Полный текст (363 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
التفويض في الصفات
في الدرس السابق تحدثنا في باب الأسماء والصفات عن القاعدة العامة للسلف الصالح رضوان الله عليهم في باب صفات الله سبحانه، وتوقفنا عند مسألة مهمة وهي مسألة التفويض ومعنى التفويض.
فالتفويض عند السلف هو: تفويض الكيفية، وأما المعاني فإنها مفهومة لنا، فلا يصح للإنسان أن يقول: نفوض المعنى، فمعاني صفات الله هي المعاني المأخوذة من لغة العرب، وهي المعاني التي يوصل إليها الكلام الموجود في القرآن أو في سنة النبي ﷺ .
وأما الكيفية فإنه لا يعلمها إلا الله ، ولم يعلمنا بكيفية صفاته .
وصفات الله لها كيفيات معينة، لكننا نجهل هذه الكيفيات ولا نعرفها، ولم يخبرنا الله عنها، بل هي من الغيب بالنسبة لنا.
وصفات الله الواردة في القرآن والسنة لها معانٍ تفهم من خلال السياق العام للقرآن، ومن خلال السياق العام لحديث النبي ﷺ ، وينتفع الإنسان بما تتضمنه من المعاني والآداب، وما تحث عليه من الأخلاق ونحو ذلك، وصفات الله تتضمن كثيراً من الآداب، وكثيراً من الأخلاق، وكثيراً من المعاني العظيمة.
ولهذا فالسلف رضوان الله عليهم كانوا يثبتون أسماء الله وصفاته؛ لأن الله أثبتها لنفسه، ثم ينتفعون بما فيها من المعاني، وسبق أن أشرنا إلى قصة لقيط بن صبرة ﵁ عندما قال له النبي ﷺ : (يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، فقال لقيط: يا رسول الله! أو يضحك الرب؟ قال: نعم، قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً)، لم تدر في ذهن لقيط الشبهات التي جاءت عند المتأخرين، وإنما استفاد منها لقيط فائدة عظيمة دفعته إلى عمل من أعظم أعمال القلوب وهو الرجاء، لكن لما وجدت الفرق الضالة مثل المعطلة والمفوضة الذين يعطلون صفات الله ، ويؤولون معانيها إلى معان أخرى خارجة عن مدلول النصوص اقتضى ذلك أن تصحح العقيدة مما شابها من الانحرافات التي حصلت عند هذه الفرق.
ومن هنا فنحن نناقش الفرق الضالة في هذه المسألة من هذا الباب، فصفات الله نفهم معانيها، وهذا هو مقتضى كون القرآن شفاء للناس، وقد وصف الله القرآن بأكثر من ثلاثين وصفاً، كما ذكر ذلك السيوطي في (الإتقان)، فوصفه بأنه شفاء ونور وهدى وروح، ولا يوصف بهذه الأوصاف إلا لأن معانيه واضحة، وتدعو إلى هذه الحقائق.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، قال ابن أبي العز الحنفي في (شرح الطحاوية): سماه الله ((رُوحًا)) لأن الحياة الحقيقية تتوقف على هذا القرآن، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
وسماه بياناً، والبيان معناه الأمر الواضح البين، وقال الله : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، فهو ميسر من حيث حفظ ألفاظه، ومن حيث إن معانيه واضحة، فيمكن للإنسان أن يستفيد منها، ولو كانت صفات الله لا نعرف لها معنىً كما تقول ذلك المفوضة لكان هذا القرآن ألغازاً وأحاجي لا يمكن أن يفهم له معنىً.
وهذا بعيد عن كلام الله ، فهذا القرآن أنزله الله هدىً للناس، وأنزله الله مرشداً لهم، ومعلماً لهم، وأنزله الله من أجل أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، فلا يمكن أن يكون غامض المعاني، نعم قد توجد هناك بعض الآيات في معناها غموض لكن القاعدة الشرعية أن كل آية لا يفهم الإنسان معناها بشكل دقيق فيردها إلى المحكم.
وهذا هو معنى المحكم والمتشابه، فالمحكم هو الأمر الواضح، والمتشابه هو الأمر الغامض، ولا يعني هذا أن الأمر الغامض لا يمكن أن يفهم، فيمكن أن يفهم لكن برده إلى المحكم، وبرده إلى ما يشبهه من النصوص الواضحة والبينة، وقد سبق أن أشرت إلى أن شيخ الإسلام ﵀ فصل في هذا بصورة كبيرة في كتابه (الإكليل في المتشابه والتأويل)، وسبق أن أشرنا إلى أن التأويل يأتي بمعنيين شرعيين، ومعنىً بدعي.
فأما المعنيان الشرعيان فهما: الأول: حقيقة الشيء وما يئول إليه، والمعنى الثاني: التفسير.
وأما المعنى البدعي فهو المشهور عند علماء الكلام، وهو: صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معنى مرجوح لقرينة، وهذا لا شك أنه تغيير وتبديل وتحريف لكلام الله .
وأما المفوضة فهم يتفقون مع المؤولة -كما سبق أن أشرنا- في أنهم فرغوا النصوص الشرعية من مدلولاتها الصحيحة، ثم اختلفوا هل تفسر هذه الألفاظ التي بين أيديهم بتأويل يجتهدون فيه؟ أو يبقونها ألفاظاً مجردة لا معاني لها؟ فقال بالأول:
стр. 72
كيفية التعامل مع المصطلحات الحادثة
وكذلك الحال في أي مصطلح من المصطلحات التي يؤتون بها، فلا يجوز للإنسان أن يقبل هذا المصطلح مطلقاً، ولا أن يرده مطلقاً، فهذه قاعدة في مصطلحات أهل الكلام، أو مصطلحات الصوفية، أو حتى المصطلحات العصرية، فهناك مصطلحات عصرية بدأت تظهر، كالحوار مثلاً أو التعايش، أو مثلاً من المصطلحات الجديدة التي بدءوا يرددونها: الإقصاء، فيقولون: لا تكن شخصاً إقصائياً، فماذا تقصد بكلمة إقصائي؟ قال: معناها: لا تحجر على رأيي، أو مثلاً يقول لك: الاعتراف، فيجب أن نعترف بكذا، وبعض الناس يقول: يجب أن نعترف بالأفكار الجديدة التي جاءتنا من الغرب، فما معنى كلمة الاعتراف به؟ هل هو الاعتراف بأنه موجود؟ فإذا كان الاعتراف بأنه موجود فهو موجود، لكن إذا كان المراد الاعتراف بأحقيته، وأنه صاحبه معذور فهذا معنى فاسد؛ لأن الشرك والكفر لا يحق أبداً لأي أحد أن يعترف به بهذا المعنى وهذه الدلالة.
ولهذا يا إخواني! فالمصطلحات الكلامية، والمصطلحات الصوفية، والمصطلحات الصحفية التي بدأت تظهر الآن لا يصح للإنسان أبداً بأي وجه من الوجوه أن يحاكم الناس إليها أو يحاكم النصوص الشرعية إليه، وإنما إذا تكلم بها أحد نقول له: ماذا تعني بهذا الكلام؟ وماذا تقصد به؟ فإن كان يقصد به معنىً صحيحاً شرعياً قُبل، وإن كان يقصد به معنىً مخالفاً للشريعة فإنه يرد.
ونقول أيضاً: إنه لا يصح للإنسان أن يستخدم المصطلحات المطاطية والمصطلحات العامة في القضايا الخاصة، فإن القضايا الدقيقة الخاصة ينبغي أن تستخدم لها ألفاظ دقيقة خاصة تدل عليها، فمثلاً كلمة حوار الآن أصبح يرددها كثير من الناس، وأننا الآن في عالم الحوار، والحوار مع الآخر، وحتى كلمة الآخر هذه ليس لها معنىً محدد، فالآخر يحتمل أن المقصود به: النصارى والملاحدة، ويحتمل أن يقصد به المخالف لي في مسألة فقهية؛ لأنه فعلاً آخر.
فالكلمات المطاطية العامة بهذا الأسلوب لا يصح استخدامها خصوصاً في القضايا العقدية الحساسة التي ينبغي فيها التفصيل والكلام الدقيق، والتي ينبغي أن يكون الإنسان فيها دقيقاً في ألفاظه؛ حتى يحدد الأمور بشكل دقيق، وأما استخدام الكلام العام الإجمالي الذي يحتمل حقاً وباطلاً فهذه ليست طريقة شرعية، وإنما الطريقة الشرعية استخدام المصطلحات الشرعية أو على الأقل استخدام الألفاظ الخاصة التي تدل على معناها دون أي إشكال.
فكلمة الحوار يمكن أن يفهم الإنسان منها التقارب مع الآخرين، فيقول لك: حوار الأديان، فكلمة حوار الأديان كلمة عامة جداً، ماذا تقصد بحوار الأديان؟ هل تقصد دين النصارى مثلاً أو اليهود أو غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى ونتقارب بحيث نتنازل عن قضية العداء للكفار والولاء للمؤمنين، إن كان هذا هو المعنى فهذا معنىً فاسد تخالفه النصوص.
وإن كان معنى الحوار: الدعوة، فندعوهم ونكلمهم فهذا طبيعي، فالدعوة توجه إلى المسلم، وتوجه إلى الكافر، وتوجه إلى النصراني، وتوجه إلى الملحد، والأولى أن نستخدم كلمة الدعوة ولا نستخدم كلمة الحوار التي فيها إشكال.
وإن كان يقصد بالحوار أن نترك القضايا العقدية ونتحاور في المصالح المشتركة بيننا وبينهم مثل: نفي الفقر ونحو ذلك، فنقول: وما علاقة الأديان بهذا؟ لماذا سميته حوار الأديان؟ فهذا تتبناه بعض الدول وله ضوابط شرعية في السياسات الشرعية، وهو بالجملة بعيد عن السنة باعتبار أن الذي ينبغي على الإنسان نحو أصحاب الأديان هو دعوتهم إلى الله ، وبيان التوحيد، وإنكار الشرك ونحو ذلك.
ولهذا يا إخواني! أنا أتمنى من الإخوة جميعاً أن يقرءوا رسالة شيخ الإسلام ﵀ إلى ملك قبرص، وهو ملك نصراني أرسل إليه شيخ الإسلام ﵀ رسالة عجيبة جداً تمتلئ عزة، وهذا نموذج للحوار، وفيها بيان للتوحيد، وفيها رد للشرك، وفيها السؤال عن أسراء المسلمين، وفيها قضايا متعددة وكثيرة ومهمة.
فهذا نموذج من نماذج الحوار، فالحوار لا يقتضي مثلاً إلغاء قضية محكمة، ونحن لا نريد الإطالة في موضوع الحوار كقضية، وإنما الهدف هو أن الكلمات الإجمالية لا يصح استخدامها في المسائل التفصيلية الدقيقة، وإنما ينبغي للإنسان أن يستخدم الألفاظ التي توصل إلى معانيها بدون إشكال.
فهم قالوا: التركيب يقتضي نفي الصفات الذاتية، وقالوا: الحدوث يقتضي نفي الصفات الفعلية، ومعنى الحدوث عندهم وجود الشيء بعد أن لم يكن موجوداً، وقالوا: إن الصفات المتعلقة بالإرادة لا بد أن تدل على الحدث.
فإذا كان الله ضحك بعد أن لم يكن يضحك سابقاً، ثم ضحك مرة أخرى ثم ضحك مرة ثلاثة، فهذه تقتضي أن كل صفة من الصفات تستلزم حدوث هذه الصفة، والحدوث هو صفة المحدثات والمخلوقات ولا يصح وصف الله به.
والجواب أن نقول: كلمة الحدوث كلمة إجمالية وعامة ما هو مدلولها المعنوي؟ قالوا: معناها وجود الشيء بعد أن لم يكن، قلنا: أتقصدون بوجود الشيء بعد أن لم يكن أن الله لم يكن قادراً عليه ثم قدر عليه؟ إن كنتم تقصدون هذا فهو معنىً باطل، فالله قادر على كل شيء،
стр. 73
وجوب الإيمان بكل ما جاء في القرآن والسنة من صفات الله تعالى
نحن الآن نقرأ من (لمعة الاعتقاد)، وقد توصلنا في الدرس الماضي إلى النص المنقول عن الإمام أحمد ﵀، وهذه النصوص التي ينقلها ابن قدامة ﵀ الهدف منها هو بيان القاعدة العامة عند السلف في هذا الباب، وهذه القاعدة العامة تندرج فيها تلك الصفات التي سبق أن أشرنا إليها.
قال الموفق ابن قدامة ﵀ في كتابه (لمعة الاعتقاد): قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول النبي ﷺ : (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا)، (إن الله يُرى في القيامة)، وما أشبه هذه الأحاديث نؤمن بها، ونصدق بها لا كيف ولا معنىً، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول ﷺ حق].
ذكر الإمام أحمد الواجب نحو هذه الصفات فقال: نؤمن بها، ونصدق بها لا كيف، يعني: لا نحدد الكيفية، وليس المقصود نفي الكيف في نفس الأمر، وإنما المقصود: لا نعلم الكيف ولا نحدده؛ لأن هذا غير معلوم بالنسبة لنا.
قوله: (ولا معنىً) هذه الكلمة يوجد لها أشباه في بعض أقوال السلف، وهي من أعظم القضايا التي احتج بها المفوضة، فقالوا: هذا الإمام أحمد ينفي المعنى، وأنتم تقولون: إنه يجب أن نثبت المعنى وننفي الكيفية، فكيف تجمعون بين قول الإمام أحمد هذا وبين قولكم؟ فنقول: إن الإمام أحمد يقرر في كثير من كتبه أن هذا القرآن جاء بياناً وهدىً للناس، وأن معانيه واضحة، وأن معاني الصفات واضحة، فما أشكل من كلام الإمام أحمد هنا نحمله على الواضح من كلامه، فيكون معنى قوله: (ولا معنى) ولا معنى من المعاني الفاسدة التي ظهرت في زمانه.
فهناك معان فاسدة ظهرت، فحرفوا بها صفات الله ، فهو ينفي هذا المعنى، وليس المقصود من كلامه ﵀: أن نصوص الصفات ليس لها معان؛ لأنه قد صرح في أماكن متعددة في كتاب (الرد على الجهمية) بأن هذه النصوص لها معانٍ، وأنّا نثبتها كما يدل عليها مقتضى لغة العرب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ونعلم أن ما جاء به الرسول ﷺ حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية].
كلمة: (بلا حد ولا غاية) من الأمور أيضاً التي أشكلت عند بعض الناس، فما معنى قول الإمام أحمد ﵀: بلا حد ولا غاية؟ قوله: (بلا حد) المقصود به نفي التماثل الذي جاء به المجسمة والمشبهة، فليس له حد محدود يمكن للإنسان أن يتخيل كيفية له، قوله: (ولا غاية) يعني: وليست له غاية محددة.
وهذا الكلام العام للإمام أحمد قد يستغله البعض في نصرة بعض أقوالهم وآرائهم، لكن نحن كما نعلم أن أهل العلم بشر، وأنه يوجد في بعض كلامهم كلام عام أو مشكل، ويوجد في بعض كلامهم كلام تفصيلي وبيِّن، فنحمل الكلام المشكل على الكلام البيِّن.
فنحن نعرف من خلال موقف الإمام أحمد في الفتنة، ومن خلال النصوص المنقولة عنه، ومن خلال كتبه مثل (الرد على الجهمية) فموقف الإمام أحمد ﵀ من هذه المسائل على نحو ما سبق أن أشرنا وبيّنا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت].
يقصد بالشناعة هنا شبه أهل الكلام وشبه المعطلة مثل: التركيب، والتجسيم، والحدوث، والجهة ونحو ذلك من الأمور التي سبقت أن أشرنا لها.
قال المصنف: [ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ ، وتثبيت القرآن].
هذا الكلام من الإمام أحمد ﵀ عام في طريقة السلف رضوان الله عليهم -وهو منهم- في التعامل مع نصوص الصفات.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله].
تلاحظون أنه في هذا الكلام يقرب قاعدة عامة في الصفات وفي غيرها، وأنه ينبغي للإنسان أن يؤمن بما جاء عن الله؛ لأنه مؤمن بالله، فما دام أنه مؤمن بالله فإنه يلزمه أن يؤمن بكل ما جاء عن الله ، وكذلك الحال مع الرسول ﷺ .
стр. 74
لزوم منهج السلف في إثبات صفات الله تعالى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من غير تعرض لتأويله].
قوله: (لتأويله) يعني: لصرفه عن ظاهره، وقد سبق أن أشرنا إلى أن ابن قدامة ﵀ له كلام فيه نظر في قضية التعامل مع معاني صفات الله .
فيفهم من كلامه أنه لا يمكن لنا إدراك معاني صفات الله ، ولا شك أن هذا غير صحيح، لكن أيضاً لا يمكن للإنسان أن يقول: إن ابن قدامة ﵀ من المفوضة، فهو وإن أخطأ في هذه المسألة إلا أنه ليس من المفوضة؛ لأن المفوضة ينفون الصفات أولاً، ثم ينكرون أن يكون لها معان ثانياً، فهو خالفهم في الصفات، حيث أثبت الصفات كما سيأتي معنا، لكنه أشكل عليه موضوع المعنى؛ لأنه ظن أن الصفات من المتشابه، وفهم آية آل عمران بأن الراسخين في العلم لا يمكن أن يعرفوا المعنى، وأن الوقف لازم، ففهم من هذا أن المعاني لا يمكن إدراكها، مع أنه يثبت الصفات.
ولهذا يعتبر هذا في حد ذاته تناقضاً، لكن لا يصح أن ننسب إماماً مثل ابن قدامة المقدسي ﵀ إلى التفويض؛ لأن ابن قدامة ﵀ كان على منهج السلف بدليل إثبات الصفات كما سبق أن أشرنا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم، والاهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضواً عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم! وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ كلاماً معناه: قف حيث وقف القوم؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر، ولقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم].
سيأتي معنا إن شاء الله مبحث خاص عن موضوع الوسطية ومفهومها الشرعي ومعناها، وابن تيمية ﵀ أفرد جزءاً من (الواسطية) للكلام على مفهوم الوسطية ومعناها، فما هو معنى الوسطية؟ ومتى يكون الإنسان وسطياً؟ لأن الدعاة الذين يتكلمون عن الوسطية كثر، وأصبح كثير من المتساهلين وكثير من الذين يركنون إلى الدنيا يسمون منهجهم وسطياً، في مقابل أنهم يعتبرون مثلاً المجاهدين من المتشددين، مع أن الحقيقة أن المجاهد لا يعتبر متشدداً بل هو الوسطي الذي وافق سنة النبي ﷺ ، وما دونه مقصر ولا شك.
قال المصنف ﵀: [وقال الإمام أبو عمرو ﵁: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول].
الله أكبر، فالإنسان يحرص دائماً على النصوص الشرعية، وعلى ما تدل عليه من المعاني، وأما ما يزخرفه كثير من الناس ويزينه من الأقوال فينبغي عرضها على الكتاب والسنة، فإن كانت موافقة قبلت، وإن لم تكن موافقة فينبغي للإنسان ألا يشتغل بزخرفة هؤلاء عن الحق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن عبد الرحمن الأذرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها].
هو محمد بن عبد الرحمن الأذرمي بالذال، وقد ترجم له الخطيب البغدادي ﵀ في (تاريخ بغداد)، وقال ذلك لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها، وهذا في مناظرة له مع ابن أبي دؤاد، وقد تمت بين يدي الواثق، والأذرمي هذا رجل من أهل السنة، وذلك عندما بدأت فتنة خلق القرآن واشتهرت، واستمرت في عصر المأمون ثم عصر المعتصم حتى جاء الواثق.
وكان المعتزلة يمتحنون الناس، ويتخذون السلطة وسيلة من وسائل الضغط على أهل السنة في تغيير مناهج الناس وعقائدهم، فثبت أئمة السنة وخصوصاً الإمام أحمد ﵀، واشتهر وصار معروفاً لثباته على السنة، فجاء الرجل الأذرمي وناقش ابن أبي دؤاد مناقشة دقيقة جداً، وابن أبي دؤاد ليس من أهل العلم، فالذي يرجع إلى أحداث الفتنة ويقرأ مناقشة الإمام أحمد ﵀ لهم يدرك أن ابن أبي دؤاد لم يكن من أهل العلم، ولا كان يشتغل بالعلم، وكان الإمام أحمد ﵀ يقول للمعتصم: يا أمير المؤمنين! أعطوني آية من كتاب الله أقول بها، أو حديثاً عن النبي ﷺ ، فكانوا يردون عليه ويقولون: وأنت ما تعرف إلا القرآ
стр. 75
شرح مقدمة العقيدة الواسطية
قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ﴿الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً، أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة: أهل السنة والجماعة، وهو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.
ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]].
بدأ الشيخ في البداية بتقرير أن هذه العقيدة التي سيكتبها هي عقيدة الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، ثم بين أنهم يؤمنون بالأركان الستة، ثم بين أن من الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه وصفاته.
والإيمان بالله يتضمن الإيمان بربوبيته، والإيمان بإلوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، فبدأ بنوع واحد من هذه الأنواع وهو الإيمان: بأسماء الله وصفاته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيفون، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه ، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً من خلقه، ثم رسله صادقون مصدقون بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].
فسبح نفسه عن ما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات].
أثبت الله لنفسه بعض الصفات ونفى عن نفسه بعض الصفات، فجمع بين النفي والإثبات، وهذا هو الذي جعلنا نقول: إن الصفات تنقسم إلى ثبوتية، وسلبية أو منفية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون؛ فإنه الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين].
ثم شرع الشيخ بعد ذلك بالحديث المفصل عن صفات الله ، وفي اللقاء القادم بإذن الله سنتحدث عن الصفات بشكل تفصيلي: صفة الوجه واليد والنزول والمجيء والإتيان وغيرها، ولا بد أن نربطها بالقاعدة التي سبق أن أشرنا إليها فيما يتعلق بالصفات الذاتية والفعلية، والصفات السلبية بإذن الله تعالى.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير؛ إنه على كل شيء قدير.
стр. 76
الأسئلة
стр. 77
الراجح في الوقف في قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله)
السؤال
ما هو الراجح: هل يجب الوقوف عند لفظ الجلالة في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، أو لا يجب؟
الجواب
هناك خلاف بين المفسرين: فبعضهم يرى أنه واجب، وبعضهم يرى أنه ليس بواجب، والمسألة فيها متسع ولله الحمد، والخلاف واسع في هذه المسألة، ويبدو والله تعالى أعلم أن الراجح: أن الوقف ليس بواجب وإنما هو جائز، ومن رأى من أهل العلم أن الوقف واجب فإن رأيهم محترم، ويكون التأويل حينئذ بمعنى حقيقة الشيء، وهذا هو الشيء الذي لا يعلمه إلا الله .
وأما على رأي من يرى الوصل فإن التأويل يكون بمعنى التفسير، ولهذا يروى عن ابن عباس ﵁ أنه قال: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله، يعني: تفسيره، ولا يقصد كنه الشيء وحقيقة الشيء.
стр. 78
سبب إثبات الأشاعرة للصفات السبع فقط
السؤال
ما السبب الذي جعل الأشاعرة يثبتون الصفات السبع فقط؟ وهل لهم أدلة على ذلك؟
الجواب
الأشاعرة أثبتوا الصفات السبع بناء على الأدلة العقلية، فإنهم استدلوا بالعقل على أن الإله لا بد أن يكون حياً، ولا بد أن يكون عالماً، ولا بد أن يكون سميعاً بصيراً، ولا بد أن يكون مريداً.
ولا يمكن للحي إلا أن يكون متكلماً، فاستدلوا بالعقل على هذه الصفات السبع التي قالوا بها، ثم قالوا: إن ما عداها من الصفات التي لا تثبت إلا عن طريق النقل نؤولها؛ لأنها تقتضي التركيب أو الحدوث على نحو ما سبق.
إذاً: فليس دليلهم دليلاً شرعياً، وإنما هو دليل عقلي، وقد يأتون بالنصوص من باب الاعتضاد وليس من باب الاعتماد، فيستدلون بها على إثبات هذه الصفات.
стр. 79
صفة الاستواء صفة اختيارية
السؤال
هل صفة الاستواء صفة ملازمة لله ، أم صفة اختيارية؟
الجواب
صفة الاستواء صفة اختيارية؛ لأنه لم يفعلها الله إلا بعد أن خلق العرش ثم استوى عليه، فهي من الصفات الاختيارية الفعلية التي حصلت بعد خلق العرش، ولو كانت صفة ذاتية ملازمة لكانت موجودة منذ أن كان الله قبل أن يخلق العرش، لكن هذه الصفة فعلها الله بعد أن خلق العرش، ولهذا فهي من الصفات الاختيارية.
لكن قد يقول الأخ: هل معنى هذا أنها من الصفات الاختيارية بمعنى: أنه إن شاء استوى وإن شاء لم يستو؟ فنقول: نعم، هو إن شاء استوى وإن شاء لم يستو ، لكنه أخبر عن نفسه بأنه استوى، وأما ما بعد ذلك فإنه لم يرد تفصيل يجعل الإنسان يحدد هل هو مستمر أم لا، فالأصل قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ففيه أنه مستوٍ كما يليق بجلاله.
لكن ليست هناك نصوص إضافية تبين أكثر من هذا، ولهذا نقف عند هذا الحد؛ لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله .
стр. 80
الصفات الفعلية ذاتية باعتبار وفعلية باعتبار آخر
السؤال
هل الصفات الفعلية أصلها ذاتي كلها مثل صفة الكلام أم هناك تفريقاً بينها؟
الجواب
الذي يبدو -والله تعالى أعلم- أن الصفات الفعلية جميعاً هي ذاتية باعتبار، وفعلية باعتبار آخر، فذاتية باعتبار القدرة عليها، وفعلية باعتبار آحادها تفصيلاً، وهذا ليس خاصاً بصفة الكلام.
стр. 81
إيراد القاسمي في تفسيره أقوالاً للمعتزلة
السؤال
أشكل علي تفسير القاسمي؛ حيث إنه يذكر أقوالاً لأهل الاعتزال كثيراً، ويذكر كذلك كلاماً لأهل السنة: لـ ابن تيمية، وابن القيم، فما نصيحتكم؟
الجواب
تفسير القاسمي بالجملة معدود في تفاسير أهل السنة، لكن قد يقع في الخطأ، والإنسان لا يصح له أن يأخذ الخطأ حتى لو كان من عالم من علماء أهل السنة.
стр. 82
حكم الدروز وغلاة الشيعة والصوفية
السؤال
هل الشيعة والمعتزلة والدروز والصوفية ونحوهن من الفرق الذي ذكرها الرسول ﷺ أن أمته سوف تفترق إليها أم لا؟
الجواب
الرسول ﷺ لم يسمِّ هذه الفرق، وإنما ذكر أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاثة وسبعين فرقة، ولم يحدد هذه الفرق بأسمائها، لكنه ذكر أن هذه الأمة ستفترق وفعلاً حصل الافتراق، وهذه الفرق المذكورة هي من الفرق التي خرجت عن السنة.
لكن ينبغي أن يتنبه إلى أن الفرق التي ذكرها النبي ﷺ هي الفرق التي تبتدع بدعاً، وليست الفرق الخارجة عن الإسلام؛ لأنه قال: (ستفترق هذه الأمة)، وهذه الأمة المقصود بها أمة الإجابة وهم المسلمون، فأما الدروز وغلاة الشيعة وغلاة الصوفية فإنهم ليسوا من هذه الفرق، بل هم من الفرق الكافرة الخارجة عن الإسلام.
стр. 83
حكم الضحك
السؤال
أشعر في نفسي حينما أحضر مجالس العلم بالسكينة والوقار، وحينما أكون في غير هذه المجالس الطيبة كالمدرسة يضعف ذلك، ويأتي الضحك الكثير، فهل هذا نفاق؟
الجواب
لا يلزم أن يكون هذا نفاقاً.
لكن يبغي للإنسان أن يجتهد في أنه إذا خرج من الدرس أن يستمر على الإيمان الموجود عنده، وأما الضحك فالضحك في حد ذاته ليس مخالفاً للإيمان، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يضحكون وفي قلوبهم مثل الجبال من الإيمان، فالضحك ليس ملازماً لضعف الإيمان، وقد كان النبي ﷺ يضحك ويقول: (تبسمك في وجه أخيك صدقة).
فالخطأ ليس هو الضحك، وإنما الخطأ هو معصية الله ، فبعض الناس يظن أن الضحك علامة على الغفلة، وهذا غير صحيح؛ فالنبي ﷺ كان يضحك، والصحابة كانوا يضحكون، وليس في الضحك مشكلة إلا إذا بالغ الإنسان فيه حتى خرج عن حده الطبيعي، فإنه قد يكون دليلاً ضعف الإيمان.
стр. 84
دراسة موضوعية [٥]
الكلام في بعض الصفات كالكلام في جميعها، فمن أثبت لله تعالى بعضها ونفى بعضها لزمه إثباتها كلها؛ إذ لا فرق بينها، وصفات الله تعالى غير محصورة بعدد معين، وهي مذكورة في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى كسورة الإخلاص وآية الكرسي، وغيرها من آيات الذكر الحكيم.
стр. 85
التأصيل العلمي وأهميته
لا يخفى أهمية دراسة العلم وتحصيله، وقد كتب علماء السلف رضوان الله عليهم كثيراً من الكتب في بيان ذلك، وتضمنت كتب أصول الفقه في باب الاجتهاد والتقليد ما يبين أهمية العلم وضرورته للإنسان، وضرورته للأمة في كل وقت وفي كل مرحلة.
ويوجد لدى كثير من الناس مع الأسف زهد مذموم، هذا الزهد هو الزهد عن العلم، وكثير من الناس لديه أفكار غريبة، وهي في الحقيقة من الأفكار الرديئة التي يلقيها الشيطان في النفوس، وهي أن العلم سهل ويمكن تحصيله، وأن الكتب اليوم تملأ المكتبات وأن الإنسان إذا أراد العلم فيمكن له أن يشتري هذه الكتب ويحقق ويبحث، وباستطاعته أن يحصل العلم من خلال هذه الكتب، والتهوين من شأن العلم بهذه الطريقة، والتهوين من شأن مدارسة العلم والترقي فيه، لا شك أنه خطأ، وأن هذا يدل على جهل صاحبه بمقام العلم، فإن العلم لا يحصل من خلال القراءة فقط، فإن القراءة وتكثير القراءة هي جزء من التثقيف، فيمكن للإنسان أن يكون مثقفاً لديه معلومات مفرقة من هنا وهناك، ولديه ثقافة خصوصاً إذا كان ذكياً ويحفظ، ويمكن أن يكون لدى الإنسان شيء من هذه المعلومات، لكن ليس شأن العلم هكذا، وإنما شأن العلم أن يحفظ الإنسان العلم بالتدريج، ويأخذ المسائل الصغيرة، ثم يأخذ المسائل التي هي أكبر منها، ثم التي بعدها وهكذا، وتكون دراسته دراسة مؤصلة.
والتأصيل العلمي لا شك أنه لا يعتمد على كثرة القراءة المجردة، فإن كثرة القراءة كما سبق تنتج إنساناً مثقفاً لديه معلومات متنوعة، وأما التأصيل العلمي فإن الإنسان يبني نفسه كما تبنى البيوت الآن، فأولاً يبدأ بالقواعد، ثم بعد ذلك يبني نفسه حتى يكتمل بناؤه العلمي.
ولهذا نجد الفروق واضحة بين العلماء والمثقفين، بين العلماء الذين درسوا العلم وخبروه، وعرفوا جوانبه، وعرفوا دلالاته، وعرفوا معانيه، وما يوجد في المسائل العلمية من الغموض ونحو ذلك، وبين المثقفين الذين لديهم معلومات مفرقة من هنا وهناك؛ ولهذا يا إخواني! أدعوكم وأدعو نفسي أولاً إلى أن نعتني عناية كبيرة بمسألة تأصيل العلم، وأن يكون التثقيف في الأوقات التي يكون للإنسان قدرة على أن يثقف نفسه، فالثقافة مهمة جداً، لكن العلم المقصود به هو أن الإنسان يدرس العقيدة والفقه والحديث والأصول، فيدرس هذه العلوم جميعاً بطريقة متأنية، فيأخذ المسائل الصغيرة حتى يعرف طريقة أهل العلم في الاستدلال، وكيفية التعامل مع الأدلة، وهذا هو ديدن السلف وطريقة السلف السابقين رضوان الله عليهم.
فإن علماً كاملاً مثل أصول الفقه تم استنباطه من خلال النظر في فتاوى الصحابة رضوان الله عليهم، وكيف كانوا يفتون، وكيف كانوا يستدلون، وطريقة الاستدلال عندهم، ومناهج الأدلة ونحو ذلك، فتكون علم كامل هو (علم أصول الفقه)، وهو علم معياري يبين للإنسان كيف يمكن له أن يستدل ويكون استدلاله صحيحاً.
وإن كان مع الأسف قد دخلته علوم المتكلمين بسبب اشتغال أهل الكلام بالأصول، فأدخلوا فيه كثيراً من القضايا النظرية التجريدية المحضة، وأدخلوا فيه شيئاً من البدع التي كانت عندهم، لكن يبقى أن لهذا العلم جلالته وأهميته في ضبط مناهج الأدلة والاستدلال.
فينبغي للإنسان أن يهتم بالعلم، وأن يعظم هذا الجانب، وأن يهتم به اهتماماً كبيراً، وأن يصبر ويحرص، وأن يجتهد وأن يضبط وقته ليلاً ونهاراً؛ من أجل تحصيل هذه العلوم الشريفة، فإن الأمة بحاجة إلى علماء عاملين، وكان الإمام البخاري ﵀ يقول فيما رواه عنه اللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) يقول: سمعت أكثر من ألف -وذكر من علماء الشام والعراق واليمن ومصر وغيرها- كلهم يقول: أن الإيمان قول وعمل، يعني: أنهم ألف عالم من العلماء كان في زمانه كلهم على عقيدة أهل السنة يرون أن الإيمان قول وعمل، فهؤلاء الذين لقيهم البخاري فقط، وقد يكون هناك أشخاص كثيرون لم يلقهم البخاري ولم يرهم وهم علماء.
فنحن بحاجة إلى إعادة الحركة العلمية لأمتنا، ولهذا مع الأسف فإن العلماء اليوم يعدون على الأصابع، أقصد العلماء العاملين الذين يعرفون الأدلة الشرعية، وأما الذين يحسنون الكلام فهم كثير، ولهذا جاء عن ابن مسعود ﵁ في بيانه لأوصاف آخر الزمان: أنه سيأتي على الناس زمان يكثر فيه الخطباء، ويقل فيه الفقهاء والعلماء.
فالخطباء الذين يحسنون الكلام، والذين يحسنون الوعظ، والذين يحسنون الكتابة كثير، لكن أصحاب الفقه الذين يعرفون مقاصد الشريعة، والذين يعرفون مقاصد هذا الدين، والذين يدركون هذه الحقائق بشكلها الشرعي الصحيح، هم في الحقيقة قلة في الناس، ولهذا كما قلت: نحن بحاجة إلى هذا الأمر.
стр. 86
ظهور الفتن في هذا الزمان والمخرج من ذلك
ونحن اليوم مع الأسف نعيش في زمن انفتحت فيه الثقافات بعضها على بعض من خلال الاتصالات، ومن خلال المواصلات، ومن خلال الإنترنت، ومن خلال الغزو الفضائي، من خلال السيطرة العالمية على أمة الإسلام، فأصبح في الأمة كثير من المناهج والأفكار، هذا على مستوى الأمة عموماً، وحتى على مستوى الصالحين الذين يسمون إعلامياً (إسلاميين)، والإسلاميون اليوم لديهم كثير من المناهج والآراء والأفكار، وفي كل فترة من الفترات تسمع عن أفكار وآراء جديدة يتبناها أشخاص يحسبون على الدعوة الإسلامية، وهي في غاية الغرابة وفي منتهى الغرابة! وهم مع الأسف أيضاً يوجد لهم أتباع، والسبب في هذا يعود إلى عدم وجود تأصيل علمي حقيقي في أوساط شباب الدعوة الإسلامية، فأصبح الكثير يعتمد على العاطفة المجردة، وأصبح الكثير يعتمد على التقليد، فيقلد فلاناً من أهل العلم، أو فلاناً من المثقفين، أو فلاناً من الكتاب، أو فلاناً من الوعاظ، ولهذا إذا اختلفوا اختلف الدعاة، وإذا اتفقوا اتفق الدعاة، وهذا من الخطأ، ولهذا يتميز منهج أهل السنة عن غيره من المناهج أن أصحابه لا يعتمدون على التقليد، وإنما يعتمدون على فهم مقاصد هذا الدين فهماً صحيحاً، والالتزام بها، وكل صغيرة وكبيرة وكل شاردة وواردة وكل فتنة وكل مشكلة تحصل في حياة المسلمين فإن لها حكماً شرعياً، وفي بعض الأحيان يكون هذا الحكم من الوضوح بمكان، لكن كثيراً من الناس لعدم فقهه ولعدم فهمه ولعدم إدراكه لا يفرقون بين المسائل القطعة والمسائل الظنية، ولا يفرقون بين مسائل الإجماع ومسائل الخلاف، وما يسوغ فيه الخلاف وما لا يسوغ فيه الخلاف، وكيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع هذه الفتنة، وكيف يمكن له أن يتعامل مع أهل العلم ومع طلاب العلم ونحو ذلك، وكثير من القضايا اليوم مع الأسف غائبة؛ بسبب عدم التأصيل العلمي لدى الشباب.
ففي كل فترة من الفترات تظهر لنا فكرة جديدة، فمثلاً من الأفكار التي بدأت تظهر في السنوات الأخيرة فكرة الرؤى والمنامات التي بدأ كثير من الناس يشطح فيها شطحات عجيبة جداً، إلى درجة أنه يكاد يكون بعض المعبرين كهنة في الحقيقة، فبعضهم يتعلق بالأوهام، ولهذا تجد كثيراً من الناس محطمين مع الأسف، والمفترض في المؤمن أنه لا يكون محطماً ولا يكون ضعيفاً حتى ولو غلب الكفار، وحتى ولو كانت لهم سيطرة، وحتى ولو كان لهم وجود كبير في العالم أقوى من وجود المسلمين، وحتى ولو كان لهم تأثير، فيبقى أن أهل الإسلام لديهم من العزة والقوة النفسية ما يتميزون به عن غيرهم من أصحاب الأديان والمناهج والفلسفات الأخرى.
فالرؤى والأحلام اليوم صارت مشكلة، وصار كثير من الناس يفسر الأحاديث النبوية في قضايا الفتن والملاحم وما يتعلق بها تفسيراً مبنياً على الأحلام، فكما أن مسائل الرقى والقراءة على المرضى الذين فيهم سحر، أو الذين لديهم عين أو نحو ذلك صار فيه انحرافات كبيرة عند بعض القراء، وتوصلوا إلى درجة أن صاروا قريبين من المخرفين، ويقولون: نحن نتعاون مع الجن المسلمين ونحو ذلك من الأشياء الغريبة! مع أن فكرة التعاون مع الجن المسلمين قد تحدث عنها أهل العلم قديماً لكن بشكل عام، وأما الواقع الموجود فكثير من الناس تتلاعب بهم الشياطين، ويقولون: نحن نتعامل مع الجن المسلمين في علاج المرضى، فكما أن هذا وقع فيه انحراف كبير فأيضاً وقع في موضوع الرؤى والأحلام والمنامات كثير من الخرافات وكثير من الآراء العجيبة، فبدأ كثير من الناس يقول: إن حاكم العراق هو السفياني الذي ورد في الحديث، وينسى أن الحديث موضوع، فأهم شيء أنه ورد في الحديث وانتهى الموضوع، وأصبح كثير من المرتزقة الذين يريدون الأموال ويريدون العبث بعواطف الناس يؤلفون كتباً في معركة هرمجدون؛ لأنها معركة مشهورة، ثم يجمع من الأحاديث الباطلة والموضوعة والخرافات وغرائب الأخبار وينشرها على أنها هي الإسلام الصحيح الذي يجب على الإنسان أن يعتقده، وبعض الناس أصبح المصدر الأساسي له في فهم الواقع وفي إدراكه وفي التعامل مع مجريات الأحداث هي منتديات الإنترنت، فيدخل هذا المنتدى وهذا المنتدى ويقرأ لهذا ويقرأ لذاك وكثير منهم قد يكون من النصارى، أو قد يكون بعضهم من أصحاب الطوائف المنحرفة يتقمص شخصية داعية ربما يكون مجاهداً أو صالحاً أو نحو ذلك، ثم ينشر في الناس عقائد فاسدة.
ولو أننا قارنا بين انتشار الفرق والعقائد الفكرية القديمة وكيفية تغلغل الأديان المنحرفة الأخرى -خصوصاً اليهود والنصارى ونحوهم- في محاولة إفساد الأمة الإسلامية لوجدنا نفس القضية تدور الآن لكن بطرق وبأشكال مختلفة، فهذه العقول الكثيرة من شباب الدعوة الإسلامية كيف تضبط من الانحراف، هذه العقول المنتشرة الآن على خارطة العالم الإسلامي كله كيف يمكن لنا أن نحفظها من الزلل، وأن نحفظها من البدع، سواء كانت هذه البدع قديمة أو جديدة؛ لأنه بعض الأحيان قد ينتسب شخص إلى عقيدة صحيحة مثل عقيدة أهل السنة والجماعة ولا يعرف من البدع إلا البدع التي تكلم عنها العلماء قديماً، لكن البدع الجد
стр. 87
من آداب طالب العلم خفض الجناح ونبذ الخيلاء
قال الشيخ: بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله في كتابه (حلية طالب العلم) في حديثه عنه آداب الطالب في نفسه: [الأمر الخامس: خفض الجناح، ونبذ الخيلاء والكبرياء: تحل بآداب النفس من العفاف والحلم والصبر والتواضع للحق، وسكون الطائر من الوقار والرزانة وخفض الجناح، متحملاً ذل التعلم لعز العلم، ذليلاً للحق، وعليه: فاحذر نواقض هذه الآداب، فإنها مع الإثم تقيم على نفسك شاهداً على أن في العقل علة، وعلى حرمان من العلم والعمل به، فإياك والخيلاء؛ فإنه نفاق وكبرياء، وقد بلغ من شدة التوقي منه عند السلف مبلغاً، ومن دقيقه ما أسنده الذهبي في ترجمة عمرو بن الأسود العنسي المتوفى في خلافة عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى: أنه كان إذا خرج من المسجد قبض بيمينه على شماله، فسئل عن ذلك؟ فقال: مخافة أن تنافق يدي.
قلت: يمسكها خوفاً من أن يخطر بيده في مشيته فإن ذلك من الخيلاء.
ا.
هـ وهذا العارض عرض للعنسي رحمه الله تعالى.
واحذر داء الجبابرة: الكبر، فإن الكبر والحرص والحسد أول ذنب عصي الله به، فتطاولك على معلمك كبرياء، واستنكافك عمن يفيدك ممن هو دونك كبرياء، وتقصيرك عن العمل بالعلم حمأة كبر، وعنوان حرمان.
العلم حرب للفتى المتعالي كالسيل حرب للمكان العالي فالزم رحمك الله اللصوق إلى الأرض، والإزراء على نفسك، وهضمها ومراغمتها عند الاستشراف لكبرياء، أو غطرسة، أو حب ظهور، أو عجب ونحو ذلك من آفات العلم القاتلة له، المذهبة لهيبته، المطفئة لنوره، وكلما ازددت علماً أو رفعة في ولاية فالزم ذلك تحرز سعادة عظمى، ومقاماً يغبطك عليه الناس.
وعن عبد الله ابن الإمام الحجة الراوية في الكتب الستة بكر بن عبد الله المزني رحمهم الله تعالى قال: سمعت إنساناً يحدث عن أبي أنه كان واقفاً بعرفة فرق، فقال: لولا أني فيهم لقلت: قد غفر لهم، خرجه الذهبي ثم قال: قلت: كذلك ينبغي للعبد أن يزري على نفسه ويهضمها].
ا.
هـ خفض الجناح ونبذ الخيلاء والكبرياء من الأخلاق العظيمة، فيلتزم الإنسان التواضع ويبتعد عن الكبر حتى لو رأى في نفسه شيئاً من العلم، أو شيئاً من الفهم، أو أي أمر من الأمور، ويحرص الإنسان دائماً على ألا ينظر إلى نفسه؛ فالالتفات إلى النفس من أعظم الطرق الموصلة إلى الكبرياء، والتفكير فيما عند الإنسان ومحاولة مقارنة ما عنده بما عند الآخرين هي البوابة التي تفسد على الإنسان أدبه وخلقه.
وقصة موسى مع الخضر ﵇ من أعظم الأحاديث الواردة في الأدب العلمي، فموسى ﵊ نبي من أولي العزم من الرسل، وهو من أفاضل الأنبياء جميعاً، وهو بلا شك أفضل من الخضر في العموم، لكن عندما وقف ﵇ أمام الناس ذكر لهم أنه لا يوجد أحد أعلم منه، فأراد الله أن ينبهه إلى هذا الأدب العظيم وهو التواضع، فبين له الله أن عبده الخضر أعلم.
فما كان من موسى ﵇ إلا أن طلب اللحوق به والتعلم على يديه وحرص على ذلك.
ولهذا ينبغي الحرص دائماً على التعلم والاستفادة، سواء كانت هذه الاستفادة من الأقران أو من الأصحاب أو من أهل العلم، سواء كان قرينك في السن أو أكبر منك أو أصغر؛ ولهذا توجد في كتب أهل العلم رواية الأكابر عن الأصاغر في الحديث، فتجد رجلاً عالماً كبيراً يروي عمن هو أصغر منه، فينبغي على الإنسان دائماً أن يربي نفسه على هذا الخلق.
стр. 88
من آداب طالب العلم التحلي بالقناعة والزهادة
قال المصنف ﵀: [الأمر السادس: القناعة والزهادة: التحلي بالقناعة والزهادة، وحقيقة الزهد الزهد في الحرام، والابتعاد عن حماه بالكف عن المشتبهات، وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس].
هذه حقيقة الزهد، إذاً فالزهد ليس بلبس الثوب الخشن، وليس الزهد بالتقلل من الأكل، وليس الزهد في الظاهر فقط، وإنما أساس الزهد زهد القلب، فإن الإنسان إذا كان قلبه غير معلق بالدنيا فإن هذا من أعظم الزهد.
وقد مرت على الأمة فترة من الفترات ظن الكثير أن الزهد يتعلق بالظاهر، فإذا لبس الإنسان ثوباً خشناً، أو كان الإنسان بعيداً عن الملابس الغالية أو الأشياء الغالية في بيته أو في أي مكان اعتبروا ذلك من الزهد، وهذا مظهر وليس بأساس في الزهد ولا في حقيقة الزهد، فحقيقة الزهد هو زهد القلب، فإذا زهد القلب في الحرام فإنه يترتب عليه عدم التعلق بالدنيا.
وقد كان بعض أصحاب النبي ﷺ كـ عبد الرحمن بن عوف من الأموال ما يفرق بالفئوس، لكنه كان في أيديهم وليس في قلوبهم، ولما توفي طلحة بن عبيد الله كما ذكر الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء) كان لديه أكثر من ألفي ألف دينار من الذهب، يعني: مليونين، وكان له بستان كبير في الطائف، لكن مع هذا لم تشغلهم هذه الأموال عن الدعوة إلى الله، وعن الإصلاح، وعن تعلم العلم، وعن نشر الخير بين الناس، وعن الجهاد في سبيل الله، فقد كان هؤلاء -وهم تجار الصحابة- في أوائل الصفوف دائماً في الجهاد في سبيل الله.
وكان عبد الله بن المبارك من تجار العلماء، وكان ﵀ دائماً يجاهد في سبيل الله، حتى إنه كتب قصيدة مشهورة إلى الفضيل بن عياض يقول فيها: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب ثم يقول: من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب فهذا رجل تاجر ومع هذا يشارك في القتال، فاحتمال قتله واحتمال استشهاده كبير، ومع هذا كان بهذه المثابة.
وهناك كثير من الصالحين في هذا العصر يملكون المليارات من الأموال، ومع هذا خرجوا بأنفسهم وأموالهم يجاهدون في سبيل الله، فهذا هو الزهد الحقيقي، وهو زهد القلب في هذه الدنيا، والشعور بأنها حطام زائل، وأنها ستذهب، ولهذا لا يتعلق بها القلب، وبناءً على هذا سيمتنع عن الحرام، وسيمتنع عن كل ما يغضب الله .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويؤثر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لو أوصى إنسان لأعقل الناس صرف إلى الزهاد].
أي: لأنهم عرفوا الدنيا على حقيقتها.
стр. 89
التفريق بين الزهد الحقيقي والزهد الزائف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى لما قيل له: ألا تصنف كتاباً في الزهد؟ قال: قد صنفت كتاباً في البيوع، يعني: الزاهد من يتحرز عن الشبهات والمكروهات في التجارات، وكذلك في سائر المعاملات والحرف ا.
هـ وعليه فليكن معتدلاً في معاشه بما لا يشينه، بحيث يصون نفسه ومن يعول ولا يرد مواطن الذلة والهوان].
ولهذا ينبغي على الإنسان أن يجتهد في أن يكون معتدلاً -كما قال الشيخ- في لباسه، وفي أكله، وفي شربه، فيكون بين الثراء الفاحش الذي لا داعي ولا مبرر له، وبين من يهين نفسه ويحقرها بشكل غير صحيح.
وأعظم من حاول إفساد هذا المصطلح السني الكبير -وهو الزهد- الصوفية؛ ولهذا فمن طوائف الصوفية طائفة يقال لها: الملامتية، فالملامتية أو الملامية يظهرون أمام الخلق أموراً تشينهم، فقد ينام أحدهم في الزبالة، وقد ينام مع كلب، وقد يظهر بعض الأحيان أموراً تزعج الناس بحجة أنه يريد أن يدفع عن نفسه شبهة الرياء، ولهذا كان أحد كبار الصوفية -كما ترجم له الشعراني في الطبقات- يسمى إبراهيم العريان، وسموه العريان؛ لأنه كان يأتي ويخطب الناس عرياناً، وقد وقف في يوم من الأيام على الناس وهو عريان فقال: السلطان ودمياط، وباب اللوق بين الصورين، ويذكر أشياء من هذا القبيل.
ويروى أنه كان يرى في اليوم الواحد وهو يخطب في أكثر من مكان في نفس الوقت، فقد كانوا يستخدمون السحر في هذا، ويعتبرون هذه كلها من الكرامات، وقد بعضهم يكذب.
ويحدث واحد من الإخوة أنه زار بلاد الجابون، وأنه كان هناك أحد كبار الصوفية لا يصلي مع الناس الجماعة، ويقول: إنه يصلي كل يوم من رمضان في الحرم، وإنه التقى بموسى ﵇ في الطواف، وإنه في المسعى التقى بإبراهيم، وإن إمام الحرم أخطأ فما رد عليه أحد إلا هو، فجاءه جبريل من السماء وقال له: إن الله يشكرك على هذا العمل الذي قمت به، وهو أنك رددت على الإمام عندما أخطأ، ويقول: إن الذي ينقله من هناك إلى الحرم هو البراق ينزل به جبريل من السماء! فهناك خرافات كثيرة هذا نموذج منها، وقد حطمت كثيراً من مقومات المسلمين وجعلتهم فرصة مناسبة للاستعمار، والكلام عن الصوفية كثير جداً، فقد فهموا من الزهد الزهد الظاهري فقط، بل إنهم دخلت لهم فلسفات الأمم الأخرى مثل الزهد الهندي، فالهنود كانوا يعتمدون في الزهد على رياضات نفسية جاء بها بوذا، فكانوا يعذبون الجسد حتى يصفوا الروح ويصلوا إلى درجة النيرفانا كما يسمونها، وهي الحياة السعيدة المثالية.
وأما الزهد عند أهل السنة فهو زهد القلب فيما حرم الله ، ويترتب على هذا في الظاهر أن يزهد الإنسان في المحرمات.
ومع الأسف أن الصوفية عندما دخلت في حياتهم الأموال، وبقي عندهم شيء من التفكير في الزهد أصبح كثير من الناس يأتي في رمضان فتجد السجدة في وجهه، وتجد معه مسبحة طويلة، وهو في الصف الأول، فتجده يسبح بألوان متعددة من البدع ويكثر من التسبيح وبناته في الدول الغربية يعاقرن الخمر، ويجلسن مع الغربيين، وأولاده كذلك، وأمواله في بنوك الربا يأكل عليها الربا أضعافاً مضاعفة، فانظروا هذا التخبط في فهم الدين، وسببه البعد عن السنة، وتغير المفاهيم الصحيحة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطي المتوفى في السابع عشر من الشهر الثاني عشر عام ثلاثة وتسعين وثلاثمائة وألف من الهجرة رحمه الله تعالى متقللاً من الدنيا، وقد شاهدته لا يعرف فئات العملة الورقية، وقد شافهني بقوله: لقد جئت من بلاد شنقيط ومعي كنز قل أن يوجد عند أحد، وهو القناعة، ولو أردت المناصب لعرفت الطريق إليها، ولكني لا أوثر الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم بنيل المآرب الدنوية، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، آمين].
نكتفي بهذا القدر.
стр. 90
إلزام المبتدعة النفاة بإثبات صفات الله
بالنسبة للمحور الذي ما زلنا نتحدث فيه هو صفات الله وأسمائه، وسبق أن قدمنا بقاعدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وبينا كيف أن أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفات لله ، وينفون عنها مشابهة المخلوقات، وبينا أن المبتدعة لم يستطيعوا تفهم كيفية الإثبات مع نفي المشابه، وظنوا أن هناك تلازماً أكيداً بين إثبات الصفات ومشابهة المخلوقات، وظنوا أن كل من يثبت الصفات الواردة في النصوص الشرعية لابد أن يعتقد أنها مشابهة للمخلوقات.
وبينا سابقاً أن هذا لا يلزم، وأن الفارق بين الخالق والمخلوق من الأمور الضرورية في نفس الإنسان، وأنه إذا وصف الله بصفات فإن هذه الصفات حتى ولو كان العقل لا يدرك منها إلا الشيء الموجود في الظاهر بالنسبة لديه وهي صفات المخلوقين، فإن هذا لا يعني أن هذا واقع على صفات الله ، ولهذا نجد أن هؤلاء المعطلة يثبتون بعض الصفات، وينفون عنها المشابهة، فنقول لهم: كيف تثبتون هذا البعض؟ فإذا قلتم: ننفي عنه المشابه، قلنا: وكذلك بقية الصفات نثبتها لله وننفي عنها مشابهة المخلوقات.
فإن قالوا: لا، إذا أثبتم لزمت المشابهة، قلنا: وكذلك إذا أثبتم صفة العلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك لزمت المشابهة.
قالوا: نحن ننفي مشابهة صفات المخلوق.
قلنا: وكذلك هنا، فليس هناك فرق بين هذا وذاك، فالجميع صفات لله .
حتى ولو أن المتكلم معنا جهمي ينكر الأسماء والصفات جميعاً، فإنا نقول: هل تعتقد أن الله موجود؟ فإن قال: نعم أعتقد أن الله موجود، فإنه يلزمه أن يقول: وجود الله مختلف عن وجود المخلوق؛ لأن الله له صفة تختلف عن صفة المخلوق، فإن قال ذلك، قلنا: إذا كان وجوده غير وجود المخلوق وأنه لا يشبهه، فكذلك ما يتعلق ببقية صفاته، فهي ليست كالمخلوق، وقد تحدثنا عن هذا بشيء من التفصيل والإطالة في المرة الماضية.
وفي الدروس القادمة إن شاء الله نتحدث عن صفات الله بشكل مفصل، فالكلام الأول كان كلاماً إجمالياً، والآن سيكون الكلام كلاماً تفصيلياً بإذن الله تعالى، وقبل أن نتحدث بشكل تفصيلي نبحث هنا مسألة وهي:
стр. 91
صفات الله غير محصورة بعدد معين
هل يمكن لنا أن نحصر صفات الله ؟ يعني: هل صفات الله محصورة بعدد معين؟
و
الجواب
ليست صفات الله محصورة بعدد معين، فإن القاعدة: أن كل اسم من أسماء الله يدل على صفة من الصفات، وهذا هو مقتضى كون أسماء الله حسنى، فإن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، والحسنى هنا على وزن فعلى، يعني: التي بلغت الغاية في الحسن والكمال والجمال.
ومن مقتضى كونها بلغت الغاية في الحسن والجمال أن تكون ذات معان ودلالات، فاسم الله (الرحمن) يؤخذ منه صفة وهي الرحمة، وكذلك العزيز يؤخذ منه العزة ونحو ذلك.
وأما الذين يقولون إن أسماء الله محضة لا تدل على صفات، فلا شك أن هؤلاء قد فرغوا هذه الأسماء من معانيها، فحينئذٍ لا يكون لوصفها بالحسن مجال، ويكون وصف الله لأسمائه بالحسنى رد ظاهر على المعتزلة الذين يرون أن أسماء الله محضة لا تدل على معان.
وقد بين النبي ﷺ أن أسماء الله غير محصورة في عدد معين، فورد في حديث الدعاء من الحزن: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك إلى أن قال: أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فهذا هو موطن الشاهد: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، وهذا يدل على أن هناك أسماء لله استأثر بها فلم يخبر بها العباد، ولا بد أن تكون هذه الأسماء لها معان وصفات.
وهل يمكن لنا أن نحصر أسماء الله وصفاته الموجودة في النصوص الشرعية؟ نعم يمكن لنا أن نأخذ أسماء الله وصفاته الموجودة في القرآن والموجودة في السنة؛ لأن الآيات القرآنية معلومة ومحددة بالنسبة لدينا، وكذلك السنة النبوية في الجملة.
стр. 92
أقسام الصفات الواردة في الواسطية ولمعة الاعتقاد وحائية ابن أبي داود
والصفات الموجودة في الكتب الثلاثة التي ندرسها (حائية ابن أبي داود) و (لمعة الاعتقاد) و (الواسطية) يمكن أن نقسم الكلام عليها إلى قسمين: مسائل كبرى، يعني: مسائل مشهورة وكبيرة وواقع فيها خلاف مشهور، وتحدث عنها مثلاً ابن تيمية في (الواسطية) حديثاً طويلاً، وهذه يمكن أن نحصرها في ثلاثة صفات: صفة الكلام، والرؤية، والعلو والمعية، فهذه الثلاث تحدث عنها ابن تيمية بالذات في (الواسطية) بشكل مطول، ولهذا سنقف معها في درس خاص لوحدها.
النوع الثاني من الصفات: هي الصفات التفصيلية التي يمكن أن نأخذها من النصوص التي استدل بها هؤلاء العلماء؛ لأن ابن تيمية عندما ذكر قاعدة أهل السنة في الصفات ذكر مجموعة من الآيات في الصفات، وذكر مجموعة من الأحاديث في الصفات، وهكذا فعل ابن قدامة ﵀ قبله، فذكر مجموعة من الآيات وبعض الأحاديث في صفات الله ، وكل آية من هذه الآيات مشتملة على مجموعة من الصفات.
ثم نجد ابن تيمية ﵀ تحدث عن الثلاث التي سبق أن ذكرناها بشكل مطول، أعني: صفة الكلام، والرؤية، والعلو والمعية، فأطال الحديث عنها؛ لأنها مسائل مشتهرة ووقع فيها الخلاف، واشتهر هذا الخلاف كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.
والمسائل التفصيلية يمكن أن نقسمها إلى قسمين: صفات مشتركة بين هذه الكتب جميعاً، وصفات غير مشتركة، وأكثر من بين الصفات تفصيلاً هو ابن تيمية في ﵀ (الواسطية)، فالأدلة التي ساقها أكثر من الأدلة التي في (لمعة الاعتقاد).
وأما بالنسبة لـ ابن أبي داود فإنه اكتفى بالمسائل المشهورة مثل: الكلام والرؤية والعلو والمعية، وأما بقية الصفات فإنه لم يطل فيها؛ لأن نظمه مختصر ومحدود، فالصفات المشتركة بين (اللمعة) و (الواسطية) هي صفة الوجه واليد والنزول والمجيء والإتيان والرضا والمحبة والغضب والسخط والكره والعجب والضحك والاستواء والعلم ونفي المثيل والشبيه، فهذا ما يتعلق بالصفات المشتركة بين الكتابين.
وأما الصفات غير المشتركة فقد انفردت (لمعة الاعتقاد) بصفة النفس، وأما (الواسطية) فقد انفردت بمجموعة كبيرة من الصفات لم يذكرها ابن قدامة ﵀ في (لمعة الاعتقاد)؛ لأنه لم يكثر من الأدلة التي في الصفات، فمن ذلك مجموعة كبيرة من الأسماء تزيد عن العشرين، مثل: الأحد، والصمد، والحي، والقيوم، والعلي، والعظيم، والأول، والآخر، والظاهر، والباطن، والعليم، والحكيم، والخبير، والرزاق ذو القوة، والمتين، والسميع، والبصير، والغفور، والودود، والرحمن، والرحيم، والعفو، والقدير.
وأما بقية الصفات التي ليست موجودة في (اللمعة) فهي مجموعة من الصفات منها: صفة السمع والبصر والمشيئة والإرادة والرحمة والمغفرة والقدرة ونفي الشريك والفرح والرجل والقدم والقرب، والمكر والكيد بأهله، ونفي الولادة، ونفي السنة والنوم، ونفي الإحاطة بعلمه.
فهذه الصفات ليست كل الصفات الواردة في النصوص، فهناك صفات كثيرة واردة في النصوص لم يذكرها هنا؛ لأنه لم يرد الاستقصاء، فـ ابن قدامة ﵀ في (اللمعة) لم يقصد الاستقصاء، وكذلك ابن تيمية ﵀ في (الواسطية)، وإنما هي عبارة عن أمثلة يمثلون بها على القاعدة الأساسية في هذا الباب العظيم من أبواب الدين.
والطريقة التي سنستخدمها في استعراض هذه الصفات هو أن نقرأ مجموعة من النصوص ثم نستخرج منها الصفات بصورة مختصرة، ونعلق عليها تعليقاً خفيفاً؛ لأنها طويلة جداً، فنبدأ بالواسطية.
стр. 93
الصفات الإلهية الموجودة في سورة الإخلاص
يقول شيخ الإسلام ﵀: [وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]].
هذه السورة تعدل ثلث القرآن؛ لأنها تتحدث عن التوحيد، والتوحيد هو ثلث القرآن؛ لأن القرآن عبارة عن أحكام، وقصص، وعقائد، والتوحيد هو ثلث موضوعات القرآن، ولهذا اعتبرت ثلث القرآن.
ويمكن أن نستخرج الصفات ونبين معناها: قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، (الله) اسم من أسمائه ، والصفة المأخوذة منه هي صفة الألوهية، ومعنى (الألوهية) استحقاق العبادة، يعني: أنه هو المألوه وحده؛ ولهذا قال العلماء في الإله: إن الإله مأخوذ من الوله أو الأله، وهو التعبد، والتأله: هو التعبد، والألوهية هي العبودية؛ ولهذا يقول رؤبة بن العجاج: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تأله فالتسبيح والترجيع وصفه وجعله من التأله، والتأله معناه التعبد، فالإله معناه: المعبود، والإله على وزن فعال، بمعنى مفعول؛ لأن فعال يأتي بمعنيين: فاعل ومفعول، يعني: آله ومألوه، وهو هنا بمعنى مألوه، أي: معبود، فهو المألوه المعبود محبة ورجاء وخوفاً وإنابة ورغبة وخشوعاً وخشية، فهو المستحق وحده للعبادة.
إذاً: فالصفة التي نأخذها من (الله) هي صفة الألوهية.
قوله: (أحد) الصفة التي نأخذها منه الأحدية، يعني: أن الله واحد.
فهو واحد في ربوبيته: فلا خالق ولا رازق ولا فاعل إلا هو .
وواحد في ألوهيته: فلا معبود ولا محبوب ولا مخوف منه خوف التأله إلا هو .
وواحد في أسمائه وصفاته: فله الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا تليق بأحد سواه .
قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢]: لفظة (الله) سبق الحديث عنها.
و (الصمد) اسم من أسماء الله، وقد فسره المفسرون بثلاثة معانٍ: المعنى الأول: أن (الصمد) معناه: السيد الكامل في سؤدده.
والمعنى الثاني: أن (الصمد) بمعنى: الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها.
والمعنى الثالث: هو ما فسره به ابن عباس وعليه جمهور علماء السلف والخلف؛ أن (الصمد) الذي لا جوف له، وهو يدل على معنى الغنى، وكل المخلوقات لها أجواف؛ لأنها تفتقر إلى الأكل والشرب ونحو ذلك مما يسد رمق هذا الجوف، وأما الإله فهو مصمت لا جوف له ، ومعناه: أنه هو الغني الذي لا يحتاج لأحد، وهو المالك لكل شيء، وهو المعطي لكل شيء .
قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣].
(لم يلد) يعني: ليس له أولاد، (ولم يولد) يعني: ليس له آباء.
وقوله: (لم يلد ولم يولد) هذه من الصفات السلبية.
وقد سبق أن بينا أن الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتية وصفات سلبية.
والصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية وصفات فعلية.
فالصفات الذاتية: هي الملازمة لله ، وهي ليست متعلقة بمشيئته، وهي لا تنفك عنه بأي وجه من الوجوه، مثل صفة الألوهية، فهو المعبود على كل حال، ومثل صفات: العلم والوجه والقدم والعينين ونحو ذلك من الصفات التي تليق بالله .
قوله: (لم يلد) فيه رد على النصارى الذين قالوا: إن عيسى ابن الله.
وفيه رد على بعض اليهود الذين قالوا: إن عزيراً ابن الله.
وفيه رد على الفلاسفة الذين قالوا: إن هذا الكون ناتج عن الله بدون إرادة ولا مشيئة، وإنه يتضمن كل خصائص الإلهية، وإنه نتج كنتوج الضوء من الشمس، وإن هذا النتوج أو هذا الصدور أو الفيض موجب لا علاقة له بالإرادة بأي وجه من الوجوه.
ففيه رد على هذه الطوائف، وقد تحدث ابن تيمية ﵀ في هذه الموضوعات بشكل مطول في أجزاء التفسير الموجودة في الفتاوى في تفسير سورة الإخلاص، فأطال فيها وذكر مسائل بديعة وجميلة جداً، فأنصح الإخوة بمراجعتها.
وفيه رد أيضاً على المشركين الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عما يقولون.
قالوا: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، (الكفو، والكفؤ) هو الند والمثيل والشبيه، وقد نفى الله عن نفسه أن يكون له كفؤ سواء فيما يتعلق بربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته، فلا مثيل له أبداً، وهذه أيضاً من الصفات السلبية.
стр. 94
إثبات ما وصف الله به نفسه في آية الكرسي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه، حيث يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]].
قوله تعالى: [﴿اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٥]] وهذا سبق أن تحدثنا عنه أنه يتضمن صفة الإله [﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥]]، هي شهادة أن لا إله إلا الله، وهي تفسير لمعنى الإله، وأنه لا إله إلا هو ، فلا معبود ولا محبوب إلا هو .
وقوله: [﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]]: (الحي) اسم من أسماء الله، وهو يتضمن صفة الحياة لله ، وهي من الصفة الذاتية الثابتة له.
و [(القيوم)] يتضمن صفة القيام على الخلق، فهو قيوم السموات والأراضين، وهو القائم على هذه المخلوقات، وهو المدبر لها .
وقوله: [﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]].
هذه من الصفات السلبية، فهو لا ينام، (والسنة) معناها: النعاس، فهو ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] لكمال حياته وكمال قيوميته .
وقوله: [﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥]]، والصفة الموجودة هنا هي الغنى أو الملك، فهو مالك ما في السموات وما في الأرض؛ لأن اللام هنا في قوله (له) للملكية.
وقوله: [﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]] والصفة المأخوذة هنا هي صفة الإذن، وهناك فرق بين الإذن والأذن، فالإذن معناه: الإباحة والسماح، يعني: أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإباحته له ذلك وإذنه له.
وأما الأذن الوارد في قول النبي ﷺ : (ما أَذَن الله لشيء كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن)، فإنه بمعنى الاستماع، يعني: ما استمع لشيء كاستماعه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن.
وبعض الناس فهم من هذا الحديث أنه يتضمن إثبات صفة الأُذن لله، وهناك فرق بين الأَذَن والأُذُن، فالأذن لم يرد في النصوص الشرعية وصف الله بها، وإنما الوارد في هذا الحديث الأَذَن، ومعناه: الاستماع، وهي صفة فعلية.
وقوله: [﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:٢٥٥]]، هذه فيها إثبات صفة العلم، وصفة العلم ثابتة لله ، وهي من أبرز الصفات الذاتية، وهي من الصفات التي يمكن الاستدلال عليها عقلاً، فلو أردت أن تثبت صفة العلم لله لشخص لا يؤمن بالقرآن فلا تأت وتقول له مثلاً: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فإنه يقول لك: أنا لا أثبت القرآن أصلاً.
فتستدل عليه بالمخلوقات، فالمخلوقات الموجودة إن كان يثبت أن الله خالقها فلابد أن يثبت أنه عالم بها؛ لأن الخلق معناه التقدير، والتقدير لابد أن يسبقه علم، ولهذا يقول الله : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
ولو أنك جئت لشخص وقلت له بعد أن طبع هذا الكتاب وصفت حروفه، وقلت: إن هذا يجهل ما في هذا الكتاب، أو إنه ليس عنده علم به، فهل يمكن أن يقتنع أحد بكلامك؟ لا يمكن؛ لأن هذا مخالف للعقل، فالعقل يدل على أنّ خالق الشيء ومدبر الشيء لابد أن يكون عالماً به؛ لأن الخلق فرع عن العلم.
وقوله: [﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]] وهذا أيضاً فيه إثبات صفة العلم الواسع المحيط بكل شيء، فالله وسع علمه كل شيء، وإثبات صفة العلم فيه الرد على الفلاسفة الذين يقولون: إن الله يعلم الكليات فقط وأما الجزئيات فإنه لا يعلمها، وقد كفرهم العلماء، وممن كفرهم أبو حامد الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة)، فإنه كفر الفلاسفة بسبب ثلاث مقالات: المقالة الأولى: قولهم بقدم العالم.
والمقالة الثانية: قولهم بإنكار البعث الجسماني، وقالوا: إن البعث يكون للأرواح فقط ولا يكون للأجسام.
والمقالة الثالثة: إنكارهم لعلم الله بالجزئيات، وقولهم: بأن الله يعلم الكليات فقط وأما الجزئيات فإنه لا يعلمها.
وقوله: [﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] (الكرسي) هنا ليس من صفات الله، وإنما هو من مخلوقات الله، فإضافة الكرسي إلى الله في قوله: ((وسع كرسيه)) إضافة خلق، فإن الإضافة كما سبق أن شرحناها تنقسم إلى قسمين: إضافة أعيان،
стр. 95
إثبات الأول والآخر والظاهر والباطن من أسماء الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]].
وهذه الآية فيها خمس صفات وخمسة أسماء.
قوله: (هو الأول) يتضمن صفة الأولية.
(والآخر) يتضمن صفة الآخرية.
(والظاهر) يتضمن صفة الظاهرية، وهي الفوقية والعلو.
(والباطن) يتضمن صفة الباطنية.
(وهو بكل شيء عليم) يتضمن صفة العلم.
ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)، و (الباطن) هو بمعنى القرب والمعية والعلم بأحوال العباد على التفصيل، والقدرة عليها.
فهو الأول ليس قبله شيء ، والمخلوقات بعده، وهو الآخر فليس بعده شيء، والمخلوقات أنها حتى ولو كان بعضها خالداً في الجنة إلا أن هذا الخلود لا يتم إلا بتخليد الله له، فلا شك أنه قبل كل شيء وبعد كل شيء.
قال المصنف: [وقوله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]].
فيه إثبات صفة الحياة لله ، وقوله: (الذي لا يموت) هذا بيان لها، وقد سبق أن تحدثنا عن صفة الحياة في آية الكرسي.
стр. 96
إثبات صفات العلم والحكمة والخبرة لله تعالى من القرآن
قال المصنف: [وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]].
هذه أسماء لله ، و (العليم) يتضمن صفة العليم، و (الحكيم) يتضمن صفة الحكمة لله .
قال المصنف: [﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]].
هذه تتضمن صفة الحكمة والخبرة أيضاً.
قال المصنف: [﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢]].
وهذه فيها إثبات صفة العلم لله ، وهي من الصفات الذاتية الثابتة له.
قال المصنف: [﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلا هو﴾ [الأنعام:٥٩]].
وهذه فيها إثبات صفة العلم أيضاً.
قال المصنف: [﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]].
وهذا يدل على سعة علم الله ، وأنه لا شيء يمكن أن يكون خارجاً عن علم الله ، فالله عالم بكل شيء على التفصيل.
قال المصنف: [﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]].
وهذه النصوص كلها فيها إثبات صفة العلم، وصفة العلم من أبرز الصفات، وصفة العلم لا ينكرها الأشاعرة، ولا ينكرها المعتزلة، لكن المعتزلة يؤولونها فيقولون: هو عليم، وعلمه هو ذاته، فهم يردون العلم إلى الذات، وبعضهم قد يقول: عليم بلا علم، يعني: ليست هناك صفة اسمها العلم مستقلة عن الذات، لكن يمكن أن تكون الذات عالمة، ولو أنكروا صفة العلم لكفروا، ولهذا كفر السلف أوائل القدرية الذين كانوا يقولون: إن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وقوعها، وقد انقرضت هذه الطائفة.
قال المصنف: [﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الطلاق:١٢]] فيه إثبات صفة القدرة لله .
قال المصنف: [﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]] وفيه إثبات صفة العلم، وقوله: (قد أحاط بكل شيء علماً) فيه رد صريح على الفلاسفة الذين قالوا: إنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات.
قال المصنف: [﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]].
هذه من أسماء الله ، وهي تتضمن صفات، فالرزاق يتضمن صفة الرزق، و (ذو القوة) من أصرح الصفات، و (ذو القوة) أي: صاحب القوة، أي: صاحب هذه الصفة، و (المتين) اسم من أسماء الله يتضمن صفة المتانة، والمتانة صفة ذاتية لله معناها القوة، فالمتين معناه القوي.
стр. 97
الأسئلة
стр. 98
تفسير الإحاطة وهل يحاط يوم القيامة بوجه الله تعالى
السؤال
ما هي الإحاطة، وهل يمكن الإحاطة بوجه الله يوم القيامة؟
الجواب
لا يمكن الإحاطة بالله ولا بصفاته ولا بعلمه، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، والإحاطة معناها الإدراك التفصيلي، ولهذا يقول الله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فنفى الإدراك هنا، وليس هو نفياً للرؤية، فالإدراك معناه: الإحاطة والمعرفة التفصيلية بالمرئي، لكن الرؤية يمكن أن تقع بدون إحاطة، ولهذا أنت ترى السماء ولا تحيط بها؛ لأن السماء كبيرة جداً، إلى درجة أن الإنسان في أي مكان في الأرض يراها، فأنت عندما تنظر إلى السماء وأنت في جدة لست محيطاً بها، فالسماء التي تكون على الأرجنتين لا تدري عنها أنت شيئاً، والسماء التي تكون في العراق لا تدري عنها، والسماء التي تكون في أي بلد من البلدان لم ترها ولم تدرِ عنها، فإذا كان هذا في مخلوق من مخلوقات الله فكيف بصفات الله التي هي أعظم من ذلك.
стр. 99
صفة الرزق ليست هي صفة الغنى
السؤال
ألا نستطيع أن نقول إن صفة الرزق هي نفسها صفة الغنى؟
الجواب
لا، الغنى شيء والرزق شيء آخر، فالغنى يتضمن معنى الملك؛ لأن الغني قد يرزق وقد لا يرزق، وقد يعطي وقد لا يعطي، بينما الرزق يتضمن صفة الكرم والعطاء، وهناك بعض أسماء الله وبعض صفات الله يكون بينها تداخل من حيث المعنى لشمولها، وإن كانت هي منفصلة، ويوصف الله بهذه وبهذه.
стр. 100
جنس العرب أفضل من جنس العجم
السؤال
هل جنس العرب أفضل من جنس العجم؟ وهل هذا عقيدة أهل السنة والجماعة؟ وهل هذه الأفضلية يتعبد بها الإنسان ويؤجر عليها؟
الجواب
لا شك أن العرب أفضل من العجم من حيث الجنس لا من حيث الأفراد؛ فقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ : (إن الله اختار كنانة من ولد إسماعيل)، وولد إسماعيل هم العرب، فاختار كنانة من ولد إسماعيل حتى وصل الاختيار إلى بني هاشم، ثم اختار النبي ﷺ منهم، وبين النبي ﷺ : (أنه خيار من خيار).
فهذا الاختيار الذي بينه النبي ﷺ فيه دليل عن الأفضلية، لكن الأفضلية هنا هي أفضلية الجنس عموماً، وأفضلية الصفات، بينما الأفراد ليست كذلك، فالعرب عموماً أفضل لما فيهم من الأخلاق والآداب والطباع والصفات الجميلة، لكن هذا لا يعني أن كل عربي أفضل من كل عجمي، ولهذا وجد من العلماء ومن السلاطين ومن الصالحين من العجم من هو أفضل بمئات المرات من أشراف مشهورين من العرب.
وهذه قضية ينبغي التنبه لها، فلو أحصينا العلماء العجم لوجدنا منهم أصحاب الكتب الستة تقريباً، ومن السلاطين العجم الذين كان لهم آثار كبيرة جداً: صلاح الدين الأيوبي فهو من الأكراد، والعثمانيون الأتراك كان لهم أثر كبير، خصوصاً الأوائل منهم الذين نشروا العلم، وإن كان بعضهم قد خالطه شيء من التصوف، لكنهم استطاعوا أن ينشروا الإسلام في أوروبا، وأن يؤثروا تأثيراً كبيراً جداً فيها، ونفع الله بهم، ولهذا ينبغي الانتباه لهذه القضية، فلا شك أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، لكن الأفراد كلٌ بحسبه، كما قال الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
وينبغي إدراك قضية أن أفضلية الجنس ليس مرجحاً للإنسان يوم القيامة بأنه يكون أفضل من غيره، لكن الهدف من الحديث عن فضيلة جنس العرب الرد على الشعوبيين، فقد ظهرت حركة قومية عند العرب يطالبون بالوحدة العربية مع اختلاف الأديان ومع اختلاف المذاهب ونحو ذلك، ويواجهون العجم حتى ولو كانوا مسلمين، وظهرت أيضاً في العجم حركة شعوبية تجتمع حول العجم، وتكره العرب وتبغضهم، فهذه كلها من عادات الجاهلية ومن أفكار الجاهلية التي يجب البعد عنها.
стр. 101
حكم عمالة بعض الحكومات الإسلامية مع الكفار
السؤال
ورد في حديث الذبابة: بأن رجلاً دخل الجنة في ذبابة، ورجلاً دخل النار في ذبابة، والمعنى الظاهر من الحديث: أنه من قرب شيئاً لغير الله ولو ذبابة دخل النار، فكيف بمن قرب إلى غير الله قربات كثيرة وليس قرباناً واحداً، ما هو حكم من قرب إلى الكفار فلذة أكباده من المجاهدين، وما زال العدو الكافر يريد المزيد؟
الجواب
ليس هناك ارتباط، فالتقريب في الحديث هو الذبح، والعمالة التي تحصل عند بعض الحكومات الإسلامية في التعاون مع الكفار ضد المسلمين هذه قضية أخرى، فتبحث في مسألة الموالاة والمعاداة.
وأما حديث الذبابة فهو من حيث الصنعة الحديثية فيه ضعف وانقطاع، فإن طارق بن شهاب ليس من الصحابة وإنما هو من التابعين، والحديث على هذا يكون حديثاً ضعيفاً، وأما ما يتعلق بمعاونة الكفار على المسلمين فلا شك أن هذا مذموم، وهو من أعظم نواقض الإسلام والعياذ بالله.
стр. 102
حكم من أعان الكافر على قتل المسلم
السؤال
هل يرتد المسلم إذا أعان كافراً على قتل مسلم أو أسره؟
الجواب
لا شك أن من نواقض الإسلام إعانة الكفار على المسلمين، فإعانة الكفار على المسلمين من الردة، وقد تحدث عنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مظاهرة الكفار على المسلمين، وهي مشهورة تعتبر من الكفر بالله.
لكن ينبغي إدراك أنه ليس كل من يعين الكفار على المسلمين يكون كافراً، فقد يكون مضطراً، فبعض الأحيان لا يكون أمامه إلا هذا الخيار مثلاً، وقد يكون متأولاً، فهناك عدة أعذار يمكن أن تحصل؛ ولهذا ليس هناك تلازم بين كفر الفعل وبين كفر الفاعل، علماً أنه إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع فإنه يكفر، وكثير من الناس مع الأسف لوجود انحراف في حياة المسلمين ووقوع كفريات كثيرة: سواء من عدد من الحكومات أو عدد من الأفراد، وجد توسع في مجال التكفير، فأصبح كثير من الناس عنده أن كل من ارتكب الكفر فهو كافر، فهذا لا يلزم، فقد يرتكب بعض الناس الكفر ويساعد الكفار على المسلمين بنوع من أنواع المساعدة لتأول عنده، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة عندما كتب رسالة إلى أهل مكة يخبرهم فيها بقدوم النبي ﷺ عليهم، وهذا فيه إعانة للكفار، لكنه عندما سأله النبي ﷺ بيّن العذر الذي عنده، فقال: إن لأصحابك أقواماً في مكة يحمون أموالهم وبيوتهم ودورهم وليس لي أحد، فأردت أن يكون لي بها -يعني: بهذه الرسالة- يد عندهم، أي: بحيث إنهم يحمون ما يتعلق بأملاكه في مكة، فمع أن الفعل نفسه كفر إلا أن حاطباً لم يكن كذلك.
فينبغي إدراك هذه القاعدة، وهي قاعدة من أهم القواعد! علماً أن مسائل التكفير فيما يتعلق بالأمور العامة لا يصح أن تكون فردية بالنسبة للأشخاص، خصوصاً الأشخاص الذين يرتبون عليها أعمالاً جهادية، أو أعمالاً -مثلاً- دعوية، أو فتاوى فقهية، فينبغي أن تكون هذه من الأمور التي يتشاور فيها أهل العلم، ويكون رأيهم فيها ظاهراً وواضحاً، حتى لو كان بعض أهل العلم قد لا يستطيع أن يصرح برأيه كاملاً لكن أهل العلم لا يمكن أن يجمعوا على قول باطل وفاسد كما قد يتصور البعض، فينبغي إدراك هذه القضية إدراكاً جيداً.
стр. 103
نصيحة في كيفية التعامل مع الفتن التي تمر بالأمة الإسلامية
السؤال
لا يخفى ما يمر به العالم الإسلامي في هذا الزمان الذي تكالب فيه أعداء الإسلام، فما توجيهكم لنا في مقابل هذه الفتن؟ وما هي الطريقة الصحيحة في التعامل مع ما يعرف بشبكة المعلومات من الأخبار؟
الجواب
أما بالنسبة لما يتعرض له العالم الإسلامي فلا شك أن السنوات الأخيرة حصلت فيها فتن عظيمة في حياة المسلمين وكبيرة، فينبغي في التعامل مع هذه الفتن عدة أمور: الأمر الأول: الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله على فهم السلف، والعناية بطلب العلم وإدراك العلم إدراكاً صحيحاً.
الأمر الثاني: الالتفاف حول أهل العلم، وأن يحرص الإنسان على استفتاء العلماء، وأن يبتعد عن الاجتهاد الفردي، فإن الاجتهاد الفردي يضر به ويضر بالآخرين، فينبغي أن يحرص على أنه إذا مر عليه إشكال في فتنة أن يأتي إلى أهل العلم ويستفتيهم.
ومن أعظم الأخطاء في الحقيقة: وجود بعض الدعاة أو بعض الصالحين الذين يقعون في أعراض أهل العلم، فيتهمون بعضهم بالعمالة، ويتهمون بعضهم بالنفاق، وقد يلعنونهم، وقد يسبونهم ويشتمونهم، وهذا كله -والعياذ بالله- من الغلو ومن الإثم، فينبغي البعد عن هذا الأمر، وأن يحرص الإنسان على احترام أهل العلم وتقديرهم، والحرص على الاجتماع معهم.
وهذا لا يعني أنه إذا أخطأ عالم من العلماء أن يتبعه الإنسان في خطئه، فإذا أخطأ عالم من العلماء فلست ملزماً باتباعه في خطئه، لكن هناك فرق بين أن يرد عليه ولا يتبع، وبين السب والشتم وقلة الأدب مع أهل العلم، لا شك أن هذا مذموم، وأنه ينبغي على الإنسان أن يحرص دائماً على احترام أهل العلم وتقديرهم حتى ولو وقع بعضهم في شيء من الخطأ وشيء من الزلل، فهذا خلق مهم ينبغي أن يكون عند الإنسان خصوصاً مع أهل العلم وأهل الفضل.
الأمر الثالث: أن أحداث الفتن العامة هذه ينبغي أن تكون شورى بين الدعاة والمصلحين عموماً، وأن يبتعد الأشخاص عن الأعمال الفردية التي لا يكون لها فائدة في كثير من الأحيان.
الأمر الرابع: أن يبتعد الإنسان عن الأفكار الشاذة والأفكار التي تكون فيها شيء من الغلو، فليس كل حماس ولا كل موقف شديد يكون صالحاً.
وكثير من الناس مع الأسف يتصور أن بعض الدعاة -مثلاً- ليس لهم موقف، أو أن بعض العلماء ليس لهم موقف قوي من الحكومات، فيفهم من هذا أنهم ليسوا على المستوى المطلوب! وهذا خطأ، فليس قوة الموقف هو المعيار على صحة هذا الموقف أو عدم صحته، فينبغي إدراك هذه القضية إدراكاً جيداً، والمهم في هذا هو أن يحرص الإنسان على اتباع السنة وعلى الحذر من الوقوع في البدع، وعلى البعد عن المتشابهات، فإذا كان عندك أمران: أمر واضح بَيّن وأمر مشتبه فرد المشتبه إلى الواضح البين، وإياك والمتشابهات؛ فإن المتشابهات كثيراً ما تهلك الناس! وأما ما يتعلق بالمعلومات التي تعرض في الإنترنت أو غيرها، فالإنترنت هي عبارة عن حياة مفتوحة يوجد فيها الكذاب، ويوجد فيها الخبيث، ويوجد فيها السيئ، ويوجد فيها أصحاب العقول المستقيمة، ويوجد فيها أصحاب العقول المخرفة والمنحرفة والضالة، ويوجد العاقل والمجنون، وتشمل جميع فئات وأطياف الناس، فينبغي للإنسان أن يكون حذراً وألا يقبل كل شيء، فهناك مواقع مثلاً قد تكون مفيدة لبعض العلماء أو بعض الصالحين المعروفين، فتحترم نفسها وتحسن للناس بتقديم مادة علمية مفيدة، وهناك منتديات يكتبها أشخاص بأسماء وهمية مستعارة لا تعرف، فقد يكتب -كما قلت لكم- شخص نصراني متقمصاً شخصية داعية مجاهد من أحسن الناس، ثم يكتب عن أمور فيها انحراف وخطورة على عقيدة الإنسان، وفي بعض الأحيان قد لا تكون واضحة، ما دام أن الأسماء مجهولة ومستعارة غير معروفة فيصبح بريق الألفاظ وحسن العبارة وتنميق الكلام هو المؤثر في النفس، وأنت ينبغي عليك أن تبتعد عن مثل هذه المصادر، فهذه ليست مصادر موثوقة سواء في الأخبار، أو حتى في بناء المواقف وبناء الأفكار والعقائد، فينبغي الحذر من هذه القضية!
стр. 104
دراسة موضوعية [٦]
صفة السمع والبصر والإرادة والمشيئة والمحبة والمودة والمغفرة والرحمة والرضا والغضب والسخط والكره والمجيء والإتيان، وصفة الوجه واليدين والعينين والفرح والنفس والنزول هذه كلها صفات لله ثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة، فيجب إثباتها لله تعالى كما جاءت على المعنى اللائق بالله تعالى، على وجه لا تشبه به صفات المخلوقين، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
стр. 105
نبذة عن الدروس الموضوعية
اعلم أن هذه الدروس تنقسم إلى قسمين: قراءة وتعليق في (حلية طالب العلم)، والدرس الرسمي والأساسي هو في الكتب الثلاثة المتعلقة بالعقيدة وهي: (حائية ابن أبي داود) وهي منظومة مختصرة في العقيدة تزيد عن ثلاثين بيتاً، و (لمعة الاعتقاد) لـ ابن قدامة المقدسي، و (العقيدة الواسطية) لـ ابن تيمية.
هذه الثلاثة الكتب ندرسها كل يوم سبت، وطريقة الدراسة فيها هي حسب الدارسة الموضوعية، ومعنى الدراسة الموضوعية: أن نقسم هذه الكتب الثلاثة من حيث الموضوعات إلى موضوعات عامة مثل: الصفات، والقدر، والإيمان، والصحابة وغيرها، ثم نأخذ الباب كاملاً ونتحدث عنه بشكل واضح، ثم نقرأ ما يتعلق بهذا الباب في الكتب الثلاثة سوياً وفي مكان واحد، فإذا انتهينا من الباب الأول ننتقل إلى الباب الثاني، وهكذا حتى ننتهي من جميع الأبواب، وقد قسمنا الأبواب في بداية هذه الدروس.
ومازلنا في الباب الأول وهو باب الصفات، وهو باب من الأبواب الطويلة كما تعلمون في مسائل العقيدة، وقد تحدثنا في البداية عن قاعدة أهل السنة والجماعة في الصفات، وكيف أنهم جمعوا بين إثبات الصفات ونفي التمثيل عن الله ، فالله صفاته ثابتة له، وفي نفس الوقت هي ليست مماثلة لصفات المخلوقين.
وبينا أن المأزق الذي وقع فيه نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والرافضة والخوارج وغيرهم هو أنهم لم يستطيعوا فهم كيفية الجمع بين إثبات الصفات ونفي التشبيه، وظنوا أن لازم إثبات الصفات وقوع التشبيه، وأنه لابد أن يكون هناك تشبيه مادام أن هناك إثباتاً، وقلنا: إن هذه القاعدة ليست قاعدة صحيحة، وإنما هي ظنون وأوهام وأهواء، ولهذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يسمون هذه الطوائف: أهل البدع والأهواء؛ لأنهم يتبعون أهواءهم ولا يتبعون هدي الكتاب والسنة بشكل متجرد وواضح في هذا الباب.
وسبق أيضاً أن بينا الأصول العقلية التي من أجلها نفى أهل البدع صفات الله ، وقلنا: إن هذه الأصول العقلية تعود إلى دليل حدوث الأجسام، وهو الدليل الذي استدلوا به على وجود الله .
والأصل الثاني هو: دليل التركيب، ونفوا بدليل الحدوث الصفات الاختيارية الفعلية، وبالدليل الثاني نفوا الصفات الذاتية، وقالوا: إنها تستلزم التركيب.
ومن الأصول العقلية عندهم: دليل الاختصاص.
ومنها أيضاً: دعوى التشبيه والتمثيل بصفات المخلوقين.
وقد بينا أن هذه الأصول العقلية قد زاحموا بها مفاهيم الكتاب والسنة، وبدءوا يؤولون النصوص ويحرفونها عن مسارها، وأحسنهم حالاً من فوض أمرها إلى الله، لكنه فرغها من معناها ومفهومها، الشرعي الذي جاءت به.
وسبق أن تحدثنا عن هذه القضايا بشكل مفصل، وقلنا في الدرس الماضي: إن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قدامة رحمهما الله تعالى تحدثا عن الصفات، وقسمنا الكلام في الصفات إلى قسمين: صفات يمكن أن نسميها صفات كبرى، أو الصفات المشهورة، وهذه تقريباً أبرز أنواع الصفات وهي ثلاث: صفة النزول، وصفة العلو والمعية، وصفة الكلام، فهذه الصفات من أبرز الصفات التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة وبين المعطلة نفاة الصفات، ولهذا سنفرد لقاء كاملاً -وهو اللقاء القادم- في الكلام عن هذه الصفات الثلاث بشكل خاص.
وأما بقية الصفات فإن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قدامة المقدسي رحمهما الله لم يريدا الحديث عنها تفصيلاً، وإنما ذكرا قاعدة، ثم قالا: ومن آيات الصفات: فذكرا مجموعة كبيرة من آيات الصفات.
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن أحاديث الصفات كذا، وهذا الفعل حصل من ابن قدامة المقدسي، وابن قدامة قبل ابن تيمية.
فنبدأ أولاً: (بحلية طالب العلم) كما اعتدنا ثم نعود إلى هذه الكتب:
стр. 106
كيفية التأصيل العلمي لمن هو مشغول بعمل من الأعمال
وقبل أن يقرأ الأخ هناك بعض الإخوة كان يسأل عن مسألة التأصيل العلمي ويقول: إن التأصيل العلمي نحن مقتنعون به اقتناعاً تاماً، لكن كثيراً منا موظف مثلاً، أو مرتبط بأعمال، أو يكون لديه ظروف ولا يحصل لديه إلا وقت معين ومحدود للقراءة والاطلاع، فكيف يتم التأصيل في هذه الحال.
و
الجواب
أن مسألة التأصيل ليست راجعة لوظيفة الإنسان وليست راجعة لكون الإنسان متفرغاً أو غير متفرغ، وليست راجعة لكون الإنسان عنده أشغال أو ليست عنده أشغال، فلو أنك تعطي العلم كل يوم ساعة واحدة، فيمكن لك أن تؤصل نفسك تأصيلاً علمياً، فأظن أن ساعة واحدة كفيلة بأن تخرج منه طالب علم ممتاز، لكن بشرطين: الشرط الأول: الصبر.
والشرط الثاني: الاستمرار.
فلابد من الصبر والاستمرار؛ لأنه إذا لم يكن هناك صبر فسيضعف الإنسان، وإذا لم يكن هناك استمرار فسينقطع المرء، فبعد مجموعة من الشهور أو بعد سنة أو سنتين سينقطع، وينسى كل ما حفظه أو درسه خلال هذه الفترة، ويتصور أن الإنسان يمكنه أن يعطي ساعتين في اليوم للعلم، فإذا كان عنده قدرة أن يعطي ساعتين في اليوم لطلب العلم فإنها تصير في الأسبوع أربع عشرة ساعة، فتستطيع في هذا الزمن أن تؤدي أعمالاً كثيرة جداً، ويمكن أن تقسمها إلى ثلاثة أقسام: قسم تجعله للحفظ، وقسم تجعله للدراسة والفهم، ومعنى الدراسة: التدقيق في المسائل التي أنت تدرسها، وقسم تجعله للتثقيف والاطلاع.
فالأربع عشرة ساعة هذه التي قسمناها على ثلاثة تصير أربع ساعات وكسور في الأسبوع للحفظ، فستجعلك تحفظ شيئاً كبيراً.
وأهم شيء هو أن الإنسان لا يمل ولا يستعجل، فلنفترض أن الإنسان سيبدأ يدرس في الفقه مثلاً، فأخذ كتاباً مثل (بلوغ المرام)، وفيه أكثر من ألف وخمسمائة حديث، فلو أنك في كل يوم تحفظ وتفهم ثلاثة أحاديث أو حديثين فسيجتمع لك في الأسبوع أربعة عشر حديثاً، وفي الشهر اثنان وأربعون حديثاً، وفي عشرة أشهر أربعمائة وعشرون حديثاً، وهذا تقريباً ثلث الكتاب، فحفظ ثلث الكتاب في عشرة أشهر ليس أمراً هيناً، فأهم شيء هو أن تحفظ وتضبط وتراجع، بحيث إنه يستمر العلم معك.
نفترض أنك بدأت في شهر محرم، فإذا انتهيت من شهر محرم وجئت إلى محفوظ شهر صفر فلا تنس شهر محرم، ولابد أن تراجعه، والمراجعة أسهل من الدرس الجديد؛ لأنك أصلاً ضابط وتحتاج إلى مراجعة فقط، والمراجعة يمكن أن تحصل لك وأنت في السيارة، وممكن أن تحصل لك وأنت في أي مكان من الأماكن، وممكن أن تحصل لك وأنت ذاهب إلى أداء أي غرض من الأغراض، والمراجعة هي التي ترسخ المحفوظ.
إذاً: خلال ثلاث سنوات ستنتهي بإذن الله من (بلوغ المرام) حفظاً ودراسة، لكن المشكلة هي أن بعض الإخوان لا يصبر أو لا يستمر، فيتحمس الشهر الأول والشهر الثاني، وفي الشهر الثالث ينقطع، أو إذا استمر لا يراجع، فإذا بدأ في شهر محرم لا يجيء شهر رمضان إلا وقد نسي كل الأشهر السابقة، مثل الدروس العلمية الموجودة عندنا الآن، تجد أن الشباب يحضرون هذه الدروس وربما يقيد الواحد منهم كثيراً من المعلومات التي يسمعها، فإذا خرج من المسجد نسي الدرس حتى يأتي الأسبوع القادم، فيأخذ المذكرة ويأتي مرة أخرى إلى الدرس، فبهذه الطريقة لن يستطيع الإنسان أن يؤصل نفسه علمياً.
فقد جاء أبو حنيفة إلى حماد بن أبي سليمان -وكان فقيهاً مشهوراً بالكوفة- فسأله عن طلب العلم، قال: احفظ كل يوم مسألة أو قال مسألتين أو ثلاث مسائل سيحصل لك بعد زمن علم كثير.
وصدق! فلو حفظت كل يوم مسألة فسيحصل لك بعد سنة أكثر من ثلاثمائة مسألة، وهذا ليس أمراً هيناً، فإذا كان هذا خلال عشر سنوات فسيحصل لك ثلاثة آلاف وستمائة مسألة، فأهم شيء هو أن يكون ضبطك مستمراً لمحفوظك ولمسائلك العلمية، ويكون في نفس الوقت عندك صبر وجلد، وتعود نفسك على ألا تسأم ولا تمل، فالسأم والملل لا يمكن أن يكونا رفيقين لطالب العلم، فإذا كان هناك سأم وملل فسينقطع الإنسان.
وبعض الناس تشغله الأمور، فمثلاً: يبدأ في درس فيسمع درساً آخر فينصرف إليه، ثم يسمع عن درس ثالث فيترك هذا الدرس إلى ذاك الدرس، فتجد أنه في العام الواحد لديه ما لا يقل عن أربعة إلى خمسة دروس لكنه لم يكملها ولم يتمها، وحتى لو كان عنده أشرطة فما ضبطها ولا أتمها وهكذا، فبهذه الطريقة التي ذكرتها سيحصل الإنسان خيراً كثيراً وعلماً كثيراً بإذن الله تعالى.
стр. 107
من آداب طالب العلم: التحلي برونق العلم
قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى في كتابه (حلية طالب العلم) في فصل (آداب الطالب في نفسه): [الأدب السابع: التحلي برونق العلم، وحسن السمت، والهدي الصالح؛ من دوام السكينة، والوقار، والخشوع، والتواضع، ولزوم المحجة بعمارة الظاهر والباطن، والتخلي عن نواقضها.
فعن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم.
وعن رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى أنه قال لرجل: حدثنا ولا تحدثنا عن متماوت ولا طعان.
رواهما الخطيب في (الجامع)، وقال: يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب، والعبث، والتبذل في المجالس بالسخف، والضحك، والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح، والإكثار منه، فإنما يستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفه، والذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه فما أوغر منه صدوراً، وجلب الشر فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويزيل المروءة.
انتهى.
وقد قيل: من أكثر من شيء عرف به، فتجنب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك، وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية.
وعن الأحنف بن قيس قال: جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أبغض الرجل يكون وصافاً فرجه وبطنه.
وفي كتاب المحدث الملهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في القضاء: ومن تزين بما ليس فيه شانه الله.
وانظر شرحه لـ ابن القيم ﵀].
نعم، المقصود من هذا الأدب هو أن الإنسان مادام يطلب العلم فلابد أن يتحلى برونق العلم، فللعلم رونق خاص، ولأصحابه وصف خاص يتميزون به، فهم لا يتكلفون، لكنهم في نفس الوقت ليسوا مثل أصحاب الفسق أو أصحاب المجون الذين لا يضبطون كلامهم ولا يضبطون أخلاقياتهم فيما بينهم.
فكثير من الناس قد يتمازحون، لكن التمازح أنواع: فهناك مزاح لطيف يدخل السرور على قلب الإنسان ويحترم فيه الأخ أخاه، وهناك نوع آخر من المزاح يسيء فيه إلى الآخرين، ويكون فيه تبذل وسخف، ويكون فيه قلة أدب، ويكون فيه إساءة إلى الشخص نفسه، ولهذا كم من مزاح انتهى -والعياذ بالله- إلى مشكلات بين الإخوان والأصدقاء، فقد يكون المزاح في بعض الأحيان بالتعيير: إما بالقبائل، أو المناطق، أو بالأشكال، أو الأنساب أو بأي أمر من الأمور.
ولا شك أن لأهل العلم وطلاب العلم أخلاقيات خاصة من حيث الأدب، وحسن السمت مع الآخرين، والبعد عن جرح مشاعرهم، ولهذا فكثير من الناس قد يخرجون في سفر واحد مجموعة فيرجعون أفراداً، يعني: يخرجون خمسة أشخاص أو عشرة أشخاص ثم يرجعون وكل واحد لوحده، أو كل اثنين مع بعض، والسبب أنه لا يحترم بعضهم بعضاً، ولا يقدر بضعهم بعضاً، أو يتجاوزون فيما بينهم فيما يتعلق بالمزاح حتى يصل إلى القطيعة والفرقة والعياذ بالله.
ولهذا على الإنسان أن يحرص غاية الحرص على أن يتحلى برونق العلم، وأن يبتعد عن إحراج إخوانه، فبعض الأحيان قد يتكلم إنسان بكلام، ويكون في كلامه مدخل لإحراجه، فهنا يتميز المتحلي برونق العلم من الشخص الآخر السخيف الذي لا يهمه، فالمتحلي برونق العلم يبتعد عن إحراجه ويبتعد عن إزعاجه، وأما الإنسان الذي ليس فيه شيء من هذه الآداب فإنه سيحرجه، وربما تنقلب مثل هذه الإحراجات إلى سفه وتبذل في النطق ونحو ذلك، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: بعض الأحيان قد يحصل بين الإخوة اختلاف مثلاً في وجهات النظر، فيغضب أحدهم لرأيه، وهنا يبرز رونق العلم وأدب العلم، فإن الإنسان حتى ولو غضب لرأيه فلابد أن يضبط نفسه، وأن يستجيب للدعاء المشهور: اللهم إني أسألك قول كلمة الحق في الرضا والغضب، وبعض الناس يكون وضعه مختلفاً إذا كان راضياً فتجد أنه من أحسن الناس أدباً، ومن أحسن الناس ابتسامة، فإذا غضب انقلب تماماً وأصبح شخصاً آخر، فيكون ممن إذا خاصم فجر، وإذا تكلم كذب، وإذا نطق أسف في النطق ونحو ذلك، وهذا لا شك أنه ليس من أخلاق وآداب طالب العلم، وإنما ينبغي لطالب العلم في أسوأ الحالات التي تمر عليه أن يضبط نفسه، وأن يتحلى بالآداب وحسن الأخلاق في التعامل مع إخوانه جميعاً.
стр. 108
من آداب طالب العلم: التحلي بالمروءة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأدب الثامن: تحل بالمروءة: التحلي بالمروءة، وما يحمل إليها من مكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وتحمل الناس، والأنفة من غير كبرياء، والعزة من غير جبروت، والشهامة في غير عصبية، والحمية في غير جاهلية.
وعليه تنكب خوارم المروءة في طبع أو قول أو عمل، من حرفة مهينة، أو خلة رديئة: كالعجب، والرياء، والبطر، والخيلاء، واحتقار الآخرين، وغشيان مواطن الريب].
المروءة: هي الخلق الذي يكون صاحبه متزناً فيه بين الكبر والأنفة المبالغ فيها، وبين أن يكون الإنسان ذليلاً محتقراً في مهنته، أو في تصرفه، أو في كلامه، أو في علاقاته أو نحو ذلك، فهنا لابد للإنسان أن يضبط تصرفاته، وأن يضبط أخلاقه بمقتضى الوسطية بعيداً عن الكبر باسم الأنفة، وبعيداً عن الإسفاف باسم التواضع، فكل هذه الصفات ليست من المروءة.
стр. 109
من آداب طالب العلم: التمتع بخصال الرجولة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأدب التاسع: التمتع بخصال الرجولة: تمتع بخصال الرجولة من الشجاعة، وشدة البأس في الحق، ومكارم الأخلاق، والبذل في سبيل المعروف حتى تنقطع دونك آمال الرجال.
وعليه فاحذر نواقضها من ضعف الجأش، وقلة الصبر، وضعف المكارم؛ فإنها تهضم العلم، وتقطع اللسان عن قولة الحق، وتأخذ بناصيته إلى خصومة في حالة تلفح بسمومها في وجوه الصالحين من عباده].
المقصود بهذا الأدب هو أن الإنسان يحرص على أن يربي نفسه على أفضل كمالات الرجال: من الشجاعة، وقول الحق في مكانه مع الحكمة، وأيضاً البذل في المعروف، ونجدة المحتاج، ومساعدة من يحتاج إلى المساعدة، ونحو ذلك من الصفات اللائقة، وعكس هذه الخصال فيه تشبه بالأنثى، فيكون الإنسان ضعيفاً رقيقاً، فيكون الإنسان ضعيف الجأش لا يستطيع أن يقول كلمة الحق، ويكون متنعماً إلى درجة أنه لا يتخيل أن هذا النعيم يمكن أن يزول.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يروض نفسه على أسوأ المواقف، وأنتم تعلمون أن العالم مع الأسف يموج ويتغير، فكم من بلاد إسلامية وقعت عليها الحروب، وربما تقع على كثير من الناس في أماكن متعددة، فينبغي للإنسان أن يكون من الرجولة وأن يكون من رباطة الجأش والصدق والتعاون مع إخوانه المسلمين إلى أبعد درجة، وإلا فإنه سيطيش عقله ولا يدري ماذا سيصنع، ونسأل الله أن يرفع ما بهذه الأمة من البلاء.
ونكتفي بهذا القدر!
стр. 110
إثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى
وصلنا في الدرس الماضي إلى إثبات السمع والبصر لله تعالى، وبدأنا بقراءة النصوص الموجودة في (العقيدة الواسطية)؛ لأنها أشمل، وإلا فإن ابن تيمية ألف كتابه (الواسطية) بعد تأليف ابن قدامة (للمعة)؛ لأن ابن تيمية جاء بعد ابن قدامة، فـ ابن قدامة توفي في سنة ستمائة وعشرين، بينما توفي شيخ الإسلام في القرن الذي بعده في سنة سبعمائة وثمانية وعشرين، إذاً فمولد ابن تيمية كان بعد وفاة ابن قدامة بقرابة إحدى وأربعين سنة، فإن ابن تيمية ولد في سنة ستمائة وإحدى وستين وأربعين سنة.
قال ابن تيمية ﵀: [وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]].
والصفات الموجودة هنا ثلاث صفات: الصفة الأولى: هي نفي مماثلة الله للمخلوقين، وهذه الصفة من الصفات السلبية، وهي تتضمن كمال الضد، فالله ليس له شبيه، وهو الكامل من كل وجه.
((وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ))، فيها إثبات السميع والبصير، وهما اسمان لله ، وسبق أن ذكرنا قاعدة وهي: أن كل اسم من أسماء الله فإنه يتضمن صفة من صفاته، فالسميع يتضمن صفة السمع، والبصير يتضمن صفة البصر لله .
وقوله: [﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]]، وهذه مثل السابقة.
следующие страницы →