Полный текст (363 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
بعض مظاهر الانهزامية التي أصابت بعض الشباب
والحقيقة أنه مع الانفتاح العالمي الذي نعيشه اليوم من خلال الاتصالات، وتيسر انتقال العادات عن طريق السفر والالتقاء بالآخرين والإعلام، الذي له تأثير بالغ في حياة الناس، فقد يضعف كثير من الناس ويقلد الغربيين، دون أي حاجة لهذا اللباس أو لهذا التصرف، وبعض الأشخاص من الذين أخفقوا في دراسة اللغة الإنجليزية تجد أنهم مع هذا يستمعون إلى ديسكو باللغة الإنجليزية ولا يفهمون منه شيئاً، بل إن بعض الشباب مع الأسف أصبحت همته دنيئة إلى درجة كبيرة جداً، يتابع آخر موضة من موضات قصات الشعر، وآخر موضة من موضات الملابس، وآخر رقصة للاعب أو لمغن أو لمغنية.
وقد ظهر في بلاد المسلمين عبدة الشيطان، ومن كان يتصور أن يظهر في بلاد المسلمين والموحدين وأهل الإيمان الذين أعزهم الله بهذا الدين من يعبد الشيطان الذي هو أقبح قبيح وأشهر مذموم؟ وإذا كان المذمومون في الدنيا كثرين فإن الشيطان أشهرهم، ومع هذا ظهر في كثير من بلاد المسلمين عبدة الشياطين، ويقومون بطقوس غريبة جداً، ومنها شرب دماء الكلاب والعبث الذي لا يتخيله أحد، والمبرر لهذه الأشياء هو عدم الاهتمام بالذات وعدم الشعور بالتميز، في حين أننا أمة المسلمين متميزة في كلامها وفي لباسها وفي أخلاقها وفي طباعها وفي كل أحوالها.
стр. 142
الحث على الاهتمام بالتربية الصالحة
وهذه المدنية وإن كان لها فوائد من جهات متعددة، ولكن لها آثار سلبية جداً على كثير من الناس، وبعض الصالحين قد لا ينتبه لهذه القضية في تربيته لأطفاله مثلاً، فقد تلبس بنته لباساً قصيراً أو شفافاً أو شبه عار ولا يهتم بمثل هذه القضايا، مع أن لها تأثيراً كبيراً جداً في أخلاق هذه البنت، ولها تأثير كبير في أسرته، ومع زوجته ومع نفسه أيضاً، ويمكن أن يراجع في هذا كلام الشيخ بكر أبو زيد في حراسة الفضيلة، فله كلام دقيق في غاية الأهمية يتعلق بتربية البنات والبعد عن الملابس غير اللائقة بهن، وعدم التساهل مع البنات في المحرمات، وفيما يتعلق بالموسيقى والرقص والملابس وبأشياء كثيرة.
وكثير من الناس يتساهل ويقول: هؤلاء أطفال وليسوا مكلفين وكونهم ليسوا مكلفين، لا يعني أنه لا يربيهم، ولهذا قال النبي ﷺ : (مروا أبنائكم بالصلاة لسبع)، وهم غير مكلفين، (واضربوهم عليها لعشر)، وهم إلى الآن لم يكلفوا مع أن هناك ضرباً، ولهذا ينبغي الاهتمام بالتربية غاية الاهتمام، وهي في الحقيقة تبدأ من الإنسان نفسه، ثم يكون أثرها على أولاده وعلى زوجته وعلى مجتمعه، فيبدأ أولاً بالخلية الصغيرة في المجتمع وهي الأسرة ثم ينتقل بعد ذلك إلى بقية المجتمع.
стр. 143
الظاهر عنوان الباطن
قال المؤلف ﵀: [ولهذا قيل: الحلية في الظاهر تدل على ميل في الباطن، والناس يصنفونك من لباسك].
فعندما ترى شباباً في الشارع يلبسون (الشورت) الذي بدأ ينتشر، وهي عبارة عن سراويل قصيرة يلبسونها ويمشون بها في الشوارع، ليس لأنهم لا يملكون ملابس حسنة، ولكنهم يبحثون عنها ويلبسونها ويظنون أنهم بهذا قد أحسنوا صنعاً، ولا يشعرون أنها خطأ وهذه المظاهر التي نراها في بعض الشباب تدل على فراغ وخواء في الداخل، كما قال الشيخ، وهذا الكلام ذكره شيخ الإسلام ﵀ في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، وهو: أن اللباس في الظاهر عنوان لحقيقة في الباطن، فتارة يدل على أن الإنسان فيه رعونة، وتارة يدل على أن الإنسان متمشيخ، وتارة يدل على أن هذا الإنسان ضعيف النفس، وتارة يدل على أن فيه خواء، وتارة يدل على أنه إنسان متزن وطباعه جيدة، وليس فيها ما يعاب.
стр. 144
اللباس دليل على مدى عقل الإنسان
قال المؤلف ﵀: [والناس يصنفونك من ملبسك، بل إن كيفية اللبس تعطي للناظر تصنيف اللابس من: الرصانة والتعقل، أو التمشيخ والرهبنة، أو التصابي وحب الظهور فخذ من اللباس ما يزينك ولا يشينك، ولا يجعل فيك مقالاً لقائل، ولا لمزاً للامز].
وكثير من الشباب والدعاة يسألون عن حكم خروج الإنسان بملابس الرياضة لشراء أغراضه، أو إتيانه للصلاة مثلاً بثوب النوم أو بشيء من هذا القبيل، وفي بعض الأحيان قد لا يكون الشيء في حد ذاته محرماً، ولكنه يكون خارماً للمروءة، مثل: أن تجد إنساناً من الصالحين لحيته تملأ وجهه وهو بملابس الرياضة يمشي أمام الخلق، مع أن لبس ملابس الرياضة خاصة بالوقت الذي تلعب فيه الرياضة فإذا انتهى منها الإنسان، فلا مبرر له، ولو أن إنساناً أخذ ملابس السباحة ومشى بها في الشوارع فسوف يعاب، ولكن كثيراً من الدعاة لا يريد أن يجذب الناس إلى الأحسن، وإنما ينحدر معهم ويقول: أريد أن أختلط بالناس، صحيح أن الاختلاط بالناس مطلوب، ولكن أيضاً تربيتهم على الأمر النافع والطيب مطلوب أيضاً.
стр. 145
أهمية الاهتمام بالمظهر الشرعي
قال المؤلف ﵀: [وإذا تلاقى ملبسك وكيفية لبسك بما يلتقي مع شرف ما تحمله من العلم الشرعي، كان أدعى لتعظيمك والانتفاع بعلمك، بل بحسن نيتك يكون قربة، إنه وسيلة إلى هداية الخلق للحق.
وفي المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: أحب إلي أن أنظر القارئ أبيض الثياب.
أي: ليعظم في نفوس الناس، فيعظم في نفوسهم ما لديه من الحق.
والناس -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى- كأسراب القطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، فإياك ثم إياك من لباس التصابي، أما اللباس الإفرنجي، فغير خاف عليك حكمه، وليس معنى هذا أن تأتي بلباس مشوه، لكنه الاقتصاد في اللباس برسم الشرع، تحفه بالسمت الصالح والهدي الحسن.
وتطلب دلائل ذلك في كتب السنة والرقاق، لا سيما في (الجامع) للخطيب.
ولا تستنكر هذه الإشارة، فما زال أهل العلم ينبهون على هذا في كتب الرقاق والآداب واللباس، والله أعلم].
стр. 146
من آداب طالب العلم: الإعراض عن مجالس اللغو
قال المؤلف ﵀: [الحادي عشر: الإعراض عن مجالس اللغو.
لا تطأ بساط من يغشون في ناديهم المنكر، ويهتكون أستار الأدب، متغابياً عن ذلك، فإن فعلت ذلك، فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة].
ولا ينبغي للإنسان على سبيل المثال أن يذهب إلى المقاهي التي فيها المنكر ظاهراً، إلا إذا كان الغرض من ذلك الدعوة والإصلاح، فإن النبي ﷺ كان يغشى أندية الكفار وهم أشد خطراً من أصحاب الفسق فيدعوهم إلى الله ، فلو أن إنساناً مثلاً ذهب إلى مقهى من المقاهي وبدأ يدعو الناس ويصلحهم بطريقة مهذبة فلا يلام في ذلك، وإنما يلام لو أنه اتخذه مجلساً ومكاناً للفسحة ونحو ذلك.
ومثلها الأماكن المختلطة، فقد يتساهل بعض الصالحين مع الأسف فيذهب إلى المطاعم العائلية التي لا يكون فيها ستر، ولا أماكن حسنة تميز الناس بعضهم عن بعض، وإنما يكون فيها اختلاط، أو يكون فيها ستارة رقيقة جداً قد تنكشف المرأة من خلالها، فالذهاب إلى مثل هذه الأماكن لا يليق بطالب العلم، وأماكن الفسوق والمجون لا يصح الذهاب إليها والجلوس فيها على سبيل الاستئناس والمتعة.
стр. 147
أهمية إصلاح المجتمع وإنكار المنكرات
وينبغي أن نحرص على إصلاح المجتمع وعلى إنكار المنكر؛ لأنه متى ما فسد المجتمع فإننا سنواجه هذه المشكلات، ثم إذا أراد الإنسان أن يذهب يتنزه مع أهله فلن يجد أماكن مناسبة؛ بسبب فشو المنكر وظهوره، وإذا أراد أن يخرج مع أطفاله إلى مكان يلعبون فيه فقد يواجه منكرات، ولهذا ينبغي علينا أن نحيي روح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لو أن كل واحد منا أدى دوره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأصلحنا المجتمع بإذن الله ولا يتكلم الإنسان بما لا يعلم، ولا يكون بعيداً عن الآداب، بل ينبغي عليه أن ينكر المنكر بأدب ومع الأسف فإن كثيراً من الدعاة والصالحين والذين يحضرون الدروس والمحاضرات سلبيين، يرون المنكر بين أيديهم فلا يتكلمون، مع أنه ليس من الصعب الكلام باللسان، كأن يقول: يا أخي الكريم هذا الأمر الذي أنت عليه من المنكرات، ويذكره بالله ، وبالجنة وبالنار، وحتى لو أساء في الكلام فلن تكون إساءته أشد من الإساءة التي أسيء بها لرسول الله ﷺ عندما قيل له: مجنون وساحر، وقيل له ألوان متعددة من الكلام السيئ.
وهكذا إذا قرأ إنسان مقالاً في صحيفة مخالفاً للمعلوم من الدين بالضرورة، أو فيه مدح لزنديق من الزنادقة، أو لطاغوت من الطواغيت فيمكن للإنسان أن يرفع السماعة إما على الجريدة نفسها أو على الكاتب نفسه، ويذكره بالله وينصحه، وعندما تكثر هذه النصائح والتذكير في المجتمع سيتراجع المنكر ويضعف.
ومع الأسف فإن كثيراً من أصحاب المنكرات يقومون بأعمالهم، وليس عندهم تصريح فيما يقومون به، أو يقومون به جرأة وعدم اهتمام بالناس، وإذا وجدوا من يتكلم بالأدب وبالحسنى فإنهم سيتراجعون بإذن الله تعالى، وسيخف المنكر، ولكن عندما نسكت فإن المنكر ينتشر أكثر، بل ربما أثر على كثير من الصالحين فيتراجعون عن طريق الهداية، وحينئذ ستكون خسارتنا كبيرة، ونحن نملك ولله الحمد روحاً عظيمة، فينبغي أن نشارك بمثل هذه الروح، ونملك ولله الحمد هداية ونوراً على الشيء الذي نقوله، وإذا كنا ضعافاً فالضعف إنما هو بسببنا وبسبب تقصيرنا وعندما يقوم الإنسان بإنكار المنكر- كأن يسمع مثلاً شاباً يسمع ديسكو أو أغانٍ بصوت مرتفع فلينصحه وليذكره، ولا يرفع صوته عليه وليعط نموذجاً حسناً للمحتسب الصادق المؤدب، وليجمع بين هذه الثلات الصفات: الاحتساب والصدق في نفس الوقت والأدب، بحيث يشعر من ينكر عليه المنكر أنه محب له، وليس هدفه الانتقاص منه، وإيقافه عند حده، فهذه الروح ينبغي أن توجد فينا! وعندما يقوم الإنسان بعمل منكر ويشعر أن إنساناً يأتي إليه وهو صادق، ويتمنى له الخير، ويذكر له المشاعر التي يشعر بها، كأن يقول له: يا أخي! أتمنى لك الخير، والابتعاد عن هذه المعصية؛ لأن فيها ضرراً على دنياك وعلى آخرتك، وأتمنى لك كذا، وأسأل الله لك كذا، وتكلم معه بالكلام الحسن، ولو أن كل أحد من هذه الأعداد المتكاثرة من الشباب والدعاة والصالحين الذين يحضرون المحاضرات تكلم مجرد كلام فستتغير كثير من المنكرات الموجودة.
ولهذا فالسبب في كثير من الأحيان هو منا نحن، فقد اعتدنا على السلبية، فإذا رأى أحد منا منكراً من المنكرات قال: على كبار العلماء أن ينصحوا، وكبار العلماء قد رأوا هذه المنكرات الجزئية والتفصيلية، وليس بصحيح أن نلقي اللائمة والاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على العلماء الكبار، فما دام أنه بإمكاننا أن ننكر المنكر فعلينا إنكاره، فهذا هو المطلوب منا، وهو واجب علينا شرعاً، والله عندما ذم بني إسرائيل قال: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩]، فذم ما كانوا يفعلونه من ترك التناهي، قال ابن عطية ﵀: لو كانوا يتعاطون الكئوس كل واحد منهم يعطي الآخر، لكان واجباً على كل واحد أن ينهى الآخر عن هذا المنكر.
فكيف بنا ونحن عندنا ولله الحمد قدرة، والمجتمع ما زال على خير، ولكن تكاسلنا هو الذي يسبب انتشار المنكر، ولو كان فينا جرأة وشجاعة أدبية منضبطة لأوقفناه.
وأنا أطالب الإخوة ألا ينكروا المنكر بطريقة غير صحيحة، فبعض الأشخاص عندما ينكرون المنكر على شخص يسبونه ويتكلمون عليه، وهم بهذه الطريقة يعطون انطباعاً غير صحيح؛ لأنهم ليست لديهم سلطة يستطيعون أن يجبروا الخلق عليها في زمن يستطيع الإنسان أن يأتي فيه بالمنكر إلى داخل بيته مع الأسف، فلنعط صورة حسنة، وانطباعاً حسناً عن الصالحين وعن المحتسبين، من خلال الكلمة الطيبة، وإبداء المشاعر الطيبة، فينبغي أن يكون لنا دور في إضعاف وتقليل مجالس وأماكن اللهو والفساد.
فمثلاً: رأينا شاباً يعاكس فلنتكلم معه ولننصحه ونذكره بالله، وإذا افترضنا في أسوأ الحالات أنه تكلم علينا كلاماً سيئاً فإن لنا الأجر عند الله ، ولكن بشرط أن نتكلم ويكون كلامنا ممتازاً، وأما إذا تكلمنا بكلام سيئ، فطبيعي أن يكون الرد سيئاً، وإذا جئنا إلى شخص وتكلمنا عليه كلاماً سيئاً فلن يرد علي
стр. 148
إثبات صفة الكلام لله تعالى
الكلام صفة من صفات الله الثابتة له بالأدلة الشرعية، والمقصود بالكلام أن الله يتكلم بحروف وأصوات وعندما نقول: نحن نثبت صفة الكلام، فمعنى هذا: أن كلام الله كلام مكون من حروف وصوت من الله ، وهذا يدل على إثبات صفة الصوت لله والدليل على أن صفة الكلام مشتملة على الحروف الحديث المشهور: (إن الحسنة بعشرة أمثالها لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف، ولام حرف، وميم حرف) فدل هذا على أن كلام الله مكون من هذه الحروف.
والمقصود بالحرف الذي يثاب عليه الإنسان في القرآن الكلمة كاملة، وكثير من الناس يتصورون أن المقصود بالحرف: هو كل حرف من حروف الكلمة، فمثلاً كلمة (محمد) يتصورون أنهم يأخذون عليها أربعين حسنة، والصحيح في هذه القضية ما حققه شيخ الإسلام ﵀: أن الكلمة كاملة مثل (محمد) تعتبر حرفاً واحداً، ويكون له فيها عشر حسنات، ولهذا نلاحظ أن قوله: (لا أقول (ألم) حرف) أن (ألم) مكونة من ثلاثة أسماء، وليست كلمة واحدة، وإنما هي ثلاثة كلمات، مع أنها في الشكل مثل كلمة (أَلَمْ)، و (أَلَمْ) كلمة واحدة، بينما (ألم) ثلاث كلمات ولهذا قال: (ألف حرف) و (ألف) هذه كلمة مكونة من ثلاثة حروف، الألف واللام والفاء، (ولام حرف) وكلمة (لام) هذه اسم، (وميم حرف)، وكلمة (ميم) مكونة من ثلاثة حروف من حروف المباني، وهي تعتبر اسماً، هذا ما حققه شيخ الإسلام ﵀ من أن المقصود بالحرف الذي ينال عليه الإنسان الأجر هو الكلمة بكاملها، وليست هي حروف المباني كما يتصور البعض.
стр. 149
الأدلة على أن كلام الله بصوت
وأما كون الله يتكلم بصوت فهذا ثابت من عدة جهات: أولاً: أنه ورد في حديث الشفاعة الطويل أنه قال: (ينادي الله بصوت يسمعه من بعد كما يسمه من قرب) فقوله: (بصوت) يدل على أن الله يتكلم بصوت.
ثم النداء في قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم:٥٢]، والنداء المنسوب إلى الله والقول في لغة العرب يكون بالصوت، ولا يسمى نداء بدون صوت.
وصفة الكلام صفة ثابتة لله ، وقد كان أهل السنة في زمن الصحابة والتابعين يثبتون هذه الصفة، وليس عندهم أي إشكال فيها، ثم حصل الخلاف الكبير عندما اقترب المعتزلة من الخلفاء العباسيين، وبالذات المأمون، عندما استطاعوا إقناعه بأن القرآن ليس من كلام الله، وأن الله لا يتكلم كلاماً، وأن الكلام ليس صفة من صفاته، وإنما كلامه خلقه، وقالوا: تكلم الله يعني: خلق، فالقرآن كلام الله بمعنى: أنه خلق القرآن كغيره من مخلوقات الله، ويرون أن القرآن مثل الإنسان، فكما أن الإنسان مخلوق فالقرآن مخلوق، ولا يجيزون أن ينسب الكلام لله على أنه صفة له، بمعنى: أنه يتكلم بصوت وحرف، وإنما يقولون: هو صفة من باب أنه خُلق والخلق من الصفات.
стр. 150
محنة خلق القرآن
وقد امتحنوا أئمة السنة على أن القرآن مخلوق، وكلنا يعلم المحنة الكبيرة التي حصلت لعلماء أهل السنة في زمن المأمون عندما امتحنهم، فحصلت ربكة كبيرة في أوساط العلماء، وأكثر العلماء لما رأوا أن السلطان صاحب القوة والشكيمة يريد أن يلزم الخلق صاروا يتأولون ويخرجون بطرق يتقون بها مواجهة الحاكم الذي امتحنهم في هذه القضية من قضايا العقيدة، إلا الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ومحمد بن نوح ثبتا على أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وأنه صفة من صفاته، وأنه جزء من كلام الله ، ثم طلبهما المأمون فتوفي محمد بن نوح في الطريق، ودعا الإمام أحمد ربه أن لا يريه المأمون، فمات قبل أن يلقاه الإمام أحمد، ثم استمرت الفتنة في زمن المعتصم بعده، ثم استمرت في زمن الواثق، وحصلت فتنة كبيرة في زمن الواثق؛ لأن بعض علماء أهل السنة بايعه مجموعة من الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقتلهم، وهو أحمد بن نصر الخزاعي قتله الواثق بيده، ولم تنته الفتنة إلا في زمن المتوكل، واستمرت هذه الفتنة لمدة عشر سنوات وهذه الفتنة فيها دروس عظيمة وعبر كبيرة، ففيها دروس تتعلق بالمسائل العقدية تفصيلاً، ومنها دروس تتعلق بالمسائل الدعوية والاجتماعية، وقد ظهرت فتن كبيرة في زمن الإمام أحمد، ولكن الإمام أحمد بعلمه وببصيرته وبمعرفته بالسنة استطاع أن يفتي في كل واحدة من هذه الفتن وأولها فتنة المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن مخلوق، فرد عليهم واستدل عليهم بالنصوص.
стр. 151
ظهور بدعة القول بالكلام النفسي
ثم جاءت طائفة أخرى من أهل الحديث فتأثروا بالنقاش الكلامي مع المعتزلة، وتبنوا دليل حدوث الأجسام، فتوصلوا إلى بدعة جديدة، وهي: أن القرآن كلام الله، ولكنه كلام نفسي وليس بحرف ولا صوت كما نجد في كتب الكلابية من يقول: إن القرآن كلام الله، ويستدل بالنصوص الشرعية على أن القرآن كلام الله، ويتكلم في هذه القضية بشكل واضح قد لا ينتبه له أي أحد، ولكن عند تفسير هذا الكلام يقول: إن الكلام هنا ليس بحرف وصوت، وإنه قديم وكلام واحد، وإنه لا يتكلم متى شاء كيف شاء، وإن صفة الكلام صفة ذاتية، وليست صفة فعلية متعلقة بمشيئة الله ، فبدع الإمام أحمد هذه المقالة وحذر منها وحذر من ابن كلاب وهجره في أحداث كثيرة جداً، يمكن تتبعها من خلال كتب السير والأخبار.
стр. 152
ظهور طائفة الواقفية
ثم ظهرت طائفة ثالثة سموا بالواقفة قالوا: نحن لا نقول إن القرآن كلام الله بحرف وصوت، ولا نقول أيضاً: إنه مخلوق، وإنما نقف في هذه المسألة، فقال الإمام أحمد: هذه بدعة أيضاً؛ لأن الوقوف والسكوت عن مسألة بين الحق والباطل انحراف عن الحق نفسه؛ لأن الله ورسوله ﷺ صرحا أن القرآن كلام الله، وأنه بحرف وصوت، فعندما يقول أحد: أنا أقف ولا أدري هل هو بحرف وصوت أم لا، فكأنه لا يعترف ولا يؤمن بهذه النصوص الشرعية، فقال الإمام أحمد: إن الواقفة جهمية مبتدعة!
стр. 153
ظهور طائفة اللفظية
ثم خرجت طائفة رابعة، وهم اللفظية، وحقيقة قولهم أنهم قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق، فأصبحت الكلمة محتملة، فكانوا يُسألون: ماذا تعنون بقولكم لفظنا بالقرآن مخلوق، هل تعنون به أن ألسنتكم التي تتحرك بالكلمات مخلوقة وما ينتج عنها من أصواتكم مخلوق؟! إذا كان هذا المقصود فهو صحيح، وأما إذا كنتم تعنون أن القرآن نفسه كلام الله، ولكن عندما يقرؤه القارئ وهو كلام الله الأول يكون مخلوقاً دون الالتفات لمسألة كون الإنسان إذا تكلم فإن كلامه يعتبر مخلوقاً؛ فهذا بدعة، ولهذا قال الإمام أحمد: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن قال: لفظي بالقرآن ليس بمخلوق فهو مبتدع؛ لأنه عندما واجههم الإمام أحمد وعلماء السنة بدأ الجهمية يحتالون بعد أن انهزموا في هذا المجال، فبدءوا يحتالون على الناس ويأخذون عناوين عامة، ويدخلون من خلالها لعقائدهم التي يريدون، فكان يأتي الشخص منهم ويقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فإذا صححته وقلت: نعم كلامك صحيح، قال: أنا تلفظت بهذا القرآن الذي هو في الأصل من كلام الله، إذاً: القرآن مخلوق، فهو يريد أن يصل إلى القول بخلق القرآن بهذه الطريقة وقد يقول هذا القول إنسان صادق بعيد عن هذا القول ويكون قصده صحيحاً، ولهذا الكلمات والألفاظ المجملة ينبغي على أهل السنة الابتعاد عنها؛ لأنها محتملة للحق وللباطل، فينبغي علينا إذا سمعنا مثل هذه الكلمات أن نستفصل.
ثم جاءت طائفة أخرى وقال بعضهم: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وهم من الغلاة الذين بالغوا في الإنكار على من قال بخلق القرآن، وادعوا أن ألفاظهم نفسها وحركة ألسنتهم ليست مخلوقة، وهذا قول باطل، فإن حركة اللسان نفسه وكلام الإنسان نفسه مخلوق، ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع؛ لأنها كلمات عامة استغلها طوائف من أهل البدع وأخذوها ستاراً لمآربهم، فحذر من هذه الكلمات الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
стр. 154
أسباب ثبات الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن
قال ابن أبي داود ﵀: [وقل غير مخلوق كلام مليكنا بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ولا تك في القرآن بالوقف قائلاً كما قال أتباع لجهم وأسجحوا ولا تقل القرآن خلق قرأته فإن كلام الله باللفظ يوضح].
هذه الأبيات الثلاثة تتعلق بموضوع القرآن، وهل القرآن من كلام الله أو ليس من كلام الله، وهل هو مخلوق أو غير مخلوق.
وبعض الناس يقول: وماذا يترتب على هذه القضية؟ ولماذا أتعب الإمام أحمد نفسه وثبت في هذه القضية، وسجن وجلد وعذب حتى كاد يقتل؟ ونقول: هذه القضية ليست بالقضية الهينة، والإمام أحمد ﵀ وقف في هذه الفتنة لعدة مصالح.
أولاً: أنه لو وافق على أن القرآن مخلوق ففي هذا تحريف للنصوص الشرعية الواردة بأن القرآن كلام الله .
ثانياً: أنه سينفتح على الأمة باب كبير من أبواب البدع، وهو تأويل صفات الله ، واتخاذ العقل مصدراً لتلقي العقائد وحينئذ ستنحرف الأمة انحرافاً كبيراً، ولهذا قال كثير من أهل العلم: إن الله حفظ هذه الأمة بـ أبي بكر يوم الردة وبـ أحمد بن حنبل يوم الفتنة ولهذا سيبقى اسم الإمام أحمد بن حنبل ﵀ مرتبطاً بالسنة وبالعقيدة إلى قيام الساعة.
وهناك أشخاص من الصالحين جعلهم الله من الذين يثبتون هذه الأمة، وأصبحت شهرة الإمام أحمد تطبق الآفاق، ليس في زمانه والزمان الذي بعده فحسب، بل إلى زماننا هذا، وستستمر حاجة الناس إلى مسند الإمام أحمد وبقية كتبه إلى ما بعد ذلك، وهذا يدل على أن الإنسان إذا كان صادقاً ووقف لله في قضية حساسة تتعلق بأصول العقيدة أن الله يثبته ويوفقه كما حصل للإمام أحمد ﵀.
وقول المؤلف: [وقل غير مخلوق كلام مليكنا بذلك دان الأتقياء وأفصحوا].
والأتقياء: هم الصحابة والتابعون ومن جاء بعدهم من أهل السنة.
وقوله: [ولا تك في القرآن بالوقف قائلاً].
يعني: لا تقل أنا متوقف هل هذا القرآن كلام الله أو ليس بكلام الله؟ وهل هو مخلوق أو ليس بمخلوق؟ لأن التوقف معناه عدم الإيمان، وعدم الإقرار بالنصوص الدالة على أنه كلام الله وأنه غير مخلوق.
وكلام الله باللفظ يوضح؛ لأن كلام الله كما تعلمون صوت وحرف، واللفظ حروف مشتملة على أصوات، وتعريف اللفظ في لغة العرب: شيء ملفوظ، واللفظ بمعنى: الرمي، والكلام الملفوظ معناه: الكلام الذي يكون بحروف مشتملاً على أصوات.
стр. 155
شرح صفة الكلام من لمعة الاعتقاد
قال ابن قدامة ﵀ في لمعة الاعتقاد: [فصل: كلام الله.
ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم].
وقوله: [متكلم بكلام قديم] كلمة قديم معناها: أنه غير متجدد، يعني: كلامه تكلم به في أول الأمر، ثم لم يتكلم بعد ذلك؛ لأن عكس القديم المحدث، والحقيقة أن هذه شبهة مأخوذة من الكلابية؛ لأن الكلابية والأشعرية أقروا بأن كلام الله غير مخلوق وصرحوا به، وقالوا: الكلام صفة من صفات الله، ولكن يختلفون في شرح هذه الكلمة عن أهل السنة، فيقولون: كلام الله هو صفة من صفات الله الذاتية غير متعلق بالمشيئة، قديم، واحد، وهو كلام معنوي ويترتب على هذا أن الله لا يتكلم بحرف وصوت، وأن الله لا يتكلم إذا شاء متى شاء.
وهذا باطل؛ لأن الله تكلم ويتكلم الآن ، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
فكل مخلوقات الله تحصل بكلمة من الله ، فهو يتكلم في كل وقت بما يشاء .
والقول بأن كلامه قديم يعارض عقيدة أهل السنة في أن الله يتكلم متى شاء في الوقت الذي يشاء، ومن ذلك الكلام يوم القيامة؛ ولا نقول إن ابن قدامة كان على مذهب الكلابية أو على مذهب الأشعرية لكن هناك مواطن من اللمعة فيها إشكالات، ولكن هذه الإشكالات لا تؤثر على الشيخ من حيث أصل عقيدته في باب الأسماء والصفات وأنه يثبت هذه الصفات لله كإثبات السلف.
وقد ذكر ابن تيمية ﵀ في مجموع الرسائل والمسائل: أنه لا يوجد أحد من السلف يقول إن كلام الله قديم.
وصدق شيخ الإسلام ﵀؛ لأن كلام الله متعلق بمشيئته، وهو يتكلم يوم القيامة، فلا يصح أن يقال هذا الوصف في كلام الله .
قال المؤلف ﵀: [ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم يسمعه منه من شاء من خلقه، سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة، وسمعه جبريل ﵇، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه].
وهذا يدل على أن رأي ابن قدامة ﵀ ومذهبه صحيح في موضوع الكلام، وهذه الأوصاف التي ذكرها في صفة الكلام تناقض كلمة قديم؛ لأنه قال: (سمعه موسى ﵇ وموسى جاء بعد إبراهيم وجاء بعد آدم وجاء بعد خلق الله للسماوات والأرض، ومن كان هذا حاله فلا يقال: إنه قديم، وقال: (وسمعه جبريل ﵇، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة).
ولا يصح في هذه الأوصاف التي ذكرها أن يقال عنه قديم، لأن القديم معناه: الذي لا أول له وليس بمتكرر ولا متعلق بالمشيئة، فنخلص من هذا إلى أن مذهب ابن قدامة ﵀ في موضوع الكلام مذهب سني سلفي صحيح، وأنه أخطأ في استخدام عبارة قديم.
стр. 156
الأدلة على ثبوت صفة الكلام لله تعالى
قال المؤلف ﵀: [قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]].
والفاعل هنا هو الله ؛ لأنه مرفوع بالضم، فالمتكلم هو الله و (تَكْلِيمًا) توكيد لهذا الكلام.
قال المؤلف ﵀: [وقال سبحانه: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]].
وهذه كلها من الصفات المضافة إلى الله .
قال المؤلف ﵀: [وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١].
وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١١]].
والنداء في لغة العرب هو الذي يكون مشتملاً على الصوت، فإنهم لا يسمون نداءً ما كان في النفس، فلو أنك في نفسك طلبت مجيء فلان فلا يسمى هذا نداء في لغة العرب، وإنما النداء المشتمل على الصوت، وهو صوت يليق بجلاله .
قال المؤلف ﵀: [وقال سبحانه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله].
وهذه من الإلزامات التي ألزم أهل السنة بها المعتزلة، فإنه قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤]، فلو كان القرآن مخلوقاً أو كان القائل له جبريل كما يقول الأشعرية، فإن معنى هذا أنه ينسب لنفسه الخلق، ولا يصح لمخلوق أن ينسب لنفسه أنه هو الله، ويقول: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أنا).
قال المؤلف ﵀: [وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء)، روى ذلك عن النبي ﷺ ، وروى عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ أنه قال: (يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراةً حفاةً غرلاً بهماً فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان)، رواه الأئمة واستشهد به البخاري].
وهذا يدل على أن الله يتكلم بصوت.
قال المؤلف ﵀: [وفي بعض الآثار: إن موسى ﵇ ليلة رأى النار فهالته ففزع منها فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت، فقال: لبيك لبيك! أسمع صوتك ولا أرى مكانك! فأين أنت؟! فقال: أنا فوقك وأمامك وعن يمينك وعن شمالك، فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى.
قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع، أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى].
وهذا النص مأخوذ من الإسرائيليات، والقاعدة في الإسرائيليات أنها إذا كانت موافقة لشريعتنا فإننا نحدث بها، وعندنا في شريعتنا ما يغنينا في العقيدة، وأما إذا كان فيها ما يخالف الشريعة فيجب أن ترد، وأما إذا كان فيها أخبار تفصيلية، وليس فيها موافقة ولا مخالفة فنتوقف ولا ننسب لها الصدق ولا الكذب، لأننا لا نعلم مدى صدق هذا الكلام المنسوب.
وعلى كل حال ففي النصوص الشرعية غنية عن الاستدلال بالإسرائيليات، ولكن كثيراً من أهل العلم كانت طريقتهم أنهم يحشدون كل ما عندهم من أدلة وهذه هي طريقة شيخ الإسلام ﵀، فقد كان إذا أتى إلى مسألة استدل عليها بالقرآن وبالسنة وبأقوال الصحابة وبأقوال التابعين وبالأحاديث الضعيفة بعض الأحيان، وبالأحاديث الموضوعة، وبالرؤى والمنامات وبالأخبار التي ينقلها الناس، ونحو ذلك، فتصبح هذه الأدلة قسمين: قسم تستقل بالاستدلال ويمكن أن يعتمد عليها، وقسم أراد به الشيخ أن يعضد هذه المسألة.
وبعض الذين يقرءون في كتب ابن تيمية قد يستغربون، ونحن هنا قد نستغرب أن ابن قدامة نقل هذا النص عن أهل الكتاب، مع أن النصوص صريحة في القرآن والسنة، ونقول ما الداعي لهذا، والأولى هو الاكتفاء بالنصوص الشرعية؟ نقول: فهذا على طريقة العلماء قديماً، فقد كانوا يحشدون كل ما في إمكانهم من أدلة على هذه القضية، وكان الناس في زمانهم يعلمون هذا القصد، ولكن مع تراجع العلم وضعفه أصبح بعض طلاب العلم قد يستغرب هذا المسلك من بعض أهل العلم، ويظن أنهم يستدلون بالأحاديث الضعيفة، وبالأحاديث الموضوعة، أو يستدلون بالرؤى والأحلام، أو يستدلون بأخبار أهل الكتاب، وهم في الحقيقة لا يستدلون بذلك، وإنما يأتون بها للاعتضاد وليست للاعتماد وقد صرح ابن تيمية ﵀ بهذا القصد في كتابه (الاستغاثة)، فإنه نقل نصوصاً كثيرة جداً، ونقل فيها رؤى وأحلاماً ومنامات وغرائب، وبعض الأحيان قد ينقل قصة من القصص ويقول في آخرها: وهذه القصة منكرة، فيتعجب بعض الناس لماذا يعمل هذا العمل؟! ثم إذا عرف مسلك أهل العلم زال عنه العجب، وعرف أن هذه النصوص وهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة لم يؤت بها
стр. 157
القرآن كلام الله
قال المؤلف ﵀: [فصل: القرآن كلام الله.
ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين].
وهذا فيه أن القرآن جزء من كلام الله، وليس هو كل كلام الله، فكلام الله أوسع من القرآن وأكثر كما هو معلوم، والأدلة كثيرة على كلام الله وسعته.
قال المؤلف ﵀: [ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين وحبله المتين وصراطه المستقيم وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود].
وقوله: (منه بدأ) يعني: من الله بدأ هذا القرآن، فالله هو المتكلم الأول به، وقوله: (وإليه يعود) ذكر بعض الشراح أن المقصود بقوله: (وإليه يعود) يعني: أن القرآن في آخر الزمان يؤخذ من صدور الناس، فيقوم الناس في يوم من الأيام ليس عندهم شيء منه لا في الصدور ولا في السطور أيضاً، وبعضهم قال: يعني: أن مصير الناس جميعاً إلى الله .
قال المؤلف ﵀: [وهو سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات، من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر].
وقوله: (له أول وآخر) وقوله: (حروف وكلمات وسور محكمات وآيات بينات) هذا فيه الرد على الكلابية والأشاعرة الذين قالوا: إن كلام الله كلام نفسي، وأنه واحد غير متعدد فما قيل لهم: هناك فروق في الأساليب بين الاستفهام والأمر والنهي والخبر ونحو ذلك من الأساليب، قالوا: هذا الكلام الواحد كله أمر ونهي واستفهام وخبر ونحو ذلك، فناقضوا العقل بالإضافة إلى مناقضتهم الشرع.
قال المؤلف ﵀: [له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان مكتوب في المصاحف فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]].
وهناك مسائل يذكرها بعض المتنطعين، فبعضهم يقولون: ماذا تقول في مداد القرآن، وهل مداد القرآن من صفات الله أو أنه مخلوق؟! وبعضهم يقولون: ماذا تقول في المصحف نفسه الذي بين أيدينا؟ وماذا تقولون في صوت القارئ هل هو من القرآن أو ليس من القرآن؟ وهذه قضية في غاية الوضوح؛ لأن المداد لا شك أنه مخلوق، سواء كتب به قرآن أو كتب به كلام آخر من الكلام، وأما الأوراق نفسها فهي مخلوقة، لكن ليست هذه هي القرآن الذي تكلم الله به، وإن كان الناس يقولون: هذا هو القرآن، يقصدون المصحف كما تقول الآن: قال امرؤ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل إلى آخره.
فهل الذي قال الآن أنت أو امرؤ القيس؟ ولو جئت وقلت: قلت أنا: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل لقال لك الناس: أنت كذاب، لأنك تنسب الشيء لنفسك ولم تقله أنت، فالقائل المقصود به الأول الذي قاله أولاً وهكذا القرآن هو كلام الله الأول، فإذا كتب في مصحف واصطلح الناس على تسميته قرآناً فلا يعني هذا أن هذا القرآن الذي بين أيدينا هو نفسه كلام الله، فهذا تنطع وعبث أراد به بعض الجاهلين التشويش على عقيدة أهل السنة في أن القرآن كلام الله ، وأرادوا أن يشككوا الناس في كونه مخلوقاً، ولكن هذه الشبهة بسيطة لا تنطلي على أحد.
стр. 158
تكذيب الله لمن أنكر أن القرآن من كلامه
قال المؤلف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ:٣١]، وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]].
وفي هذا مشابهة مع قول الأشاعرة، فالأشاعرة قالوا: إن القرآن هو كلام الله ، وهو كلام واحد معنوي، وليس بحروف ولا صوت، فقلنا لهم: والكلام هذا المفصل بين أيدينا؟ قالوا: الكلام هذا إما من كلام جبريل، أخذ المعنى من الله ثم تكلم به بهذه العبارات الموجودة، فهو تعبير من جبريل، وإما من محمد ﷺ .
ونحن نعلم أن محمداً وجبريل مخلوقان، ففي هذا القول مشابهة لقول المشركين: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] لأن هذا القرآن بحروفه وأصواته ومعانيه هو كلام الله ، ولهذا كان معجزة لم يستطع أحد أن يأتي بسورة من مثله، فضلاً عن عشر سور، فضلاً عن أن يأتي بمثله كاملاً.
قال المؤلف ﵀: [وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فقال الله سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]].
وهذا يدل على خطورة هذه العقيدة؛ لأنه قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦].
قال المؤلف ﵀: [وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩] فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآناً لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات، لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد: إنه شعر.
وقال : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣] ولا يجوز أن يتحدى بالإتيان بمثل ما لا يدري ما هو ولا يعقل.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥] فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم].
أي: ليس من قول النبي ﷺ وإلا لاستطاع أن يبدله من تلقاء نفسه، ولكن لأنه ليس من كلامه فليس له أن يبدله من تلقاء نفسه.
قال المؤلف ﵀: [وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩] بعد أن أقسم على ذلك، وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢] وافتتح تسعة وعشرين سورة بالحروف المقطعة].
ومن معاني هذه الحروف المقطعة كما ذكر أهل العلم -وهو أقوى قول فيها- أن المقصود بها أن الله ذكر هذه الحروف ليبين للكفار الذين تحداهم بهذا القرآن، أن هذا القرآن من جنس هذه الحروف، وأنكم قادرون على تركيب كلمات من هذه الحروف، ومع ذلك لم تستطيعوا أن تأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة منه، مما يدل على أن هذا القرآن هو من كلام الله وليس من قول البشر، ولا من قول محمد ﷺ .
قال المؤلف ﵀: [وقال النبي ﷺ : (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة) حديث صحيح.
وقال ﵊: (اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه).
وقال أبو بكر وعمر ﵄: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه.
وقال علي ﵁: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله.
واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه.
ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً متفقاً عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف].
стр. 159
الأدلة من القرآن على ثبوت صفة الكلام لله تعالى
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [إثبات الكلام لله تعالى.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]].
والحديث في لغة العرب هو: الكلام الذي يكون بحروف وأصوات.
قال المؤلف ﵀: وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢].
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٦].
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥].
وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣].
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]].
ونلاحظ أن هذه الصفة جاءت بعدة صيغ، فجاءت بصيغة الكلام مباشرة كما في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].
وجاءت بصيغة القول: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾ [المائدة:١١٦] وغير ذلك من الآيات.
وجاءت بصفة الحديث، كما قي قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].
وجاءت بصيغة المناداة، وكل هذه الصيغ تدل على معنى واحد، وهو صفة الكلام لله وأنه بحروف وأصوات.
قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠]].
وإذا سأل سائل: ما هو الدليل على أن الله يتكلم بصوت؛ قلنا: هذه الصيغ في لغة العرب لا تكون إلا بالصوت، فالقول لا يكون إلا بالصوت، والمناداة بشكل أخص لا تكون إلا بالصوت، فهذا معناها ومدلولها في لغة العرب، هذا فضلاً عن ورود أحاديث صريحة في الإتيان بنفس الصفة، مثل حديث: (يتكلم الله بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب).
قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢].
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥].
وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦].
وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥].
وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح:١٥].
وقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧].
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]].
فالقرآن معناه المقروء، والمعاني ليست مقروءة بدون ألفاظ، فبناء على هذا القرآن ليس هو المعنى الموجود في الله فإنه لا يسمى قرآناً؛ لأنه لا يسمى قرآناً إلا ما كان مقروءاً، ولا يكون مقروءاً إلا إذا كان هناك حروف وأصوات مسموعة يسمعها الإنسان.
وبالنسبة للعناوين ليست من ابن تيمية، وإنما هي من تصرف المحققين حتى يرتبوا الآيات وابن تيمية بدأ بقوله: (فمن آيات الصفات قوله وقوله وقوله) حتى ذكر عشرات الآيات في عشرات الصفات أيضاً، فالتوزيع والعناوين جاءت من المحققين، وفي بعض الأحيان تكون من دور النشر بهدف ترتيبها للطلاب.
قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢]].
و (كِتَابٌ) بمعنى: مكتوب فالقرآن كما أنه مقروء هو مكتوب، ولا يكون مكتوباً إلا إذا كان بحرف، والمعنى لا يكتب بدون حرف يمكن فهم دلالة المعنى من خلاله.
قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١].
وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُم
стр. 160
الأدلة من السنة على ثبوت صفة الكلام لله تعالى
قال ابن تيمية ﵀: [وقوله ﷺ : (يقول تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك!)].
وهذا يدل على أن فيه قولاً مسموعاً يسمعه آدم ولهذا يجيب فيقول: (لبيك وسعديك!) وهذا القول يكون يوم القيامة، وهو يدل على أن الله يتكلم متى شاء كيف شاء.
قال المؤلف ﵀: (فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) متفق عليه].
قال: (فينادي بصوت)، ومجرد كلمة النداء تدل على الصوت، وجيء بكلمة الصوت هنا توكيداً لهذا المعنى، وقوله: (بصوت) دليل صريح في هذه المسألة، وهو ثابت في الصحيحين.
ويقول أهل الكلام وأهل البدع: إن هذا الحديث من أحاديث الآحاد الظنية التي لا تقبل في العقيدة، فردوا ثلاثة أرباع السنة أو أكثر من ثلاثة أرباعها، ولم يقبلوها في العقيدة؛ لأنها ظن لم تبلغ حد التواتر.
ونقول لهم: النبي ﷺ أرسل إلى ملوك الروم والفرس والمقوقس ووالي اليمن أفراداً يدعونهم إلى أعظم قضية وهي التوحيد وإلى تغيير أديانهم، ويقولون لهم: أديانكم باطلة، والدين الجديد هو الذي جاء به محمد ﷺ ، وهذه رسالة منه! ولم يقل لهم حاكم ذاك البلد: يجب حتى أومن بهذه العقيدة أن يرسل إليَّ محمد حد التواتر حتى يكون يقينياً، وأن تكون الألفاظ التي كتبها لا تحتمل المجاز ولا التخصيص ولا المعارض العقلي، فهذه لم يقلها الملوك ولم يفعلها الرسول ﷺ ، مما يدل على أن عقيدة أهل الكلام في باب أخبار الآحاد من أفسد العقائد؛ لأنها ألغت جزءاً كبيراً من سنة النبي ﷺ في العقيدة، فلم يعمل بها عندهم؛ بسبب هذا التعليل الفاسد الذي جاءوا به.
قال المؤلف ﵀: [وقوله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه وليس بينه وبينه ترجمان)].
وهذا صريح في أن الكلام يكون بحروف وأصوات، ولهذا قال: (ليس بينه وبينه ترجمان) والترجمان إنما يكون بين اثنين يسمع من أحدهما ثم يترجمه للآخر، ثم يسمع الآخر ويترجمه لهذا، فلا بد فيه من الكلام، وأن يكون بصوت وحرف، ولهذا كان هذا الحديث من أصرح الأحاديث في أن الله يتكلم بصوت وبحروف .
وأما محاولة تخيل صوت الله وأنه كأصوات الخلق فهي محاولة فاسدة في كل الصفات، وليست في صفة الكلام فقط، حتى في صفة الوجود، فكون الله موجود لا يحق لنا أن نتخيل أن وجوداً الله كوجود خلقه، فكيف ببقية الصفات؟ تعالى الله عن الأوهام علواً كبيراً.
стр. 161
الأسئلة
стр. 162
معنى قول الأشاعرة: إن كلام الله غير متعلق بالمشيئة
السؤال
ماذا يقصد الأشاعرة بقولهم: إن كلام الله غير متعلق بالمشيئة؟
الجواب
يقصدون بذلك أن الله كلامه قديم وواحد، وأنه لا يتكلم في كل وقت كما يشاء، والذي دعاهم لهذا هو أنهم تصوروا أنه إذا كان يتكلم في كل وقت بالشيء الذي يشاؤه فإن هذا يستلزم الحدوث؛ لأنه إذا تكلم الآن وتكلم يوم القيامة فإن هذا يدل على أن هذه الصفة حدثت بعد أن لم تكن موجودة، وعندهم الحدوث دليل على أن المحدث مخلوق، وهذا ركبوه بناء على دليل عقلي اخترعوه هم، وليس عليه نصوص شرعية تدل عليه.
ونحن نقول: سواء سميتموه حدوثاً أو لم تسموه حدوثاً فنحن لا يهمنا، وإنما أهم شيء هو أن هذه الصفة أثبتها الله لنفسه، وهي لا تدل على النقص بأي وجه من الوجوه وإذا سميتموه أنتم حدوثاً قلنا: هل الحدوث عندكم نقص؟ فإن قلتم: نعم، قلنا: النقص باطل، ولكنه يتكلم إذا شاء، وأما إذا تخيلتم أن شيئاً من صفات الله يستلزم النقص وقد أثبته الله لنفسه فهذا تخيل فاسد، وهو إنما حصل بسبب الأوهام عندكم، وليس فيما أثبت الله لنفسه من الصفات شيء يتضمن النقص بأي وجه من الوجوه.
стр. 163
الكتب السابقة من كلام الله
السؤال
هل التوراة والإنجيل والكتب السابقة من كلام الله ؟
الجواب
نعم، التوراة والإنجيل والكتب السابقة هي من كلام الله ، وذلك عندما نزلت هذه الكتب على الأنبياء، فالتوراة عندما نزلت على موسى والإنجيل عندما نزل على عيسى كانا من كلام الله، ولكن بعد ذلك حرفهما أهل الكتاب، فالكلمات المحرفة التي حرفوها ليست من كلام الله قطعاً، وإنما هي من كلام الأحبار والرهبان.
стр. 164
لم يقل أحد من أهل السنة أن الأحاديث الظنية لا يؤخذ بها في العقائد
السؤال
هل هناك من علماء أهل السنة الذين تكلموا في أصول الفقه من قال إن أحاديث الآحاد أحاديث ظنية، ولا يؤخذ بها في باب العقائد؟
الجواب
لا يوجد عالم سني يقول: إن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد، وإن كان قد يوجد من علماء أهل السنة من يسمي أحاديث الآحاد ظنية، ولكنه يقول: نحن مطالبون بغلبة الظن، ولهذا أمرنا بقبولها في الأحكام والعقائد، فقد يسمونها ظنية من باب التسمية، وأما أن يرتبوا عليها أنها لا تقبل في العقائد، فهذا لا يقول به إلا مبتدع، ولا يقوله عالم من أهل السنة.
стр. 165
حكم قول: (والذي نفس محمد بيده)
السؤال
ما حكم قول: (والذي نفس محمد بيده)؟
الجواب
هذا حلف، والله هو الذي نفس محمد بيده.
стр. 166
مدى صحة حديث قتل الفواسق الخمس
السؤال
حديث: قتل الخمس الفواسق وحديث قتل الوزغ، هل هي صحيحة؟ وهل تفيد الجواز أم الاستحباب؟
الجواب
قتل الخمس الفواسق وقتل الوزغ ثابت في صحيح البخاري، بل ورد في تعليله في صحيح البخاري أن النبي ﷺ أخبر أنه كان ينفخ النار على إبراهيم حقداً على الأنبياء والعياذ بالله! وهذه الأحاديث لا يقبلها كثير من أصحاب الأهواء الذين يسمون عقلانيين، وهم في الحقيقة من أهل الأهواء وليسوا عقلانيين؛ لأن العقل لا يمنع قبول مثل هذا إذا أخبر به الصادق ﷺ ، وهم لا يقبلونه كما أنهم لا يقبلون حديث: (لا خير في قوم ولوا أمرهم امرأة) والحديث في صحيح البخاري.
وما زال يصرح بعض المنتسبين إلى العلم أنه لو تولت امرأة حكومة بلد من البلدان أو كانت وزيرة أو مفتية أو نحو ذلك من الولايات العامة أن هذا جائز ولا شيء فيه، والحديث صحيح وصريح وفي البخاري، وليس في مكان آخر، ولكنهم يتلاعبون في النصوص من الباب الفاسد الكبير الذي هو باب التأويل، ولا شك أن قولهم غير مقبول.
стр. 167
حكم تسمية: بقالة النافع أو بقالة الله
السؤال
ما حكم تسمية: (بقالة النافع) أو (بقالة الله)؟
الجواب
لا يصح التسمية بمثل هذا.
стр. 168
حكم لباس الإفرنج إذا اشتهر
السؤال
إذا اشتهر لباس الإفرنج بين المسلمين كالبنطال والكرفتة مثلاً، فهل ذلك يجيز لباسها؟
الجواب
الضابط في اللباس المنهي عنه هو الذي يكون فيه تشبه بالكفار، والذي يكون فيه تشبه بالكفار هو ما كان من خصائصهم، فالبناطيل الآن ليست من خصائص الكفار، فقد صار كثير من المسلمين بل أكثر المسلمين يلبس مثل هذه البناطيل، فهي ليست من خصائصهم وإذا احتاجها الإنسان خصوصاً إذا كان يسافر للخارج مثلاً، وكانت واسعة وليست شفافة فلا أرى بها بأساً، وإن كان ينبغي على الإنسان أن يبتعد عنها، وأن يتعود على الملابس التي كانت مشهورة عند العرب وما زالت مستمرة، وأما الكرفته ففي فتوى لبعض أهل العلم يرون أنه لا يجوز لبسها.
وأما لباس البناطيل بالنسبة للمرأة فيجوز عند زوجها، وأما عند بقية محارمها فلا يجوز لها أن تلبس البناطيل؛ لأن فيها تحجيماً لجسدها، وكذلك لا يجوز لها أن تلبسها عند النساء؛ لأن فيها تحجيماً لجسدها، فتكون مثل الملابس الضيقة والشفافة، وتكون منهياً عنها من هذا الباب.
стр. 169
الجلوس مع الشباب للدعوة
السؤال
هل إذا جلست مع شباب الحارة أدعوهم إلى الله كل يوم في جلساتهم، هل هذا من الخطأ أم أنا على صواب؟
الجواب
بحسب وضعك، فإذا كنت مبتدئاً في التدين فلا تجلس مع شباب، لكن عليك أن تهتم بنفسك أنت أولاً، فتعلم قراءة القرآن، واحفظ ما تيسر لك منه، واحفظ من أقوال النبي ﷺ ، واحضر الدروس العلمية، وكون لك رفقة صالحة من أهل الخير والصلاح، ثم إذا ثبتت نفسك في الالتزام وأردت أن تدع إلى الله فادعو إلى الله وسواء شباب الحارة وغيرهم من زملائك في المدرسة، فإذا كان الإنسان من طلاب العلم أو من الأخيار وكان لا يخشى على دينه ولا على نفسه فيمكن أن يجلس مع هؤلاء الشباب، ولكن لا يجلس معهم وعندهم منكر أمامه، ولا بد أن يجعل له من الهيبة ما يمتنعون به عن المنكر أمامه، حتى يستطيع أن يدعوهم بسهولة، ولا يكون وقته كله مع هؤلاء؛ لأنه سيضيع وقته، وربما جروه إلى المنكر ونحن نعرف بعض الشباب دخل مع هؤلاء الشباب بغرض الدعوة، وبدلاً من أن يدعوهم هو دعوه هم إلى منكراتهم وأخطائهم، فينبغي للإنسان أن ينتبه لمثل هذه الأشياء، وأن يكون له رفقة صالحة يتعاون معهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 170
حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
السؤال
ما حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
الجواب
حكمه واجب، وكثير من الناس يقول: نحن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر بقلوبنا، نقول لهم: هذا غير صحيح؛ لأن الانتقال من اليد إلى اللسان إلى القلب هو عند عدم الاستطاعة، فإذا كان بإمكانك أنك تنصح ولكنك تستحي فهذا حياء مذموم، ويجب أن ترفع هذا الحياء عن نفسك، وأن تجرئ نفسك قليلاً قليلاً، حتى تتمكن من إنكار المنكر، وأن تهيئ نفسك بحيث إنك لو سمعت كلمة غير جيدة تصبر وتحتسب، والصبر والاحتساب مطلوب.
стр. 171
دراسة موضوعية [٨]
من الصفات الثابتة لله تعالى صفة النزول، وهي صفة اختيارية متعلقة بمشيئة الله وقدرته، ومن صفات الله تعالى: صفة العلو، وهي صفة ذاتية ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، ولا تعارض بينها وبين صفة المعية أبداً، والمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة كما يرون البدر في السماء لا يضامون في رؤيته.
стр. 172
من آداب طالب العلم في نفسه
стр. 173
من آداب طالب العلم الإعراض عن الهيشات
قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه حلية طالب العلم، في الفصل الأول، في آداب الطالب في نفسه: [الأدب الثاني عشر: الإعراض عن الهيشات: التصون من اللغط والهيشات؛ فإن الغلط تحت اللغط، وهذا ينافي أدب الطلب.
ومن لطيف ما يستحضر هنا ما ذكره صاحب الوسيط في أدباء شنقيط، وعنه في معجم المعاجم: أنه وقع نزاع بين قبيلتين، فسعت بينهما قبيلة أخرى في الصلح، فتراضوا بحكم الشرع، وحكموا عالماً؛ فاستظهر قتل أربعة من قبيلة بأربعة قتلوا من القبيلة الأخرى، فقال الشيخ باب بن أحمد: مثل هذا لا قصاص فيه، فقال القاضي: إن هذا لا يوجد في كتاب.
فقال: بل لم يخل منه كتاب، فقال القاضي: هذا القاموس -يعني: أنه يدخل في عموم الكتاب، فتناول صاحب الترجمة القاموس، وأول ما وقع نظره عليه: (والهيشة الفتنة وأم حبين، وليس في الهيشات قود)، أي: في القتيل في الفتنة لا يدرى قاتله، فتعجب الناس من مثل هذا الاستحضار في ذلك الموقف الحرج.
انتهى ملخصاً].
خلاصة هذا الأدب: أن طالب العلم ينبغي عليه أن يصون نفسه عن اللغط، وأن يصون نفسه عما لا ثمرة فيه ولا فائدة، فإنه لا يليق بطالب العلم أن يكون من أهل السفه الذين يدخلون في المضاربات والمشاكسات واللغط والسب والشتم، وأن يكون خراجاً ولاجاً في مخافر الشرط بسبب هيشة مع جار له، أو مشكلة مع رجل عند إشارة لا ينبغي أن يكون طالب العلم بهذا المستوى، وإنما ينبغي عليه أن يصون نفسه عن ذلك كله، وأن يرفق بالناس، وأن يكون عاقلاً حكيماً يحسن التعامل مع الناس، فإن الذي لا يجامل الآخرين، ويتعامل معهم على قدر عقولهم سيدخل في مشكلات كثيرة، ومن حكمة الجاهليين ما ورد في كلام زهير بن أبي سلمى في قوله: ومن لم يصانع في أمور كثيرة يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم فينبغي على الإنسان أن يكون حكيماً، ولا يكون كلما وجد سفيهاً من السفهاء صارت بينه وبينه مشكلة، وكلما وجد أحمق من أهل الجهالة صارت بينه وبينه فتنة، وكلما وجد رجلاً بسيطاً في عقله وتصرفه لا يحسن الفهم، ولا يدرك مقاصد الأمور لا يتعامل معه بالطريقة العاقلة في التعامل مع مثل هؤلاء الأشخاص.
والهيشات جمع هيشة، والهيشة الفتنة التي يختلط فيها الناس بعضهم في بعض يتضاربون أو يتقاتلون، وقد يسقط بينهم جريح أو قتيل.
وفي القصة التي أوردها عدة فوائد: الفائدة الأولى: أن القتيل في الهيشة الذي لا يعرف من قاتله لا يصح فيه قود؛ لأنه لا يعرف شخص محدد هو قاتل هذا الشخص، عندما يكون هناك خمسة من جهة وخمسة من جهة يتراشقون إما بالحجارة أو بالسهام أو بالرصاص فيقتل قتيل ولا يعرف من قتله، فربما يكون قتله فلان أو فلان أو فلان، أو ربما قتله أحد أصحابه وحينئذ لا يكون فيه قصاص، وإنما يكون فيه الدية.
الفائدة الثانية: الموقف الذي في قصة هذا العالم باب بن أحمد؛ فإنه أفتى بأنه لا قصاص في مثل هذه الحالة، فقال له القاضي: إن هذا لا يوجد في كتاب.
وهذا زعم مطلق بدون بصيرة من هذا القاضي.
فقال: بل هو موجود في كل كتاب.
أي: سواء كان من كتب الفقه أو اللغة أو غيرها.
فأراد هذا القاضي إحراج هذا العالم، قال: هذا القاموس.
وهو من كتب اللغة للفيروزآبادي شرحه الزبيدي في تاج العروس.
فقال له: هذا كتاب القاموس.
يعني: هات هذا الحكم الفقهي الذي قلته من هذا الكتاب اللغوي.
فماذا عمل؟ اتجه إلى أقرب معنى لغوي يمكن أن يصل إلى فائدة فيه، فوجد كلمة هيشة، فقرأ: أن الهيشة هي الفتنة، وأم حبين.
يعني: تطلق على الفتنة وتطلق على دويبة صغيرة تسمى أم حبين، قال: وليس في الهيشات قود.
وهذه من الفوائد التي في غير مظانها؛ فإن كتاب القاموس في الأصل كتاب لغوي، لكن هنا مسألة فقهية أشار إليها، ولهذا ينبغي على طالب العلم عند قراءته في الكتب أن يسجل لطائف المسائل التي لا توجد في مظانها؛ لتكون من نوادر العلم بالنسبة له.
стр. 174
من آداب طالب العلم التحلي بالرفق
قال: [الثالث عشر: التحلي بالرفق: التزم الرفق في القول؛ مجتنباً الكلمة الجافية، فإن الخطاب اللين يتألف النفوس الناشزة.
وأدلة الكتاب والسنة في هذا متكاثرة].
الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
وينبغي على الدعاة إلى الله ، والمصلحين، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، والمؤثرين في الناس ينبغي عليهم أن يتعاملوا مع الناس برفق، حتى لو كان مخالفاً، وكثير من الناس تعود على الغلظة في الكلام حتى في الرد على المخالف، حتى لو كان هذا الكتاب في الرد على مبتدع أو زنديق من الزنادقة! صحيح أن الإغلاظ يدل على الحرقة الموجودة في القلب، ويدل على قوة تدين هذا الإنسان وشعوره بخطورة هذا القول الذي يقول به ذلك الشخص، لكن ينبغي أن يكون الأصل العام هو عفة اللسان، وحسن المنطق، حتى لو كان الشخص المردود عليه مبتدعاً أو من الضالين.
ومن الأشياء التي يستغلها بعض أهل البدع وبعض الليبراليين والعلمانيين على بعض شباب الدعوة الإسلامية: أنهم عندما يتكلمون في موضوع من الموضوعات يغلظون في القول، بل قد يتهجمون على أشخاص ويسبونهم ويشتمونهم، وقد يعيرونهم بأمور خارجة عن حقيقة الموضوع نفسه، إذا كنت تريد أن ترد على شخص في قضية من القضايا فلا تتهجم عليه وتسبه وتشتمه وتتكلم عليه، بل ينبغي عليك أن تناقش هذه المسألة وتبين فيها الحق، بهذه الطريقة نستطيع إقناع الآخرين.
ولعل من أروع الأمثلة المضروبة في هذا الجانب: الأستاذ الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀، فقد رد على محمد زاهد الكوثري في كتابه: تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب.
فألف الشيخ عبد الرحمن المعلمي كتاباً سماه: التنكيل فيما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، ومع هذا كان إذا نقل نصاً من كلامه يقول: قال الأستاذ.
ثم ينقل كلامه، ويقول: وهذا الكلام فيه تحريف من عدة وجوه، الوجه الأول، الوجه الثاني، الوجه الثالث، ثم يبين هذه المسائل بياناً علمياً مفيداً.
بعض الناس تعود أنه إذا أراد أن يرد على شخص أن يقول: هذا لا يقوله إلا أحمق جاهل مغرر به.
مثل هذا الكلام لا يقوله إلا السفهاء عندنا، بل حتى السفهاء هم أرفع من أن يتكلموا بمثل هذا الكلام.
وقد يكون هذا الكلام في بعض الأحيان صحيحاً، لكن حين يسمع منك هذا، ويرى طريقتك في التعامل مع الآخرين؛ حينئذ سينفر الآخرين منك ومما عندك من الخير والفائدة.
فينبغي أن يتعود الإنسان أن يكون نقاشه نقاشاً علمياً دقيقاً، يركز فيه على المسائل العلمية وعلى الفوائد أكثر من التركيز على النقد الموجه للأشخاص، وخصوصاً الذي يكون فيه سب وشتم.
بعض الناس يقول: وهذا القول لا يقوله إلا كافر مثلاً.
وفعلاً قد يكون هذا الكلام صحيحاً، فبدلاً من أن يبين بطلان هذا الكلام بشكل دقيق يكتفي بهذه الكلمة، وهذه الكلمة وحدها غير مفيدة وغير مقنعة، ولهذا ينبغي أن نتعود في الردود على الآخرين وفي مناقشة المسائل والأفكار على الأسلوب العلمي، والأسلوب العلمي يقتضي مناقشة المسألة.
نعم.
قد يحتاج الإنسان في بعض الأحيان أن يعنف على كاتب من الكتاب، أو على شخص من الأشخاص، لكن ينبغي أن يكون هذا في حدود الضرورة، وألا يتوسع فيه الإنسان، ويصبح طابعاً له، وشيئاً مميزاً له، فالإنسان عندما يكتب بأسلوب علمي دقيق ينفع الناس أكثر مما يكون متهجماً، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يتحلى بالرفق في التعامل مع الآخرين من جيران أو إخوان أو زملاء أو أساتذة أو غيرهم، فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
стр. 175
من آداب طالب العلم التأمل
قال: [الرابع عشر: التأمل: التحلي بالتأمل، فإن من تأمل أدرك.
وقيل: تأمل تدرك.
وعليه: فتأمل عند التكلم بماذا تتكلم؟ وما هي عائدته؟ وتحرز في العبارة والأداء دون تعنت أو تحذلق، وتأمل عند المذاكرة كيف تختار القالب المناسب للمعنى المراد، وتأمل عند سؤال السائل كيف تتفهم السؤال على وجهه حتى لا يحتمل وجهين، وهكذا].
لا شك أن التأمل من أبرز صفات طالب العلم التي ينبغي عليه أن يربي نفسه عليها، فإن القارئ الذي يقرأ كتاباً ولا يتأمله لن يستفيد منه شيئاً، ومن يحضر درساً ثم لا يتأمل ما فيه من المسائل والفوائد ويسرح ذهنه بعيداً لن يستفيد شيئاً، ولهذا فكثير من الشباب الذين يحبون القراءة ينظرون إلى الكم في القراءة أكثر من نظرتهم إلى الكيف، وإلى مدى الفائدة التي استفادها.
فمثلاً: يأتي شخص ويقول: أنا قرأت سير أعلام النبلاء كاملاً، أو الفتاوى كاملة، لكن قد يكون تأمله فيها قليلاً جداً، والفائدة التي استفادها من هذه القراءة قليلة جداً؛ لأنه يهتم بالقراءة أكثر مما يهتم بالتأمل والتدقيق والاستفادة.
ولهذا ينبغي على طالب العلم أن يتعود على الدقة، وأن يكون دقيقاً في قراءة الكلمات وفهمها دقيقاً أثناء التعبير عن مسألة من المسائل دقيقاً في تصوير المسائل، ولهذا تجد بعض الناس تعودوا على التهويل والمبالغة، فمثلاً: إذا جاء إلى محاضرة فسألته: كم حضر المحاضرة من الناس؟ تختلف تقديرات الناس، بعضهم يقول: حضر ثلاثة آلاف، وبعضهم يقول: حضر عشرون ألفاً، انظر الفرق بين ثلاثة آلاف وعشرين ألفاً مع أن المحاضرة واحدة، فبعضهم يذكر عدداً قليلاً، وبعضهم يذكر عدداً رهيباً كبيراً جداً ويتكلم بهذه الطريقة، وأحسن الناس من تكون نظرته دقيقة موضوعية بعيدة عن التهويل، وبعيدة أيضاً عن تحقير الأمر والتقليل من شأنه، فينبغي أن يتعود الإنسان في حياته العلمية على أن يكون متأملاً دقيقاً موضوعياً في نظرته.
وحتى البادية قديماً كانوا إذا أرسلوا شخصاً من أجل أن يبحث لهم عن أماكن فيها أمطار ثم جاءهم يميزون بين من عندهم دقة وبين الذين يبالغون، فبعض من يرسلونه يقولون له: انظر المكان الفلاني هل فيه عشب -حتى ينتقلون إليه بأغنامهم- فإذا كان من الذين يهولون يقول: أنا رأيت العشب يصل إلى نصف الرجل، يعني: أن العشب مرتفع بشكل غير طبيعي، فيأتون إلى المكان فيجدون أنه ليس كذلك، فيفهمون أن هذا الشخص لا يصلح أن يخبر عن أمر من الأمور، بينما يستعمل غيره عبارة دقيقة في حجم الشيء الذي رآه وفي صورته وكيفيته، ومدى استفادة الآخرين منه.
ولهذا ينبغي على الإنسان أن يعود نفسه على أن يكون دقيقاً موضوعياً في عبارته وكلامه وفهمه وقراءته لكلام الآخرين.
ولو رجعتم إلى مثل الشيخ محمد بن عثيمين في الكتب التي كان يؤلفها بيده، لوجدتم أن كلامه لا يمكن أن تحذف منه حرفاً واحداً، لأنه ليس فيه حشو ولا زيادة، وليس فيه شيء لا داعي له، حتى الأحرف والكلمات الصغيرة لها داعٍ، حتى عندما ينتهي من مسألة من المسائل يكون الانتهاء له مدلول، والبداية لها مدلول آخر، كان الشيخ ﵀ من أدق الناس في العبارة، ومن أجود الناس في البعد عن الحشو وما لا فائدة منه، فينبغي أن نعود أنفسنا على هذا الأمر.
стр. 176
من آداب طالب العلم الثبات والتثبت
قال: [الخامس عشر: الثبات والتثبت: تحلَّ بالثبات والتثبت لا سيما في الملمات والمهمات، ومنه: الصبر والثبات في التلقي، وطي الساعات في الطلب على الأشياخ، فإن من ثبت نبت].
الفرق بين الثبات والتثبت: أن التثبت في الأخبار، وما ينقله الإنسان، أو ما يقرؤه، أو ما يحصل من الأشياء التي يخبر عنها أو يخبر بها.
وأما الثبات فمعناه: الاستمرار على الشيء.
فينبغي على طالب العلم أن يكون ثابتاً إذا استمر على شيء، (فمن ثبت نبت)، أي: الذي يستمر على درس معين حتى ينهيه يستفيد، الذي يأخذ كتاباً ويقرؤه حتى ينهيه يستفيد، الذي يأخذ متناً فقهياً أو عقدياً أو في أي باب من أبواب العلم ويدرس هذا المتن حتى ينهيه يستفيد، لكن الذي يتنقل مرة في هذا الكتاب ولا يكمله، ومرة في هذا الكتاب ولا ينهيه، ومرة في متن من المتون فيحضر منه درساً أو درسين، ثم يتركه؛ هذا لن يستفيد، ولن ينبت لأنه لم يثبت.
وأما التثبت في الأخبار فهو التثبت في نقل الكلام، أو التثبت عندما يسمع خبراً، أو عندما يؤديه، سواء في التحمل أو الأداء، ينبغي أن يكون الإنسان متثبتاً في ذلك.
ولا شك أن ذلك الشخص الذي تكون مطيته من الحديث (زعموا) أنه مذموم، (وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) كما ورد في الحديث عن النبي ﷺ .
ومع الأسف: أن كثيراً من الناس اعتادوا على طرق سيئة جداً، فقد أتاني مرة واحد من الشباب فسألني عن عالم من العلماء هل مات أم لا؟ كان بإمكانه أن يسأل بهذه الطريقة، لكنه قال: فلان مات؟ فقلت له: صحيح هذا الكلام؟ قال: نعم! هو يريد أن يعرف هل مات أم لا، فسمع إشاعة أنه مات فجاء وطرحها على أنها خبر، فلما رآني متعجباً بدأ يسأل! ولهذا كثير من الناس تعود على هذه الطريقة؛ قد يلقي كلاماً حتى ينظر هل الناس عندهم شيء يضاد هذا الكلام أم لا؟ فإذا رأى أن ليس عندهم شيء يضاده ظن أنه صحيح، فهذا خطأ في الفهم، وخطأ في التعامل مع الأخبار والتعاطي معها.
نكتفي بهذا، ونكون قد انتهينا من الفصل الأول من حلية طالب العلم.
стр. 177
إثبات صفة النزول لله تعالى
صفة النزول من الصفات الثابتة لله ، وهي من الصفات المتعلقة بمشيئة الله ، والتي يسميها بعض السلف: الصفات الاختيارية.
وهذه الصفات متعلقة بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها.
والنزول لم يرد فيه آية صريحة، وإنما ورد ما يدل عليه، وهي صفة الإتيان والمجيء؛ فإن الإتيان والمجيء لفصل القضاء في معنى النزول أو قريباً منه، وأما النزول بشكل صريح؛ فإنه ورد في حديث عن النبي ﷺ ، وهو حديث مشهور رواه أكثر من عشرة من الصحابة، وبلغ حد التواتر، كما صرح بذلك بعض أهل العلم، وهو الحديث المشهور: (ينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل) إلى آخر الحديث.
وأهل البدع يحرفون معنى هذا الحديث، ولهم عدة مناهج في هذا: إما أن يردوا الحديث ويقولوا: هذا من أخبار الآحاد غير مقبول، وإما أن يقولوا: إنه مؤول، فيقولون: هناك تقدير مضاف، وهو: ينزل أمر ربنا، أو ينزل ملك من الملائكة! مع أن النص واضح في أن الذي ينزل هو الله ، ولا يصح أن يقال: ملك؛ فإنه لو كان النازل ملكاً من الملائكة أو أمراً من الله فإنه لا يضاف إلى الله .
ونفاة هذه الصفة هم عامة أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية والكلابية والماتريدية وغيرهم؛ فإنهم يحرفون هذه الصفة ويؤولون معناها، ويقولون: إنه لا ينزل بل الذي ينزل أمره.
وقد ألف في هذه الصفة مجموعة من أهل العلم منهم الدارقطني ﵀، فله كتاب مطبوع باسم صفة النزول.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتاب كبير بعنوان: شرح صفة النزول، وهو مطبوع ضمن الفتاوى، وبمفرده، وقد استعرض فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الأحاديث الكثيرة، والأدلة الدالة على أن هذه الصفة ثابتة لله ، وأشهرها الحديث الذي سبق ذكره، وبيَّن شيخ الإسلام ﵀ الأصل الفاسد الذي بنى عليه أهل البدع نفي هذه الصفة، وهو قولهم إن إثبات الصفات الاختيارية يستلزم حلول الحوادث في ذاته تعالى، وهو قديم ليس بحادث، وبناءً على هذا ينفون هذه الصفة، وقد أطال ﵀ الكلام على ذلك.
وقد سبق أن أشرنا إلى أن هذه القضية أنها من الأصول العقلية التي نفى من أجلها أهل البدع صفات الله .
قال أبو بكر بن أبي داود رحمه الله تعالى: [وقل ينزل الجبار في كل ليلة بلا كيف جل الواحد المتمدح إلى طبق الدنيا يمن بفضله فتفرج أبواب السماء وتفتح يقول ألا مستغفر يلق غافراً ومستمنح خيراً ورزقاً فيمنح روى ذاك قوم لا يرد حديثهم ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا].
يقول: (وقل ينزل الجبار في كل ليلة).
وقد ورد نزول الله في عشية عرفة أيضاً، وهذا النزول الذي يكون في كل ليلة هو نزول يليق بجلال الله .
стр. 178
مسائل متعلقة بصفة النزول لله تعالى
وهناك مسائل متعددة بحثها كثير من الناس فيما يتعلق بصفة النزول.
فبعض الناس قالوا: كيف ينزل مع اختلاف الليل والنهار بالنسبة للأرض؟ وقد أجاب على هذه الشبهة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح حديث النزول، وقال: إن الحديث عن صفة هذا النزول فرع عن الحديث عن ذاته، فنحن لا نعرف حقيقة ذاته ، وبناءً على هذا لا نعرف حقيقة صفاته، فهو ينزل قطعاً في كل ليلة مع اختلاف الليالي بالنسبة للكرة الأرضية، ففي كل مكان فيه ليل فإنه ينزل في الثلث الآخر من الليل، حتى لو كان المكان الذي في جهة الأرض الأخرى صباحاً ليس فيه ليل، فإذا جاءه الليل فإن الله ينزل.
وإنما تحدث هذه الشبهة عند الإنسان عندما يتخيل أن الإله مثل الإنسان، كأنه جالس على كرسي، ثم ينزل ويصعد مرة أخرى، وهذا تصور باطل وفاسد لا ينبغي للإنسان أن يتصوره عن الله ، وإنما الصحيح أن الله ينزل كما أخبر بذلك عن نفسه.
والنزول في لغة العرب هو النزول من أعلى إلى أسفل، لكن صفة الرب فرع عن ذاته، وهو خالق مختلف عن المخلوق من كل وجه، ولهذا ينبغي الابتعاد عن الخيالات فيما يتعلق بصفات الله ؛ فإنها فاسدة.
ومن المسائل التي يتحدث عنها: مسألة خلو العرش من الله .
ورد في الحديث: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) فينبغي إدراك هذه المسألة بشكل جيد، وأن الحديث في الصفات هو فرع عن الحديث في الذات.
يقول: (بلا كيف جل الواحد المتمدح إلى طبق الدنيا يمن بفضله فتفرج أبواب السماء وتفتح).
وهذا يدل على أن صفات الله لها جانبان: الجانب الأول: تحقيق هذه الصفات كما وردت في القرآن والسنة، وإثباتها كما أثبتها الله، وكما أثبتها رسول الله ﷺ .
والجانب الثاني: الاستفادة الإيمانية والتربوية من هذه الصفات، فصفة النزول نحن في كثير من الأحيان نمر عليها بشكل نظري، وننسى أن هذا يدل على رحمته بعباده، وأنه يقول: هل من تائب؟ هل من مستغفر؟ وهذا يدل على عظيم رحمته وسعة رحمته ، وأن الإنسان ينبغي أن يتعرض لفضل الله وكرمه، وأن يستفيد من هذه الأوقات الفاضلة، ويتوب إلى الله ويعود إليه.
فصفات الله لها جانبان: الجانب الأول: جانب تصحيح، وهذا الذي عليه أكثر الدراسات الموجودة الآن في العقيدة.
الجانب الثاني: جانب تزكية، وهي تزكية النفس بصفات الله تعالى، وتزكية النفس بأسمائه .
يقول: (يمن بفضله فتفرج أبواب السماء وتفتح يقول: ألا مستغفر يلق غافراً ومستمنح خيراً ورزقاً فيمنح روى ذاك قوم لا يرد حديثهم).
لأن حديث النزول بلغ حد التواتر كما قال أهل العلم.
(ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا).
يقصد بذلك أهل البدع والضلالة الذين حرفوا هذه الصفة عن وجهها الصحيح.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: [ومن السنة: قول النبي ﷺ : (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا)].
هذا الحديث هو الحديث الذي سبق وأن أشرنا إليه، والشيخ الموفق ابن قدامة في قضية النزول لم يتحدث إلا من خلال هذا الحديث فقط.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [مثل قوله ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) متفق عليه].
هذا ما ذكره شيخ الإسلام أيضاً في هذه الصفة؛ فإنه ساق الحديث المشهور في الصحيحين الوارد في صفة النزول.
стр. 179
صفة العلو لله تعالى
صفة العلو ثابتة لله كما يليق بجلاله وعظمته، وهي من أوضح صفات الله ، وقد دل عليها العقل، فإن الإله لا بد أن يكون عالياً، ودلت عليها نصوص الشرع، وذكر بعض أهل العلم أن هناك أكثر من ألف دليل يدل على صفة العلو.
وقد ألف ابن القيم ﵀ رسالة مستقلة بعنوان: اجتماع الجيوش الإسلامية في غزو المعطلة والجهمية، وقد خصص أكثر هذا الكتاب في هذه الصفة، وساق مجموعة كبيرة من الآيات والأحاديث، وبدأ يذكر أقوال الصحابة والتابعين، ثم ذكر أقوال أئمة المذاهب من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، وساق أقوال اللغويين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين، وساق أقوالاً متعددة من أصحاب التخصصات المختلفة؛ ليبين أن هذه الصفة من أبرز صفات الله التي اتفقت عليها الأمة إلا من شذ من أهل البدع والضلال.
وهناك أنواع كثيرة من الأدلة تدل على هذه الصفة، فكل آية ورد فيها (يصعد إليه) فهي تدل عليه، مثل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]؛ فإن الصعود يكون من أسفل إلى أعلى، وكذلك النزول، فكل هذه النصوص تدل عليه.
ومن النصوص الصريحة في الموضوع قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، و (في) هنا ليست ظرفية، وإنما هي بمعنى (على)، يعني: أأمنتم من على السماء، وحروف الجر تتناوب، ولهذا قال الله في قصة فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] فهل المعنى: أنه يحفر النخلة ويدخلهم فيها؟ لا.
المقصود يصلبهم عليها.
وهناك أيضاً أحاديث كثيرة واردة عن النبي ﷺ ، منها: حديث الجارية المشهور عندما قال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء) وهذا يدل على جواز السؤال عن الله بأين.
стр. 180
نفاة العلو من أهل البدع
صفة العلو من أبرز الصفات، ومع ذلك نفاها المعتزلة بحجة أن هذا يقتضي التحيز، ونفاها أيضاً متأخرو الأشاعرة بحجة أن هذا يقتضي التركيب والجسمية، وهكذا نفاها أيضاً المتأخرون من الماتريدية، وإن كان المتقدمون من الأشعرية يثبتونها، فـ الأشعري والباقلاني وتلاميذ الأشعري كانوا يثبتون العلو، وإنما حصل نفي العلو من زمن أبي المعالي الجويني فما بعد.
وهذه الصفة هي من أبرز صفات الله ، وحصل عند المتأخرين تردد شديد في التعامل مع هذه الصفة، وأصبح كثير من هؤلاء - مع الأسف - ينفون علو الله ، فاحتاروا عندما يقال لهم: إذا لم يكن في السماء فأين يكون؟ فانقسموا إلى قسمين.
الذين بقوا على المصطلحات الكلامية والمناقشات العقلية كانوا يقولون: لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا عن يمين العالم ولا عن شمال العالم، ولا محايث له ولا مباين له ولا داخل فيه، فأثبتوا له الأمور المتناقضة، أثبتوا لله وصف الممتنع - والعياذ بالله - بسبب الهروب من إثبات هذه الصفة، بسبب الشبهات التي قامت عندهم في صفات الله .
وأما المشتغلون بالتصوف والتزهد؛ فإن التصوف والتعبد لا بد فيه من وجود المعبود حقيقة، يعني: لا يمكن لهم أن يتعبدوا لمن صفته لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا محايث له ولا مباين له، فأصبحوا يقولون: إن الإله موجود في هذا العالم، وإن الله موجود في كل مكان.
فقول الأولين: لا داخل العالم ولا خارج العالم، وقول الآخرين -الصوفية بالذات- موجود في كل مكان هو قول متفق في الحقيقة مختلف في طريقة التعامل في هذه الصفة، فهم متفقون على نفي صفة العلو، لكنهم اختلفوا في الجواب على السؤال، إذا لم يكن في العلو فأين هو؟ ولهذا حرم بعضهم السؤال بأين، لأنها تدل على الظرفية، وتدل على المكانية، ولا يصح أن نثبت لله ظرفاً أو مكاناً.
وهذه العبارات: الظرفية والمكانية والجسم والعرض ونحو ذلك من العبارات؛ هي مصطلحات لا يصح لنا أن نقبلها مطلقاً فنقبل شيئاً من الباطل، ولا يصح أن نردها مطلقاً فنرد شيئاً من الحق، وإنما نستفصل فنقول: ماذا تعنون بالظرفية؟ إن كنتم تعنون بالظرفية: أن الله في ظرف يحيط به، فهذا معنى فاسد لا نقول به.
وإن كنتم تعنون بالظرفية: أنه في جهة العلو ، فنحن نقطع أنه في جهة العلو عن علم ويقين.
وصفة العلو يدل عليها العقل، وتدل عليها الفطرة، وتدل عليها النصوص الشرعية الكثيرة في الكتاب والسنة، بل إن هذه الصفة يثبتها أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولا ينفيها إلا مثل هؤلاء، أو من شابههم من أصحاب الديانات الأخرى، فهؤلاء جاءوا ببدعة خطيرة ومؤثرة على عقيدة المسلمين.
يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه درء تعارض العقل والنقل: أنه جاءه يوم من الأيام أحد نفاة العلو، يقول: فلما جاءني يطلب حاجة مني ماطلته، فلما ماطلته ضاق صدره، فنظر إلى السماء، وقال: يا الله، يقول: فقلت له: أنت محقر، لماذا تنظر إلى السماء؟ فكأنه ارتبك، وقال: أخطأت.
قال: لم تخطئ.
هذا ما تدل عليه فطرتك، وهذا ما يدل عليه العقل السليم، وهذا ما تدل عليه النصوص الشرعية.
فرجع ذلك الرجل، وشعر أنه يناقض فطرته.
ولهذا كثير من الأشعرية المتأخرين إذا جاء إلى صبي من الصبيان الصغار فسأله: أين الله؟ أشار الطفل إلى السماء، أو قال: في السماء، فيحاول أن يعلم الطفل أنه ليس في السماء؛ فهم يحاولون عبثاً أن يغيروا فطرة الناس.
ولهذا أبو المعالي الجويني -وكان من أبرز الأشعرية الذين نفوا هذه الصفة- لما جاءه الهمذاني، وقال له: دعك من التأويلات والمناقشات العقلية، أجبني عن الضرورة التي يجدها الإنسان في نفسه عندما يدعو، لماذا يتجه قلبه إلى السماء؟ فأصبح الجويني يضرب على رأسه مع أنه من كبار المتكلمين ويقول: حيرني الهمذاني، حيرني الهمذاني! وفعلاً حيره لأنه استدل بالفطرة، وهي دليل موجود في قلب كل إنسان.
ولما قيل لهم: إذا كنتم تعتقدون أن الله ليس في السماء، فلماذا ندعو بهذه الطريقة؟ قالوا: لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة المصلي.
وهذا هروب في الحقيقة؛ لأن القضية لا تقف عند رفع الإنسان يديه، وإنما هناك حاجة نفسية وضرورة في الاتجاه نحو العلو.
إذاً: هذه الصفة يدل عليها العقل والفطرة والحس والنصوص الشرعية الكثيرة التي بلغت أكثر من ألف دليل، ويمكن مراجعة اجتماع الجيوش الإسلامية لـ ابن القيم، ففيه تفصيل طويل حول هذه الصفة.
ليس هناك شيء من الأبيات في حائية ابن أبي داود يتعلق بهذه الصفة بشكل مباشر، وإن كان يمكن أن نستنبط ذلك من صفة النزول؛ لأن أحاديث النزول وآيات الإتيان والمجيء كلها تدل على العلو؛ لأن النزول لغة يكون من أعلى إلى أسفل، فهي تدل على صفة العلو من جهة أخرى، لكن
следующие страницы →