← Акыда

Акыда · id 37795

دراسة موضوعية للحائية ولمعة الاعتقاد والواسطية

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (363 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حكم التسمي بالأسماء التي لم يثبت أنها أسماء لله تعالى السؤال هناك أسماء لله تعالى فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من يثبتها اسماً لله، ومنهم من يقول هي صفة فقط، وعلى المنع لا يجوز التسمي بهذه الأسماء؛ فهل هناك قاعدة في ذلك؟ الجواب هناك أسماء مجمع عليها أنها أسماء، وهناك أسماء اختلف العلماء في كونها أسماء لاختلافهم في ثبوت النص مثل اسم المحسن، أو في ثبوت الصيغة التي جاءت في النص هل هي اسم أو أنها صفة؟ فالخلاف في هذه المسألة خلاف يسير، ولا يترتب عليه إشكال كبير، وهو من جنس الاجتهاد في مسائل الفروع، وكذلك الحال فيما يتعلق بالصفات، وإنما يتميز صاحب العقيدة الصحيحة من غيره في باب أسماء الله وصفاته بالقاعدة في منهج إثبات الاسم أو نفيه، وفي منهج إثبات الصفة أو نفيها. هذا المنهج وهذه القاعدة هي التي يتميز بها صاحب العقيدة الصحيحة من دونه، فإذا اتفقوا في عقيدة واحدة ثم جاءوا إلى مواطن فيها إشكال بناءً على ما سبق أن أشرنا إليه من الاختلاف في ثبوت النص أو الاختلاف في دلالته وصيغته؛ فهذا الاختلاف ليس فيه إشكال.

стр. 37

حكم تكفير الخوارج السؤال في حاشية فتح المجيد يقول الشيخ محمد حامد الفقي: (وقد شهد النبي ﷺ للخوارج بكثرة الصلاة والصيام وقراءة القرآن المشحون بلا إله إلا الله، ومع ذلك فقد حكم عليهم بالكفر). اهـ. هل قوله ﷺ : (يمرقون من الدين)، وقوله ﷺ : (لو أدركتهم لقتلتهم قتل عاد) دليل على أن الخوارج -كما ذكر في الحاشية- كفار؟ الجواب الخوارج أنواع وليسوا نوعاً واحداً، فمنهم من وقع في الكفر فعلاً، ومنهم من ليس كذلك. فالخوارج الأوائل الذين خرجوا على علي ﵁ كانوا يكفرون مرتكب الكبيرة ولم يكفرهم علي ﵁ ولا الصحابة الذين معه، ولهذا لم يأخذوا أموالهم غنائم في وقعة النهروان، ولم يرتبوا عليهم أحكام الكفر مطلقاً. وحديث: (يمرقون من الدين) هو وصف عام للخوارج، فيحتمل أن يكون من نصوص التكفير إذا وقعوا في الكفر أو من نصوص الوعيد، ولهذا عندما سئل الإمام أحمد ﵀ عن الخوارج: هل هم كفار؟ اكتفى بقوله: (يمرقون من الدين) يعني: لم يزد على ذلك! ولهذا فتكفير مرتكب الكبيرة في حد ذاته ليس مبرراً للقول بأن الخوارج كفار، لكن من الخوارج من يكون لديه من العقائد الكفرية مثل إنكار السنة النبوية بناءً على أن الصحابة كفار إلا مجموعة بسيطة منهم، وهكذا. وهؤلاء لا شك أنهم وقعوا في الكفر.

стр. 38

حكم تلقي العقيدة من الإجماع السؤال هل يعتبر الإجماع مصدراً أساسياً في تلقي العقيدة؟ الجواب الإجماع عموماً من مصادر التشريع؛ لأن الشرع من القرآن والسنة دل على أن الإجماع حجة، لأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة.

стр. 39

حكم الكتب التي تتكلم في المغيبات وأشراط الساعة السؤال انتشر في الآونة الأخيرة بعض الكتب مثل كتاب عمر أمة الإسلام، وكتاب هرمجدون، فما رأيكم فيها؟ الجواب مع الأسف أن كثيراً من الناس عندما ينظر إلى الواقع المؤلم للمسلمين يبدأ يشتغل بالقراءة في كتب الفتن وأشراط الساعة وأخبار آخر الزمان فيقع عند قراءته هذه في زلات، إما أن يتعطل عن العمل وينتظر المهدي، وإما أن يدعي في إنسان أنه المهدي وهو ليس كذلك، وإما أن يحاول أن يطبق هذه النصوص التي يقرأها على الواقع، فيقول مثلاً: السفياني هو فلان، والذي يأتي وينقض الكعبة فلان، ومعركة هرمجدون ستقع بعد فترة وقدرها كذا، وهكذا. وهذه الطريقة ليست بطريقة مشروعة؛ لأن تنزيل أخبار النبي ﷺ على الواقع هي من جنس الظن الذي ليس عليه دليل، والظن كما تعلمون هو أكذب الحديث، ولا ينبغي للإنسان أن يشتغل بهذا. والحقيقة أن من الخطأ اشتغال كثير من الناس بما يتعلق بالنبوءات، سواء نبوءات أهل الكتاب أو نبوءات المسلمين؛ نعم يمكن لنا أن نقرأ مثل هذه الأشياء وأن نستفيد منها، وأن نفكر في المستقبل، لكن من الخطأ الكبير أن يحاول الإنسان أن يطبق ذلك، ولذلك تجد مثلاً من يقول: إن أمريكا ضربت العراق من أجل سببين: الأول: النفط، وهذا ليس مشكلاً. والثاني: من أجل جبل الذهب الذي يظهر عند انحسار نهر الفرات. نعم الحديث صحيح، لكن هو خرافة بالنسبة أمريكا، لأن أمريكا أصلاً لا تؤمن بالحديث ولا فكرت في الحديث، وإنما لها مبررات أخرى تفيدها هي في ذاتها وفي شخصها. فالاشتغال بمثل هذه القضايا لا يفيد الإنسان، بل ينبغي على الإنسان أن يبتعد عن مثل هذه الأمور.

стр. 40

حكم نشرات الأحوال الجوية في الأخبار السؤال ما حكم ذكر الأحوال الجوية في نشرة الأخبار والتي يذكر فيها درجات حرارة اليوم الثاني بجزم ويقين؟ الجواب إن كان يحكم بجزم ويقين فهذا ظالم لنفسه، فهو يدعي ما ليس له به علم، لكن إن كان يقول: من المتوقع مثلاً أن يحصل كذا وكذا؛ فهذا لا إشكال فيه، لأنهم يبنون هذا التوقع على دراسات علمية مرتبطة بأمور كونية ليس هناك إشكال فيها. لكن يكون هذا الإنسان مخطئاً إذا جزم وقال: سيكون غداً كذا وكذا.

стр. 41

حقيقة منهج الحداثة السؤال ما هي الحداثة؟ ومتى بدأت؟ الجواب الحداثة منهج فكري نشأ في الغرب مبني على أن الحياة الحديثة أفضل من القديمة، وأنه لا يمكن للإنسان أن يتوصل إلى حياة حديثة حتى يهدم القديم، فيبني المجتمع الحديث على المجتمع القديم. ومعنى يهدم القديم: أن يهدم أديانه وقيمه وأخلاقه ويهدم عاداته وتقاليده، ويهدم كل شيء فيه، وحينئذ نستطيع أن نبني مجتمعاً جديداً، فإذا بنيناه ثم استمر فترة فيصبح هذا القديم يجب أن نهدمه ونبني مجتمعاً جديداً آخر، ثم يصبح هذا بعد فترة مجتمعاً قديماً ويجب أن نهدمه لنبني مجتمعاً آخر، ويعتبرون هذا هو التحديث وأن هذا هو الأصلح للإنسانية، وأن هذا هو الأفضل، وأن هذا هو مقتضى تحكيم العقل واستعماله، ولا شك أنه خرافة، فهناك حقائق مطلقة ويقينية وثابتة ومستمرة إلى أن يموت الإنسان. لكن هؤلاء أرادوا معارضة طبيعة الحياة، ومعارضة الأديان عموماً، ومعارضة الأخلاق، فليست هناك قيم أخلاقية مطلقة، يعني: الصدق ليس ممدوحاً دائماً عندهم، وإنما يمكن في المجتمع الحديث أن يكون الكذب هو الأصل، وأن يكون الصدق منقصة للإنسان ومذمة له، وهكذا بالنسبة لبقية الأخلاق الأخرى. وهم يتخذون من الأدب ستاراً يتغطون به حتى ينفذوا إلى المجتمع من خلاله، وإلا فهو منهج فكري متكامل كما يعبرون عن ذلك.

стр. 42

دراسة موضوعية [٣] الكتاب والسنة هما المصدران الوحيدان اللذان تؤخذ منهما الأسماء والصفات، ويستوي في ذلك آيات القرآن وصحيح السنة، سواء كانت متواترة أو آحاداً، ومنهج أهل السنة والجماعة أن ظواهر النصوص الواردة في الصفات مرادة ما لم يكن في ظاهرها مشابهة للمخلوق، وهذا لا يمكن أن يكون؛ فهي لا تقتضي المماثلة بأي وجه من الوجوه، وبذلك يتميز منهج أهل السنة والجماعة عن مناهج الفرق الضالة الأخرى.

стр. 43

من آداب الطالب في نفسه أن يعلم أن العلم عبادة قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه حلية طالب العلم: [الفصل الأول: آداب الطالب في نفسه. الأول: العلم عبادة، أصل الأصول في هذه الحلية بل ولكل أمر مطلوب علمك بأن العلم عبادة، قال بعض العلماء: العلم صلاة السر، وعبادة القلب]. هذه المقدمة التي بدأ بها الشيخ في آداب الطالب مع نفسه هي مقدمة مهمة جداً؛ لأن فيها تحديد الهدف من طلبنا للعلم، هل نحن نريد أن نطلب العلم لأننا نجد متعة في طلب العلم؟! أما أننا نطلب العلم من أجل أن يشار إلينا بالبنان وأن نمدح في المجالس وأن نكون فصحاء في كتابتنا ومقالتنا، أو من أجل أن يتخرج الإنسان بدرجة علمية معينة أو أي غرض من أغراض هذه الدنيا الحقيرة الدنيئة؟! ولهذا لا بد لطالب العلم منذ أن يضع قدمه على هذا الطريق أن يحدد الهدف الأساسي من طلبه للعلم، فإنه إذا فهم أن طلب العلم عبادة فإنه سيقوم بحق هذه العبادة، وهو أن يفرد هذه العبادة لله ، فلا يطلب العلم لأي غرض من أغراض الدنيا، بل يعطي هذا العلم حقه من حيث الاهتمام بمعرفة المنهج الشرعي الرباني في هذا العلم، وهكذا يترتب على تحديد هذا الهدف قضايا كثيرة، وخصال كثيرة، وآداب كثيرة، وإرادات كثيرة، ولهذا ينبغي للإنسان دائماً أن يستحضر في طلبه للعلم في كل أحواله أنه يؤدي عبادة لله ، وينبغي عليه أن يحتسب ذلك عند الله فإن له به أجراً، وله عند الله درجة، فهو مثل العابد الذي يصوم، ويصلي، ويزكي، ويتصدق ونحو ذلك، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) وهكذا طلب العلم عندما يتعب الإنسان نفسه بطلب العلم يكون عابداً لله ، لكن بشرط أن يكون مخلصاً لله وأن يبتغي بذلك وجه الله ، وأن يجتهد غاية الاجتهاد في تخليص نيته وإرادته من الشوائب الدنيوية الحقيرة.

стр. 44

إخلاص النية لله في طلب العلم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعليه فإن شرط العبادة الأول: إخلاص النية لله ، لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] الآية، وفي الحديث الفرد المشهور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات) الحديث. فإن فقد العلم إخلاص النية انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات، ولا شيء يحطم العلم مثل الرياء، رياء شرك أو رياء إخلاص، ومثل التسميع بأن يقول مسمعاً: علمت وحفظت]. هذه القضايا قضايا دقيقة جداً وحساسة، وينبغي للإنسان أن يتعامل معها بحساسيتها الموجودة؛ لأنه إذا جمعنا فضائل العلم سنجد أنها قوائم متعددة وكثيرة، لكن في نفس الوقت إذا جمعنا آثار تعلم العلم لغير الله سنجد أنها قوائم كثيرة أيضاً، فأفضل الناس هم أهل العلم، وأول من تسعر بهم الناس يوم القيامة ثلاثة: منهم رجل طلب العلم لغير الله ، فقارنوا بين هذا وبين هذا، الجميع عمل في مهنة واحدة وفي عمل واحد لكن الأول اشتغل بالعلم من أجل الله والدار الآخرة، ولهذا تضع له الملائكة أجنحتها وهو يسلك طريقاً إلى الجنة إلى آخر الفضائل المعروفة في طلب العلم. أما الآخر فهو أول من تسعر به النار والعياذ بالله، ويكون من حطب جهنم وحصبه، ولهذا ينبغي للإنسان أن يعتني بالنية غاية الاعتناء، ولهذا قال العلماء: إن الإخلاص من أصعب وأشق العبادات، وقد قال الشيخ هنا: (ولا شيء يحطم العلم مثل الرياء رياء الشرك أو رياء إخلاص) فرياء الشرك هو أن يطلب العلم من أجل أن يمدح ويثنى عليه بشكل صريح وواضح، ورياء الإخلاص هو التظاهر بالإخلاص لكن لغير الله حتى يقال: مخلص، وهنا تكون المشكلة، فينبغي للإنسان أن يجتهد في تصحيح نيته وتصفيتها قدر ما يستطيع. أما التسميع فهو أن يقول مسمعاً: علمت وحفظت، يعني: عندي علم قدره كذا وحفظ قدره كذا، يحاول أن يظهر علمه للناس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعليه فالتزم التخلص من كل ما يشوب نيتك في صدق الطلب؛ كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلماً لأغراض وأعراض، من جاه، أو مال، أو تعظيم، أو سمعة، أو طلب محمدة، أو صرف وجوه الناس إليك، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية أفسدتها، وذهبت بركة العلم، ولهذا يتعين عليك أن تحمي نيتك من شوب الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمي الحمى]. هناك علامات مميزة للعالم الرباني عن عالم السوء، لكن كيف يمكن للإنسان أن يميز بين العالم الرباني والعالم السوء؟ وكيف يمكن لنا حتى ولو كنا من العوام أن نميز بين الاثنين؟ لأن كثيراً من الناس يقول: إن محاولة التفريق بين العالم الرباني وعالم السوء أن هذا يوقع الناس في حرج، فالناس قد ترى الرجل يتكلم ويحسن الكلام، ويكون كلامه رائعاً وممتازاً ومؤثراً ثم يأتي أشخاص فيقولون: إن هذا الإنسان مثلاً من علماء السوء، وهذا يجعل الأمة تتخبط، والحقيقة أنه لا داعي للتخبط، فإن الفرق بين العالم الرباني وعالم السوء مثل الفرق بين الطائع والمخلص، والمؤمن وبين الفاسق والمنافق والضال، فهذا له علامات يعرف بها، وذاك أيضاً له علامات يعرف بها، فمن هذه العلامات إخلاص النية لله . قد يقول قائل: النية عمل قلبي كيف يمكن لنا أن نميز بين إنسان مخلص لله ، وإنسان غير مخلص لله تعالى؟ فنقول: نحن لم يطلب منا أن نفتش عما في قلوب الناس، بل إنه لا يجوز للإنسان أن يحكم على نية أحد من الناس هكذا دون بينة، لكن مع هذا هناك قرائن تدل على أن هذا الإنسان صادق أو ليس بصادق كما قال الله عن المنافقين: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]، فجعل لحن القول من الإشارات والقرائن والدلائل التي تظهر من خلال كلماتهم، وقد تكون كلمات نادرة وقليلة تفصح عن حقيقة هذا الإنسان، والمتكلم بشكل دقيق، لكن لا يصح للإنسان أن يتهم الناس لظنه أن هذا من لحن القول، فهذه مسألة حساسة ينبغي للإنسان أن يكون فيها دقيقاً، وهو أمر دقيق جداً قد يخوض الإنسان فيه بالباطل، فينبغي للإنسان أن يكون دقيقاً بعيداً عن القدح في الناس، لكن هذا لا يعني ألا نميز بين الإنسان الذي يتكلم بحق وبعدل، وسيرته وطريقته تدل على ذلك، وبين الآخر المختلف عنه في ذلك كله.

стр. 45

نهي العلماء عن الطبوليات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وللعلماء في هذا أقوال ومواقف بينت طرفاً منها في المبحث الأول من كتاب (التعالم) ويزاد عليه: نهي العلماء عن الطبوليات، وهي المسائل التي يراد بها الشهرة]. ونحن نجد مع الأسف أن بعض طلاب العلم بدل أن يشتغل ببناء نفسه علمياً في أنواع العلوم الشرعية في الفقه وفي العقيدة وفي الحديث وفي اللغة أو علوم الآلة مثل اللغة والمصطلح وأصول الفقه، تجده يشتغل بما يسمى بالطبوليات، وهي المسائل المشهورة، فتجد البعض مثلاً ينظر ما هي المسائل المشهورة عند طلاب العلم في جدة، قالوا: والله المسائل المشهورة عند طلاب العلم في جدة خمس مسائل يتردد الكلام عليها في المجالس، فيأتي إلى هذه المسائل الخمس ثم يجمع عشرات الكتب، ويحفظ ما يستطيع منها، ثم يأتي ويتصدر المجالس ويقول: هذه المسألة فيها كذا، وهذه المسألة فيها كذا، وقال فلان في هذه القضية كذا، وقال فلان كذا، وقال فلان كذا، علماً أنه لو خرج عن هذه الخمس المسائل إلى مسائل واضحات من الشريعة فإنه لا يجيد منها شيئاً، وهذه مشكلة! فهذه الطريقة التي يستخدمها بعض الناس ليست طريقة منهجية وصحيحة، بل هي علامة ضعف، فينبغي للإنسان أن يبتعد عن هذا النوع من المسائل، وعليه أن يبني نفسه مثل ما يبني البيت، بأن تأتي وتضع له أساساً ثم تبنيه بناء دقيقاً وتضع له أعمدة ثم تبنيه، وهكذا الإنسان يبني نفسه علمياً، ولذلك لو أن إنساناً تعلم جزئيات من العلوم الطبيعية لا يقال له: إنه عالم إلا إذا أخذ العلم بأصوله وبطريقته السليمة والصحيحة.

стр. 46

التعلق بالدنيا يذهب نور العلم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قيل: زلة العالم مضروب لها الطبل. وعن سفيان رحمه الله تعالى أنه قال: كنت أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة سلبته]. سفيان هو الثوري، وقوله: (كنت أوتيت فهم القرآن) يعني: أعطاني الله فهماً في القرآن واستنباطه، مع أن فهم القرآن الفهم الصحيح لا يحده حد؛ لأن كلام الله فيه من الكنوز والفوائد والمعاني ما عرفه الناس، وهناك الكثير مما لم يعرف، ولهذا يقول: (أوتيت فهم القرآن) يعني: حسن تدبر القرآن وحسن تنزيل القرآن على المسائل، وعلى أحوال النفس وعلى الناس. قوله: (فلما قبلت الصرة) هي: الوعاء الذي يكون فيه نقود، ويقصد بذلك أنه لما قبل الصرة من حاكم من حكام زمانه قال: (سلبته) يعني: سلبت هذا الفهم. وهو يريد ﵀ أن يبين أن الإنسان إذا كان نزيهاً وبعيداً عن الدخول على السلاطين وبعيداً عن أخذ أعطياتهم، وبعيداً عن مجاملتهم، فإن الله يوفقه ويكون أقرب إلى الإخلاص، بينما إذا كان يقبل أعطيات السلاطين وهباتهم فإن هذا يجعل عينه كسيرة عندهم، فإذا رأى منكراً من المنكرات لا يستطيع أن ينكره، وبهذه الطريقة يضعف علمه، ويخفت وهج الإخلاص لديه. ومسألة الدخول على السلاطين مسألة دقيقة وحساسة وفيها تفصيل، فهي ليست مسألة مطلقة، فلا يقال: لا يصح الدخول على السلطان مطلقاً، أو يصح الدخول مطلقاً، وإنما يختلف الناس باختلاف قدراتهم وإمكاناتهم. والأصل في ذلك أنه إذا تحققت المصلحة الشرعية واستطاع الإنسان أن يدخل على السلطان وينصحه، ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، مع استخدام الأسلوب الطيب دون مجاملة في حد من حدود الله ، فإذا كان الوضع كذلك فإنه يجوز له أن يدخل عنده، بينما قد يوجد إنسان لا يتحمل مثل هذه الأشياء، ويخاف على نفسه أنه قد يجامل وقد يداهن في الحق، فمثل هذا لا ينبغي له الدخول. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فاستمسك رحمك الله تعالى بالعروة الوثقى العاصمة من هذه الشوائب؛ بأن تكون مع بذل الجهد في الإخلاص شديد الخوف من نواقضه، عظيم الافتقار والالتجاء إليه سبحانه. ويؤثر عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قوله: ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي! وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده: يا أبي! ما لك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء، وإذا وعظهم غيرك لا يبكون؟ فقال: يا بني! ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة. وفقك الله لرشدك آمين]. المقصود من هذا أن النائحة الثكلى -وهي النائحة التي أصابتها المصيبة- ليست مثل المستأجرة؛ لأن العرب قديماً كانوا يميزون بين العظماء وغير العظماء بأن العظيم هو الذي يكثر عليه البكاء ويشتد عليه النواح، وكلما كثر البكاء دل هذا على عظمته، ومكانته، وعدم استغناء الناس عنه، فكان بعضهم ربما استأجر نساء ينحن على والده أو أخيه أو نحو ذلك، فكان هناك بعض الناس يمتهن مثل هذا العمل، فقد تبكي وهي لا دخل لها بالقضية لا من قريب ولا من بعيد، وإنما تبكي من أجل المال، والناس الذين يأتون من الخارج لا يعرفون من القريبة له ومن المستأجرة. وعلاقة هذا الموضوع بكلام عمر بن ذر هو أن الإنسان الذي يتكلم وهو يشعر بكلامه يختلف عن الإنسان المستأجر الذي يتكلم من أجل أجرة ودنيا، وهذا نجده حتى على مستوى الخطباء، فتجد الخطيب الذي يتكلم وهو صادق فيما يقول ويتكلم عن حرقة ورغبة في إصلاح الناس ليس مثل الخطيب الذي يتكلم من أجل أن يبقى خطيباً، ومن أجل أن يكون له مكافأة لهذا المسجد أو نحو ذلك. فالإخلاص ليس له مثل أبداً، فينبغي للإنسان أن ينقب نفسه بشكل مستمر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثاني: الخصلة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة؛ محبة الله تعالى ومحبة رسوله ﷺ ، وتحقيقها بتمحض المتابعة، وقفو الأثر للمعصوم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]]. الخصلة الثانية مع الخصلة الأولى هما شرطان في كل عمل من العبادات، يعني: يشترط لها إخلاص النية، ومتابعة الرسول ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبالجملة؛ فهذان أصل هذه الحلية، ويقعان منها موقع التاج من الحلة]. فيا أيها الطلاب! هأنتم هؤلاء تربعتم للدرس، وتعلقتم بأنفس علق (طلب العلم)، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلانية، فهي العدة، وهى مهبط الفضائل، ومتنزل المحامد، وهي مبعث القوة، ومعراج السمو، والرابط الوثيق على القلوب عن الفتن، فلا تفرطوا]. إذاً النقطة الأولى هي: أن العلم عبادة، وأن العبادة يشترط لها الإخلاص والمتابعة، ومن أعظم الأهداف التي يبارك الله بها لطالب العلم أن يبارك له في علمه وفيما يكتبه، مثلاً: هذا الكتاب الصغير الذي كتبه الشيخ بكر أبو زيد أنا أعتقد أنه أفضل من مئات الآلاف من الكتب الموجودة التي نلاحظها في كثير من ال

стр. 47

قواعد مستنبطة من القاعدة العامة في باب الأسماء والصفات باب الصفات من أطول الأبواب التي تحدثت عنها الكتب الثلاثة إلى درجة أن من يسمع بأسماء هذه الكتب يتبادر إلى ذهنه مباشرة باب الصفات، ولذلك نجد كثيراً من المشايخ عندما يريدون أن يوصوا طلابهم بكتب أهل العلم يقولون: اقرءوا كتابين: كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وكتاب الواسطية في توحيد الألوهية والصفات، مع أن الواسطية فيها مباحث عقدية أخرى غير باب الصفات مثل باب القدر، وباب الإيمان، والصحابة، وباب الغيبيات، لكن باب الصفات هو من أبرز هذه الأبواب التي توجد في هذه الكتب. وقد تحدثنا مسبقاً عن القاعدة العامة للسلف الصالح ﵏ في باب الصفات، وقلنا: إن القاعدة العامة هي إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ ، وهذه القاعدة العامة تتضمن كثيراً من المعاني والمسائل والقواعد التي يمكن أن تكون داخل هذا الشعار، وهذا الشعار الكبير لا يمكن أن نذكر كل ما يتعلق به، لكن يمكن ذكر أهم ما يتعلق بهذا الشعار.

стр. 48

الكتاب والسنة هما مصدرا الأسماء والصفات مصدر الأسماء والصفات هو الكتاب والسنة: لأن الأسماء والصفات من الأخبار التي لا تدخلها الأقيسة المجردة، بل هي من الأخبار التي تتلقى عن الصادق، وسبق أن قلنا إن تلقي الأخبار عن الصادق -وهو كتاب الله وسنة الرسول ﷺ لا يدل على أننا نؤمن بهذه الأسماء والصفات إيماناً مجرداً دون أن يكون للعقل مدخل فيها، ولهذا فالمعتزلة، والأشعرية، والماتريدية وغيرهم ممن يعظم العقل لم يسمهم أهل السنة بالعقلانيين، وإنما كانوا يسمونهم أهل الأهواء والبدع، فإن العقل اسم شريف، وممدوح في الكتاب والسنة، وهو أيضاً ممدوح عند كل الناس، فعندما يقال: فلان عاقل، وفلان غير عاقل، أي: الممدوح منهما العاقل، ولهذا نحن نقول: إن منهج أهل السنة هو المنهج العقلاني الوحيد الصحيح؛ لأن خالق العقل هو الله، ومنزل النقل هو الله، ولا يمكن أن يختلف ما خلقه الله مع ما أنزله، ولهذا استدللنا على ذلك بقول الله : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. فلا شك أنه أعلم بخلقه من غيره، لكن أهل البدع ظنوا أن النصوص الشرعية الموجودة في القرآن والسنة والتي جاءت في باب الغيبيات وبالذات في باب الصفات؛ ظنوا أنها مخالفة للعقل، وهذا ظن فاسد، فهي ليست مخالفة للعقل، فإن هذه النصوص مصدرها الأساسي القرآن، والقرآن عليه من الأدلة العقلية التي تثبت صدقه ما حصر لها، ولهذا سبق أن ذكرت أن نبوة النبي ﷺ يدل عليها أكثر من ألف دليل، منها: القرآن، فالقرآن دليل واحد، وهناك أدلة متعددة أخرى غير القرآن، وسبق أن ذكرت نماذج من الأدلة العقلية التي يمكن أن نستدل بها على أن هذا القرآن حق، ومن ثمَ على أن نبوة النبي ﷺ ، وبناء على هذا فكل ما يأتي في القرآن والسنة من المعاني -ومنها الأسماء والصفات- فهي معان حقيقية صادقة لا شك فيها، ليست بحاجة إلى تحريف أو تبديل أو تغيير هذا معنى من المعاني التي يمكن أن نأخذها من القاعدة العامة.

стр. 49

يقبل في باب الأسماء والصفات من الحديث ما يقبل في باب الأحكام سبق أن ذكرنا أن الأسماء والصفات كما أنها تؤخذ من القرآن الذي نقل بالتواتر من حيث الثبوت يمكن أن تأخذ أيضاً من السنة المنقولة بالتواتر وبالآحاد، وبناء على هذا فما يكون مقبولاً في باب الأحكام لا بد أن يكون مقبولاً في باب الأخبار وفي باب الأسماء والصفات وبقية العقائد؛ لأنه إذا تعبدنا الله ونحن أمرنا الناس أن يتعبدوا في الأحكام بأخبار الآحاد، فلا شك أن أخبار العقائد مثلها ولا فرق، ولهذا أرسل النبي ﷺ إلى الأقطار أفراداً يقررون لهم أصل الدين، وأساس الملة، وقاعدة التوحيد، ولم يرسل عدد التواتر، ولو كان عدد التواتر شرطاً في قضايا العقائد لاشترطه أهل الأقطار، ولأرسله رسول الله ﷺ قبل اشتراطهم؛ لكنه ليس بشرط، وأهم شيء هو أن يكون ثابتاً، وأن يكون النقل بإسناد صحيح، وأن لا يخالف ما هو أصح منه وأوثق منه.

стр. 50

التوافق الوارد في أسماء الله وأسماء صفاته مع أسماء المخلوقين وأسماء صفاتهم لا يقتضي التماثل من المعاني التي تدخل في هذه القاعدة ما سبق أن أشرنا إليه، وهو أن التوافق الوارد في أسماء الله وفي أسماء صفاته مع أسماء المخلوقات لا يقتضي التماثل، وإنما هو اتفاق في أسماء بينها قدر مشترك، هذا القدر المشترك إذا ذكرته على الإضافة لا يكون له حقيقة خارجية، وإنما حقيقته في الذهن فقط، فإن الذهن يربط بين المعاني برابط كلي عام لا يمكن أن يكوم موجوداً في الخارج إلا إذا أضفته، فاليد أو القدم أو العلم أو الوجود أو أي اسم من هذه الأسماء له معنى في الذهن، لكن إذا أضفته فقلت: يد الله، وعلم الله، ووجود الله اختلفت تماماً عن يد المخلوق، وعلم المخلوق، ووجود المخلوق؛ مع كونها تتفق في الاسم العام، وهذا الاتفاق لا يقتضي التماثل بأي وجه من الوجوه. كذلك نحن ننفي عن الله التشبيه، ولـ شيخ الإسلام ﵀ تحقيق دقيق جداً في هذه المسألة حيث قال ﵀: إن كلمة التشبيه كلمة مجملة، فإن أرادوا بالتشبيه التماثل فلا شك أنه ليس هناك تماثل بين أسماء الله وصفاته وبين أسماء المخلوقين؛ لأنه ليس هناك تماثل بين الخالق والمخلوق. أما إذا أرادوا بالتشبيه مجرد التشابه في الأسماء، فنحن لا ننفي هذا بل نثبته ونرى أن إثباته أساسي لفهم معاني أسماء الله وصفاته. ولهذا سبق أن ناقشنا مسألة الاشتراك في الألفاظ وقلنا: إنها قطعاً ليست من الأسماء المشتركة، مثل لفظ (العين) الذي يطلق على الجاسوس، ويطلق على العين الباصرة، ويطلق على العين الجارية، وهي كذلك ليست من التواطؤ الذي يجتمع في الحقيقة مثل لفظة (إنسان) الذي يوجد أفراده في الخارج، لكن حقيقته واحدة، وإنما قلنا: إنه يطلق بالتشكيك كما يسميه بعض أهل الأصول أو بالتواطؤ العام الذي يفهم منه المعنى الكلي العام، لكن لا وجود له في الخارج إلا مختصاً. وسبق أن قلنا: إن هذا يعتبر مأزقاً وإن هذه المسألة تعتبر من نقاط الارتكاز التي اختلف فيها أهل السنة مع المعطلة من جهة أخرى، فالمعطلة ظنوا أنه إذا قلنا: إن لله يداً، ولله وجهاً، ولله علماً، وإن لله صفات متعددة، وهذه الأسماء موجودة في المخلوقات؛ أن هذا يقتضي التماثل من كل وجه، ونحن نقول: لا يقتضيه، فقالوا: أنتم تكابرون! فقلنا لهم: إذا كان يقتضيه فلا بد أنكم -أيها المعطلة- تثبتون قدراً من أسماء الله أو من صفاته أو على الأقل وجوده، فالمعتزلة مثلاً ينفون صفات الله جميعاً ويثبتون الأسماء، فنقول لهم: كيف تثبتون الأسماء وبعض المخلوقين لهم أسماء كأسماء الله ، فالله هو العزيز ، والله يقول: ﴿وقَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١]، فهذا عزيز وذاك عزيز، فلماذا تعتبرون أسماء الله مختصة به، وأسماء المخلوقين مختصة بهم، والصفات لا تطبقون عليها القاعدة؟ هذا تناقض! وإذا كان المناقش والمجادل من الأشعريين الذين يثبتون لله سبع صفات عقلية: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، وينفون عن الله بقية الصفات الفعلية والصفات الخبرية الأخرى، نقول لهم: ما نفيتموه مثل ما أثبتموه، فإن قلتم: إن علم الله لا يشبه علم المخلوق، قلنا: وكذلك غضبه، وكذلك ضحكه، وكذلك نزوله، وكذلك بقية الصفات التي نفيتموها. فإن قلتم: إن هذا يليق بجلال الله، قلنا: وذاك أيضاً يليق بجلال الله. فإن قالوا: إن الغضب لا يفهم إلا من المخلوق، قلنا: وكذلك المخلوق عنده علم، والمخلوق عنده حياة، والمخلوق موجود! وهذا تناقض كبير؛ فهم في الحقيقة لم يحققوا هذه المسألة، ولم يبحثوها بشكل جيد، فاضطربوا فيها اضطراباً كبيراً، فلا يستطيعون القول بأن هذه الكلمات مطلقة من باب الاشتراك اللفظي، فجمهورهم يقولون: إنها من باب المتواطئ العام الذي سبقت الإشارة إليه. أما الرازي والآمدي فتجد أن هناك اضطراباً في كلامهم حول هذه المسألة، ومع ذلك لما قالوا بها شن عليهم عدد كبير من أهل السنة، وحتى من المتكلمين أنفسهم؛ بسبب أن هذا يقتضي أن لا نفهم شيئاً من صفات الله، وأن لا نفهم معاني أسمائه، وأنه يحتمل أن يكون لها معنى مختلف اختلافاً كلياً مائة بالمائة. وهذا لا يقول به عاقل، فإن الله خاطبنا بلغة واضحة وبينة، يمكن للإنسان أن يفهمها ويدركها ولهذا كان كتاباً مبيناً، وكان شفاءً وقد سبق أن وضحنا هذه القضايا بشكل تفصيلي.

стр. 51

كيفية التعامل مع ظواهر النصوص التي وردت في الصفات هنا قضية مهمة وهي قضية ظواهر النصوص التي وردت في الصفات هل ظواهرها مقصودة أو ليست مقصودة؟ أو هل هناك معان باطنية في هذه الظواهر ينبغي أن نبحث عنها، وننقب عنها، ونرد معاني أسماء وصفات الله إليها، وأن ننتقد كل من يفهم الظواهر التي تأتي في النصوص؟ لا شك أن منهج أهل السنة والجماعة هو أن ظواهر هذه الأسماء والصفات مرادة لكن بشرط إلا يكون ظاهرها مشابهة المخلوق، ولا يمكن أن يكون ظاهرها كذلك؛ لأن الله الذي أثبت لنفسه الصفات نفى عن نفسه مماثلة المخلوقات فقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وهذا استفهام إنكاري معناه: ليس له سمي. وقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]، وقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، فالله ليس له شبيه ولا مثيل. وبناء على هذا فكل ما نقرؤه في القرآن أو في السنة من أسماء الله ومن صفاته فهي على ظواهرها، لكن لا يجوز للمسلم أن يظن أن ظواهرها مماثلة المخلوقات، لكن قلوبهم اشتملت على الشبهات فإذا قرءوا آية من آيات الله في القرآن أو حديثاً من أحاديث النبي ﷺ ظنوا مباشرة أن هذا يقتضي المماثلة، فاتفقوا على أنها ليست على ظاهرها، ثم اختلفوا: هل نعين المعنى المراد بهذه النصوص، أم نكتفي بأن نقول: ليست على ظاهرها ونترك معانيها؟ فالقسم الأول: هم المعطلة المؤولة، والقسم الثاني: هم المعطلة المفوضة. فهم جميعاً اتفقوا على نفي مدلول معاني أسماء الله وصفاته عن الله ، ثم اختلفوا فيما يترتب على ذلك: مثلاً قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] يقولون: هذه قطعاً لا تدل على إثبات المجيء لله ، فلا يصح أن ننسب لله صفة المجيء؛ لأن المجيء من صفات المخلوق، والله مخالف للمخلوق، فلا نثبتها لله، ثم اختلفوا: هل نأتي بمعنى ملائم للآية وهو ما يسمى (التأويل) وهو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معنى مرجوح لوجود قرينة. والقرينة عندهم جميعاً هي أن هذه الظواهر تقتضي التمثيل، فالمؤولة قالوا: لا بد أن نحدد المعنى على سبيل التبرع، كما قال بذلك الرازي في القانون الكلي في كتاب له اسمه أساس التقديس؛ يقول: نحن نؤول هذه النصوص من باب التبرع، يعني: حتى يفهم الإنسان معانيها. وقالت المفوضة: نمرها كما جاءت. ثم فسروا آية آل عمران في المتشابه على نحو ما يريدون وبالطريقة التي يريدون، وسيأتي معنا إن شاء الله عند القراءة وقوع أحد علماء هذه الكتب الثلاثة وهو ابن قدامة ﵀ في خطأ لكنه خطأ جزئي وليس هو حقيقة مذهب المفوضة. ونحن نقول: لا شك أن هذه الظواهر على حقيقتها، وأن ظواهر هذه الأسماء والصفات لا تقتضي المماثلة بأي وجه من الوجوه. إذاً الطريقة التي ندرس بها العقيدة الآن تسمى: (طريقة التصحيح)، أعني: تصحيح المفاهيم العقدية مما خالطها من شوائب البدع؛ لأن هناك مدارس كلامية سابقة ألف علماؤها كتباً وانتشرت في الأمة، وصار لديها معاهد، ومدارس دينية، وظهر على أثر هذا علماء ينشرون هذه العقائد بشكل كبير، فاقتضى ذلك تصحيح العقيدة مما وقع حولها من الشوائب، وإلا فإن الواجب أن تكون دراستنا في الأسماء والصفات هي دراسة أثرها التربوي والإيماني على القلوب. ويدل لذلك أنه عندما جاء لقيط بن صبرة ﵁ إلى النبي ﷺ فسمع منه قوله: (يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره) (القنوط) هو: اليأس، (وقرب غيره) يعني: قرب انفراج هذا اليأس، فيضحك الله من ذلك لضعف العبد قال لقيط: (يا رسول الله! أيضحك الرب؟) ما كان يعرف هذه الصفة، قال: (نعم، قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً). فهو استفاد منها أثراً تربوياً وإيمانياً، يعني: هذا الرب الذي يضحك لا نعدم منه خيراً، فأثر في نفس لقيط بن صبرة أن ربه يضحك، واستفاد منه أثراً إيمانياً ضوعبادة إيمانية ضرورية عند أهل السنة وهي الرجاء. يعني: ينبغي للإنسان أن يرجوه وأن يطلب منه الخير مادام يضحك، وهذه من صفاته، ولم يخطر في بال لقيط بن صبرة ما يخطر في عقول المتكلمين في زماننا وفي الزمان الذي قبله، لم يقل: هل الضحك يقتضي أن يكون مماثلاً لضحك المخلوق؟ وهل يقتضي أن يكون هناك لهاة؟ وهل يقتضي أن يكون هناك أسنان؟ وهل يقتضي أن يكون هناك لسان مع الفارق بين الخالق والمخلوق؟ إذاً: لقيط لم يقس ربه على خلقه، وإنما عرف أن ربه مختلف، لكن له هذه الصفة التي تدل على معنى، فاستفاد من هذا المعنى، ولم يشبه ولم يمثل في صفته ، وأيضاً لم يدفعه ذلك لنفي هذه الصفة عن الله ، هـ

стр. 52

كلام ابن أبي داود في الحائية في وجوب التزام الكتاب والسنة في باب العقائد قال الشيخ أبو بكر بن أبي داود ﵀: [تمسك بحبل الله واتبع الهدى ولا تك بدعياً لعلك تفلح ودن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنج وتربح] هذه قاعدة عامة في باب الأسماء والصفات وفي غيره من الأبواب، وهي أن الالتزام بالكتاب والسنة هو الموصل إلى العقيدة الصحيحة في كل باب. وينبغي البعد غاية البعد عن البدع، والبدعة هي الاختراع في الدين والتقرب إلى الله بهذا الاختراع الذي يخترعه العبد، سواء في باب العلميات وهي العقائد أو في باب العمليات وهي العبادات. فليست البدعة هي مطلق الاختراع، وإنما الاختراع ما كان منسوباً إلى الدين وليس عليه دليل من الكتاب والسنة، فلا شك في كونه حينئذٍ من البدع. ونحن لا نسمي المصطلح مصطلحاً شرعياً إلا إذا كان هذا المصطلح في القرآن أو السنة؛ لأن الشرع هو كلام الله وكلام الرسول ﷺ ، فإذا كان هناك مصطلح معناه صحيح وليس فيه معان باطلة فهذا لا إشكال فيه، ولهذا لا يزال أهل العلم منذ زمن الصحابة يفصلون المسائل ويقسمونها، فأصول الفقه فيه تقسيمات، ومصطلح الحديث فيه تقسيمات، واللغة فيها تقسيمات وكذلك كافة العلوم. ومن الطبيعي أن الإنسان إذا كان لديه معنى من المعاني يمكن له أن يقسمه وأن يفصله وأن يسمي كل قسم من الأقسام باسم، وليس في التسمية مشكلة إذا كان المعنى صحيحاً، ولهذا لم ينكر السلف مصطلحات الفناء والكشف والجوهر والحيز والجهة على الصوفية والمتكلمين بسبب أنها مصطلحات جديدة، وإنما أنكروها لأنها تتضمن معاني تناقض المعاني الشرعية، فالسلف لم ينكروا مصطلح الفاعل والمفعول به والمفعول المطلق، والمرسل، والمقيد، والمعنعن، والمعلل أو المعل ونحو ذلك؛ لأن المعاني التي تضمنتها معان صحيحة، وإنما أنكروا المصطلحات التي تكون معانيها باطلة. وبهذا نعلم فساد قول من يرى أن مصطلح (العقيدة) مصطلح بدعي؛ لأن كلمة (العقيدة) لم ترد في الكتاب ولا في السنة، فأنتم بهذا قد وقعتم في بدعة! نقول: كلمة (العقيدة) أصلاً مأخوذة من عقد الحبل إذا وثقته، فالمقصود منه: هل عقدتم الأيمان، يعني: وثقتموها، فالعقد المقصود به التوثيق الذي يدل على معنى اليقين، فالمقصود أن ما يعتقده الإنسان ويوقن به يمكن تسميته عقيدة، فهل هذا يتضمن معنى فاسداً؟ لا يتضمن معنى فاسداً، ولهذا لا يصح الإنكار من هذه الزاوية، فهو إنكار ناقص، ويدل على ضعف علم عند مثل هذا الشخص.

стр. 53

شرح مقدمة لمعة الاعتقاد قال الشيخ الموفق ابن قدامة ﵀: [بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، له الأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٥ - ٧]، أحاط بكل شيء علماً، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً، ووسع كل شيء رحمة وعلماً: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم]. هذه المقدمة حسنة الاستهلال؛ لأنه بدأها بالحديث عن الله ، وعما يتعلق بأسمائه وصفاته.

стр. 54

شرح قوله: (وترك التعرض له بالرد) قال المؤلف ﵀: [وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن، وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل، والتشبيه والتمثيل]. قوله: (وترك التعرض له بالرد) يعني: أن يكذب الإنسان هذا الوحي، ولا شك أن تكذيب القرآن أو تكذيب شيء مما في القرآن كفر بالله رب العالمين، لكن الحقيقة أن الخطر على عقائد المسلمين ليس من المكذبين، لأنه يسهل على الإنسان أن يكتشف أمرهم وحالهم، فالذي يبارز أهل الدين العداء بشكل صريح وواضح فهذا لا إشكال فيه حيث يعرفه المسلمون، لكن المشكلة في الذي يقر بالألفاظ الموجودة في القرآن وفي السنة لكن يقول: إن معانيها ليست كما تقولون، وإنما لها معان أخرى، ثم يأتي بمعان مبتدعة، ثم يأخذ هذه الألفاظ الموجودة فيها ويلوي أعناقها، ويحرفها حتى تكون موافقة لهذا المعنى الجديد الذي جاء به. وهذا يعتبر من أخطر الأمور على المسلمين لأنه هو الذي فرق المسلمين وجعلهم شيعاً وأحزاباً، وهو المعنى الوارد في قول النبي صلى الله عليه وسم: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة)، يعني أمة الإجابة وهم المسلمون، وفي بعض الألفاظ: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، فبين أن الفرق تفترق، ولا يتصور من فرق تنتسب إلى الإسلام -وهم من المسلمين في الجملة- أن يكذبوا بالنصوص، وإنما المشكلة التي وقعوا فيها أنهم آمنوا بألفاظها وحرفوا معانيها، وسموا هذا التحريف اسماً لطيفاً جميلاً وهو التأويل، والحقيقة أن التأويل في المصطلح الشرعي يأتي بمعنيين: المعنى الأول: يأتي بمعنى التفسير. والمعنى الثاني: يأتي بمعنى حقيقة الشيء. فالتأويل في الاصطلاح الشرعي لا يكون إلا بهذين المعنيين، فالأول: معناه تفسير المعاني الموجودة ضمن هذه الألفاظ بما يقتضيه المعنى الشرعي الصحيح، والثاني: وهو حقيقة الشيء وذاته في نفس الأمر، ولهذا عندما كان يركع النبي ﷺ ويقول: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) قالت عائشة: (كان يتأول القرآن) يعني: يفسر القرآن بعمله، وذلك أن الله يقول: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، فتقول عائشة: إنه كان يتأول القرآن، يعني يفسر بفعله فيقول في ركوعه: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي). وأما حقيقة الشيء فهذا هو الذي سيأتي معنا إن شاء الله عند الحديث عن آية المتشابه في سورة آل عمران.

стр. 55

شرح قوله: وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه قال ابن قدامة: [وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه]. قوله: (وما أشكل من ذلك) يعني: ما كان من المتشابه، ولهذا فالنصوص الشرعية تنقسم إلى قسمين: محكم ومتشابه. المحكم: هو الواضح البين، ولهذا قال تعالى: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] يعني: هن أصل الكتاب وأساس الكتاب. قال: ﴿وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، المتشابهات هي التي تكون خفية الدلالة وغير واضحة المعاني. وهناك نصوص فيها إشكال، ونصوص اختلف العلماء فيها هل هي من نصوص الصفات أو ليست من نصوص الصفات، كالآية التي وردت في إثبات الساق ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] اختلف العلماء فيها هل تتضمن إثبات صفة الساق لله أو لا تتضمن؟ أما الصفة نفسها فقد دل عليها حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وعلى كل حال هذه الصفة بشكل خاص هي الصفة الوحيدة التي وقع فيها الخلاف، لكن الكلام في القاعدة العريضة العامة. ومن هنا فباب الصفات يعتبر من المحكم في أصله وفي قاعدته، لكن قد تكون بعض النصوص مورد إشكال، وتكون غير واضحة في الدلالة والمعنى، وحينئذٍ إذا وقعت مثل هذه النصوص نردها إلى المحكم، ولهذا انقسم الناس في التعامل مع المتشابه إلى فريقين: الفريق الأول: (الذين في قلوبهم زيغ) وهم الذين يتبعون المتشابه، يأخذون النص ويبترونه، ثم يوظفونه في الشيء الذي يريدونه من الأفكار والعقائد، وأما أهل العلم فإنهم إذا وجدوا النص المشكل ردوه إلى أساسه المحكم الواضح. قال ابن قدامة ﵀: [وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله اتباعاً لطريق الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]]. هذه الآية وهي آية المتشابه في سورة آل عمران اختلف أهل العلم في تفسيرها اختلافاً كبيراً، ولـ شيخ الإسلام ﵀ رسالة مستقلة في هذا الموضوع بعنوان: الإكليل في المتشابه والتأويل، وهي مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى الكبير. هذه الآية يقول الله في بدايتها: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، فإلى هذا الحد متفق عليه وليس فيه اختلاف، والمقصود بهذه الآية أن القرآن مشتمل على محكمات واضحات بينات هن أم الكتاب، (وأخر) يعني: نصوص أخرى فيها اشتباه وإشكال في المعنى، فينبغي أن ترد إلى المعنى المحكم. هناك خلاف دقيق لا يعنينا الآن في تفسير معنى المحكم، فبعضهم مثلاً يقول: المحكم هو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ، وبعضهم يقول: المحكم هو الواضح، والمتشابه هو غير الواضح المبهم، وبعضهم يرى أن المحكم هو الخاص، والمتشابه هو العام ونحو ذلك، لكن الذي يهمنا هو الفهم العام لهذه الآية. قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧]، يعني: أهل الأهواء ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧]، يعني: يذهبون إلى النصوص التي في معانيها إشكال ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران:٧] يعني: طلب الفتنة، والمقصود بالفتنة هو الشرك أو البدعة أو العقيدة الفاسدة عموماً ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] يعني ابتغاء حقيقته. فهؤلاء الذين في قلوبهم زيغ يريدون باتباعهم للمتشابه وإعراضهم عن المحكم يريدون الفتنة من جهة، ويريدون الوصول إلى حقيقة الشيء من جهة أخرى! لو قال قائل: لماذا لا يكون معنى ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] تفسيره؟ نقول: ليس في هذا ذم، يعني: لو كان المقصود أنهم يبتغون تفسير القرآن، فإن كل المسلمين يبتغونه، ولهذا أمرنا الله أن نتدبر القرآن فقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، ولا يمكن تدبر الآيات إلا بفهم تفسيره، ولهذا ذم الله الذين لا يتدبرون فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ ع

стр. 56

الأسئلة

стр. 57

أمثلة على الغلو في القول والاعتقاد السؤال يعرف العلماء الغلو بأنه الإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد بالعمل، فما مثال الغلو بالقول؟ الجواب الغلو بالقول مثل دعاء الرسول ﷺ ، يقول: يا رسول الله اغفر لي، والغلو في الاعتقاد كأن يعتقد أن الرسول ﷺ يعلم الغيب، والغلو في العمل مثل السجود لقبر أو نحو ذلك.

стр. 58

تنوع الغلو السؤال يرى العلماء أن الغلو تارة يكون شركاً وتارة يكون وسيلة إلى الشرك، فهل من تفصيل في ذلك؟ الجواب من الغلو مثلاً عبادة غير الله والطواف حول القبور، والذبح لغير الله، والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، ومن الغلو ما هو أقل من ذلك مثل تقبيل يد الفاضل أو التمسح ببعض الأماكن الفاضلة والمباركة لكن على غير وجهها الشرعي، فهذه من البدع وليست من الكفريات.

стр. 59

منزلة العمل من الإيمان السؤال بعض أهل العلم يقول: العمل جزء تكميلي في الإيمان، وليس من أصل الإيمان، فلو كان العمل من أصل الإيمان لكان ترك العمل ناقضاً من نواقض الإيمان، فما رأيكم في هذا القول؟ الجواب هذا القول مبهم، إذا كان المقصود بالعمل جزء العمل كأن يترك الإنسان بعض الأعمال الواجبة فهذا لا شك أنه لا ينقض الإيمان، لكن إذا كان المقصود ترك العمل بالكلية بحيث إنه لا يعمل شيئاً من أعمال الظاهر والباطن أو من أعمال الظاهر مطلقاً فلا شك أن هذا ينقض أصل الإيمان.

стр. 60

المقصود بقوله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم) السؤال ما هي تزكية النفوس في قوله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]؟ الجواب ليس المقصود بها النماء والطهارة، بل المقصود بتزكية النفس في هذه الآية الثناء عليها ومدحها.

стр. 61

حكم الإيمان بالأسماء والصفات بعيداً عن العقل السؤال أود أن أستفسر عن الإيمان بالأسماء والصفات هل هو إيمان مجرد عن العقل وليس له دخل فيه أو نؤمن بها مع العقل، وهل هذه العقيدة سليمة؟ الجواب هذا الكلام عام، إذا كان الأخ يقصد أن نؤمن بها مع العقل، أي: مع فهم معانيها؛ نقول: نعم لا بد أن نؤمن بها مع العقل، لكن إن كان يقصد أن يدرك الإنسان كل معانيها وحقائقها وكيفيتها؛ فلا شك أن هذا من علم الغيب الذي لا نعرفه، وإنما نؤمن بمعانيها العامة والإجمالية، فلا بد من تفصيل المعاني؛ لأن كلمة العقل قد تستخدم في معنى، وقد تستخدم في صيغه أخرى بمعنى آخر، فينبغي أن نتعود على تدقيق الألفاظ.

стр. 62

الأشاعرة ليسوا من أهل السنة السؤال هل الأشاعره الموجودون الآن هم من أهل السنة؟ الجواب لا شك أن الأشاعرة الآن وقديماً ليسوا من أهل السنة، فأهل السنة يختلفون عنهم تماماً، وهم يخالفون أهل السنة في أبواب متعددة: فيخالفونهم في الصفات، في مسائل الإيمان والتكفير، وفي مسائل القدر، وفي كثير من المسائل، والأشاعرة ليسوا كفاراً، بل هم من المسلمين لكنهم من أهل البدع.

стр. 63

حكم الطعن في عقائد بعض العلماء والفاتحين السؤال نرى بعض طلبة العلم يطعن في عقائد بعض العلماء مثل الحافظ ابن حجر وبعض رواد المسلمين والفاتحين مثل صلاح الدين الأيوبي، فما تعليقكم على هذا؟ الجواب لا شك أن الحافظ ابن حجر ﵀ كان من أهل السنة، ومن علماء السنة، لكنه أخطأ وزل في بعض المسائل العقدية في الصفات وفي غيرها، وكذلك صلاح الدين كان مجاهداً وصادقاً ونفع الله به المسلمين لكنه كان على طريقة الأشاعرة في الجملة، لكن ينبغي أن ننبه لعدة أمور: الأمر الأول: أنه في بعض الأحيان قد يكون الإنسان عالماً في الحديث أو في الفقه ثم يكون عنده خلل في مسألة عقدية، فهذا الإنسان غير متخصص في هذا الباب، لكنه أخطأ أثناء شرح لحديث أو أثناء تفسيره للآية، فهذا الإنسان إذا أخطأ في شرحه لحديث أو في تفسيره لآية لا يعتبر خارجاً عن السنة، وإنما هو من أهل السنة إذا كانت أصوله هي أصول السنة، ويعتبر مخطئاً في هذه المسألة. أما صلاح الدين فإنه لم يكن عالماً وإنما كان مجاهداً صادقاً، وأي مجاهد لا بد أن يكون عنده قدر من العلم، فعندما كان يقرأ كان العلماء في تلك الفترة هم علماء الأشعرية، فدرس على علماء الأشعرية فصار عنده أخطاء بسب ذلك. الأمر الثاني: أن مقام النقد ومقام الاعتراض ومقام المواجهة يختلف من حال إلى حال، يعني: عندما يكون المقام مقام تدريس للعقيدة، وتربية الأمة على العقيدة ينبغي أن ندرس الأمة على العقيدة السلفية الصحيحة التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة، التي نعتقد عن علم ويقين أنها هي الحق وما سواه ضلال وانحراف، هذا مقام، أما عندما يجاهد الكفار، وعندما نقاتل الأعداء، وعندما نواجه طواغيت العالم الكافرين حينئذٍ يجب أن نلتزم باسم الإسلام العام. ولهذا فإن ابن قدامة ﵀ الذي ندرس عقيدته كان في جيش صلاح الدين الأيوبي عندما دخلوا بيت المقدس، وكان في جيشه آلاف من علماء أهل السنة، وطلاب العلم، وعوام أهل السنة، ففي مقام الجهاد في سبيل الله يجب أن تشرك الأمة جميعاً في حماية بيضة الإسلام؛ لأن هؤلاء الأشاعرة حتى لو كانوا أشاعرة أليسوا مسلمين؟! بلى هم مسلمون. وأذكر أنني سمعت فتوى للشيخ محمد ناصر الدين الألباني هذا العالم الذي كان كثيراً ما يتكلم عن البدع ويحذر منها، وكثيراً ما يتكلم عن بعض الأعيان من المبتدعة ويحذر منهم، فأحد الشباب كان مشحوناً جداً على سيد قطب فجاءه يستفتيه يقول له: هل نترحم على سيد قطب؟ فسأله الشيخ سؤالاً موضوعياً دقيقاً جداً قال: هل سيد قطب مسلم أو كافر؟ فسكت السائل وانبهر بالسؤال فقال: مسلم! قال: إذا كان مسلماً يجوز الترحم عليه؛ لأن النبي ﷺ يقول: (حق المسلم على المسلم خمس) وذكر منها رد السلام عليه، والصلاة على جنازته ومن باب أولى الترحم عليه. ولهذا ينبغي أن ندرك المقامات، مثلاً بعض الشباب يقرأ في الكتب القديمة أنهم كانوا يهجرون أهل البدع، وأنهم كانوا يذمونهم، ويتكلمون عليهم وما كانوا يصلون على جنائزهم، ثم يطبقها تطبيقاً خاطئاً في الحياة، وهذا خطأ كبير جداً، فالهجر الذي كان يمارس بعض الأحيان فيه نصوص مجردة كانت مرتبطة بالمصلحة، فمثلاً جاء عن الشافعي ﵀ أنه جاءه حفص الفرد فطلب منه المناظرة فقال: لا أتكلم معك. قال: بكلمة؟ قال: ولا بنصف كلمة. وذلك لأن في هذا عدة مصالح، أولها عدم تنبيه العامة، وقد كان الشافعي رأساً في الناس، ولهذا لا يصلح أن نناقش كل من انحرف حتى لو كان مجهولاً أو سفيهاً أو أحمق أو لا يحسن العلم؛ لأن كثيراً من الناس يريد أن يصعد ويشتهر على حساب أهل العلم. لكن الأصل في المسلمين عموماً أن نرد ﵈ إذا سلموا وأن نسلم عليهم، وأن نشهد جنائزهم، وأن نصلي عليها، وأن نستجيب لدعوتهم إذا دعوا، إلا إذا كان هناك مصلحة من المصالح، فينبغي علينا أن نوفق بين كون هذا الإنسان مسلماً وله حقوق، وبين كونه مبتدعاً يجب التحذير منه، فليس هناك تناقض بينهما، لكن لكل مقام مقال وحال. فينبغي إدراك هذه القضية وفهمها فهماً جيداً؛ لأن البعض مثلاً إذا سمعك تقول هذا الكلام قال: أنت تدافع عن أهل البدع، فأقول: معاذ الله، كيف ندافع عن أهل البدع؟! لكن يمكن لشخص آخر أن يتطرف في جهة أخرى: إذاً أنت تكفر أهل البدع، فأنت ستقول: أنا لا أكفر الأشاعرة، يقول: إذاً أنا أرى أنهم مسلمون ولهم حقوق الإسلام المعروفة، فكونهم مبتدعة لا يعني أنهم ليسوا مسلمين، وأنهم ليس لهم حقوق الإسلام العامة، وهذا أيضاً لا يعني أن نذوب في هذه الفرق ولا نميز بين الحقائق الشرعية، ولهذا فمنهج أهل السنة في غاية الاستقامة، وفي غاية العدل، وهم أرحم الخلق بالخلق، لا يكفرون تكفيراً مطلقاً بدون بينة، ولا يبدعون تبديعاً مطلقاً بدون بينة، وإنما يلتزمون بالنصوص الشرعي

стр. 64

حكم تسمية علم العقيدة بعلم الفلسفة السؤال هل يصح تسمية علم العقيدة بعلم الفلسفة؟ الجواب لا؛ لأن علم الفلسفة علم فاسد يتضمن عقائد فاسدة، ولا يصح أيضاً أن نسمي علم العقيدة علم الكلام؛ فينبغي الانتباه لهذه القضية.

стр. 65

دراسة موضوعية [٤] صفات الله تعالى لها معانٍ تفهم من أدلتها من الكتاب والسنة، وهي معلومة لنا؛ لأنها مأخوذة من لغة العرب، وهي المرادة في الكتاب والسنة، وعليه فلا يجوز تفويض معاني الصفات، ومن فوض فقد وقع في ضلال عظيم وانحراف كبير؛ إذ إن منهج السلف هو إثبات المعنى أما الكيفية فهم يفوضون معناها إلى الله تعالى.

стр. 66

آداب طالب العلم في نفسه بدأنا في الدرس الماضي بالكلام في شرح (حلية طالب العلم) على آداب الطالب في نفسه، وذكرنا أن الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد صدر هذا الموضوع وهو: آداب الطالب في نفسه بقضية أساسية ومهمة، وهي أن هذا العلم الذي نطلبه ونشتغل به هو عبادة من العبادات الشرعية الذي ينبغي أن نهتم بها كأي عبادة من العبادات، فهي ليست صنعة، وهي ليست أيضاً ثقافة، وهي ليست في الوقت نفسه أمور دنيوية يشتغل بها الإنسان، وإنما هي أكبر من ذلك بكثير. فالقضية أن هذا العلم عبادة شرعية ينبغي للإنسان أن يتعامل معها على هذا الأساس، ثم ذكر الشيخ أن شرط العبادة: الإخلاص، ومتابعة الرسول ﷺ ، وسننتقل في هذا الدرس بإذن الله إلى بقية الصفات التي ينبغي على طالب العلم أن يتصف بها في نفسه.

стр. 67

كن سلفياً على الجادة قال المصنف ﵀: [الثاني: كن على جادة السلف الصالح: كن سلفياً على الجادة طريق السلف الصالح من الصحابة ﵃ فمن بعدهم ممن قفا أثرهم، في جميع أبواب الدين: من التوحيد والعبادات ونحوها، متميزاً بالتزام آثار رسول الله ﷺ ، وتوظيف السنن على نفسك، وترك الجدال والمراء والخوض في علم الكلام وما يجلب الآثام، ويصد عن الشرع]. هذه الصفة هي: أن يعتني الإنسان بأن يكون سلفياً، سنياً، متابعاً لطريقة النبي ﷺ ، وقد سبق أن أشرنا أن هذه الأمة افترقت كغيرها من الأمم، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: (ستفترق هذه الأمة -يعني: المسلمين- على ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، فلما سئل عنها النبي ﷺ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). فالفرقة الناجية هي ناجية من الاختلاف والتفرق، وناجية من الهلاك أيضاً، وهم أصحاب النبي ﷺ ، والتابعون لهم بإحسان، ومن سار على منهجهم وترك التفرق وأسباب التفرق، واشتغل باتباع كتاب الله وسنة النبي ﷺ . إذاً فيجب على الإنسان أن يكون سنياً، وهذا ليس مجال اختيار، فليس للإنسان أن يختار في أن يكون سلفياً أو لا يكون، فالمنهج السلفي ليس مثل الآراء الفقهية، علماً أن الآراء الفقهية أيضاً ليست مجال اختيار فيما يتعلق بالوجوب والتحريم، أما في قضايا الندب فالأولى أن يفعل وإن لم يفعل فلا تثريب عليه، ولكن ليس الإنسان مخيراً في أن يكون على سنة النبي ﷺ أو ليس كذلك، بل يجب عليه أن يكون سنياً وأن يكون سلفياً. والمقصود بالمنهج السلفي هنا: هو ما كان في كتاب الله، وما أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن جاء بعدهم من أهل الاتباع، وليست السلفية أو المنهج السلفي هو آراء خاصة، فمع الأسف أنه يوجد في الدعوة الإسلامية أشخاص يتبنون مواقف من بعض العلماء، ويظنون أن من وافقهم فهو سلفي ومن خالفهم فليس كذلك، وهذا خطأ، فإن المنهج السلفي هو الالتزام بالقرآن والسنة في قضايا الاعتقاد وقضايا الأعمال ومناهج الاستدلال وما يتعلق بها. وأما المواقف من الأشخاص فهذا مما يختلف فيه الناس، إلا إذا كان هذا الشخص رجلاً متفقاً على أنه من المبتدعة، وأمره ظاهر مشتهر ليس فيه خلاف ولا شك ولا شبهة، فإنه والحالة هذه لا شك أن من تبناه واتبعه وسار على طريقته فهو مثله على البدعة، والعياذ بالله. لكن عندما يوجد شخص من الأشخاص وهو في جملته على أصول السنة، وهو بشر قد يخالف السنة في مسألة أو مسألتين، لكن أصوله جملته واستدلاله وطريقته ليست مثل طريقة المبتدعة، ثم يخالفه أشخاص، ثم يمتحنون الخلق على ذلك فمن وافقهم فهو سلفي، ومن خالفهم فليس بسلفي، فهذا خطأ وليس بمنهج صحيح ولا مستقيم. لكن إذا كانت بدعته ظاهرة وبينة وليس فيها إشكال كـ الجهم بن صفوان، فإنه من وافق جهماً وأحبه ووالاه فلا شك أنه ليس على السنة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الذهبي رحمه الله تعالى: وصح عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إلي من علم الكلام، قلت: لم يدخل الرجل أبداً في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفياً. انتهى]. علم الكلام من العلوم التي تناقش قضايا العقيدة في الإلهيات، وفي السمعيات كما يسمونها، وفي النبوات، أي: فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وبالألوهية وما يتعلق باليوم الآخر، والإيمان، والقدر. فهذا العلم نشأ بسبب المجادلات بين طائفة من المسلمين مع الفلاسفة، فنشأ من خلال هذا الجدل علم سموه علم الكلام، وقد اختلف الناس في سبب تسميته بعلم الكلام، فقيل: لأنه كلام فارغ ليس هناك فائدة منه، وقيل: لأنه كلام ليس فيه استدلال، وقيل: لأنه يعتمد على مجرد الكلام وليس فيه عمل، وقيل: لأن أول مسألة ناقشها هي مسألة الكلام. وهو علم اتفق علماء الإسلام على ذمه، لأنه جاء بمصطلحات جديدة لم تكن معروفة سابقاً مثل الجوهر، والعرض، والتحيز، والجهة، والجسم، والمركب ونحو ذلك، ولكونه يتضمن معاني باطلة مخالفة لأصول السنة في باب الأسماء والصفات والقدر ونحو ذلك. وعلماء الكلام هم المعطلة، وهم الجبرية، وهم القدرية، وهم المرجئة، وهم الذين خالفوا السنة في أبواب كثيرة من أبواب العقيدة، وهم الذين نناقشهم كثيراً في هذه الدروس. فهذا علم فاسد ينبغي للإنسان أن يبتعد عنه، وأن يكون سلفياً على الجادة بعيداً عن الاختلاط بهذه العلوم المذمومة.

стр. 68

الالتزام بالسنة في طلب العلم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء هم: أهل السنة والجماعة المتبعون آثار رسول الله ﷺ ، وهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأهل السنة نقاوة المسلمين، وهم خير الناس للناس. فالتزم السبيل: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]]. خلاصة هذا الأدب الرفيع هو أن الإنسان ينبغي أن يلتزم سنة النبي ﷺ في طلبه للعلم، فيطلب العلوم السنية مثل: قراءة القرآن، والقراءات، وحفظ القرآن، وتفسير القرآن، وعلوم القرآن، وكذلك السنة، والحديث، ودراسة مصطلح الحديث، ودراسة ما يتعلق بهذه العلوم الشرعية، ودراسة العلوم التي تفيد في فهم الكتاب والسنة وهي علوم الوسائل، وأن يبتعد الإنسان عن كل علم من العلوم التي أضيفت إلى العلوم الشرعية وهو ليس منها، مثل: علم الكلام، وعلم الفلسفة، والمنطق ونحو ذلك، فهذه كلها علوم مذمومة فرقت المسلمين إلى فرق، وجعلتهم فرقاً وأحزاباً والعياذ بالله. فينبغي للإنسان أيضاً أن يوظف السنة على نفسه، فيلتزم بالسنة في مظهره ومخبره، فيلتزم بالسنة في ظاهره من ناحية تشمير الثياب، وإعفاء اللحية، والحرص على السنة في الصلاة، والحرص على السنة في التعامل مع أهل العلم، والحرص على السنة في كل أبواب الدين، والذين يسمون هذه السنن قشوراً مخطئون خطأ كبيراً، والذين يسمون هذا إغراقاً في الجزئيات هذا أيضاً خطأ كبير. فينبغي للإنسان أن يحرص على السنة في الظاهر والباطن، ومثال السنة في الباطن: التوكل على الله، ومحبة الله، وتنمية الإيمان في القلب، والحرص على أسباب الإيمان، والبعد كل البعد عما ينقص الإيمان، ومما ينقص الإيمان أن ينظر الإنسان إلى ما حرم الله بحجة: متابعة الأخبار، فبعض الشباب قد يكون ملتزماً، وقد يكون صالحاً، وقد يكون من طلاب العلم، لكنه يكون عنده تفريط في هذه الزاوية، فقد ينظر إلى النساء، وقد يتجاوز في استعمال القنوات الفضائية فينظر بحجة متابعة أخبار المسلمين، علماً بأن أخبار المسلمين يمكن أن تتابع بغير هذا الطريق الذي يوصل إلى المحرم، فينظر الإنسان إلى امرأة تقرأ الأخبار وقد نهى النبي ﷺ أن ينظر الإنسان إلى النساء، والنظرة توقع الفتنة في القلب والعياذ بالله، فحينئذ يصبح الإنسان قد توصل إلى الشيء الذي يريده وهو متابعة أخبار المسلمين بوسيلة غير صحيحة، أو التساهل مثلاً في الانترنت إلى درجة مثلاً الدخول إلى المواقع الخبيثة والسيئة. ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص غاية الحرص على نقاء مظهره، وباطنه، وأن يحرص على غرس الإيمان في قلبه، وأن يبتعد عن كل وسيلة من الوسائل التي تفسد عليه إيمانه. وبعض الناس قد يقول: يا أخي! المشايخ يشاركون في القنوات الفضائية، فنقول: إن المشايخ الذين يشاركون في القنوات الفضائية أشخاص اجتهدوا، ويرون أن هناك كثيراً من المسلمين لا يحضرون المساجد، ولا يستمعون إلى المحاضرات، ولا يستمعون إلى خطب الجمعة، ولا يقرءون شيئاً مما يكتبه الدعاة إلى الله ، وهم أمام الشاشة بشكل مستمر، فهم يريدون مخاطبة هؤلاء، والحريص فعلاً على رؤية المشايخ وعلى الاستفادة منهم، فلهم منشورات كثيرة، ولهم كتب مطبوعة في الأسواق، فهل قرأها أحد؟ ولهم أشرطة يمكن الاستماع إليها، فهل لم تبقَ إلا هذه الزاوية وهي النظر إلى المشايخ في القنوات الفضائية؟! وقد يأتي بعض الطيبين بشيء من هذه القنوات إلى بيته ويقول: هذا أمر لا بد منه، ونحن الآن في زمن الانفتاح ونحو ذلك من الكلام، وهذا كلام كله ساقط، ولو انفتحت الدنيا كلها على الحرام فيجب ألا تنفتح أنت، وهذا من استخدام العبارات المطاطة والعائمة مثل: قضايا الانفتاح، وقضايا التواصل العالمي وغير ذلك. فهذه الكلمات كلها لا يمكن أن تؤثر علينا فنرتكب المحرم، فالمحرم يجب تركه مهما حصل. فينبغي للإنسان أن يكون حريصاً، وكما قلت: فأهل العلم الذين لهم رؤية معينة في المشاركة لا يقصدون مخاطبة الصالحين الذين يمكن أن يحضروا إلى المساجد ليستمعوا إليهم، وإنما قصدهم الأول: مخاطبة الذي لا يمكن مخاطبتهم إلا من خلال هذه الوسيلة. فالذين يحتجون بهذا يحتجون به في غير مكانه، وإن كان كثير من أهل العلم يرون أن المشاركة في مثل هذه القنوات الفضائية ليس فيها مصلحة لا من قريب ولا من بعيد، لكن على كل حال فالمسألة اجتهادية، وهي قابلة للأخذ والرد وليست مسألة قطعية، هذا ما يتعلق بهذا الأدب العظيم من آداب الإنسان مع نفسه: أن يكون على السنة في كل أحواله وشئونه.

стр. 69

ملازمة خشية الله تعالى قال المصنف ﵀: [الثالث: ملازمة خشية الله تعالى: التحلي بعمارة الظاهر والباطن بخشية الله تعالى، محافظاً على شعائر الإسلام، وإظهار السنة ونشرها بالعمل بها، والدعوة إليها، دالاً على الله بعلمك وسمتك وعملك، متحلياً بالرجولة والمساهلة، والسمت الصالح]. الحقيقة يا إخوان! أن من تساهل في الواقع الذي نعيش فيه فإنه سيوصله إلى كثير من المحرمات والعياذ بالله، وسيجعله يرتكب كثيراً من الآثام بحجة الاستفادة أو بأي حجة من هذه الحجج، لكن يبغي للإنسان أن يحرص دائماً على نقاء نفسه وصفائها، وأن يحرص على التزامه بالسنة في الظاهر والباطن، وأن يبتعد عن كل وسيلة من الوسائل التي تفسد عليه قلبه والعياذ بالله. ومن ذلك ملازمة خشية الله ، فالعلم ليس المقصود به الاستكثار من المسائل، وأن يكون عندك مسائل كثيرة ومحفوظات كثيرة، وعندك قدرة أن تسرد عشرات المسائل في وقت واحد، وإنما العلم الحقيقي هو الذي يؤثر فيك فيجعل عينك تدمع من خشية الله، ويجعل قلبك يخشع من خوف الله ، ويجعل نفسك تشتاق إلى الجنة، ويدفعك إلى الجهاد في سبيل الله، ويدفعك إلى الدعوة إلى الله، ويدفعك إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدفعك إلى العمل الصالح. فهذا هو العلم النافع الصحيح، ولهذا يقول السلف: العلم علمان: علم القلب وعلم اللسان، فأما علم اللسان فهو حجة الله على عباده، وأما علم القلب فهو العلم النافع. فعلم اللسان هو: معرفة المسائل وتشقيقاتها وتفصيلاتها ونحو ذلك، وهذا ليس مذموماً إذا انضم إليه علم القلب، لكن إذا كان الإنسان يظن أن العلم وحده هو علم اللسان فقط دون علم القلب ولا ينتفع به في قلبه، فهذا غير مستفيد في الحقيقة من هذا العلم. ولهذا قيل لأحد العلماء: أيها العالم! فقال: لا تقل ذلك؛ إنما العلم خشية الله يعني: العلم هو الذي يورث في القلب الخشية، والخوف من الله ، وينفع الإنسان في قلبه بالإنابة إلى الله، ويدفعه إلى الأعمال الصالحة كلها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وملاك ذلك خشية الله تعالى، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أصل العلم خشية الله تعالى، فالتزم خشية الله في السر والعلن فإن خير البرية من يخشى الله تعالى، وما يخشاه إلا عالم. إذاً فخير البرية هو العالم، ولا يغب عن بالك أن العالم لا يعد عالماً إلا إذا كان عاملاً، ولا يعمل العالم بعلمه إلا إذا لازمته خشية الله]. العلم هو الذي يدعو الإنسان إلى خشية الله، ولهذا قال السلف: كل من عصى الله فهو جاهل حتى ولو كان من أعلم الناس، أي: جاهل بقدر الله، وجاهل بحق الله، وجاهل بواجبات الإنسان الشرعية نحو الله . وكل من أطاع الله فهو من أهل العلم في هذا الباب، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه دائماً، وأن يراجع نفسه، وأن ينظر إلى نفسه هل هو ما زال في طريق طلب العلم الصحيح، أم أن الأهواء والحياة قد جرفته وأخرجته عن طلب العلم الصحيح واشتغل بغيره؟ فهذا أمر يحتاج منا دائماً إلى مراجعة ومراقبة وتفكير وتأمل وعناية وحرص؛ لأن الإنسان في بعض الأحيان مع زخارف الدنيا، ومع أشغالها، ومع تقلبات الأهواء وأدواء الحياة قد ينحرف عن طريق طلب العلم وهو لا يشعر، ثم يتخبط والعياذ بالله، فتكون نهايته نهاية سيئة للغاية. ولهذا لا بد من العناية بهذا الباب. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأسند الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بسند فيه لطيفة إسنادية برواية آباء تسعة، فقال: أخبرنا أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن زيد بن أكينة بن عبد الله التميمي من حفظه قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول: هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. وهذا اللفظ بنحوه مروي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى].

стр. 70

دوام مراقبة الله تعالى قال المصنف ﵀: [الرابع: دوام المراقبة: التحلي بدوام المراقبة لله تعالى في السر والعلن، سائراً إلى ربك بين الخوف والرجاء، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر، فأقبل على الله بكليتك، وليمتلئ قلبك بمحبته، ولسانك بذكره، والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحكمه سبحانه]. دوام المراقبة هي نتيجة لخشية الله ؛ لأن خشية الله إذا حصلت في القلب فإنه يحصل دوام لمراقبة الله في قلب الإنسان. ولهذا ينبغي للإنسان دائماً أن يحاسب نفسه، وأعظم منزلة كما تعلمون من منازل الإيمان والإسلام منزلة الإحسان وهي: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذه منزلة عظيمة ينبغي للإنسان أن يحرص على الوصول إليها، نكتفي بهذا القدر.

стр. 71

التفويض في الصفات في الدرس السابق تحدثنا في باب الأسماء والصفات عن القاعدة العامة للسلف الصالح رضوان الله عليهم في باب صفات الله سبحانه، وتوقفنا عند مسألة مهمة وهي مسألة التفويض ومعنى التفويض. فالتفويض عند السلف هو: تفويض الكيفية، وأما المعاني فإنها مفهومة لنا، فلا يصح للإنسان أن يقول: نفوض المعنى، فمعاني صفات الله هي المعاني المأخوذة من لغة العرب، وهي المعاني التي يوصل إليها الكلام الموجود في القرآن أو في سنة النبي ﷺ . وأما الكيفية فإنه لا يعلمها إلا الله ، ولم يعلمنا بكيفية صفاته . وصفات الله لها كيفيات معينة، لكننا نجهل هذه الكيفيات ولا نعرفها، ولم يخبرنا الله عنها، بل هي من الغيب بالنسبة لنا. وصفات الله الواردة في القرآن والسنة لها معانٍ تفهم من خلال السياق العام للقرآن، ومن خلال السياق العام لحديث النبي ﷺ ، وينتفع الإنسان بما تتضمنه من المعاني والآداب، وما تحث عليه من الأخلاق ونحو ذلك، وصفات الله تتضمن كثيراً من الآداب، وكثيراً من الأخلاق، وكثيراً من المعاني العظيمة. ولهذا فالسلف رضوان الله عليهم كانوا يثبتون أسماء الله وصفاته؛ لأن الله أثبتها لنفسه، ثم ينتفعون بما فيها من المعاني، وسبق أن أشرنا إلى قصة لقيط بن صبرة ﵁ عندما قال له النبي ﷺ : (يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، فقال لقيط: يا رسول الله! أو يضحك الرب؟ قال: نعم، قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً)، لم تدر في ذهن لقيط الشبهات التي جاءت عند المتأخرين، وإنما استفاد منها لقيط فائدة عظيمة دفعته إلى عمل من أعظم أعمال القلوب وهو الرجاء، لكن لما وجدت الفرق الضالة مثل المعطلة والمفوضة الذين يعطلون صفات الله ، ويؤولون معانيها إلى معان أخرى خارجة عن مدلول النصوص اقتضى ذلك أن تصحح العقيدة مما شابها من الانحرافات التي حصلت عند هذه الفرق. ومن هنا فنحن نناقش الفرق الضالة في هذه المسألة من هذا الباب، فصفات الله نفهم معانيها، وهذا هو مقتضى كون القرآن شفاء للناس، وقد وصف الله القرآن بأكثر من ثلاثين وصفاً، كما ذكر ذلك السيوطي في (الإتقان)، فوصفه بأنه شفاء ونور وهدى وروح، ولا يوصف بهذه الأوصاف إلا لأن معانيه واضحة، وتدعو إلى هذه الحقائق. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، قال ابن أبي العز الحنفي في (شرح الطحاوية): سماه الله ((رُوحًا)) لأن الحياة الحقيقية تتوقف على هذا القرآن، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. وسماه بياناً، والبيان معناه الأمر الواضح البين، وقال الله : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، فهو ميسر من حيث حفظ ألفاظه، ومن حيث إن معانيه واضحة، فيمكن للإنسان أن يستفيد منها، ولو كانت صفات الله لا نعرف لها معنىً كما تقول ذلك المفوضة لكان هذا القرآن ألغازاً وأحاجي لا يمكن أن يفهم له معنىً. وهذا بعيد عن كلام الله ، فهذا القرآن أنزله الله هدىً للناس، وأنزله الله مرشداً لهم، ومعلماً لهم، وأنزله الله من أجل أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، فلا يمكن أن يكون غامض المعاني، نعم قد توجد هناك بعض الآيات في معناها غموض لكن القاعدة الشرعية أن كل آية لا يفهم الإنسان معناها بشكل دقيق فيردها إلى المحكم. وهذا هو معنى المحكم والمتشابه، فالمحكم هو الأمر الواضح، والمتشابه هو الأمر الغامض، ولا يعني هذا أن الأمر الغامض لا يمكن أن يفهم، فيمكن أن يفهم لكن برده إلى المحكم، وبرده إلى ما يشبهه من النصوص الواضحة والبينة، وقد سبق أن أشرت إلى أن شيخ الإسلام ﵀ فصل في هذا بصورة كبيرة في كتابه (الإكليل في المتشابه والتأويل)، وسبق أن أشرنا إلى أن التأويل يأتي بمعنيين شرعيين، ومعنىً بدعي. فأما المعنيان الشرعيان فهما: الأول: حقيقة الشيء وما يئول إليه، والمعنى الثاني: التفسير. وأما المعنى البدعي فهو المشهور عند علماء الكلام، وهو: صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معنى مرجوح لقرينة، وهذا لا شك أنه تغيير وتبديل وتحريف لكلام الله . وأما المفوضة فهم يتفقون مع المؤولة -كما سبق أن أشرنا- في أنهم فرغوا النصوص الشرعية من مدلولاتها الصحيحة، ثم اختلفوا هل تفسر هذه الألفاظ التي بين أيديهم بتأويل يجتهدون فيه؟ أو يبقونها ألفاظاً مجردة لا معاني لها؟ فقال بالأول:

стр. 72

كيفية التعامل مع المصطلحات الحادثة وكذلك الحال في أي مصطلح من المصطلحات التي يؤتون بها، فلا يجوز للإنسان أن يقبل هذا المصطلح مطلقاً، ولا أن يرده مطلقاً، فهذه قاعدة في مصطلحات أهل الكلام، أو مصطلحات الصوفية، أو حتى المصطلحات العصرية، فهناك مصطلحات عصرية بدأت تظهر، كالحوار مثلاً أو التعايش، أو مثلاً من المصطلحات الجديدة التي بدءوا يرددونها: الإقصاء، فيقولون: لا تكن شخصاً إقصائياً، فماذا تقصد بكلمة إقصائي؟ قال: معناها: لا تحجر على رأيي، أو مثلاً يقول لك: الاعتراف، فيجب أن نعترف بكذا، وبعض الناس يقول: يجب أن نعترف بالأفكار الجديدة التي جاءتنا من الغرب، فما معنى كلمة الاعتراف به؟ هل هو الاعتراف بأنه موجود؟ فإذا كان الاعتراف بأنه موجود فهو موجود، لكن إذا كان المراد الاعتراف بأحقيته، وأنه صاحبه معذور فهذا معنى فاسد؛ لأن الشرك والكفر لا يحق أبداً لأي أحد أن يعترف به بهذا المعنى وهذه الدلالة. ولهذا يا إخواني! فالمصطلحات الكلامية، والمصطلحات الصوفية، والمصطلحات الصحفية التي بدأت تظهر الآن لا يصح للإنسان أبداً بأي وجه من الوجوه أن يحاكم الناس إليها أو يحاكم النصوص الشرعية إليه، وإنما إذا تكلم بها أحد نقول له: ماذا تعني بهذا الكلام؟ وماذا تقصد به؟ فإن كان يقصد به معنىً صحيحاً شرعياً قُبل، وإن كان يقصد به معنىً مخالفاً للشريعة فإنه يرد. ونقول أيضاً: إنه لا يصح للإنسان أن يستخدم المصطلحات المطاطية والمصطلحات العامة في القضايا الخاصة، فإن القضايا الدقيقة الخاصة ينبغي أن تستخدم لها ألفاظ دقيقة خاصة تدل عليها، فمثلاً كلمة حوار الآن أصبح يرددها كثير من الناس، وأننا الآن في عالم الحوار، والحوار مع الآخر، وحتى كلمة الآخر هذه ليس لها معنىً محدد، فالآخر يحتمل أن المقصود به: النصارى والملاحدة، ويحتمل أن يقصد به المخالف لي في مسألة فقهية؛ لأنه فعلاً آخر. فالكلمات المطاطية العامة بهذا الأسلوب لا يصح استخدامها خصوصاً في القضايا العقدية الحساسة التي ينبغي فيها التفصيل والكلام الدقيق، والتي ينبغي أن يكون الإنسان فيها دقيقاً في ألفاظه؛ حتى يحدد الأمور بشكل دقيق، وأما استخدام الكلام العام الإجمالي الذي يحتمل حقاً وباطلاً فهذه ليست طريقة شرعية، وإنما الطريقة الشرعية استخدام المصطلحات الشرعية أو على الأقل استخدام الألفاظ الخاصة التي تدل على معناها دون أي إشكال. فكلمة الحوار يمكن أن يفهم الإنسان منها التقارب مع الآخرين، فيقول لك: حوار الأديان، فكلمة حوار الأديان كلمة عامة جداً، ماذا تقصد بحوار الأديان؟ هل تقصد دين النصارى مثلاً أو اليهود أو غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى ونتقارب بحيث نتنازل عن قضية العداء للكفار والولاء للمؤمنين، إن كان هذا هو المعنى فهذا معنىً فاسد تخالفه النصوص. وإن كان معنى الحوار: الدعوة، فندعوهم ونكلمهم فهذا طبيعي، فالدعوة توجه إلى المسلم، وتوجه إلى الكافر، وتوجه إلى النصراني، وتوجه إلى الملحد، والأولى أن نستخدم كلمة الدعوة ولا نستخدم كلمة الحوار التي فيها إشكال. وإن كان يقصد بالحوار أن نترك القضايا العقدية ونتحاور في المصالح المشتركة بيننا وبينهم مثل: نفي الفقر ونحو ذلك، فنقول: وما علاقة الأديان بهذا؟ لماذا سميته حوار الأديان؟ فهذا تتبناه بعض الدول وله ضوابط شرعية في السياسات الشرعية، وهو بالجملة بعيد عن السنة باعتبار أن الذي ينبغي على الإنسان نحو أصحاب الأديان هو دعوتهم إلى الله ، وبيان التوحيد، وإنكار الشرك ونحو ذلك. ولهذا يا إخواني! أنا أتمنى من الإخوة جميعاً أن يقرءوا رسالة شيخ الإسلام ﵀ إلى ملك قبرص، وهو ملك نصراني أرسل إليه شيخ الإسلام ﵀ رسالة عجيبة جداً تمتلئ عزة، وهذا نموذج للحوار، وفيها بيان للتوحيد، وفيها رد للشرك، وفيها السؤال عن أسراء المسلمين، وفيها قضايا متعددة وكثيرة ومهمة. فهذا نموذج من نماذج الحوار، فالحوار لا يقتضي مثلاً إلغاء قضية محكمة، ونحن لا نريد الإطالة في موضوع الحوار كقضية، وإنما الهدف هو أن الكلمات الإجمالية لا يصح استخدامها في المسائل التفصيلية الدقيقة، وإنما ينبغي للإنسان أن يستخدم الألفاظ التي توصل إلى معانيها بدون إشكال. فهم قالوا: التركيب يقتضي نفي الصفات الذاتية، وقالوا: الحدوث يقتضي نفي الصفات الفعلية، ومعنى الحدوث عندهم وجود الشيء بعد أن لم يكن موجوداً، وقالوا: إن الصفات المتعلقة بالإرادة لا بد أن تدل على الحدث. فإذا كان الله ضحك بعد أن لم يكن يضحك سابقاً، ثم ضحك مرة أخرى ثم ضحك مرة ثلاثة، فهذه تقتضي أن كل صفة من الصفات تستلزم حدوث هذه الصفة، والحدوث هو صفة المحدثات والمخلوقات ولا يصح وصف الله به. والجواب أن نقول: كلمة الحدوث كلمة إجمالية وعامة ما هو مدلولها المعنوي؟ قالوا: معناها وجود الشيء بعد أن لم يكن، قلنا: أتقصدون بوجود الشيء بعد أن لم يكن أن الله لم يكن قادراً عليه ثم قدر عليه؟ إن كنتم تقصدون هذا فهو معنىً باطل، فالله قادر على كل شيء،

стр. 73

وجوب الإيمان بكل ما جاء في القرآن والسنة من صفات الله تعالى نحن الآن نقرأ من (لمعة الاعتقاد)، وقد توصلنا في الدرس الماضي إلى النص المنقول عن الإمام أحمد ﵀، وهذه النصوص التي ينقلها ابن قدامة ﵀ الهدف منها هو بيان القاعدة العامة عند السلف في هذا الباب، وهذه القاعدة العامة تندرج فيها تلك الصفات التي سبق أن أشرنا إليها. قال الموفق ابن قدامة ﵀ في كتابه (لمعة الاعتقاد): قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول النبي ﷺ : (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا)، (إن الله يُرى في القيامة)، وما أشبه هذه الأحاديث نؤمن بها، ونصدق بها لا كيف ولا معنىً، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول ﷺ حق]. ذكر الإمام أحمد الواجب نحو هذه الصفات فقال: نؤمن بها، ونصدق بها لا كيف، يعني: لا نحدد الكيفية، وليس المقصود نفي الكيف في نفس الأمر، وإنما المقصود: لا نعلم الكيف ولا نحدده؛ لأن هذا غير معلوم بالنسبة لنا. قوله: (ولا معنىً) هذه الكلمة يوجد لها أشباه في بعض أقوال السلف، وهي من أعظم القضايا التي احتج بها المفوضة، فقالوا: هذا الإمام أحمد ينفي المعنى، وأنتم تقولون: إنه يجب أن نثبت المعنى وننفي الكيفية، فكيف تجمعون بين قول الإمام أحمد هذا وبين قولكم؟ فنقول: إن الإمام أحمد يقرر في كثير من كتبه أن هذا القرآن جاء بياناً وهدىً للناس، وأن معانيه واضحة، وأن معاني الصفات واضحة، فما أشكل من كلام الإمام أحمد هنا نحمله على الواضح من كلامه، فيكون معنى قوله: (ولا معنى) ولا معنى من المعاني الفاسدة التي ظهرت في زمانه. فهناك معان فاسدة ظهرت، فحرفوا بها صفات الله ، فهو ينفي هذا المعنى، وليس المقصود من كلامه ﵀: أن نصوص الصفات ليس لها معان؛ لأنه قد صرح في أماكن متعددة في كتاب (الرد على الجهمية) بأن هذه النصوص لها معانٍ، وأنّا نثبتها كما يدل عليها مقتضى لغة العرب. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ونعلم أن ما جاء به الرسول ﷺ حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية]. كلمة: (بلا حد ولا غاية) من الأمور أيضاً التي أشكلت عند بعض الناس، فما معنى قول الإمام أحمد ﵀: بلا حد ولا غاية؟ قوله: (بلا حد) المقصود به نفي التماثل الذي جاء به المجسمة والمشبهة، فليس له حد محدود يمكن للإنسان أن يتخيل كيفية له، قوله: (ولا غاية) يعني: وليست له غاية محددة. وهذا الكلام العام للإمام أحمد قد يستغله البعض في نصرة بعض أقوالهم وآرائهم، لكن نحن كما نعلم أن أهل العلم بشر، وأنه يوجد في بعض كلامهم كلام عام أو مشكل، ويوجد في بعض كلامهم كلام تفصيلي وبيِّن، فنحمل الكلام المشكل على الكلام البيِّن. فنحن نعرف من خلال موقف الإمام أحمد في الفتنة، ومن خلال النصوص المنقولة عنه، ومن خلال كتبه مثل (الرد على الجهمية) فموقف الإمام أحمد ﵀ من هذه المسائل على نحو ما سبق أن أشرنا وبيّنا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت]. يقصد بالشناعة هنا شبه أهل الكلام وشبه المعطلة مثل: التركيب، والتجسيم، والحدوث، والجهة ونحو ذلك من الأمور التي سبقت أن أشرنا لها. قال المصنف: [ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ ، وتثبيت القرآن]. هذا الكلام من الإمام أحمد ﵀ عام في طريقة السلف رضوان الله عليهم -وهو منهم- في التعامل مع نصوص الصفات. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله]. تلاحظون أنه في هذا الكلام يقرب قاعدة عامة في الصفات وفي غيرها، وأنه ينبغي للإنسان أن يؤمن بما جاء عن الله؛ لأنه مؤمن بالله، فما دام أنه مؤمن بالله فإنه يلزمه أن يؤمن بكل ما جاء عن الله ، وكذلك الحال مع الرسول ﷺ .

стр. 74

لزوم منهج السلف في إثبات صفات الله تعالى قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من غير تعرض لتأويله]. قوله: (لتأويله) يعني: لصرفه عن ظاهره، وقد سبق أن أشرنا إلى أن ابن قدامة ﵀ له كلام فيه نظر في قضية التعامل مع معاني صفات الله . فيفهم من كلامه أنه لا يمكن لنا إدراك معاني صفات الله ، ولا شك أن هذا غير صحيح، لكن أيضاً لا يمكن للإنسان أن يقول: إن ابن قدامة ﵀ من المفوضة، فهو وإن أخطأ في هذه المسألة إلا أنه ليس من المفوضة؛ لأن المفوضة ينفون الصفات أولاً، ثم ينكرون أن يكون لها معان ثانياً، فهو خالفهم في الصفات، حيث أثبت الصفات كما سيأتي معنا، لكنه أشكل عليه موضوع المعنى؛ لأنه ظن أن الصفات من المتشابه، وفهم آية آل عمران بأن الراسخين في العلم لا يمكن أن يعرفوا المعنى، وأن الوقف لازم، ففهم من هذا أن المعاني لا يمكن إدراكها، مع أنه يثبت الصفات. ولهذا يعتبر هذا في حد ذاته تناقضاً، لكن لا يصح أن ننسب إماماً مثل ابن قدامة المقدسي ﵀ إلى التفويض؛ لأن ابن قدامة ﵀ كان على منهج السلف بدليل إثبات الصفات كما سبق أن أشرنا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم، والاهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضواً عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم! وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ كلاماً معناه: قف حيث وقف القوم؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر، ولقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم]. سيأتي معنا إن شاء الله مبحث خاص عن موضوع الوسطية ومفهومها الشرعي ومعناها، وابن تيمية ﵀ أفرد جزءاً من (الواسطية) للكلام على مفهوم الوسطية ومعناها، فما هو معنى الوسطية؟ ومتى يكون الإنسان وسطياً؟ لأن الدعاة الذين يتكلمون عن الوسطية كثر، وأصبح كثير من المتساهلين وكثير من الذين يركنون إلى الدنيا يسمون منهجهم وسطياً، في مقابل أنهم يعتبرون مثلاً المجاهدين من المتشددين، مع أن الحقيقة أن المجاهد لا يعتبر متشدداً بل هو الوسطي الذي وافق سنة النبي ﷺ ، وما دونه مقصر ولا شك. قال المصنف ﵀: [وقال الإمام أبو عمرو ﵁: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول]. الله أكبر، فالإنسان يحرص دائماً على النصوص الشرعية، وعلى ما تدل عليه من المعاني، وأما ما يزخرفه كثير من الناس ويزينه من الأقوال فينبغي عرضها على الكتاب والسنة، فإن كانت موافقة قبلت، وإن لم تكن موافقة فينبغي للإنسان ألا يشتغل بزخرفة هؤلاء عن الحق. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن عبد الرحمن الأذرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها]. هو محمد بن عبد الرحمن الأذرمي بالذال، وقد ترجم له الخطيب البغدادي ﵀ في (تاريخ بغداد)، وقال ذلك لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها، وهذا في مناظرة له مع ابن أبي دؤاد، وقد تمت بين يدي الواثق، والأذرمي هذا رجل من أهل السنة، وذلك عندما بدأت فتنة خلق القرآن واشتهرت، واستمرت في عصر المأمون ثم عصر المعتصم حتى جاء الواثق. وكان المعتزلة يمتحنون الناس، ويتخذون السلطة وسيلة من وسائل الضغط على أهل السنة في تغيير مناهج الناس وعقائدهم، فثبت أئمة السنة وخصوصاً الإمام أحمد ﵀، واشتهر وصار معروفاً لثباته على السنة، فجاء الرجل الأذرمي وناقش ابن أبي دؤاد مناقشة دقيقة جداً، وابن أبي دؤاد ليس من أهل العلم، فالذي يرجع إلى أحداث الفتنة ويقرأ مناقشة الإمام أحمد ﵀ لهم يدرك أن ابن أبي دؤاد لم يكن من أهل العلم، ولا كان يشتغل بالعلم، وكان الإمام أحمد ﵀ يقول للمعتصم: يا أمير المؤمنين! أعطوني آية من كتاب الله أقول بها، أو حديثاً عن النبي ﷺ ، فكانوا يردون عليه ويقولون: وأنت ما تعرف إلا القرآ

стр. 75

شرح مقدمة العقيدة الواسطية قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ﴿الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً، أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة: أهل السنة والجماعة، وهو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره. ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]]. بدأ الشيخ في البداية بتقرير أن هذه العقيدة التي سيكتبها هي عقيدة الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، ثم بين أنهم يؤمنون بالأركان الستة، ثم بين أن من الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه وصفاته. والإيمان بالله يتضمن الإيمان بربوبيته، والإيمان بإلوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، فبدأ بنوع واحد من هذه الأنواع وهو الإيمان: بأسماء الله وصفاته. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيفون، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه ، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً من خلقه، ثم رسله صادقون مصدقون بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]. فسبح نفسه عن ما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات]. أثبت الله لنفسه بعض الصفات ونفى عن نفسه بعض الصفات، فجمع بين النفي والإثبات، وهذا هو الذي جعلنا نقول: إن الصفات تنقسم إلى ثبوتية، وسلبية أو منفية. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون؛ فإنه الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين]. ثم شرع الشيخ بعد ذلك بالحديث المفصل عن صفات الله ، وفي اللقاء القادم بإذن الله سنتحدث عن الصفات بشكل تفصيلي: صفة الوجه واليد والنزول والمجيء والإتيان وغيرها، ولا بد أن نربطها بالقاعدة التي سبق أن أشرنا إليها فيما يتعلق بالصفات الذاتية والفعلية، والصفات السلبية بإذن الله تعالى. أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير؛ إنه على كل شيء قدير.
следующие страницы →