نقلد قول عالم مخالف للدليل الصحيح الصريح الواضح، لكن إذا اجتهد عالم يجب أن يعذر، فإذا كان عالماً من أهل السنة ثم اجتهد في مسألة فلم يوفق في اجتهاده، فإن غاية ما هنالك أن يكون قد أخطأ فله أجر، أو قد تكون زلة من جنس الذنوب والمعاصي، وما لديه من الأعمال الفاضلة والطيبة يمحو الله بها هذه الزلة. إذاً: ينبغي أن يحذر الإنسان غاية الحذر، وأن يتأدب مع أهل العلم غاية الأدب.

стр. 33

حكم انتقاص قدر العلماء وتتبع زلاتهم السؤال يتردد أحياناً في مجتمع طلاب العلم -وللأسف الشديد- انتقاص قدر العلماء وطلاب العلم المتمكنين وتتبع زلاتهم حتى ولو كان العلماء مجتهدين؟ الجواب لا شك أنه خطأ كبير ومنقصة عظيمة أن يتجرأ الإنسان على أهل العلم، وأن يتكلم عليهم، وأن يذمهم، وعيب عليك أن تكون معروفاً بأنك سباب لأهل العلم، والعياذ بالله. السلف ذموا الروافض بكثير من الأمور، كان من أبرزها أنهم ممن يسب أصحاب النبي ﷺ ، فكيف تسب أشخاصاً من أهل العلم قد يكونون أقرب إلى الله منك، وأكثر عبادة منك. لكن كيف نجمع بين هذا وبين الكلام في أهل البدع ونصوص السلف الطويلة في ضرورة التحذير من أهل البدع؟ نقول: هناك فرق بين علماء أهل السنة وعلماء المبتدعة، فعلماء أهل السنة الأصل فيهم الثناء عليهم وقبول قولهم إلا إذا خالف الدليل الصحيح الصريح الواضح. وأما الذين ينصبون أنفسهم لبدعة مخالفة للسنة ويدافعون عنها ويهاجمون أهل السنة بسببها؛ فهذا لا يعني أن الإنسان يسبهم ويشتمهم، لأنه لا ينبغي للإنسان أن يتعود على السب أصلاً، لأن السب منقصة، ولم يكن السب في يوم من الأيام محموداً شرعاً، حتى على الكافر، وإنما يكون الرد وبيان الخطأ والتحذير منه بحسب حجمه، فالداعية إلى البدعة غير الذي لا يدعو إلى البدعة، والمؤثر غير الإنسان الذي لا يكون له تأثير، وهكذا بضوابط.

стр. 34

الكتب التي ينصح بقراءتها لطالب العلم المبتدئ السؤال أنا مبتدئ في قراءة العقيدة، فما هي الكتب التي تنصحون بقراءتها؟ الجواب المبتدئ في العلم سواء في دراسة العقيدة أو في غيرها عليه أن يبتدئ بتصحيح قراءته للقرآن حتى تكون قراءة صحيحة، ثم ينظر في حاله إن كان سيتفرغ للعلم ويشتغل به فيقرأ متناً صغيراً في العقيدة أو في الفقه أو في اللغة. ثم إذا انتهى منها وحفظها وأتقنها ينتقل إلى متن آخر، ثم إذا انتهى ينتقل إلى متن ثالث، وهكذا يستمر حتى يصل إن شاء الله إلى رتبة أهل العلم، مع الالتزام بالتقوى والإيمان والخوف من الله ودعاء الله ، والأدب والعفة. أما إذا كان شخصاً غير متفرغ للعلم كمن له تجارة يشتغل بها أو أسرة كبيرة يريد أن ينفق عليها وهو يريد أن يتعلم الأصول الأساسية؛ فهذا الإنسان عليه أولاً أن يتعلم قراءة القرآن حتى يتقنه، ولا يشترط في الإتقان أن يأخذ إجازة أو سنداً وإنما تكون قراءته صحيحة في التشكيل الإعرابي، وفي التجويد، أي: في الجملة، ولا يكون فيها لحن. ثم يأخذ كتب أهل العلم المعروفة في العقيدة، مثلاً كتاب التوحيد للشيخ الفوزان، وكتاب الإرشاد له، ويأخذ مثلاً بعض شروح الشيخ ابن عثيمين، مثل القول المفيد في كتاب التوحيد. ويقرأ ما يتيسر له من تفسير القرآن، ويشتغل بقراءة فتاوى أهل العلم حتى يعرف الحلال من الحرام، وإذا وقع في قضية أو حصلت عنده مشكلة أو مسألة لم يفهمها يسأل أهل العلم المتقنين المتخصصين فيها ليتفهمها.

стр. 35

كيفية الاستفادة من الدروس العلمية السؤال أنا طالب علم أحضر دروس ودورات علمية ومع ذلك لا أشعر بالفائدة العظيمة من تلك الدروس، وأشعر بأني لم أدرس بعض تلك العلوم؛ فما الطريقة المفيدة لتذكر العلم والاستفادة من الدروس العلمية؟ الجواب على الإنسان ألا يكتفي بالحضور، فإذا انتهى الدرس ذهب وحضر درساً آخر أو اشتغل بأمر آخر، فحينئذ تصبح الدروس بالنسبة له مثل المحاضرات ومثل قراءة الصحف ومثل قراءة الكتب، وإذا أصبحت الدروس العلمية بهذه الصورة لا يتقن الإنسان، وفعلاً يشعر بأنه تنتهي دورة وسنة وسنتان وهو يحضر دروساً لكنه غير مستفيد؛ لأنه لا يحفظ. فالعلم لا بد له من حفظ، ولا يشترط أن يحفظ مثلاً متناً، وإن حفظ فهذا خير، لكن على الأقل يحفظ أدلة من النصوص القرآنية والنصوص النبوية، ويحفظ أيضاً قواعد أهل العلم، ويحفظ تقسيمات المسائل بشكل دقيق، وحينئذ يكون طالب علم ويشعر أنه استفاد. لكن إذا كان يكتفي بالحضور ثم يخرج فلن يستفيد شيئاً كثيراً، هذا بالإضافة إلى أنه ينبغي أن يرتب جدوله ويجعل لنفسه مثلاً أوقاتاً للحفظ وأوقاتاً للقراءة وأوقاتاً لتكرار العلم، وهكذا بحيث إنه يستفيد.

стр. 36

حكم التسمي بالأسماء التي لم يثبت أنها أسماء لله تعالى السؤال هناك أسماء لله تعالى فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من يثبتها اسماً لله، ومنهم من يقول هي صفة فقط، وعلى المنع لا يجوز التسمي بهذه الأسماء؛ فهل هناك قاعدة في ذلك؟ الجواب هناك أسماء مجمع عليها أنها أسماء، وهناك أسماء اختلف العلماء في كونها أسماء لاختلافهم في ثبوت النص مثل اسم المحسن، أو في ثبوت الصيغة التي جاءت في النص هل هي اسم أو أنها صفة؟ فالخلاف في هذه المسألة خلاف يسير، ولا يترتب عليه إشكال كبير، وهو من جنس الاجتهاد في مسائل الفروع، وكذلك الحال فيما يتعلق بالصفات، وإنما يتميز صاحب العقيدة الصحيحة من غيره في باب أسماء الله وصفاته بالقاعدة في منهج إثبات الاسم أو نفيه، وفي منهج إثبات الصفة أو نفيها. هذا المنهج وهذه القاعدة هي التي يتميز بها صاحب العقيدة الصحيحة من دونه، فإذا اتفقوا في عقيدة واحدة ثم جاءوا إلى مواطن فيها إشكال بناءً على ما سبق أن أشرنا إليه من الاختلاف في ثبوت النص أو الاختلاف في دلالته وصيغته؛ فهذا الاختلاف ليس فيه إشكال.

стр. 37

حكم تكفير الخوارج السؤال في حاشية فتح المجيد يقول الشيخ محمد حامد الفقي: (وقد شهد النبي ﷺ للخوارج بكثرة الصلاة والصيام وقراءة القرآن المشحون بلا إله إلا الله، ومع ذلك فقد حكم عليهم بالكفر). اهـ. هل قوله ﷺ : (يمرقون من الدين)، وقوله ﷺ : (لو أدركتهم لقتلتهم قتل عاد) دليل على أن الخوارج -كما ذكر في الحاشية- كفار؟ الجواب الخوارج أنواع وليسوا نوعاً واحداً، فمنهم من وقع في الكفر فعلاً، ومنهم من ليس كذلك. فالخوارج الأوائل الذين خرجوا على علي ﵁ كانوا يكفرون مرتكب الكبيرة ولم يكفرهم علي ﵁ ولا الصحابة الذين معه، ولهذا لم يأخذوا أموالهم غنائم في وقعة النهروان، ولم يرتبوا عليهم أحكام الكفر مطلقاً. وحديث: (يمرقون من الدين) هو وصف عام للخوارج، فيحتمل أن يكون من نصوص التكفير إذا وقعوا في الكفر أو من نصوص الوعيد، ولهذا عندما سئل الإمام أحمد ﵀ عن الخوارج: هل هم كفار؟ اكتفى بقوله: (يمرقون من الدين) يعني: لم يزد على ذلك! ولهذا فتكفير مرتكب الكبيرة في حد ذاته ليس مبرراً للقول بأن الخوارج كفار، لكن من الخوارج من يكون لديه من العقائد الكفرية مثل إنكار السنة النبوية بناءً على أن الصحابة كفار إلا مجموعة بسيطة منهم، وهكذا. وهؤلاء لا شك أنهم وقعوا في الكفر.

стр. 38

حكم تلقي العقيدة من الإجماع السؤال هل يعتبر الإجماع مصدراً أساسياً في تلقي العقيدة؟ الجواب الإجماع عموماً من مصادر التشريع؛ لأن الشرع من القرآن والسنة دل على أن الإجماع حجة، لأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة.

стр. 39

حكم الكتب التي تتكلم في المغيبات وأشراط الساعة السؤال انتشر في الآونة الأخيرة بعض الكتب مثل كتاب عمر أمة الإسلام، وكتاب هرمجدون، فما رأيكم فيها؟ الجواب مع الأسف أن كثيراً من الناس عندما ينظر إلى الواقع المؤلم للمسلمين يبدأ يشتغل بالقراءة في كتب الفتن وأشراط الساعة وأخبار آخر الزمان فيقع عند قراءته هذه في زلات، إما أن يتعطل عن العمل وينتظر المهدي، وإما أن يدعي في إنسان أنه المهدي وهو ليس كذلك، وإما أن يحاول أن يطبق هذه النصوص التي يقرأها على الواقع، فيقول مثلاً: السفياني هو فلان، والذي يأتي وينقض الكعبة فلان، ومعركة هرمجدون ستقع بعد فترة وقدرها كذا، وهكذا. وهذه الطريقة ليست بطريقة مشروعة؛ لأن تنزيل أخبار النبي ﷺ على الواقع هي من جنس الظن الذي ليس عليه دليل، والظن كما تعلمون هو أكذب الحديث، ولا ينبغي للإنسان أن يشتغل بهذا. والحقيقة أن من الخطأ اشتغال كثير من الناس بما يتعلق بالنبوءات، سواء نبوءات أهل الكتاب أو نبوءات المسلمين؛ نعم يمكن لنا أن نقرأ مثل هذه الأشياء وأن نستفيد منها، وأن نفكر في المستقبل، لكن من الخطأ الكبير أن يحاول الإنسان أن يطبق ذلك، ولذلك تجد مثلاً من يقول: إن أمريكا ضربت العراق من أجل سببين: الأول: النفط، وهذا ليس مشكلاً. والثاني: من أجل جبل الذهب الذي يظهر عند انحسار نهر الفرات. نعم الحديث صحيح، لكن هو خرافة بالنسبة أمريكا، لأن أمريكا أصلاً لا تؤمن بالحديث ولا فكرت في الحديث، وإنما لها مبررات أخرى تفيدها هي في ذاتها وفي شخصها. فالاشتغال بمثل هذه القضايا لا يفيد الإنسان، بل ينبغي على الإنسان أن يبتعد عن مثل هذه الأمور.

стр. 40

حكم نشرات الأحوال الجوية في الأخبار السؤال ما حكم ذكر الأحوال الجوية في نشرة الأخبار والتي يذكر فيها درجات حرارة اليوم الثاني بجزم ويقين؟ الجواب إن كان يحكم بجزم ويقين فهذا ظالم لنفسه، فهو يدعي ما ليس له به علم، لكن إن كان يقول: من المتوقع مثلاً أن يحصل كذا وكذا؛ فهذا لا إشكال فيه، لأنهم يبنون هذا التوقع على دراسات علمية مرتبطة بأمور كونية ليس هناك إشكال فيها. لكن يكون هذا الإنسان مخطئاً إذا جزم وقال: سيكون غداً كذا وكذا.
следующие страницы →