← Акыда

Акыда · id 37798

شرح الحموية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (172 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أسباب نشأة مذهب التفويض وقد نشأ مذهب التفويض عندما وقعت الخصومة بين أهل السنة والمعتزلة، فإنه عندما ظهر المعتزلة وأولوا أسماء الله وصفاته ، وقالوا بخلق القرآن، ثم تبنى المأمون القول بخلق القرآن وفتن العلماء، وسجن من سجن منهم، وقتل من قتل منهم، وشرد من شرد منهم، وثبت الإمام أحمد ونصره الله ، كان الناس في تلك الفترة في موضوع صفات الله على رأيين: رأي النفاة، ويمثله المعتزلة، ورأي المثبتين، ويمثله أهل السنة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. وفي هذه الأثناء ظهرت طائفة ثالثة وهم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب. فـ عبد الله بن سعيد بن كلاب ظهر بمقالة ثالثة وهي: أنه أثبت بعض صفات الله ونفى بعضها، فأثبت بعض الصفات الخبرية الواردة في القرآن، ونفى الصفات الاختيارية. ولما ظهر عبد الله بن سعيد بن كلاب انتسب إلى الإمام أحمد وإلى المعارضة التي كانت ضد المعتزلة، وكانت المعارضة ضد المعتزلة في بداية الأمر يمثلها الإمام أحمد وجمهور أهل السنة.

стр. 37

منهج ابن كلاب في مناظرة المعتزلة ولما ظهر عبد الله بن سعيد بن كلاب ظهر في مناقشته للمعتزلة بمنهج غريب عن منهج السلف الصالح، وهذا المنهج الغريب هو: الاستدلال على مسائل الاعتقاد بالعقل المجرد، وأقر للمعتزلة بكثير من المقدمات العقلية التي قالوا بها، ومن أعظمها وأشهرها: الاستدلال على وجود الله بدليل حدوث العالم، وأن العالم مركب من جواهر وأعراض، وأن الدليل على أن هذا العالم محدث هو الحدوث، الذي هو حصول الشيء بعد أن لم يكن، فالتزم أن الشيء إذا حصل بعد أن لم يكن أن هذا يسمى حدوثاً، وإذا كان هذا حدوثاً فهو دليل على أنه مُحدث والإله قديم، ولا يمكن أن يكون محدثاً، فالتزم بناء على ذلك أن الأفعال الاختيارية التي يفعلها الله متى شاء من هذا القبيل، وأن الله قديم بذاته وصفاته، وليس هناك حدوث في صفات الله . فلما رأى أن النصوص الشرعية تتضمن إثبات أفعال لله ، وأنها حدثت بعد أن لم تكن موجودة من قبل قال: إذاً هذا يلزمنا أن نبطل دليل حدوث العالم الذي هو دليل وجود الله ، ولا يمكن أن نبطله؛ لأن في إبطاله إبطالاً لأصل وجود الله ، وبناءً على هذا قال: لابد من تأويل النصوص الواردة في إثبات أفعال الله ، فعندما يقرأ مثلاً: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، يكون معناها: أنه لم يكن مستوياً ثم استوى؛ لأن (ثم) تقتضي الترتيب، فمعنى هذا أن الاستواء حدث بعد أن لم يكن موجوداً، وهذا دليل الحدوث، والله قديم، فأول الاستواء وقال: إنه بمعنى استولى، فالتزم بتأويلات المعتزلة في موضوع الصفات الاختيارية.

стр. 38

ردود أهل السنة على منهج المعتزلة في إثبات وجود الله والمذهب الحق في هذه المسألة هو مذهب أهل السنة، فإن أهل السنة قالوا: إن دليل المعتزلة في إثبات وجود الله دليل فاسد باطل، ونحن لسنا محتاجين في إثبات وجود الله للاستدلال بدليل حدوث العالم، وهو: أن العالم مكون من جواهر وأعراض، وأن الجواهر تتعلق بها الأعراض، فإذا تعلقت بها الأعراض فإن هذا يكون دليلاً على حدوثه، وأنه يصبح محدثاً، وكل مُحدَث لا بد أن يكون له من مُحدِث، وإنما نستطيع أن نثبت وجود الله بغير هذا الطريق، فهذا طريق مبتدع مخترع، ولسنا محتاجين إليه. فنستدل على وجوده بدليل الفطرة، وهو أن الإنسان يشعر من نفسه أن الله موجود، وهذه الفطرة يعرفها الإنسان من نفسه. وأيضاً هناك أدلة عقلية أخرى، وهي: أن هذه المخلوقات إما أن تكون خلقت نفسها، وهذا محال؛ لأننا نعرف أنها لم تخلق نفسها، وإما أن تكون خلقت من غير شيء، وهذا غير مقبول عقلاً؛ فإنه لا يمكن أن يوجد مخلوق بدون خالق، وبناءً على هذا فلا بد أن يثبت الخالق، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]. فنحن لسنا محتاجين إلى هذا الدليل، ولكن المشكلة التي وقع فيها الكلابية هي أنهم التزموا بأدلة المعتزلة الكلامية فأثر ذلك عليهم، فأصبحوا من نفاة الصفات.

стр. 39

تأويل الأشعرية ثم بعد ذلك ظهر أبو الحسن الأشعري، وكان معتزلياً لمدة أربعين سنة ثم ترك الاعتزال، فلما ترك الاعتزال وجد أمامه طريقين: الطريق الأول: هو طريق الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وعامة السلف. بعد تركه لمنهج المعتزلة إلى طريقة الكلابية والكلابية كانوا يردون على المعتزلة بقوة مع التزامهم بعض أصولهم، فالتزم أبو الحسن طريقة الكلابية وألف كتاب (اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع)، ويقصد بـ (أهل الزيغ والبدع) المعتزلة، وألف رسالة أخرى سماها (رسالة إلى أهل الثغر) ثم ألف بعد ذلك كتاباً سماه (الإبانة). وفي الكتابين الأولين كان على طريقة الكلابية، فإنه نفى الصفات الاختيارية، ونفى بعض ما يتعلق بالصفات العقلية من التجدد، فمثلاً في صفة العلم نفى أن يكون هناك تجدد للعلم مع تجدد المعلومات، وهكذا البصر والإرادة، ونحوها، فهو يقول في الإرادة مثلاً: إن إرادة الله إرادة واحدة كانت فكانت هذه المرادات. وحين مناقشة أبي الحسن الأشعري في هذه المسألة، وهو أن الأمور التي حصلت بعد مائة سنة مثلاً ولم تكن موجودة قبل ذلك ألم يردها الله في ذلك الوقت؟ قال: لا، أرادها الله إرادة واحدة في بداية الأمر فكانت. ولهذا وقع في أخطاء كبيرة. والمعتقد الصحيح هو أن الله يريد كل أمر من الأفعال في وقته الذي يريده فيفعله، فإن ما شاءه الله كان، وما لم يشأ لم يكن في أي وقت وفي أي مكان، ولكن دليل الحدوث أثر عليهم تأثيراً كبيراً، بحيث إنهم كانوا لا يثبتون أي أمر من الأمور التي تكون بعد أن لم تكن موجودة سابقاً. وعندما ظهر أبو الحسن الأشعري وتلاميذه من بعده رأوا أن هناك كثيراً من الصفات لابد لها من تأويل فأولوها، فمثلاً: أولوا النزول بأنه نزول الأمر، وأولوا الاستواء بأنه الاستيلاء، وأولوا المجيء بأنه مجيء الأمر، وكذلك الإتيان، وهكذا فلما اشتغلوا بالتأويل ظهرت طائفة منهم قالت: إن الناس على قسمين: القسم الأول: السلف الصالح رضوان الله عليهم، ويعنون بهم الصحابة والتابعين، وهؤلاء كانوا على مذهب التسليم المطلق، الذي يكون بعد نفي ظواهر آيات الصفات وأحاديثها. والقسم الثاني: طائفة المتأخرين الذين اشتغلوا بالتأويل.

стр. 40

بعض الأشاعرة الذين قسموا السلف إلى مفوضة ومؤولة ومن الأشاعرة الذين أشاروا إلى مسألة انقسام أهل السنة حسب زعمهم إلى: مفوضة ومؤولة أبو سليمان الخطابي ﵀ في كتابه (أعلام الحديث) في شرح صحيح البخاري وهو كتاب مطبوع. ومنهم أيضاً: أبو بكر بن فورك في كتاب (مشكل الحديث وبيانه)، وهذا الكتاب ألفه في الرد على كتاب التوحيد لـ ابن خزيمة ﵀، فإنه استعرض الأحاديث التي أثبت فيها الصفات فأولها جميعاً، وذكر في بداية كتابه أن الناس على قسمين: قسم فوضوا، وقسم أولوا، وكلاهما على الحق، هكذا يقول. ومنهم أيضاً البيهقي في كتابه الأسماء الحسنى، ومنهم أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية، ومنهم ابن خلدون في مقدمة تاريخه المشهور. ومنهم مفوضة الحنابلة وهم مجموعة من الحنابلة كـ أبي يعلى القاضي رحمه الله تعالى وابن الزاغوني والكلوذاني ومنهم ابن الجوزي ومنهم مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي والسفاريني صاحب لوامع الأنوار البهية وغيرهم، فهؤلاء فهموا أن مذهب السلف هو التفويض. والحقيقة أنه ليس هناك فرق بين مذهب المؤولة ومذهب المفوضة من جهة نفي الصفات من الجميع، فإن المفوضة والمؤولة جميعاً ينفون الصفات، ولكن اختلفوا في المعنى، فالمفوضة قالت: نفوضه لله، والمؤولة قالت: نؤوله بما نستطيع، فالجميع من نفاة الصفات. ولهذا يرى الأشاعرة أن المفوضة والمؤولة ليس بينهما فرق، ويقولون: إن المفوضة اتبعوا طريقة السلف، والمؤولة اتبعوا طريقة الخلف. وظهرت المقالة المشهورة التي أشار إليها ابن تيمية ﵀ وهي: (إن مقالة السلف أسلم)، يعني: حتى لا نتورط في أن ننسب للقرآن والسنة معنى غير متأكد منه، فهي أسلم، (وأما طريقة الخلف فهي أعلم وأحكم) يعني: أدق. ولهذا يرى هؤلاء أن السلف الصالح رضوان الله عليهم وهم الصحابة والرسول ﷺ لم يتحدثوا في موضوع الصفات بما يغني ويشفي، وأن كلام المتأخرين أقوى وأدل على موضوع الصفات من كلام الصحابة رضوان الله عليهم، ويرون أن هؤلاء الصحابة والتابعين والسلف رضوان الله عليهم مثل العوام الذين يقرءون القرآن ولا يفهمون منه إلا المعاني العامة فقط، وأما الغوص في المعاني والمدلولات فإن هؤلاء لم يصلوا إليه، وإنما وصل إليه الخلف كما يقولون وكما يزعمون. ولهذا فإن أهل السنة يسمون المفوضة: أهل التجهيل، يعني: الذين جهلوا السلف، وقالوا: إنهم جهلوا معاني النصوص، فلم يفهموها ولم يفقهوها.

стр. 41

الفرق بين تفويض المعنى وتفويض الكيفية وننبه إلى قضية مهمة جداً، وهي أن هناك فرقاً بين تفويض المعنى وتفويض الكيفية، يعني: عندما نأتي إلى قوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، فإن هذه الآية لها معنى ولها كيفية، فالمعنى أن لله يدين تليقان بجلاله لا تشبهان أيدي المخلوقين، وأن هاتين اليدين يدان حقيقيتان لا تشبهان أيدي المخلوقين، وهذا ما يفهمه الإنسان. فاليد في هذه الآية غير الاستواء، فالاستواء فعل واليد صفة، وليست فعلاً، هكذا نفهمها مع إثباتنا لنفي المشابهة، وأما الكيفية التي هي تحديد كيفية الصفة فلا نعلمها؛ لأن هذا الأمر ليس إلينا، وإنما هو إلى الله ، وإن كان لها كيفية محددة في نفس الأمر، ولكن لا نفهمها؛ لأن الله لم يعلمنا إياها. فالله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ويقول: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، فنفى عن نفسه مشابهة المخلوقين، ولم يعلمنا بكيفية صفته، وإنما علمنا معناها، فإن هذه الكلمات الموجودة في القرآن من لغة العرب، ولغة العرب واضحة يفهمها الإنسان، ويستطيع أن يدرك معانيها، ولا يلزم من إدراك معناها إدراك حقيقتها على التفصيل، ولهذا نحن نقول: نفهم المعنى ونفوض الكيفية، بينما المفوضة يفوضون المعنى والكيفية، فلا يفهمون لآيات الصفات وأحاديثها معنى.

стр. 42

الرد على المفوضة الذين يفوضون المعنى والكيفية نرد على هؤلاء بأن نقول: إن الله أمرنا بتدبر كتابه ولم يفرق بين الآيات التي في القصص والأحكام والآيات التي في الصفات، قال الله : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. ويقول : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]. ويقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]. إذاً: فالقرآن يمكن لنا أن نتدبره ونتفهمه، ولهذا أثنى النبي ﷺ على من يفقه الدين، وفقه الدين يكون بفقه القرآن والسنة، ويدخل في الفقه هنا فقه العقيدة وفقه الأحكام، فالله لم يقل لنا: اتركوا آيات الصفات ولا تتدبروها؛ لأنكم لن تفهموا لها معنى، وتدبروا الآيات المتعلقة بالأحكام. وبناء على هذا نقول: إن الله أمرنا بأن نتدبر آياته، فيجب أن نلتزم ذلك ونفهم أن لنصوص الصفات معنى، ونفوض الكيفية لله ، هذا أولاً. وثانياً: أنه يلزم من عدم معرفة معاني آيات الصفات الجهل بالله ، والجهل بالله لا شك أنه من أخطر الأمور المتعلقة بالعقيدة، فالإنسان إذا جهل الله، وجهل صفاته، وجهل أسمائه، وقع -والعياذ بالله- في عدم معرفته لله وصفاته وأسمائه، وهذا نقص عظيم في العقيدة، إن لم يصل بالإنسان إلى الشرك. وثالثاً: إن لازم مقالة التفويض أن الله خاطبنا بالألغاز والأحاجي، ومعاذ الله أن يكون هذا القرآن فيه خطاب لنا بالألغاز والأحاجي، فإن الله سمى هذا القرآن بياناً، فقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨]، والبيان يقتضي أن يكون واضحاً بيناً لا إشكال فيه، ومقالة المفوضة تدل على أنّ هذا القرآن فيه ألغاز وأحاجي لا يمكن للإنسان أن يفهمها، والله أراد لنا معرفة الحق، ولم يرد بنا التضليل وعدم تأمل آياته وأحكامه.

стр. 43

القائلون بالتفويض في هذا العصر وممن قال بمقالة المفوضة من المتأخرين الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية)، والأستاذ حسن البنا، والأستاذ عبد الرحمن حبنكة الميداني في كتابه (العقيدة الإسلامية وأسسها). ومقالة المفوضة لها رواج ضخم عند كثير ممن يجهل أمر الاعتقاد، وعند كثير ممن يتبع بعض المشايخ بدون بصيرة وعلم، فبعض من يتبع الأستاذ حسن البنا يقولون بمقالته بدون علم. وقد قرأت مقالة طويلة في مجلة المجتمع كتبها الدكتور يوسف القرضاوي يقرر فيها أن مذهب التفويض هو مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم، ويقول: إن السلف رضوان الله عليهم لم يتكلموا في معاني صفات الله ، ويقول: إن الخلاف مع الأشاعرة خلاف بسيط، والسبب في كونه بسيطاً هو أن الأشاعرة اختاروا أحد قولي أهل السنة، هكذا يقول، فهو يقول: أهل السنة لهم قولان: القول الأول: التفويض، والقول الثاني: التأويل. فكون الأشاعرة اختاروا مقالة التأويل لا يعني أنهم مخطئون. والحقيقة: أن الجميع مذهب واحد منحرف عن جادة أهل السنة والجماعة.

стр. 44

شرح الفتوى الحموية [٤] مذهب التفويض مذهب خطير، وتكمن خطورته في أنه قد تبناه أعلام مشهورون كالأشعري والخطابي والسفاريني وغيرهم من الأئمة، وأيضاً لأن الناس يحبون السهولة، والنفس البشرية تركن إلى الراحة، فهذا المذهب يوفر عليهم عناء البحث عن الحقيقة، فلجئوا إلى نفي الصفات، وفوضوا معناها وحقيقتها، مع أن السلف الصالح أثبتوا معانيها وفوضوا حقائقها وكيفيتها، فينبغي للمسلم أن يحذر من مذهب التفويض المفضي إلى نفي صفات الله تعالى.

стр. 45

موقف المفوضة من صفات الله تعالى والنصوص الواردة في ذلك في الدرس الماضي تحدثنا عن المفوضة وبطلان مذهب التفويض، ومقالة: أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الناس انقسموا في نصوص صفات الله من القرآن والسنة إلى ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: هم أهل الحق وهم أهل السنة والجماعة الذين أجروا هذه النصوص على ظاهرها، وقالوا: إن ظاهرها مراد، وإن الله خاطبنا بلغة بينة وواضحة، ونفوا عن معانيها مشابهة المخلوقين؛ لقول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وغيرها من الآيات التي تدل على تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين. الطائفة الثانية: هم المؤولة، وهم الذين قالوا: إن نصوص صفات الله ليست على ظاهرها. وقالوا: إن ظاهرها تشبيه الله بخلقه، وإن هذه النصوص لا يمكن أن تكون على ظاهرها، وإن لها معاني مجازية أخرى يمكن أن نستخرجها، ثم بدءوا يؤولون صفات الله على معان أخرى غير المعاني الحقيقية التي يدل عليها ظاهر النص، وهؤلاء هم المؤولة وهم الجهمية والمعتزلة، وهم المتأخرون من الأشاعرة والماتريدية. الطائفة الثالثة: هم المفوضة، وهم الذين قالوا: إن نصوص الصفات ليست على ظاهرها، وإن ظاهرها يدل على التشبيه، فاشتركوا مع المؤولة في هذا الأمر، وهو أن ظاهر نصوص الصفات ليست مرادة، وإنما هي تدل على التشبيه، ثم افترقوا عن المؤولة بأنهم قالوا: إن معانيها مجهولة لنا لا نعلمها، وإنما يعلمها الله وحده. وأنكروا على المؤولة الذين زعموا أن لها معاني مجازية يعلمونها، وقالوا: إن لها معاني أخرى غير معناها الظاهر، لكن نحن لا نعلمها، وسموا ذلك تفويضاً. وهذه الطائفة هي المعنية بالحديث معنا في الدرس الماضي، وفي هذا الدرس سنكمل الحديث بإذن الله تعالى عن هذه الطائفة. وتعرضنا في الدرس الماضي للفرق بين تفويض المعنى وتفويض الكيفية، وقلنا: إن هذه الطائفة الضالة فوضت المعاني، وقالت: نحن لا نفهم لنصوص الصفات معاني محددة، ولا يفرقون بين النصوص، فعندهم أن قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] وكغيرها من الآيات التي تدل على صفات الله ، فهم لا يفرقون بين معانيها؛ لأنهم يجهلون المعاني، ولا يرون أن هناك فرقاً بين هذا المعنى وذاك. وأما السلف الصالح رضوان الله عليهم فإنهم يقولون: المعنى مفهوم ومعروف، وهو ما تدل عليه لغة العرب، وأما كيفيات صفات الله ، فنحن لا نعلمها؛ لأن الله علمنا هذه الصفات، ونفى عن نفسه كيفية مشابهة المخلوقات، ولم يعلمنا كيفية محددة لصفاته ، فهي ليست من جنس صفات البشر، ولا يمكن أن يدركها الإنسان بعقله المجرد إلا بخبر الله ، والله لم يخبرنا عن ذلك. إذاً: هناك فرق بين تفويض المعنى وتفويض الكيفية، تفويض الكيفية هو منهج السلف مع إقرار المعنى وإثباته، وأما تفويض المعنى وقولهم بأن نصوص الصفات ليس لها معان نفهمها فهذا قول باطل، وهو مذهب التفويض الباطل الذي نتحدث عنه. وقد أشرنا في الدرس الماضي إلى مجموعة من الأعلام الذين قالوا بمذهب التفويض، ونشأة هذا المذهب، وأنه ترعرع في صفوف الكلابية في بداية الأمر، ثم ظهر بقوة على يد أبي الحسن الأشعري بعد تراجعه عن مذهب المعتزلة، ثم سار عليه مجموعة من تلاميذ أبي الحسن، ثم بعد ذلك ظهرت مقالة المؤولة وأنكروا على المفوضة، وبعضهم اعتبر أن مذهب التفويض هو مذهب السلف، وأن مذهب الخلف هو الغوص في المعاني لإدراك المعاني الغامضة التي لا تدل عليها ظواهر النصوص الشرعية.

стр. 46

أسباب خطورة مذهب التفويض إن مذهب التفويض مذهب خطير، وخطورة التفويض تعود إلى عدة أسباب: السبب الأول: أن مذهب التفويض تبناه أعلام مشهورون كـ أبي الحسن مثلاً وأبي سليمان الخطابي، وأيضاً مفوضة الحنابلة كـ القاضي أبي يعلى وابن الزاغوني والسفاريني وغيرهم. وأيضاً تبناه من المتأخرين الأستاذ محمد أبو زهرة وهو باحث كبير ومشهور في الدراسات الإسلامية، تبناه في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية)، وكذلك تبناه مجموعة من الباحثين المتأخرين، وبالذات بعض المشتهرين والمشتغلين بالدعوة الإسلامية مثل: الأستاذ حسن البنا في كتابه (العقائد) ونصره بعض تلاميذه ممن تعصب له وحاول أن يدافع عنه، وبعضهم أول كلامه ليجعله موافقاً لكلام السلف، وبعضهم نصره حتى مع معرفته بالمخالفة لمنهج السلف، كما فعل الدكتور يوسف القرضاوي في مجموعة المقالات التي نشرت في مجلة (المجتمع) مؤخراً. ومن هنا فإن هذا السبب يجعل للتفويض رواجاً عند من يحب مثل هؤلاء ويقدرهم ويعظمهم، ولهم مكانة في نفسه. السبب الثاني: هو أن مذهب التفويض مذهب سهل؛ لأن فيه تخلياً عن البحث وعن الدراسة، والنفس تحب أن يتخلى الإنسان ويقول: هذه أمور غيبية لا نعلمها فنتركها كما هي. لكن الحقيقة التي ينبغي أن نعلمها هي أن أهل التأويل وأهل التفويض اجتمعوا في نفي الصفات، فأنت إذا سألك سائل: هل المفوضة ينفون الصفات؟ تقول: نعم، ينفون الصفات. فإذا قال قائل: كيف تقول: إنهم ينفون الصفات، مع أنهم يفوضون معانيها؟ فقل: لم يفوضوا إلا بعد أن نفوا، ولهذا فإن مذهب التفويض مبني على مقدمتين: المقدمة الأولى: هي أن ظواهر النصوص ليست مرادة، والمعاني التي يفهمها الإنسان من ظاهر النص ليس مراداً، فلما اتفقوا هم والمؤولة على أن الظاهر ليس مراداً، خالفوا في هذا منهج السلف الذين يقولون إن الظاهر مراد، وإن الله خاطبنا بلغة العرب، ولا يمكن أن يكون ظواهر النصوص الشرعية كفراً؛ لأن التشبيه كفر، ولا يمكن أن يكون ظاهر النص الشرعي كفراً. والمفوضة لما خالفوا منهج السلف في هذا افترقوا هم وأهل التأويل، فأهل التأويل حددوا معاني اجتهدوا فيها، والمفوضة قالوا: نفوض المعاني ولا نجتهد فيها. وبعض الباحثين عندما يقرأ في قضايا الألوهية وفي الصفات قد لا يرتاح نفسياً خصوصاً إذا كان منطلق البحث عنده منطلقاً خاطئاً. أعني أن بعض الناس عندما يبحث في هذا الموضوع يتجه إلى الكتب الموجودة في الساحة الإسلامية بشكل عام، فيقرأ كتب المؤولة وكتب المثبتة وكتب المفوضة، فيجد حيرة، وحينئذ إذا وجد الحيرة يجد من نفسه ميلاً إلى الإهمال والإعراض، والترك، وحينئذ يتبنى مذهب التفويض، لكن لو أنه أسس نفسه من بداية الأمر تأسيساً صحيحاً بدراسته لمعتقد السلف، وأن الله خاطبنا بلغة عربية معلومة مفهومة، وأنه لا يمكن أبداً أن يخاطبنا الله بألغاز أو أحاجي أو أغلوطات؛ حينئذ سيجد أن نصوص الصفات سهلة وميسورة، وأنه إذا قلنا: إن لله يداً، فهو كقولنا: لله علم، إذا قلنا: لله علم، فمعنى ذلك: أنه علم لا يشبه علم المخلوقين، فكذلك له يد لا تشبه أيدي المخلوقين. ولماذا نثبت صفة العلم لله وننفي عنه المشابهة، ولا نستطيع أن نثبت اليد وننفي عنها المشابهة، مع أن الحالة واحدة؟ ليس هناك فرق بين هذه وهذه. ومن هنا فنحن ربما نطيل في الحديث عن هذا المذهب؛ لخطورته ولانتشاره عند كثير من الدارسين. والحقيقة أن ابن تيمية ﵀ من أكثر أهل العلم الذين ردوا على مذهب هؤلاء رداً مفصلاً، ومثله أيضاً الإمام أحمد ﵀ من قبل، فقد رد عليهم رداً مفصلاً في كتابه (الرد على الجهمية والمعطلة) وكذلك ابن قتيبة في كتابه (مشكل القرآن) رد عليهم أيضاً رداً مفصلاً وواضحاً.

стр. 47

المحكم والمتشابه وموقف الفرق منه

стр. 48

معنى المحكم والمتشابه في كلام الله صار المفوضة إلى هذا المذهب؛ لسوء فهمهم لآية من أشهر الآيات في معاني كلام الله ، وهي آية المتشابه التي في سورة آل عمران، وآية المتشابه التي في سورة آل عمران سنتحدث عنها الآن، وسنتحدث عنها في فقرة قادمة بإذن الله عند حديثنا عن التأويل من حيث المعنى، ومن حيث الرد عليه بإذن الله تعالى. وقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً عن هذه الآية، وتحدث من قبله من أهل العلم عن هذه الآية، وبينوا الخلل الذي دخل على المفوضة والمؤولة في فهمهم لهذه الآية. وقبل أن نخوض في كيفية فهم المفوضة لهذه الآية والرد عليهم نبين أولاً المعنى الصحيح لهذه الآية: يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]. والحقيقة أن هذه آية عظيمة لاشتمالها على كثير من الأحكام والفوائد المتعددة. وقد وردت آيات في بيان أن القرآن جميعه محكم، منها قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١]. وأيضاً وردت آيات أن القرآن جميعاً متشابه. وكذلك وردت آية وهي هذه الآية في أن بعضه محكم، وبعضه متشابه. والتحقيق أن الآية التي وردت في أن القرآن جميعه محكم، فالمعنى: أن جميعه متقن، وأنه ليس فيه خطأ ولا زلل، وأنه منضبط في أخباره وقصصه وأحكامه وعقائده. وأما الآية التي وردت في أن القرآن كله متشابه: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] فالمعنى: أنه يشبه بعضه بعضاً، فإن الحق يشبه بعضه بعضاً. فأنت تقرأ في سورة البقرة في توحيد الله ، تجد أن المعنى نفسه موجود في سورة الأنعام، وأن المعنى نفسه موجود في سورة الزمر التي تسمى سورة الإخلاص الكبرى، ونحوها من السور. فتجد أن معاني القرآن متشابهة، فهذا هو معنى المتشابه. وأما معنى أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فقد تحدث عنها أهل العلم كثيراً، ومختصر القول فيها هو: أن المحكم هو الواضح المعنى الواضح الدلالة بحيث يفهمه الإنسان، والذي ليس فيه إشكال، هذا معنى المحكم، وقال الله في وصفه للمحكم: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] يعني: أصل الكتاب. فأساس القرآن محكم وواضح وبين وليس فيه إشكال، وليس متعدد الدلالة بحيث إنه يشكل على الآخرين. والمتشابه هو: المعنى الغامض الذي يحتمل أكثر من معنى.

стр. 49

أقسام الناس في المحكم والمتشابه ينقسم الناس أمام المحكم والمتشابه إلى طائفتين: الطائفة الأولى: أهل الحق الذين يريدون اتباع الحق، فهؤلاء يتبعون المحكم الواضح، وإذا وجدوا متشابهاً في الآيات فإنهم يردونه إلى المحكم. مثاله: قول الله : ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الواقعة:٥٧] فقوله: (نحن) قد يأتي إنسان ويقول: هذه الآية تدل على تعدد الآلهة، وأن الإله ليس واحداً وإنما هو مجموعة، ولهذا عبر بلفظ (نحن) التي تدل على الجماعة. للرد على هذا نقول: إن الله في آيات كثيرة لا تحصى، وهي من مقررات هذا الدين الذي لاشك فيه أن الإله واحد: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:١٦٣] فهذه الآية وغيرها تدل على أن الإله واحد فقط، وهذه هي كلمة التوحيد، وهذه هي الكلمة التي جاء بها رسول الله ﷺ ، ولهذا لما دعا قومه قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]. إذاً: كيف نفهم (نحن) التي تدل على الجماعة؟. نفهمها بأن (نحن) تدل تارة على المجموعة، وتارة تدل على الواحد المعظم. فأنت عندما تأتي إلى مثل هذه الآية التي قد يفهم منها أن الآلهة متعددة تقول: هذه الآية المتشابهة نحملها على الآية المحكمة، وهي قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣] وغيرها من الآيات، فنفهمها على أن قوله: (نحن) يعني: الواحد المعظم وهو الله . وهكذا يكون طريق أهل السنة وطريق الصالحين، أنهم في بحثهم وفي نظرهم وفي اجتهادهم وفي اشتغالهم بالعلم يعرفون المحكم ويدرسونه دراسة واضحة، وعليه من الأدلة والبراهين والحجج الشيء الكثير، فإذا وجدوا المتشابه حملوه على المحكم وردوه إليه؛ لأن من العبث أن يهمل الإنسان المحكم والواضح متعدد الأدلة، فيترك هذا المحكم ويأخذ متشابهاً من المتشابهات ويبني عليه عقيدة، أو يبني عليه أدباً أو خلقاً أو حكماً من الأحكام. الطائفة الثانية: أهل الأهواء الذين لهم أهواء معينة في نفوسهم: وهي أنهم يتبعون ما تشابه منه، تجد أنهم في تأويلهم للصفات يقولون: أنتم إذا أثبتم أن لله يداً وأن له وجهاً وأن له قدماً وأن له رحمة ونحو ذلك فأنتم شبهتموه بخلقه، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. نقول: لماذا تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ لأن القائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هو القائل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] وهو القائل: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]. وهو القائل غيرها من النصوص التي فيها إثبات الصفات، فلماذا نضرب هذه بهذه؟ أو لماذا نلغي النصوص التي في الإثبات ونأخذ هذا النص الذي نفهم منه النفي فنجعله نفياً مطلقاً، ونترك تلك النصوص؟ هذا من العبث. ولهذا فإن أهل الأهواء قد يستدلون في بعض الأحيان بالمتشابه، ولهذا عندما أرسل علي بن أبي طالب ﵁ ابن عباس ﵄ إلى الخوارج قال له: إن القرآن حمال وجوه، فاستدل عليهم بالسنة. معنى هذا أن الخوارج سيأتون إلى نصوص معينة ويستدلون بها على ما يعتقدون، وحينئذ قال علي بن أبي طالب ﵁ لـ ابن عباس: إن القرآن حمال وجوه فاستدل عليهم بالسنة، يعني: ردهم إلى المحكم. ولهذا فأي ضال أو مبتدع يمكن أن يستدل، فمثلاً: الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة كالذي يغش في البيع، إذا قيل لهم: ما الدليل على التكفير؟ يقولون: قال النبي ﷺ : (من غش فليس من) يعني: ليس من جماعتنا نحن المسلمين، وهذا دليل واضح على أنه من الكافرين إذا كان ليس من المسلمين. انظروا كيف أن الإنسان إذا كان عنده عقيدة يمكن أن يأخذ من هنا وهنا ويحاول أن يحصل لنفسه أدلة ليسوغ مذهبه وفكره وطريقته التي يراها، لكن الطريقة الصحيحة هي أنك إذا وجدت متشابهاً ترده إلى المحكم، ولا تهمل المحكم. فأنت إذا كنت معظماً لكلام الله ومعظماً لكلام الرسول ﷺ ، فكيف تعتني بنص واحد وتهمل عشرات النصوص الأخرى؟

стр. 50

مذهب العصرانيين في المحكم والمتشابه والرد عليهم إن أكثر من يستدل بالمتشابه في هذا العصر هم العصرانيون الجدد، وهم الذين يأتون ويفتون الناس بتحليل المحرمات، فالربا عندهم حلال، والغناء حلال، والاختلاط بين الرجال والنساء حلال ونحو ذلك، حتى إنك تعجب في بعض الأحيان من استدلالاتهم ومن طريقتهم في البحث. فمثلاً يقول أحدهم في مقابلة أو في برنامج تلفزيوني مشهور: لماذا تجعلون هناك حاجزاً بين الرجال والنساء؟ إلى متى نصبح بهذه الطريقة القديمة التقليدية؟ لماذا لا نجعل الرجال مع النساء يجتمعون ويحضرون المحاضرة سوياً؟ الحجاب عنده أن تكشف المرأة وجهها، هذا على أصله وفكره! فإذا قيل له: ما هي المصلحة من اختلاط الرجال بالنساء؟ قال: لعل شاباً عزباً يرى فتاة فتعجبه فيتكون من هذه الرؤية منزل وأسرة مسلمة. انظروا العبث، وهذا يقوله الدكتور يوسف القرضاوي مع الأسف! نقول: لماذا تفترض أن هذا الرجل لابد أن تقع عينه على امرأة غير متزوجة، فقد ينظر إلى امرأة متزوجة ويراها جميلة فتعجبه، فماذا سيقول الدكتور القرضاوي لمثل هذا الشاب؟ هل يطالب زوج هذه المرأة أن يطلقها ليتزوجها هذا، أم أنه ستقع الحسرة في نفسه بسبب هذه الرؤية وبسبب هذا الاقتراح الذي اقترحه؟ إذاً: يا إخواني هذا الفكر الذي يسهل للناس الفساد، هو يعتمد في الأصل على المتشابه ويهمل المحكم، فإن من قواعد الدين الأساسية سد الذرائع، سواء في مجال العقائد أو في مجال الأحكام. ولهذا تجدون هؤلاء الناس دائماً يريدون نسف هذه القاعدة من الدين بالكلية، فيقولون: ليس هناك سد ذرائع، إما حلال وإما حرام، وينسون أن الطريق المؤدية للحرام حرام، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وغير ذلك من البينات والقواعد الأساسية في دين الله ، والله يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] هنا النهي عن قرب الزنا، وليس النهي عن الزنا نفسه، فالنهي عن الزنا نفسه له نصوص أخرى. وهكذا يأتون في موضوع الغناء مثلاً، فتجد من يستدل على إباحة الغناء بحديث في صحيح البخاري وهو: (أن أبا بكر الصديق ﵁ دخل على رسول الله ﷺ وعنده جاريتان في يوم عيد تغنيان بغناء بعا) وبعاث: هي معركة كانت قديمة بين الأوس والخزرج، قيل فيها أشعار. فيأتي هؤلاء فيقولون: أرأيتم الرسول ﷺ يسمع الغناء، إذاً: الغناء حلال، فكيف تقولون: إن الغناء حرام؟ ونسي هذا الجاهل أن الغناء المراد به في هذا الحديث هو الغناء اللغوي، وهو تزيين الصوت، وليس المقصود به وجود موسيقى ووجود آلات للطرب، وإنما كان النبي ﷺ عنده جاريتان تنشدان إنشاداً عادياً بدون موسيقى وبدون آلات عزف، وهذا يسمى غناء في لغة العرب. ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (من لم يتغن بالقرآن فليس من). إذاً: هذا الفهم الأعوج لنصوص الكتاب والسنة هو الذي يركبه هؤلاء العصرانيون. ولهذا نسوا أن النبي ﷺ في صحيح البخاري يقول: (يأتي في آخر الزمان أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ويسمونها بغير اسمه). والمعازف: هي آلات العزف. ثم بعضهم يأتي ويقول: إن العالم الفلاني أفتى بإباحة الغناء، مثل ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى، وهؤلاء لاشك أنهم أصحاب هوى؛ لأنهم لو أرادوا أن يلتزموا بمذهب ابن حزم الأندلسي لشق ذلك عليهم؛ لأن مذهب ابن حزم قوي، يعمل بالظواهر، وفيه شدة عليهم، لكنهم يتلاعبون بدين الله، يأخذون من ابن حزم هذه الفتوى التي شذ فيها، ويأخذون من زفر ما شذ فيه، ويأخذون من فلان ما شذ فيه، ويقولون: هذا عالم يقول بهذا القول. ثم لو وافقنا على أن هذا العالم قال بهذا القول، فنقول: ما هو الغناء الذي أباحه؟ فإن الغناء في زمانه كان بآلة واحدة، وكانت جارية تغني فأباح هذا الغناء؛ لعدم قناعته بالنصوص الشرعية، ولخطأ رأيه. مع هذا ينزلون هذا الحكم على الأغاني الموجودة الآن التي تكون فيها فرقة موسيقية، ويكون فيها مجموعة من الرجال، ومجموعة من النساء يرددون، والآن مع وجود القنوات الفضائية كما يذكرون في الصحف يأتون بفيديو يسمونه فيديو كليب، ينقل صورة المرأة راقصة هنا وهناك، ثم ينزلون هذه الفتوى على هذه الواقعة الشنيعة الموجودة في هذا الزمان، وهو الغناء الموجود في هذا الزمان. ولهذا أي إنسان عنده ريح التدين، ويريد أن يكون صادقاً مع نفسه، لو رأى الغناء الموجود في هذا العصر واشتراك النساء فيه، والعبث الموجود بالنساء فيه، لعرف أنه محرم، وأن علاقته بأصول الدين واضحة؛ لأن هذا الدين ليس لعباً، يأتي بالمرأة ويلعب بها وهي لابسة بناطيل مثلاً، وشعرها مكشوف ووجهها مكشوف ونحرها مكشوف، ويتلاعب بها وقد يرفعها وقد يضعها، ونحو ذلك، ثم يقولون بعد ذلك: ابن حزم رحمه ا

стр. 51

أقوال السلف في الوقف في قوله تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله) يقول الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧] يعني: أهل الأهواء ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] كما سبق. ذكر الله لذلك سببين: السبب الأول: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران:٧] لأنهم أهل أهواء. والسبب الثاني: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] يعني: ابتغاء حقيقته وحقيقة معناه. وفي هذه الآية وهي قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] اختلف السلف في الوقف فيها، هل يكون الوقف فيها على لفظ الجلالة وتكون الواو في قوله: ((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) للاستئناف، أم أن الوقف يكون على نهاية قوله: ((فِيْ الْعِلْمِ))؟ للسلف في هذا قولان: الأول: هو أن الوقف في قوله: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)) وأن الواو في قوله ((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) هي للاستئناف وليست للعطف. وبناء على هذا فهم يفسرون التأويل في قوله: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ)) بأن التأويل هنا المراد به حقيقة الشيء، والتأويل في لغة العرب يأتي لمعنيين: المعنى الأول: الحقيقة، والمعنى الثاني: التفسير. فمن أمثلة مجيء التأويل بمعنى الحقيقة والكنه قول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ إذا ركع يقول: سبحانك اللهم اغفر لي، يتأول القرآ) يعني: يأتي بحقيقة ما أمره الله به من التسبيح والاستغفار في سورة النصر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣]. ومن مجيء التأويل بمعنى التفسير قول النبي ﷺ في دعائه لـ ابن عباس: (اللهم علمه التأوي) يعني: علمه التفسير. ومنه أيضاً قول الإمام ابن جرير الطبري ﵀ في كتابه (جامع البيان في تأويل القرآن) يعني: في تفسير القرآن، فهو يأتي إلى الآية ويقول: تأويل هذه الآية كذا وكذا، يعني: تفسيرها كذا وكذا. هذا معنى التأويل في لغة العرب، وهو المعنى الذي استخدم في النصوص الشرعية. لكن المتأخرون لهم معنى خاص في التأويل، وسنتحدث بشكل مفصل عن موضوع التأويل ومعانيه في هذا الكتاب في موضعه بإذن الله تعالى، لكن نحن ذكرنا هذه المعاني ليسهل علينا فهم الآية. فمن وقف على لفظ الجلالة (الله) واعتبر أن الواو للاستئناف أراد بالتأويل هنا الحقيقة، فيصبح المعنى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] يعني: وما يعلم حقيقته إلا الله . فإن حقيقة صفاته وحقيقة المتشابه لا يعلمه إلا الله . ومن وقف على (العلم) واعتبر الواو عاطفة فسر التأويل بأنه التفسير، فقال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران:٧] يعني: ما يعلم تفسير المتشابه إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، يعني: الراسخون في العلم يعلمون تفسيره أيضاً، وهذا من رسوخهم في العلم. ولهذا ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (أنا ممن يعلم تأويله) فهذا يدل على أن مذهب ابن عباس ﵄ هو الوصل، وروي عنه أنه يرى الوقف على لفظ الجلالة. وكلا القولين مرويان عن السلف الصالح رضوان الله عليهم. فالوقف على لفظ الجلالة مروي عن أبي بن كعب ﵁ وعبد الله بن مسعود ﵁ وعائشة ﵂ وابن عباس ﵄. والوصل والوقف على لفظ (العلم) واعتبار الواو للعطف مروي عن ابن عباس أيضاً، ومروي عن الربيع بن أنس وعن مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس ﵄.

стр. 52

معنى تأويل المتشابه عند المفوضة والرد عليهم المفوضة فسروا التأويل هنا بأنه التفسير بصورة خاصة، فعندهم التأويل: هو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معنى مرجوح لقرينة، وهذا اصطلاح خاص في تعريف التأويل عند المفوضة، وليس له علاقة بلغة العرب، كما أنه ليس له علاقة بالاصطلاح الشرعي. فقالوا: إن التأويل بهذا المعنى هو التفسير، فجاءوا إلى الآية فقالوا: إن التأويل فيها بمعنى التفسير، ثم حكوا الإجماع على الوقف على لفظ الجلالة. وبناء على هذا يكون فهمهم للآية هو أن الله يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] يعني: ما يعلم تفسيره إلا الله، ثم قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] يعني: أن موقف الراسخين في العلم التفويض والتسليم. هكذا وصلوا إلى التفويض من خلال هذه الآية. بينما نحن نقول: إن الوقف على لفظ الجلالة هو أحد قولي السلف، وبناء على هذا يكون المعنى للتأويل: حقيقة الشيء، فيكون: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] يعني: لا يعلم حقائق المتشابه، وما يعلم حقائق صفات الله إلا الله، وموقف أهل العلم في معرفة هذه الحقائق التسليم. ولهذا سبق أن أشرنا إلى الفرق بين تفويض المعنى وتفويض الكيفية، وهي حقيقة الصفة، فنحن نفوضها؛ لأن الله ما أخبرنا بها، لكن المعنى لا نفوضه؛ لأن المعنى واضح في لغة العرب، وقد دلت عليه النصوص. إذاً: الشيء الذي نفوضه على قراءة الوقف على لفظ الجلالة هو حقيقة وكيفية صفات الله ، وحقائق المتشابه هذه نفوضها إلى الله، هذا على القول بالوقف. وعلى القول بالوصل يصبح التأويل بمعنى التفسير، ويكون الراسخون في العلم ممن يعلمون تفسيره، وحينئذ يردون متشابه القرآن إلى محكمه. لكن هم جاءوا ووحدوا المعنى في لفظة التأويل، وقالوا: إن التأويل في هذه الآية المراد به التفسير، وليس التفسير عموماً، وإنما التفسير بمعنى معين، وهو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معنى مرجوح لقرينة. وسيأتي معنا نقد هذا المعنى الاصطلاحي بالتفصيل إن شاء الله تعالى في موضعه. ثم حكوا الإجماع على الوقف على لفظ الجلالة، وحينئذ اعتبروا أن الراسخين في العلم يفوضون التفسير، فلا يفهمون لصفات الله معاني، وهذه جاءت بعد أن اعتبروا صفات الله من المتشابه. انظروا كيف رتبوا الأمور؟! أولاً: اعتبروا صفات الله من المتشابه، ثم جاءوا إلى لفظ التأويل وقالوا: إن معناه التفسير فقط، وألزموا بالوقف على لفظ الجلالة، وحكوا الإجماع على ذلك، ثم اعتبروا أن مذهب السلف ومذهب أهل العلم الراسخين في العلم التفويض المطلق، فالتقى جعلهم الصفات من المتشابه مع اعتبارهم موقف الراسخين في العلم من المتشابه التفويض المطلق، فقالوا: إذاً مذهب السلف هو التفويض المطلق، وأنكروا على المؤولة، وقالوا: كيف تؤولون، والله يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]؟ فالمفوضة انحرفوا في عدة أشياء: أولاً: انحرفوا أصلاً في اعتبارهم الصفات من المتشابه، فإن معانيها ليست من المتشابه، بل هي واضحة وبينة. ثانياً: انحرفوا أيضاً في اعتبار التأويل صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معنى آخر مرجوح لقرينة. ثالثاً: رتبوا على هاتين الضلالتين أنهم قالوا: إن مذهب الراسخين في العلم وهم السلف الصالح رضوان الله عليهم هو التفويض لمعاني صفات الله ، وهي من جنس المتشابه، والراسخون في العلم يفوضون معنى المتشابه إلى الله . هكذا وصلوا إلى هذه النتيجة من هذا المنطلق ويمكن مراجعة كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب (الإكليل في المتشابه والتأويل) وهو مطبوع في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ﵀ التي جمعها ابن قاسم العاصمي رحمه الله تعالى.

стр. 53

أوجه استدلال المفوضة بآية المتشابه والرد عليهم نسوق بعض أوجه الاستدلال التي أخذها المفوضة من هذه الآية بإذن الله تعالى. هذا كتاب (إبطال التأويلات لأخبار الصفات) وهو لـ أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء وهو عالم من علماء الحنابلة، وهو من مفوضة الحنابلة. فإن علماء الحنابلة كانوا على طريقة الإمام أحمد في التزامهم بالأثر وتعظيمهم للسنة، لكن المتأخرون منهم خلطوا مقالات أهل السنة بمقالات أهل الكلام، فلما خلطوها تكونت طائفة ليس من أهل السنة المحضة ولا من أهل التأويل والمعطلة المحضة، وهم ما يطلق عليهم بمفوضة الحنابلة، منهم أبو يعلى هذا، ومنهم ابن الزاغوني، ومنهم الكلوذاني، ومنهم السفاريني وغيرهم من علماء الحنابلة. فكتاب (إبطال التأويلات لأخبار الصفات) لـ أبي يعلى ألفه في الرد على عالم من علماء الأشاعرة وهو ابن فورك الأشعري في كتاب له بعنوان (مشكل الحديث وبيانه)، وكتاب (مشكل الحديث وبيانه) مطبوع في مجلد واحد، وهو في الرد على كتاب التوحيد لـ ابن خزيمة ﵀، فإن ابن خزيمة ﵀ لما ألف كتابه (التوحيد) ساق فيه إثبات الصفات، فجاء ابن فورك وأول هذه الأحاديث جميعاً في كتابه (مشكل الحديث وبيانه) فجاء أبو يعلى فرد على ابن فورك وأثبت الصفات، لكنه أثبتها على طريقة المفوضة بتفويض معانيها وأنه لا معنى لها، وأن طريقة ابن فورك في التأويل خطأ. فـ أبو يعلى لم ينكر على ابن فورك نفي معاني الصفات التي تدل عليها ظواهر النصوص، وإنما أنكر عليه التأويل، قال: لأن التأويل لا يعلمه إلا الله على طريقة المفوضة. وعقد فصلاً يقول: فصل في الدلالة على أنه لا يجوز الاشتغال بتأويلها وتفسيرها يعني: بتأويل الصفات وتفسيرها. ثم استدل بآية آل عمران، فمن أوجه الأدلة، يقول: «فإن قيل: من أصحابنا من قال: لا متشابه في القرآن إلا والراسخون في العلم يعلمون تأويله، والواو هاهنا للعطف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] فسقط هذا الدليل». معنى قول أبي يعلى: (فإن قيل) يعني: إذا اعترض معترض على طريقة المفوضة فقال لهم: إنه لا متشابه في القرآن إلا والراسخون في العلم يعلمونه، فصاحب هذا الاعتراض يرى أن الوقف يصح أن يكون على لفظ (العلم) وأن الواو تكون عاطفة، وقد ذكر هذا ابن قتيبة. وابن قتيبة عالم من علماء السلف، وقد عظمه ابن تيمية ﵀ كثيراً، وقال: إنه خطيب أهل السنة، كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة. يقول المعترض: سقط دليلكم عندما استدللتم بآية آل عمران. قال أبو يعلى: (قيل:) يعني في الرد: (هذا قول يخالف إجماع الصحابة). أقول: قول أبي يعلى فيه مصادرة للحقيقة، أعني: قوله: إن هذا يخالف إجماع الصحابة؛ لأن ابن عباس ﵄ من الصحابة روى عنه ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية أنه قال بالوقوف على لفظة (العلم). ثم قال: (قال أبو بكر الأنباري في كتاب (الرد على أهل الإلحاد): قد ذهب إلى هذا الذي أنكره -يعني: ابن قتيبة - جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم: أُبي وابن مسعود وابن عباس، ففي قراءة عبد الله: (إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون). يعني: هذا الوقف، وهذا في قراءة شاذة وليست متواترة في مصحف ابن عباس وفي قراءة أُبي: (ويقول الراسخون في العلم) يعني: مما يدل على أن الوقف يكون على لفظ الجلالة. والحقيقة أن الخلاف بيننا وبين المفوضة ليس هو في أين يكون الوقف، وإنما هو في معنى التأويل ما هو وفي صفات الله هل هي من المتشابه أو ليست من المتشابه من حيث المعنى؟ لأن الوقف على لفظ الجلالة، والوقف على (العلم) واعتبار أن الواو عاطفة أو استئنافية، ليس فيها إشكال بالنسبة لنا؛ لأنه لو كان الوقف على لفظ الجلالة كما يقول هؤلاء فإن التأويل يكون بمعنى حقيقة الشيء، فلا يعلمه إلا الله ، والراسخون في العلم يفوضون حقيقته. وإذا كان الوقف على العلم فإن التأويل يكون بمعنى التفسير، وهذا ما حققه شيخ الإسلام ﵀ في كتابه (الإكليل). المهم أنه ذكر بعض الأدلة على أن الوقف يكون على لفظ الجلالة، وهذا لاشك أنه حتى ولو كان الوقف على لفظ الجلالة فإنه لا يسعفهم في أن المقصود بالتأويل هنا التفسير، وأنه يفوض فلا يفهم له معنى. وجه الدلالة الثاني الذي أشار إليه، يقول: (ولأن الله قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧] ومعناه:

стр. 54

الأسئلة

стр. 55

الرد على القرضاوي في إباحة الغناء السؤال يقول السائل: قرأت في فتاوى للشيخ القرضاوي أنه جعل حدوداً للغناء الذي أباحه، وقد حرم ما يوجد الآن من أغان ماجنة؟ الجواب الحقيقة أن الشيخ القرضاوي اشتهر عنه إباحته للغناء، ولم يشتهر عنه وضع حدود، وأنا لا أقول: إنه ليست عنده حدود؛ لأني لا أعرف هذه الحدود التي أشار إليها الأخ، لكن أقول: لماذا لا يقوم القرضاوي بحملة ضد الأغاني الماجنة التي تنشرها القنوات الفضائية، وهي التي تسمى بالفن في هذا الزمن، وهي الأصل؟ والغناء الذي أباحه لا وجود له، يعني: إذا حاول القرضاوي أن يضبط الغناء بضوابط نقول: هل الساحة الفنية فيها شيء من هذه الضوابط؟ ليس فيها شيء. إذاً: لماذا تبيح الغناء إباحة مطلقة هكذا؟ والإفتاء إنما يكون على شيء له واقع، أما الإفتاء على شيء موجود في الخيال، فهذا لا حقيقة له، ولهذا تجد أن الناس يفهمون أن القرضاوي يبيح الأغاني الموجودة الآن في القنوات الفضائية وفي الأشرطة وفي غيرها؛ لأنه تكلم عن الغناء بشكل عام وأباحه، فإذا وضع له ضوابط نقول: هل هذه الضوابط موجودة في الساحة الفنية؟ وهل يلتزم بها أحد من المغنين حتى يكون لكلامك معنى؟! ثم لو التزم بها أين هو من حديث النبي ﷺ : (يأتي في آخر الزمان أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) نص على المعازف، وهو نص ظاهر وواضح.

стр. 56

حكم الغناء بالأغنيات الماجنة بدون آلات عزف السؤال يقول بعض الناس: بأن الغناء بالأغنيات الماجنة بدون آلات عزف ليس فيه شيء؟. الجواب هذا كلام غير صحيح؛ فالغناء يتكون من شقين: آلات عزف، وكلام يتكلم به. أضيف إليه الصورة كما هو في طريقة فيديو كليب، فصار ثلاثة أشياء، وربما تضاف أشياء فيما بعد. فأما المعازف وحدها فهي محرمة مطلقاً؛ لأن الحديث ورد بإطلاق التحريم فيها حتى لو كانت هادئة، وحتى لو كانت حزينة، وحتى لو كانت رومانسية، وحتى لو كانت بأي إضافة من الإضافات، المهم أنها محرمة؛ لنص النبي ﷺ على تحريم المعازف عموماً، ويدخل في آلات العزف عموماً الطبل، ويدخل فيها الدف، واستثني من ذلك الدف للنساء في الأفراح وفي الأعياد فقط، وبعض أهل العلم يبيح الدف للنساء مطلقاً. أما آلات العزف الأخرى للنساء فهي محرمة؛ لأنها باقية على أصل التحريم. هذا بالنسبة لآلات المعازف. وأما الكلام الذي يتكلم به، فإنه بحسب الكلام، فإذا كان الكلام حقاً فهو حق، وإذا كان الكلام باطلاً فهو باطل، فهو من جنس الشعر الذي قال عنه النبي ﷺ : (الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبي). فإذا كان الكلام قبيحاً وفيه إغراء بالفاحشة حتى لو كان بدون معازف فإنه محرم. وأما الصور فهي محرمة لذاتها؛ لوجود التبرج والسفور، ووجود الفسق فيها في التعامل أو الرقص أو نحو ذلك.

стр. 57

ضوابط الاستدلال بالسيرة النبوية وتاريخ الصحابة السؤال هل هناك ضوابط في الاستدلال بالوقائع التاريخية مثل السيرة النبوية وبعض الأحداث فيها، وتاريخ الصحابة أيضاً، أم أنها مسألة لا ضوابط فيها فيستدل بها على حق أو على باطل؟ الجواب أما السيرة النبوية فهي أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وهي حجة، وهي من الحكمة، والله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]. (ويعلمهم الكتاب) يعني: يعلمهم القرآن، (والحكمة) يعني: السنة، والسنة تشمل السنة القولية وتشمل السنة الفعلية، كما تشمل السنة التركية إذا كانت الترك مقصوداً. فالسيرة النبوية هي عبارة عن هذه الأحداث. وأما تاريخ الصحابة فإن تاريخ الصحابة بشكل عام هو التطبيق الحقيقي لحقيقة الدين وحقيقة الإسلام، لكن كحالات فردية: قصة فلان وقصة فلان وقصة فلان لا تعتبر حجة في ذاتها، لكن تاريخ الصحابة بشكل عام يدل على تطبيقهم للإسلام، وكيفية هذا التطبيق سواء في مجال الدولة والسياسة، أو في مجال طريقة العلم والتعلم، أو في مجال الجهاد في سبيل الله، أو في مجال الإنفاق والبذل، أو التعبد والسلوك، أو نحو ذلك من المجالات. ولهذا قد يحتج بطريقتهم في السلوك، وهذا يجعلنا نعود إلى الإشارة إلى الفقرة الأولى التي شرحناها سابقاً وهي: يقينية منهج السلف وعصمته، يدخل في هذا منهج الصحابة، فإن منهج الصحابة كمنهج وتاريخهم كتاريخ يعتبر تطبيقاً لحقيقة الدين. لكن كأفراد لا يصح أن تحتج على فلان بفرد من الأفراد، إلا إذا كان هذا المعنى الذي في هذا الفرد موجوداً عند الجميع، فيكون حينئذ يقيناً ومعصوماً.

стр. 58

حقيقة العصرانيين السؤال هل العصرانيون هم أصحاب الفقه المستنير كما يسمون؟ الجواب العصرانيون لهم أسماء كثيرة، لكن المهم الحقيقة، يعني: بعض الناس يسميهم أصحاب الفكر المستنير مثلاً؛ لأنهم يعتبرون أنفسهم من أصحاب الفكر المستنير، ويعتقدون أنهم هم أهل العصر، وأنهم هم الذين جمعوا بين الأصالة والمعاصرة، وأنهم هم الذين طبقوا روح الدين في هذا العصر المختلف التقنية والإمكانيات الموجودة وفي عصر (الإنترنت)، وفي عصر الإعلام الفضائي، والمواصلات التي جعلت العالم كقرية واحدة، ويتكلمون كلاماً كثيراً، مع أن الدين في الحقيقة لا يتغير، هو واحد في المجتمع البدوي وفي المجتمع القروي، وفي المجتمع الزراعي وفي المجتمع الصناعي. نعم، في بعض الأحيان تتغير تطبيقات لكن ليست تطبيقات أساسية متعلقة بالدين نفسه، وهذا الكلام عام، لكن لابد أن يطبق الدين كما أمر الله به. لنفترض أنه مثلاً من وسائل العصر الآن (الإنترنت) فهل ندعو إلى الله عن طريق (الإنترنت)؟ نقول: ليس هناك مانع، ندعو إلى الله عن طريق (الإنترنت) والإنترنت ليست موجودة في المجتمع الزراعي، وكونها ليست موجودة في المجتمع البدوي هل هذا يعني أننا لا نستفيد منها؟ لا، نستفيد منها، وهذه هي العصرنة الصحيحة. أما تغيير حقائق الدين باسم العصرنة فهذا هو الباطل، وتغيير حقائق الدين وإباحة المحرمات ونسف قواعد الدين مثل سد الذرائع وغيرها باسم العصرنة، فهذا هو الباطل الذي لا يقبل وهو مرفوض.

стр. 59

ذم التعصب للمشايخ وغيرهم السؤال يتعصب بعض طلاب العلم لعالم أو داعية تعصباً أعمى، وإن كان هذا العالم له أخطاء واضحة لاشك فيها، ومع ذلك لا يقتنع هؤلاء الطلاب، فبماذا تفسر هذا التعصب؟ وما هو موقف الآخرين من هؤلاء الطلبة ومن هذا العالم أو الداعية؟ الجواب التعصب خلة قبيحة ومذمومة في الإنسان، فالذي ينبغي للإنسان المسلم ألا يتعصب إلا للدليل الصحيح، وللحجة البينة الواضحة، ومصادر الاستدلال عندنا معدودة: هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فهذه هي مصادر الاستدلال، وغيرها يعود إليها. بل هذه الأربع جميعاً تعود إلى القرآن، هذه هي الحجة فقط. فإذا استدل عليك بدليل من القرآن أو من السنة فهذا دليل صحيح، لكن يبقى مسألة طريقة الاستدلال، لابد أن تكون طريقة الاستدلال صحيحة؛ لأن هناك طرائق في الاستدلال باطلة، مثل طريقة العصرانيين في أخذهم المتشابه وردهم للمحكم. فأولاً: إذا استدل الإنسان بدليل من الكتاب أو السنة، وكانت طريقته في الاستدلال طريقة صحيحة، فإننا نقبل دليله ولو خالفه من خالفه، حتى ولو كان المخالف عالماً. ثانياً: لا ينبغي أبداً للإنسان المسلم أن يعلق نفسه بعالم أو داعية، لا تعلق نفسك إلا بالدليل الصحيح، وبالمنهج الرباني الصحيح. والدعاة والعلماء بشر يتعريهم ما يعتري البشر من الخطأ والزلل، وبعض الناس قد يتعرض لفتنة فيتغير منهجه وطريقته، وبعض الناس قد تأتيه فتنة المال فتحرف منهجه وطريقته، وبعض الناس قد تأتيه فتنة الجاه، وبعض الناس فتنة الشهوة، وبعض الناس قد يكون على منهج ثم لسبب أو لآخر ينتقل انتقالاً كلياً عن هذا المنهج إلى منهج آخر، بل قد يعتنق ديناً آخر. ولهذا فالحي لا تؤمن عليه الفتنة، فأنت إذا جعلت دينك معلقاً بشخص من الأشخاص فإنه إذا ضل ستضل، وإذا انحرف ستنحرف، وإذا ابتعد عن الصراط المستقيم ستبتعد أنت. والصحيح أن الله خاطبنا نحن جميعاً علماء ودعاة وأفراداً، وجعل مناط الخطاب بالنسبة لنا العقل، ولهذا يعتبر العقل بعد البلوغ هو مناط التكليف؛ لأن المجنون غير مكلف، وحينئذ لابد أن تدرس هذه المسألة إن كنت من أهل العلم، وإن كنت لست من أهل العلم فلا تقل في هذه المسألة بإيجاب ولا بسلب، وانظر إلى أهل العلم وخذ من حيث أخذوا، وهذا لا يعني أن الإنسان لا يكون عنده احترام لأهل العلم ولا يقدرهم ولا يحبهم، فإن المحبة شيء والتعصب شيء آخر، والإجلال والتقدير شيء، والتعظيم إلى درجة التعبد شيء آخر. فلا شك أن أهل العلم لهم منزلة عظيمة، ولهم محبة في قلوبنا، وقد تحدث أهل العلم عن آداب تعامل التلميذ مع شيخه حديثاً كبيراً، مثل: الخطيب البغدادي ﵀، ومثل: ابن جماعة في كتاب (تذكرة السامع والمتكلم) وغيرهما، تكلموا كلاماً طويلاً في التأدب مع أهل العلم؛ لأنه في بعض الأحيان عندما لا يكون هناك تأدب قد يأتي جاهل من الجهال فيستدل بحديث على غير وجهه، ثم يصبح زعيماً من زعماء الانحراف والعياذ بالله، بحجة الاستقلال الفكري. ولهذا فإن كلمة (الاستقلال الفكري، وحرية الفكر، وعدم التعصب) كلمات صحيحة في ذاتها، لكن قد يراد بها في بعض الأحيان أمر باطل، وحينئذ ينبغي للإنسان أن يكون متزناً، وألا يكون مختلطاً. فإذا أخذنا حرية التفكير، فنقول: لابد أن يكون للإنسان حرية في التفكير، وأن يطلب العلم، وأن يطلب الدليل، وأن يعرف الحجة، وأن يأخذ من حيث أخذ أهل العلم، وأن يدرب نفسه على الفقه والتفقه، لكن لا يعني هذا أن يستبد برأيه وأن يعظم نفسه، فإن بعض الناس يأخذ هذه الطريقة فيفهم من طرف العلم شيئاً ثم يتعصب هو لنفسه، فنحن نذم التعصب للعلماء، وبعض الناس قد يتعصب لذاته هو أو لشخصه، وهذه خصلة ذميمة أيضاً، وحينئذ لابد للإنسان أن يتوازن، فإن هذه مزلات، والشيطان حريص على إغواء الإنسان. إذاً: ينبغي للإنسان أن يكون منضبطاً، والانضباط يكون كالآتي: أولاً: أن يحترم أهل العلم ويقدرهم، وأن يعرف لفتواهم مكانتها، وألا يستعجل في انتقاد قول عالم من العلماء إلا ببينة وبوضوح، وألا يكون الانتقاد إلا بعد بحث وتحر. ثانياً: إذا خالف عالماً من العلماء فإنه يتأدب معه، ونتأدب مع أهل البدع لكن لا يعني التأدب معهم الاحترام المطلق الذي يكون لأهل السنة. بهذه الطريقة يكون الإنسان متوازناً ومنضبطاً بإذن الله تعالى.

стр. 60

حكم مشاهدة البرامج التي تعرض الشبهات والشهوات في القنوات الفضائية السؤال هل يجوز مشاهدة البرامج التي تعرض في بعض القنوات الفضائية، حول نقاشات في أمور مسلّمة، أو بعض الأحيان أمور مشتبهة؟ الجواب هذه القنوات التي تعرض المناقشات للناس تنشر الشبهات، كما أن القنوات الأخرى تنشر الشهوات، ففي هذا الزمان ابتلينا بالشبهات والشهوات. فالشهوات تنشر من خلال هذه القنوات عن طريق تجريد المرأة من ملابسها، واستخدامها استخداماً رخيصاً لإثارة الشهوات، وفيها تعليم النساء الخيانة والغدر مع الأزواج، وتعليمهن العلاقات المحرمة والفساد بكل صوره وألوانه. وأيضاً القنوات الفضائية الأخرى عندها مصيبة أخرى، وهي أنهم لما شعروا أن الشهوات استهلكت عدداً كبيراً من الناس، لكن هناك بقية باقية لم تستهلكها هذه الشهوات، أتوا لها بالشبهات والعياذ بالله. وهذه هي طريقة الشيطان، فيأتون بمناظرات عامة، أو يأتون بأشخاص ينشرون أفكارهم وعقائدهم الباطلة، ويستمع لها كثير من الناس ممن ليس عنده علم شرعي، وليس عنده فهم دقيق لدين الله ، فقد تكون هذه سبباً لضلاله لأنه قد يأتي إنسان ملحد وينكر وجود الله، أو يستهزئ بالدين، أو يتلاعب بأحكامه، ويخلطه خلطاً غريباً، فيجعل الموالاة للكفار مباحة، ويجعل ويجعل إلى غير ذلك. وقد يأتي آخر ويلبس الحق بالباطل، فيكون هذا سبباً في ضلال كثير من المشاهدين الذين ليس عندهم علم صحيح، وليس عندهم فهم، وليس عنده دراية. ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يشاهد هذه البرامج، كما أنه لا ينبغي له أن يشاهد البرامج التي تثير الشهوات. نسأل الله أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح.

стр. 61

شرح الفتوى الحموية [٥] لقد تشبث المفوضة ببعض كلمات وردت عن السلف وفسروها بما يوافق مذهبهم في الصفات، وهو تفويض معانيها الثابتة لها في الكتاب والسنة، وهذا مذهب باطل لم يفهم أصحابه معنى كلام السلف؛ إذ مقصود السلف هو تفويض كيفية الصفات لا معانيها، فإنهم أثبتوها كما جاءت في الكتاب والسنة على حقيقتها.

стр. 62

المفوضة تقدح في منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم توقفنا عند موضوع مذهب أهل التفويض، وبطلان مقالة: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وارتباط هذه المقالة بما سبق الحديث عنه من أن منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم معصوم، والمقصود بمنهج السلف، يعني: ما أجمعوا عليه، واتفقوا عليه من العقائد، وطريقة النظر، وطريقة الاستدلال، وتمييز الأحكام بعضها عن بعض، هذه الطريقة المجمع عليها معصومة، لا يتطرق إليها البطلان بأي وجه من الوجوه، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن النبي ﷺ وضح قضايا العقائد من حيث المسائل، ومن حيث الدلائل توضيحاً كافياً، ومغنياً عن الرجوع إلى غير طريقته ﵊، وهكذا أصحابه الكرام رضوان الله عليهم تكلموا في قضايا العقائد، ولا يمكن بأي وجه من الوجوه أن يكون الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم يجهلون الحق في هذه المسألة، كما أنهم لا يمكن أبداً أن يكونوا قد عرفوا العقائد الصحيحة وكتموها عن الناس، ولم يوضحوها لهم، فإن من عرف حال القوم، وجهادهم في سبيل الله، وإتباعهم لسنة الرسول ﷺ يدرك إدراكاً جازماً أن هؤلاء لا يمكن أبداً أن يعرفوا الحق ثم يكتموه، ولو جاز ذلك عقلاً من واحد لما جاز من الجميع كما هو معلوم. ولهذا تطرق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى الذين يقدحون في السلف، وإلى الذين يتكلمون فيهم، ويذمون السلف الصالح رضوان الله عليهم، وذكر هذه المقالة، وهؤلاء القوم -أعني: المفوضة- هم طائفة من الطوائف التي تقدح في علوم السلف، وتقدح في مناهجهم، أما الذين يقدحون في علوم السلف فهم كثر، يمكن أن نذكر رءوس أقلام في هذا، منهم الشيعة الذين يسبون أصحاب النبي ﷺ ويكفرونهم، ويطعنون في أمانتهم وفي عدالتهم. ومنهم أيضاً الذين يتعصبون للأئمة في المسائل التي تكون متعلقة بالفروع حتى لو خالفوا طريقة السلف رضوان الله عليهم، أو خالفوا بعض فتاوى الصحابة الذين هم أشهر منهم، ومنهم الذين يقدحون في منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم ويقولون: إنه منهج قديم، وإنه منهج تقليدي، وإنه لا يصلح أن يواكب الحضارة المعاصرة التي تقدمت اليوم من الناحية المادية، ومن ناحية التكنولوجيا، ويرون أن هذا منهج قديم لا يصلح لمواكبة العصر، ولا بد من هدم هذا المنهج وبناء مناهج حداثية جديدة تختلف عنه. ومنهم من يذم السلف ويقول: إن هؤلاء فرقوا الأمة، ومزقوها، وجعلوها شيعاً وشعباً وأنواعاً، وقدح بعضهم في بعض بسببهم، ولا شك أن مثل هؤلاء من أهل الظلم والعدوان على فضلاء هذه الأمة الذين وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم خير القرون، كما قال ﵊: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، ثم بعد ذلك ذم من يأتي من القرون بعدهم. ولهذا لا تجد أحداً يقدح في علوم السلف وفي منهج السلف وهو على السنة أبداً، فلا يقدح فيهم إلا من يكون زائغ الاعتقاد بأي وجه من وجوه الزيغ، فالذين يقولون: إن علوم السلف ومناهج السلف الصالح رضوان الله عليهم تفرق الأمة وتمزقهم، هؤلاء ما عرفوا هذه العلوم ولا أدركوها، ولم يعلموا أن السلف الصالح رضوان الله عليهم يتبعون الحق في كل مكان، وفي كل مسألة يجتهدون فيها وفي البحث عنها. ثم الذين يخالفون الحق ليسوا سواءً بل هم أنواع، منهم من يخالف الحق فيقع في الكفر المبين، ومنهم من يخالف الحق فيقع في البدعة المضلة، ومنهم من يخالف الحق فيقع في المعصية، ومنهم من يخالف الحق بأي وجه من الوجوه، ولهذا لم يحكم السلف رضوان الله عليهم على كل من خالف طريقة الرسول ﷺ بحكم واحد، بل تقوم هذه المخالفة تقويماً شرعياًَ ثم يحكم عليها، ولهذا عندما تحدثوا عن الفرق الضالة قديماً سموا أصحابها أصحاب المقالات، ومعنى أصحاب المقالات: الذين لهم أقوال يخالفون بها الحق، ثم يبينون حكم هذه الأقوال، وأنها تختلف، وأنها ليست حكماً واحداً. فمذهب أهل التفويض هؤلاء هو القدح في علم السلف رضوان الله عليهم، وجعلهم أناساً سطحيين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وأنهم كالصالحين العوام السذج، الذين فيهم غفلة، وفيهم سطحية، ولا يفهمون الكلام بسرعة، ونحو ذلك من الصفات التي ألصقوها بهم كما سيأتي معنا إن شاء الله. وجعلوا طريقة المتأخرين من أهل الكلام الذين خلطوا علوم الإسلام بالفلسفة اليونانية، واخترعوا دلائل أخرى لقضايا الاعتقاد، خالفوا بها الكتاب والسنة، جعلوا طريقة هؤلاء المتأخرين خيراً من طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم.

стр. 63

تشبث أهل التفويض ببعض النصوص المنقولة عن السلف من الأمور التي تشبث بها أهل التفويض بعض النصوص التي نقلت عن السلف الصالح رضوان الله عليهم، وهذه النصوص التي استدلوا بها هي نصوص وردت عن السلف رضوان الله عليهم، عندما يسألون عن أحاديث الصفات، وعن آيات الصفات. وقد تنوعت عبارات السلف عندما سئلوا عن أحاديث الصفات، فمنهم من قال: أمروها كما جاءت بلا كيف، وروي هذا عن ربيعة، وعن سفيان الثوري، وعن مالك وعن غيرهم، ويمكن أن تراجع كتب العقائد المسندة مثل شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، والإبانة لـ ابن بطة، والشريعة للآجري، ستجدونهم يسندون إلى عدد كبير من السلف رضوان الله عليهم عندما يسألون عن أحاديث الصفات أنهم يقولون: أمروها كما جاءت بلا كيف، فيفهمون من كلمة (أمروها) أنها ليست معنى، وهذا فهم باطل، لأن السلف قالوا: أمروها كما جاءت، و السؤال كيف جاءت؟ جاءت في الكتاب والسنة ولها معان واضحة وبينة، فإن الله خاطبنا بلسان العرب، ولم يخاطبنا بالأحاجي والألغاز. فقول السلف: أمروها كما جاءت، يعني: لا تتصرفوا في معناها بتغييرها عما جاءت عليه، فهي جاءت على لسان العرب وعلى معنى اللغة العربية، فلا يصح التصرف فيها بالمعاني الباطلة، هذا معنى الإمرار، فإن السلف رضوان الله عليهم واجهوا الجهمية الذين لا يمرون نصوص الصفات كما جاءت، وإنما يحرفون معانيها لتوافق الأصول العقلية التي جاءوا بها، وسنتحدث عن هذه الأصول بإذن الله بشكل مفصل، فإنهم أصلوا أصولاً عقلية في الاستدلال على وجود الله، وعلى وحدانية الله ، وعلى ثبوت نبوة الرسول ﷺ ، وجعلوا هذه الأصول العقلية التي استدلوا بها على هذه القضايا الشرعية قواعد لا تقبل التغيير ولا التبديل، ثم حاكموا نصوص الصفات إليها، فإن وجدوا ما يتعارض معها حرفوا معناه، وبدلوا معناه بالتأويلات الغريبة، فالسلف يقولون: (أمروها)، يعني: لا تتصرفوا فيها بالتأويلات الباطلة. قولهم: (كما جاءت)، يعني: كما جاءت في القرآن والسنة، وهي جاءت بلسان عربي مبين كما أخبر الله . ولهذا قولهم: (بلا كيف)، يدل على أن لها معنى، وإلا لم يكن لكلمة (بلا كيف) فائدة؛ لأنهم قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، يعني: لا تكيفوا معناها، بل التزموا بالمعنى الذي دلت عليه هذه الصفات.

стр. 64

إشارة ابن تيمية إلى كلام السلف في إمرار الصفات كما جاءت ومعنى ذلك وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ في هذا الكتاب إلى هذا الموضوع في موضعين: الموضع الأول: فإن شيخ الإسلام ﵀ عندما نقل أقوال السلف في الصفات قال: وروى أيضاً عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أمروها كما جاءت، وفي رواية: فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. وتخريجها موجود في كتب السلف المسندة. فقولهم رضوان الله عليهم: أمروها كما جاءت، رد على المعطلة، وقولهم: بلا كيف، رد على الممثلة، والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون هم أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين. وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور أمر جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف كان خلاف ذلك. الموضع الثاني: يقول: فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت، فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول. والمفوضة يؤولون كلام الإمام مالك ﵀ عندما سئل عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم، وفي بعض الألفاظ: غير مجهول، قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فجاءوا إلى قوله: الاستواء معلوم، فقالوا: يقصد الإمام مالك أنه معلوم في كتاب الله، وهذا تأويل لكلامه، فإنه لم يقل: آية الاستواء معلومة، لو قال: آية الاستواء معلومة، لكان لهم وجهة في هذا، لكنه قال: الاستواء، يعني: الصفة معلومة، فهو لم يتحدث عن الآية؛ هذا أولاً. وثانياً: إذا كان قصده أن آية الاستواء معلومة، فإن هذا تحصيل حاصل ليس فيه ثمرة؛ لأن الرجل عندما سأله ذكر له الآية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ثم قال: كيف استوى؟ ولهذا فإن قولهم تأويل باطل، وتعسف بالنصوص لا وجه له. يقول شيخ الإسلام ﵀: إن قول مالك وقول ربيعة وهو ربيعة الرأي شيخ مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، موافق لقول الآخرين: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً، كيف يكون معلوماً وهم لا يفهمون له معنىً؟ بل يكون مجهولاً بمنزلة حروف المعجم، يعني: التي لا معاني لها مفردة، أب ت ث ج، فإنه لا فائدة فيها كحروف مفردة، وإنما تكون الفائدة إذا تركبت وكونت كلمة، وأيضاً فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنىً؛ لأنه إذا كان لا يفهم له معنىً فهذا بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون له كيفية مفهومة لدى الشخص، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات، وسبق أن تحدثنا عن أقسام الصفات، وقلنا: إن الصفات باعتبار الأدلة تنقسم إلى صفات عقلية، وهي: ما يدل عليها العقل استقلالاً مع ورودها في الشرع، وصفات خبرية، وهي ما لا يدل عليها العقل استقلالاً، مثل صفة الوجه والاستواء، والنزول، والإتيان والمجيء، وغيرها. قال: [فإن من ينفي الصفات الخبرية -يعني: مثل المتأخرين من الأشاعرة- أو الصفات مطلقاً -يعني: كالمعتزلة- لا يحتاج أن يقول: بلا كيف؛ لأنه ليس هناك شيء يثبته حتى يكون له كيف، وإنما ينفي الكيف من يثبت أمراً وهو المعنى] فمن قال: إن الله سبحانه ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان من مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر، يعني: كما يقول المفوضة؛ لأن المفوضة يقولون: السلف لا يثبتون الصفات كما هي في ظواهر النصوص، وإنما يقولون: إن ظواهرها غير مرادة، فينفون ظواهرها، وأما معانيها فلا يفهمون لها معنىً ويفوضونها إلى الله ، هكذا يتصورون. ثم يقول: [وأيضاً فقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظاً دالة على معان] كما سبق أن أشرنا، وقلنا: كيف جاءت؟ جاءت ألفاظاً عربية لها معان يمكن للإنسان أن يتدبرها، وهذه المعاني لا يمكن أن تشابه المخلوقين؛ لأنها منسوبة إلى الخالق، وقد تقرر عقلاً وشرعاً في حس المسلم أن الخالق غير المخلوق، وأنه لا يمكن أن يشابهه بأي وجه من الوجوه. ثم قال: [فإنها جاءت ألفاظاً دالة على معان، فلو كانت دلالتها منفية لكان الواجب أن يقال: أمروا ألفاظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير ال

стр. 65

استدلال المفوضة بما ورد عن بعض السلف من نفي المعنى والرد عليه واستدلوا أيضاً بلفظ آخر عن السلف، وهو أن بعضهم نفى المعنى، وقالوا: إن هذا صريح في الموضوع، فروى ابن قدامة ﵀ في كتابه ذم التأويل -وهو كتاب صغير مطبوع- عن الإمام أحمد أنه سئل عن حديث النزول، وعن حديث في الرؤية، وعن حديث في صفة القدم لله ، فقال: نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى، قالوا: هذا صريح ينفي المعنى، ولهذا علق محمد زاهد الكوثري على ذلك، هذا الرجل المجترئ على أهل السنة، والذي ضعف زهاء ثلاثمائة عالم من علماء أهل الحديث في كتاب له سماه: تأنيب الخطيب فيما ساق في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب، ورد عليه عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ﵀ بكتاب سماه: التنكيل، لما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، والكوثري هذا من أئمة الجهمية في العصر الحديث، وله تعليقات على مجموعة من الكتب، منها: كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، وكتاب الإنصاف للباقلاني، وكتاب التنبيه والرد للمطي، وكتاب تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي ﵀، وطبع مجموعة من الكتب وعلق عليها، وملأ حواشيها بنقد مذهب السلف، وذم أئمة السلف، وكان يسمي كتاب التوحيد للإمام ابن خزيمة كتاب الشرك، قبحه الله. فـ الكوثري لما جاء إلى هذا النص علق في كتاب الأسماء والصفات وقال: هذا نص صريح، بمعنى: أن هذا الكلام نص صريح في نفي المعنى، وهذا هو اعتقاد السلف، خلافاً للذين يقولون: إن اعتقاد السلف أن لها معاني، فيشبهون الله بخلقه، قبحه الله. ولا شك أنه لم يفهم كلام الإمام أحمد على وجهه الصحيح، فإن الإمام أحمد ﵀ لم ينف المعنى الظاهر لنصوص الصفات، وإنما نفى المعاني الباطلة التي يؤولون إليها الصفات، وقد يقول قائل: كيف عرفت؟ و الجواب هو أن الإمام أحمد ﵀ له نصوص كثيرة في كتب أهل السنة، وفي كتابه الرد على الجهمية، توضح أنه يعتقد أن لظواهر النصوص معاني، فكيف نلغي هذه النصوص الكثيرة التي تملأ كتبه ﵀، ثم نأخذ كلمة واحدة ونقول: إن هذا هو مذهبه. وهذه طريقة أهل البدع والضلالة، فإنهم يأتون إلى عالم من العلماء فيأخذون بعض أقواله التي فيها احتمال، ثم يروجون عنه أن هذا هو مذهبه، وينسون أن له مقالات صريحة واضحة بينة ترد هذا الاعتقاد الذي زعموا، ولهذا فإن الإمام أحمد ﵀ له كتاب واضح اسمه: الرد على الجهمية والزنادقة، وواضح من كتابه ومن خلال النصوص التي نقلت عنه في كتب أئمة أهل السنة، أنه يعتقد أن ظواهر النصوص مرادة، وأنها على حقيقتها بلا كيف. إذاً: قوله: ولا كيف ولا معنى، فيه رد على المشبهة الذين كيفوا صفات الله بصفات خلقه، وفيه رد على المعطلة الذين جاءوا بتأويلات باطلة من عند أنفسهم، وفسروا بها معاني النصوص، وجاءوا بمعان باطلة. وقول الإمام أحمد: (ولا معنى)، ليس المقصود: أن نصوص الصفات ليس لها معنى في الحقيقة، ليس هذا مقصوده ﵀ كما تدل عليه نصوصه الأخرى. وأيضاً استدلوا بنفي بعض السلف تفسير نصوص الصفات، قالوا: إن بعض السلف نفوا تفسير نصوص الصفات، قالوا: ما دام أنه لا تفسير لها فلا معنى لها، فزعموا أن السلف يرون التفويض، وهذا أيضاً باطل، فإن التفسير الذي نفاه السلف هو التفسير الباطل، وهو المعنى الباطل، وهو الذي قالوا عنه: أمروها كما جاءت، يعني: لا تفسروها بمعان باطلة. ونقل اللالكائي ﵀ عن أبي عبيد القاسم بن سلام عندما سئل عن بعض أحاديث الصفات قال: هذه الأحاديث عندنا حق يرويه الثقات بعضهم عن بعض، إلا أنا إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا: ما أدركنا أحداً يفسر منها شيئاً، ونحن لا نفسر منها شيئاً، نصدق بها ونسكت، قالوا: ما دام أنه لا يفسر شيئاً فلا معنى لها! قلنا: لا، أنتم مبطلون في هذا، كيف تأخذون نصاً واحداً عن عالم، وتتركون بقية نصوصه الأخرى؟! هذا باطل وهذا من الظلم، ثم إن الدارقطني ﵀ روى في كتابه الصفات نفس هذا الخبر، بما يدل على أن البيهقي ﵀ يقول: لا نفسر، يعني: لا نكيف صفات الله، ولا نأتي بتفسير باطل لها، فساق الدارقطني بإسناده عن أبي عبيد ﵀ أنه قال نفس النص بلفظ آخر، قال: هذه أحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا شك فيه، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يفسر هذا، ولا سمعنا أحداً يفسره. إذاً: ما هو الشيء الذي قال عنه أبو عبيد: إنا لا نفسره؟ هو قوله: وإذا قيل: كيف؛ لأن الكيف مجهول لا يمكن أن نعرفه، وإن كان للصفات كيفية في نفس الأمر. إذاً: نخلص من هذا أن استدلال المفوضة بما ورد عن السلف رضوان الله

стр. 66

الأدلة على بطلان مذهب المفوضة الأدلة على بطلان مذهب المفوضة متنوعة، يمكن أن نشير لبعضها، ثم نذكر مراجع للرد على أهل التفويض، ويمكن الرجوع إليها والاستفادة منها، فمن الردود أن نقول: إن مذهب المفوضة مخالف لكثير من نصوص القرآن الكريم، ومن هذه النصوص: النصوص الواردة في أن القرآن أنزله الله بياناً للناس، وأنه هدىً للناس، ووصف القرآن بأنه شفاء، وبأنه روح، فقد كان المفوضة يقولون: إن الصفات ليس لها معان، فلا يمكن أن تكون هدىً، ولا يمكن أن تكون بياناً، فإن البيان هو الواضح المعنى، والألغاز والأحاجي ليس لها بيان، والله يقول: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٨]، ويقول : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]. ويقول : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، فقول: (بينات) جمع بينة، وهي الحجة الواضحة، التي لا يعتريها شك ولا ريب، وكذلك عقيدة المفوضة فيها رد للآيات الواردة في وجوب تدبر القرآن، فإن الله يقول: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، ويقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، ويقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]. وذم الله الذين لا يفقهون، ولا يعقلون، ولا يعلمون، يعني: لا يفقهون القرآن، ولا يعقلون آياته، ولا يفهمون ما تدل عليه. وكذلك عقيدة المفوضة فيها إبطال لتيسير القرآن، فإن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]. وهم يعتقدون أن كثيراً من معاني القرآن ليست واضحة ولا مفهومة، ولا شك أن الشيء إذا كان غير واضح ولا مفهوم لا يكون يسيراً بل يكون عسيراً. وكذلك عقيدة المفوضة كما أن فيها إبطالاً لنصوص القرآن الكريم، ففيها أيضاً انتقاص لحكمة الله ولرحمته، فإن من حكمة الله ومن رحمته أن هدى الناس بهذا القرآن، ولو كان هذا القرآن فيه معان لا تفهم، وخصوصاً ما يتعلق بصفات الله ، فإنه لا شك أن في هذا قدحاً في حكمته، وقدحاً في رحمته . بالإضافة إلى أن هذا القول الذي قالوه: إن نصوص الصفات ليست لها معان واضحة، مخالف لإخبار الله أن هذا القرآن نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي المبين هو الواضح الذي يفهمه كل أحد. ثم إن من الردود عليهم أنهم قطعوا مقوماً من أعظم مقومات الإيمان، وهو تدبر أسماء الله وصفاته، فإن الإنسان عندما يتدبر أسماء الله ، ويتدبر صفاته ، تنبت شجرة الإيمان في قلبه، وذلك عندما يعرف علم الله وحكمة الله ، ورحمة الله ، ويدرك معانيها ويفهم حقيقتها، لكن إذا كان لا يتصور لها معنىً، ولا يفهم الفرق بين العلم والحكمة والرحمة ونحو ذلك، فلا شك أن هؤلاء حجبوا عن أنفسهم وعن الأمة باباً عظيماً من أبواب الإيمان، بل هو أصل الإيمان، وهو التدبر في أسماء الله وصفاته، ومعرفتها على وجهها الحق. هذه بعض الأوجه التي يمكن أن نرد بها على هؤلاء، ويمكن أن يراجع كتاب الإكليل في المتشابه والتأويل، لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهي رسالة مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى، وطبعت أيضاً ضمن مجموعة الرسائل الكبرى، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ﵀ في مواطن متعددة من كتبه، لكن في هذا الكتاب رده بشكل مركز، ومن الكتب التي ردت على هؤلاء في العصر الحاضر: كتاب للدكتور رضا نعسان اسمه علاقة الإثبات بالتفويض في صفات رب العالمين، وهو كتاب مطبوع، وأيضاً هناك رسالة ماجستير للأستاذ أحمد القاضي بعنوان: مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات، وهي رسالة ممتازة جمع أطراف كلام شيخ الإسلام ﵀ فيها، ويمكن أيضاً أن يراجع المجلد الثالث من كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود، فقد عقد فصلاً أو مبحثاً صغيراً بعنوان: هل مذهب السلف التفويض، وناقشه مناقشة لا بأس بها.

стр. 67

معنى كلمتي السلف والخلف في الاصطلاح العرفي قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز أيضاً أن يكون الخالفون أعلم من السالفين، كما يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها، من أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم]. هنا تعليق ممتاز للمحقق، وهو أنه وجد في بعض النسخ إضافة كلمة، وإن كانت هذه العبارة صدرت من بعض العلماء لكنه يعني بها معنى صحيحاً، فهذه العبارة في بعض النسخ أضيفت إلى رسالة ابن تيمية هذه، وقد أثبت المحقق أن هذه العبارة ليست من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية من عدة اعتبارات، منها: أن هذه العبارة ليست موجودةً في جميع النسخ الخطية لهذا الكتاب، وهي تصل إلى تسع نسخ، عدا واحدة هي النسخة الظاهرية الموجودة فيها هذه العبارة. والاعتبار الثاني: أن هناك نسخة هندية وجدت هذه العبارة معلقة على الهامش، مما يدل على أنها ليست من كلام الشيخ، ومنها أيضاً أن ابن عبد الهادي تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية نقل نصاً طويلاً من الحموية في كتابه العقود الدرية، ولم يذكر هذه العبارة، وكذلك مرعي بن يوسف الكرمي في ترجمته لـ شيخ الإسلام. أيضاً يقول: إن هذه العبارة باطلة في معناها، وقد تكون مدخلاً لتسويغ مقولة باطلة، وكلامه هذا صحيح، قال: [فإن هؤلاء المبتدعة الذين يفضلون طريقة الخلف على طريقة السلف إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨]، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات]. وهنا يمكن أن نشير إلى فائدتين: الفائدة الأولى: هو تحديد معنى مصطلح السلف ومصطلح الخلف، فمصطلح السلف تكلموا عليه من ناحيتين: من الناحية اللغوية، ومن الناحية العرفية. فمن الناحية اللغوية، سلف يعني: مضى، فكل من تقدم فهو من السلف، وبناءً على هذا المعنى اللغوي يشمل كل من تقدم سواءً كان صالحاً أو طالحاً، خيراً أو شريراً، والخلف: هو كل من تأخر، لكن ليس مقصود من تكلم على موضوع السلف وموضوع الخلف في كتب العقائد أنه المعنى اللغوي، وإنما مقصودهم المعنى العرفي. والمعنى العرفي: أن السلف هم الذين تقدموا من الصحابة والتابعين والصالحين، ويندرج معهم من سار على نهجهم حتى لو كان من المتأخرين، فإنهم يسمون أتباع السلف، ولهذا قد يسميهم البعض: السلفيين، أي: أتباع للسلف المتقدمين الذين كانوا على عقيدة معينة، وهي طريقة الرسول ﷺ والصحابة. والخلف له معنى عرفي، وهو: من كان مخالفاً لطريقة السلف من أهل الكلام كالصوفية مثلاً، والفلاسفة الباطنية وغيرهم، فهؤلاء من الخلف، وإن كان قد يراد بكلمة الخلف في مثل هذا الموطن الأشاعرة، يعني: عندما يقال: منهج السلف أسلم، ومنهج الخلف أعلم وأحكم، قائل هذه العبارة يقصد بالسلف المتقدمين من الصحابة والتابعين وغيرهم، ويقصد بالخلف الأشاعرة من أهل الكلام. والحقيقة أن كلمة السلف تطلق على كل من كان معتقداً للحق من الناحية العرفية، والخلف تطلق على كل من كان معتقداً للباطل، لا سيما في موضوع نصوص الصفات. الفائدة الثانية: أن السبب الذي جعل هؤلاء ينسبون إلى السلف أنهم لا يفهمون للنصوص معاني، وأن الخلف المتأخرين الذين يؤولون النصوص هم أعلم؛ السبب في هذا هو الغرور، وهكذا فإن هذه الصفة إذا وجدت في أشخاص فإنهم يتجرءون على السلف، وسأذكر الخصلة التي وجدت عند هؤلاء، ثم أربطها بمجموعة موجودة في الواقع المعاصر الآن. هؤلاء -أقصد الخلفيين- الذين يقولون: إن طريقة السلف أسلم، وأنهم مثل عوام الصالحين الذين لا يفهمون الكلام بشكل دقيق، ويصورونهم مثل الدراويش، يعني: ليسوا أصحاب عقليات، وأصحاب تفكير، وأصحاب منطق مثلاًً، نشأت هذه المشكلة عندهم من كتب اليونان، عندما ترجمت إلى الأمة الإسلامية درست، فلما درست تبناها مجموعة سموا بالفلاسفة، وهؤلاء الفلاسفة اعتقدوا عقائد باطلة، وقلدوا اليونانيين، فظهرت طائفة في المجتمع الإسلامي سميت المعتزلة فيما بعد، هؤلاء الطائفة ردوا على الفلاسفة، وقالوا: إنكم أنتم أصلاً مخالفون للعقليات. ثم بعد إنكار السلف رضوان الله عليهم على هذه الطائفة الجديدة المنتسبة إلى الإسلام، الذين هم المعتزلة، وحصلت الفتنة التي هي فتنة خلق القرآن، وانتصر فيها أهل السنة، ظهرت طائفة من المنتسبين إلى السنة عظمت العقليات، وأعجبت بما عند المعتزلة وما عند الفلاسفة من استخدام العقل والتفكير، وظنوا أن من مقتضى استخدام العقل والتفكير أن ينقد السلف الصالح، وأن تنقد النصوص الشرعية؛ لأنهم فهموا أن السلف ليس عندهم عقليات، وأنهم أناس نصيون، يعني: يأتيه الأمر من الله أو من الرسول، ولا يفكر فيهما، وأن عقائد هؤلاء ليست مبنية على أمور يقينية

стр. 68

ظهور طائفة العصريين يشابه هؤلاء في الواقع المعاصر اليوم العصريون، الذين جاءوا بالاتجاه العصري، والاتجاه العصري ليس اتجاهاً له أصول عقدية يمكن أن يحاكم إليها هؤلاء، وإنما عندهم فكرة عامة وهي: أن كل ما هو عصري فلا بد أن يكون فيه فائدة، ونحاول أن نقرب بين كل ما هو عصري، حتى لو كان مخالفاً للشرع، ولهذا ظهر بعضهم بفقه في مجال الإفتاء سماه فقه التيسير، وأصبح كل أمر يجد له مذهباً ولو شاذاً عند العلماء قديماً، يفتي به في الواقع المعاصر، فيبيح كشف الوجه والاختلاط، وسفر المرأة بدون محرم، وسماع الأغاني، ونحو ذلك من الأمور التي يفتي بها مثل هؤلاء. ويشبه هذا بعض العصريين الذين أصبحوا ينتقدون المشايخ، وينتقدون أهل العلم، وينتقدون السلفيين، ويقولون: إن هؤلاء تقليديون، ويقولون: نحن في عصر الديمقراطية الآن، ويقولون: إن عمر بن الخطاب كان ديمقراطياً، ويبدءون يأخذون بعض النصوص، ويلوون أعناقها كما فعل المتكلمون السابقون، إذاً: هذه الفئة تشبه تلك، فقد هان في نفوس العصريين الآن علوم المشايخ وأهل العلم من السلفيين، فلما هانت في نفوسهم تجرءوا عليهم، ومن ثم تجرءوا على النصوص، وبدءوا يلعبون بالنصوص الشرعية في مجال الإفتاء، وفي مجال العقائد، وفي النظم الاجتماعية، وفي النظم السياسية، وفي النظم الاقتصادية، وأصبحنا نسمع من يفتي بإباحة الربا، ومن يفتي بجواز الخلوة، ومن يفتي للناس بكل ما يريدون، بل أصبحنا نسمع من يقول من هؤلاء: هل يمكن أن يدخل الفلاح الجاهل الأحمق الذي لا يفهم شيئاً الجنة؛ لأنه يقول: لا إله إلا الله، وفلان وفلان من أئمة الغربيين العمالقة الفكريين يدخلون النار؛ لأنهم ما قالوا: لا إله إلا الله؟ هكذا يفهمون، ولهذا دعوا إلى حوار الأديان، ودعوا إلى التقارب معها، ودعوا إلى الاجتماع في الملة الإبراهيمية، كما يريدون وكما يتصورون، وهؤلاء خطر حقيقي على المجتمع الإسلامي الآن، كما أن أهل الكلام كانوا قديماً -وما زالوا- خطراً على المجتمع الإسلامي أيضاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف]. ولا تتصوروا أن هذا الكلام سب فقط بل هم كذبوا حقيقة؛ لأنهم نسبوا إلى السلف شيئاً ما قالوه، ولا اعتقدوه، وهم جهلوا؛ وهذا أمر واقع، فإنه لا يمكن أن يكون من اعتقاد السلف أن هذه النصوص لا معاني لها، وما زال السلف رضوان الله عليهم يفسرون معاني النصوص، وارجعوا مثلاً إلى كتاب التوحيد والرد على الجهمية في صحيح البخاري، وهو آخر كتاب من كتب صحيح البخاري، وإلى باب قول الله : ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]، ستجدون السلف رضوان الله عليهم يفسرون آيات الاستواء تفسيراً واضحاً، بأن معناه: العلو، والاستقرار، والارتفاع، ونحو ذلك، وهكذا يفسرون غيرها من النصوص الشرعية. قال المؤلف ﵀: [وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين]. هذا سبق أن أشرنا إليه، وقلنا: إن هؤلاء يعتقدون أنه ليس هناك صفات حقيقة تؤخذ من ظواهر النصوص، والسبب هو أصول عقلية أصلوها في إثبات وجود الله، وفي وحدانية الله، وفي إثبات النبوة، وفي إثبات البعث، والجزاء، والمعاد، وجعلوا هذه الأصول العقلية هي الأصول التي تحاكم إليها النصوص، فأولوا النصوص وحرفوها بناءً على ذلك. قال المؤلف ﵀: [فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان مع ذلك لا بد للنصوص من معنىً، بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى -وهي التي يسمونها طريقة السلف- وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف -وهي التي يسمونها طريقة الخلف- فصار هذا الباطل مركباً من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه، فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكاذبتين الكفريتين، كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين واستبلاههم]. استبلاههم يعني: يعتقدون أنهم بله لا يفهمون شيئاً. قال المؤلف ﵀: [واعتقاد أنهم كانوا أميين بمنزلة الصالحين من العامةلم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا]. حتى إن بعضهم يبرر لهذا القول، يعني: عندما يستبلهون السلف السابقين ويرون أنهم مساكين، وأنهم يفهمون فهماً سطحياً للنصوص، يبررون هذا ويقولون: لأنهم اشتغلوا بالجهاد وانشغلوا فصاروا يقاتلون الرومان، ويقاتلون الفرس، ولم يتفرغوا لتأصيل العلم وتقعيد العلم ونحو ذلك، وما دروا أن اشتغال السلف رضوان الله عليهم بالجهاد، هو الذي أعز الله به هذا الدين, وهو الذي منع الأمة من الابتداع حتى تركت الجهاد، ورضيت بأذناب البقر، واشتغلت بالعقليات الفاسدة، فأخرجوا

стр. 69

الأسئلة

стр. 70

قدح المفوضة في حكمة الله تعالى السؤال لقد ذكرت أن من الرد على مذهب المفوضة أنهم بكلامهم قد قدحوا في حكمة الله؟ الجواب نعم، وجه القدح في حكمة الله هو أن الله من حكمته أنه عندما أرسل الرسول وأنزل الكتاب أنزله هداية للناس، وهذا أمر واضح، فإذا كانت هذه النصوص التي أنزلها الله ليست لها معان، فهذا قدح في حكمته، في كونه ينزل هذا القرآن على الناس، من أجل أن يكون هداية للناس ثم لا يكون.

стр. 71

تعلم الأسماء والصفات واجب على المسلم للرد على أهل البدع السؤال ما رأيك فيمن يقول: إن تعلم الأسماء والصفات لا يجدي، ولا الخوض فيها، ومعرفة أقوال المخالفين والرد عليهم، وإنما الاقتصار على كلمة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]؟ الجواب المشكلة أن كثيراً من الناس يتكلمون بغير علم، ولو أن كل إنسان ليس عنده علم سكت -حتى لو كان كبيراً وحتى لو كان شخصيةً معروفة- لارتاحت هذه الأمة، ولارتاح هو وأراح الناس، لكن المشكلة أن مثل هذه العبارات تخرج من أشخاص لم يفهموا العلم ولم يدرسوه ولم يقرءوه، ولا فهموا مقاصده، فتجد أنه شخص سطحي بسيط تربى على كتب المثقفين، وعلى بعض الكتابات التي كتبها بعض شيوخه وأساتذته، فإذا جاء إلى موضوع عميق في أصول الدين مثل موضوع الأسماء والصفات تكلم فيه بمثل هذا الكلام. كيف يقول هذا الرجل: إن تعلم الأسماء والصفات لا يجدي مع أن القرآن والسنة مليئان بالأسماء والصفات، فلو جمعنا الآيات الموجودة في القرآن التي فيها أسماء وصفات لزادت عن نصف القرآن، فقوله: يعني أن نصف القرآن أو ثلث القرآن غير مهم، ولا يجدي تعلمه، كيف يقول مثل هذا القول؟ ثم يقول: ولا الخوض فيها، مع أننا نعلم أن هذه من أصول الإيمان، كيف لا يجدي الخوض في صفات ربك الذي تعبده؟ كيف لا يجدي الخوض في أسماء ربك التي سمى بها نفسه؟ لكن الخوض بالحق وليس بالباطل، فإن قصد أنه لا يجدي الخوض فيها بالباطل، فنحن لا نقول: لا يجدي، بل نقول: هذا بدعة وضلالة، وقد تصل بالإنسان إلى الكفر. ولهذا فإن هذه القضية قضية حيوية؛ لأنها متعلقة بالمعبود الذي نعبده، والذي نصلي له كل يوم، ونصوم له، ونتعبد له ، فهي قضية حيوية ومهمة، وقد امتلأت بأسمائه وصفاته نصوص القرآن والسنة، حتى الآيات المتعلقة بالأحكام الفقهية بالحيض والنفاس، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فهذه فيها صفة المحبة، هل الله يحب؟ نعم، كما تدل عليه نصوص أخرى، فعندما يأتيني جهمي ويقول: إن الله لا يحب، فإني أرد عليه وأقول: إن عقيدتك باطلة وفاسدة، فلا شك أن هذا الإنسان تكلم في هذه المسألة بغير علم، ولو أنه قرأ كتب أهل العلم، وفكر في المسألة، وراجع القرآن والسنة لما قال مثل هذا الكلام.

стр. 72

معرفة بطلان بعض الأحاديث من حيث اللفظ أو المعنى السؤال نرجو التوجيه بالحديث الذي ينسبونه للرسول ﷺ : (ما وسعتني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن)؟ الجواب هذا حديث باطل ليس بصحيح، ويمكن مراجعة كتاب المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، للإمام السخاوي ﵀، فقد ذكر هذا الحديث وبين بطلانه.

стр. 73

مشاركة المفوضة للكافرين في مقالتهم لا يعني تكفيرهم السؤال أشكل علي قول ابن تيمية ﵀ في ثنايا قوله في الرد على مقولة المفوضة: شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، فهل يرى ابن تيمية ﵀ تكفير أصحاب هذه المقالة؟ الجواب لا يلزم من قول ابن تيمية هذا أنه يكفر أصحاب هذه المقالة، لكن المقصود: أن هؤلاء شاركوا الكافرين في مقالتهم، ثم الحكم عليهم يحتاج إلى وجود الشروط التامة فيهم، وانتفاء الموانع عنهم حتى يكونوا من الكافرين، ولهذا قد يشارك الإنسان أحياناً إبليس في صفة الحسد والكبر، فلا يكون مثل إبليس مائة بالمائة. وهكذا لما شاركوا هؤلاء الكفار في هذه الفكرة لا يلزم أن يكونوا كفاراً مثلهم، وبعض الناس الآن قد يشارك بعض الكفار في بعض الصفات، سواء كانت صفات خلقية أو خلقية، فيصح أن يقال: شاركوا الكفار في كذا، ولا يلزم من هذا التكفير. أما قوله: (إخوانهم)، فلا يلزم من ذلك أنه يكفرهم، لأمرين: لاحتمال أن يقصد بإخوانهم: أصحابهم ممن ناقشوهم وناظروهم، فإن الله يقول: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ [الأحقاف:٢١]، وليس مقصوده أنه أخوهم في الدين، وإنما المقصود: صاحبهم في السكن، وفي النسب، وفي الدعوة والإصلاح، هذا من وجه. والوجه الثاني: أنه ربما أراد ابن تيمية ﵀ التنكيل بهم؛ لأنهم شاركوا الكافرين، فنسبهم إليهم في مثل هذه الحالة، والمقام الذي تحدث عنه ابن تيمية ليس مقام حكم، ولهذا لا يصح أن نأخذ من كلام أهل العلم أحكاماً وهو ليس في سياق الأحكام، فقد نفهم أن هذا الكلام جاء به ابن تيمية وكتبه وهو مغضب على هؤلاء، وليس قصده تقرير الحكم الشرعي فيهم، فإنه إذا أراد أن يقرر الحكم الشرعي فيهم تغيرت طريقته بالمرة، وحينئذ لا يصح أن يقتنص الإنسان كلمة ويقول: إن ابن تيمية يكفرهم، هذا لا يصح، وقد تكلم ابن تيمية على مسألة تكفير الفرق في رسالة له مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى.

стр. 74

بيان المقصود بأصول أهل السنة والجماعة السؤال كثيراً ما نسمع عن أصول أهل السنة، ومن ذلك: طاعة ولي الأمر، فما هي أصول السنة والجماعة، وكم عددها؟ الجواب المقصود بأصول أهل السنة والجماعة القواعد العامة في الأبواب المتنوعة التي يعتقدها أهل السنة رضوان الله عليهم، ففي باب الإيمان بأسماء الله لهم أصول، وفي الإيمان بالصفات لهم أصول، وفي الإيمان بالقدر لهم أصول، وفي الإيمان بالملائكة والغيبيات لهم أصول، وفي الإيمان بالبعث واليوم الآخر لهم أصول، وهكذا لهم أصول متنوعة، ويمكن أن نعرفها من خلال الدراسة والبحث والاستقصاء، وهي ليست محصورة في عدد معين؛ لأن التقسيم العلمي يختلف من كاتب إلى آخر، فقد يضم بعض العلماء أصلين أو ثلاثة أصول ويجمعها سوياً ويجعلها تحت أصل واحد، وبعضهم قد يوزعها ويفرقها، فالسؤال عن العدد لا يمكن الإجابة عنه؛ لأن طريقة أهل العلم تختلف من كتاب إلى كتاب آخر، لكن هذا هو المقصود.

стр. 75

كيفية الرد على العصريين في قولهم: إن السلف الصالح سطحيون السؤال كيف نرد على العصريين وانتقادهم للسلف الصالح، وقولهم: إنهم سطحيون؟ الجواب هذا قول باطل؛ لأن السلف الصالح ليسوا سطحيين، عرفنا ذلك من خلال هذه الحضارة الكبرى التي أسسها السلف رضوان الله عليهم، منذ زمن الصحابة رضوان الله عليهم إلى يومنا المعاصر، فإن هذه الحضارة لا يمكن أن تنتج عن سطحيين في مجال السياسة، وفي مجال المال، وفي مجال الدعوة والإصلاح، وفي مجال التعليم، فقد كانت بغداد فيها أكثر من ثلاثة مليون نسمة، وفي الوقت نفسه كانت باريس ليس فيها إلا ثلاثة آلاف نسمة، فضلاً عن الجامعات الكبرى التي كانت موجودة في بغداد، والجهل الذريع الذي كان موجوداً في باريس، ونحن لا يهمنا أن نقارن أنفسنا بالغرب، فالغرب لا يستحق أن نقارن أنفسنا بهم، لكن نقول هذا الكلام في الرد على العصريين؛ لأنهم يعظمون الغرب، ولأنهم يرون أن الحضارة هي حضارة الغرب، نقول: هذه الحضارة الضخمة الكبيرة التي بناها المسلمون هل تنتج عن سطحيين؟ لا يمكن أن تنتج عن سطحيين.
следующие страницы →