Полный текст (172 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح الفتوى الحموية [١]
حاجة الإنسان إلى العقيدة الصحيحة حاجة عظيمة وملحة، بل هي أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب، ولما كان الأمر كذلك كان لابد من أخذ العقيدة من موطنها وهو الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، كما بين ذلك وقعده علماء أهل السنة، ومن ضمن هؤلاء وأجلهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ فإن له العديد من الكتب المصنفة في بيان العقيدة وتوضيحها، ومن تلك الكتب كتاب الفتوى الحموية الكبرى.
стр. 2
حاجة الإنسان إلى العقيدة الصحيحة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم صل على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الحاجة إلى العقيدة الصحيحة حاجة ملحة وعظيمة، وذلك أنه لا حياة للقلب ولا طمأنينة ولا راحة ولا سرور ولا سعادة إلا بصحة العقيدة، وذلك عندما يعرف ربه ومعبوده معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته وأفعاله وعبادته.
وحاجة الإنسان إلى العقيدة حاجة عظيمة، فهو لا يمكن أن ينجو في الآخرة إلا بصحة العقيدة، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥]، ويقول : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
كما أن حاجته النفسية إلى هذا الدين وإلى العقيدة الصحيحة حاجة ضرورية، ولهذا يقول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
وكذلك حاجته الاجتماعية إلى العقيدة الصحيحة حاجة ملحة، فإن الإنسان في هذه الدنيا لا يمكن أن يجتمع، وأن يكون له أعوان وأتباع إلا عندما يكون على عقيدة، والعالم كما تعلمون اليوم تقتسمه المذاهب والأفكار، والفلسفات والمناهج والطرق المختلفة، فلا بد للإنسان أمام هذه الفرق والمذاهب والآراء والمناهج المتعددة المختلفة المتناحرة من موقف صحيح يرضي ربه، ويعطي النفس الإنسانية حاجتها وفطرتها التي فطرها الله عليها.
ولهذا لا بد من دراسة العقيدة، ولا بد من الاعتناء بها، وهي مهمة جداً، وحاجتها تتأكد بالنسبة للداعية إلى الله ، وحاجتها ملحة بالنسبة للمصلحين؛ لأن العقيدة هي أول ما يوصل إلى الله ، وهي أول واجب على المكلف، فإن الله يقول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فبدأ بالعلم، وبدأ من المعلومات بالتوحيد فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، ولهذا لما أرسل النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن قال: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) إلى آخر الحديث.
وورد في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى)، وفي بعض الألفاظ: (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله تعالى)، فالتوحيد والعبادة والإيمان كلها بمعنىً واحد، وهو العقيدة الصحيحة التي أشرنا إلى حاجة الإنسان إليها.
فهذا العالم اليوم يمتلئ بمذاهب متعددة، وأفكار مختلفة، ومناهج وفلسفات متباينة، فلابد للمسلم أمام هذه المذاهب والأفكار والمنهاج أن يكون لديه علم صحيح بالعقيدة، وأن يكون لديه فهم صحيح بها؛ حتى ينجو، وحتى ينجي من استطاع أن ينجيه من هذه الفتن التي تموج كموج البحر، وقد أخبر النبي ﷺ : (أن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة)، ثم قال ﷺ : (كلها في النار إلا واحدة)، فلما بينها النبي ﷺ قال: (هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
стр. 3
مكانة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
ونحن في هذا الدرس سنتحدث -بإذن الله تعالى- عن العقيدة، وعن أعظم أمر من أمور العقيدة وهو أمر الإلوهية، وما يتعلق بالله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وعندما ننظر في المكتبة الإسلامية نجد أن الكتب التي في مجال الاعتقاد كثيرة، وإذا استبعدنا الكتب التي في مجال الاعتقاد على غير منهج السلف رضوان الله عليهم فإننا نجد أن الكتب التي في اعتقاد السلف رضوان الله عليهم كثيرة ومتعددة أيضاً.
ومن أبرز هذه الكتب كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقد تميزت هذه الكتب بما تميز به شيخ الإسلام ﵀ من ناحية القوة العلمية، والقدرات والإمكانات الضخمة التي وهبه الله إياها، والتي سخرها في دراسة العقيدة دراسة صحيحة؛ فقد تميز شيخ الإسلام ﵀ عن غيره من المشتغلين بقضايا الاعتقاد بأنه درس العقيدة دراسة متأنية، ومقارنة في نفس الوقت، فإنه شرح العقيدة السلفية الصحيحة شرحاً مستفيضاً وفي نفس الوقت قارن ذلك وناقش الفرق الضالة مناقشة متأنية أيضاً، ونقد شيخ الإسلام ﵀ تلك الفرق نقداً علمياً دقيقاً يعرفه من اطلع على كتبه.
كما تميزت كتب شيخ الإسلام ﵀ بالقوة في عرض الحق، والجرأة في الرد على الباطل؛ فإنه رحمه الله تعالى كان قوياً في دعوته إلى الحق، وكان صريحاً في مناقشة الفرق الضالة، فهو يناقش أسماء كبيرة لها وجود في حياة المسلمين ولها محبة في حياة المسلمين كبيرة؛ بسبب بعض التأثيرات التي حصلت في بعض العصور المتقدمة على زمنه، ومع هذا لم يتهيب شيخ الإسلام ﵀ من نقد هذه الأقوال، ومن التعرض لتقويم الكتب، وتقويم الشخصيات التي كان لها أثر كبير جداً في حياة المسلمين، فنقد زعماء الأشاعرة، وزعماء الصوفية، وزعماء الفلاسفة، وغيرهم من الفرق الضالة التي انحرفت عن الصراط المستقيم.
كما أن شيخ الإسلام ﵀ يتميز بأنه عالم وداعية ومجاهد في نفس الوقت، فإنه لم يكن عالماً ينظر ويتكلم بالعلم في الجانب النظري فقط، بل كان عالماً وداعية إلى هذا العلم، وكان مجاهداً في نفس الوقت، وهذه الأمور الثلاثة مجتمعة كونت من مؤلفاته عالماً مؤثراً في كل من يقرأ كتبه رحمه الله تعالى؛ فهناك فرق بين العالم الذي يتحدث عن القضية من الناحية النظرية التجريدية فقط، والعالم الذي يخلط ذلك بالجهاد، ويربط ذلك بالحق، وبوجوب الرد على الباطل، وبالدعوة إلى الحق، ولهذا استطاع شيخ الإسلام ﵀ أن يكون مدرسة فذة نادرة، كان من أعلامها ابن قيم الجوزية ﵀، وابن رجب الحنبلي، والمزي وغيرهم من أهل العلم الكبار الذين أثر فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تأثيراً بليغاً وكبيراً.
كما أن كتب شيخ الإسلام ﵀ تميزت بكثرتها وتنوع المادة العلمية الموجودة فيها، فإن المادة العلمية الموجودة في كتب ابن تيمية ﵀ متنوعة وموثقة، فهو ينقل من أصح النسخ التي يتحصل عليها، وهو ﵀ خبير بكتب أهل الكلام، وبكتب الصوفية، وبكتب الفلاسفة، بل إنه كان ﵀ يتقن بعض اللغات الأجنبية، فكان ﵀ يتقن اللغة اللاتينية، وأيضاً يتقن اللغة العبرية، فمن اطلع -مثلاً- على كتابه الجواب الصحيح يدرك أن ابن تيمية ﵀ كان مدركاً، وكان عالماً، وكان مجيداً للغة العبرية التي هي لغة الكتاب المقدس المحرف الذي رد عليه وعلى أتباعه في كتاب الجواب الصحيح.
فتنوع المادة العلمية الموجودة في كتبه ﵀ جعلت من كتبه مادة خصبة لمن أراد القراءة والدراسة والتأمل، ومن هنا فإن دراسة أحد كتب ابن تيمية ﵀ يفيدنا الفوائد المتعددة التي أشرنا إليها.
ونحن لسنا من أهل التعصب لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإن ابن تيمية ﵀ عالم من علماء أهل السنة له مكانته، وله تقديره، وله منزلته، لكن هذا لا يعني أنه لا يخطئ؛ فكل إنسان يخطئ ويصيب، والحق هو الذي ينبغي أن يعلو ولا يعلى عليه، ولا يصح لإنسان أن يستعجل ويتجرأ فينتقد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بدعوى التحرر العلمي، أو بدعوى عدم التقليد، أو بدعوى أننا لسنا متعصبين لـ ابن تيمية، ويكون في نقده مستعجلاً، وغير متأن، فالقاعدة صحيحة، لكن في بعض الأحيان يخطئ بعض الناس في التطبيق.
فإن علماً كشيخ الإسلام ابن تيمية ليس من السهل أن ينقد، وليس من السهل أن يرد عليه، ولا يعني هذا أنه لا يرد عليه، بل كل عالم يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، لكن ينبغي عندما يرد الإنسان أن يرد بمنهج علمي منضبط دقيق متأنٍ بعيد عن الهوى، وهذه الحالة ينبغي أن تكون مع كل عالم من علماء المسلمين، ولا يصح للإنسان أن
стр. 4
نبذة عن كتاب الحموية الكبرى
ومن هنا وقع اختيارنا على هذا الكتاب المهم الذي هو الفتوى الحموية الكبرى، لاسيّما أننا سبق أن درسنا كتاب (العقيدة الواسطية)، وهي معتقد مختصر اشتمل على مجموعة من أبواب العقيدة في الأسماء والصفات، وفي الإيمان، وفي القدر، وفي اليوم الآخر، وفي الغيبيات، وفي النبوات، وفي الصحابة ونحو ذلك من الأبواب العظيمة من أبواب الاعتقاد.
وهذا الكتاب -الفتوى الحموية- يعتبر في سلم التعلم في الدرجة الثانية قبل دراسة شرح العقيدة الطحاوية التي هي من أكبر كتب الاعتقاد تفصيلاً، وليست هي أكبرها، فيوجد كتب أكبر منها، لكن هي من أكبر الكتب التي تدرس دراسة مفصلة في مجال الاعتقاد.
وكما سبق أن أشرنا في درس العقيدة الواسطية: أن كثيراً من الكتب تسمى إما باسم السائل، أو باسم البقعة والمدينة التي جاء منها السؤال، أو باسم الكاتب في بعض الأحيان.
فمثلاً: كتاب العقيدة الواسطية سمي بذلك نسبة إلى القاضي الذي جاء من واسط من العراق وطلب من ابن تيمية ﵀ أن يكتب له ملخصاً في الاعتقاد، فاعتذر في بداية الأمر وقال: الناس كتبوا رسائل في الاعتقاد كثيرة، فقال: لا أريد أن أقرأ أو أحفظ إلا ما تكتبه أنت، فكتب له الرسالة المشهورة التي هي العقيدة الواسطية.
وهذه الرسالة التي هي الفتوى الحموية الكبرى هي عبارة عن جواب كتبه شيخ الإسلام ﵀ لسؤال قدم إليه من حماه، وهي مدينة مشهورة في بلاد الشام وفي شمال سوريا بشكل محدد.
والعقيدة الطحاوية هي نسبة إلى أبي جعفر الطحاوي ﵀، العالم الحنفي المشهور، وهكذا مثلاً كتاب التسعينية، سمي بسبب أنه رد على الأشاعرة في موضوع الكلام النفسي من تسعين وجهاً تقريباً، وهكذا بقية الرسائل التي لـ ابن تيمية ﵀ مثل: الكليلانية، ومثل: شرح العقيدة الأصفهانية، وغيرها من كتبه ﵀، فإنها كانت تسمى في بعض الأحيان باسم البقعة التي جاء منها السؤال، أو باسم السائل، أو باسم المردود عليه، أو نحو ذلك من الأسماء المتعددة.
فهذا إذاً هو سبب تسمية هذا الكتاب بالفتوى الحموية الكبرى، وسبب تسميتها بالكبرى هو أن ابن تيمية ﵀ كتب في بداية الأمر هذه الرسالة مختصرة، ولما حصلت لـ شيخ الإسلام الفتنة التي سنتعرض للكلام عليها -بإذن الله- أضاف بعد ذلك مجموعة من النقول عن السلف رضوان الله عليهم، ومجموعة من النقول عن الأشاعرة والصوفية في موضوع الصفات، فسميت كبرى؛ لأنه انتشر عند الناس نسختان: نسخة بدون هذه النصوص، ونسخة بهذه النصوص، فسميت الأولى التي بدون هذه النصوص الصغرى، وسميت هذه الموجودة بالنصوص الكبرى، هذا ما أفاده الشيخ عبد الرزاق حمزة ﵀ في تحقيقه لهذا الكتاب، وكان رحمه الله تعالى من أوائل من أظهر هذا الكتاب.
أما تاريخ تأليفها فقد أشار إليه المحقق بأنها كانت في سنة ستمائة وثمانية وتسعين هجرية، ورد أنه جاء إلى شيخ الإسلام ﵀ سؤال من حماه يسأل فيه صاحبه عن آيات الصفات، ويسأل عن أحاديث الصفات، وينص على صفة العلو بشكل خاص، فرد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه الرسالة الموجودة والتي انتشرت في الناس انتشاراً كبيراً بعد ذلك.
وشيخ الإسلام ﵀ ولد في سنة ستمائة وواحد وستين فيكون عمر ابن تيمية ﵀ عندما كتب هذه الرسالة سبعة وثلاثين سنة، يعني: دون الأربعين.
стр. 5
ذكر ما جرى لشيخ الإسلام من فتنة بسبب تأليفه الحموية
وهذه الرسالة جرت بسبب تأليفها فتنة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ وذلك بسبب نقده لمناهج المتكلمين ورده عليهم، وبيانه لاضطرابهم وتناقضهم، وشكهم وحيرتهم وضلال منهجهم، فقد رد ﵀ عليهم رداً قوياً ونقدهم نقداً قوياً بكل طوائفهم، سواء أصحاب مذهب التفويض أو مذهب التأويل الذي يجتمع فيه المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، ومن وافقهم من الصوفية والشيعة وغيرهم.
فرد عليهم رداً قوياً، ونقدهم نقداً قوياً حاراً، فغضب عليه الذين كانوا يعظمون مناهج المتكلمين في تلك الفترة، وقد ذكر تلميذه ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى في كتابه العقود الدرية في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ملخصاً لهذه الفتنة التي وقعت، وقد نقلها المحقق في بداية دراسته لهذا الكتاب.
يقول الشيخ ابن عبد الهادي ﵀ في كلامه عن المحنة: إنه -يعني: شيخ الإسلام ﵀ كتب جواباً سئل عنه من حماة في الصفات، فذكر فيه مذهب السلف، ورجحه على مذهب المتكلمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكر أمر المنجمين، واجتمع بـ سيف الدين جاغان في ذلك في حال نيابته بدمشق، وكان شيخ الإسلام ﵀ مشتغلاً بإنكار المنكر عملياً، فكان ينكر على السحرة والكهنة والمشعوذين عملياً، وكان أيضاً ينكر أمر المنجمين عملياً، فاجتمع بأمير دمشق النائب للدولة في تلك الفترة، وقد كانت الدولة في تلك الفترة هي دولة المماليك التي كانت موجودة في بلاد الشام، وفي مصر، وكانت عاصمتها مصر، وذلك بعد سقوط الدولة الفاطمية على أيدي الأيوبيين، وبعد سقوط الدولة الأيوبية على أيدي المماليك، صارت بلاد الشام تابعة لمصر، وصار في بلاد الشام نائب يتبع الحكومة المركزية الموجودة في مصر، فـ شيخ الإسلام ﵀ عندما أنكر أمر المنجمين اجتمع بأمير دمشق ونائبها وهو سيف الدين جاغان، فقام نائب السلطنة -كما يقول ابن عبد الهادي ﵀ وامتثل أمره وقبل قوله، والتمس منه كثرة الاجتماع به، فحصل بسبب ذلك ضيق لبعض المشتغلين بالعلم والقضاء مع ما كان عندهم قبل ذلك من كراهية للشيخ، وتألمهم لظهوره وذكره الحسن، فانضاف شيء إلى أشياء، ولم يجدوا مساغاً إلى الكلام فيه؛ لزهده وعدم إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه، وجودة أجوبته وفتاويه، فعمدوا إلى الكلام في العقيدة؛ لكونهم يرجحون مذهب المتكلمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب، فأخذوا الجواب الذي كتبه، وعملوا عليه أوراقاً في رده، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء واحداً واحداً، وأغروا خواطرهم وحرفوا الكلام وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم حاشاه عن ذلك، وأنه قد أوعز ذلك المذهب إلى أصحابه، وأن العوام قد فسدت عقائدهم بذلك، وسعوا في ذلك سعياً شديداً.
ثم ذكر ابن عبد الهادي ﵀ أن جلال الدين الحنفي قاضي الحنفية وافقهم يومئذ على ذلك، ومشى معهم إلى دار الحديث الأشرفية، وطلب حضور ابن تيمية ﵀، وأرسل إليه فلم يحضر، وأرسل إليه ابن تيمية في
الجواب
إن العقائد ليس أمرها إليك، يعني: إلى القاضي، وإن السلطان إنما ولاك لتحكم بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي، يعني: إذا كنت تعتبر أن هذا منكراً فإن هذا ليس من تخصصك، وليس داخلاً في ولايتك، فوصلت إليه هذه الرسالة، فأغروا خاطره، وشوشوا قلبه، وقالوا: لم يحضر، ورد عليك، فأمر بالنداء على بطلان عقيدته في البلدة؛ لأن القاضي في العادة والٍ، فعندما يأمر ولا يطاع أمره يشعر أن فيه نقصاً، فأمر بالنداء على بطلان عقيدته في البلدة، فنودي في بعض البلد بذلك، لكن سيف الدين جاغان الذي هو نائب السلطان الذي في مصر انتصر للشيخ، وعاقب أولئك معاقبة شديدة جداً، وحاول القبض عليهم، وضربوا كما يذكر ذلك ابن عبد الهادي ﵀.
ثم إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جلس كعادته يوم الجمعة في الجامع، وكان درس ابن تيمية ﵀ بعد صلاة الجمعة، يعني: بعد أن ينتهي خطيب الجامع الأموي، وتنتهي الصلاة يجلس شيخ الإسلام ﵀، ويدرس التفسير، ففسر بعد هذه الفتنة قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وأمر بالحلم، وحث على استعماله، ثم إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اجتمع مع القاضي الشافعي إمام الدين رحمه الله تعالى، وكان هذا القاضي حسن العقيدة، فلما اجتمع به بعض العلماء، وبحثوا معه رسالة ابن تيمية الحموية وطال النقاش حولها، وقرئت من أولها إلى آخرها، وأوضح الشيخ بعض موارد النزاع فيها، وبعض المواضع التي حصل فيها الإشكال، وأقر الحضور بصحة هذه
стр. 6
ذكر طبعات كتاب الحموية
وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات، منها الطبعة الموجودة في المجلد الخامس من مجموع الفتاوى، ومنها طبعة طبعت في كتاب مجموع الرسائل الكبرى الذي طبع في مجلدين، وأيضاًً طبعت في مطبعة المدني بتحقيق محمد عبد الرزاق حمزة وهو من علماء مكة، وممن كان له دور في إنشاء دار الحديث الخيرية في مكة، وطبعت أيضاً مرة أخرى بتحقيق شريف هزاع، وأخيراً: طبعت بتحقيق حمد التويجري حققت في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكل هذه الطبعات يوجد فيها أخطاء في أثناء النسخ في كتابة النص المحقق لـ ابن تيمية ﵀، والطبعات السابقة خدمتها ضعيفة، ومن أقوى الطبعات التي خدمت هذا الكتاب طبعة التويجري، إلا أن طبعة التويجري فيها أخطاء في النص المحقق، وبعضها يظهر أنها أخطاء مطبعية، وبعضها يظهر أنها أخطاء لم يتنبه لها أثناء النسخ، ولهذا تصحح تلك الأخطاء بالمقارنة بين النسخ.
стр. 7
موضوع العقيدة الحموية
بقي أن نتحدث عن موضوع العقيدة الحموية، فما هو الموضوع الذي يتحدث عنه الكتاب؟ الموضوع العام الذي يتحدث عنه الكتاب هو موضوع صفات الله ، وبالذات صفة العلو، والصفات الخبرية، وتعرض ابن تيمية ﵀ للمعطلة ونقدهم، وتعرض أيضاً لنشأة التعطيل.
ولأن هذه الرسالة جواب على سؤال فإن ابن تيمية ﵀ لم يرتب الموضوعات العقدية في هذه الرسالة ترتيباً موضوعياً، فهو لم يحدد موضوعاً ثم يناقشه حتى ينتهي منه ثم ينتقل إلى موضوع آخر بشكل مرتب، لم يحصل هذا لا سيّما وأن ابن تيمية ﵀ في طريقته في الكتابة يتميز بكثرة الاستطرادات، فهو قد يستطرد في بعض الأحيان ويدخل في موضوع، ويتكلم فيه في مائة صفحة ثم يعود مرة أخرى، وقد لاحظت هذا في كتابه: درء تعارض العقل والنقل، فإنه في المجلد الأول -مثلاً- تحدث في استطراد ووصل إلى قريب مائة صفحة، ثم رجع بعد ذلك إلى أصل القضية وناقشه.
فالذي لا يعرف طريقة ابن تيمية ﵀ في الكتابة أو لم يتمرس عليها يتعب في معرفة ترابط الموضوعات بالنسبة له؛ لأنه يدخل في موضوع ثم ينتقل إلى موضوع آخر، ثم يعود إلى الموضوع الأول، ثم يناقش الموضوع الثاني بهذه الطريقة، فيتعب القارئ عندما يقرأ لـ شيخ الإسلام، والعلاج لهذه المشكلة يكون عن طريق التمرس على قراءة كتبه ﵀، فإن الإنسان إذا تمرس عليها وتدرب عليها استطاع أن يعرف طريقته، واستطاع أن يستفيد من كتبه رحمه الله تعالى.
ولهذا لما رأيت أن طريقته هي هذه قرأت الكتاب ثم رتبته على شكل وحدات موضوعية، يعني: إذا تحدث ابن تيمية مثلاً عن موضوع في مكان بشكل موسع ثم أشار إليه في مكانين أو ثلاثة، فسنتحدث عنه في المكان الذي وسع فيه الكلام عليه، ثم في الإشارات نشير إلى أننا تحدثنا عنه سابقاً، فتحصل لي تقريباً أربعة عشر وحدة موضوعية لهذا الكتاب، يمكن أن أذكرها هنا، وسندرسها -إن شاء الله- بشكل مفصل.
أولاً: يقينية منهج السلف وعصمته، هذا هو الموضوع الأول، وطبعاً العناوين مني أنا.
ثانياً: بطلان مذهب التفويض، ومقالة: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
ثالثاً: ضلال المتكلمين، وشكهم وحيرتهم.
رابعاً: إثبات العلو لله تعالى، وذكر أدلته.
خامساً: منهج النفاة وشبهاتهم في نفي الصفات.
سادساً: نشأة التعطيل، والقول بنفي الصفات.
سابعاً: منهج السلف الصالح في إثبات الصفات.
ثامناً: الرد على نفاة العلو.
تاسعاً: مواقف الطوائف من نصوص الأنبياء.
عاشراً: التأويل معناه وحكمه.
حادي عشر: نقل أقوال السلف في إثبات الصفات.
ثاني عشر: نقل أقوال الأشاعرة والصوفية في الصفات الخبرية، وأراد به ابن تيمية ﵀ بيان تناقض المتكلمين.
ثالث عشر: درء التعارض بين نصوص المعية والعلو.
رابع عشر: مسألة ظاهر نصوص الصفات، هل هو مراد أم غير مراد؟ تقريباً هذه الموضوعات هي لب هذا الكتاب، لكن بعض هذه الموضوعات يشير إليه في مواقع مختلفة، فمثلاً: موضوع منهج السلف الصالح في إثبات الصفات، سنجد أنه تحدث عنه في أول الكتاب، وفي وسط الكتاب، وفي آخر الكتاب، وأيضاً الرد على النفاة، والكلام على المعطلة، نجد أنه أيضاً تكلم على ذلك في أول الكتاب، وفي وسط الكتاب، وفي آخر الكتاب؛ ولكن حتى نقرب المادة العلمية نرتبها بهذه الطريقة، ثم أثناء القراءة التفصيلية نعرف كل إشارة لـ شيخ الإسلام تعود إلى أي موضوع من هذه الموضوعات، وسنجد أن منها ما يعود إلى الأول، ومنها ما يعود إلى الثالث.
والحقيقة أن هذه الموضوعات بعد أن رتبتها بهذه الطريقة هي بحاجة إلى ترتيب؛ لأن الكلام -مثلاً- على منهج السلف الصالح في إثبات الصفات ينبغي أن يكون قبل الرد على النفاة، وقبل الرد على هذه الفرق، لكن طبيعة الكتاب اضطرتنا لإبقاء هذه الموضوعات على هذا الترتيب، وكل واحد من الإخوة يجتهد في ربط الموضوعات بعضها ببعض.
والموضوع الأول الذي سنتحدث عنه بإذن الله تعالى هو: يقينية منهج السلف الصالح وعصمته، وسنتحدث عنه -إن شاء الله- في ست مسائل.
стр. 8
شرح الفتوى الحموية [٢]
منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم منهج معصوم، والمراد بذلك ما أجمعوا عليه، وإنما كان معصوماً لأنه مأخوذ من الكتاب والسنة، والكتاب والسنة مصدر معصوم بلا خلاف، وما كان مأخوذاً من معصوم فهو معصوم.
стр. 9
يقينية منهج السلف الصالح وعصمته
في الدرس الماضي تحدثنا عن الحاجة لدراسة العقيدة، وعن منزلة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بشكل خاص من بين كتب العقيدة الأخرى، وعن كتاب (الفتوى الحموية الكبرى) الذي نحن بصدد شرحه، وأيضاً عن طبيعة تأليف هذا الكتاب وكونه جواباً لسؤال، ومن طبيعة الجواب على السؤال أن يكون فيه تكرار، وأن يكون فيه تقديم وتأخير، وتكلمنا عن طبيعة تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو أنه يستطرد كثيراً، وأيضاً تحدثنا عن الطريقة التي سنشرح بها هذا الكتاب بإذن الله تعالى، وهو تقسيم الكتاب على شكل وحدات موضوعية، ثم بعد ذلك نشرح هذه الوحدات ونعرف مواقعها في الكتاب، وسنقرأ وسنشرح الكتاب -بإذن الله- بشكل مفصل.
وإنما اخترنا هذه الطريقة التي هي طريقة الوحدات الموضوعية لما فيها من ربط المسائل بعضها ببعض، فإن ربط المسائل بعضها ببعض مهم جداً لطالب العلم، وفي هذا حل للإشكال الذي يذكره كثير من الإخوة من أن طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية في التأليف طريقة صعبة، ويشق على بعض القارئين لها أن يستفيدوا منها، وقد أمليت في اللقاء الماضي الوحدات الموضوعية التي سنتحدث عنها بإذن الله.
والموضوع الأول هو: موضوع يقينية منهج السلف الصالح وعصتمه.
وسنتحدث عن هذا الموضوع في ست مسائل بإذن الله.
стр. 10
المراد بمنهج السلف الصالح المحكوم له باليقينية والعصمة
المسألة الأولى: المراد بمنهج السلف الصالح المحكوم له باليقينية والعصمة: منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم المقصود به: ما أجمعوا عليه من مسائل الاعتقاد وأصول الأحكام.
والمراد بمنهج السلف الصالح المعصوم هو المنهج الذي أجمعوا عليه، وليس المقصود به آحاد السلف الصالح رضوان الله عليهم، فليس قول الواحد من السلف حجة، وإنما الحجة فيما أجمعوا عليه.
والمراد بحديثنا في هذه الفقرة هو ما أجمع عليه السلف رضوان الله عليهم من مسائل العقيدة وما أجمعوا عليه من أصول الأحكام، فقد أجمع السلف رضوان الله عليهم في مسائل العقيدة على أن الله يرى يوم القيامة، وهذا المعنى الذي أجمعوا عليه معصوم ويقيني لا شك فيه، كما أنهم أجمعوا على أن الزاني المحصن المتزوج إذا وجدت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع فإنه يرجم بالحجارة حتى الموت، وهذا أمر أجمعوا عليه، وهو يقيني ومعصوم أيضاً في نفس الوقت.
إذاً: ينبغي أن نستصحب هذا المعنى في دراستنا لهذه الفقرة، وهو أنه ليس المراد بعصمة منهج السلف أن أقوال السلف على شكل أفراد معصومة، فإذا جاء أحد -مثلاً- وقرأ في بعض كتب السلف وقرأ نصاً لأحدهم ظن أنه معصوم وظن أنه يقيني، ليس هذا هو المراد، وإنما المراد ما أجمعوا عليه جميعاً، وعندما تعامل بعض الناس مع أقوال السلف مفردة على أنها معصومة أخطئوا خطأ كبيراً في التعامل مع الناس، وألزموهم بما لم يلزمهم الله به! فليس قول واحد من الصحابة أو قول واحد من التابعين، أو قول واحد من علماء الأمة أو ممن له قدم صدق فيها حجة دون غيره، وإنما الحجة تكون في إجماعهم وفي اتفاقهم على معنى من المعاني، أو على قول من الأقوال، أو على إرادة من الإرادات، أو على فعل من الأفعال، فإذا أجمعوا عليه فإن إجماعهم حجة.
стр. 11
يقينية منهج السلف وعصمته مأخوذة من يقينية مصدره
المسألة الثانية هي: يقينية منهج السلف وعصمته مأخوذة من يقينية مصدره.
وذلك أن مصدر السلف الصالح رضوان الله عليهم هو الكتاب والسنة، ولا شك أن الكتاب والسنة مصدر معصوم، وفي نفس الوقت مصدر يقيني، والدليل على أن الكتاب والسنة معصومان وأن ما فيهما حق لا شك فيه بأي وجه من الوجوه هو أن الرسول ﷺ معصوم وهو الذي جاء بالقرآن وجاء بالحكمة، وهي السنة، وهذا القرآن حق، وما دل عليه القرآن فهو حق، ومنهج السلف مأخوذ من القرآن ومأخوذ من السنة، فتلحقه اليقينية، وتلحقه العصمة التي لحقت أصله وهو القرآن والسنة.
стр. 12
يقينية وصدق القرآن الكريم والسنة المطهرة
ومن لا يعتقد بيقينية القرآن وعصمة القرآن فلا شك أنه ليس من المسلمين، فإذا ناقش أحد في يقينية القرآن، وأنه حق من عند الله فإننا نثبت له ذلك من أدلة صدق النبي وصدق ما جاء به، والرسول ﷺ وجب اتباعه علينا؛ لأن ما جاء به حق، ومعرفتنا بكون ما جاء به حق لم تأت بمجرد دعواه أن ما جاء به حق، فإنه ليس كل من ادعى أنه نبي يكون كذلك، فقد ادعى أشخاص كثيرون النبوة وهم ليسوا من الأنبياء، كـ مسيلمة الكذاب وسجاح وطليحة الأسدي والأسود العنسي وغيرهم ممن ادعوا النبوة وهم كذابون، فإذا كان الأمر كذلك فكيف نعرف صدق النبي ﷺ ؟ هل وضح للمشركين الذين جاء إليهم يقينية دعوته وأنها معصومة أو لم يوضحه؟ وللجواب على هذا السؤال نقول: لقد وضح النبي ﷺ عصمة رسالته، ووضح للناس أن رسالته يقينية وأنها حق لا تقبل الجدال ولا تقبل النقاش، وقد عرفوا ذلك وأيقنوا به ولم يشكوا فيه، وذلك أنه يمكن أن نلخص أدلة صدق الرسول ﷺ في ثلاثة أمور: الأمر الأول: تضمن الوحي الذي جاء به لما يدل على عصمته وصدقه ونبوته؛ فإن الوحي الذي جاء به الرسول ﷺ يتضمن أنه حق، وأنه صادق، وأن ما جاء به من عند الله ليس من وساوس الشياطين؛ لأن القرآن الموجود بين أيدينا يدل دلالة يقينية على أن هذا الكلام الموجود فيه إنما هو كلام الله، ويدل على ذلك ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن الله تحدى المكذبين أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل تحداهم بأن يأتوا بعشر سور مثله، بل تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة من مثله، وهذا التحدي ما زال مستمراً إلى قيام الساعة، ومع هذا لم يأت أحد بمثل ما جاء به الرسول ﷺ من هذا القرآن، يقول الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، ويقول : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود:١٣]، ويقول الله : ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣]، ولا يزال هذا التحدي مستمراً إلى قيام الساعة، ولم يأت أحد بمثل هذا القرآن ولا بشيء منه، وهذا يدل دلالة ظاهرة على أن هذا القرآن من كلام الله، وليس من كلام البشر.
فإذا كان القرآن من كلام الله وليس من كلام البشر فله مميزات تختلف عن كلام البشر، كما أن لصفاته مميزات تختلف عن صفات البشر، وبناءً على هذا نعلم أن هذا الوحي حق، وأنه يتضمن بيان أنه حق.
ومما يدل على أن القرآن يتضمن الحق في نفسه وأنه يدل على صدق الرسول أنه أخبر عن مغيبات فوقعت كما أخبر، ومن تلك المغيبات التي أخبر عنها القرآن ونحن نراها: حفظ القرآن، فقد أخبر الله أن هذا القرآن محفوظ، كما قال الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
وهذا القرآن محفوظ إلى اليوم، وقد مضى عليه أكثر من أربعة عشر قرناً ولم يتغير ولم يتبدل، ولم يزد فيه أحد حرفاً واحداً، وهذا يدل دلالة يقينية على أن القرآن حق؛ لأنه أخبر سبحانه أنه محفوظ، مع أن الكتب الماضية التي أنزلها الله على أنبيائه كالتوراة والإنجيل وغيرها لما لم يخبر الله أنها محفوظة بدلها أتباعها في وقت قصير جداً، فمثلاً: بعد وفاة المسيح بفترة بسيطة تغيرت الأناجيل، وأصبحت أربعة أناجيل بعد أن كان إنجيلاً واحداً هو الذي نزل من السماء، وهذا يدل على أن هذا القرآن حق، فإنه أخبر عن هذا الأمر الغيبي الذي سيحصل في المستقبل، فوقع كما هو، وسيستمر حفظ الله لهذا القرآن إلى قيام الساعة.
ومن الأمور المغيبات التي أخبر الله عنها: ظهور الدين وتمكينه للصحابة رضوان الله عليهم فقادوا الأمم، وقد أخبر الله عن هذا الأمر في فترة كانوا فيها من المستضعفين، فوقع ما أخبر الله به، وظهر الصحابة رضوان الله عليهم حتى إنه في زمن أصحاب النبي ﷺ فتحت الأندلس في أوروبا بعد وفاة النبي ﷺ باثنتين وثمانين سنة، ففتحت الأندلس وهي جزء من أوروبا في سنة ٩٢هـ، يقول الله : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨].
وهناك مغيبات متعددة أخبر عنها القرآن فوقعت كما هي، مثل غلبة الروم للفرس، كما ذكر ذلك في سورة الروم، ويمكن مراجعة ذلك في
стр. 13
اهتمام النبي ﷺ بالعقيدة
المسألة الثالثة: هل تكلم الرسول ﷺ في العقيدة أم أهملها؟ لأننا نرى أن كثيراً من المتأخرين من أهل الكلام ومن الصوفية ومن الفلاسفة ومن العصرانيين الجدد يتكلمون في العقائد بعيداً عن النصوص الشرعية من كتاب الله ومن سنة الرسول ﷺ ، فنحن نتساءل: هل النبي ﷺ وضح أمر العقيدة والإيمان بالله في أسمائه وصفاته وأفعاله وعبادته وفي أمر القدر والغيبيات، وفي أمر الموالاة والمعاداة وغير ذلك من الأمور المهمة المتعلقة بهذه الأمة، أم أهملها؟! وللجواب على هذا السؤال نقول: لقد تضمنت رسالة رسول الله ﷺ بيان الحق في أصول الدين وفروعه، والدليل على ذلك قول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]، والهدى المقصود به: العلم الصحيح النافع، ودين الحق المقصود به: العمل الصالح، وهذا العمل الصالح لا يكون صالحاً إلا بتحقيق المتابعة للرسول صلى لله عليه وسلم، وإخلاص العمل لله .
فرسالة الرسول ﷺ جاءت متضمنة لبيان الحق في أصول الدين وفروعه، وفي المسائل وفي الدلائل، ولهذا يقول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، ويقول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وسيأتي أن النبي ﷺ أخبر بكل شيء، وما ترك طائراً يقلب جناحيه في السماء إلا ترك لأصحابه رضوان الله عليهم منه خبراً، وسيأتي معنا مجموعة من الأدلة عند قراءتنا للمقطع الذي يتعلق بيقينية منهج السلف رضوان الله عليهم، وهذه الأدلة تدل على أن النبي ﷺ علم أصحابه كل شيء، حتى آداب قضاء الحاجة، فقد علمهم رسول الله ﷺ إذا ذهب أحدهم إلى الخلاء ماذا يقول، وإذا خرج من الخلاء ماذا يقول، وإذا نام ماذا يقول، وإذا استيقظ ماذا يقول، وإذا جامع زوجته ماذا يقول، فهل تتصورون أن الرسول ﷺ علم أصحابه هذه الأمور الدقيقة ولم يعلمهم الأمور العظيمة التي فيها صلاح عقائدهم وصلاح دينهم، ومعرفتهم لربهم وخالقهم ؟ وهل تتصورون أن النبي ﷺ علم أصحابه آداب قضاء الحاجة ولم يعلمهم الصفات حتى احتجنا إلى مصدر آخر نأخذ منه الصفات؟ لا شك أن النبي ﷺ شرح لأصحابه أمور العقائد شرحاً مفصلاً أكثر من أي باب من أبواب الدين الأخرى؛ لأنها هي الأصول والقواعد الأساسية التي يرتكز عليها الدين، فهل تتصورون أن الرسول ﷺ يعلم أصحابه صفات الملائكة وصفات الرسل والكتب السابقة ويعرض عن صفات المعبود التي تتوق إلى معرفته كل نفس صالحة طيبة؟ لا يمكن أن يعرض عن ذلك.
إذاً: عندما ندرك أن الرسول ﷺ علم أصحابه الأمور اليسيرة فلا شك أنه علمهم الأمور العظيمة من باب أولى، وهذا قياس صحيح قوي، وهو الذي يسميه أهل العلم: قياس الأولى.
وكذلك يستحيل أن يهمل الرسول ﷺ بيان الحق المغني في باب الأسماء والصفات وفي باب أفعال الله وعبادته، ويدل على ذلك عدة أمور: الأمر الأول: أن النبي ﷺ أنزل الله عليه القرآن، ووصف الله هذا القرآن بأنه نور، وأنه هدى، وأنه شفاء، وأنه روح، وهذه الأسماء تدل على موصوفات هي وصف للقرآن الكريم، فلا يمكن أن يكون روحاً وهو لم يبين الأسماء والصفات، ولا يمكن أن يكون نوراً وهو لم يبين الأسماء والصفات، ولا يمكن أن يكون هدى وهو لم يبين الأسماء والصفات.
ونستنبط من أسماء القرآن الكريم وما بعث به الرسول ﷺ من القرآن ما يدلنا على أن النبي ﷺ قد وضح العقيدة توضيحاً كافياً شافياً لا إشكال فيه.
الأمر الثاني: أن النبي ﷺ علم أصحابه كل شيء، ومن ذلك الأمور الصغيرة، فالأمور الكبيرة من باب أولى.
الأمر الثالث: أن النبي ﷺ هو أعلم الناس بربه، وهو أكثرهم بياناً وأبلغهم فصاحة، وهو أنصحهم لهذه الأمة، فلا يمكن أن تجتمع هذه مع كتمه لبيان العقيدة لهم؛ لوجود العلم عنده، لوجود البيان والفصاحة عنده، ولوجود المحبة والنصح للأمة؛ فينتج عن هذه الثلاث المقدمات استحالة عدم بيان النبي ﷺ للعقائد الصحيحة، فلا يمكن أن يبقي الرسول ﷺ هذا الأمر مشتبهاً ملتبساً على الناس.
стр. 14
اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بالعقيدة
المسألة الرابعة: هل تكلم الصحابة رضوان الله عليهم في باب الصفات كلاماً كافياً وشافياً أم أنهم لم يتكلموا في ذلك؟ والجواب على هذا أن نقول: إنهم تكلموا بكلام كاف شاف يدل عليه عدة أمور: الأمر الأول: واقع الآثار الموجودة في كتب التفسير وفي كتب العقائد المسندة التي نقلت بالأسانيد الصحيحة عن أصحاب النبي ﷺ .
الأمر الثاني: يستحيل أن يسكت الصحابة رضوان الله عليهم عن بيان العقيدة الصحيحة أيضاً، ووجه استحالة ذلك هو أنه إن سكتوا فإنا نقول: إما أن يسكتوا لجهلهم بالعقيدة أو يسكتوا لأنهم قالوا الباطل فيها والعياذ بالله! فأما سكوتهم للجهل بالعقيدة فهذا لا يمكن أن يتصور من جيل الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأنهم كانوا أحرص الناس على الخير، فهذا أبو هريرة ﵁ يأتي إلى النبي ﷺ فيقول: (من أسعد الناس بحسن شفاعتك يا رسول الله؟ فيقول: لقد علمت أنك ستسألني عن ذلك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بحسن شفاعتي من قال: لا إله إلا الله، مخلصاً من قلبه).
وأبو هريرة أيضاً رأى النبي ﷺ كان يكبر فيسكت، ثم يقرأ بعد ذلك، فسأله عن هذه السكتة.
فلا يمكن أن يحرص الصحابة على الأمور الصغيرة فيسألون عنها رسول الله ﷺ ، ولا يسألونه في الأمور الكبيرة، وهم أعلم الأمة -ولا شك- بقضايا الدين وأعلمهم أيضاً بقضايا العقيدة على وجه الخصوص؛ لأنهم لما تمثلوها علماً وعملاً نصرهم الله .
وأما قولهم بالباطل فإنه لا يمكن أن يقولوا بالباطل؛ لأن الصحابة أنصح الناس لهذه الأمة، ولا يمكن أن يجتمعوا على باطل، وإن من عرف أصحاب النبي ﷺ وزكاء قلوبهم وطيب نفوسهم وأخلاقهم وحرصهم رضوان الله عليهم على نشر الدعوة والدين، وبذل أنفسهم في سبيل الله، يعلم أنه لا يمكن أن يتصور مع هذه القرائن جميعاً أن يقولوا الباطل ويكذبوا على الله وعلى رسوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وحينئذ نقول: الصحابة رضوان الله عليهم هم أعلم الناس بالعقيدة الصحيحة بعد رسول الله ﷺ ، والأدلة التي سبق أن أشرنا إليها هي أدلة برهانية يقينية يحتج بها أهل السنة، ويقبلها كل إنسان يريد الحق، لكن المعاند لو جئت له بالنهار لقال لك: إنه ليل.
والعياذ بالله! فالمعاند ليس له دواء إلا السيف، لكن طالب الحق الذي لا يكون متبعاً لهواه سيدرك أن النبي ﷺ بين العقيدة بياناً كافياً، وأن الصحابة رضوان الله عليهم قد بينوها بياناً كافياً واضحاً، ولهذا لم يحصل الاختلاف بين أصحاب النبي ﷺ في قضايا الاعتقاد، ولا وقع في أصول الأحكام أبداً، وإنما وقع الخلاف بينهم في أمور فقهية محتملة؛ وذلك إذا كان النص يحتمل مجموعة من المعاني، ثم إن الله يرزق البعض حفظاً أو فقهاً أقوى من البعض الآخر، وحينئذ قد يقع البعض في الخطأ والبعض الآخر يقع في الصواب، فهذه هي حدود دائرة الاختلاف التي وقع فيها الصحابة رضوان الله عليهم، أما العقائد وأصول الأحكام فإنه لم يقع فيها خلاف ألبتة.
стр. 15
براءة الصحابة رضوان الله عليهم من المسائل الفلسفية والكلامية ونحوها
المسألة الخامسة: هل أدرك الصحابة رضوان الله عليهم المسائل الفلسفية والكلامية والإشارات الصوفية التي وقعت في من بعدهم أم أنهم لم يعرفوها؟ الذين يرون أن الصحابة كانوا مفوضة -يفوضون معاني الأسماء والصفات ولا يفهمون لها معنى- يظنون أن الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا يفهمون للصفات معنى، وبناءً على هذا فإنهم لم يغوصوا في معانيها، وإنما جاء المتأخرون من المتكلمين والفلاسفة وأثروا العقيدة بمعقولاتهم التي جاءوا بها، وكذلك الصوفية أثروا الجانب الروحي في الإسلام بما جاءوا به من إشارات لطيفة ودقيقة في العبادات والإرادات لم يكن الصحابة رضوان الله عليهم على علم بها، وهذا الفهم باطل.
والجواب على هذه المسألة أن نقول: إن المسائل الفلسفية والكلامية وقعت بعدهم، فما كان فيها من الحق فلا شك أن الصحابة يعرفونه ويعتقدونه، وما كان من الباطل فلا شك أن الصحابة ينكرون الباطل حتى لو لم يعرفوا هذا الباطل المعين، فإن المنكرات لا يمكن للإنسان أن يحيط بها، وبناءً على هذا نقول: إن ما حصل من الباطل بعد أصحاب النبي ﷺ قد يعلمونه وقد لا يعلمونه، مثل نفي العلو ومثل تأويل الصفات ومثل القول بقدم العالم، أو القول بأن البعث الجسماني لا يكون أبداً، وإنما يكون البعث بالأرواح، ونحو ذلك، فنقول: هذه المعاني الباطلة الضالة والتعبيرات التي تدل عليها قد يعلمها الصحابة أو قد لا يعلمونها، وهذا لا يضرهم في شيء؛ لأن هذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو مثل ما لا ينقض الوضوء، فلو قال لك إنسان: عدد لي ما لا ينقض الوضوء، فستعدد له أشياءً كثيرة لا تنقض الوضوء، وما ينقض الوضوء محصور، لكن ما لا ينقضه كثير، فمثلاً: لمس الورقة لا ينقض الوضوء، وشرب الماء لا ينقض الوضوء، والمسح بالمنديل لا ينقض الوضوء، ولو عددنا لاستغرقنا ليلة أو ليلتين فيما لا فائدة فيه من الكلام عما لا ينقض الوضوء، فالكلام لا ينقض الوضوء، ولمس الغترة لا ينقض الوضوء، ولمس الشعر لا ينقض الوضوء ولهذا ما لا ينقض الوضوء لا يمكن حصره.
ويمكن أن أذكر هنا كلام شيخ الإسلام ﵀ في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) فإنه علق على كلام ابن عقيل الحنبلي ﵀ في نصيحته لمن أراد أن يشتغل بعلم الكلام وقد أحس في نفسه ذكاءً، فقال له: إن هذا الأمر لا ينفعك، فإن الصحابة ما كانوا يعرفون الجوهر والعرض ونحو ذلك، فعلق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على هذه العبارة فقال: قلت: (قول القائل: إن الصحابة ﵃ ماتوا وما عرفوا ذلك فيه تفصيل، وذلك أن هذا الكلام فيه حق وباطل) أي: أن الكلام الذي حصل بعد الصحابة مشتمل على حق وباطل.
قال: (أو أن هذا الكلام) يعني: الذي أشار إليه المتكلم.
قال: (قد يراد به حق وقد يراد به باطل، فأما الباطل فهو مثل إثبات الجوهر الفرد وطفرة النظام وامتناع بقاء العرض زمانين، ونحو ذلك، فقد لا يخطر ببال الأنبياء والأولياء من الصحابة وغيرهم، وإن خطر ببال أحدهم تبين له أنه كذب، فإن القول الباطل الكذب هو من باب: "ما لا ينقض الوضوء" ليس له ضابط، وإنما المطلوب معرفة الحق والعمل به، وإذا وقع الباطل عرف أنه باطل ودفع) أي: أنه لا يشترط للإنسان أن يعرف كل باطل، لكن يشترط أن يعرف كل حق يمكن أن يعرفه، أو يعرف القدر الواجب منه.
قال: (وصار هذا كالنهي عن المنكر وجهاد العدو، فليس كل شيء من المنكر رآه كل من الصحابة وأنكروه) أي: أنهم لم يروا كل منكر، فالصحابة لم يروا القنوات الفضائية، ولا يعني هذا أنه ليس بمنكر، بل إنه منكر، ولا يعني أيضاً أنه نقص في علم الصحابة بالحق؛ لأن الحق كانوا يعرفونه.
قال: (وهكذا المقالات الفلسفية والكلامية والإشارات الصوفية التي وقعت بعدهم.
ومع هذا فلا يقطع على كل من الصحابة بأنهم لم يعرفوا أمثال هذه الأقاويل ويعرفوا بطلانها، فإنهم فتحوا أرض الشام ومصر والمغرب والعراق وخراسان، وكان بهذه البلاد من الكفار والمشركين والصابئة وأهل الكتاب من كان عنده من كتب أهل الضلال والفلاسفة وغيرهم ما فيه هذه المعاني الباطلة، فربما خوطبوا بهذه المعاني بعبارة من العبارات وبينوا بطلانها لمن سألهم، والواحد منا قد يجتمع بأنواع من أهل الضلال ويسألونه عن أنواع من المسائل ويوردون عليه أنواعاً من الأسئلة والشبهات الباطلة فيجيبهم عنها، وأكثر الناس لا يعلمون ذلك ولا ينقلونه، والشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة قد ناظروا أنواعاً من الجهمية أهل الكلام وجرى بينهم من المعاني ما لم ينقل، ولكن من عرف طرق المناظرين لهم والمسائل التي ناظروهم فيها علم ما كانوا يقولونه، كالفقيه الذي يعرف أن فقيهين تناظرا في مسألة من مسائل الفقه مثل مسألة قتل المسلم بالذمي، أو القتل بالمثقل ونحو ذلك، فينقل المناظرة من لم يفهم ما قالاه، فيعرف الفقيه الفاضل مما نقل ما لم ينقل).
والشيء كما تعلمون يعرف بالشيء، والشاهد من هذا القول هو
стр. 16
شبهات حول منهج السلف والرد عليهم
المسألة السادسة: شبهات حول منهج السلف رضوان الله عليهم.
لا يخفى أن هذه الأمة افترقت وانقسمت واختلفت وأصبحت طوائف، وتفرقت إلى آراء وأفكار ومناهج وفلسفات متعددة ومختلفة، وأهل الحق هم من سار على منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم من الصحابة والتابعين ومن سار على طريقتهم في الاعتقاد والعمل.
وهناك عدد كبير من أصحاب هذه المذاهب والأفكار ينتقدون منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، ونحن في هذا الزمان نسمع هنا وهناك من ينتقد منهج السلف، فقد نسمعه في شريط أو نقرأه في كتاب أو نراه في قناة، أو نقرؤه في صحيفة من الصحف، أو نسمعه في منتدى من المنتديات أو في أي مكان من الأماكن التي يجلس فيها الناس ويتكلمون فيها، فنرى أشخاصاً ينتقدون منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، فلنذكر هذه الشبهات الآن بشكل سريع ومختصر، ونذكر البديل الذي يريده هؤلاء، ثم نبين بطلان ما قالوا به بشكل مختصر أيضاً.
стр. 17
الرد على من يقول: إن منهج السلف منهج قديم لا يواكب الحضارة
من الشبهات التي أثيرت حول منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم: أنه منهج قديم لا يواكب الحضارة والعولمة! فهؤلاء يقولون: منهج السلف منهج قديم قد انتهى، فقد كان في وقت من الأوقات يصلح، لكن الآن لم يعد يصلح مع التقنية المعاصرة الكبيرة التي يشهدها العالم اليوم، ومع عصر العولمة وتقارب الناس تقنياً وفكرياً إلى آخره.
والبديل عند هؤلاء هو الحداثة، وهو أن نهدم القديم ونبني مجتمعاً جديداً من أفكارنا نحن، فمادام منهج السلف قديماً فهو لا يصلح عندهم للتطبيق الآن في مجال الاعتقاد، ولا يصلح للتطبيق في مجال السياسة، ولا يصلح للتطبيق في الاقتصاد العالمي، ولا يصلح للتطبيق في الأدب، ولا يصلح للتطبيق في أي مجال من المجالات، فما هو الحل؟ قالوا: الحل هو أن نخترع لأنفسنا ديناً جديداً ومنهجاً جديداً نواكب به الحضارة في كل مجالاتها، فنخترع منهجاً عقائدياً جديداً، ومنهجاً سياسياً جديداً، ومنهجاً اقتصادياً جديداً، ومنهجاً تعليمياً، ومنهجاً فنياً، ومنهجاً أدبياً، ومنهجاً في أي باب من الأبواب، وهكذا نخترع منهجاً جديداً بعيداً عن كل قديم.
وهذا يدل على أن هؤلاء يريدون أن يهدموا الأديان، وهي فكرة في الحقيقة ماسونية ويهودية، فهم يريدون أن يهدموا الأديان جميعاً، ويدخل في الهدم اليهودية والنصرانية والإسلام، ويدخل في الهدم الأنبياء، ويدخل في الهدم كل التفاصيل السابقة، ويدخل في الهدم التاريخ الإسلامي كله، ويدخل في الهدم علماء المسلمين والصحابة رضوان الله عليهم، وهذه الفكرة فكرة إلحادية كفرية خطيرة على الإسلام والمسلمين، ويمثل هذه الفكرة الحداثيون.
ولهذا نحن نقول ونكرر دائماً: إن أهل الحداثة ليس الخلاف بيننا وبينهم في التركيب الشعري، فهم ينثرون الشعر ونحن نقول: ينظم، وهم يقولون كلاماً غير مفهوم، ونحن نقول كلاماً مفهوماً، ليس الخلاف هنا، بل هم يرون أن الحداثة منهج تغييري جديد يقتضي هدم كل ما هو قديم، وبناء حياة جديدة، وبالتالي فإن أهل الحداثة ينتقدون منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم.
والرد على هؤلاء هو أن نخاطبهم مخاطبة الكفار، فنقول لهؤلاء: هل تثبتون أموراً يقينية في الحياة أو ليس هناك شيء يقيني عندكم؟ فإن كانوا يثبتون أموراً عقلية يقينية خاطبناهم بأدلة صدق الرسول ﷺ التي سبق أن أشرنا إليها، فإذا بينا لهم أن المنهج العقلي يدل على أن الرسول صادق فإن من العقل أن ما جاء به صدق وحق، فإذا عرفنا أن ما جاء به صدق وحق عرفنا أن هذا الدين سيستمر إلى قيام الساعة، وعرفنا أن هناك يوماً آخر يجتمع فيه الخلق ويعذبون أو ينعمون، وعرفنا ما هو من حقائق هذا الدين.
أما إذا كانوا لا يثبتون قواعد عقلية مشتركة عند كل الناس فمثل هؤلاء مرضى لا ينفع معهم الخطاب، ولهذا لو أن إنساناً تنزل معهم وقال: دعونا نهدم كل ما هو قديم، ودعونا نؤسس منهجاً جديداً، فكيف يكون ذلك وقد يختلف الناس، هذا يطرح فكرة وهذا يطرح فكرة؟ ما هو المنطق الذي تحتكمون إليه عند اختلافكم؟ فسيقولون: نحكم المنطق العقلي والمنفعة! فيقال لهم: قد يأتيكم شخص فيقول: إن الرسول القديم الذي أردتم هدم شريعته حق من منطلق عقلي، فإذا أرادوا مناقشته أثبت لهم صدق الرسول بالأدلة السابقة، وحينئذ سيضطرون للإيمان بالرسول، وسيلزمهم كل ما تضمنه دين الرسول من احترام منهج السلف واحترام هذا الدين، وإثبات اليوم الآخر إلى آخره من العقائد المعروفة.
стр. 18
الرد على من يقول: إن منهج السلف منهج يقف عند ظاهر النص فقط
الشبهة الثانية: يقول بعض الناس: إن منهج السلف منهج نصي يقف عند حدود ظاهر النص ولا يغوص في المعاني ولا مدخل للعقل فيه! والذي يردد هذه العبارات هم أهل الكلام، فأهل الكلام يؤسسون العقائد على العقل مجرداً عن الدين وعن النقل، فإذا قيل لهم: لماذا تؤسسون العقائد على العقل مع أن الدين فيه بيان للعقائد، قالوا: الدين إيمان مجرد ليس فيه إقناع عقلي، وليس كل الناس عندهم استطاعة أن يؤمنوا؛ لأننا نخاطب كفاراً ونخاطب ناساً لا يحترمون الدين، فلا بد أن نؤسس العقائد على العقل بغض النظر عن الدين! وهؤلاء جهلوا جهلاً ذريعاً أن هذا الدين فيه أدلة عقلية لو جمعها الإنسان لاستطاع أن يحارب بها كل مشرك وضال ومبتدع، ولهذا سبق أن أشرت إلى أن النبي ﷺ لما أنزل الله عليه هذا الدين جاء بمصلحة المسلمين في أصول الدين وفروعه وفي مسائل الدين ودلائله، ففي القرآن الكريم أدلة عقلية قاطعة لا تقبل الجدال ولا تقبل الخلاف، وهي تدل على إثبات العقائد، سواء في موضوع وجود الله، أو في موضوع العبودية لله، أو في موضوع اليوم الآخر، أو في موضوع النبوات، أو في أي موضوع من موضوعات العقائد.
والحقيقة أن أهل الكلام جاءوا بهذه الفكرة من الفلاسفة، والفلاسفة -خاصة المتأخرين منهم- بنوا عقيدتهم على أن الدين إيمان مجرد على أمرين: الأمر الأول: أن النصارى وأرباب الكنيسة كانوا يطالبون الناس بالإيمان المجرد بعيداً عن العقل، لوجود عقائد لا يقبلها العقل، مثل الثالوثية، ومثل العشاء الرباني، وبعض أنواع العقائد التي جاءوا بها مما لا يقبلها العقل، ولهذا قالوا للناس: لا بد أن تؤمنوا إيماناً مجرداً عن العقل.
الأمر الثاني: أن هناك أصلاً فلسفياً يرى أصحابه أن الأديان لا مدخل لها في العقليات ولا مدخل لها في البراهين، ولهذا لو رجعتم -مثلاً- إلى كتاب زكي نجيب محمود محفوظ لوجدتم ذلك، وزكي من الفلاسفة الكبار الأحياء الآن، وله كتاب اسمه (موقف من الميتافيزيقيا) والمقصود بالميتافيزيقيا: الغيبيات أو ما وراء الطبيعة، وهو لا يؤمن بالغيبيات؛ لأنه على نظرية المنطقية الوضعية، ويرى أن الدين هو مجرد الإيمان والتسليم بدون برهان وبدون دليل، ولهذا لا يرى أن الدين مشتمل على البراهين، ولا يرى أن الدين مشتمل على الأدلة العقلية المقنعة، ومن هنا كان هو والمتكلمون ممن تأثر بالمنهج الفسلفي يقولون: إن منهج السلف منهج نصي لا يتضمن العقائد اليقينية المقامة على البراهين العقلية، ونحن نقول: إن منهج السلف مأخوذ من القرآن والسنة، وقد اشتمل القرآن والسنة على أدلة عقلية لا شك فيها.
ونضرب على هذا مثلاً، وذلك في قوله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]، جاء المشرك إلى النبي ﷺ ففت عظماً عنده وقال: يا محمد! هل تعتقد أن الله يحييها بعد أن صارت رميماً؟ فقال الله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ [يس:٧٨] يعني: بحركته هذه.
﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] يعني: نسي أن الله خلقه من قبل وهو لم يك شيئاً.
﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] فرد عليه سبحانه: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩]، فأنت الآن أتيت بعظم رميم وفتته أمام النبي ﷺ تقول: من يحيي هذا؟ فنقول: يحييه الذي جاء به وهو لم يكن شيئاً؟! فرد عليه بدليل يقيني عقلي: أن القادر على البدء قادر على الإعادة، بل إن البدء أصعب من الإعادة؛ لأن البدء ليس له مادة يتكون منها، بينما الإعادة لها مادة موجودة ممكن أن يكون الشيء منها، ولو رجع واحد منا إلى كتاب (درء تعارض العقل والنقل) مثلاً، واستقرأه لاستطاع أن يجمع كثيراً من الأدلة العقلية التي ذكرها ابن تيمية ﵀ من النصوص القرآنية، كقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، وهذا فيه بيان أن الله هو الخالق، فكيف البيان العقلي لهذه الآية؟ يقول الله لهم: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، فهل تتصورون أن أحداً يخلق من غير شيء هكذا صدفة؟ هذا لا يمكن، فإن الإنسان مفطور على أن المحدث لا بد له من محدِثٍ، وأنت ترى الطفل الصغير إذا كان متجهاً نحو جهة وجئته وحركته من ورائه التفت إليك، كيف عرف الصبي أن هذه الضربة لها محدث وهو أنت، مع أنه لم يكن كبيراً بحيث إنه يعلم هذا الأمر؟ هذه فطرة موجودة، وهي مقدمات عقلية ثابتة في كل الناس.
قال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) وهم يعرفون أنهم ليسوا هم الخالقين، وتحصل من هذا أن الله هو الخالق، وهذا برهان عقلي لا شك فيه.
وقال : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
стр. 19
الرد على من يقول: إن منهج السلف منهج جاف لا عناية له بالروحانيات
الشبهة الثالثة: أن منهج السلف منهج جاف لا عناية له بالروحانيات، ولهذا اتجه هؤلاء نحو التصوف كحل لعلاج هذه المشكلة، ونجد أن بعض أصحاب الدعوات المعاصرة الآن يقولون: نحن دعوة سلفية صوفية رياضية! فقيل: كيف تكون دعوة سلفية وصوفية في نفس الوقت؟ قالوا: نأخذ من السلفية العقائد الصحيحة، ونأخذ من الصوفية الروحانيات.
فقيل: هل السلفية لا يوجد بها روحانيات؟ قالوا: لا، بل فيها جمود، وفيها جفاف، فنقول: هذا هو الفهم الباطل الذي دفع الصوفية في بداية الأمر للمسالك المنحرفة عن منهج السلف رضوان الله عليهم، فقد علم النبي ﷺ أصحابه كيف يتعبدون لله، وما هو الطريق الذي يسلكونه إلى الله .
فلما جاء الصوفية ظنوا أن هذا الدين ليس فيه منهج للتعبد، فاخترعوا منهجاً وقالوا: إن الإنسان يتعبد في خلوة ويذكر الله بطريقة معينة، ثم بعد ذلك تأتيه كشوفات، فإذا جاءته الكشوفات هي كرامات، وفي آخر هذه الكرامات تسقط عنه التكاليف! ويمكن مراجعة كتب الصوفية في هذا الأمر.
إذاً: الصوفية ما التجئوا إلى منهج مخترع في التعبد إلا لاعتقادهم بأن منهج السلف منهج ناقص وجاف، وهكذا أصحاب هذه الدعوة التي أشرنا إليها، والتي يقولون فيها: إن دعوتنا دعوة سلفية صوفية رياضية، هؤلاء ما قالوا: إن دعوتهم صوفية بهذه الطريقة، إلا أنهم يظنون أن منهج السلف لا يتضمن منهج التعبد لله ، وحينئذ فإن هذا فهم ناقص لمنهج السلف، فإن منهج السلف كما أنه منهج في تصحيح قضايا الاعتقاد في الله وصفاته وأفعاله، فكذلك هو منهج في السلوك، وهو منهج في تزكية النفوس، ومنهج في التعبد لله، ومنهج في الدعوة إلى الله، ومنهج في الإصلاح والتغيير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنهج في كل باب، منهج السلف هو حقيقة الدين نفسه، فالدين الصحيح هو منهج السلف رضوان الله عليهم.
стр. 20
الرد على من يقول: إن منهج السلف منهج متشدد
الشبهة الرابعة: أن منهج السلف منهج متشدد: يقولون: إن منهج السلف منهج متشدد متعصب، لا يتعامل مع الناس بمرونة، وليس عنده مرونة، وأصحاب هذا الفكر هم الذين يسمون بالعصرانيين.
والعصرانيون هم طائفة لهم امتداد تاريخي قديم، ولهم وجود معاصر الآن، وتختلف مقالاتهم، لكن بالجملة تشملهم روح واحدة وهي أنهم يعتقدون أن منهج السلف منهج قاس متشدد، لا يصلح في هذه العصور المتأخرة التي تمكن الغرب من الحضارة، وتمكنوا أيضاً من العالم الإسلامي، وتمكنت أمريكا من العالم عن طريق هيئة الأمم المتحدة، وعن طريق قواعدها العسكرية التي نثرتها في كل مكان في العالم، فهم يقولون: إنه لا يمكن أن نأخذ منهج السلف والحالة هذه، قالوا: والحل أن نكون مرنين في الغناء، فإن الغناء قضية أصبحت جزءاً من حياتنا، واختلاط المرأة بالرجل هي أيضاً جزء آخر، فهي حلال.
وكذلك الأموال الربوية لو جئت تطالب البنوك في كل العالم أن تغلق لم يسمع لك أحد، ولهذا يسمون أصحاب المنهج السلفي أصحاب فقه المنع، فعندهم كل شيء ممنوع ممنوع ممنوع، ولهذا يقولون: لابد أن نكون مرنين في التعامل مع الناس.
وأصحاب هذا الفكر خطيرون على الأمة الإسلامية؛ لأنهم يجعلون الأمة تذوب في غيرها من الأمم، وتتخلى عن مقوماتها وعن عقائدها وعن مناهجها الأساسية في الحياة التي تميزت بها عن غيرها؛ بحجة أن الضغط قوي، وأن البلاء كبير.
والحقيقة أنه مهما حصل الضغط على المسلمين ومهما ابتلي المسلمون، ومهما انتشر الفساد في الأرض، فالواجب ألا يتغير المنهج وألا تتغير العقيدة، فالعقيدة هي العقيدة، والأحكام هي الأحكام لا تتغير لانتشار أمر من الأمور في زمن من الأزمان، وإنما الأحكام هي الأحكام والعقيدة هي العقيدة والدين هو الدين، حتى لو لم يبق إلا عشرة مسلمين والبقية ليسوا على ذلك فيجب أن تبقى العقيدة الصحيحة معهم وأن تبقى الأحكام معهم، فالغناء حرام والاختلاط حرام والربا حرام، فهذه الأشياء حرام جميعاً، حتى لو أن العالم جميعه مارس هذه الأمور.
ولهذا هؤلاء يريدون اليوم أن يلتفوا على الصحوة الإسلامية، وأن يلتفوا على الشباب الصالحين الجدد الذين لهم حركة في الدعوة إلى الله وإلى الإصلاح، فيقولون: إنكم مهما تحركتم فإنكم لا تستطيعون زحزحة الدب الغربي الذي يجثم على صدر المسلمين، فلا تستطيعون حينئذ أن تغيروا الحياة، لكن حتى تغيروا الحياة لابد أن تكونوا مرنين، وأن تحتكوا بالمجتمع، ولا يكون هناك عوازل بينكم وبين المجتمع، ونحن نقول: إنه ليست هناك عوازل -ولله الحمد- بين الشباب السلفي والمجتمع، لكن هذا الاتصال يتضمن إنكار المنكرات، ويتضمن النصيحة، ويتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتضمن التعليم، ويتضمن الثبات على الحق وعدم قبول المساومة في أي عقيدة من العقائد.
стр. 21
الرد على من يقول: إن منهج السلف منهج منغلق
الشبهة الخامسة: أن منهج السلف منهج منغلق: وهذه تابعة للطائفة الأولى العصرانية، فإنهم يقولون: إنه منهج منغلق عن المعطيات الإنسانية المعاصرة التي أفرزتها الحضارة الغربية، فيقولون: هناك نظريات أوروبية ومذاهب ومناهج فلماذا لا نستفيد منها؟ ولماذا لا نأخذ من هؤلاء ونأخذ من هؤلاء ونأخذ من هؤلاء؟ وللجواب على هؤلاء نقول: إن ديننا غني -ولله الحمد- بالحق، وديننا واضح لا يحتاج أن يستمد من غيره، وهذه العقائد والنظريات والأفكار والمناهج الغربية أو الشرقية إن كان ما فيها حقاً فقد دلنا الله عليه قبل أن يأتي هؤلاء، وإن كان ما فيها باطلاً فنحن نرده ولا نقبله.
إذاً: ليس هناك داع إلى أن نقول: نحن نريد أن نأخذ من الآخرين، فأنت لا تأخذ إلا عندما تكون فقيراً، لكن عندما تكون غنياً فإنك تعطي، ونحن أعطانا الله الحق ووضحه وبينه لنا، وحينئذ نحن نعطي ولا نأخذ.
وهناك أمور في الحياة العادية مثل الميكرفونات ومثل اللمبات لا علاقة لها بالتدين والمناهج والعقائد، فمثل هذه الأمور أمور إنسانية عامة ليست خاصة بالغرب ولا خاصة بالشرق، ويمكن للإنسان إذا تعلمها أن يصنعها وأن يمارسها وأن يستفيد منها؛ فليس في ذلك شيء، لكن المناهج والعقائد والأفكار لا يجوز للإنسان بأي حال من الأحوال أن يستقيها إلا من الوحي المعصوم بفهم السلف الصالح رضوان الله عليهم.
стр. 22
الرد على من يقول: إن منهج السلف يركز على جانب ويهمل جانباً
الشبهة السادسة: أن منهج السلف يركز على جانب ويهمل جانباً.
وينسبون ذلك إلى بعض المنتسبين إلى منهج السلف رضوان الله عليهم، فقد يجدون شاباً منتسباً إلى منهج السلف عنده ضعف في التفكير مثلاً، فيقولون: إذاً المنهج السلفي ضعيف في التفكير.
فنقول: ليس كذلك، فهذا الشخص مسكين ضعيف في التفكير، ولا يلزم أن يكون البقية كذلك، ولو كانوا كلهم كذلك -ولا يمكن أن يكون- لما جاز أن يوصف المنهج نفسه بأنه كذلك، فلا يجوز أبداً أن يوصف المنهج أنه كذلك، ولهذا ينبغي للإنسان أن يتعلم الأسلوب الصحيح في اعتناق العقائد.
والأسلوب الصحيح في اعتناق العقائد هو أن الإنسان يعتنق العقيدة الصحيحة التي دل عليها الكتاب والسنة، وأما ما عداها فليس لنا فيها حاجة.
وأما الذين يرددون الحرية الفكرية أو حرية التفكير، ويناقشون قضايا العقائد بغير منهج مستقيم فهؤلاء من الضالين المنحرفين الذين يريدون هدم هذا الدين ويجب أن نقف في وجوههم، وأن نرفض مناهجهم.
هذا ما أحببت أن أشير إليه في هذه المسائل المتعلقة بموضوع يقينية منهج السلف الصالح وعصتمه، وسنقرأ -إن شاء الله- في اللقاء القادم المقطع المتعلق بهذا الباب ونعلق عليه؛ لنبدأ في لقاءات أخرى بموضوعات ثانية.
أسأل الله أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 23
شرح الفتوى الحموية [٣]
لقد ورد في القرآن الكريم وفي سنة الرسول ﷺ أسماء وصفات لله تعالى، فآمن بها الصحابة وتابعوهم على مراد الله ورسوله، واتبعهم أهل السنة في كل عصر من العصور على ذلك، ثم جاءت الفرق الضالة المنحرفة، فمنهم من أولها، ومنهم من فوضها، ومنهم من أثبت بعضها وأول بعضها كالأشاعرة ومن حذا حذوهم.
стр. 24
عصمة منهج السلف
إن المراد بمنهج السلف الصالح رضوان الله عليهم هو ما اتفقوا عليه من العقائد والأعمال والإرادات، وأما أقوال السلف كأفراد فليست معصومة، بل هي كغيرها من أقوال البشر يعتريها الخطأ والصواب، والمراد بالعصمة هي ما أجمعوا عليه واتفقوا عليه من العقائد والإرادات والأقوال والأعمال، فكل ذلك معصوم.
ومن هنا فإن الذين يستهترون بأقوال السلف ولا يلقون لها بالاً، ويخالفون إجماعات السلف رضوان الله عليهم فإنهم مخالفون لأمر معصوم ومتفق عليه، فهم من أهل البدع والضلالة والانحراف.
إذا نظرنا إلى كثير من الكتابات التي تكتب في الصحف اليوم مثلاً، أو في بعض الكتب، خصوصاً من العصرانيين الذين تأثروا تأثراً كبيراً بالحضارة الغربية نجد أنهم لا يوقرون كتب السلف ولا أعلام السلف، ولا يحترمونهم أو يقدرونهم، وإنما ينتقدونهم انتقاداً لاذعاً سيئاً؛ بحجة أن هذا الإنسان الناقد رجل والمنقود رجل أيضاً.
وصحيح أن الناقد رجل والمنقود رجل، ولكن الرجال ليسوا على مرتبة واحدة ولا على منزلة واحدة، بل هم متفاوتون كالتفاوت الموجود بين الثرى والثريا، ولهذا ينبغي للإنسان أن يعظم السلف رضوان الله عليهم، ويعرف لهم قدرهم ومكانتهم.
وأصل منهج السلف مأخوذ من القرآن والسنة، والسنة معصومة، ولا إشكال في كونها معصومة، وقد أخبر النبي ﷺ أن إجماع هذه الأمة لا يحصل على ضلالة، قال النبي ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، ولهذا حذر الله من اتباع غير سبيل المؤمنين، قال الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].
стр. 25
سبب تأليف شيخ الإسلام للفتوى الحموية
[بسم الله الرحمن الرحيم سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى، وذلك في سنة ثمان وتسعين وستمائة، وجرى بسبب هذا الجواب أمور ومحن، وهو جواب عظيم النفع جداً، فقال السائل: ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت:١١]، إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات، كقوله ﷺ : (إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن)، وقوله: (يضع الجبار قدمه في النار)، إلى غير ذلك من الأحاديث، وما قالت العلماء، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى؟].
ويظهر من خلال قراءتنا للسؤال الموضوع الذي سيتحدث عنه الشيخ في هذا الكتاب، وهو موضوع آيات وأحاديث الصفات خاصة، وهناك موضوعات عقدية أخرى متعددة، كموضوع القدر، وموضوع الإيمان، وموضوع مصدر التلقي، وغيرها من الموضوعات كما هو المعروف من عادة شيخ الإسلام ﵀.
стр. 26
الفرق بين مذهب أهل السنة وأهل البدع في تأصيل العقائد
قال المؤلف ﵀: [الحمد لله رب العالمين.
قولنا فيها ما قاله الله ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم.
وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره، فإن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً، وأمره أن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]].
والطريقة التي بدأ بها الشيخ ﵀ هي: تأصيل هذا الموضوع.
وهكذا ينبغي أن يكون كل طالب علم عندما يريد أن يبدأ في تقرير قضية اعتقادية، أن يرجع إلى طريقة الرسول ﷺ ، وطريقة الصحابة رضوان الله عليهم، ومناهجهم ومذهبهم في هذا الأمر.
وأما المتأخرون فإنهم لا يرجعون إلى مذاهب الصحابة، بل يؤسسون العقائد على غير طريقة الرسول ﷺ ، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تعريفه للمتكلمين: هم الذين يتحدثون في الدين بغير طريق المرسلين، فيخترعون العقائد، ويخترعون الأدلة لهذه العقائد اختراعاً.
ونحن ملزمون باتباع منهاج السلف في المسائل وفي الأدلة أيضاً.
وقول المؤلف: (فإن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق)، الهدى: العلم النافع.
ودين الحق: العمل الصالح، الذي لا يحصل إلا بالإخلاص والاتباع للرسول ﷺ .
стр. 27
الأدلة على استحالة إهمال القرآن والسنة لمسائل الإيمان بالله وأسمائه وصفاته
стр. 28
القرآن العظيم والرسول الكريم لم يتركا العقيدة من غير بيان
قال المؤلف ﵀: [فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة، وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته؛ محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبساً مشتبهاً، فلم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه].
فاستدل على امتناع أن يكون الرسول ﷺ لم يذكر الحق في مسائل الأسماء والصفات بما أخبر الله عنه ﷺ من أنه بعثه الله بالهدى ودين الحق، وأن هذا القرآن الذي جاء به نور وهدى وشفاء، وأن الرسول ﷺ كان أحرص الناس على توضيح الحق، وكان من أكثر الناس قدرة على البيان والتبيين والتوضيح والفصاحة.
وكل هذه المقومات يستحيل معها أن يكون النبي ﷺ أغفل أو سكت أو نسي أو أهمل باب توحيد الأسماء والصفات، فإن مقتضى كون هذا القرآن الكريم بياناً وشفاء وهدى وذكرى وروحاً ونوراً، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، فلما كان القرآن بهذه الصفة، وكان الرسول ﷺ من أفصح الناس، وأقدرهم على البيان، وأحرصهم على نجاة أمته، وأكثر الناس بذلاً وجهداً وجهاداً لإصلاح أمته، فهذه المقومات مجتمعة لا يمكن معها بأي حال من الأحوال أن يكون رسول الله قد سكت عن باب الإيمان بأسماء الله الحسنى وبصفاته العلى؛ لأن حاجة الإنسان إلى توحيد الله في أسمائه وفي صفاته أعلى، وإذا كانت أعلى حاجة فإن من ضروريات البيان والفصاحة والهدى الذي هو وصف للقرآن، ومن ضروريات والشفاء أن يكون قد وضح ذلك توضيحاً كافياً وبيناً، فلسنا بحاجة إذاً إلى منهج غير القرآن الكريم في الاستدلال على أسماء الله وصفاته، وعلى ما أخبر به .
هذا برهان قوي عقلي متقن بشكل كبير، وهذا البرهان العقلي المتقن المنظم بهذا الأسلوب ينتج عنه استحالة أن يكون القرآن والرسول ﷺ لم يبينا الأسماء الحسنى والصفات العلى.
قال المؤلف ﵀: [فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقاداً وقولاً؟!].
وهذا واضح وبين.
وكل فقرة من هذه الفقرات عليها دليل من القرآن والسنة، فقوله: (فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير)، يعني: الرسول ﷺ ، وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦].
وقوله: (الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور)، عليه أيضاً دليل من القرآن.
وقوله: (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) مقطع من آية.
وقوله: (وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة)، أخذه من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [النساء:٥٩]، وقوله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، إلى آخر الآية، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، إلى آخر ما يدل على وجوب طاعة الرسول.
وقوله: (وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة)، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨]، إلى آخر الآية.
وقوله: (وقد أخبر الله أنه أكمل له ولأمته دينهم)، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣].
ففقرات هذا الدليل، كل فقرة منها يدل عليها دليل من القرآن أو دليل من السنة.
والواجب لله من الأسماء والصفات الكمال المطلق له ، وكل صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه واجبة لله ، وما يجوز عليه هي صفات الأفعال، فإن صفات الأفعال يجوز أن يفعلها ويجوز ألا يفعلها.
وأما قوله: (وما يمتنع عليه)، فهي صفات النقص جميعاً، كالنوم وا
стр. 29
دليل الأولى على تعليم الرسول للصحابة معاني الأسماء والصفات
قال المؤلف ﵀: [ومن المحال أيضاً أن يكون النبي قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة].
وهذا يشير فيه إلى ما رواه الإمام مسلم عن سلمان الفارسي ﵁ أنه قيل له: (قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستنجي برجيع أو بعظم).
فالنبي ﷺ ما ترك أمراً من الأمور إلا دلّ أمته عليه حتى الأمور البسيطة، مثل موضوع الذهاب إلى قضاء الحاجة.
قال المؤلف ﵀: [وقال: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)].
وهذا الحديث رواه بهذا اللفظ الإمام ابن ماجة ﵀ في سننه من حديث العرباض بن سارية، في الحديث المشهور الذي قال فيه: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا) وفي بعض الألفاظ: فأوصنا.
فذكر هذا الحديث.
وهذا الحديث إسناده صحيح، صححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة.
قال المؤلف ﵀: [وقال فيما صح عنه أيضاً: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم)].
وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وهذا الحديث فيه بيان أن الرسول ﷺ كما أخبر الله عنه كان حريصاً على أمته، قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
قال المؤلف ﵀: [وقال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: (لقد توفي رسول الله وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً)].
وهذا الأثر رواه الإمام أحمد في المسند بإسناد فيه نظر، ورواه الطبراني، وقال الهيثمي ﵀: إن رجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو ثقة.
قال المؤلف ﵀: [وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (قام فينا رسول الله مقاماً، فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه).
رواه البخاري].
ورواه أيضاً مسلم في صحيحه.
قال المؤلف ﵀: [ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين -وإن دقت- أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول ﷺ على غاية التمام؟! إذا كان قد وقع ذلك منه فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب، زائدين فيه أو ناقصين عنه].
وهذا برهان من البراهين التي تدل على أن القرآن الكريم والرسول ﷺ ، والصحابة رضوان الله عليهم قد وضحوا باب الأسماء والصفات توضيحاً كافياً شافياً بيناً، بحيث لا يمكن أن يكون مع هذا البيان إشكال على الناس.
وهذا الدليل يسمى قياس الأولى.
وشيخ الإسلام ﵀ نقل هنا من الأحاديث والآثار ما يدل على أن الرسول ﷺ بين لأصحابه أموراً صغيرة ودقيقة وعادية، في صلاح الإنسان وفلاحه ونجاحه وسعادته في دنياه وأخراه، فمن المحال أن يبين لهم هذه الأمور الصغيرة ويهمل تلك الأمور الكبيرة.
وهذا دليل عقلي يقيني، لا شك فيه؛ فإنه يستحيل أن يوضح لهم الصغيرة ويهمل الكبيرة إلا إذا قدح أحد في رسالة الرسول ﷺ ، وأنه غير مستقيم العقل مثلاً، ففي هذه الحالة نبطل قوله بأن رسالة الرسول ﷺ صحيحة، ونثبت صحة رسالته بدلائل النبوة المعروفة المفصلة.
وهذا الدليل الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀ دليل قياس الأولى، وهو: أنه بين الأمور الصغيرة فبيانه للأمور الكبيرة من باب أولى.
стр. 30
الرد على العلمانيين في قولهم إن الدين لا دخل له في السياسة
وبمثل هذا يمكن أن نرد على العلمانيين الذي يقولون: إن هذا الدين لا دخل له في السياسية.
فنقول: إن النبي ﷺ قد علم أصحابه آداب قضاء الحاجة، وقال أبو ذر: (لقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً)، فكيف يوضح الرسول ﷺ دقائق الأمور للصحابة، مثل آداب قضاء الحاجة، وآداب النوم، وآداب الاستئذان، ونحو ذلك، ويهمل قضايا الأمة العامة الأساسية المهمة، مثل قضية سياسة الناس وتطبيق أحكام الله ؟! هذا لا يمكن أبداً.
فهذا نوع من أنواع الأدلة التي يمكن أن يستدل بها في الرد على العلمانيين الذين يقولون: إن الشرع أهمل قضية سياسة الناس.
وفيه الرد أيضاً على المتكلمين الذين يقولون: إنه لا يوجد في القرآن ولم يتكلم رسول الله ﷺ ولا الصحابة بما يغني ويفي ويكفي في موضوع الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وعبادته.
стр. 31
استحالة عدم علم الصحابة بمعاني الأسماء والصفات
قال المؤلف ﵀: [ثم من المحال أيضاً أن تكون القرون الفاضلة القرن الذي بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم؛ كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع.
أما الأول: فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه.
أعني: بيان ما ينبغي اعتقاده، لا معرفة كيفية الرب وصفاته، وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر].
يقول: إن الصحابة رضوان الله عليهم لابد أن يكونوا قد تحدثوا في مسائل الإيمان بالأسماء الحسنى والصفات العلى حديثاً كافياً؛ لأن من لم يتكلم في هذا الموضوع ويوضحه توضيحاً تاماً فله حالتان: إما أن يكون سكت لأنه ليس عنده علم بالحق، فلم يتكلم فيه، وإما أن يكون قال بالباطل ونقيض الحق.
فرد الأول، وقال: لا يمكن أن تكون الحالة الأولى موجودة عند الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأن أي إنسان عنده محبة لطلب العلم، ونهمة في العبادة لابد أن يسأل عما يتعلق بصفات الله وأسمائه وأفعاله.
وأي إنسان عادي عنده محبة لطلب العلم فإنه عندما يدخل في هذا الدين مباشرة يسأل عن إله هذا الدين وعن صفاته وعن أفعاله وعن عبادته، فمن المستحيل أن يكون الصحابة الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الله وقتلوا وجاهدوا في سبيل الله جاهلين بالله وأسمائه وصفاته .
وقوله ﵀: (أعني: بيان ما ينبغي اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته)، هذا استدراك؛ لأن بعض الناس قد يفهم من قوله: (أنه يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده)، أن من أكبر المقاصد البحث عن كيفية صفات الله ، فاستدرك على هذا الفهم الذي قد يطرأ على قارئ كلامه، فقال: أعني: ما ينبغي اعتقاده من الحق، وتصور الحق في هذه المسألة، وليس المقصود معرفة الكيفية؛ فإن معرفة الكيفية غير مدركة للإنسان.
قال المؤلف ﵀: [وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى -الذي هو من أقوى المقتضيات- أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم، هذا لا يكاد يقع من أبلد الخلق، وأشدهم إعراضاً عن الله، وأعظمهم إكباباً على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله تعالى، فكيف يقع من أولئك؟! وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم].
فقوله: (وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق)، أي: هذا فيه تضليل للصحابة وتجهيل لهم، وهذا الاعتقاد لا شك أنه اعتقاد باطل، وقائله ضال منحرف، والكلام عليه كالكلام على الشيعة في سبهم للصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 32
كلام الصحابة في الأسماء والصفات
قال المؤلف ﵀: [ثم الكلام عنهم في هذا الباب أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى أو أضعافها، يعرف ذلك من طلبه وتتبعه].
أي: أن كلام الصحابة رضوان الله عليهم في موضوع صفات الله كلام كثير واسع، ومنه ما نقل وانتشر حتى وصل إلينا، ومنه ما لم ينقل، فمثلاً: كتب التفسير مليئة بنقل أقوال الصحابة رضوان الله عليهم في تفسير آيات الصفات، وكذلك الذي يرجع إلى كتب السلف رضوان الله عليهم في أصول الاعتقاد مثل: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، والسنة لـ عبد الله ابن الإمام أحمد، والشريعة للآجري، وأصول السنة لـ ابن أبي زمنين، وغيرها من الكتب التي ألفت في العقيدة سيجد أقوالاً كثيرة للصحابة رضوان الله عليهم في موضوع صفات الله .
فمنهج السلف معصوم يقيني، وأصل يقينية منهجهم وعصمته مأخوذة من أصل يقينية مصدرهم وهو الوحي.
وما يشغب به المنحرفون المجترئون على السلف الصالح رضوان الله عليهم هو ضلال وانحراف في حقيقته، وليس هو فكرة موضوعية مدروسة دراسة كافية، ولأجل هذا كان كثير ممن يتحدث عن الحرية الفكرية يريد أن يدخل من هذه الكلمة الفضفاضة العامة للطعن في السلف رضوان الله عليهم، وفي رجالهم وأئمتهم رضوان الله عليهم.
ولا نقول: إن أحداً من أفراد السلف لا يقع في الخطأ، فهم بشر يقعون في الخطأ، ولكن مجموعهم لا يمكن أن يتفقوا على الوقوع في الخطأ، فلو أخطأ واحد منهم في قرن فسيرد عليه آخر في قرن آخر، أو في بلد آخر، فلا يمكن أن يتفقوا على خطأ يعمهم ويتفقون عليه.
فالمعصوم هو منهجهم، وليس أفرادهم.
وهذه القضية يقع فيها نوعان من الناس في الخطأ، نوع لا يقر بعصمة منهج السلف بالمرة، فيخالف عقائده الأساسية، وإذا احتج عليه أحد بقول السلف في ذلك أعرض عنه، وقال: هذا كلام رجال لا ينبغي أن تستدل به، وليس استدلالك بصحيح، ولا يوقرهم ولا يقدرهم.
ونوع آخر يقع في خطأ مضاد، وهو: أنه يستدل على الناس بأقوال آحاد السلف، وهذا لا شك أنه غير ملزم؛ لأنها اجتهادات يجتهدونها، وقد تكون صحيحة وقد لا تكون صحيحة، والعبرة هي بإجماعهم.
ثم أشار الشيخ إلى قضية مهمة جداً، وهي بطلان نسبة التفويض إلى عقيدة أهل السنة والسلف الصالح رضوان الله عليهم، وقد أشار إليها الشيخ ﵀ ضمن الاستدلال على يقينية منهج السلف وأنه معصوم، وأن الصحابة رضوان الله عليهم تحدثوا في العقائد حديثاً مستفيضاً وواضحاً وبيناً ولا إشكال فيه، وفي ضمن ذلك أشار إلى مقالة بعض المتكلمين الذين نسبوا إلى منهج السلف التفويض.
стр. 33
مذهب التفويض وبيان بطلانه
стр. 34
معنى التفويض
ومذهب التفويض معناه وحقيقته هو: أن نصوص الصفات الواردة في القرآن وفي السنة ليست على ظاهرها، وإنما لها معان أخرى تخالف الظاهر، فهم يعتقدون أن ظاهر نصوص الصفات الواردة في القرآن وفي السنة التشبيه، فيقولون: إن هذه النصوص ليست على ظاهرها، وإنما لها معانٍ أخرى غير هذه المعاني، ثم قالوا: إن هذه المعاني الأخرى مجهولة بالنسبة لنا ولا نعرفها ولا نستطيع أن نعرفها.
وقال المفوضة: إن الإنسان لا يستطيع أن يتفهم نصوص الصفات، وليس هناك فرق في المعنى بين قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، يقولون: لا نفهم من الأول معنى كما لا نفهم من الثاني معنى.
стр. 35
أصول مذهب التفويض
وقول المفوضة هذا مبني على أصول: الأصل الأول: هو أن نصوص الصفات ليست على ظاهرها؛ لأن ظاهرها يقتضي التشبيه والتمثيل.
والأصل الثاني: هو أنهم قالوا: إن نصوص الصفات لا يمكن للإنسان أن يتدبرها وأن يتفهمها؛ لأنه لا فرق بين هذه الآية وتلك الآية؛ لأن الجميع لا نفهمه ولا نعرفه، ثم قالوا: بأن هذا هو معتقد السلف الصالح رضوان الله عليهم.
وإذا أردنا أن نلخص مذهب التفويض ونضم مسائله بعضها إلى بعض، فإنه يتلخص في أمرين: الأمر الأول: إنكار الصفات.
والأمر الثاني: عدم تحديد معنىً لنصوص الصفات.
فالذين أنكروا الصفات، قالوا: هذه ليست على ظاهرها قطعاً، فقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، لم يستو.
وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، ليس لله يدان على حقيقتها.
وقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، ليس لله ساق على حقيقتها، وهكذا بقية النصوص الشرعية.
فهم ينفون الصفات التي تضمنتها هذه النصوص.
ثم إذا سألت: ما هو المعنى إذاً؟ فلا يعطونك معنى محدداً وإنما يقولون: نفوض ذلك إلى الله ، يعني: نرد هذا إلى الله، ولا نستطيع أن نفهم لها معنى، هذا هو حقيقة مذهب التفويض.
стр. 36
أسباب نشأة مذهب التفويض
وقد نشأ مذهب التفويض عندما وقعت الخصومة بين أهل السنة والمعتزلة، فإنه عندما ظهر المعتزلة وأولوا أسماء الله وصفاته ، وقالوا بخلق القرآن، ثم تبنى المأمون القول بخلق القرآن وفتن العلماء، وسجن من سجن منهم، وقتل من قتل منهم، وشرد من شرد منهم، وثبت الإمام أحمد ونصره الله ، كان الناس في تلك الفترة في موضوع صفات الله على رأيين: رأي النفاة، ويمثله المعتزلة، ورأي المثبتين، ويمثله أهل السنة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
وفي هذه الأثناء ظهرت طائفة ثالثة وهم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب.
فـ عبد الله بن سعيد بن كلاب ظهر بمقالة ثالثة وهي: أنه أثبت بعض صفات الله ونفى بعضها، فأثبت بعض الصفات الخبرية الواردة في القرآن، ونفى الصفات الاختيارية.
ولما ظهر عبد الله بن سعيد بن كلاب انتسب إلى الإمام أحمد وإلى المعارضة التي كانت ضد المعتزلة، وكانت المعارضة ضد المعتزلة في بداية الأمر يمثلها الإمام أحمد وجمهور أهل السنة.
стр. 37
منهج ابن كلاب في مناظرة المعتزلة
ولما ظهر عبد الله بن سعيد بن كلاب ظهر في مناقشته للمعتزلة بمنهج غريب عن منهج السلف الصالح، وهذا المنهج الغريب هو: الاستدلال على مسائل الاعتقاد بالعقل المجرد، وأقر للمعتزلة بكثير من المقدمات العقلية التي قالوا بها، ومن أعظمها وأشهرها: الاستدلال على وجود الله بدليل حدوث العالم، وأن العالم مركب من جواهر وأعراض، وأن الدليل على أن هذا العالم محدث هو الحدوث، الذي هو حصول الشيء بعد أن لم يكن، فالتزم أن الشيء إذا حصل بعد أن لم يكن أن هذا يسمى حدوثاً، وإذا كان هذا حدوثاً فهو دليل على أنه مُحدث والإله قديم، ولا يمكن أن يكون محدثاً، فالتزم بناء على ذلك أن الأفعال الاختيارية التي يفعلها الله متى شاء من هذا القبيل، وأن الله قديم بذاته وصفاته، وليس هناك حدوث في صفات الله .
فلما رأى أن النصوص الشرعية تتضمن إثبات أفعال لله ، وأنها حدثت بعد أن لم تكن موجودة من قبل قال: إذاً هذا يلزمنا أن نبطل دليل حدوث العالم الذي هو دليل وجود الله ، ولا يمكن أن نبطله؛ لأن في إبطاله إبطالاً لأصل وجود الله ، وبناءً على هذا قال: لابد من تأويل النصوص الواردة في إثبات أفعال الله ، فعندما يقرأ مثلاً: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، يكون معناها: أنه لم يكن مستوياً ثم استوى؛ لأن (ثم) تقتضي الترتيب، فمعنى هذا أن الاستواء حدث بعد أن لم يكن موجوداً، وهذا دليل الحدوث، والله قديم، فأول الاستواء وقال: إنه بمعنى استولى، فالتزم بتأويلات المعتزلة في موضوع الصفات الاختيارية.
стр. 38
ردود أهل السنة على منهج المعتزلة في إثبات وجود الله
والمذهب الحق في هذه المسألة هو مذهب أهل السنة، فإن أهل السنة قالوا: إن دليل المعتزلة في إثبات وجود الله دليل فاسد باطل، ونحن لسنا محتاجين في إثبات وجود الله للاستدلال بدليل حدوث العالم، وهو: أن العالم مكون من جواهر وأعراض، وأن الجواهر تتعلق بها الأعراض، فإذا تعلقت بها الأعراض فإن هذا يكون دليلاً على حدوثه، وأنه يصبح محدثاً، وكل مُحدَث لا بد أن يكون له من مُحدِث، وإنما نستطيع أن نثبت وجود الله بغير هذا الطريق، فهذا طريق مبتدع مخترع، ولسنا محتاجين إليه.
فنستدل على وجوده بدليل الفطرة، وهو أن الإنسان يشعر من نفسه أن الله موجود، وهذه الفطرة يعرفها الإنسان من نفسه.
وأيضاً هناك أدلة عقلية أخرى، وهي: أن هذه المخلوقات إما أن تكون خلقت نفسها، وهذا محال؛ لأننا نعرف أنها لم تخلق نفسها، وإما أن تكون خلقت من غير شيء، وهذا غير مقبول عقلاً؛ فإنه لا يمكن أن يوجد مخلوق بدون خالق، وبناءً على هذا فلا بد أن يثبت الخالق، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥].
فنحن لسنا محتاجين إلى هذا الدليل، ولكن المشكلة التي وقع فيها الكلابية هي أنهم التزموا بأدلة المعتزلة الكلامية فأثر ذلك عليهم، فأصبحوا من نفاة الصفات.
стр. 39
تأويل الأشعرية
ثم بعد ذلك ظهر أبو الحسن الأشعري، وكان معتزلياً لمدة أربعين سنة ثم ترك الاعتزال، فلما ترك الاعتزال وجد أمامه طريقين: الطريق الأول: هو طريق الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وعامة السلف.
بعد تركه لمنهج المعتزلة إلى طريقة الكلابية والكلابية كانوا يردون على المعتزلة بقوة مع التزامهم بعض أصولهم، فالتزم أبو الحسن طريقة الكلابية وألف كتاب (اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع)، ويقصد بـ (أهل الزيغ والبدع) المعتزلة، وألف رسالة أخرى سماها (رسالة إلى أهل الثغر) ثم ألف بعد ذلك كتاباً سماه (الإبانة).
وفي الكتابين الأولين كان على طريقة الكلابية، فإنه نفى الصفات الاختيارية، ونفى بعض ما يتعلق بالصفات العقلية من التجدد، فمثلاً في صفة العلم نفى أن يكون هناك تجدد للعلم مع تجدد المعلومات، وهكذا البصر والإرادة، ونحوها، فهو يقول في الإرادة مثلاً: إن إرادة الله إرادة واحدة كانت فكانت هذه المرادات.
وحين مناقشة أبي الحسن الأشعري في هذه المسألة، وهو أن الأمور التي حصلت بعد مائة سنة مثلاً ولم تكن موجودة قبل ذلك ألم يردها الله في ذلك الوقت؟ قال: لا، أرادها الله إرادة واحدة في بداية الأمر فكانت.
ولهذا وقع في أخطاء كبيرة.
والمعتقد الصحيح هو أن الله يريد كل أمر من الأفعال في وقته الذي يريده فيفعله، فإن ما شاءه الله كان، وما لم يشأ لم يكن في أي وقت وفي أي مكان، ولكن دليل الحدوث أثر عليهم تأثيراً كبيراً، بحيث إنهم كانوا لا يثبتون أي أمر من الأمور التي تكون بعد أن لم تكن موجودة سابقاً.
وعندما ظهر أبو الحسن الأشعري وتلاميذه من بعده رأوا أن هناك كثيراً من الصفات لابد لها من تأويل فأولوها، فمثلاً: أولوا النزول بأنه نزول الأمر، وأولوا الاستواء بأنه الاستيلاء، وأولوا المجيء بأنه مجيء الأمر، وكذلك الإتيان، وهكذا فلما اشتغلوا بالتأويل ظهرت طائفة منهم قالت: إن الناس على قسمين: القسم الأول: السلف الصالح رضوان الله عليهم، ويعنون بهم الصحابة والتابعين، وهؤلاء كانوا على مذهب التسليم المطلق، الذي يكون بعد نفي ظواهر آيات الصفات وأحاديثها.
والقسم الثاني: طائفة المتأخرين الذين اشتغلوا بالتأويل.
стр. 40
بعض الأشاعرة الذين قسموا السلف إلى مفوضة ومؤولة
ومن الأشاعرة الذين أشاروا إلى مسألة انقسام أهل السنة حسب زعمهم إلى: مفوضة ومؤولة أبو سليمان الخطابي ﵀ في كتابه (أعلام الحديث) في شرح صحيح البخاري وهو كتاب مطبوع.
ومنهم أيضاً: أبو بكر بن فورك في كتاب (مشكل الحديث وبيانه)، وهذا الكتاب ألفه في الرد على كتاب التوحيد لـ ابن خزيمة ﵀، فإنه استعرض الأحاديث التي أثبت فيها الصفات فأولها جميعاً، وذكر في بداية كتابه أن الناس على قسمين: قسم فوضوا، وقسم أولوا، وكلاهما على الحق، هكذا يقول.
ومنهم أيضاً البيهقي في كتابه الأسماء الحسنى، ومنهم أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية، ومنهم ابن خلدون في مقدمة تاريخه المشهور.
ومنهم مفوضة الحنابلة وهم مجموعة من الحنابلة كـ أبي يعلى القاضي رحمه الله تعالى وابن الزاغوني والكلوذاني ومنهم ابن الجوزي ومنهم مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي والسفاريني صاحب لوامع الأنوار البهية وغيرهم، فهؤلاء فهموا أن مذهب السلف هو التفويض.
والحقيقة أنه ليس هناك فرق بين مذهب المؤولة ومذهب المفوضة من جهة نفي الصفات من الجميع، فإن المفوضة والمؤولة جميعاً ينفون الصفات، ولكن اختلفوا في المعنى، فالمفوضة قالت: نفوضه لله، والمؤولة قالت: نؤوله بما نستطيع، فالجميع من نفاة الصفات.
ولهذا يرى الأشاعرة أن المفوضة والمؤولة ليس بينهما فرق، ويقولون: إن المفوضة اتبعوا طريقة السلف، والمؤولة اتبعوا طريقة الخلف.
وظهرت المقالة المشهورة التي أشار إليها ابن تيمية ﵀ وهي: (إن مقالة السلف أسلم)، يعني: حتى لا نتورط في أن ننسب للقرآن والسنة معنى غير متأكد منه، فهي أسلم، (وأما طريقة الخلف فهي أعلم وأحكم) يعني: أدق.
ولهذا يرى هؤلاء أن السلف الصالح رضوان الله عليهم وهم الصحابة والرسول ﷺ لم يتحدثوا في موضوع الصفات بما يغني ويشفي، وأن كلام المتأخرين أقوى وأدل على موضوع الصفات من كلام الصحابة رضوان الله عليهم، ويرون أن هؤلاء الصحابة والتابعين والسلف رضوان الله عليهم مثل العوام الذين يقرءون القرآن ولا يفهمون منه إلا المعاني العامة فقط، وأما الغوص في المعاني والمدلولات فإن هؤلاء لم يصلوا إليه، وإنما وصل إليه الخلف كما يقولون وكما يزعمون.
ولهذا فإن أهل السنة يسمون المفوضة: أهل التجهيل، يعني: الذين جهلوا السلف، وقالوا: إنهم جهلوا معاني النصوص، فلم يفهموها ولم يفقهوها.
следующие страницы →