← Акыда

Акыда · id 37795

دراسة موضوعية للحائية ولمعة الاعتقاد والواسطية

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (363 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

من آداب طالب العلم الثبات والتثبت قال: [الخامس عشر: الثبات والتثبت: تحلَّ بالثبات والتثبت لا سيما في الملمات والمهمات، ومنه: الصبر والثبات في التلقي، وطي الساعات في الطلب على الأشياخ، فإن من ثبت نبت]. الفرق بين الثبات والتثبت: أن التثبت في الأخبار، وما ينقله الإنسان، أو ما يقرؤه، أو ما يحصل من الأشياء التي يخبر عنها أو يخبر بها. وأما الثبات فمعناه: الاستمرار على الشيء. فينبغي على طالب العلم أن يكون ثابتاً إذا استمر على شيء، (فمن ثبت نبت)، أي: الذي يستمر على درس معين حتى ينهيه يستفيد، الذي يأخذ كتاباً ويقرؤه حتى ينهيه يستفيد، الذي يأخذ متناً فقهياً أو عقدياً أو في أي باب من أبواب العلم ويدرس هذا المتن حتى ينهيه يستفيد، لكن الذي يتنقل مرة في هذا الكتاب ولا يكمله، ومرة في هذا الكتاب ولا ينهيه، ومرة في متن من المتون فيحضر منه درساً أو درسين، ثم يتركه؛ هذا لن يستفيد، ولن ينبت لأنه لم يثبت. وأما التثبت في الأخبار فهو التثبت في نقل الكلام، أو التثبت عندما يسمع خبراً، أو عندما يؤديه، سواء في التحمل أو الأداء، ينبغي أن يكون الإنسان متثبتاً في ذلك. ولا شك أن ذلك الشخص الذي تكون مطيته من الحديث (زعموا) أنه مذموم، (وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) كما ورد في الحديث عن النبي ﷺ . ومع الأسف: أن كثيراً من الناس اعتادوا على طرق سيئة جداً، فقد أتاني مرة واحد من الشباب فسألني عن عالم من العلماء هل مات أم لا؟ كان بإمكانه أن يسأل بهذه الطريقة، لكنه قال: فلان مات؟ فقلت له: صحيح هذا الكلام؟ قال: نعم! هو يريد أن يعرف هل مات أم لا، فسمع إشاعة أنه مات فجاء وطرحها على أنها خبر، فلما رآني متعجباً بدأ يسأل! ولهذا كثير من الناس تعود على هذه الطريقة؛ قد يلقي كلاماً حتى ينظر هل الناس عندهم شيء يضاد هذا الكلام أم لا؟ فإذا رأى أن ليس عندهم شيء يضاده ظن أنه صحيح، فهذا خطأ في الفهم، وخطأ في التعامل مع الأخبار والتعاطي معها. نكتفي بهذا، ونكون قد انتهينا من الفصل الأول من حلية طالب العلم.

стр. 177

إثبات صفة النزول لله تعالى صفة النزول من الصفات الثابتة لله ، وهي من الصفات المتعلقة بمشيئة الله ، والتي يسميها بعض السلف: الصفات الاختيارية. وهذه الصفات متعلقة بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها. والنزول لم يرد فيه آية صريحة، وإنما ورد ما يدل عليه، وهي صفة الإتيان والمجيء؛ فإن الإتيان والمجيء لفصل القضاء في معنى النزول أو قريباً منه، وأما النزول بشكل صريح؛ فإنه ورد في حديث عن النبي ﷺ ، وهو حديث مشهور رواه أكثر من عشرة من الصحابة، وبلغ حد التواتر، كما صرح بذلك بعض أهل العلم، وهو الحديث المشهور: (ينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل) إلى آخر الحديث. وأهل البدع يحرفون معنى هذا الحديث، ولهم عدة مناهج في هذا: إما أن يردوا الحديث ويقولوا: هذا من أخبار الآحاد غير مقبول، وإما أن يقولوا: إنه مؤول، فيقولون: هناك تقدير مضاف، وهو: ينزل أمر ربنا، أو ينزل ملك من الملائكة! مع أن النص واضح في أن الذي ينزل هو الله ، ولا يصح أن يقال: ملك؛ فإنه لو كان النازل ملكاً من الملائكة أو أمراً من الله فإنه لا يضاف إلى الله . ونفاة هذه الصفة هم عامة أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية والكلابية والماتريدية وغيرهم؛ فإنهم يحرفون هذه الصفة ويؤولون معناها، ويقولون: إنه لا ينزل بل الذي ينزل أمره. وقد ألف في هذه الصفة مجموعة من أهل العلم منهم الدارقطني ﵀، فله كتاب مطبوع باسم صفة النزول. ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتاب كبير بعنوان: شرح صفة النزول، وهو مطبوع ضمن الفتاوى، وبمفرده، وقد استعرض فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الأحاديث الكثيرة، والأدلة الدالة على أن هذه الصفة ثابتة لله ، وأشهرها الحديث الذي سبق ذكره، وبيَّن شيخ الإسلام ﵀ الأصل الفاسد الذي بنى عليه أهل البدع نفي هذه الصفة، وهو قولهم إن إثبات الصفات الاختيارية يستلزم حلول الحوادث في ذاته تعالى، وهو قديم ليس بحادث، وبناءً على هذا ينفون هذه الصفة، وقد أطال ﵀ الكلام على ذلك. وقد سبق أن أشرنا إلى أن هذه القضية أنها من الأصول العقلية التي نفى من أجلها أهل البدع صفات الله . قال أبو بكر بن أبي داود رحمه الله تعالى: [وقل ينزل الجبار في كل ليلة بلا كيف جل الواحد المتمدح إلى طبق الدنيا يمن بفضله فتفرج أبواب السماء وتفتح يقول ألا مستغفر يلق غافراً ومستمنح خيراً ورزقاً فيمنح روى ذاك قوم لا يرد حديثهم ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا]. يقول: (وقل ينزل الجبار في كل ليلة). وقد ورد نزول الله في عشية عرفة أيضاً، وهذا النزول الذي يكون في كل ليلة هو نزول يليق بجلال الله .

стр. 178

مسائل متعلقة بصفة النزول لله تعالى وهناك مسائل متعددة بحثها كثير من الناس فيما يتعلق بصفة النزول. فبعض الناس قالوا: كيف ينزل مع اختلاف الليل والنهار بالنسبة للأرض؟ وقد أجاب على هذه الشبهة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح حديث النزول، وقال: إن الحديث عن صفة هذا النزول فرع عن الحديث عن ذاته، فنحن لا نعرف حقيقة ذاته ، وبناءً على هذا لا نعرف حقيقة صفاته، فهو ينزل قطعاً في كل ليلة مع اختلاف الليالي بالنسبة للكرة الأرضية، ففي كل مكان فيه ليل فإنه ينزل في الثلث الآخر من الليل، حتى لو كان المكان الذي في جهة الأرض الأخرى صباحاً ليس فيه ليل، فإذا جاءه الليل فإن الله ينزل. وإنما تحدث هذه الشبهة عند الإنسان عندما يتخيل أن الإله مثل الإنسان، كأنه جالس على كرسي، ثم ينزل ويصعد مرة أخرى، وهذا تصور باطل وفاسد لا ينبغي للإنسان أن يتصوره عن الله ، وإنما الصحيح أن الله ينزل كما أخبر بذلك عن نفسه. والنزول في لغة العرب هو النزول من أعلى إلى أسفل، لكن صفة الرب فرع عن ذاته، وهو خالق مختلف عن المخلوق من كل وجه، ولهذا ينبغي الابتعاد عن الخيالات فيما يتعلق بصفات الله ؛ فإنها فاسدة. ومن المسائل التي يتحدث عنها: مسألة خلو العرش من الله . ورد في الحديث: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) فينبغي إدراك هذه المسألة بشكل جيد، وأن الحديث في الصفات هو فرع عن الحديث في الذات. يقول: (بلا كيف جل الواحد المتمدح إلى طبق الدنيا يمن بفضله فتفرج أبواب السماء وتفتح). وهذا يدل على أن صفات الله لها جانبان: الجانب الأول: تحقيق هذه الصفات كما وردت في القرآن والسنة، وإثباتها كما أثبتها الله، وكما أثبتها رسول الله ﷺ . والجانب الثاني: الاستفادة الإيمانية والتربوية من هذه الصفات، فصفة النزول نحن في كثير من الأحيان نمر عليها بشكل نظري، وننسى أن هذا يدل على رحمته بعباده، وأنه يقول: هل من تائب؟ هل من مستغفر؟ وهذا يدل على عظيم رحمته وسعة رحمته ، وأن الإنسان ينبغي أن يتعرض لفضل الله وكرمه، وأن يستفيد من هذه الأوقات الفاضلة، ويتوب إلى الله ويعود إليه. فصفات الله لها جانبان: الجانب الأول: جانب تصحيح، وهذا الذي عليه أكثر الدراسات الموجودة الآن في العقيدة. الجانب الثاني: جانب تزكية، وهي تزكية النفس بصفات الله تعالى، وتزكية النفس بأسمائه . يقول: (يمن بفضله فتفرج أبواب السماء وتفتح يقول: ألا مستغفر يلق غافراً ومستمنح خيراً ورزقاً فيمنح روى ذاك قوم لا يرد حديثهم). لأن حديث النزول بلغ حد التواتر كما قال أهل العلم. (ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا). يقصد بذلك أهل البدع والضلالة الذين حرفوا هذه الصفة عن وجهها الصحيح. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: [ومن السنة: قول النبي ﷺ : (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا)]. هذا الحديث هو الحديث الذي سبق وأن أشرنا إليه، والشيخ الموفق ابن قدامة في قضية النزول لم يتحدث إلا من خلال هذا الحديث فقط. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [مثل قوله ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) متفق عليه]. هذا ما ذكره شيخ الإسلام أيضاً في هذه الصفة؛ فإنه ساق الحديث المشهور في الصحيحين الوارد في صفة النزول.

стр. 179

صفة العلو لله تعالى صفة العلو ثابتة لله كما يليق بجلاله وعظمته، وهي من أوضح صفات الله ، وقد دل عليها العقل، فإن الإله لا بد أن يكون عالياً، ودلت عليها نصوص الشرع، وذكر بعض أهل العلم أن هناك أكثر من ألف دليل يدل على صفة العلو. وقد ألف ابن القيم ﵀ رسالة مستقلة بعنوان: اجتماع الجيوش الإسلامية في غزو المعطلة والجهمية، وقد خصص أكثر هذا الكتاب في هذه الصفة، وساق مجموعة كبيرة من الآيات والأحاديث، وبدأ يذكر أقوال الصحابة والتابعين، ثم ذكر أقوال أئمة المذاهب من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، وساق أقوال اللغويين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين، وساق أقوالاً متعددة من أصحاب التخصصات المختلفة؛ ليبين أن هذه الصفة من أبرز صفات الله التي اتفقت عليها الأمة إلا من شذ من أهل البدع والضلال. وهناك أنواع كثيرة من الأدلة تدل على هذه الصفة، فكل آية ورد فيها (يصعد إليه) فهي تدل عليه، مثل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]؛ فإن الصعود يكون من أسفل إلى أعلى، وكذلك النزول، فكل هذه النصوص تدل عليه. ومن النصوص الصريحة في الموضوع قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، و (في) هنا ليست ظرفية، وإنما هي بمعنى (على)، يعني: أأمنتم من على السماء، وحروف الجر تتناوب، ولهذا قال الله في قصة فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] فهل المعنى: أنه يحفر النخلة ويدخلهم فيها؟ لا. المقصود يصلبهم عليها. وهناك أيضاً أحاديث كثيرة واردة عن النبي ﷺ ، منها: حديث الجارية المشهور عندما قال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء) وهذا يدل على جواز السؤال عن الله بأين.

стр. 180

نفاة العلو من أهل البدع صفة العلو من أبرز الصفات، ومع ذلك نفاها المعتزلة بحجة أن هذا يقتضي التحيز، ونفاها أيضاً متأخرو الأشاعرة بحجة أن هذا يقتضي التركيب والجسمية، وهكذا نفاها أيضاً المتأخرون من الماتريدية، وإن كان المتقدمون من الأشعرية يثبتونها، فـ الأشعري والباقلاني وتلاميذ الأشعري كانوا يثبتون العلو، وإنما حصل نفي العلو من زمن أبي المعالي الجويني فما بعد. وهذه الصفة هي من أبرز صفات الله ، وحصل عند المتأخرين تردد شديد في التعامل مع هذه الصفة، وأصبح كثير من هؤلاء - مع الأسف - ينفون علو الله ، فاحتاروا عندما يقال لهم: إذا لم يكن في السماء فأين يكون؟ فانقسموا إلى قسمين. الذين بقوا على المصطلحات الكلامية والمناقشات العقلية كانوا يقولون: لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا عن يمين العالم ولا عن شمال العالم، ولا محايث له ولا مباين له ولا داخل فيه، فأثبتوا له الأمور المتناقضة، أثبتوا لله وصف الممتنع - والعياذ بالله - بسبب الهروب من إثبات هذه الصفة، بسبب الشبهات التي قامت عندهم في صفات الله . وأما المشتغلون بالتصوف والتزهد؛ فإن التصوف والتعبد لا بد فيه من وجود المعبود حقيقة، يعني: لا يمكن لهم أن يتعبدوا لمن صفته لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا محايث له ولا مباين له، فأصبحوا يقولون: إن الإله موجود في هذا العالم، وإن الله موجود في كل مكان. فقول الأولين: لا داخل العالم ولا خارج العالم، وقول الآخرين -الصوفية بالذات- موجود في كل مكان هو قول متفق في الحقيقة مختلف في طريقة التعامل في هذه الصفة، فهم متفقون على نفي صفة العلو، لكنهم اختلفوا في الجواب على السؤال، إذا لم يكن في العلو فأين هو؟ ولهذا حرم بعضهم السؤال بأين، لأنها تدل على الظرفية، وتدل على المكانية، ولا يصح أن نثبت لله ظرفاً أو مكاناً. وهذه العبارات: الظرفية والمكانية والجسم والعرض ونحو ذلك من العبارات؛ هي مصطلحات لا يصح لنا أن نقبلها مطلقاً فنقبل شيئاً من الباطل، ولا يصح أن نردها مطلقاً فنرد شيئاً من الحق، وإنما نستفصل فنقول: ماذا تعنون بالظرفية؟ إن كنتم تعنون بالظرفية: أن الله في ظرف يحيط به، فهذا معنى فاسد لا نقول به. وإن كنتم تعنون بالظرفية: أنه في جهة العلو ، فنحن نقطع أنه في جهة العلو عن علم ويقين. وصفة العلو يدل عليها العقل، وتدل عليها الفطرة، وتدل عليها النصوص الشرعية الكثيرة في الكتاب والسنة، بل إن هذه الصفة يثبتها أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولا ينفيها إلا مثل هؤلاء، أو من شابههم من أصحاب الديانات الأخرى، فهؤلاء جاءوا ببدعة خطيرة ومؤثرة على عقيدة المسلمين. يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه درء تعارض العقل والنقل: أنه جاءه يوم من الأيام أحد نفاة العلو، يقول: فلما جاءني يطلب حاجة مني ماطلته، فلما ماطلته ضاق صدره، فنظر إلى السماء، وقال: يا الله، يقول: فقلت له: أنت محقر، لماذا تنظر إلى السماء؟ فكأنه ارتبك، وقال: أخطأت. قال: لم تخطئ. هذا ما تدل عليه فطرتك، وهذا ما يدل عليه العقل السليم، وهذا ما تدل عليه النصوص الشرعية. فرجع ذلك الرجل، وشعر أنه يناقض فطرته. ولهذا كثير من الأشعرية المتأخرين إذا جاء إلى صبي من الصبيان الصغار فسأله: أين الله؟ أشار الطفل إلى السماء، أو قال: في السماء، فيحاول أن يعلم الطفل أنه ليس في السماء؛ فهم يحاولون عبثاً أن يغيروا فطرة الناس. ولهذا أبو المعالي الجويني -وكان من أبرز الأشعرية الذين نفوا هذه الصفة- لما جاءه الهمذاني، وقال له: دعك من التأويلات والمناقشات العقلية، أجبني عن الضرورة التي يجدها الإنسان في نفسه عندما يدعو، لماذا يتجه قلبه إلى السماء؟ فأصبح الجويني يضرب على رأسه مع أنه من كبار المتكلمين ويقول: حيرني الهمذاني، حيرني الهمذاني! وفعلاً حيره لأنه استدل بالفطرة، وهي دليل موجود في قلب كل إنسان. ولما قيل لهم: إذا كنتم تعتقدون أن الله ليس في السماء، فلماذا ندعو بهذه الطريقة؟ قالوا: لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة المصلي. وهذا هروب في الحقيقة؛ لأن القضية لا تقف عند رفع الإنسان يديه، وإنما هناك حاجة نفسية وضرورة في الاتجاه نحو العلو. إذاً: هذه الصفة يدل عليها العقل والفطرة والحس والنصوص الشرعية الكثيرة التي بلغت أكثر من ألف دليل، ويمكن مراجعة اجتماع الجيوش الإسلامية لـ ابن القيم، ففيه تفصيل طويل حول هذه الصفة. ليس هناك شيء من الأبيات في حائية ابن أبي داود يتعلق بهذه الصفة بشكل مباشر، وإن كان يمكن أن نستنبط ذلك من صفة النزول؛ لأن أحاديث النزول وآيات الإتيان والمجيء كلها تدل على العلو؛ لأن النزول لغة يكون من أعلى إلى أسفل، فهي تدل على صفة العلو من جهة أخرى، لكن

стр. 181

صفة العلو في لمعة الاعتقاد قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: [ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]]. لأن الاستواء يدل على العلو أيضاً، كيف الاستواء يدل على العلو؟ العرش بإجماع أهل الديانات أنه فوق السماء، وأن السماء في العلو، فإذا أثبتنا أن الله مستو على عرشه فقد أثبتنا أنه عالٍ على خلقه، ولهذا فهم ينفون الاستواء أيضاً كما أنهم ينفون العلو، ويعتبرون الاستواء معناه الاستيلاء، ويتركون النصوص الصريحة في الاستواء التي من معانيها العلو، ويستدلون ببيت للأخطل، يقول فيه: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق ويقولون: استوى هنا بمعنى: استولى، هذا البيت قاله رجل نصراني، وهو من المتأخرين الذين لا يحتج بهم، ولا يعرف أنه ثابت عنه، ولهذا عندما ناقشهم ابن القيم في الصواعق المرسلة قال: أنتم تردون الأخبار الواردة في البخاري ومسلم وتسمون هذه أخبار آحاد لا تقبل في العقيدة، ثم تؤولون النصوص الشرعية مثل آيات الاستواء بقول للأخطل لم يثبت بطريق الآحاد، وبعض الناس يشكك فيه، ويقول: إنه كذب، والأخطل نصراني وليس بمسلم، وعقيدة النصراني في الصفات قريبة من عقيدة المعطلة؛ لأنهم يرون أن عيسى ابن الله، وأن فيه جزءاً لاهوتياً وجزءاً ناسوتياً، ومع هذا يستدلون به. وهذا يدل على وجود الهوى، وهذا يدل على سبب موقف أهل السنة من هؤلاء المبتدعة، ولماذا يبينون بدعتهم؟ لأنهم يحرفون كلام الله ، ثم يأتون بقول الأخطل، كما فعلوا في كلام الله ، قالوا: إنه الكلام النفسي، فقيل لهم: إن الكلام في لغة العرب لا يمكن أن يكون نفسياً، ولهذا أهل النحو يعرفون الكلام بأنه: اللفظ المفيد، واللفظ هو الصوت المشتمل على حروف، وليس هناك شيء اسمه كلام نفسي، قالوا: يقول الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً فيستدلون بقول الأخطل غير الثابت وهو نصراني، وبيت واحد وهو غير مشهور في اللغة، ويتركون النصوص الصريحة الواضحة البينة. قال المؤلف ﵀: [ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]. وقول النبي ﷺ : (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمه). وقال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة]. وهذا يدل على أن إثبات الصفات لله يؤخذ من قول الرسول ﷺ ومن تقريره، فقد أقر هذه الجارية على أن الله في السماء، وقال: (أعتقها فإنها مؤمنة). وصفة العلو مأخوذة من جميع أنواع الصيغ الواردة في الاستدلال، فوردت في كلام الرسول ﷺ وفي كلام الله ، ووردت في تقرير الرسول ﷺ مثل حديث الجارية، ووردت أيضاً من فعله؛ فإنه في يوم عرفة عندما قال: (اللهم اشهد) كان يرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكتها إلى الأرض، وهذا استدلال بفعل النبي ﷺ على إثبات صفة العلو لله تعالى. قال ﵀: [وقال النبي ﷺ لـ حصين: (كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحداً في السماء، قال: من لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، قال: فاترك الستة واعبد الذي في السماء، وأنا علمك دعوتين. فأسلم وعلمه النبي ﷺ أن يقول: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي)]. حصين عندما كان مشركاً كان يثبت أن الله في السماء، فمن كان أهل الشرك أعرف منه بربه فكيف يعرف مثل هذا الشخص ربه؟ والعياذ بالله. قال: [وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون أن إلههم في السماء]. هذه أبرز ميزة لأمة محمد ﷺ ، وهي: إثبات أن الله في السماء. قال: [وروى أبو داود في سننه: أن النبي ﷺ قال: (إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا) وذكر الخبر إلى قوله: (وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك). فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله. سئل الإمام مالك بن أنس ﵀ فقيل: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول]. وفي لفظ: (الاستواء معلوم). فإن الاستواء في لغة العرب بمعنى: الصعود والجلوس، والقصد إلى الشيء. قال: [فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف

стр. 182

صفة المعية لا تنافي صفة العلو تحدث ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية كثيراً عن هذه الصفة لأهميتها، فنبدأ أولاً بنقل الآيات الواردة في هذا الموضوع. وقبل ذلك نقول: من ضمن الأمور المشكلة على نفاة العلو الآيات الواردة في إثبات المعية والقرب، مثل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] فهذه الآيات المقصود بالمعية فيها معية العلم والقدرة والتصريف والتدبير، وليس في هذا تأويل، وإنما هذا هو مقتضى كلام الله ، فكل آية من الآيات الواردة في المعية فيها ما يدل على أن المعية ليست معية بذات الله وصفاته، بل هو في السماء عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، وهو معهم يعلم دقائق أحوالهم، وهو قادر على كل شيء فيهم، وهو مسيطر عليهم، وهم تحت حكمه، وهم تبع له . ثم إن المعية تنقسم إلى قمسين: معية عامة: مثل معية الله لجميع المخلوقات، فهذه المعية تقتضي العلم والتصريف والتدبير والخلق والتأثير، وما يتبع ذلك من معاني الربوبية. ومعية خاصة: وهي معيته للمؤمنين، مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] فهذه الآية ليست مثل المعية العامة ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] أو غيرها من الآيات التي وردت في المعية العامة، وإنما هذه معية خاصة تتضمن زيادة على معاني الربوبية السابقة بأنه معهم بنصره وتأييده ، وأن الله كما قال لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] لم يقل معكما بذاتي، وإنما قال: ﴿مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] يعني: يسمع ما يقول فرعون، ويعلم ما يتكلمون به، وهو قادر على التأثير، وهو قادر على الخلق وكلهم تحت ربوبيته وقهره ؛ يتصرف فيهم كيف يشاء .

стр. 183

كلام شيخ الإسلام عن صفة العلو في الواسطية قال ابن تيمية ﵀: [وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] في سبع مواضع: في سورة الأعراف، قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]]. هذه تدل على صفة فعلية وهي الاستواء، وهي تدل على صفة ذاتية وهي العلو لله . قال: [وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣]. وقال في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]. وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩]. وقال في سورة ألم السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]. وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]]. هذه سبعة مواضع فيها إثبات صفة الاستواء لله كما يليق بجلاله، ومعناها: أن الله صعد على العرش، وأنه فوق العرش ، وورد في بعض النصوص إثبات صفة الجلوس، فيكون بنفس معنى الاستواء، ويكون مختلفاً عن خلقه، ولا يشبه خلقه بشيء من ذلك. قال: [وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]]. أورد قوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾؛ لأن الرفع يكون من أسفل إلى أعلى، فلو كان في كل مكان كما يقولون لما قال: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]. ولو كان لا داخل العالم ولا خارج العالم وليس في مكان كما يقول هؤلاء؛ لما كان هناك معنى لقوله: ((وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)) لكن لما كان (رافعك إلي) نصاً صريحاً في الارتفاع من الأسفل إلى الأعلى دل ذلك على أن الله في العلو. قال: [وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]. وقوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]]. هذا فرعون علم أن إله موسى في السماء، كيف عرف؟ من وجهين: الوجه الأول: ما في فطرته من كون الإله في السماء. الوجه الثاني: ما فهمه من دعوة موسى أن الإله في السماء. وهذا يدل على أن دعوة الأنبياء في باب التوحيد واحدة. قال: [وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧]].

стр. 184

الآيات الواردة في المعية لا تنافي علو الله على خلقه الآن سيذكر الآيات الواردة في إثبات المعية، وليس هناك تناقض بين إثبات العلو والمعية، وسيأتي له كلام مفصل في هذا الموضوع. قال: [وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]]. وهذه المعية معية عامة، فهو مع جميع عباده خلقاً وتصريفاً وتدبيراً ورؤية وسماعاً، وما يتعلق بأوصاف الربوبية جميعاً. قال: [وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]]. هذه الآية عرضها الإمام أحمد ﵀ في كتابه الرد على الجهمية، وبين أنها بدأت بالعلم وختمت بالعلم، مما يدل على أن المعية الواردة فيها معية العلم، لكن ليست معية العلم فقط بل معية العلم والقدرة والتدبير والتصريف وكل معاني الربوبية. قال: [وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]]. هذه معية خاصة، يعني: معنا بربوبيته التي هي حاصلة لكل الخلق، ومعية خاصة بنا، يعني: ناصرنا ومؤيدنا. قال: [وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]]. وقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]. وقوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]]. هذه كلها من المعية الخاصة، ومثل المعية: القرب؛ فإن القرب أشكل على نفاة العلو، وظنوا أن إثبات القرب ينافي العلو، والحقيقة أنه لا ينافيه بأي وجه من الوجوه. هذا ما يتعلق بالآيات الواردة في العلو.

стр. 185

الأحاديث الدالة على صفة العلو في الواسطية أما الأحاديث فقد قال ﵀: [وقوله في رقية المريض: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا الوجع فيبرأ) حديث حسن رواه أبو داود وغيره]. واضح في هذا الدعاء التصريح بعلو الله في قوله: (أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء). قال: [وقوله: (ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء) حديث صحيح. وقوله: (والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه) حديث حسن رواه أبو داود وغيره. وقوله للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مسلم]. هذه عبارة عن أمثلة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدل على العلو، وهناك كتاب بعنوان: علو الله على خلقه، تأليف الشيخ أسامة القصاص ﵀، وهو شاب من طلاب العلم كان في لبنان، لما ألف هذا الكتاب قتله الأحباش قبحهم الله، والأحباش هؤلاء طائفة يتبعون عبد الله الحبشي الهرري في لبنان، وهم من دعاة الفتن، يتبنون منهج الجهمية، وينفون علو الله على خلقه، ويستخدمون أسلوب القتل والإيذاء للمسلمين، وممن قتل على أيديهم أسامة هذا ﵀، ونرجو أن يكون شهيداً. وهناك رسالة علمية للأستاذ موسى الدويش بعنوان: علو الله على خلقه، وهي مطبوعة في مجلد صغير، هذا بالإضافة إلى كتاب ابن القيم السابق الذكر.

стр. 186

معية الله لخلقه في الأحاديث وبيان أنها لا تنافي العلو قال: [وقوله: (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله حيثما كنت) حديث حسن]. بدأ الآن بالأحاديث الواردة في المعية ليبين أن العلو ثابت لله، والمعية ثابتة له، وليس هناك تناقض بينهما على نحو ما تقدم. قال: [وقوله: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه، فإن الله قبل وجهه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه) متفق عليه. وقوله ﷺ : (اللهم رب السماوات السبع والأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر) رواه مسلم. وقوله ﷺ لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر: (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً، إن الذين تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) متفق عليه]. ثم تحدث شيخ الإسلام ﵀ عن هذه القضية بشكل مفصل، وعن وجوب الإيمان باستواء الله على عرشه. ثم قال: [وقد دخل في ما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله، وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، علي على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]. وليس معنى قوله: ((وَهُوَ مَعَكُمْ)) أنه مختلط بالخلق؛ فإن هذا لا توجبه اللغة، وهذا خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان]. هذا استدلال عقلي على أن المعية لا تقتضي الخلطة. قال: [وهو سبحانه فوق عرشه، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع عليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته]. إذاً: معية الربوبية مفهومها واحد، يدخل في ذلك معية العلم والتدبير والخلق والتأثير والإيجاد والمنع، فهو معهم متحكم فيهم، وهو ربهم . قال: [وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش، وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، مثل أن يظن أن ظاهر قوله: ((فِي السَّمَاءِ))؛ أن السماء تظله أو تقله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره. وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]. وقوله ﷺ : (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته). وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته؛ فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه]. هذا ما يتعلق بمسألة العلو والاستواء والمعية والقرب، وأنه لا تناقض بين هذه جميعاً، ونحن نثبتها لله .

стр. 187

إثبات رؤية المؤمنين لربهم نحن نثبت أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة كما يرون البدر في السماء. وأهل الإيمان إذا دخلوا الجنة فإنهم يتنعمون بنعيم الجنة كله، وأعلى نعيم في الجنة هو رؤية الله ، وهذه الرؤية ليس فيها شيء من الإحاطة، بل ربنا أعظم من أن يحيط به المخلوق، وهو يدرك الأبصار، والأبصار لا تدركه . ومعنى الإدراك: الإحاطة من كل وجه. ولهذا فالسماء تنظر إليها وتراها بعينك، ومع هذا لا تدرك السماء، فأطراف السماء بعيدة عنك، وهي أكبر من أن تحيط بها من كل وجه، وكونك لا تحيط بها لا يعني أنك لا تراها، فأنت تراها، والله يوم القيامة يراه المؤمنون وهم لا يحيطون به علماً ورؤية، وهو أعظم من أن يحاط به. هناك أدلة كثيرة جداً في القرآن والسنة تدل على أن الله يرى يوم القيامة، وهناك تفصيلات دقيقة فيما يتعلق بهذا الأمر. لكن نفاة الرؤية من المعتزلة قالوا: إن الله لا يرى يوم القيامة. وأيضاً الشيعة لا يثبتون رؤية الله يوم القيامة، وكذلك الخوارج الإباضية لا يثبتون رؤية الله يوم القيامة، ويرون أن الله لا يرى يوم القيامة، ويؤولون معنى هذه الرؤية إلى أن المقصود بالنظر الانتظار.

стр. 188

صفة الرؤية في الحائية قال ابن أبي داود ﵀: [وقل يتجلى الله للخلق جهرة كما البدر لا يخفى وربك أوضح]. هذه من مفردات عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الله يرى يوم القيامة، ويدل على هذا نصوص كثيرة سيأتي بيانها من القرآن والسنة، وهذا الأمر مما أجمع عليه أهل العلم، ولهذا استدل الشافعي ﵀ على رؤية الله يوم القيامة بمفهوم المخالفة في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فقال: عندما حجبوا في باب العقاب فإنهم يرونه في باب الثواب، وهذا من فقهه ﵀ ومن دقة استدلاله.

стр. 189

صفة الرؤية في لمعة الاعتقاد قال ابن قدامة ﵀: [والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه]. وهذا فيه إثبات صفة الكلام لله ، وأنها صفة ذاتية؛ لأنه يكلمهم ويكلمونه، ويسمع كلامهم ، لكنه ليس كصفة المخلوقين . قال ﵀: [قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]]. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ هذه من النضرة وهي الجمال والبهاء. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] النظر هنا نظر العين، والدليل على أن النظر هنا نظر العين وليس المقصود به نظر الفكر: أنه معدى بإلى، والتعدية بإلى لا تستخدم إلا في نظر عين الإنسان، فإن النظر كلمة تستخدم عدة استخدامات، تستخدم في الفكر، فيقال: النظر العقلي، وتستخدم في النظر بالعين، وتستخدم بمعنى الانتظار مثل: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] يعني: انتظرونا، لكنها إذا عديت بإلى فإنها تدل على رؤية العين تحقيقاً. ومما يدل على ذلك: أن هنا ارتباطاً بالعين؛ لأنه قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلى رَبِهَا نَاظِرَة﴾ [القيامة:٢٢] فالوجوه الناضرة ترى ربها بعينها التي في وجهها. قال: [وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]]. وقد سبق أن هذا الاستدلال هو استدلال الإمام الشافعي ﵀. قال: [فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق]. وهذا يدل على الاستدلال بمفهوم المخالفة في باب العقيدة، يعني: كما أنه يستدل بالقول في باب العقيدة، وبالفعل وبالتقرير، كذلك يستدل بمفهوم الموافقة والمخالفة وبالمنطوق وهو الأصل في الباب. قال: [وقال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) حديث صحيح متفق عليه]. هذا نص صريح في الرؤية، ورؤية القمر لا تحتمل إلا الرؤية التي تكون بالعين. (لا تضامون في رؤيته) يعني: لا تضايقون في رؤيته. قال: [وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي، بالمرئي فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير، فإنه ليس المقصود تشبيه الله بالقمر، وإنما تشبيه رؤية الله برؤية القمر]. فهذا يدل أولاً: أن هذه الرؤية تكون بالعين. ثانياً: يدل على أنه يمكن للخلق جميعاً أن يروه لأنه مرتفع عنهم، كما أنهم يرون القمر وهم في أماكن مختلفة؛ لأنه مرتفع عنهم، فإذا جاز هذا في المخلوق فجوازه في الخالق أولى.

стр. 190

صفة الرؤية في الواسطية قال شخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]]. سبق هذا الاستدلال في لمعة الاعتقاد، وقررنا الطريقة العلمية في الاستدلال بها. قال: [وقوله: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣]]. هذه الآية استدل بها أهل العلم على أنهم ينظرون إلى الله . وهناك آية في سورة الإنسان، وهي قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان:٢٠] وفي قراءة سبعية صحيحة: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً ومَلِكَاً كبيراً) فقالوا: إن المقصود بالملك الكبير هو الله على هذه القراءة. قال: [وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]]. وقد دل حديث النبي ﷺ على أن الزيادة المقصود بها رؤية الله؛ لأنه قال: ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى)) يعني: الجنة. ((وَزِيَادَةٌ)) الزيادة على الجنة في الأحاديث هي رؤية الله . قال: [وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]]. وهذا يوافق معنى الآية السابقة في سورة يونس. قال: [وهذا الباب في كتاب الله كثير، من تدبر القرآن طالباً للهدى منه تبين له طريق الحق]. هذا ما يتعلق بالآيات الواردة في صفة الرؤية، ثم نقل الأحاديث الواردة في صفة الرؤية. قال: [وقوله: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) متفق عليه].

стр. 191

رؤية المؤمنين لربهم في عرصات القيامة ثم علق شيخ الإسلام ابن تيمية على موضوع الرؤية بعد ذلك، قال: [وقد دخل أيضاً فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبملائكته وبرسله: الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عياناً بأبصارهم كما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى]. أما الرؤية الواردة في النصوص الكثيرة في القرآن وفي السنة فهي الرؤية التي تكون بعد دخول الجنة. وأما رؤية العرصات فقد ورد في حديث طويل في صحيح البخاري ومسلم، اختلف أهل العلم في معناه، وهل الله يرى يوم القيامة في العرصات؟ وهناك مسائل كثيرة لطيفة في موضوع الرؤية، منها: هل النساء يرين الله يوم القيامة؟ الجواب نعم. لدخولهن في عموم الآيات الواردة في إثبات الرؤية للناس. وهناك رسالة لـ شيخ الإسلام لطيفة اسمها: رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الله ، أظنها موجودة في المجلد السادس من الفتاوى، تحدث فيها عن رؤية النساء لله ، وعن رؤية الكفار والمنافقين لله في العرصات. فبين شيخ الإسلام أنه في الجنة لا يراه إلا المؤمنون، وأما في العرصات فقد اختلف العلماء في من يراه، فقال بعضهم: إن الله يوم القيامة في العرصات يراه المنافقون، ويراه أيضاً الكفار، ويراه أيضاً المؤمنون، وقد ورد في بعض النصوص أن الله يأتي في صورة غير الصورة التي هو عليها، وهذا يدل على كمال الله وقدرته على كل شيء. ثم بعد ذلك يراه المؤمنون في صورته التي يعرفون، ثم يرونه في الجنة ، وهذه الرؤية الأخيرة هي رؤية النعيم الواردة في هذه المسألة. وأما الخلاف الدائر بين أهل العلم فيما يتعلق برؤية المنافقين والكافرين لله في العرصات، فهي من المسائل التي لا يضلل فيها المخالف، وإنما هي من المسائل التي تعتبر من فروع العقيدة.

стр. 192

الأسئلة

стр. 193

رؤية وجه الله تعالى السؤال هل الرؤية تكون لله كله أم أنها تكون لوجهه؟ الجواب لا يمكن أن يرى الله كله؛ لأن هذا غير مدرك بالنسبة للإنسان، وهذا هو الذي أخبر الله بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وإنما ورد أن الرؤية تكون للوجه ومع هذا لا يدركونه أيضاً، ولا يصح للإنسان أن يتخيل في صفات الله وتعالى ما يمليه عليه ذهنه القاصر.

стр. 194

المنهج السائد قبل دعوة محمد بن عبد الوهاب السؤال هل المعتقد السائد في الجزيرة العربية قبل الدعوة السلفية على يد الشيخ المجدد هو المعتقد الصوفي؟ الجواب نعم. المعتقد السائد قبل مجيء الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ كان هو المنهج الصوفي، وكان أهل نجد في تلك الفترة من الحنابلة، وكان الحنابلة من أقرب الناس إلى السنة، باعتبار أن الإمام أحمد ﵀ وقف وقفة قوية من المعتزلة ومن أصحاب المنهج الكلامي؛ إلا أنهم في الأخير اختلطوا بعلم الكلام، حتى أن بعضهم اقترب من المعتزلة والأشعرية، وصاروا على طريقة المتصوفة. وأما أهل الحجاز والجنوب فقد كانوا من قديم على طريقة أهل التصوف. ولا يعني هذا أن جميع الناس كانوا كذلك، لكن المقصود به السائد العام، يعني: المشايخ الرسميين والقضاة المشهورين والمؤثرين، ومع هذا يوجد علماء من أهل السنة كثيرون في نجد والحجاز واليمن والشام ومناطق مختلفة لكن لم يكن لهم قوة، ولم تكن لهم شوكة، ولم يكن لهم انتشار، حتى جاء الشيخ الإمام المجدد وظهرت دعوته ولله الحمد، وما ترونه من انتشار التوحيد وانتشار السنة في أرجاء كثيرة هي من بركة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.

стр. 195

تعريف علم الكلام السؤال ما هو علم الكلام؟ الجواب سبق أن تحدثنا عن علم الكلام، وهو أنه علم أرادوا به الحجاج والدفاع عن العقيدة، ودفع الشبه، لكنهم اتخذوا في سبيل ذلك منهجاً منحرفاً فتولد من ذلك أقوال وعقائد منحرفة مخالفة للسنة بسبب الاعتماد على مصادر للتلقي غير سليمة، واختراع أدلة عقلية في مناقشة الملحدين، لكن هذه الأدلة العقلية ليست أدلة قرآنية سليمة، وإنما هي أدلة ركبوها من عند أنفسهم تضمنت كثيراً من العقائد الباطلة؛ فأثر ذلك على بقية معتقدات هذا العلم في جوانب مختلفة.

стр. 196

الفلسفة ليست من الدين في شيء السؤال هل صحيح أن علم الفلسفة يتفق مع الكتاب والسنة خاصة أنه يدرس في الجامعات؟ الجواب الفلسفة كعلم نشأ في اليونان، ومنشأ الفلسفة أشخاص وثنيون ما عرفوا نور الرسالة أصلاً، وتكلموا فيما يسمونه بالمتفيزيقا والمتفيزيقا، هو علم ما وراء الطبيعة. فتكلموا بالجهل وانحرفوا انحرافاً كبيراً عن السنة، وما يسمى بالفلسفة الإسلامية هو علم الكلام في صورته المتأخرة التي تأثرت بالفلسفة الإغريقية.

стр. 197

علاقة أهل السنة بالفرق الأخرى السؤال ما حكم من يقول إن العلاقة بين فرق المسلمين علاقة حوار، وإننا لا يمكن أن نحاربهم؟ الجواب بالنسبة للمسلمين لا شك أنهم اختلفوا كما بين النبي ﷺ عندما قال: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة -ثم بينها فقال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). فالعلاقة بين المسلمين في الأصل هي حقوق على كل مسلم لأخيه المسلم، منها: رد السلام، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، ورد الظلم، ونحو ذلك من الحقوق، لكن لا يعني هذا أن الإنسان إذا خالف المنهج الشرعي الصحيح وهو السنة أنه يجامل أو يقال: إنه لا يرد عليه. بل يجب أن يرد عليه، وذلك حفظاً لأديان الخلق؛ فإنه إذا لم يرد عليه ينتشر الباطل ويظهر وحينئذ يكون الحق مغموراً ويكون هذا من لبس الحق بالباطل، ولبس الحق بالباطل لا شك أنه يضيع قيمة الحق وصفاءه، فلا بد من الرد على هذه الطوائف الضالة وبيان معتقداتها الفاسدة، لكن لا يعني هذا أنهم يقاتلون. مسألة المقاتلة مسألة أخرى راجعة إلى ظروف الإمامة الإسلامية، وترتيب الأولويات فيما يتعلق بالمسلمين في القتال، بعض الأحيان قد يقاتلون أهل البدع حتى لو كانوا مسلمين، فـ علي بن أبي طالب ﵁ قاتل الخوارج وخد الأخاديد للشيعة الإسماعيلية وقال: لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً وجميع أصحاب النبي ﷺ قاتلوا الخوارج، وفرحوا بقتالهم، وعلموا أنهم الذين ذكرهم الرسول ﷺ عندما قال: (يأتي سفهاء الأحلام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد). لكن القتال يرجع إلى الظروف، فيختلف حال المسلمين من زمن إلى زمن، ومن وضع إلى وضع، ويختلف الأعداء قوة وضعفاً، بعض الأحيان تكون الأولوية لقتال الكفار باعتبار أنهم أقوياء ومسيطرون، وأن أهل البدع شذاذ لا قيمة لهم، لكن بعض الأحيان يكون لأهل البدع شوكة وقوة، ويقاتلون المسلمين كما كان حال الخوارج؛ فإنهم يقتلون. وهناك فرق بين الجهاد، فعندما يكون جهاد طلب، فإن حكمه الاستحباب، أي: أن يطلب العدو في عقر داره ويطالب بالإسلام، لكن عندما يكون جهاد دفع فيكون أكثر وجوباً من غيره. فينبغي إدراك مثل هذه الأحكام، وأنها تختلف من حال إلى حال ومن زمن إلى زمن، وليس فيها حكم واحد يمكن أن يطبق على كل الأحوال وكل الأزمنة وكل الأوضاع.

стр. 198

دراسة موضوعية [٩] من أصول أهل السنة الإيمان بالقضاء والقدر ومراتبه، وأن الله يعلم كل شيء قبل حدوثه، وأنه الذي خلق أفعال العباد وقدرها، وأعطى العبد الاختيار في الطاعة والمعصية، فلا يجوز للعبد أن يحج بالقدر على المعصية أبداً.

стр. 199

كيفية طلب العلم وتلقيه عن العلماء الفصل الثاني يتحدث عن منهجية طلب العلم، وذلك أن طلب العلم لابد له من منهجية، ولابد له من طريقة مرتبة، بحيث إن الإنسان يصل إلى النتيجة التي يريد، فليس كل من طلب العلم وفق للطريقة المناسبة للطلب. وما يتعلق بهذا الفصل هو عبارة عن خبرات العلماء السابقين الذين طلبوا العلم واشتغلوا به، وعايشوا الطلاب، وعرفوا الطريقة الصحيحة لطلب العلم، والمنهجية المستقيمة فيه. وأيضاً هذه الخبرة هي خبرة من تدرب وتمرس واشتغل وعانى وتعب في هذا الباب، وكانت طريقتهم متشابهة ومتقاربة إلى حد كبير، وكل من تحدث عن طلب العلم مثل الخطيب البغدادي ﵀ في الجامع، وغيره من أهل العلم، كلهم تحدثوا عن المنهجية التي ينبغي على طالب العلم أن يسير عليها، والطريقة المثلى العملية التي ينبغي أن يسلكها في طريقه في الطلب، ولهذا سنجد قواعد وأصولاً قد يعبر عنها بكلمة، أو بمقطع بسيط، لكنها تتضمن الكثير من الفوائد والعبر والعظات. مثلاً: قوله: [من لم يتقن الأصول حرم الوصول] هذه كلمة نقلها ابن جماعة في تذكرة السامع والمتكلم، ولها دلالة عظيمة جداً، وهي: أن طالب العلم ينبغي عليه أن يبدأ بأصول العلوم، وفي كل علم من العلوم أصول ينبغي أن يعتني ويهتم بها، فإذا درس هذه الأصول وفهمها فإن ما يأتي بعد ذلك سيكون تابعاً لهذه الأصول. أما من اشتغل بالتفريعات والجزئيات مع بدايته لطلب العلم، فإنه سيحرم من الوصول إلى النتيجة التي يريد، والتي يتمناها في طريقه في طلب العلم؛ ولهذا اعتنى بعض المتأخرين بتأليف كتب بعنوان: برنامج عملي لطلاب العلم، أو: برنامج عملي للمتفقهين، ومن أفضل هذه الكتب كتاب الأستاذ الدكتور: عبد العزيز قارئ، فقد ركز فيه على البرنامج العملي الذي ينبغي أن يسير عليه طالب العلم من جهة العلوم الأساسية التي يركز عليها الطالب في بداية طلبه للعلم.

стр. 200

كيفية الطلب ومراتبه قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى في كتابه حلية طالب العلم: [الفصل الثاني: كيفية الطلب والتلقي: السادس عشر: كيفية الطلب ومراتبه: من لم يتقن الأصول حرم الوصول، ومن رام العلم جملة ذهب عنه جملة، وقيل أيضاً: ازدحام العلم في السمع مضلة الفهم]. هذه ثلاثة قواعد من أروع القواعد في طريقة طلب العلم، وينبغي على طالب العلم أن يحفظ هذه القواعد، وأن يرددها دائماً. ومعنى: (رام العلم) يعني: طلب العلم، (جملة) يعني: من طلب العلم دفعة واحدة، فإنه سيفقده دفعة واحدة، يعني: لو أن إنساناً أراد أن يبني لنفسه برنامجاً علمياً خلال هذه السنة، فحشد في هذا البرنامج أكثر من عشرة علوم، وحشد في كل علم من هذه العلوم عشرة كتب من الكتب الدقيقة التي تحتوي على المسائل النادرة، ثم بدأ يشتغل فيها دفعة واحدة وفي وقت واحد، فإنه سيخرج في نهاية الأمر وليس معه شيء، وقد يكون معه معلومات عامة، مثل أسماء الكتب والمؤلفين، وبعض رءوس المسائل. أما أنه يتقن فقطعاً لن يتقن، وهذا هو معنى قوله: (من رام العلم جملة ذهب عنه جملة) وأما قوله: (ازدحام العلم في السمع مضلة الفهم). فهو لو أن إنساناً أراد أن يبحث مسألة فقهية من المسائل الدقيقة والغامضة، والتي كثر فيها النزاع والاختلاف، ثم ساق له المتكلم عشرون مذهباً بما فيها المذاهب النادرة والغريبة والشاذة والمندثرة. ثم بدأ يذكر لكل مذهب الأدلة التي ربما تصل إلى عشرة ويذكر مع كل دليل وجه الاستدلال، والقاعدة الأصولية التي بني عليه هذا الاستدلال، وما يتعلق بها من خلاف. هل تتصورون أن هذا الطالب سيفقه شيئاً؟ قطعاً لن يفقه شيئاً؛ لأنه علم كبير اجتمع في ذهنه ودخل في أذن وخرج من الأخرى؛ لأن القلب بطبيعته لا يمكن أن يحوي هذه الأمور دفعة واحدة. فينبغي على طالب العلم أن يأخذ المسائل مسألة مسألة، ويعرف صورة المسألة سواء كانت فقهية أو عقدية، ثم بعد أن يعرف صورة المسألة يعرف الأدلة عليها، ثم بعد أن يعرف الأدلة عليها، يعرف وجه الاستدلال المتعلق بها، وهكذا. بهذه الطريقة يستطيع أن يتفقه، ولا يشترط أن يتعلم هذه الأشياء في لقاء واحد، ربما في اللقاء الأول يحتاج أن يتعلم صورة المسألة، ثم في اللقاء الثاني يتعلم أدلة المسألة، وإذا كانت كثيرة يمكن أن توزع على لقاءين، وإذا أخذ هذه المسائل انتقل بعد ذلك إلى الأدلة، ثم وجه الاستدلال بشكل بطيء لكنه أكيد المفعول، فقد يستغرق فترة طويلة لدراسة كتاب لكنه سيكون قد استفاد فائدة بليغة بإذن الله. ولهذا ينبغي على طالب العلم في بداية طلبه للعلم ألا يشغل نفسه بمجموعة كبيرة من الكتب، وألا يشغل نفسه بالتفصيلات الدقيقة في كل علم من العلوم، ولهذا نحن نركز على المسائل العامة الأساسية، وما يتعلق بها من مسائل يكون طالب العلم بحاجة إليها، فإذا تصورها تصوراً جيداً فإنه في نهاية الأمر سيكون قد استفاد. ولهذا أهل العلم يؤلفون الكتب مترتبة بعضها على بعض، حتى لا يبدأ طالب العلم بالفقه العالي، أو بالكتب العالية في العقيدة، مثلاً ابن قدامة المقدسي ﵀ كان فقيهاً ومعلماً في نفس الوقت، لذا ألف في الفقه أربعة كتب، وجعلها على شكل سنوات دراسية، فأول متن ألفه هو عمدة الفقه، حصره في رواية واحدة من روايات الإمام أحمد فيما يتعلق بالمسائل الفقهية. والكتاب الذي فوقه المقنع، جاء فيه بروايتين. ثم كتاب الكافي، وجاء فيه بأكثر من رواية، ويرجح فيه بين هذه الروايات. ثم الكتاب العالي هو المغني، وهو يجمع مع مذهب الإمام أحمد مجموعة أخرى من المذاهب، ويناقش الأدلة والمسائل، ويرجح ما يراه، وقد يذكر فروعاً دقيقة وغامضة، وأمثلة متعددة، ويبين أنها مبنية على أصل واحد، بهذه الطريقة يستطيع طالب العلم أن يستفيد. لو أراد أن يبدأ بالمغني دفعة واحدة لن يستفيد، ولو أراد أنه في شهر واحد ينتهي من عمدة الفقه، وفي الشهر الثاني ينتهي من المقنع، وفي الشهر الثالث من الكافي، وفي الشهر الرابع من المغني، لن يستفيد، لماذا العجلة؟ أهم شيء هو أن يتقن الإنسان، ويستمر في عملية طلب العلم، ويستمر أيضاً في المراجعة بشكل دائم، بهذه الطريقة يستفيد طالب العلم. أما أن يدرس المسائل الكثيرة والمتعددة دفعة واحدة، فإنه لن يستفيد كثيراً.

стр. 201

أمور لا بد لطالب العلم من مراعاتها في كل فن يطلبه قال: [وعليه فلابد من التأصيل والتأسيس لكل فن تطلبه بضبط أصله ومختصره على شيخ متقن لا بالتحصيل الذاتي وحده، وآخذاً الطلب بالتدرج، قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦]]. من حكم نزول القرآن مفرقًا: التفهم، وإدراك معانيه بشكل جيد. قال: [وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١]. فأمامك أمور لابد من مراعاتها في كل فن تطلبه: الأول: حفظ مختصر فيه. الثاني: ضبطه على شيخ متقن]. (حفظ مختصر فيه) افترض أنك تريد أن تدرس كتاباً من كتب العقيدة، فبدأت بالواسطية، فينبغي أن تحفظ الواسطية، هل تحفظها قبل أن تبدأ في الدرس؟ هذا لا شك أنه أمر مستحسن، حتى إذا قرأت النص في الدرس كنت تعرفه معرفة جيدة، فإذا قرئ مرة أخرى، فإن الفائدة التي ستستفيدها ستكون أكبر؛ لأن الإنسان عندما يقرأ كتاباً لمرة واحدة يستفيد منه فوائد، وتفوت عليه أشياء، فإذا قرأه للمرة الثانية سيستدرك فوائد أخرى لم يكن استفادها من قبل، وتفوت عليه أشياء، وهكذا في كل مرة سيستفيد أكثر. إذاً خذ مختصراً من المختصرات في أي علم من العلوم التي سوف تدرسها سواء في العقيدة أو الفقه أو النحو أو أي باب من الأبواب، ثم احفظ المختصر فيه. ثم بعد أن تحفظ المختصر تضبطه على شيخ متقن؛ لأن قراءتك له قد تكون غير سليمة وغير صحيحة، لكن عندما تضبط كتابك فإنك حينئذ ستكون قد أصلحت ما فيه من الخطأ. ولهذا ينبغي على طالب العلم أن يكون له كتاب في أي علم من العلوم يستمر معه، نحن مع الأسف إذا سمعنا أن هناك درساً مثلاً في كتاب لمعة الاعتقاد أخذنا نسخة، ثم إذا سمعنا عن درس آخر في اللمعة بعد سنة أو سنتين نأخذ نسخة جديدة، لماذا لا تكون لك نسخة محددة تضبطها بشكل دائم من ناحية الإعراب والنطق، على شخص متخصص متقن يعرف المواد من الكلمات. قال: [الثالث: عدم الاشتغال بالمطولات، وتفاريق المصنفات قبل الضبط والإتقان لأصله]. نعم، لابد أن تضبط الأصل قبل أن تقرأ في الفروع؛ لأنك إذا اشتغلت بالقراءة في الفروع ستخرج لديك معلومات متناثرة غير محققة وغير دقيقة، وستصبح مثقفاً لكن لن تصبح طالب علم، فضلاً عن أن تصبح عالماً؛ لأن طالب العلم هو المتخصص المتقن للشيء الذي يتكلم فيه، أما المثقف فهو الذي لديه معلومات يمكن أن يتكلم في أي شيء من الأشياء لكن بكلام عام غير دقيق، ولهذا قد يخبط بعض المسائل في بعض. قال: [الرابع: لا تنتقل من مختصر إلى آخر بلا موجب، فهذا من باب الضجر]. والضجر لا يليق بطالب العلم؛ لأن طالب العلم الضجر هو الذي يتنقل من الكتب والدروس والقراءة، وهذا لن يصل إلى مبتغاه. قال: [الخامس: اقتناص الفوائد والضوابط العلمية]. كل باب من الأبواب فيه ضوابط وقواعد وأصول، وتجد أن هذه القواعد والضوابط مكررة، فإذا ضبطتها وحفظتها وأتقنتها، ستنفعك في كل الكتب التي تواجهك في نفس الموضوع. مثلاً: باب الصفات فيه قواعد محددة، وضوابط معينة، إذا أتقنتها فأي كتاب من كتب الصفات يمر عليك لابد أن ترجع هذه الفروع إليها، مثل: كلامنا عن أقسام الصفات، الصفات الذاتية، والصفات الفعلية، والضابط لكل صفة من هذه الصفات، والقاعدة في الجمع بين الإثبات ونفي التشبيه، ومعنى هذه القاعدة، والضابط في موضوع التشبيه، والكلام على القدر المشترك، وضبط القدر المشترك، ومعناه، وبعض الأحيان تكون صفة واحدة مجموع فيها ضوابط وقواعد، مثل: صفة كلام الله ، فيها قواعد خاصة، مثل حقيقة كلام الله ، وهل هو اللفظ أو المعنى؟ ومعنى: إثبات كلام الله ، وأنه بحرف وصوت، وأدلة هذا. هذه أشياء تتكرر معك في كل باب من الأبواب التي تواجهها في كتب العقيدة، ستجدها في الطحاوية والسفارينية والأسماء والصفات للبيهقي، وأنت بحاجة إليها مستمرة ودائمة، فاقتناص الضوابط والقواعد من حذق طالب العلم وذكائه وفهمه، فينبغي الاهتمام بهذه القضية. قال: [السادس: جمع النفس للطلب والترقي فيه، والاهتمام والتحرق للتحصيل والبلوغ إلى ما فوقه حتى تفيض إلى المطولات بسابلة موثقة. وكان من رأي ابن العربي المالكي ألا يخلط الطالب في التعليم بين علمين، وأن يقدم تعليم العربية والشعر والحساب، ثم ينتقل منه إلى القرآن، لكن تعقبه ابن خلدون: بأن العوائد لا تساعد على هذا، وأن المقدم هو دراسة القرآن الكريم وحفظه؛ لأن الولد ما دام في الحجر ينقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ صعب جبره. أما الخلط في التعليم بين علمين فأكثر فهذا يختلف باختلاف المتعلمين في الفهم والنشاط].

стр. 202

وجوب الإيمان بالقدر باب القدر في الحقيقة هو جزء من أبواب الصفات؛ فعندما تأملنا لمراتب القدر الأساسية التي من آمن بها فقد آمن بالقدر بصورته الصحيحة، نجد أنها كلها راجعة إلى صفات الله ، فالقدر هو فعل الله في الخلق. لكن أهل العلم أفردوه بالتأليف وبالكلام، وجعلوه باباً مستقلاً؛ لكثرة الخلط الذي وقع في هذا الباب العظيم من أبواب الدين. والقدر ورد وجوب الإيمان به في القرآن الكريم، كما قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وورد في سنة النبي ﷺ وجوب الإيمان به، وأشهر حديث في ذلك هو حديث جبريل الطويل، عندما جاء إلى النبي ﷺ فسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، وأشراط الساعة، فكان مما أجابه به عن الإيمان أن قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره). بل إن سبب حديث جبريل هو ظهور طائفة في البصرة تنكر القدر، فأصل الحديث: هو أن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري جاءا من البصرة حاجين، فلما كانا في يوم عرفة التقيا بـ عبد الله بن عمر قال: فاكتنفته أنا وصاحبي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إنه ظهر قبلنا قوم يتقفرون العلم -يعني: يدعون العلم ويشتغلون به- يقولون: إنه لا قدر، وإن الأمر أنف، يعني: الأمر محدث، وأن العبد يفعل فعله بدون قدر من الله، وبدون علم من الله وهذا يدل على أن بدعة القدرية ظهرت في زمن الصحابة رضوان الله عليهم. فتبرأ منهم هذا الصحابي، وقال: أخبروهم: أنني براء منهم، وأنهم برآء مني، والذي نفس ابن عمر بيده لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً لم يقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم ساق لهم حديث جبريل عن والده عمر، عن النبي ﷺ قال: (بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد).

стр. 203

الإيمان بالقدر وما يدخل فيه الإيمان بالقدر ركن أساسي من أركان الإيمان، ومعنى الإيمان بالقدر أن يؤمن الإنسان بأربعة قضايا وأصول: الأصل الأول: أن يؤمن بعلم الله الشامل المحيط بكل شيء، بما في ذلك أفعال العباد وتصرفاتهم. الأصل الثاني: أن يؤمن بمشيئة الله العامة الشاملة لكل شيء، وأنه لا يمكن أن يخرج شيء من الأشياء عن مشيئة الله . الأصل الثالث: أن يؤمن بكتابة الله لمقادير العباد، وأن الله قد كتب مقادير العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وأن الله علم منازل وأعمال وتصرفات العباد، ومن منهم من أهل الجنة، ومن منهم من أهل النار، وكتب كل ذلك في اللوح المحفوظ عنده. الأصل الرابع: هي أن يؤمن أن أفعال العباد مخلوقة لله . هذه الأصول الأربعة لابد من الإيمان بها، فإذا آمن بها فإنه يكون سنياً على الجادة، وإن لم يؤمن بها فإنه يكون مبتدعاً ضالاً بحسب إنكاره أو تأويله لأحد هذه الأصول. والنبي ﷺ حذر من البحث في القدر بغير المنهاج الشرعي، ولهذا لما خرج النبي ﷺ على الصحابة فوجدهم يتكلمون في القدر، وبعضهم ينزع بآية، وبعضهم ينزع بآية أخرى، غضب ﵊، واحمر وجهه كأنما فقئ فيه حب الرمان، فقال: (أبهذا أمرتم، أن تضربوا كلام الله بعضه ببعض؟)، فنهاهم ﷺ . ونهيه ﷺ ليس عن الكلام في القدر كعلم، وكباب من أبواب الدين لا ينبغي الحديث عنه، وإنما نهاهم عن الطريقة التي اتبعوها في ذلك، وهي أن يضربوا كلام الله بعضه ببعض، ويتصوروا أن بعضه مخالف لبعض، وهو ليس كذلك. الصورة المجملة للإيمان بالقدر: أن الله قبل أن يخلق العباد، وقبل أن يخلق السماوات والأرض كان يعلم أنه سيخلق الناس، ويعلم ماذا سيعملون، ويعلم على أي شيء سيموتون، وعلى أي شيء سيبعثون، وفي أي منزل سيكونون في الجنة أو النار. وفي الوقت نفسه خلق في الإنسان قدرة وإرادة، فهو يريد ما يشاء، وبقدرته يستطيع أن يفعل ما يشاء، فالإنسان من حيث القدرة والإرادة مختار ولا جبر عليه، ولهذا يقسم العلماء موضوع الجبر إلى قسمين. والحقيقة أن أهل العلم ينهون عن كلمة الجبر؛ لأن كلمة الجبر يفهم منها: أن الله جبر العباد على شيء لا يريدونه، لكنهم يسمونه الجبل -باللام- كما ورد في حديث أشج عبد القيس عندما قال له رسول الله ﷺ : (إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله، الحلم والأناة قال: يا رسول الله! أشيء جبلني الله عليه أم شيء مني؟ قال: بل جبلك الله عليه -خلقك الله كذلك- قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب).

стр. 204

أقسام العباد في أفعالهم أفعال العباد تنقسم إلى قسمين: قسم ليس لهم فيه اختيار، وقسم لهم فيه اختيار. القسم الذي ليس لهم فيه اختيار، مثل: ألوانهم، وآبائهم، وأمهاتهم، وما يتعلق بالزمان الذي ولدوا فيه، فأنت غير مخير في لونك وأبيك وأمك وفي الزمان الذي ولدت فيه. فهذه القضايا ليس فيها اختيار، لكن في نفس الوقت لم يرتب عليها ثواب ولا عقاب في ذاتهم، فلا يعاقبك لأنك أبيض، أو أشقر، أو أسود، أو قصير أو طويل، أو لأنك في البلد الفلاني، أو لأنك ولدت في القرن العشرين؛ لأن هذا ليس من اختيارك أبداً. وهناك قسم آخر للعبد فيه اختيار وإرادة وقدرة، وهو ما يسمى: الأعمال الاختيارية، وهي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فالإنسان قادر على الطاعة، وقادر أيضاً على العصيان، وهذا شيء يشعر به الإنسان في نفسه، وأخبر الله عنه.

стр. 205

الجمع بين اختيار العبد وما كتب عليه كيف يمكن لنا أن نجمع بين أن الإنسان قادر على أن يفعل ما يريد ويختار ما يشاء، وبين أن الله عالم بأعماله وقد كتبها عليه؟ يعني: أنا وأنت الآن مكتوب على كل واحد منا هل هو شقي أم سعيد قبل أن تخلق السماوات والأرض، ومكتوب أن فلان بن فلان سيعمل كذا وكذا، ويموت على كذا، ويكون من أهل الجنة أو من أهل النار. فكيف نجمع بين الاختيار وبين ما كتبه الله ؟ نقول: ليس هناك أي تعارض في هذا الأمر، فما كتبه الله ناتج عن علمه؛ فعلمه ليس كعلمي وعلمك، فأنت لا تعلم ماذا سأعمل غداً، لكن الله يعلم ذلك، فهل الله عندما علم أحوال العباد وماذا سيختارون فكتب ذلك هل يعني هذا أنه جبر أحداً؟ لا. لم يجبر أحداً ، لكنه علم ماذا سيختار. نحن بإمكاننا أن نصلي الفجر ثم نرجع إلى بيوتنا مرة أخرى، ولن تجد ملائكة تقف بوجهك على الأبواب، تقول لك: لا تدخل لأن الله كتب عليك أنك من أهل النار. لكن هذا الاختيار الذي أنت ستفعله بالصلاة أو بترك الصلاة علمه الله قبل ذلك فكتبه؛ وعندما كتب ذلك هل ألزمك أو جبرك على ذلك وأنت لا تريد؟ لا. فالإنسان الذي يذهب إلى الزنا قادر على أن يبتعد عنه، وقادر على أن يذهب إليه، فبعض الناس يقول: إذا زنيت أليس الله قد كتبها علي قبل ذلك؟ نقول: إذا زنيت وانتهى الموضوع صح قولك، ويكون كتبها الله عليك قبل ذلك، قال: إذاً جبرني؟ كيف جبرك؟! بل أنت الذي اخترت هذا الأمر، لكن علمه القديم والواسع يشمل ما ستفعله، وما ستموت عليه، بل يشمل ما هو أوسع من ذلك؛ لأن علمه شامل لاختيارات الناس، وهو الذي كتبه في اللوح المحفوظ، فما كتبه في اللوح المحفوظ ليس معناه أن العبد يريد خلاف هذا الشيء، وكتب عليه هذا الأمر جبراً له، فنحن نعرف من واقعنا وسلوكنا وحياتنا أنه ليس هناك أحد يمنعك عن الطاعة إذا أعجبتك؛ فالأنبياء مثلاً إذا أعجبتنا تصرفاتهم نستطيع أن نقتدي بهم. إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه تكن مثلما يعجبك. فليس على الجود والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك إذا جئت إلى الأعمال الصالحة هل ستجد حجاباً يمنعونك منها؟ لن تجد، وكذلك إذا أردت الفساد والانحراف والعياذ بالله. ولهذا يقول الإمام الشافعي ﵀: (ناظروا القدرية بالعلم، فإن أجابوا خصموا، وإن أنكروا كفروا). القدرية لم يفهموا موضوع علم الله الشامل، فأنكروا الكتابة، وقالوا: ليس هناك قدر، والأمر أنف، وليس هناك شيء مكتوب، وهذا غير صحيح؛ لأنهم أولاً لا يؤمنون بالنصوص، وهذا في حد ذاته قدح عظيم جداً؛ لأن النصوص الشرعية دلت على الكتابة، وعلى غير هذه الأمور. وثانياً: أنهم لم يدركوا كيفية الجمع بين اختيار الإنسان الذي هو واقع ويشعر به الإنسان، وبين الأخبار الشرعية بأن الله كتب هذه الأشياء. لذا قال الشافعي ﵀: (ناظروا القدرية بالعلم) يعني: هؤلاء الذين أنكروا القدر ناقشوهم بصفة العلم، قولوا لهم: هل تؤمنون بعلم الله الشامل؟ فإن قالوا: نعم نؤمن بعلم الله الشامل (خصموا)؛ لأن الكتابة فرع عن علمه الشامل، أي: كيف تنكر كتابته وتثبت علمه فتجمع بين المتناقضات؟ قال: (وإن أنكروا كفروا) يعني: إذا أنكروا صفة العلم وقعوا في الكفر، وقد أجمع العلماء على أن من أنكر أن الله عالم فهو كافر؛ لأنه أنكر صفة من صفات الله الأساسية التي يؤمن بها كل الناس، واتهم الله بالجهل، والعياذ بالله! ولهذا كان السلف يكفرون أوائل القدرية الذين قالوا: إن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، ولا يعلم أفعال العباد إلا بعد أن تقع، لكن هذه الطائفة انقرضت، والمتأخرون منهم أثبتوا صفة العلم ونفوا الكتابة؛ لأنهم ظنوا أن الكتابة فيها إلزام للخلق بما لا يريدون، وهذا فهم فاسد، فإن الكتابة فرع عن العلم، وليس فيها إلزام للإنسان إلا بما يختاره، فإذا اختاره فهو نتيجة ما كتبه الله عليه.

стр. 206

الإيمان بمشيئة الله وإرادته الكونية العامة إن الله لا يكون في خلقه إلا ما يريد، ولا يمكن أن يفعل العبد فعلاً -حتى لو كان من اختياره- إلا بعد إرادة الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، فلا يمكن للعبد أن يختار أمراً إلا بعد مشيئة الله لذلك، ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الله . وإرادة الله تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية، والفرق بينهما: أن الإرادة الكونية معناها الإرادة العامة الشاملة لجميع أحوال الناس، فلا يمكن أن يكون في حياة الناس شيء إلا بمشيئة الله، سواء ﵁ أو لم يرضه، فالكفر والشرك حاصلان بمشيئة الله، والطاعة والإيمان حاصلان بمشيئة الله، وظلم الظالمين وعدل العادلين حاصلان بمشيئة الله. لكن قد يقول قائل: لماذا يشاء الله هذه الأمور السيئة مثل الظلم، والكفر، والعدوان، ووجود الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء؟ و الجواب من أجل الاختبار والابتلاء، فالله قدر أن النوع الإنساني يكون في هذه الأرض مختبراً، يبتليه بأشياء متعددة، ويأمره بأوامر، ويرسل إليه الرسل، فإن أطاع فإنه يدخل الجنة ثواباً، وإن عصى فإنه يدخل النار عقاباً. والثواب والعقاب والجنة والنار لا تحصل إلا نتيجة اختبار، فالله اختبر العباد، وجعل لهم أموراً معينة تنقذهم من الهلكة: الأمر الأول الفطرة الطيبة التي تدعو الإنسان إلى التأله والحاجة لله . والأمر الثاني: إرسال الرسل. والأمر الثالث: قوله (إن للملك لمة وللشيطان لمة، فلمة الملك إيعاد بالخير، وتصديق بالحق، ولمة الشيطان إيعاد بالشر، وتكذيب بالحق). الأمر الرابع: أنه في حياة الإنسان وفي نفسه ما يدله على الخير، كما قال الله : ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]. والأمر الخامس: أن الله خلق له عقلاً يستطيع أن يتفهم به الأمر الصالح من الأمر السيئ، وأن يتفهم ما ينفعه مما لا ينفعه، مع جعل النفس ترغب وتنشرح وتطمئن وتنساق إلى الأمر الذي فيه منفعة للإنسان، وتنزعج وتشعر بالهم والتعاسة من الشيء الذي لا يوافق دين الله . هذه أمور معينة للعبد، هناك أيضاً أمور خطيرة بالنسبة للعبد، مثل الشهوات التي تدفع الإنسان للمعصية، مثل شهوة الجنس، وطلب الفاحشة وشهوة حب المال والجاه، والرياء وغيرها من الشهوات. وخلق أيضاً الكفر والفسوق والعصيان، وخلق الشيطان الذي يزين له المعصية، كما حصل لـ أبي العلاء المعري، فقد كان رجلاً أعمى وكان يحب الزنا كما يذكر من ترجم عنه -فيقال: إنه جيء له بزوجته، فبعد أن فرغ منها قالت له: أنا فلانة، فقال لها: ما أقبحك حلالاً وما أحلاك حراماً! يعني: ما أحلى الحرام، وما أقبح الحلال! فالشيطان يزين المعصية للإنسان. وهناك عدة قضايا جعلها الله اختباراً للإنسان، فالإنسان في هذه الحياة بين هذه الأمور جميعاً في حالة اختبار ولم يظلمه الله بل أرسل إليه الرسل، ونصب العلامات الدالة عليهم وهناك من الأدلة العقلية المقنعة ما يمكن للإنسان أن يستفيد منها، فإذا انحرف الإنسان فإنه يتحمل مسئولية نفسه؛ لأنه هو الذي اختار هذا الدرب وهذا الطريق بمحض مشيئته واختياره، دون جبر من الله . لكن لا يمكن للعبد أن يفعل الكفر إلا بمشيئة الله، ولا يمكن أن يفعل الحرام إلا بمشيئة الله، ولا يمكن أن يفعل أي أمر من الأمور إلا بمشيئة الله ؛ هذا النوع الأول من المشيئة.

стр. 207

الإيمان بالإرادة الشرعية معنى الإرادة الشرعية: أن الله أراد من العباد أن يطيعوه، ويعبدوه، ويفردوه بالتوحيد، ويطيعوا المرسلين، ويلتزموا بأوامره، ويجاهدوا الكافرين، ويأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، ويصلحوا أنفسهم وأهليهم وأبناءهم، ويجتهدوا في ذلك. والإرادة الشرعية قد تحصل وقد لا تحصل؛ ولهذا قال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] هذا معنى الإرادة الشرعية مع أنه لا يمكن أن يقع الكفر إلا بإرادة الله الكونية العامة.

стр. 208

الإيمان بالكتابة للمقادير كتب الله مقادير العباد جميعاً أولاً في اللوح المحفوظ، ثم في كل سنة. هذا التقدير يسمونه التقدير الكوني أو العام. والنوع الثاني: التقدير العمري، يعني: لا يولد الإنسان إلا وله تقدير معين، ورد في حديث ابن مسعود ﵁: أن المولود إذا بلغ ثلاثة أشهر، ونفخ فيه الروح، جاءه ملك فقال: يا رب ما أكتب؟ قال: اكتب عمره، ورزقه، وشقي أو سعيد، هذا هو التقدير العمري. ثم في كل سنة من السنوات يكون هناك تقدير حولي أو سنوي، وهذا يكون في ليلة القدر ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]، ففي هذه الليلة يحصل تقدير للعباد. وأيضاً: الملائكة الذين وكلهم الله بتنفيذ أوامره فيما يتعلق بالعباد لديهم كتب مكتوب فيها ما سيحصل للإنسان، وينفذون ذلك بشكل تفصيلي على الناس. وما يحصل من التبديل والتغيير -كما ورد في بعض النصوص- إنما يكون في صحف الملائكة، وأما التقدير العام فلا يتغير؛ لأنه علم الله الشامل لكل شيء.

стр. 209

الإيمان بأن الله خالق أفعال العباد أفعال العباد كلها مخلوقة لله ، سواء الأفعال الحسنة أو السيئة، فلا يفعل العبد الفعل إلا بخلق الله لذلك الفعل. والفعل في حقيقته يتكون من إرادة وقدرة، فإذا تخلف واحد من هذين يتخلف الفعل، مثلاً: أنا أريد أن أخذ منديلاً واحداً من هذه المناديل، فهذا فعل لابد فيه من إرادة، ولابد فيه من قدرة، لو تخلفت الإرادة هل سآخذ؟ لا؛ لأني ما أردت، لكن لو أردت وأنا لا أقدر لأي سبب من الأسباب، هل يكون الفعل؟ لا يكون الفعل إلا باجتماع الأمرين: إرادة وقدرة، وهذه خلقها الله في الإنسان، وما ينتج عنها مخلوق لله ؛ ولهذا يقول الله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]. فالله خالق كل عبد وصنعته، فهو خالق العبد، وما ينتج عن العبد من أفعال أو أقوال أو تصرفات، وما نتج عن مخلوق فهو مخلوق. لكن هناك السؤال هل إرادة الإنسان وقدرته على الفعل إرادة وقدرة مستقلة، يعني: بدون إرادة وقدرة من الله ؟ الجواب لا، لابد أن يكون هناك إذن من الله . إذاً إثباتنا لقدرة العبد واختياره ومشيئته لا يدل على أن العبد مختار استقلالاً عن الله ، إذاً نفهم قاعدة الأسباب؛ أن الأسباب موجودة، وهي ليست مستقلة عن الله . المطر ينزل من السماء فتنبت الأرض، فسبب النبات هو المطر، وهل هذا المطر خلق النبات؟ لا، لكن كان سبباً فيه، وذلك أن الله جعل في الكون عللاً وغايات وأسباباً، وهذه الأسباب جعل الله فيها خاصية معينة ينتج عنها المسبب، فالمطر جعل فيه خاصية إنبات الزرع، هذه الخاصية المعينة خلقها الله ، فالذي خلقها قادر على تعطيلها، وقادر على أن ينزل المطر فلا تنبت الأرض، وقادر على أن ينزل المطر فتنبت الأرض. فهكذا أفعال الناس، وهكذا أيضاً كل سبب من الأسباب؛ فإنه من جهة يعتبر سبباً حقيقياً مؤثراً، لكن تأثيره ليس تأثيراً استقلالياً، بل هو تابع لإرادة الله وقدرته، وإذا شاء الله فإنه يعطل هذه الأسباب. فمثلاً النار التي أعدها النمرود لإبراهيم ﵇، أليس من طبيعتها وخاصيتها الإحراق؟ بلى لكن الذي خلق فيها هذه الطبيعة وهذه الخاصية سلب منها ذلك لما ألقي فيها إبراهيم: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فكانت هذه النار برداً وسلاماً على إبراهيم، فلم يشعر بالحرارة، ولا بالحرق، بل كانت برداً وسلاماً، مع أن الطائر كان إذا جاء من فوقها يحترق من شدة لهيبها. وأيضاً السكين أليس من طبيعتها القطع؟ وهذه خاصية من خصائصها، فكذلك عندما أراد إبراهيم أن يذبح ولده، سلب الله هذه الخاصية، فلم يحصل الذبح بها. لكن الأصل أن الأسباب مؤثرة، ثم قد يسلبها الله إذا شاء، وهذا يدل على أن تأثير الأسباب في المسببات ليست تأثيراً استقلالياً، بل هي تابعة لإرادة الله . هذا التأصيل هو عبارة عن شرح لعقيدة أهل السنة والجماعة، أو للجزء الأساسي لموضوع القدر الذي في عقيدة أهل السنة والجماعة، وهناك مسائل متفرقة قد لا تعنينا الآن، لكن الذي يعنينا هو ما ذكرنا، ولو رجعنا إلى كتاب القدر في صحيح البخاري سنجد أن كل نص من النصوص يعود إلى أصل من هذه الأصول المذكورة.

стр. 210

الاحتجاج بالقدر قصة احتجاج آدم وموسى، وقوله له: (خيبتنا وأخرجتنا من الجنة) يقول: نحن كنا في الأصل في الجنة، لو أنك بقيت في الجنة لبقيت ذريتك، فكأنه ينتقد آدم بسبب المعصية التي حصلت منه. فرد عليه آدم وذكر له أن الله أعطاه التوراة، وخطها له بيمينه، قال: (ألم تقرأ فيها أن الله كتب علي ذلك قبل أن يخلقني بخمسين ألف سنة). ثم قال النبي ﷺ : (فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى) يعني: أن آدم غلب موسى؛ لأن آدم بين لموسى أن هذا أمر مقدر ومكتوب عليه قبل أن يخلق، ففيه إثبات القدر والكتابة، وبين أن له عذره في ذلك، وهو يحتج بالقدر هنا على المصائب، وهذه قاعدة عند أهل السنة، أن الاحتجاج بالقدر يكون على المصائب لا على المعائب. والضابط في هذا هو توقيت الاحتجاج، فإذا كان الاحتجاج على المعصية قبل فعلها فهذا احتجاج بالقدر على المعائب لا يجوز. أما إذا وقعت منه ثم ندم وتاب فإنها تعتبر بالنسبة له مصيبة؛ لأنها صارت تاريخاً. مثلاً: إنسان هذه الليلة حصل منه أنه سب، والسب معصية، وقبل أن يسب بين لنا أنه يريد أن يسب، فقلنا له: اتق الله ، فقال: هذا مكتوب علي، نقول له: كيف عرفت أنه مكتوب عليك. هذا الاحتجاج احتجاج فاسد، وليس احتجاجاً بالقدر؛ لأنك لم تفعل بعد ولأنه ادعى أنه مكتوب عليه، وهذا ادعاء لشيء لا يعرفه! لكن لو فرضنا أن إنساناً لم يحتج بالقدر، فحصل أن سب، ثم بعد أن سب ندم، وبعد أن ندم احتج بالقدر، قال: هذا أمر قدره الله علي، فأنا أتوب إلى الله منه. فهذا احتجاج صحيح؛ لأنه يحتج على الماضي لا على المستقبل، ويحتج على أمر كان منه، ولا يحتج على أمر سيكون منه، واحتج على أمر ندم عليه، ولم يحتج على شيء سيفعله. من أشد الشبه تهافتاً شبه الذين يحتجون بالقدر على الذنوب؛ لأنهم من أشد الناس تناقضاً، فهو لا يحتج بالقدر في الأمور الطبيعية، فإذا سرق ماله يطالب به، وإذا ضربه أحد يضاربه، وإذا أخذ حقه يشتكي. ولهذا يروى أن عمر بن الخطاب جاءه سارق وقال: سرقت بقدر الله، قال: نقطع يدك بقدر الله، فكلها بقدر الله. ويروى -كما ذكر ابن تيمية في العبودية- أن عبد القادر الجيلاني قال: انفتحت لي روزنة -يعني: باباً أو فتحة -أشاهد منها في القدر، فنحن نقاوم قدر الله بقدر الله، يعني: كما أن الله قدر هذه المعاصي والذنوب، فنحن نقاومها بقدر الله ، وهو أن ندفعها عن أنفسنا، وهذا من الفقه، ومن العلم بالشرع. ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العجز والكيس بقدر الله)، يعني: بعض الناس عاجز، تقول: ابحث عن عمل، يقول لك: لم أجد، هل بحثت؟ قال: لا. ولو بحثت فلن أجد، كيف عرفت؟ قال: أتوقع ذلك، فهذا العجز بقدر الله. وآخر فطن ذكي يبحث عن مصالحه، ويستطيع أن يصل إلى مصالحه، فهذا انتفع، والجميع بقدر الله ، حتى العجز والكيس بقدر الله . ولهذا ألف ابن القيم ﵀ كتاباً كبيراً سماه: شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل. وهناك رسالة لـ شيخ الإسلام ﵀ عن الاحتجاج بالقدر يحسن الرجوع لها، وهناك كتب قديمة كتبها السلف الأولون فيما يتعلق بالقدر، فقد كتب عبد الله بن وهب كتاب القدر، وكتب الفريابي كتاب القدر، وأيضاً في كتب العقيدة المسندة، مثل شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ففيها أبواب مستقلة في القدر، وكذلك الشريعة للآجري، والإبانة لـ ابن بطة وغيرها من الكتب القديمة هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

стр. 211

الأسئلة

стр. 212

حكم أهل الفترة السؤال كيف نرد على من يقول بأن المشركين قبل بعثة النبي ﷺ وبعد عيسى قد جبروا على الشرك؛ لأنهم وجدوا آباءهم مشركين، ولم يكن لديهم رسول أو كتاب حتى تقام عليهم الحجة من الله ؟ الجواب ليس هناك أحد مجبور، وهؤلاء الذين كانوا في هذه الفترة ليسوا مجبورين على أفعالهم، وهم أنواع: نوع منهم اتبع الأنبياء، ولم يقبل عقائد المشركين. ونوع قبل التغييرات التي أحدثها بعض المشركين. فهم كانوا يعرفون أن هذا البيت لله، وأن الذي بناه إبراهيم، وأن الحنيفية ملة إبراهيم، ومع هذا يشركون في عبادة الله ، وهكذا كان النصارى واليهود يحرفون كتابهم، وكان منهم طوائف مسلمون لكنهم قلة، حتى أن بعضهم حصرهم في طائفة واحدة، وهم أتباع آريوس الذي كان من دعاة التوحيد لكنه حورب من الدولة الرومانية في تلك الفترة. والتحقيق في شأن أهل الفترة: أنهم يوم القيامة يختبرون، كما ثبت في حديث عن النبي ﷺ ، وهذا الحديث يضعفه بعض العلماء لكنه بمجموع الطرق يكون حسنًا، وهو: أن الله يخرج لهم يوم القيامة عنقًا من نار، ثم يأمرهم بالدخول فيها، فمن دخل فيها طاعة لله فإنه يدخل الجنة، ومن عصاه وأبى الدخول فيها فإنه يكون من أهل النار، وهذا هو التكليف الذي أراده الله لهم، وهذا من حكمته .

стр. 213

معرفة الملائكة للخالص من الأعمال من غيرها السؤال هل الملائكة يعلمون عند كتابهم للطاعة أنها خالصة لله أم غير ذلك؟ الجواب نعم، عندما يكتب الملك عملك الظاهر، أو نطق لسانك أو إرادتك القلبية يعلم به، وقد جعل الله للملائكة الذين يكتبون الأعمال القدرة على معرفة هذا الأمر وكتابته.

стр. 214

العمل في المقدر السؤال هل يستطيع الإنسان أن يغير قدره؟ الجواب هل تقصد أنه يصعد إلى السماء ويمسح الذي في اللوح المحفوظ، ويكتب شيئاً جديداً؟ فهذا لا يمكن، وكيف يغير قدره؟ وما أدراك عن قدرك؟ القدر بالنسبة لك سر لا تعرفه، ولهذا قال العلماء: القدر سر الله في خلقه، وأنت لا تدري، ولست مطالباً في الشرع أن تعرف هل أنت مكتوب مسلماً أم لا؟ ولا يعاقبك الله يوم القيامة إذا لم تعرف، فهذا أمر ليس في حدود قدرتك. لكن هناك شيء تستطيعه أنت، وهو أن تلتزم بطاعة الله، وتخاف أن يكون مكتوباً عليك أنك من أهل النار، فتعمل الطاعة وتجتهد، وأنت قادر على أن تعمل الطاعة. فأنت لا تشغل نفسك بما لا ينفعك، بل تشغل نفسك بما ينفعك، ولهذا الصحابة رضوان الله عليهم عندما سمعوا كلام النبي ﷺ في القدر، قالوا له: (يا رسول الله! أنعمل في شيء مضى وانقضى أم فيما يستقبل؟ قال: بل في شيء مضى وانقضى -يعني: مكتوب عليك- قالوا: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، فأمرهم بالعمل، فأنت إذا عملت الطاعة ستيسر لك الطاعة، وأما إذا عملت المعصية؛ فإنها ستجرك إلى معصية أخرى، وستقع في المنكر، فينبغي إدراك هذه القضية.

стр. 215

حكم الاعتماد على الرؤى لإنشاء أحكام شرعية السؤال سمعت من أحد الشباب: أن امرأة رأت في المنام أنها ولدت، وولدها كان يرضع من القمر، وسألت مفسر الأحلام فاستحلفها على ذلك فأجابها بقوله: إن المهدي ولد؟ الجواب كثير من الناس مع الأسف يبني أشياء في الشريعة على رؤى وأحلام. أولاً: قد يكون هذا من حديث الشيطان مع هذه المرأة، فكيف يدعي أن المهدي ولد؟ هل مجرد أن هذه المرأة رأت طفلاً يرضع من القمر يثبت ذلك، ربما يفسرها مفسر آخر بأن هذا الطفل سيخرج عالماً في القرآن؛ لأن القمر هو عبارة عن نور، والله وصف القرآن بأنه نور، فكونه يرضع منه فهو يقبل هذا النور ويصير عالماً، ما المانع أن يكون هذا هو التفسير؟ لماذا يحدد تفسيراً معيناً، هل جاءه ملك من السماء وأخبره أن التفسير هو كذا؟ هذه اجتهادات، والاجتهادات لا يصلح للإنسان أن يتخذها منهجاً. وبعض الخرافيين أصبحوا الآن يرددون، يقول أحدهم: أنا عندي مائة رؤيا على أن المهدي سيولد، بل بعضهم يحدد ويقول: سقوط هذه الدولة سيكون في الوقت الفلاني، وسقوط هذه الأمة سيكون في الوقت الفلاني، والمهدي سيخرج بعد أربعة أشهر. وفي عام ألف وأربعمائة ظهر مجموعة من الشباب اشتغلوا بهذه القضية، فأخرجوا لنا رجلاً اسمه عبد الله القحطاني، وادعوا أنه المهدي وبنوا على رؤى، وجاءوا به إلى الحرم مسلحين وادعوا له المهدية، وأمروا بإغلاق الأبواب، وأصبحت مأساة في تاريخنا مع الأسف، وأصبحت مصيبة من المصائب، لماذا صارت مأساة؟ لأنهم قاتلوا في المسجد الحرام، في الشهر الحرام ومنعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وحجب الناس عن الصلاة أكثر من خمسة عشر يوماً، وقاتلوا المسلمين وحصلت فتنة مبناها وأساسها فاسد، ولهذا خالفهم كبار علماء المسلمين في ذلك الوقت. فأقول: الذين يشتغلون بهذا الأمر بدءوا في طريق منحرف عن السنة، فإن هذه الرؤى هي عبارة عن أشياء مبشرة، والناس يختلفون في تأويلها، قد يجتهد فلان فيؤولها بمعنى، ويجتهد فلان فيؤولها بمعنى آخر، ويجتهد فلان ويؤولها بمعنى ثالث. أما أن يتخذها الإنسان منهجاً في حياته فهذا انحراف، بعض الناس الآن أصبح كل ليلة يرى رؤيا، مع أنه قبل سنتين ما كان يرى، لكن انقلب فكره وصار مهتماً بالرؤى فصار يراها، وتتلاعب به الشياطين. وبالذات قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ما كان يرى رؤى، ولا كان يفكر فيها، ولا يخطر في باله أنه سوف يرى رؤى، لكن بعدما اهتم بهذا الجانب أصبح كلما نام يرى رؤيا، ثم يجمع الرؤى ويقول: أنا عندي عشر رؤى تدل على أن الوزير الفلاني سيموت عندي ثمانون رؤيا تدل على أن أمريكا ستسقط، ومعلوم أن كل دولة ظالمة تستمر فترة من الزمن بهذا الظلم والتعسف ثم تسقط، لكن بعض الأحيان يحددون: ستسقط بعد أربعة أشهر، وهؤلاء سينكشف أمرهم بعد أربعة أشهر، وإذا بهم طواغيت في كل مكان يذبحون خلق الله ، فيقال: أين رؤاك، قال: لا. هناك رؤى ثانية تدل على أن هذا بعد سنة، وهكذا. وهذا المنهج الرديء منهج مخالف للكتاب والسنة قطعاً؛ لأن الرؤى ليس لها قيمة في الشرع، وكان النبي ﷺ يسأل أصحابه عن الرؤى ويجيب؛ لكن هل بنى حياته الدعوية أو السياسية أو الاجتماعية على الرؤى؟ لا. بل خاض غزوة بدر وغيرها من الغزوات بدون رؤى، وبنى أصحاب النبي ﷺ دولة عملاقة ضخمة استطاعوا أن يسيطروا بها على العالم بأكمله بدون أي رؤى، وهل كان الصحابة رضوان الله عليهم يومياً -مثل بعض الناس- يرون رؤى بهذا الأسلوب؟ ما كانوا بهذه الطريقة. الشاهد: أن هذا الأسلوب هو الموضة الجديدة عند بعض الشباب مع الأسف، الرؤى ومعالجة المرضى عن طريق الجن المسلمين، وفي كل سنة تظهر لنا موضة، والمشكلة عندما يتبناها أشخاص كانوا يوماً من الأيام من الدعاة إلى الله . لكن ينبغي على الإنسان أن يحمد الله على الالتزام بالسنة، والإنسان مهما يكن قد ينحرف عنها، سواء كان هذا الانحراف قليلاً أو كبيراً، لكن ينبغي أن يدرك الإنسان أن المنهاج الشرعي هو التعامل مع الكتاب والسنة. وقد أمرنا الله أن نقاوم المنافقين والكافرين، وأن نجتهد في عمل الصالحات، وأن ندعو إلى الله، وأن نصلح المجتمع. ولم يأمرنا الله في أي نص من النصوص بأن نجمع الرؤى؛ لنتكلم عن الغيب، كهذه الطريقة التي يسعون لها، واتخذوها منهجاً. هناك فرق بين من يتكلم في الرؤى مرة ومرتين وثلاثاً أو يتكلم بها في شيء عابر، وبين من يتخذها منهجاً، حتى صارت ديدناً له، يتكلم بها في كل وقت، لو يطلع معك في سيارة ويغفو قليلاً يرى رؤيا، لا يمكن أن ينام بدون رؤيا، ولا يمكن أن تكون هذه الرؤية شيئاً عادياً، فلا بد من مهدي يطلع، ودولة تسقط، وحاكم سيموت، والمسلمون سيبتلون ببلية، الرؤى كلها موضوعها محدود، إما سياسية أو تتعلق بأخبار الساعة كلها حسب اهتمامات الشخص، أو أن فلاناً من الدعاة إلى الله سيصير حاكماً لدولة عظيمة أكبر من أمريكا، لماذا؟ لأنه يحدث نفسه بها، ويفكر في هذا الموضوع
следующие страницы →