Полный текст (78 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح القواعد المثلى [١]
إن من أعظم مباحث العقيدة التي عني بها علماء سلف الأمة، والمتعلقة بذات الله جل في علاه وهو مبحث الأسماء والصفات، وهو من أوسع أبواب العقيدة والتي يجب على المسلم أن يحتوي عقله على الاعتقاد الصحيح الذي لا يشوبه أي تشويش أو بدع ضالة، ومن باب الحرص على تسهيل فهم المعتقد السليم للأسماء والصفات قام علماء الأمة الأفذاذ بإنشاء علم عُرف بقواعد الأسماء والصفات.
стр. 2
أهمية العلم الشرعي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أما بعد: فإن للعلم الشرعي أهمية كبرى في الإصلاح، وفي الدعوة إلى الله ، ولهذا أمر الله بالعلم، وحث عليه، وأمر به رسول الله ﷺ وحث عليه، وكان سلف الأمة يتميز بالاهتمام بالعلم، والاشتغال به، والعناية بتحصيله، ونحن أحوج ما نكون إلى العلم الشرعي لا سيّما في مثل هذه الأوقات، وفي مثل هذه الأزمان التي انتشر فيها الفساد العقائدي والأخلاقي إلى درجة كبيرة، فالعناية بالعلم أمر مهم جداً بالنسبة للدعاة إلى الله .
يقول الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩]، ويقول : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]، وروى البخاري عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
فالفقه في الدين علامة على إرادة الله لصاحب العلم الخير، فهو يعلم الإنسان صحة عقيدته وصحة عمله، ويعلمه الأخلاق والآداب الفاضلة، وكذلك يعلمه كيفية تصحيح عقائد الناس، وكيفية تصحيح أعمالهم وأخلاقهم وأهدافهم، والدعوة إذا خلت من العلم فهي دعوة فاشلة وباطلة؛ لأنها ستكون من البدع، وسيدعو صاحبها إلى البدع والضلالات والانحرافات، وكما وقع في تاريخ المسلمين من أشخاص ينتسبون إلى الدعوة، ويشتغلون بها، فلما اشتغلوا بها على غير بصيرة وعلى غير علم شرعي وقعوا في البدع وفي الضلالات.
ولهذا فإن رموز أهل البدع في تاريخ المسلمين كلهم ليسوا من أهل العلم، ولا يعرفون بالاشتغال بالعلم، فمثلاً: من أكبر الطوائف الضالة المنحرفة في تاريخ المسلمين الجهمية، ورأسها هو الجهم بن صفوان، وهو لا يعرف عند أهل العلم بطلب للحديث، ولا بطلب للفقه، ولا العناية ولا اشتغال به، وكذلك أئمة البدع والضلالات على مر العصور لا يعرفون بالعلم، ولا يعرفون باشتغالهم بالعلم واهتمامهم به، ولهذا وقعت منهم هذه البدع، وأصبحوا ضالين مضلين، والعياذ بالله.
ولهذا أخبر النبي ﷺ أنه في آخر الزمان عندما تظهر الفتن في حياة الناس يكون سبب ذلك انتشار وبروز الجهل، وخفاء العلم، ونسيانه عند الناس.
وأول شرك وقع فيه الإنسان كان بسبب نسيان العلم، وظهور الجهل، فوقع الشرك في أول أمة شركية وهم قوم نوح، ثم بعد ذلك جاء التوحيد على يد نوح ﵇، ثم بعد ذلك وقع الشرك، وهكذا حتى جاء نبينا محمد ﷺ وأظهر التوحيد والتزمت به هذه الأمة.
فالعلم الشرعي له أهمية كبرى في الإصلاح، وفي الدعوة إلى الله ، وبين الدعوة وبين العلم ارتباط كبير جداً، وقد عني السلف الصالح رضوان الله عليهم بعلم العقيدة بالذات؛ وسبب ذلك: أن علم العقيدة هو الذي يبنى عليه صحة دين الإنسان، يعني: كونه مسلماً أو غير مسلم، وكونه من أهل الجنة الخالدين فيها، أو من أهل النار الخالدين فيها، وهذا مبني على العقيدة؛ ولهذا اعتنوا بها اعتناء كبيراً، وشرحوها ووضحوها في واقعهم العملي وفي مصنفاتهم التي كتبوها للناس.
стр. 3
جوانب عناية السلف بالعقيدة
وكانت عناية السلف الصالح رضوان الله عليهم بالعقيدة من جانبين: الجانب الأول: هو تصحيح العقيدة.
والجانب الثاني: هو تعميق العقيدة في النفوس.
أما تصحيح العقيدة فهو: إزالة الشوائب التي قد تعلق بها سواءً من أهل البدع والضلالات، أو من تسويلات الشيطان ووساوسه التي يحدثها في نفس الإنسان، ولهذا أوضحوا العقائد وبينوها، وصححوها تصحيحاً واضحاً، وتصحيح السلف رضوان الله عليهم لهذه العقيدة اتخذ مسلكين: المسلك الأول: هو مسلك عرض العقيدة.
والمسلك الثاني: هو مسلك الرد على الطوائف الضالة في العقيدة.
وممن كتب مثلاً في عرض العقيدة وشرحها الإمام اللالكائي ﵀ في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ومنهم عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في كتابه السنة، والبربهاري في كتاب شرح السنة، وعدد كبير من أهل العلم ألفوا كتباً سموها بالسنة، ومن الأئمة المشهورين البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، فقد جعلوا في مصنفاتهم كتباً عن العقائد، مثلاًً: كتاب الإيمان، والرد على الجهمية وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، وكتاب التوحيد والرد على المرجئة والجهمية، وغيرهم ممن أفرد كتباً خاصة بالسنة وبالعقيدة، يشرحون فيها العقيدة الصحيحة، ويوضحونها للناس.
وكذلك صححوا عقائد الناس عن طريق الرد على الفرق الضالة، فهذا الدارمي ﵀ يصنف كتاباً يسميه: الرد على الجهمية، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل ﵀ له كتاب سماه: الرد على الجهمية والزنادقة، وهناك عدد كبير من الأئمة صنفوا في الرد على الجهمية مثل ابن مندة ﵀ فله كتاب في الرد على الجهمية، وبعض الأحيان قد يأخذون علماً من أعلام أهل البدع ويردون عليه، مثل رد الدارمي ﵀ على بشر المريسي الحنفي بالذات، وقد خصوه برد خاص؛ لأنه كان إمام المعتزلة في زمانه، وعن بشر المريسي أخذ ابن أبي دؤاد الذي استطاع أن يقنع المأمون بفكرة خلق القرآن، وحصلت بعد ذلك الفتنة المشهورة والتي هي فتنة خلق القرآن، وامتحن بها أئمة أهل السنة، ونصر الله أئمة أهل السنة، وظفروا على أهل البدع، ومنذ ذلك الوقت أفل نجم المعتزلة فلم يظهر بعدها.
إذاً: هذه الجهة الأولى وهي تصحيح العقيدة.
الجهة الثانية: وهي تعميق العقيدة في النفوس، ومعنى ذلك: العناية والاشتغال بأعمال القلوب مثل: محبة الله ، والخوف منه، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والخشوع ونحو ذلك من أعمال القلوب، وهي من أعظم أعمال الإيمان، وهي من العقيدة؛ لأنه في فترة من الفترات ظن كثير من المنتسبين إلى السنة أن العقيدة هي مجرد عرض لبعض الأفكار في أسماء الله وفي صفاته وفي التوحيد وفي الإيمان، والرد على الفرق الضالة فقط، وظنوا أن هذه هي العقيدة، والعقيدة أشمل وأكبر من ذلك، فالعقيدة تعني: امتثال الاعتقاد الصحيح عملياً، وبناءه في النفس، ثم بعد ذلك إذا وجد ضلال في الاعتقاد فإنه يصحح، وإذا وجدت فرقة ضالة فإنه يرد عليها، والرد على أهل الضلال فرع من العقيدة وليس بأصل، فالأصل هو تعميق العقيدة في النفوس، ولهذا فإن آيات القرآن عنيت عناية كبيرة جداً في الاهتمام بتعميق الاعتقاد في نفوس الناس، فالسور المكية تتحدث كثيراً عن أسماء الله وعن صفاته، وتتحدث عن الإيمان، وعن معسكر أهل الإيمان، وتتحدث عن الكفر، وعن معسكر أهل الكفر، وعن صفات المؤمنين وعن صفات الكفار، وتميز بينهم، ففيها تمييز لصفوف أهل الإيمان وأهل الكفر، فالقرآن الكريم مليء بالعقيدة، بل لا تخلو آية من القرآن إلا وهي مبنية بناءً عقدياً، حتى الآيات التي تتحدث عن الأحكام الفقهية ففي الغالب تنتهي باسم من أسماء الله، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨]، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وحتى الآيات التي في الطلاق، والرجعة، والتي في البيع والشراء، والتي في الأموال، وهكذا نجد أنها تربط الإنسان بالعقيدة، وتبني الأحكام على العقائد، فالعقائد هي الأصول التي يبنى عليها كل شيء، فالأخلاق تنبني على العقائد، وكذلك الأعمال تنبني على العقائد، فالعقائد هي أصل وكل شيء يبنى عليها، ومن قوة المنهج السلفي أنه يربط كل شيء بالعقيدة، ويربط كل حياة الناس بالعقيدة فهو يربط الفقه بالعقيدة، ويربط السلوك والأخلاق بالعقيدة، ويربط السياسة بالعقيدة، ويربط اجتماعهم بالعقيدة، ويربط حياتهم الأسرية بالعقيدة، إذاً فالعقيدة قضية مهمة، ينبغي إدراكها والعناية بها.
والخلاف وقع في باب الأسماء والصفات، بالذات عندما ظهر الجعد بن درهم، وقد ظهرت بوادر لهذا الخلاف في بداية زمن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 4
مقدمة كتاب القواعد المثلى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً.
وبعد: فإن الإيمان بأسماء الله وصفاته أحد أركان الإيمان بالله تعالى، وهي: الإيمان بوجود الله تعالى، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته].
المعلوم أن حديث جبريل المشهور الذي سأل فيه النبي ﷺ عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان كان مما أجاب به عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره)، فبين الشيخ أن موضوع الكتاب هو الإيمان بالله؛ الذي يتضمن التوحيد بأنواعه الثلاثة: الإيمان بربوبية الله، والإيمان بألوهية الله، والإيمان بأسمائه وصفاته.
وذكر الشيخ أنه يتضمن الإيمان بوجود الله ، وقد يفرده البعض وتكون أربعة: الإيمان بوجود الله، وبربوبيته، وبألوهية، وبأسمائه وصفاته، وبعضهم يجعل وجود الله داخل في توحيد الربوبية، فيجعل الإيمان بالله يتضمن ثلاثة أمور: الإيمان بروبية الله، وبألوهية، وبأسمائه وصفاته.
стр. 5
منزلة العلم بأسماء الله وصفاته من الدين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [منزلة العلم بأسماء الله وصفاته من الدين.
وتوحيد الله به أحد أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فمنزلته في الدين عالية وأهميته عظيمة، ولا يمكن لأحد أن يعبد الله على الوجه الأكمل حتى يكون على علم بأسماء الله تعالى وصفاته ليعبده على بصيرة، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وهذا يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
فدعاء المسألة: أن تقدم بين يدي مطلوبك من أسماء الله تعالى ما يكون مناسباً، مثل أن تقول: يا غفور! اغفر لي، ويا رحيم! ارحمني، ويا حفيظ! احفظني، ونحو ذلك.
ودعاء العبادة: أن تتعبد لله تعالى بمقتضى هذه الأسماء، فتقوم بالتوبة إليه؛ لأنه التواب، وتذكره بلسانك؛ لأنه السميع، وتتعبد له بجوارحك؛ لأنه البصير، وتخشاه في السر؛ لأنه اللطيف الخبير وهكذا].
أشار الشيخ في هذه المقدمة إلى أهمية توحيد الأسماء والصفات، وأنه لا يستقيم إيمان الإنسان حتى يؤمن بأسماء الله وصفاته، فإذا لم يؤمن الإنسان بأسماء الله وصفاته لم يؤمن بالله ، وإذا لم يؤمن بالله تعالى فحينئذ لا يكون من أهل الإيمان، ولهذا ينبغي العناية بهذا الباب وللعناية به مبررات كثيرة جداً منها: أن الخلاف الكبير الذي وقع في حياة المسلمين أول ما وقع كان تقريباً في هذا الباب، والجدل الكبير في موضوع الإلهيات كما يسميه البعض هو في موضوع الأسماء والصفات، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أن الأسماء والصفات لها آثار عظيمة جداً على سلوك ودين الإنسان، وعلى آدابه وأخلاقه، ولهذا فالعناية بها لها أهمية كبيرة من ناحية أن الإنسان يتأدب بالآداب التي تتضمنها أسماء الله وصفاته.
стр. 6
سبب تصنيف الكتاب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أجل منزلته هذه، ومن أجل كلام الناس فيه بالحق تارة وبالباطل الناشئ عن الجهل أو التعصب تارة أخرى، أحببت أن أكتب فيه ما تيسر من القواعد راجياً من الله تعالى أن يجعل عملي خالصاً لوجهه موافقاً لمرضاته نافعاً لعباده.
سميته: القواعد المثلى في صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى].
والقواعد التي ذكرها الشيخ على قسمين: قواعد في المسائل، وقواعد في الدلائل؛ لأن العلم في العقيدة يشتمل على المسائل وعلى الدلائل، فالمسائل ذكر قواعد في أسماء الله وصفاته.
والدلائل ذكر قواعد في أدلة الأسماء أدلة الصفات، ثم ختمه في الحديث عن معية الله تعالى، وعن الرد على أهل التأويل من الأشاعرة والماتردية والمعتزلة.
والواجب هو أن يسير الإنسان على منهاج السلف الصالح رضوان الله عليهم في المسائل وفي الدلائل، فإننا مطالبون بأن نوافق سنة الرسول ﷺ في مسائل العقائد، كما أننا مطالبون أيضاً بالاستدلال بمنهاج السلف في العقائد، فليست كل طريقة من طرق الاستدلال صحيحة، فأهل الكلام يستدلون مثلاً على الوحدانية بدليل التمانع، ويستدلون على وجود الله بدليل حدوث الأجسام، ويستدلون على إبطال التسلسل بدليل القطع والتطبيق مثلاً، وعندهم أدلة يستدلون بها، وهي أدلة بدعية، مبتدعة.
والمميز والضابط بين الأدلة السنية، والتي هي على وفق منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، والأدلة البدعية المخالفة لمنهاج السلف هو: أولاً: أن الأدلة السلفية لا تتضمن أموراً تبطل العقيدة، أي: أنها لا تتضمن قواعد، سواء قواعد عقلية، أو غيرها، فهي لا تتضمن قواعد تبطل العقيدة، ولكنها متوافقة ومنسجمة بعضها مع بعض، فالدليل الذي ينص على توحيد الله تجد أنه منسجم مع الدليل الذي يدل على الإيمان، ومنسجم مع الدليل الذي يدل على البعث، ومنسجم مع الدليل الذي في صفات الله، وهكذا تجد الأدلة الشرعية متناسقة يكمل بعضها بعضاً.
لكن الأدلة المبتدعة التي جاء بها أهل الكلام يضرب بعضها بعضاً، ويبطل بعضها بعضاً، وهكذا الباطل، فإنه يحطم بعضه بعضاً، ويكسر بعضه بعضاً، فتجد أن دليل حدوث الأجسام عند المتكلمين يلتزمون فيه نفي صفات الله تعالى، وفناء الجنة والنار، ويلتزمون فيه بعقائد باطلة كثيرة جداً، منها عقائد متعلقة باليوم الآخر، ومنها عقائد متعلقة بأسماء الله وصفاته وهكذا.
ولهذا وضع الشيخ قواعد -كما قلت- في المسائل، ووضع قواعد في الدلائل، وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أهمية الاعتناء بمنهج السلف الصالح رضوان الله عليهم في المسائل وفي الدلائل في أول كتابه: درء تعارض العقل والنقل، فإنه أول ما ذكر قانون الرازي الذي يقدم العقل فيه على النقل، وبين فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الإنسان ينبغي عليه أن يضبط عقيدته في هذين الأمرين.
والحقيقة أن هناك مصادر أخذ منها الشيخ هذه القواعد.
ومصدر الشيخ في فصل: قواعد في أسماء الله تعالى هو كتاب بدائع الفوائد، وأكثر القواعد الموجودة في هذا الفصل مأخوذة من كتاب بدائع الفوائد، لـ ابن قيم الجوزية، ففي المجلد الأول ذكر تقريباً عشرين قاعدة في أسماء الله تعالى، منها هذه القواعد التي ذكرها الشيخ.
стр. 7
قواعد في أسماء الله تعالى
стр. 8
قاعدة: أسماء الله كلها حسنى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القاعدة الأولى: أسماء الله تعالى كلها حسنى، أي: بالغة في الحسن غايته، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠]؛ وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالاً ولا تقديراً].
حسنى على وزن فعلى، وهذه الكلمة تأنيث من أحسن، مثل: كبرى، وصغرى، فهما تأنيث أكبر وأصغر، فإذا كان أصل الفعل هو حسن وأحسن، فإن حسنى هي تابعة لأحسن والذي هو اسم تفضيل يدل على كمال الصفة، فأسماء الله تعالى كلها حسنى، أي: بلغت الغاية في الحسن وفي الجمال وفي الكمال، وقد دل على ذلك أربعة آيات تقريراً من كتاب الله: الآية الأولى: في سورة الأعراف وهي قول الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠].
والآية الثانية هي آية الإسراء وهي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠].
والآية الثالثة هي آية طه وهي قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨].
والآية الرابعة هي آية الحشر وهي آخر آية في السورة وهي قول الله : ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٤].
стр. 9
دلالات وصف أسماء الله بالحسنى
ووصف أسماء الله بالحسنى له دلالات كثيرة، منها: أن أسماء الله تدل كلها على المدح والثناء والتمجيد لله ، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين، وذكره شيخه قبله في نقض التأسيس، وكذلك تدل على أن أسماء الله تتضمن معان جميلة، فكما أنها تدل على المدح والكمال والجلال والتمجيد فهي كذلك تدل على معان جليلة وعظيمة وهي معاني الكمال، وهذه المعاني هي الصفات.
وكل اسم من أسماء الله يدل على معنى، فمثلاً: اسم الله الرحمن يدل على معنى: وهو الرحمة، واسم الله العزيز يدل على معنى: وهي العزة، والعزة غير الرحمة، وكل اسم من أسماء الله يدل على معنى غير المعنى الذي يدل عليه الاسم الآخر، وإن كانت جميع أسماء الله تدل على مسمى واحد وهو الله ، وهذا يدل على أنها أسماء، يعني: إذا كانت أسماء الله كل اسم منها يدل على معنى، وهي كثيرة فالمعاني التي تدل على كمال الله كثيرة ومتعددة، ولهذا سميت حسنى.
وكذلك من الدلالات على أن أسماء الله حسنى: أنه لا يوجد اسم من أسماء الله يتضمن الشر، بل الشر في مفعولاته ، وليس في فعله، وليس في وصفه، وليس في اسمه ، ويمكن أن نذكر مثالاً يدل على ذلك، يقول الله : ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٢ - ١٤]، انظروا في الاسم سمى نفسه الغفور الودود، وهي أسماء الخير والبركة، وفي مفعوله وصفه بأنه شديد، ومثل قول الله : ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]، فالعذاب نتيجة فعله وهي آثار فعله وقد توصف بالألم، وبما فيه ضرر بالنسبة للإنسان أو لغيره، لكن أسماء الله لا يمكن أن ينسب إليها شر بأي وجه من الوجوه.
стр. 10
أمثلة على أسماء الله الحسنى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [مثال ذلك: الحي اسم من أسماء الله تعالى متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال، الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها].
الحي يتضمن كمال الحياة بالنسبة لله ، وهذه الحياة لا يعتريها نقص بأي وجه من الوجوه، فهي ليست مسبوقة بعدم فلا يعتريها النقص، ولا يلحقها زوال.
والمخلوق يمكن تسميته بالحي، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام:٩٥]، فالمخلوق حي لكن حياته ناقصة؛ لأنه سبقها العدم، وسيأتي عليها الفناء، ولأنه يتخللها السِنَة يعني: النعاس، والنوم، فضلاً عما يدخلها من النسيان والغفلة ونحو ذلك من قوادح الحياة، لكن حياة الله كاملة لا يعتريها نقص بأي وجه من الوجوه، فليست مسبوقة بعدم، ولا يلحقها زوال، وليس فيها نسيان، وليس فيها خطأ، وليس فيها نوم، وليس فيها نعاس، بل هو حي حياة دائمة مستمرة ليس لها بداية وليس لها نهاية ، وهذا هو معنى قول الشيخ: (وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومثال آخر: العليم اسم من أسماء الله متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، قال الله تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً، سواء ما يتعلق بأفعاله أو أفعال خلقه، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]، ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن:٤]].
العليم: اسم من أسماء الله تعالى يتضمن صفة من صفاته وهي العلم، فهذا العلم الذي يدل عليه اسمه لا نقص فيه بأي وجه من الوجوه، واسمه العليم لا نقص فيه في أي وجه من الوجوه، وأنه لا يعتريه النسيان، ولا تعتريه غفلة، ولا يعتريه خطأ، وهذا الاسم العظيم الذي هو من أسمائه (العليم) يدل على سعة علمه، وأن هذا العلم ليس علماً محدوداً بشيء، وإنما هو علم محيط بكل شيء، ويستوي في ذلك أفعال عباده وأفعال غيره، فكل شيء يعلمه ، ولهذا فعلم الله لا يمكن أن يحد، وهذا هو وجه الحسن في الاسم؛ لأنه قد يسمى إنسان بعليم لكن كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، وقد يكون الإنسان عنده علم لكن علمه محدود، وربنا هو الذي يعلم كل شيء ، سواء من الأشياء المحسوسة أو غير المحسوسة، والشرعية أو غير الشرعية.
стр. 11
معنى الحسن في أسماء الله تعالى
ويمكن التنبيه إلى عدة أمور تدل على وصف أسماء الله بأنها حسنى: أولاً: أن الأسماء الجامدة التي لا تدل على معان ليست من أسماء الله ؛ لأنها ليست حسنة ولا يتحقق فيها وصف الحسنى، مثل: الموجود، فلا يمكن أن يسمى الله: الموجود حتى ولو كان المعنى صحيح، فلا يسمى به، ولا يمكن أن يكون هذا له اسم؛ والسبب في ذلك: أنه ليس فيه معنى الحسن، وإنما غاية ما فيه أنه شيء موجود.
ولا يسمى الشيء بأي اسم من هذه الأسماء؛ لأنها تتضمن معنى كريماً حسناً، ويدل على هذا أن الأسماء الجامدة ليست من أسماء الله ، فالوصف في الآيات الأربع السابقة وصف لأسماء الله بالحسنى وهذا يدل على أهمية أن تكون أسماء الله موصوفة بهذه الصفة وهي الحسن.
كذلك لا يسمى الله بالاسم الذي يحتمل المدح والذم، مثل: المتكلم، فلا يقال: إن الله هو المتكلم، فالمتكلم ليس اسماً من أسماء الله؛ لأن الكلام قد يكون حسناً وقد يكون سيئاً، وقد يكون ممدوحاً وقد يكون مذموماً، فلا يسمى الله بالاسم الذي يحتمل المدح ويحتمل الذم.
وقد نقد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح الأصفهانية الأشاعرة الذين سموا الله بهذه الأسماء التي لم يسم بها نفسه، وكان من أوجه النقد التي نقدهم من خلالها شيخ الإسلام ﵀: أن هذا الاسم يحتمل المعنى الممدوح على المعنى المذموم، وهذا ينافي الحسن الذي وصف الله به أسماءه، وكذلك ما ورد مقيداً أو مضافاً فإن هذا لا يؤخذ منه اسم من أسماء الله ، ويمكن أن نمثل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فلا يؤخذ من هذه الآية اسم لله وهو المنتقم؛ لأن الوصف هنا وهو قوله: ﴿مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢] مرتبط ومقيد بالمجرمين، لكن إذا قلت: المنتقم بشكل عام احتمل هذا أن يكون منتقماً أيضاً حتى من المؤمنين فلا يصح، وحينئذ سينافي الحسن الوارد في الآيات الأربع.
ومثل قول الله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام:٧٣]، فلا يؤخذ من هذه الآية اسم الله العليم مثلاً أو العالم، لا يؤخذ من هذه الآية تحديداً لكنه يؤخذ من آيات أخرى تدل بشكل أصرح على اسم الله ، فالأسماء التي تأتي مقيدة ومضافة لا يصح أن يؤخذ منها اسم من أسماء الله ، مثل: مجري السحاب، وهازم الأحزاب ونحو ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومثال ذلك: الرحمن اسم من أسماء الله تعالى متضمن للرحمة الكاملة التي قال عنها رسول الله ﷺ : (لله أرحم بعباده من هذه بولدها) يعني: أم صبي وجدته في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته، ومتضمن أيضاً للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمن: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]].
وهذا مثال يدل على أن اسم الله الرحمن اسماً حسناً، وبين الشيخ أوجه تضمنه فقال: (لأنه يدل على الرحمة الكاملة)، ثم وصفها بالأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ عليه، وأنها واسعة، وأن الله أرحم بعباده من الأم بولدها، وهذا لا شك أنه من الغاية في الحسن والجلال والكمال.
стр. 12
الحسن في أسماء الله باعتبار كل اسم على انفراده وجمعه إلى غيره
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال].
أي: أنه يمكن أن يأخذ الإنسان الحسن من اسم الله العليم لوحده، ومن اسمه القدير لوحده، ومن اسمه العزيز لوحده، ومن اسمه الحكيم لوحده، ويتضاعف الحسن عندما تضم بعض الأسماء إلى بعض، مثل: العزيز الحكيم، الغفور الرحيم، الرحمن الرحيم، وهذه الإضافة التي تجدونها في القرآن كانت لحكمة، فهي تدل على معان عظيمة.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ هذه القاعدة في بدائع الفوائد، وقسم أسماء الله إلى أقسام، وذكر من أقسام أسماء الله : أن بعض أسماء الله تشتمل على صفات الكمال مركبة، يعني: ضم صفة معينة مثل اسمه المجيد، يقول: اسم المجيد من أسماء الله لا يدل على كمال في جهة معينة فقط، وإنما يدل على الكمال في كل جهة، ولهذا يعتبر اسم الله المجيد من أعظم الأسماء الواسعة، وقال: ولهذا سمي به عرش الرحمن في قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥] على قراءة الجر، فالمجيد اسم من أسماء العرش؛ وذلك لأن اسمه المجيد يدل على السعة والعرش يدل على السعة، فناسب أن يسمى العرش بالمجيد، وهذا الكلام من أروع الكلام وقد ذكره ابن القيم في بدائع الفوائد في المجلد الأول صفحة مائة وتسعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [مثال ذلك: العزيز الحكيم، فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيراً، فيكون كلاً منها دالاً على الكمال الخاصة الذي يقتضيه وهو العزة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم، والجمع بينهما دال على كمال الآخر، وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته تقتضي ظلماً وزوراً وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيء التصرف، وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل].
يدل هذا على أنه إذا اجتمع اسم العزيز واسم الحكيم فإن اجتماعها يدل على معنى عظيم وكبير وهو عز بحكمه، وحكمة بقوة؛ لأنه قد يكون العزيز في بعض الأحيان ليست لديه حكمه كما ذكر، وكذلك الحكيم وهكذا، ومثله أيضاً السميع البصير، كما قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فإن السميع قد يسمع لكن قد لا يبصر في بعض الأحيان، فقال البصير؛ ولأن البصير قد لا يسمع فوجد السميع، وهكذا يكتمل المعنى بنفس الطريقة التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى.
стр. 13
الأسئلة
стр. 14
عدم وجود مذهب المعتزلة بأصوله الخمسة مع وجود أفكارهم في الفرق الضالة
السؤال
قولك: إن مذهب المعتزلة قد أفل بعد انتهاء المحنة والفتنة، فهل تقصد بهذا أئمتهم، أم أفكارهم، مع أن بعض الكتاب وبعض الحداثيين في زماننا ينتهجون أفكار المعتزلة، وخاصة في تقديم العقل في أمور كثيرة؟
الجواب
أفل نجم المعتزلة بالذات بعد الفتنة في زمن الواثق والمتوكل الذي جاء بعده، كفرقة مستقلة لها أصولها التي تجتمع عليها وهي الأصول الخمسة، والمعتزلة لهم أصول خمسة، وهذه الأصول الخمسة يقال إن من جمعها فهو معتزلي، ومن لم يجمعها لا يكون معتزلياً، فأفلت المعتزلة المجتمعة على هذه الأصول، لكن بقيت الأفكار التي ذابت في معتقدات بعض الفرق، فبقيت أفكارها عند الشيعة الروافض وبقيت أفكارها كذلك عند الخوارج، فأصبح المتأخرون من الشيعة معتزلة في القدر والأسماء والصفات، وكذلك الخوارج أصبحوا معتزلة وما يزالون، أي: ما يزال إلى الآن الشيعة يقولون بمقالات المعتزلة، فكتبهم تقول: إن القرآن مخلوق، ويقولون: إن الله لا يرى يوم القيامة، وينفون القدر، ويقولون بمقالات المعتزلة الأوائل ويستندون إليها، ومن أمثلتهم ابن بابويه القمي في كتابه التوحيد، والمجلسي في بحار الأنوار، والكليني في الكافي وغيرهم من أئمة الشيعة الذين يقولون بمقالات المعتزلة وينفون الصفات جميعها: صفة اليدين، وصفة الوجه، ويقولون بنفس مقالة المعتزلة تماماً، ويحتجون بحججهم التي كانوا يحتجون بها وكذلك الخوارج وبالذات الأباضية أو الإباضية فهم يقولون بمقالات المعتزلة، ويحتجون بأدلتهم، فمثلاً: علي الخليلي مفتي عمان ألف كتاباً سماه: الحق الدامغ، وقد بناه على مسائل المعتزلة، وبناه على أن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى يوم القيامة، وبناه على نفي الصفات، وهو كتاب موجود الآن لمفتي الإباضية في عمان.
وكذلك وجدت أفكار المعتزلة عند أصحاب العقلانية المعاصرة، فأفكارهم موجودة وهي ما يسمونها بحرية الإرادة، وقد صنف بعض المصنفين كتباً مثل: محمود قاسم وغيره من الكتاب الذين لهم كتب عن حرية الإرادة، ويقصدون بذلك نفي القدر، وأن الله لم يكتب الأشياء، ولم يقدرها، وينفون القدر ويقولون بمقالة المعتزلة، ويعتبرون أن المعتزلة أصحاب ثورة تحريرية عن الفكر السلفي الجامد، وما يزال أصحاب المدرسة العصرية على نفس أفكار المعتزلة في تقديم العقل على النقل، لكن المعتزلة كفرقة تؤمن بالأصول الخمسة التي ذكرها أئمتهم لا توجد الآن.
стр. 15
عدم جواز تسمية الله بالشيء
السؤال
قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٩]، أليس فيها دليل على تسميته بالشيء؟
الجواب
هذه ليس فيها دليل على تسميته بالشيء، وغاية ما فيها أنه يجوز أن يخبر عنه بأنه شيء، وهو شيء ليس لا شيء، لكن على وجه الخبر وليس على وجه التسمية؛ لأنه لا يصح أن يسمى الله باسم لا مدح فيه ولا ثناء ولا حسن.
стр. 16
المريد ليس من أسماء الله
السؤال
ذكر ابن القيم اسم المريد كثيراً في كتاب مدارج السالكين، فهل هو اسم من أسماء الله.
الجواب
عندما يذكر ابن القيم اسم المريد فهو لا يقصد به الله، وإنما يقصد به: العبد، أي: الذي يريد ترقية إيمانه، وهي لفظة يقصد بها أصحاب الإرادة، يعني: الذي يريدون تنمية إرادتهم، حينما يقبلون على الأعمال الصالحة.
стр. 17
عدم جواز الذهاب إلى قبر الرسول لطلب الاستغفار منه
السؤال
كيف نجيب على من يستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤] على جواز الذهاب إلى قبر الرسول وسؤاله أن يدعو الله له بالمغفرة؟
الجواب
المقصود باستغفار الرسول في حياته فقط، فيجوز أن يذهبوا إلى الرسول ﷺ فيستغفر لهم في حياته، ويدعو لهم في حياته، لكن بعد أن مات لا يجوز أن يطلب منه؛ لأن كان في حياته يقدر على الاستغفار، ولكنه بعد موته لا يستطيع فلا يسأل الإنسان إلا شيئاً يقدر عليه، وبالذات أنه فصل بيننا وبينه بحياة أخرى، فنحن في الدنيا وهو في البرزخ ﷺ ؛ ولهذا لا يجوز أن يستغاث بالنبي ﷺ ، أو أن يطلب منه عند قبره شيء.
стр. 18
الحكمة من التقسيمات المذكورة في العقيدة
السؤال
ما رأيكم فيمن يقول: ليس شرطاً أن تعبد الله تعالى بهذه التقسيمات التي في العقيدة؛ لأن هذه التقسيمات أحدثها العلماء، وليست من تقسيمات القرآن أو السنة، يقصد بذلك: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، ويقول: إنني أتعبد بما أمرني الله في كتابه وبما أمرني به الرسول ﷺ في سنته دون البحث عن هذه الأقسام؟
الجواب
هذه التقسيمات الموجودة عند أهل العلم هي من باب التقريب لا غير، وهي عبارة عن ترتيب لبعض المعاني الذهنية، ولبعض المسائل العقلية، وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم، وليس فيه خلاف، والعبرة بصحة المعنى وليس العبرة بالألفاظ الموجودة، إلا إذا كانت ألفاظاً مجملة تتضمن معان باطلة فترد، فأنت إذا اعتقدت معناه حتى ولو لم تحفظ التقسيم فاعتقادك سليم وصحيح، وإنما ذكرت هذه الأقسام لتقرب المعلومات للناس.
стр. 19
شرح القواعد المثلى [٢]
من القواعد المثلى: أن أسماء الله الكريم أعلام وأوصاف، لا يستحق غيره أن يسمى بها، فقد حازت على ناصية الحسن، وكمال الجمال، وغاية العظمة جل في علاه، وهناك دلالات لأسماء الله الحسنى، وصفاته العلية، وهي تتضمن أموراً يجب الاطلاع عليها وسبر أغوارها
стр. 20
ذكر ما يطلق على الله تعالى من الأسماء والصفات والأخبار
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمد إمام المتقين وقائد الغر المحجلين.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً إنك أنت العلي الحكيم.
قبل أن نبدأ في دراسة القاعدة الثانية لابد أن نذكر ما يطلق على الله .
فما يطلق على الله ثلاثة أمور: الأول: الاسم.
الثاني: الصفة.
الثالث: الخبر.
وبين هذه الثلاثة الأمور فروق يمكن أن نذكر شيئاً منها.
أما الاسم: فهو ما يدل على ذات الله مع دلالته على صفة الكمال، وكل ما دل على ذات الله ودل على صفة كمال فهو اسم الله .
وأما الصفة: فإنها التي تدل على معنى يقوم بذات الله ، ومن هنا نلاحظ أن الاسم يدل على أمرين، والصفة تدل على أمر واحد.
فالأمران الأولان اللذان يدل عليهما الاسم: دلالته على الذات ودلالته على صفة يحملها هذا الاسم، وأما الصفة فإنها تدل على أمر واحد وهو مجرد الوصف، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن الاسم هو الذي يعبَّد له، فيقال في الرحمن عبد الرحمن، ويقال في العزيز عبد العزيز، ويقال في الكريم عبد الكريم، لكن الصفة لا يعبد لها، فلا يقال في الرحمة مثلاً: عبد الرحمة، ولا يقال: عبد المُلك، وعبد العزة.
ومن جهة أخرى، فالاسم هو العلم في اللغة، والصفة هي المصدر، فمثلاً العزيز علم، وأما العزة فهي المصدر.
وأسماء الله هي الأعلام التي تدل على ذات الله وتتضمن الصفات، فالعزيز والحليم والرحيم تتضمن العزة والحلم والرحمة وهكذا فكل اسم من أسماء الله يتضمن صفة من صفاته.
وأما الخبر فهو ما يطلق على الله بغير توقف، كأن يقال: إن الله واجب الوجود مثلاً، أو إن الله قديم أزلي، وهذه الألفاظ لم ترد في السنة ولم ترد في القرآن، لكن يصح إطلاقها على الله من باب الخبر، ومن هذا الباب يصح ترجمة معاني أسماء الله في أي من الألفاظ السابقة وغيرها، وأهم شيء ألا يدل هذا اللفظ على نقص أو ذم، وإنما يدل على معنى حسن أو على أقل تقدير لا يجوز على معنى سيئ، فيقال مثلاً: الله شيء موجود، ويمكن أن يقال: واجب الوجود، وقد ذكر أهل العلم في ضمن ردودهم على الفرق الضالة ذكر بعض الأمور التي أضافوها إلى الله ولم يرد فيها نص من القرآن أو السنة، لكنهم لم يدرجوها على أنها أسماء من أسماء الله أو على أنها صفات من صفاته، وإنما أضافوها على سبيل الخبر والحكاية، ولهذا هناك قاعدة، وهي أن باب الخبر واسع، وباب الصفات أضيق منه، وباب الأسماء أضيق من باب الصفات.
ومن جملة الفروق بين الأسماء والصفات من جهة وبين الخبر من جهة أخرى، هو أن الأسماء والصفات توقيفية، يعني: مبنية على النص من القرآن ومن السنة، بينما الخبر ليس مبيناً على النص، لكنه مبني على المعنى الصحيح الثابت لله ، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن الاسم يدعى به؛ فيقال: يا عزيز يا كريم، لكن ما يخبر به عن الله لا يدعى به، فلا يقال: يا واجب الوجود مثلاً.
كما أن الأسماء والصفات جميعاً قد بلغت الغاية في الحسن، بينما الأخبار لا يشترط أن تكون حسنة بمعنى: لا يشترط أن تكون أحسن ما يكون من الألفاظ، وإنما أهم شيء أن تدل على المعنى بغير تضمن للنقص وللإساءة، وإنما تدل على المعنى الصحيح، مثل الموجود فيصح أن يحكى عن الله بأنه موجود، بينما كلمة موجود لا تتضمن مدحاً ولا تتضمن معنى حسناً، لكن يصح أن يخبر عن الله بها، ولهذا قد يستغرب بعض طلاب العلم عندما يقرأ كلاماً -مثلاً- لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول فيه إن الله واجب الوجود وإنه قديم أزلي، ويحكي عنه بألفاظ لم ترد في الكتاب والسنة.
وذلك أن باب الأخبار واسع وأهم شيء هو أن يكون المعنى صحيحاً، وفيها ترجمة لأسماء الله ، ويصح ترجمة أسماء الله لغير العرب وتقريب معانيها إلى أفهامهم بألفاظ ليست واردة في القرآن وليست واردة في السنة مادامت دلت على معنى صحيح.
أما القاعدة التي بين أيدينا هي: أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف.
ومصدره فيها كتاب بدائع الفوائد، فقد ذكر ابن القيم نفس هذه القاعدة بألفاظها في بدائع الفوائد المجلد الأول صفحة مائة واثنين وستين.
стр. 21
قاعدة: أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القاعدة الثانية: أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف.
أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد وهو الله ، وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص، فالحي العليم القدير السميع البصير الرحمن الرحيم العزيز الحكيم كلها أسماء لمسمى واحد وهو الله ، لكن معنى الحي غير معنى العليم غير معنى القدير وهكذا].
هذه قاعدة جليلة يؤخذ منها أن كل اسم من أسماء الله يدل على صفة من صفاته، وهذا معنى قولنا: إن أسماء الله مشتقة، فهي مشتقة من معانٍ وهذا من غاية الحسن.
стр. 22
الأدلة على أن أسماء الله تتضمن صفات
هناك دليلان على أن أسماء الله تتضمن صفات: الدليل الأول: أن الله وصف أسماءه بأنها حسنى، ومعنى حسنى: أي أنها تدل على معان حسنى، وتدل على صفات حسنى، والأسماء الجامدة التي لا معاني لها ليست بحسنة، ومن هنا فكل اسم من أسماء الله يتضمن صفة من صفاته، فالدليل على أن أسماء الله تتضمن صفات الله مأخوذ من الآيات الواردة التي سبق أن ذكرناها والتي وصف الله أسماءه بأنها حسنة، مثل قول الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم درء تعارض العقل والنقل.
الدليل الثاني: وقد ذكره المصنف وهو قوله: (وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليها، فإن الإنسان وهو يقرأ أسماء الله في القرآن يقرأ أيضاً صفات لله مطابقة لهذه الأسماء).
ويمكن أن نمثل بمثال ذكره المصنف وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]، فالغفور يتضمن صفة المغفرة، والرحيم يتضمن صفة الرحمة، وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف:٥٨]، يدل على أن الرحيم هو صاحب الرحمة، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة.
ويمكن أن نذكر أمثلة أخرى، منها: أن من أسماء الله القوي العزيز، ويقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، فمن صفاته أنه ذو القوة، ومن أسمائه القوي، فهذا دليل على أن اسمه القوي يتضمن صفته القوة.
وأما العزيز فيقول الله : ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]، فاسمه العزيز يتضمن صفة العزة.
ومن ذلك أيضاً اسمه العليم، ومن صفاته العلم، قال الله : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهذا يدل على أن اسمه العليم يتضمن صفة العلم.
ويقول الله : ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]، وهذا يدل على أن الله اسمه العليم وله صفة متعلقة به وهي العلم.
مثال آخر: البصير من أسماء الله ، وقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: (لو كشفه) أي: لو كشف عن وجهه، (لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، فهذا يدل على أن له بصر، وأنه هو البصير.
وأيضاً القدير اسم من أسماء الله ووصف له، فقد جاء في حديث الاستخارة الثابت في البخاري من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة -إلى أن قال في دعاء الاستخارة- اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك)، فهذا يدل على أن لله قدرة وأنه هو القدير.
وهذه الأدلة التي سقناها تدل على القاعدة التي ذكرها المصنف، وهو: أن كل اسم من أسماء الله يتضمن صفة من صفات الله .
كما ذكر دليلاً ثالثاً، وهو إجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يطلق عليم إلا لمن له علم، ولا يطلق: قدير إلا لمن له قدرة، ولا سميع: إلا لمن له سمع، ولا بصير: إلا لمن له بصر، وهذا أمر أوضح من أن يحتاج إلى دليل.
وهناك دليل واضح أيضاً: وهو أننا نجد في الموجودات مقدورات ومعلومات، وهذه المقدورات تدل على قدرة، وهذه المعلومات تدل على علم، فالمقدورات والمعلومات الموجودة دليل على وجود القدرة والعلم عند الباري ، وأنها مأخوذة من اسمه العليم القدير كما سيأتي إيضاحه وشرحه.
стр. 23
أنواع الصفات التي تتضمنها أسماء الله تعالى
الصفات التي تتضمنها أسماء الله تعالى أربعة أنواع: النوع الأول: ما يرجع إلى صفات معنوية، فالعليم يؤخذ منه صفة معنوية وهي العلم، والقدير والسميع يؤخذ منهما صفة القدرة وصفة السمع وكلاهما صفتان معنويتان.
النوع الثاني: ما يرجع إلى أفعال الله ، فاسمه الخالق يدل على صفة الخلق، واسمه الرازق يدل صفة الرزق وهي من الأفعال، واسمه المحيي المميت يدل على صفة الإحياء والإماتة وهي من أفاعله .
النوع الثالث: ما يرجع إلى التنزيه والتقديس المحض، ومن القواعد أن كل ما دل على تنزيه في أسماء الله أو في صفاته، لابد أن يدل على كمال ضده، وسيأتي إيضاحها وتفصيلها في قواعد الصفات بإذنه تعالى، وهذا مثل القدوس، فإن القدوس هو المنزه عن كل عيب.
والنوع الرابع: هو ما يدل على جملة أوصاف متعددة، وليس له معنى واحد فقط، وإنما يدل على معانٍ متعددة مثل العظيم، فهو العظيم في كل شيء: العظيم في خلقه العظيم في أمره ومثله المجيد، والصمد، ونحو ذلك، وقد شرح ذلك ابن القيم ﵀ في كتابه بدائع الفوائد شرحاً مطولاً.
стр. 24
عقيدة المعتزلة والمعطلة في صفات الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليه كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف:٥٨]، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة، ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: عليم إلا لمن له علم ولا سميع إلا لمن له سمع ولا بصير إلا لمن له بصر، وهذا أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل].
وعقيدة المعتزلة، وأهل التعطيل الذين عطلوا الصفات أن الله تعالى سميع بلا سمع وبصير بلا بصير وعزيز بلا عزة وهكذا، حيث إنهم فرغوا أسماء الله من الصفات، كما ذكر ذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني في كتابه شرح الأصول الخمسة، وقال: إنه يحسن إجراء الأسماء على الله تعالى من غير إذنه، وهذا يدل على أنه يرى أنه يصح أن يطلق على الله أنه السميع وأنه العزيز وأنه الكريم، لكنه يجرد هذه الأسماء من معانيها، ويقولون -أعني المعتزلة-: إن أسماء الله جامدة لا تدل على صفات، فهم يقولون: إنه السميع لكن بدون سمع، وإنه البصير لكن بدون بصر، وإنه الكريم لكن بدون كرم، وإنه العلي لكن بدون علو، وهكذا، فهم يفرغون أسماء الله من مدلولاتها ومعانيها، ويجعلونها أعلاماً محضة لا تدل على صفة، وعقيدتهم ذكرها القاضي عبد الجبار في كتاب المغني في أبواب العدل والتوحيد، وفي كتاب شرح الأصول الخمسة، وقد نسب الشهرستاني في الملل والنحل هذه العقيدة إلى المعتزلة، وكذلك البغدادي في الفرق بين الفرق.
واحتجوا بشبهة ذكرها الشيخ، وهي قوله: وعللوا ذلك بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء، وهذه العلة عليلة بل ميتة بدلالة السمع والعقل على بطلانها).
فهم احتجوا بأن إثبات الصفات يستلزم منه تعدد الواحد وتعدد القدماء، يقول أبو الحسين الخياط في كتابه الانتصار على ابن الراوندي: إذا قلنا: إن الله هو السميع وله سمع فلا يخلو هذا السمع من أمرين: إما أن يكون محدثاً أو يكون قديماً، فإذا كان محدثاً فيلزم حدوث الحوادث في ذاته تعالى، وإذا كان قديماً فليزم تعدد القدماء، حيث إن الإله قديم وصفته قديمة.
وهذا مبطل للتوحيد، ونحن نبطله بدليل الكلام، فهم يقولون: إن إثبات الصفات يستلزم منه تعدد الآلهة، ويظنون بقولنا: الله له سمع أن هذا إله السمع، وإذا قلنا: إن له بصر، قالوا: هذا الإله الثاني، وإذا قلنا: إن له يد قالوا: هذا إله ثالث ورابع وهكذا، ولهذا أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد، وقالوا: وحدانية الله وتوحيده تقتضي نفي الصفات؛ لأنه إذا أثبتنا الصفات فمعنى هذا أننا عددنا الآلهة وجعلناها أكثر من واحد، وهذا لا شك أنه باطل وأنهم ضالين في هذا القول، وهم يرددون أن إثبات الصفات يستلزم إبطال التوحيد، ويقولون: يجب علينا أن نثبت التوحيد لله تعالى، ويظنون أن إثبات التوحيد يستلزم نفي الصفات وردها، وقد شرح ذلك -كما قلت- القاضي عبد الجبار شرحاً مستفيضاً في الأصل الأول من الأصول الخمسة وهو التوحيد، وكلامه باطل، فإن الموصوف في الدنيا يوصف بعدة صفات وهو واحد، أي: الإنسان في الدنيا يوصف بأن له يد وعين، وأنه يسمع ويرى، ويذكر له صفات كثيرة متعددة مع أنه واحد، فلا يتصور أن الإله إذا قلنا: إن له صفات وأن له سمع وبصر وعلم وحكمة وإرادة أنه يلزم من كل صفة من هذه الصفات أن تكون إلهاً مستقلاً، هذا خطأ وضلال وانحراف.
وقد أصابتهم هذه الانحرافات في العقيدة بسبب علاقتهم بالفلاسفة.
والأدلة على بطلان هذه الشبهة أدلة كثيرة من النصوص الشرعية ومن العقل، فأما من النصوص فقد سبق أن بينا أن الله أثبت الصفات لنفسه، وهو أعلم بنفسه ولا يحيطون بعلمه فنسب العلم إليه، ولو كان العلم إلهاً مستقلاً لما نسبه إليه، وكما يقول الله : ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]، ويقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، فأعطى نفسه صفة وهي القوة، والقوة غير العلم، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف:٥٨]، والرحمة غير القوة وغير العلم، ولا يلزم من هذا تعدد الآلهة كما يقولون، وإنما هو إله واحد، وأصل شبهتهم هو دليل الحدوث كما سبق أن ذكرنا أنهم استدلوا على وجود الله بدليل حدوث الأجسام، وحاولوا أن يثبتوا بدليل الحدوث وجود الله ، واستخدموا بذلك طريقة عقلية محددة وهي باطلة، فلما استخدموها التزموا بلوازم، كان من هذه اللوازم أن إثبات الصفة يستلزم تعدد الآلهة، فأخذوا هذه الشبهة من هذا الدليل الذي أرادوا به إثبات وجود الله تعالى.
وكذلك سبق أن بينا أن هذه الشبهة باطلة، والأدلة من القرآن تردها كم
стр. 25
عقيدة الأشاعرة في صفات الله
أما الأشاعرة فإنهم يثبتون أسماء الله تعالى، ويثبتون ما تدل عليه من الصفات إلا الصفات التي لا يثبتونها، فمثلاً: اسم العلي يقولون: إنه يتضمن صفة العلو، لكنهم يؤولون هذه الصفة، ويقولون: إن العلو الذي يتضمنه اسمه العلي هو علو القهر والشرف والمكان، ولا يثبتون علو الذات لله ، فهم لا يرون أن الله مستو على عرشه وعال على خلقه، وكذلك غيرها من الصفات يفرغونها في بعض الأحيان من التوافق، وقد اهتم علماء الأشاعرة في شرح أسماء الله منهم الغزالي في المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ومنهم الفخر الرازي في كتابه لوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات، ومنهم البيهقي في الأسماء والصفات، ومنهم الحليمي في المنهاج في شعب الإيمان، وأكثر الأشاعرة الكلامية عندما يذكرون أسماء الله فإنهم يفسرونها، فهم ليسوا من المعتزلة، فالمعتزلة يرون أن أسماء الله أعلام محضة لا تتضمن شيئاً من الصفات.
وأما الأشاعرة فإنهم يقولون: أسماء الله تتضمن الصفات، ويعنون بذلك الصفات التي يثبتونها هم، وهي الصفات السبع المشهورة: صفة العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام؛ فهذه صفات يثبتونها لله ، لكن إذا دل اسم من الأسماء على معنى لا يثبتونه بل يؤولونه، ويفرغونه من محتواه.
стр. 26
الرد على أهل التعطيل القائلين بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبهذا علم ضلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل التعطيل وقالوا: إن الله تعالى سميع بلا سمع وبصير بلا بصر وعزيز بلا عزة وهكذا، وعللوا ذلك بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء، وهذه العلة عليلة، بل ميتة؛ لدلالة السمع والعقل على بطلانها].
والمقصود بالسمع: أدلة القرآن والسنة، وسميت سمعاً؛ لأنها تتلقى عن طريق السماع، وأدلة القرآن والسنة تنقسم إلى قسمين: أدلة عقلية تتضمن البراهين العقلية.
وأدلة خبرية: تتضمن الخبر المجرد عن الله .
فأصل قوله (بالسمع)، أي: ما ورد عن الله من الخبر عن صفاته، وأبطل هذه العلة أيضاً بالعقل، والذين عطلوا الصفات يعتبرون أنفسهم أرباب المعقولات، وهم في الحقيقة أرباب الجهالات وليس لهم معقولات، ومعقولاتهم هي الأهواء فقط، فإنهم يأتون إلى النصوص ويحرفون معانيها ويعبثون بها، ثم يظنون أن هذا من العقل وهم في الحقيقة أبعد الناس عن العقل، بل هي أهواء وشهوات نفسية تجعلهم يعبثون بالنصوص، ثم يسمونها معقولات، وإنما أهل العقل هم أهل السنة؛ لأنهم وافقوا النصوص، ولا يمكن أبداً أن يكون هناك خلاف بين العقل والشرع؛ لأن صاحب الشريعة هو الله ، والذي خلق العقل هو الله ، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فلا يمكن حدوث تضارب بين شرعه وخبره وبين العقل، إلا أن يكون الخبر ضعيفاً، أو يكون العقل باطلاً، فالعقل الصحيح لا يعارض النقل الصحيح الصريح بأي وجه من الوجوه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أما السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد، فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٢ - ١٦].
وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى:١ - ٥].
ففي هذه الآيات الكريمة أوصاف كثيرة لموصوف واحد ولم يلزم من ثبوتها تعدد القدماء.
وأما العقل: فلأن الصفات ليست ذواتاً بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد].
معنى قوله: (ليست ذواتاً بائنة أي: ليست منفصلة عن الموصوف، وإنما هي صفات متعلقة بالموصوف، فلا يلزم منها ثبوت التعدد كما يظنون.
قال المؤلف ﵀: [وإنما هي من صفات من اتصف بها فهي قائمة به، وكل موجود فلابد له من تعدد صفاته، ففيه صفة الوجود، وكونه واجب الوجود أو ممكن الوجود وكونه عيناً قائماً بنفسه أو وصفاً في غيره].
قوله: (واجب الوجود، وممكن الوجود) هي في الأصل ألفاظ فلسفية، أتى بها الفلاسفة وقسموا ما يمكن، أو ما يتخيل أن يوجد إلى ثلاثة أقسام: واجب الوجود، وممكن الوجود، ومستحيل الوجود.
فواجب الوجود: هو الذي لابد أن يكون ويجب أن يوجد، وهو الإله.
وممكن الوجود: هي المخلوقات، فإن هذه المخلوقات ممكن أن تكون موجودة وممكن ألا تكون موجودة، فقبل مائتين سنة كان بالإمكان ألا نكون وكان بالإمكان أن نكون، فكنا كما أراد الله ، فهذا ما يسمونه ممكن الوجود، أي: أن وجودنا ليس لازماً وإنما هو ممكن وأراده الله فكان.
وأما المستحيل أو ممتنع الوجود: فهو الأمور التي يستحيل وجودها مثل اجتماع النقائض، كاجتماع الحركة والسكون في جسم واحد، فهذا مستحيل، ولا يمكن أن توجد حركة وسكون في جسم واحد، وهذا ما يسمونه ممتنع الوجود، ولهذا ذكرها الشيخ على أنها من الصفات.
стр. 27
الدهر ليس من أسماء الله تعالى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبهذا أيضاً علم أن الدهر ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى، ولأنه اسم للوقت والزمن، قال الله تعالى عن منكري البعث: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، يريدون مرور الليالي والأيام.
فأما قوله ﷺ : (قال الله : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى؛ وذلك أن الذين يسبون الدهر إنما يريدون الزمان الذي هو محل الحوادث لا يريدون الله تعالى، فيكون معنى قوله: (وأنا الدهر) ما فسره بقوله: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بين أنه يقلب الليل والنهار، وهما الدهر ولا يمكن أن يكون المقلِّب بكسر اللام هو المقلَّب بفتحها، وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مراداً به الله تعالى].
أي: أن الدهر ليس اسماً من أسماء الله تعالى؛ فلابد أن تكون أسماؤه حسنى وأن تتضمن معان جليلة، والدهر ليس اسماً حسناً؛ لأنه -كما ذكر الشيخ- اسم للوقت والزمان، واسم لمرور الليالي والأيام، وليس فيه معنى حسناً، ولهذا فالله يقول عن منكري البعث: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] يعني: لا يهلكنا إلا مرور الأيام، فلم ينسبوا الهلاك إلى الله تعالى.
وأما ما يروى عن الله تعالى في الحديث القدسي أنه قال: (يؤذيني ابن آدم: يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، فليس المقصود بقوله: (وأنا الدهر) أن اسمه الدهر؛ لأن الذين يسبون الدهر في الأصل لا يريدون سب الله ، وإنما يريدون سب الأيام والليالي النحسات التي مرت عليهم، وقوله: (وأنا الدهر) يعني: أنه لما خلق الأيام والليالي وهو مبنيها ومدبرها قال: (وأنا الدهر)، ثم فسر ذلك بقوله: (أقلب الليل والنهار)، وسيأتي معنا إن شاء الله جملة من النصوص الشرعية التي استغلها أهل التأويل لمحاولة زعزعة العقيدة الصحيحة وإشغال الناس بهذه النصوص، وسيأتي تفسيرها بإذن الله تعالى.
وهذه القاعدة كان مصدر المصنف فيها هو كتاب التنبيهات السنية في شرح العقيدة الواسطية للشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد، فقد ذكر هذه القاعدة بنفس الطريقة التي ذكرها.
стр. 28
دلالة أسماء الله تعالى على إثبات الاسم والصفة والأثر
وخلاصة هذه القاعدة هي: أن أسماء الله تدل على ثلاثة أمور: الأول: إثبات الاسم لله .
الثاني: إثبات ما تضمنه من الصفة لله .
الثالث: إثبات أثرها ومقتضاها الذي يحصل للناس.
ومن الأشياء اللطيفة التي ذكرها الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله أن أهل العلم أخذوا حكماً فقهياً من أسماء الله وصفاته، وهذا يدل على أن أسماء الله وصفاته لها آثار على الناس، فمثلاً قول الله في قطاع الطرق: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤]، فقوله: ((فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))، يعني: إن وجدتموهم بعد أن تابوا فإن هذا يسقط عنهم الحد، وأن الله قد غفر ذنوبهم وأسقط عنهم الحد.
والمصنف ذكر أن أسماء الله تدل على معان وهي الصفات، ثم ذكر أن الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات متعدية.
وصفات غير متعدية.
ثم قال: إن الصفات المتعدية إذا أُخذت من الأسماء فإن هذه الأسماء تدل على ثلاثة أشياء سابقة الذكر.
وأما الصفات غير المتعدية إذا أخذت من الأسماء فإنها تدل على أمرين فقط: وهو ثبوت الاسم وثبوت الصفة فقط.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور: أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله .
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله .
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.
ولهذا استدل أهل العلم على سقوط الحد عن قطاع الطريق بالتوبة؛ استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤]؛ لأن مقتضى هذين الاسمين أن يكون الله تعالى قد غفر لهم ذنوبهم ورحمهم بإسقاط الحد عنهم.
مثال ذلك: السميع يتضمن إثبات السميع اسماً لله تعالى، وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١].
وإن دلت على وصف غير متعد تضمنت أمرين: أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله .
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنتها لله .
مثال ذلك: الحي يتضمن إثبات الحي اسماً لله ، وإثبات الحياة صفة له].
يلاحظ الآن من كلام الشيخ أنه يقسم أسماء الله إلى قسمين: قسم يتضمن معان متعدية.
وقسم يتضمن معان غير متعدية.
فالمتعدية يكون لها آثار على المخلوقين، فيقول: الأسماء التي لها آثار على المخلوقين وهي المتعدية، تتضمن ثلاثة أمور: إثبات الاسم، وإثبات الصفة، وإثبات الأثر المتعدي على المخلوقين.
وأما الأسماء التي تتضمن معان غير متعدية فلا يؤخذ منها إلا أمرين: الأمر الأول: إثبات الاسم.
والأمر الثاني: إثبات الصفة المأخوذة من هذا الاسم فقط.
وأقول: الصحيح هو أن أسماء الله المتعدية وغير المتعدية تدل على ثلاثة أمور فكل أسماء الله تدل على إثبات الاسم لله، وتدل على إثبات الصفة، وتدل على الآثار، فإنه لا يوجد اسم من أسماء الله تعالى ليس له آثار على الناس، بل كلها لها آثار، وسيأتي معنا إن شاء الله أن الصفات وبالذات الأفعال تنقسم إلى قسمين: أفعال لازمة وأفعال متعدية، فمثل الفعل اللازم الاستواء والرضا والغضب ونحو ذلك من الأفعال اللازمة، وأما الأفعال المتعدية، فهي أفعال الربوبية، مثل: الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، لكن الأسماء عموماً لابد أن يكون لها آثار، وآثارها إما أن تكون آثاراً كونية وإما أن تكون آثاراً إيمانية.
فمثلاً: اسم الخالق يؤخذ منه إثبات اسم الله الخالق ويؤخذ منه إثبات صفة الخلق لله تعالى، ويؤخذ منه إثبات أن الله هو خالق هذه المخلوقات الموجودة، فله أثر من آثار الفعل، ومن آثار الصفة، ومن آثار الاسم.
وأما اسمه الحي الذي ذكر الشيخ أنه يدل على أمرين فإن له أثراً؛ وهو أثر إيماني وجداني، وكل أسماء الله لابد أن يكون لها أثر إيماني وسلوكي على الإنسان، ويدل على ذلك فعل من الأفعال اللازمة التي تأثر بها أحد الصحابة رضوان الله عليهم أثراً كبيراً وهي صفة الضحك، فقد سمع لقيط بن صبرة رسول ﷺ يقول: (يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، فقال: يا رسول الله! أويضحك الرب؟ قال: نعم، قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً) فاستفاد من هذه الصفة -وهي صفة لازمة غير متعدية- أثراً متعدياً لنفسه، ولهذا كل أسماء الله سيكون لها تأثير في النفوس، تأثير إيماني وتأثير كوني في بعض الأحيان، فينبغي الاهتمام بهذه القضية، ولهذا يجتمع في آثار أسماء الله المسلكان اللذان سبق أن ذكرتهما في الدرس الماضي، فمن مسالك السلف رضوان الله عليهم في العقيدة مسلك التصحيح ومسلك التعميم، فمسلك التصحيح يكون بالتالي: أولاً:
стр. 29
قاعدة: دلالة أسماء الله على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن وبالالتزام
القاعدة الرابعة هي أوجه دلالة أسماء الله .
فالدلالة لها ثلاثة أنواع: النوع الأول: دلالة المطابقة.
والنوع الثاني: دلالة التضمن.
والنوع الثالث: دلالة الالتزام.
فأما دلالة المطابقة: فهي دلالة اللفظ على تمام وكمال معناه الذي وضع له، مثل: دلالة البيت على الجدران والسقف، فإذا قلنا: بيت فإنه يدل على وجود الجدران والسقف.
ودلالة التضمن: هو دلالة اللفظ على جزء معناه الذي وضع له، كما لو قلنا: البيت وأردنا السقف فقط، أو قلنا: البيت وأردنا الجدار فقط، فإذا أردنا واحداً منهما فهذا يسمونه المتضمن، يعني: فرداً واحداً من أفراد المعنى الآخر.
ودلالة الالتزام: هي دلالة اللفظ على معنى خارج اللفظ يلزم منه هذا اللفظ.
فإذا قلنا: كلمة السقف مثلاً، فالسقف لا يدخل فيه الحائط فإن الحائط شيء والسقف شيء آخر، لكنه يلزم منه؛ لأنه يتصور وجود سقف لا حائط له يحمله، فهذه هي دلالة الالتزام أو اللزوم.
يمكن أن نستفيد من هذه الدلالات الثلاث في فهم أي لفظ من الألفاظ سواء كانت ألفاظ شرعية أو ألفاظ لغوية، أو أياً من الألفاظ.
ومن هذه الألفاظ: الألفاظ الشرعية فإنها تارة تدل على معنى، وتارة تدل على جزء من معنى، وتارة تدل على أمر خارج المعنى، لكنه لا يكمله، ومن ذلك أسماء الله تعالى، فإن أسماء الله ينطبق عليها هذه الدلالات الثلاث.
مثال ذلك: الخالق -كما ذكر الشيخ- فإنه يدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بدلالة المطابقة؛ لأنه إذا قلنا: خالق فنفهم من هذا ذاتاً وهي الله ، فهذه دلالة المطابقة، وهذا هو المعنى الشامل لكلمة الخالق.
ويمكن أن نأخذ دلالة التضمن من اسمه الخالق وهي صفة الخلق، فعندما يقول لك إنسان: اثبت صفة الخلق لله تعالى، فتقول: إن الخالق اسم من أسمائه، فيقول: بأي دلالة أثبتها، فنقول له: بدلالة التضمن؛ لأنه يتضمن معنى واحداً من معاني أخرى، والمعنى الثاني هو ذات الله .
وأما دلالة اللزوم أو الامتناع فهو أن اسم الله الخالق يدل على صفة العلم والقدرة، فإنه لا يتصور خلق بغير علم وقدرة، فلابد أن يكون هناك علم وقدرة، لكن العلم والقدرة ليست مأخوذة من لفظ الخالق أو من الصفة، وإنما أخذت من معنى يلزم من معنى الخالق، وهذه هي دلالة الالتزام، وقد ذكر الشيخ في هذه القاعدة: أن لازم قول الله وقول رسوله حق، ثم استطرد بعد ذلك وذكر لازم القول عموماً في كلام الناس، هل لازم القول قول لصاحبه أو أنه ليس بقول لصاحبه.
ويمكن أن نذكر كلام ابن القيم ﵀ عن هذه الدلالات في النونية، يقول ﵀: ودلالة الأسماء أنواع ثلا ث كلها معلومة ببيان دلت مطابقة كذاك تضمناً وكذا التزاما واضح البرهان أما مطابقة الدلالة فهي أن الاسم يفهم منه مفهومان ذات الإله وذلك الوصف الذي يشتق منه الاسم بالميزان يعني: يفهم منه معنيان: دلالة المطابقة، وهي ذات الإله، والمعنى الذي هو صفة من صفات الله تعالى.
وهو الوصف الذي يشتق منه الاسم بالميزان.
стр. 30
شرح القواعد المثلى [٣]
أسماء المولى توقيفية، لا مجال للعقل فيها، ولا مكان للمنطق والفلسفة والإدراك البشري والإحساس الآدمي في أي منها؛ وذلك لأنها متعلقة بالذات الإلهية التي لا يعرف كنهها إلا هو جل في علاه.
كما أن أسماءه لا حصر لها، فقد جاء في السنة النبوية ما يدل دلالة قاطعة على ذلك
стр. 31
قاعدة: أسماء الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد: سنتحدث عن القاعدة الخامسة وهي المتعلقة بأسماء الله ، وهل هي توقيفية أم أنه يمكن الاستدلال عليها بالعقل؟ أقول: القاعدة الخامسة هي: أسماء الله توقيفية، أي: لا مصدر لها إلا النصوص الواردة في الكتاب والسنة.
فعقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى هي أنها توقيفية، ولا يمكن أبداً أن يؤخذ اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته إلا عن طريق الكتاب والسنة، فلا دخل للعقل في إثبات اسم من أسماء الله .
والدليل على هذه العقيدة مأخوذ من الشرع وهو الكتاب والسنة والعقل.
أما الشرع فقد دل على أن أسماء الله خبرية، وأنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم في أسماء الله بغير علم، كما قال الله : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
والإنسان إذا سمى الله باسم لم يسم به نفسه من غير دليل شرعي ومن غير خبر عن الصادق ﵊ فإنه دخل في أمر لا علم له به، وحينئذ يدخل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦].
وكذلك يدل على هذا قول الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣].
فإذا أثبت إنسان لله اسماً لم يدل عليه دليل شرعي من القرآن أو من السنة فقد قال على الله بغير علم.
ومن المعقول ما يدل على أنه لا يجوز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه، وهو أن العقل له مجال محدد، وأسماء الله ليست داخلة في مدارك العقل، وبناءً على هذا فإذا تجاوز العقل مداركه للدخول في أمور لا قبل له بها فهذا باطل ممن أدخل نفسه فيه.
وكذلك ثبت أنه لا يجوز أن يسمى الرسول ﷺ بغير اسمه وهو رسول الله ﷺ ، فإذا كان الرسول ﷺ لا يصح أن يسمى بغير اسمه فالله أولى.
فلو أن رجلاً سمى الرسول ﷺ بالبطل مثلاً وهذا لم يرد، ولم يسم رسول الله ﷺ به نفسه فلا شك أن هذا باطل وإن كان معناه صحيح؛ لأن التسمية علم كما سبق أن بينا أن الأسماء أعلام، وإن كان معناها صحيح إلا أنه لا يصح أن يطلق الإنسان شيئاً من الأسماء والصفات على أحد إلا إذا ارتضاه وأقره، وبناءً على هذا فلا يصح لإنسان أن يطلق على الله أسماء والله لم يرضها ولم يقرها.
ومن الأدلة على أن أسماء الله توقيفية أن الأسماء الحسنى من الغيب الذي لا سبيل إلى الوصول إليه إلا بالوحي، ومن المعلوم أن أهل الإسلام تميزوا بإيمانهم بالغيب، ولهذا لا يصح أن يسمي الإنسان الله بغير اسمه إلا بالوحي، كما قال الله في وصف المؤمنين: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣].
فإيمانهم بالغيب ثابت ومستقر، والأسماء الحسنى من الغيب، ولا يمكن كشف هذه الأسماء الحسنى إلا بالوحي، أي: أنه لا يمكن أن يكشف الغيب إلا بالوحي.
ومن الأمور المقررة هو أن هناك فرقاً بين ما يدعى به وبين ما يخبر به عن الله ، فما يدعى الله به هو الأسماء الحسنى، ولا يصح لإنسان أن يدعو الله أو أن يناديه بغير اسمه، كما قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] وقد أخذ المفسرون من هذه الآية أنه لا يصح لأحد أن يسمي الله إلا بما سمى به نفسه.
وأما ما يخبر به عن الله فقد سبق أن بينا أن مجال الخبر أوسع من مجال التسمية والوصف، وأن التسمية والوصف لا يجوز أن يكون إلا بما أخبر به الله وبما أخبر به الرسول ﷺ .
وأما مجال الإخبار العام مثل أن توجد طائفة من الطوائف -تنفي مثلاً- كون الله مستو على عرشه ويقولون: إن الله مخالط للناس، فيأتي إنسان ويخبر عن الله ويقول: الله بائن عن خلقه.
فقوله: بائن عن خلقه.
لم يرد في القرآن والسنة هذه اللفظة بحروفها لكن معناها صحيح ثابت في النصوص، ولا إشكال عليه.
وإذا قال قائل: إن الله قديم أو موجد الوجود، أو أن له ذاتاً، وكل هذه لم ترد بألفاظها في النصوص، فإذا أخبر الإنسان عن الله بها ف
стр. 32
عقيدة المعتزلة والأشاعرة في توقيف أسماء الله
وأما عقيدة المعتزلة فإنهم انقسموا إلى قسمين: معتزلة البصرة، ومعتزلة بغداد.
فأما معتزلة البصرة فقد كانوا يقولون: إنه يصح إجراء الأسماء على الله بمقتضى العدل من غير إذن منه، فإذا تصور الإنسان معنىً شريفاً يصح أن يسمى الله به حتى ولو لم يرد به السمع، أي: لم ترد به النصوص.
ومن أكثر من أشار إلى هذا وسمى الله بأسماء غير لائقة أبو علي الجبائي وهو من معتزلة البصرة، ونص على ذلك القاضي عبد الجبار الهمداني في كتابه شرح الأصول الخمسة، وقال: إنه ثبت عقلاً أنه يصح أن يسمى المخلوق بأسماء إذا كانت معانيها صحيحة، وبناءً على هذا فكذلك الخالق يصح من باب قياس الغائب على الشاهد، كما يقولون.
وهذا الكلام باطل، والسبب في ذلك: أن المخلوق في الواقع لا يصح أن يسمى بغير اسمه، فلو أن رجلاً كان اسمه علياً فسماه رجل محمداً؛ لأنه محمود بين الناس فلا يصح أن يسميه ويناديه: يا محمد! بإجماع العقلاء، والإشكال الذي وقع فيه هؤلاء أنهم لم يفرقوا بين الأسماء وبين الأخبار.
فالأسماء والتي هي الأعلام لا يصح أن يسمى الله باسم منها إلا إذا دل عليه دليل من القرآن أو من السنة؛ لأنها أخبار غيب، والغيب لا يثبت بالعقل، وإنما يثبت بالخبر عنه أو بالسمع.
وبناءً على ذلك فقد خلطوا وصح عندهم أن يسمى الله بأي اسم من الأسماء التي يرونها فسموه بالقديم، وسموه بواجب الوجود، وأطلقوا عليه أنه المتكلم وأنه المريد، وهكذا.
وكل هذه أسماء لم ترد في الكتاب ولا السنة.
وقد سبق أن بينا أن الصفة إذا كانت عامة فهي منقسمة إلى معنى صحيح ومعنى فاسد، ولا يصح أن يؤخذ منها اسم من أسماء الله، فالمريد مثلاً أو وصف الله بالإرادة يمكن أن تكون إرادة خير ويمكن أن تكون إرادة شر فلا يصح أن يؤخذ منها اسم لله وهو المريد؛ وذلك لأمرين: الأمر الأول: عدم ورود اسم المريد في الكتاب والسنة أنه اسماً لله .
والأمر الثاني: أن معناها منقسم إلى معنى حسن ومعنى قبيح، وكما تعلمون أن الله وصف كل أسمائه بأنها حسنى، فقال الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠].
وأما معتزلة بغداد فإنهم قالوا بأن أسماء الله توقيفية فوافقوا بذلك السلف.
أما الأشاعرة فإن جمهورهم قالوا: إن أسماء الله توقيفية، وخالف جمهور الأشاعرة القاضي أبو بكر الباقلاني ووافق المعتزلة البصريين، وقال: يصح أن يسمى الله من غير توقيف، يعني: يصح أن يطلق على الله أسماء لم ترد في الكتاب ولا السنة.
أما إمام الحرمين الجويني -وهو من الأشاعرة- فقد توقف وقال: لا نقول: إنه يصح إطلاق الأسماء على الله من غير توقيف مطلقاً، ولا يصح أيضاً أن نقول: إنه يشترط فيها التوقيف، فنتوقف في هذه المسألة، وقال: إنه ليس عندي دليل في ذلك، وقد ذكر ذلك في كتابه الإرشاد.
والحق هو ما سبق أن بيناه: أن أسماء الله توقيفية لا تؤخذ إلا من النصوص الشرعية فقط.
وقد ذكر السفاريني ﵀ في منظومته أن أسماء الله توقيفية، فقال: لكنها في الحق توقيفية لنا بذا أدلة وفية (لكنها) أي: أسماء الله .
(في الحق) أي: في القول الصحيح.
ثم ذكر ﵀ في الشرح: أن أسماء الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الأسماء التي ورد الإذن بإطلاقها، قال: وقد أجمع أهل السنة على أنه يجوز إطلاقها على الله ؛ لأن الله أذن بذلك.
وهناك أسماء ورد المنع من إطلاقها.
قال: وقد أجمع أهل السنة على أنه لا يجوز إطلاقها على الله .
ثم قال: إن هناك نوعاً ثالثاً من الأسماء وهي الأسماء التي لم يرد إطلاقها، ولم يرد المنع منها.
ثم قال: إن أهل السنة اختلفوا في ذلك، وذكر أنهم على قسمين: جمهور أهل السنة وهم الذين قالوا: إنه يمنع أن يطلق على الله اسماً لم يطلقه على نفسه.
ثم ذكر طائفة سماهم من أهل السنة وقال: إنهم جوزوا أن يطلق على الله اسماً لم يرد المنع منه ولم يرد إثباته.
والحق هو أن السفاريني ﵀ يخلط في مصطلح أهل السنة فيجعل طوائف من الأشاعرة من أهل السنة، وقد ذكر هذا في مقدمة شرحه في لوامع الأنوار.
والواجب هو أن تمحص كلمة أهل السنة، فلا تطلق إلا على المتبعين لآثار الرسول ﷺ في الاعتقاد والعمل.
وأما الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة فإنهم لا يدخلون في السنة بهذا المعنى، وبناءً على ذلك فنقول: إن أهل السنة تنقسم عندهم أسماء الله إلى قسمين: القسم الأول: هو الذي ثبت بالنصوص وحينئذ نطلقها على الله .
ونوع آخر: وهي التي لم ترد في الكتاب ولا السنة سواءً بنفي أو بإثبات وهذا ما نرده ولا نثبته لله ما دام أن الخبر لم يرد من الله ومن الرسول صلى الله
стр. 33
قاعدة: أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين
القاعدة السادسة هي حول أسماء الله ، وهل هي محصورة في عدد معين؟ وإذا كانت محصورة فما هي؟ أو أنها غير محصورة في عدد معين؟ مذهب أهل السنة أن أسماء الله ليست السنة ليست محصورة في عدد معين، ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسأل بكل اسم هو لك سميت به نفسك) -هذه أقسام أسماء الله (سميت به نفسك) هذا أولاً- (أو أنزلته في كتابك) هذا ثانياً، (أو علمته أحداً من خلقك) هذا ثالثاً، (أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، إلى آخر الحديث.
وموضع الشاهد من الحديث هو قوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فإنه يدل على أن هناك أسماء لله في الغيب لم يخبرنا عنها، وبناءً على هذا نقول: إن أسماء الله ليست محصورة بعدد معين.
وهذا الحديث حسنه الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه: نتائج الأفكار في تخريج الأذكار، والحافظ ابن حجر له كتاب خرج فيه أذكار النووي على مجالس وكان يمليها، فحسن هذا الحديث في هذا الكتاب.
لكن ورد عن النبي ﷺ حديث قد يشكل على البعض، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وهو قول الرسول ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة).
وقد يكون الإشكال عند البعض في قوله: (من أحصاها) فقد يفهم منه على أنه بالإمكان أن تحصى أسماء الله ، مع أننا نقول: إن أسماء الله ليست محصورة في عدد معين بحيث يمكن للإنسان أن يحصيها بغير استثناء.
وكما قلنا: إنه لا يمكن إحصاء أسماء الله التي سمى بها نفسه مطلقاً، ويدل على هذا الحديث الذي سبق عندما قال: (واستأثرت به في علم الغيب عندك) فإن قوله هذا يدل على أنه لا يمكن إحصاؤها؛ لأن الغيب لا يمكن إحصاؤه بالنسبة للإنسان، لكن هذا الحديث وهو قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) أورده العلماء ﵏ وأوردوا الإشكال الذي يقع فيه وأجابوا عنه، بل نقل النووي ﵀ اتفاق العلماء على أن هذا الحديث لا يدل على أن أسماء الله محصورة في عدد معين.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن القول بأن أسماء الله ليست محصورة في عدد معين هو قول جمهور العلماء؛ وذلك لأن ابن حزم ﵀ في كتابه المحلى ذكر أن أسماء الله محصورة في عدد معين وهي التسعة والتسعين واستدل بهذا الحديث.
وأما حديث: (من أحصاها دخل الجنة) فإن الإجابة عليه كما ذكرها عدد من أهل العلم ومنهم الإمام النووي في شرح مسلم وفي الأذكار، ومنهم الخطابي ﵀ في شأن الدعاء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مواضع من كتبه.
الجواب عن هذا هو: أن الإحصاء في هذا الحديث هو للتسعة والتسعين اسماً وليس لكل أسماء الله .
فالإحصاء المترتب عليه الجزاء خاص بالتسعة والتسعين، وهذا مثل قول الإنسان: عندي مائة ريال أعددتها للصدقة، وهذا لا يعني أن كل ما يملك هو المائة الريال؛ لأنه من الممكن أن يكون لديه مائة ريال أخرى أعدها لغير الصدقة، لأن هذه المائة مائة معينة أعدها للصدقة.
وكذلك التسعة والتسعون اسماً ليست كل أسماء الله ، لكن هي التي رتب عليها الثواب بدخول الجنة إذا أحصيت.
فذكر العدد لا يعني الحصر، ومثل ذلك عندما يقول إنسان مثلاً: لي زميل وهو فلان، فهذا لا يعني أنه لا زميل له إلا هو.
وبناءً على هذا يكون معنى قول النبي ﷺ : (إن لله تسعاً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) يعني: أن هذه التسعة والتسعين هي التي رتب عليها الثواب بدخول الجنة إذا أحصيت.
وهناك أسماء أخرى لله زيادة على التسعة والتسعين لم يرتب عليها هذا الثواب، ويدل على ذلك عدة أمور، منها الحديث السابق وهو أن هناك أسماء كثيرة استأثر الله بها في علم الغيب، والغيب لا يمكن إحصاؤه.
ويدل على ذلك أيضاً: أن الأسماء الحسنى الواردة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وابن العربي في كتابه العواصم من القواصم.
فالإنسان إذا عد أسماء الله في القرآن وفي السنة يجد أنها أكثر من تسعة وتسعين اسماً.
وطائفة منها اختلف العلماء هل هي أسماء لله أو أنها ليست أسماء، وبناءً على هذا يكون المعنى السابق هو توجيه هذا الحديث الذي ذكرنا.
стр. 34
معنى الإحصاء
بقي أن ننبه على معنى الإحصاء الذي جاء في قول النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة).
وقد جاء في بعض الأحاديث ما يبين معنى الإحصاء، ومنها قوله: (من حفظها دخل الجنة) وهذا اللفظ في البخاري وفي مسلم، وبناءً على هذا فالروايات تفسر بعضها بعضاً، فهذا يدل على أن قوله: (من أحصاها) يعني: من حفظها.
فالحفظ - أي: حفظ التسعة والتسعين اسماً- داخل في معنى الإحصاء.
والإحصاء له عدة معان: أول معنى فيه هو حفظ هذه الأسماء وفهم معانيها، وهذا ما رجحه النووي ﵀ في كتابه شرح صحيح مسلم، وكذلك الخطابي في شأن الدعاء فقد رجح أن المقصود بالإحصاء الحفظ.
وأفضل من رأيتُ ممن تكلم على مسألة الإحصاء هو ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد، فقد ذكر كلاماً محققاً وهو أن الإحصاء شامل لثلاثة أمور: الأمر الأول: الحفظ، ويدل عليها رواية البخاري: (من أحصاها) ورواية مسلم (من حفظها دخل الجنة).
والأمر الثاني: فهم معانيها، ويدل على ذلك أن كلمة (من أحصاها) في اللغة يمكن أن تستخدم لمعنى العقل، فإن العرب تسمي المحصي أو صاحب الحصاة العاقل الذي يعقل الأمور، لأن فيه معنى التدقيق، ولا يدقق إلا من فهم.
والمعنى الثالث: الدعاء بها والتعبد بها، ويدل على ذلك قول الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠].
وقوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، فدعاء المسألة مثل: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، أي: أن يسأل الإنسان ربه بأسمائه ومثل ذلك الرجل الذي دعا وقال: اللهم إنك أنت الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ثم دعا بعد ذلك.
فهذا الدعاء بأسماء الله يسمى دعاء المسألة وهو الطلب.
وأما دعاء العبادة فهو التعبد بمعناها، وهو أنواع: أولها: الإيمان بها، وإثباتها كما أمر الله وكما جاء عن النبي ﷺ .
وثانيها: الاتصاف بما تضمنته من معان إذا أمكن الاتصاف بها، فمثلاً: الله هو الكريم، فيستحب أن يكون الإنسان كريماً، وهو العفو، فيستحب أن يكون الإنسان عفواً، وهو العليم، فينبغي للإنسان أن يهتم بالعلم، وهكذا التعبد لله بما تضمنته أسماؤه إذا أمكن من دعاء العبادة، وهذا الأمر دل عليه ما ثبت في صحيح مسلم من قول النبي ﷺ : (إن الله جميل يحب الجمال)، فأخذوا من هذا الحديث أنه يستحب للإنسان أن يتصف بأسماء الله وبما تدل عليه من المعاني إذا أمكن.
وقولنا: إذا أمكن؛ لأن هناك أسماء لله لا يمكن أن يتصف الإنسان بما تدل عليه من المعاني مثل: الخالق والمتكبر ونحو ذلك، فهناك أسماء تدل على معان خاصة بالله ، لا يمكن أن يتصف بها الإنسان، وإنما يتصف الإنسان بما تدل عليه من المعاني الممكنة مثل الرحمن فيأخذ الإنسان منها صفة الرحمة، وهكذا كثير في أسماء الله .
وهناك أسماء متعددة لهذا النوع من التعبد، أطلقها عدد من المشتغلين بأسماء الله ، وأخطئوا في الإطلاق، فالفلاسفة يقولون: ينبغي على الإنسان أن يتشبه بالله، ولا شك أن هذا استخدام سيء وقبيح.
وبعضهم يقول: إنه ينبغي التخلق بأخلاق الله، وهذا استخدام عند بعض الصوفية وهو استخدام ليس بمناسب.
وبعض من تكلم في هذا الأمر يقول: إنه ينبغي أن يتعبد الإنسان بما تدل عليه معاني أسماء الله ، وأفضلها أن يقول الإنسان الدعاء بمعناه، والدعاء كما سبق ينقسم إلى دعاء المسألة ودعاء العبادة، وحينئذ يكون الإنسان موافقاً للهدي النبوي وللأمر الشرعي.
بقي أن ننبه في هذه القاعدة إلى أمرين مهمين: الأمر الأول: أن هناك أسماء لله تدل على صفة واحدة، مثاله القدير والقادر والمقتدر فكلها مشتقة من صفة واحدة وهي القدرة، وهي ثلاثة أسماء حتى ولو كانت تدل على معنى واحد، ومثل العلي والأعلى والمتعال وهي تدل على معنى العلو: علو الشرف وعلو الذات، وهذه وإن دلت على معنى واحد إلا أنها أيضاً ثلاثة أسماء لله .
الأمر الثاني: هناك أسماء مقترنة، لا يصح أن يطلق واحد منها على الله دون الآخر، مثاله: المعز المذل، أو الرافع الواضع، أو القابض الباسط أو نحو ذلك من الأسماء المقترنة فلا يصح أن يطلق الإنسان واحداً منها دون الآخر لأنه يكمل بعضها بعضاً في المعنى، ولكنهما يعتبران مع هذا اسمان.
وهناك عدد من أهل العلم اجتهدوا في جمع أسماء الله ، واختلفوا في هذه الأسماء، فبعضهم يذكر اسماً من أسماء الله ويقول: إنه اسم ثابت، وبعضهم ينفيه، وخاصة الأسماء التي وردت
стр. 35
الأسئلة
стр. 36
خطأ مقولة: يعلم الله أني فعلت كذا
السؤال
قرأت في إحدى المنشورات الصادرة عن مركز الدعوة والإرشاد أن لفظة يعلم الله أني فعلت كذا أنها خطأ وسبب النهي أنه إذا وقع الأمر خلاف ما قال فإنه يكون قد اتهم الله بالجهل، نرجو توضيح هذا المعنى؟
الجواب
إذا قال الإنسان يعلم الله كذا وكذا فهو يخبر أن الله يعلم ذلك الأمر، فإذا كان الأمر على خلاف ما قال فهذا يدل على أنه نسب لعلم الله شيئاً وهو ليس ثابتاً وإنما هو كذب محض، فلا شك أن هذا أمر مذموم ومنهي عنه.
стр. 37
كتاب الأسماء والصفات للبيهقي على طريقة الأشاعرة
السؤال
هل كتاب البيهقي في الأسماء والصفات على منهج الأشاعرة؟
الجواب
البيهقي ﵀ له كتاب اسمه الاعتقاد بناه على طريقة الأشاعرة، وهو محدث ﵀ إلا أنه في الاعتقاد لا سيما في باب الأسماء والصفات على طريقة الأشاعرة، فكتابه الأسماء والصفات على منهج الأشاعرة لكنه كان يخالفهم في أحيان كثيرة.
стр. 38
الفرق بين دلالة المطابقة والالتزام
السؤال
ما هو الفرق بين التضمن والالتزام؟
الجواب
المطابقة هي دلالة الاسم على معنى واحد فقط من المعاني.
وأما دلالة الالتزام فهي دلالة الاسم على أمر خارج اللفظ، لكن يلزم من هذا اللفظ معنى آخر، مثل اسم الله القدير، فهو يدل على القدرة ويلزم من إثبات القدرة إثبات العلم، ويلزم من إثبات القدرة كذلك إثبات الحياة؛ لأنه لا يتصور أن قديراً ليس بحي، ولا يتصور أن قديراً ليس عنده علم، فهذه من اللوازم، وهذه هي دلالة الالتزام.
стр. 39
اعتقاد أهل السنة في الإخبار عن الله
السؤال
ما هو الاعتقاد الصحيح عند أهل السنة في الإخبار عن الله؟
الجواب
سبق أن بينا أن ما يطلق على الله ثلاثة أنواع: النوع الأول: أسماء الله .
والنوع الثاني: صفات الله .
والنوع الثالث: الإخبار عن الله .
فالإخبار عن الله هو أن يخبر الإنسان عن الله بمعان صحيحة، مثل أن يترجم إنسان معنى اسمه العليم إلى لغة أخرى، فهو يترجمها بكلام لم يرد في القرآن والسنة، لكن المعنى صحيح، فهو يخبر عن الله .
فالإخبار عن الله هو: أن يتحدث الإنسان عن الله بمعنىً صحيح ولا يزعم أن هذا اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته، وإنما هو معنى.
والداعي لأن يخبر الإنسان عن الله بمعان أو بألفاظ لم ترد في القرآن والسنة هو أن هناك فرقاً ضالة تنفي اسماً فيريد أحد أن يثبته فيذكر لفظاً يخبر به عن الله لم يرد في القرآن والسنة، فهم ينفون مثلاً أن يكون الله مستوياً على عرشه ويقولون: إنه مخالط للناس، فنقول: الله ليس مخالطاً للناس وإنما هو بائن عن خلقه، وقولنا: بائن عن خلقه لم يرد في القرآن ولا في السنة لكن معناه صحيح واحتجنا إليه لكي نرد على طائفة مبتدعة.
ويمكن أن يقال: إن الله واجب الوجود وأنه قديم، وأنه أزلي، ونحو ذلك من الأخبار، وهذه الأخبار ليست من أسمائه وليست من صفاته وإنما هي أخبار يخبر بها الإنسان عن الله بمعنى صحيح.
стр. 40
أسماء الرسول ﷺ
السؤال
هل للرسول ﷺ أسماء غير محمد وأحمد؟
الجواب
له أسماء أخرى غير محمد وأحمد، لكن في بعض المصاحف الشامية يذكرون أسماء للرسول ﷺ تقارب تسعة وتسعين اسماً، فيزيد في هذه الأسماء وهذا خطأ، لكن الرسول ﷺ له أسماء أخرى غير محمد وأحمد.
следующие страницы →