← Акыда

Акыда · id 37798

شرح الحموية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (172 стр.). Показаны 141–172 · переход к 146.

стр. 141

معنى دليل منع حلول الحوادث عند المتكلمين والرد عليه

стр. 142

معنى دليل منع حلول الحوادث والرد عليه بالجملة الشبهة الثالثة: هي شبهة منع حلول الحوادث بذات الله . وهذه الشبهة نفوا بها الصفات الفعلية، مثل صفة النزول، والاستواء، وصفة المجيء، والإتيان، ونحوها من الصفات الفعلية، وهي التي يفعلها الله متى شاء وكيف شاء، على الوجه الذي يشاؤه . قالوا: هذه الصفات لا يصح أن يوصف الله بها؛ لأنها تستلزم حلول الحوادث بذات الله، والحال هنا هو نفس الحال هناك، نقول: ماذا تعنون بالحادث؟ قالوا: نعني بالحادث وجود الشيء بعد أن لم يكن موجوداً، قالوا: فإذا قلنا ينزل الله هذه الليلة، ثم ينزل الليلة التي بعدها، فنزوله الليلة التي بعدها لم يكن موجوداً سابقاً فيلزم منه وجود حادث في الله ، وهذا لا يصح أن يوصف به الإله . قلنا: هذا باطل؛ فإن الله وصف نفسه بهذه الصفات، ووصفه بها رسوله ﷺ ، وما سميتموه أنتم معنى حادثاً، وهو وجود هذه الصفة بعد أن لم تكن موجودة لا نقص فيه بالنسبة للإله، فلا مانع من أن يتكلم الله الآن، ويتكلم بعد سنة، ويتكلم يوم القيامة، ويتكلم إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وليس فيه نقص. قالوا: هذه فيها حدوث بذات الله، قلنا: هذه الكلمة جديدة لم نعرفها في النصوص الشرعية، فماذا تعنون بالحدوث؟ قالوا: الحدوث هو وجود الشيء بعد أن لم يكن موجوداً. قلنا: ولا مانع منه حتى لو وجد الشيء بعد أن لم يكن موجوداً سابقاً؛ لأن الله له إرادة يفعل الشيء متى شاء ، في الوقت الذي يشاء. قالوا: لكن أنتم إذا قلتم بهذا القول فمعنى هذا أنكم تبطلون حدوث العالم! قلنا: وماذا تعنون بحدوث العالم؟ إذا كنتم تعنون أن العالم مخلوق فإن صفة الله التي تكون بعد أن لم تكن موجودة سابقاً ليست خلقاً، وإنما هي صفة يفعلها الله في الوقت الذي يشاؤه ، والعالم مخلوق وهو أثر من آثار خلق الله له، والمخلوق ليس كالخالق. ولهذا فإن اضطراب المصطلحات عند هؤلاء جعلهم يتلاعبون بالنصوص الشرعية، بناء على مصطلحاتهم التي استخدموها، فهم جاءوا إلى المنكرين لوجود الله ، فأرادوا أن يثبتوا لهؤلاء المنكرين وجود الله ، فركبوا لهم دليلاً صعباً غامضاً وعر المسالك، فيه فقرات يخالفهم فيها كثير من العقلاء، وسموه دليل حدوث العالم، هذا الدليل دليل يتيم عندهم، وهو أبرز دليل من أدلة أهل الكلام على إثبات وجود الله ، فأي قدح في هذا الدليل بأي وجه من الوجوه ينفونه دفاعاً عن هذا الدليل. ولهذا عندما تحدث الإمام الشاطبي ﵀ في كتاب (الاعتصام) عن مأخذ أهل البدع في الاستدلال ذكر قاعدة لطيفة جداً، وهي: أن أهل البدع يقعدون المسألة التي يريدونها ويقررون فيها حكماً قبل النظر في الكتاب والسنة، ثم ينظرون في الكتاب والسنة، فما وجدوا أن ظاهره يخالف ما ذكروه وما أصلوه أولوا نصوص الكتاب والسنة حتى توافق ما أصلوه وقعدوه. وهذا تلاعب بالكتاب والسنة، وهذا لاشك أنه ضعف في التسليم للكتاب والسنة، فالله يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. والله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠] وهو أهواؤهم وعقولهم، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]. إذاً: لا يصح للإنسان أبداً أن يقعد القاعدة ويطلق فيها الحكم قبل النظر في الكتاب والسنة. هؤلاء جاءوا وأرادوا أن يثبتوا وجود الله بالعقل، فقعدوا هذا الدليل الذي سموه دليل الأعراض، أو دليل حدوث العالم، وكل صفة من الصفات تعارض هذا الدليل في الظاهر فإنهم يؤولونها ويحرفونها عن معناها الحقيقي، وكان الواجب ألا يعتمدوا على دليل واحد، لأن وجود الله أمر واضح، ومن حكمة الله أن الشيء إذا كان واضحاً هيأ له أسباباً كثيرة جداً غير محصورة، فهل تتصورون قضية حساسة مثل قضية وجود الإله لا يكون عليها دليل إلا دليلاً واحداً يخترعه أبو الهذيل العلاف من المعتزلة، ويقلده عامة المعتزلة فيه، ثم يصير إليه عامة الأشاعرة؟ فهل كان أبو بكر الصديق لا يعرف هذا الدليل وغيره من الصحابة ومن أهل العلم، حتى تأتوا أنتم وتستدلوا بهذا الدليل، وقد ناقشوا المشركين وناقشوا الملاحدة وبينوا لهم الحق بدون هذا الدليل؟ ثم إن موضوعاً كموضوع إثبات وجود الله من الوضوح بحيث إنه لا يجوز أن يكتفى

стр. 143

المقدمات التي يتركب منها دليل منع حلول الحوادث والاستدلال به على أن الله هو الخالق إن دليل منع حلول الحوادث الذي استخدمه أهل البدع يبنونه على ثلاث مقدمات: المقدمة الأولى: إثبات أن هذا العالم حادث. المقدمة الثانية: إثبات أن كل حادث لابد له من محدث. المقدمة الثالثة: أن المحدث هو الله . فإذا جاءوا إلى إثبات حدوث العالم، قالوا: العالم ينقسم إلى قسمين: جواهر وأعراض. الجواهر: هي التي تقوم بذاتها. والأعراض: هي التي تقوم بغيرها. مثال الجواهر: الجوهر الفرد، وسيأتي معنا الحديث عنه، فإنه لا يتجزأ، ومثال الجواهر أيضاً: الأمور التي تقوم بذاتها مثل الكتاب والإنسان وأي شيء يقوم بذاته، فهذا يسمى عندهم جوهراً. أما الأعراض فجمع عرض، وهذا العرض هو الذي يقوم بغيره ولا يمكن أن يكون منفصلاً عن الجوهر، مثل: الألوان والطعوم والروائح، وهذه لا يمكن أن تقوم بذاتها. فمثلاً: رائحة العطر، هل يمكن أن يكون مستقلاً بذاته هكذا؟ لا، كذلك: هل البياض ممكن أن يكون بياضاً لوحده مستقلاً؟ لابد أن يكون مركباً مع غيره. فيقولون: إننا سبرنا هذا العالم الموجود فإذا هو مكون من جواهر وأعراض، ثم يستدلون على حدوث الجوهر، وعلى حدوث العرض، فيستدلون على أن الجوهر حادث، فيقولون: إن الجوهر مفتقر إلى غيره؛ لأن الجسم يتكون من مجموعة جواهر، والجوهر إذا قسمته أجزاء بسيطة وصغيرة، فإنك ستجد أنه مقسم إلى ذرات صغيرة، وهذه الذرات الصغيرة يتركب بعضها مع بعض حتى تكون الجسم، وتركب بعضها مع بعض يدل على حدوثها، والسبب في دلالته على حدوثها أن كل جزء من هذه الأجزاء مفتقر إلى الجزء الآخر المكون للجسم بشكل عام، هذا من جهة. ومن جهة ثانية: فإن الجوهر لا يمكن أن يعرف إلا إذا تلبس به العرض، والعرض حادث، وما قام به الحادث فهو حادث، هذا الاستدلال على حدوث الجواهر. وأما الأعراض، فيقولون: الأعراض هي حادثة ولابد؛ لأنها محتاجة إلى غيرها، فاللون محتاج إلى جسم حتى يتضح، وهكذا الروائح، وهكذا الطعوم، فهي بحاجة إلى غيرها، وهذا الاحتياج يدل على افتقارها، والافتقار يدل على حدوثها. إذاً: تحصل من هذا أن العالم حادث. المقدمة الثانية: لابد من إثبات أن أي أمر حادث لابد له من وجود محدث وراءه. وهذه مقدمة فطرية عند الإنسان، فالطفل الصغير إذا كان متجهاً إلى جهة وحركته التفت مباشرة؛ لأنه مفطور على أنه لا يمكن أن يحصل شيء إلا بسبب. فاستدلوا عليها بما يسمى قياس الغائب على الشاهد، قالوا: إن المشاهد أن كل حدث لابد له من محدث، وهذه قضية فطرية ليس فيها مشكلة، لكن يتعبون حين يستدلون بالعقل حتى يصلوا إليها. المقدمة الثالثة: أن محدث العالم هو الله : كيف يستدلون على هذه المقدمة؟ يسمون الدليل الذي يستخدمونه: دليل السبر والتقسيم، فيستعرضون أنواع المحدثات الممكنة المحتملة، فيقولون: هل من الممكن أن يكون العالم أحدثته الطبيعة هكذا؟ لا يمكن، والدليل على ذلك أن هذا النظام الموجود لابد أن يكون وراءه مدبر، له علم وله كذا وله كذا حتى يكون محدثه، هذا أولاً. فهل يمكن أن تُكوِّن هذه المحدثات بعضها بعضاً إلى ما لا نهاية؟ قالوا: لا يجوز. وهل يمكن أن يكون أحد غير الله محدثاً لهذا الكون، مثل الآلهة المزعومة؟ قالوا: لا يصح، ويستدلون على هذه القضية. بعد هذه المقدمات الطويلة فالنتيجة تساوي أن الله موجود.

стр. 144

الردود على مقدمات أهل البدع في حلول الحوادث ووجه الاعتراض على هذا الدليل من عدة جهات: الجهة الأولى: أن المعنى المستدل عليه أوضح من الدليل: لأن الدليل فيه تعقيدات، والمعنى المستدل عليه -وهو وجود الله- واضح لا يحتاج أن تستدل عليه بهذه التعقيدات، فهو موجود فطري في نفس الإنسان، وقد دل على وجوده في نفس الإنسان من حيث الفطرة القرآن، والسنة، والأدلة العقلية. وهذه القضية لها مجال طويل جداً وهو فطرية معرفة وجود الله ، وقد تحدث عنها ابن تيمية ﵀ في مجلد كبير من كتاب (درء تعارض العقل والنقل). الجهة الثانية: أن هناك أدلة أوضح من هذا الدليل الذي استخدمتموه وأحسن منه يمكن الاستدلال بها: كقوله : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، فهذا دليل قرآني كاف في الاستدلال على وجود الله ، فإن الإنسان يعرف من نفسه أنه إما أن يكون خُلِقَ من غير شيء، وهذا مستحيل تأباه الفطرة، ويأباه العقل، وإما أن يكون هو الذي خلق نفسه، وهذا أوضح في الاستحالة؛ لأن العبد يعرف أنه ليس هو الخالق لنفسه، وبناءً على هذا يكون الله هو خالقه، وهذا أسهل وأوضح وأبين، ولا يستلزم لوازم باطلة كنفي الصفات. الجهة الثالثة: أن الدليل إذا استلزم مدلولاً باطلاً فهو دليل على بطلانه: فالدليل الصحيح يستلزم ملزوماً صحيحاً، فإذا كان الدليل يستلزم ملزوماً باطلاً فهذا دليل على بطلان الدليل نفسه، ولهذا نفى المعتزلة بسببه الرؤية، ونفى جميع المعتزلة والأشاعرة الصفات، ونفوا أيضاً بسبب هذا الدليل كثيراً من القضايا المجمع عليها، حتى إن بعض المعتزلة يقول بانقطاع حركات أهل الجنة، وإنه ستكون هناك فترة على أهل الجنة يتوقفون فيها عن الحركة. فبعض الناس لما ألزمه باللوازم قال: إنه يلزم من هذا أن الرجل إذا كان قد أخذ اللقمة وأراد أن يضعها في فيه فإنه يقف هكذا، فقال المعتزلي: لابد أن تتوقف هذه الحركات؛ لأنه إذا لم تتوقف فتستلزم أن هذه المحدثات لا نهاية لها، وهذا قدح في الألوهية على حد تعبيرهم ومناقشتهم، فالتزم بانقطاع حركات أهل الجنة، وأنه لا يمكن أن تستمر إلى المستقبل الذي لا نهاية له. ويستلزم لوازم باطلة كثيرة جداً، وهذا يدل على بطلان الدليل. الجهة الرابعة: أن هذا الدليل فيه بعض المسائل فمثلاً: قولهم بأن الأجسام تتكون من جواهر، وإذا قسمت هذا الجسم فإنك لابد أن تصل إلى إحدى حالتين: الأولى: إما أن تقسم إلى ما لا نهاية، وهذا مستحيل؛ لأن هذه الدنيا محدودة لابد أن يكون لها نهاية. الثانية: أن تصل إلى جزء لا يتجزأ، وهذا الجزء الذي لا يتجزأ سموه: الجوهر الفرد، وهو الذي يتركب منه الجسم. فناقشهم الناس، لأن بعضهم يرى أن أصل الدين هو الإيمان بالجوهر الفرد الذي تتكون منه الأجسام، فإذا تكونت الأجسام استدللنا بالجسم على حدوث العالم. ويمكن أن نناقش هذه المسألة فنقول: هذا الجوهر الذي وصلتم إليه لو أننا الآن قسمنا الكتاب وقسمنا وقسمنا وقسمنا حتى نصل إلى جزء لا يتجزأ، ويصبح الكتاب أجزاء بسيطة لا تتجزأ، وهذه الأجزاء يتكون منها هذا الكتاب بأكمله، فنقول: هذا الجزء الصغير الذي لا يتجزأ لها جهات، فالجهة الأولى يمكن أن نطلق عليها (أ) والجهة الثانية نطلق عليها (ب)، وهذا يدل على أنه يمكن انقسام هذا الجوهر الصغير الذي لا يتجزأ، فإذا جئنا إلى الجوهر الصغير الآخر الذي تقولون: إنه لا يتجزأ، نقول: مجرد إثباتكم لتركب هذا الجزء مع جزء آخر دليل كاف على انقسام هذا الجزء؛ لأن هذا الجزء الصغير إذا تركب مع هذا الجزء الصغير دل على أن له طرفين: الطرف الأول: مع هذا الجزء، والطرف الثاني: مع الجزء الآخر، فينقسم حينئذ. ولهذا اختلف الناس في قضية الجوهر الفرد اختلافاً كبيراً جداً، وعامة المتكلمين يقولون: إن الأجسام مكونة من الجوهر الفرد، وإن هناك جزءاً لا يتجزأ وهو الجوهر الفرد، وخالفهم إبراهيم النظام وكان من دهاة العالم لكن أضله الله والعياذ بالله، ولهذا يكفره كثير من الطوائف، حتى من المعتزلة، وهذا النظام التزم بأن التقسيم يستمر إلى ما لا نهاية، يقول: إذا أخذت مثلاً: كتاباً وقسمته فسينقسم، وينقسم وينقسم وينقسم إلى ما لا نهاية، يعني: كلما قسمت فإنك ستصل إلى جزء قابل للقسمة؛ لأنه يتصور هذا النقد الذي وجهناه للدليل الذي ذكرناه. والحق في هذه المسألة من الناحية العقلية المجردة أنه لا يستلزم عند الانقسام أن نصل إلى جزء لا يتجزأ، ولا يستلزم تجزؤاً إلى ما لا نهاية له، وإنما الشيء إذا قسمته ينتقل إلى غيره ويستحيل إلى غيره، ولا يسمى بنفس الاسم السابق، فمثلاً الماء إذا جاءت عليه الشمس تبخر وصار جسماً آخر. وهذه النظرية ذكرها ابن تيمية ﵀ في أكثر من كتاب، وسماها: نظرية الاستحالة، يعني: أن هذا الجزء يستحيل إلى جزء آخر، وإلى شيء آخر، وقد يفنى ويذهب ويصبح لا وجود له، وقد ينتقل إلى شيء آخر غير الجسم السابق الذي كان موجوداً. ولهذا كان من الأمور

стр. 145

بطلان استدلال المتكلمين بدليل التشبيه والتمثيل أما دليل التشبيه والتمثيل فقد سبق أن أشرنا إليه: وهو أنهم يرون أن كل هذه الصفات إذا أثبتناها تستلزم مشابهة الله للمخلوقات، ونحن ذكرنا أن إثبات الصفات لله لا تستلزم مشابهة الخالق سبحانه للمخلوق في شيء، وربما يأتي لها موضع آخر بإذن الله تعالى. الذي أريد أن أصل إليه هو أن هؤلاء اعتمدوا في نفي الصفات على الأدلة العقلية التي سبق أن ذكرناها، وأنه لم يكن نفيهم لهذه الصفات بسبب التباس بعض الأدلة الشرعية في أذهانهم، ولكن الذي حصل هو الاستدلال بالأدلة العقلية هذا أولاً. ثانياً: أن هذه الأدلة العقلية مخالفة للحق من ثلاث جهات: من جهة اللغة، فقد استخدموا معاني جديدة غير موافقة للغة، كالتركيب والانقسام، وأيضاً التوحيد استخدموه في معان غامضة ما كان العرب يعرفونها. ومن جهة ثانية هي مخالفة للشرع، ومن جهة ثالثة مخالفة للعقل. ولهذا عندما تحدثنا عن شبهة التركيب قلنا: إما أن يقصدوا أن غير الله ركبه، وهذا لاشك أنه باطل، وهم لا يقصدونه، وإما أن تكون هناك اعتبارات ذهنية في فهم التركيب، وأن اليدين جهة، والعين جهة أخرى وهكذا، وهذا التركيب الذهني لا يصح أن ننفي الصفات من أجله.

стр. 146

نقد القواعد المخالفة للكتاب والسنة المعنى الآخر الذي أريد أن أصل إليه: هو أن الإنسان لا يجوز له أن يقعد القاعدة التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة، ثم يحاكم النصوص ويحاكم أقوال أهل العلم عليها، وقد وجد في الدعوة الإسلامية، ووجد في الحياة المعاصرة أشخاص وضعوا قواعد، وحاكموا الآخرين إليها، فوقعوا في شيء من البدعة، وبعض الأحيان قد تكون بدعة مغلظة، وبعض الأحيان قد تكون بدعة غير مغلظة. أضرب لهذا بأمثلة: الأول: عندما جاء الباطنية وقالوا: إن نصوص الوحيين لها ظاهر وباطن، وإن الظاهر هو ما يفهمه العامة، والباطن هو ما يفهمه الخاصة. هذه القاعدة التي ذكروها فتحوا بها باباً عظيماً من أبواب الشر، حيث جاء الزنادقة منهم فتلاعبوا بما يسمونه المعاني الخاصة، وغيروا الشريعة تغييراً كبيراً، فالصلوات عندهم أن تذكر خمسة أشخاص وهم: محمد، وعلي، وفاطمة، وحسن وحسين. والحج أن تقصد قبور الأولياء، والصيام أن تكتم أسرارهم، وهكذا تجدهم يتلاعبون بالدين، ويسمون هذا علم الخاصة.

стр. 147

نقد الاستخدام السيئ لقاعدة اليسر والسماحة في الشريعة المثال الثاني: هو وجود طائفة ممن ينتسبون إلى العلم الشرعي، يقولون: نحن نرى فقه التيسير على الأمة، وأن هذه الشريعة شريعة سمحاء، وإن من القواعد الشرعية المعروفة أنه إذا ضاق الأمر اتسع، وهكذا يكررون ما يتردد على ألسنة الفقهاء من سماحة هذا الدين، وأيضاً ما هو موجود في القرآن والسنة، ويضعون لأنفسهم قاعدة: أن المسألة إذا كان فيها رأي لعالم سابق وفيه مصلحة للناس فإنا نقول به. فأصبحوا يتتبعون شواذ الفتاوى القديمة، ويتتبعون السقطات التي حصلت عند بعض أهل العلم قديماً، ويتتبعون رخص الفقهاء والعلماء، ويفتون الناس بها. وهذه القاعدة التي وضعوها قاعدة باطلة منحرفة تشبه قاعدة: الحلول والحوادث وتشبه قاعدة: التركيب، وتشبه القواعد البدعية الأخرى، وما من مسألة من المسائل إلا ويوجد فيها مخالف، وإنما تعبدنا الله بالقرآن والسنة، فإذا كانت المسألة واضحة في الكتاب والسنة، وأفتى عالم من العلماء على خلاف هذه المسألة فنحن لا نقبل كلامه، ولهذا نص الأئمة الأربعة وغيرهم على لزوم الكتاب والسنة. قال الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي. ويقول أبو حنيفة وغيره: إذا خالف قولي قول الله ورسوله فارموا بقولي عرض الحائط! وهذا يدل على أن العبرة بكلام الله وكلام رسوله ﷺ . إذاً: هذه القاعدة خطيرة جداً، وقد تحدث أهل العلم عن تتبع رخص العلماء، ولهم كلمة مشهورة في هذه المسألة: وهي أن من تتبع رخص أهل العلم تزندق. أما الجاهل الذي لا علم له فإنه يأتي إلى من يثق فيه من أهل العلم ويسأله، وهذا هو الفرض الذي أوجبه الله عليه، فقد فرض على العامي سؤال أهل الذكر؛ لقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فإذا سأل أحداً من أهل الذكر يثق فيه فإنه يلتزم بقوله، والعامي الذي يتلاعب فيسأل هذا ويسأل هذا، ثم يأخذ أسهل شيء له، فهو مثل هؤلاء، فلا يصح أن يتلاعب الإنسان بالدين بهذه الطريقة.

стр. 148

نقد قاعدة نتعاون فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه المثال الثالث: أن الأستاذ حسن البنا رحمه الله تعالى ذكر قاعدة أخذها أتباعه ووسعوها توسيعاً كبيراً، وهو أخطأ في إطلاق هذه القاعدة، والقاعدة هي: نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. ووجه الخطأ في هذه القاعدة هو قوله: (ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه)، وذلك لأن الناس يختلفون في أمور متعددة، بعضها يعذر الخلاف فيه، وبعضها لا يعذر، فالذي يخالفنا في العقائد هل نقول في حقه: يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه؟ لا يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، فنحن لا نعذر الشيعة عندما خالفونا؛ لأن خلافهم في العقائد وهو باطل، وقد وصل إلى الشرك، كذلك لا نعذر القبوريين الذين يطوفون حول القبور ويذبحون لها، وينذرون لغير الله ، مثل دعوى محمد علوي المالكي وأمثاله؟ كذلك هل نعذر الأشاعرة والمعتزلة في أمور العقائد؟ لا نعذرهم، وهذا أمر بإجماع أهل العلم من أهل السنة أي: أن هذه القضايا لا يعذر فيها. والمخالف للإجماع لا يعذر صاحبه؛ لكن إذا جئنا لنحكم عليه فإننا ننظر إلى مقالته ثم نقيس مدى بعده أو قربه من الكتاب والسنة، ولهذا يقول ابن تيمية ﵀: إن أهل السنة هم أرحم الخلق بالخلق؛ لأن ميزانهم منضبط ليس مبنياً على الهوى والتعصب والآراء الشخصية. إذاً: هذه قاعدة عامة، ولهذا وجد في أتباع الأستاذ حسن البنا الرجل الصوفي والشيعي، ووجد في أتباعه كثير من أهل البدع، ووجد في أتباعه أيضاً من يتبنى مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم. والعذر يكون في الخلاف في مسائل الاجتهاد، وهي المسائل الفقهية في الغالب، ويمكن مراجعة كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) لمعرفة حدود الإعذار لهؤلاء العلماء المختلفين، لكن هل الخطأ والانحراف في هذه القاعدة مثل الانحراف في قاعدة الأشاعرة؟ لا، ليس مثلها، وهل هي مثل الانحراف في قاعدة الباطنية؟ لا، ليس مثلها.

стр. 149

نقد قاعدة الموازنة بين الحسنات والسيئات عند نقد الآخرين مثال رابع على القواعد التي تخالف الكتاب والسنة، وقد يلتزم بها أصحابها ويتحاكمون إليها، وهذا خطأ، فإنه لا يصح للإنسان أن يقعد قاعدة حتى تكون محررة من الكتاب والسنة. فمثلاً ذكر بعض المصلحين من الدعاة قاعدة: وهي أنه عند كلامك على الآخرين لابد أن توازن بين الحسنات والسيئات، وأطلقها هكذا. وهذا خطأ، إذ لا يلزم عند نقدك للآخرين أياً كانوا أن توازن بين الحسنات والسيئات، نعم قد يقتضي المقام الموازنة، وذلك عندما يكون هذا الإنسان إماماً من أئمة أهل السنة، والخلاف معه في مسألة معتبرة، فتنقد ما عنده من الخطأ في جانب، وتعترف له بالفضل العظيم في جانب آخر. لكن عندما يكون إماماً من أئمة أهل البدع، ورمزاً من رموزهم، ورأساً من رءوسهم، وينشر الفساد العقدي في كل مكان، فمثل هذا كيف توازن بين الحسنات والسيئات، فإذا جئت لتنتقد الجهم بن صفوان فهل تقول: إن الجهم بن صفوان إنسان، والإنسان له احترام عند الإنسان آخر، وهو أيضاً ينتسب إلى الإسلام، وانتسابه للإسلام يعتبر منقبة؟! ثم بعد ذلك ننتقد عليه كيت وكيت وكيت؟ لا، هذا خطأ في العرض وخطأ في المناقشة، ولهذا لم يستخدم هذا الأسلوب أهل السنة والجماعة في التعامل مع رءوس أهل البدع، والخطأ في هذه القاعدة كما تلاحظون هو التعميم، كالخطأ في القاعدة التي قبلها. فالتعميم بهذه الطريقة ووضع هذه القاعدة والتزامها سلوكاً ودعوة خطأ كبير جداً، ومؤثر على سير الدعوة الإسلامية، ويؤثر على الضوابط الشرعية المعروفة عند أهل السنة في التعامل مع المخالف، ومعرفة حجم مخالفته، وقياسها بالنسبة للمنهج القرآني، لكن الخطأ في هذه القاعدة ليس مثل الخطأ في التي قبلها، والخطأ في التي قبلها ليس مثل الخطأ في التي قبلها وهكذا. إذاً: المقصود من هذا الكلام هو ألا يأتي إنسان ويضع قاعدة ليست محررة أو هي مخالفة للقرآن والسنة، ثم يحاكم النصوص والآخرين إليها، هذا خطأ كبير جداً، حتى إن بعض الذين قالوا بالموازنة بين الحسنات والسيئات ذكروا أمثلة غريبة جداً في الموازنة، فيقولون مثلاً: إن الله عندما يذكر بعض الكفار قد يذكر بعض الإيجابيات الموجودة عندهم. نقول: إن ذكر الإيجابيات هنا ليس المقصود منه الموازنة أصلاً، في بعض الأحيان يكون المقصود منه بيان قوتهم، وبعض الأحيان يكون المقصود منه بيان استفادته من بعض الأسباب الطبيعية، وقد يكون له أكثر من معنى، وليس المقصود الموازنة، وإنما تكون الموازنة في الرجل الذي يكون من أهل السنة، فمثلاً: الشيخ الألباني رحمه الله تعالى كان إماماً من أئمة الهدى، ومن أئمة أهل السنة والجماعة، ومن المصلحين والدعاة، وأخطأ في مسألة كشف المرأة لوجهها فأباحه، وقال: لا أقول بوجوبه، ولا أقول إن المرأة الكاشفة لوجهها عليها إثم في ذلك، واستدل ببعض الأدلة التي كان له شبهة فيها، فمثل هذا الإمام يمكن أن أنتقد قوله في هذه المسألة، وأقول: إن قوله غير صحيح ومخالف للأدلة الشرعية، والدليل هو كذا وكذا وكذا، ثم بعد ذلك أقول: وهذا لا ينقص من قدر الشيخ الألباني ﵀؛ فإنه كان إماماً من أئمة الهدى، وقد نشر العلم، وخدم السنة، ودعا إلى الله ، ورد على أهل البدع والضلالة، هكذا وتذكر ما عنده من الحسنات. لكن عندما ينصب إنسان نفسه للبدعة، فهذا لا يعرف من أهل السنة التزام بمسألة الموازنة فيه، وردود أهل السنة على أهل البدع كثيرة جداً، فقد رد الدارمي ﵀ على بشر المريسي، ورد الإمام ابن تيمية على الرازي، ورد على الغزالي، ورد على غيرهما، فليس هناك موازنة، وما يذكره ابن تيمية ﵀ بعض الأحيان من حسنات للأشاعرة فإنما هو في مقابلة سيئات المعتزلة؛ حتى يبين أن هؤلاء أخف من هؤلاء، وليس مقصوده أن يوازن بين حسناتهم وسيئاتهم. ثم إن الموازنة لابد أن يكون منها نتيجة، أما أن توازن وتسكت فهذا ليست له نتيجة، عندما تقول: هذا له كذا وله كذا، وله كذا، وهذا له وله، فما هي النتيجة؟ بحسب ما غلب عليه، ولهذا تكون الموازنة يوم القيامة عندما توزن حسنات الإنسان وسيئاته، من المعروف أنه إذا كثرت سيئاته فإنه يحكم عليه بأنه في النار، وإذا كثرت حسناته فإنه يحكم عليه بأنه في الجنة، فهل يريد هؤلاء الموازنون أن يوازنوا ثم يحكموا على الشخص بعد ذلك؟ والواقع أنه لا يوجد حكم على الأشخاص، وإنما هو إبراز لسلبيات هؤلاء وحسناتهم، ولعل الداعي لهذه المقالة هو وجود أشخاص يخطئون في نقد الآخرين فيظلمونهم، ويحملون أقوالهم ما لا تحتمل، فاقتضى هذا وجود من يدفع هذا التحامل بهذه الطريقة، أعني بفكرة الموازنة بهذا الأسلوب، ولاشك أن العدل واجب، لكن الموازنة المطلقة حتى مع أهل البدع واليهود والنصارى بهذه الطريقة ليست صحيحة على إطلاقها كما سبق أن أشرنا. والله أعلم.

стр. 150

شرح الفتوى الحموية [١٠] أصول الإسلام وقواعده العظام ليست مجال نقد أو مناقشة، لأنها مأخوذة من الكتاب والسنة، وما ضل من ضل من الفرق إلا لتركهم للكتاب والسنة إلى غيرهما، كأهل التعطيل فإن أصل مقالتهم مأخوذة من تلاميذ اليهود والمشركين والضلال الصابئين.

стр. 151

شبهات نفاة الصفات مأخوذة عن طواغيت الشرك والصابئة تحدثنا في الدرس الماضي عن شبهات المعطلة أهل الكلام كالمعتزلة والأشاعرة والماتريدية في نفي الصفات، وقلنا: إن مجموع هذه الشبه تدور على أربع شبه: الشبهة الأولى: شبهة تعدد القدماء، وقد بينا معناها والرد عليها، وهي شبهة المعتزلة. والشبهة الثانية: شبهة التركيب، وهي شبهة المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، وهي شبهة عامة أهل الكلام. وقد بينا حقيقة هذه الشبهة، وأنه بسببها نفى أهل الكلام صفات الله الذاتية، وبينا الرد عليها. والشبهة الثالثة: شبهة منع حلول الحوادث بذات الله ، وقلنا: إن هذه الشبهة هي شبهة عامة المتكلمين أيضاً، وبينا الرد عليها. والشبهة الرابعة: شبهة التشبيه والتمثيل، وكذلك بينا حقيقتها والرد عليها. وبعد بيان هذه الشبه بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أصل مقالة التعطيل ونفي الصفات، وأرخ لبدايتها، كما أنه بين جذورها العقدية والفكرية، وبين رحمه الله تعالى المنطلق الذي كان سبباً في نفي هؤلاء المعطلة لصفات الله . وذكر رموز أهل التعطيل في عصور مختلفة ومتنوعة، وسيكون حديثنا هنا بإذن الله تعالى حول هذا الموضوع. وقبل أن نبدأ في هذا الموضوع أحب أن نقرأ أولاً كلام شيخ الإسلام بشكل مختصر حول شبهات هؤلاء ضمن كلامه حول اللوازم التي تلزم المعطلة في نفيهم لصفات الله ، ثم نتحدث مباشرة عن هذا الموضوع الذي سيكون محور حديثنا بإذن الله تعالى. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل، إنما تقلدوا أكثرها عن طواغيت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم، مثل: فلان! وفلان! أو عن من قال كقولهم لتشابه قلوبهم، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣]. ولازم هذه المقالة: أن لا يكون الكتاب هدى للناس، ولا بياناً ولا شفاء لما في الصدور، ولا نوراً ولا مرداً عند التنازع؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقول هؤلاء المتكلفون إنه الحق الذي يجب اعتقاده لم يدل عليه الكتاب والسنة لا نصاً ولا ظاهراً، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]]. سبق أن بينا السبب في كون هؤلاء لا يعتمدون أصلاً في تلقيهم لقضايا العقائد على النصوص الشرعية، فإنهم يؤصلون العقائد أولاً بالأدلة العقلية حسب ظنهم، وهي ليست أدلة عقلية، وإنما هي جهالات وشبهات، ولهذا عندما التزموا هذه الأدلة العقلية فيما ظنوا ترتب على هذه الأدلة العقلية أنهم نفوا صفات الله ، بعضها أو كلها. فهؤلاء أصلاً من حيث المنطلق لم يكن المنطلق الأساسي في نفي الصفات والنصوص آيات أشكلت عليهم وفهموها على غير وجهها، وإنما انطلقوا في بداية أمرهم من تأصيل فاسد، وهو أن العقل هو المصدر الأساسي في تلقي العقائد، فلما أسسوا هذه العقائد على العقل بعيداً عن الشرع، ترتب على هذا أنهم استخدموا أدلة عقلية كانت مؤثرة على النصوص الشرعية؛ لأنهم عندما استخدموا هذه الأدلة العقلية قال لهم الناس: أنتم بدليلكم العقلي هذا خالفتم النص الفلاني، والنص الفلاني، وخالفتم الصفة الفلانية. فقاموا بتأويل هذه النصوص الشرعية حتى توافق القواطع العقلية، ولهذا إذا ناقشوا شخصاً لا يعترف بغير الكتاب والسنة ويقول: الكتاب والسنة فيها أدلة عقلية كافية، يقول هؤلاء: إن نفي الصفات موجود ضمن الكتاب والسنة، ويأتون بالعمومات مثل: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]. وكأن الإنسان إذا أثبت الصفات لزم منه أن يكون مشبهاً لله بخلقه، وهذا فاسد فإنه ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ولا سمي له، ومع هذا هو موصوف بالصفات، ولا تعارض بين إثباتنا للصفات ونفي المشابهة عن المخلوقات، فالله أثبت لنفسه الصفات ونفى المشابهة عن المخلوقات. فهذه الصفات التي نثبتها لله لا تشبه صفات المخلوقين؛ لأن الخالق لا يشبه المخلوقين بأي وجه من الوجوه، ولهذا ظن هؤلاء أن مجرد إثبات الصفات يلزم منه مشابهة المخلوقات، ولهذا اضطربوا اضط

стр. 152

أصول الإسلام وقواعده العظام ليست مجال نقد أو مناقشة وبناءً على هذا يصبح أهل السنة هم أهل الحجة، وهكذا قال عنهم الرسول ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، يعني: ظاهرين بالحجة، وبالبرهان، وبالدليل العقلي، والنقل، وموافقة الكتاب والسنة دائماً، وفي كل حال ومع كل فرقة من فرق الضلال، وقد يكون لهم في بعض الأحيان سيف ودولة، وقد يكونون في بعض الأحيان أفراداً مبثوثين في العالم. وحينئذ نقول: إن أهل الحجة الصحيحة والمستقيمة هم أهل السنة والجماعة فقط ليس غيرهم، ونحن نؤمن بهذا عن علم ويقين، وهذا أمر لا يقبل الشك ولا يقبل الخلاف. وكثير من أصحاب الحوارات الذين يتكلمون عن الحوار، والذين يتكلمون عن التعددية في الآراء وفي الأفكار يقولون: كيف تجزم بأن رأيك هو الحق؟ نقول: هذا ليس رأيي، هذا إجماع أجمع عليه المسلمون، وهذا الإجماع الذي أجمع عليه المسلمون هو مقتضى الكتاب والسنة، والكتاب والسنة هما الحق الذي ما عداه فهو الباطل كما قال الله : ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢]. قال: ينبغي أن تقول إن هذا رأيي، ويمكن أن يكون رأي غيري صواباً. نقول: هذا الكلام لو قلناه لكفرنا بالله ، فإذا جاءك من يناقشك في أصول الإسلام أو في قواعده الكلية، أو في مسائل الدين، أو في الرأي، والأفكار، والاجتهادات، لا يفرقون بين القضايا اليقينية الإجماعية المتفق عليها، والقضايا التي لا تقبل الجدل ولا تقبل الخلاف بأي وجه من الوجوه، وبين القضايا التي هي مجال آراء واجتهاد، فالقضايا التي هي مجال آراء واجتهاد مثل القضايا الحياتية اليومية، هذه تناقش فيها حتى تتعب، ولا يهمنا هذا، لأن الذي يهمنا هو أن أصول الإسلام وقواعده العظام ليست مجال نقد ولا مناقشة. نحن نعتقد أن هذه الأصول من أصول الإسلام لم تأت اعتباطاً، وإنما هي مبنية بناءً عقلياً يقينياً لا يقبل النقاش، قد يتوصل إليه أحد فيكون عالماً، وقد يجهله البعض فيكون غير عالم، لكن أن نجعلها مجالاً للنقاش والحوار هذا غير صحيح، ولا يمكن أن يصح أبداً بأي وجه من الوجوه. قال المؤلف ﵀: [وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السماوات ونحو ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، لقد أبعد النجعة وهو إما ملغز أو مدلس لم يخاطبهم بلسان عربي مبين]. أي: إذا قلنا: إن الله مستو على عرشه في العلو، فقال لنا شخص: لا، قلنا: ما هو الدليل؟ قال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، قلنا: وهل هذه الآية التي تتضمن أن الله لا سمي له، ولا كفؤ له، ولا مثيل له تدل على أنه ليس في العلو؟ الجواب لا تدل على هذا، بل على العكس، تدل على أنه لتميزه ، وأنه لا سمي له ولا كفؤ له فهو فوق العالم جميعاً، وأن هذه السماوات والأرض -كما قال النبي ﷺ هي عبارة عن حلقة ألقيت في فلاة بالنسبة للكرسي الذي هو موضع قدمي الرب، والكرسي كحلقة ألقيت في فلاة بالنسبة للعرش الذي استوى عليه الله ، وحينئذ فهو فوق العالم بكل ما تدل عليه الأدلة من الكتاب والسنة، والعقل، والفطرة، بل فطرة الدواب كما ذكر ابن القيم ذلك في اجتماع الجيوش الإسلامية. قال ﵀: [ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيراً لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمىً وضلالاً. يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول ﷺ يوماً من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، أو اعتقدوا كذا! وكذا! فإنه الحق، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، وانظروا فيها، فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه، وما لا فتوقفوا فيه أو انفوه؟].

стр. 153

افتراق الأمة وبيان الفرقة الناجية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم الرسول ﷺ قد أخبر بأن أمته ستفترق ثلاثة وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله)، وروي عنه ﷺ أنه قال في صفة الفرقة الناجية: (هو من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)]. حديث الافتراق حديث مشهور مروي عن عدد كبير من أصحاب النبي ﷺ ، وهو حديث صحيح صححه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وصححه أيضاً الشاطبي في الاعتصام، وصححه عدد كبير من أهل العلم كـ الترمذي ﵀، والحاكم، وابن حبان وغيرهم، وهو حديث صحيح ومشهور. وقد يوجد في بعض الأسانيد في بعض رواياته ضعف، لكن مجمل الروايات التي رويت عن مجموعة كبيرة من أصحاب النبي ﷺ تدل على أن هذا الحديث حديث صحيح لا شك فيه، وقد ضعف هذا الحديث ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى، وابن الوزير في كتابه العواصم والقواصم، ولا حجة لهم في تضعيف هذا الحديث، وبالذات تضعيف ابن الوزير في العواصم والقواصم مبني على ذكر هذا في خطبة كتابه، عندما تحدث عن عظمة هذه الأمة ومكانتها ومنزلتها، فأشار إلى هذا الحديث الذي فهم منه أن عامة الأمة من الضالين المهددين بالهلاك إلا مجموعة بسيطة، وهذا خطأ، فإنه ليس مفهوم الحديث أن هذه الأمة عندما تفترق على ثلاث وسبعين فرقة وأن الواحدة منها هي الناجية أن أكثر الأمة من الضالين. فإن هذه الفرقة الواحدة هي في الحقيقة أكثر الأمة، والاثنتان والسبعون فرقة الأخرى هي عبارة عن أعداد إذا قيست بالنسبة لحجم الأمة بالكلية هي قليلة وضعيفة لا سيما في الصدر الأول، فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا هم أهل السنة والجماعة، فلما ظهرت الفرق ظهرت أعداد بسيطة جداً وقليلة، مع أن لها أسماء، فالخوارج كان عددهم محدوداً، ومعطلة الصفات كانوا أربعةً أو خمسةً منتشرين في البلاد الإسلامية، ولهذا كان يتتبعهم الخلفاء ويقتلونهم كما سيأتي معنا. وهكذا الحال بالنسبة للمرجئة، وهكذا الحال بالنسبة للمعتزلة، ولهذا فإن كل فرقة خرجت عن السنة من حيث العدد ومن حيث الكم ومن حيث انتساب مجموعة كبيرة من الأمة إليها؛ هم عدد قليل لا يمثل عامة الأمة التي التزمت بالسنة والجماعة، ثم أصبحت هذه الفرق تزيد قليلاً قليلاً، وفي عصور الجهل الذي انتشر في الأزمان المتأخرة كثرت هذه الطوائف وصاروا عدداً كبيراً، لكن من كان من هذه الأمة على طريقة عامة أهل السنة ولم يختلط بالقبوريين ولا بالتصوف ولم يكن من عامتهم فإنه من أهل السنة، وهم عدد كثير من الناس ولله الحمد، لا سيما في هذه الأزمان ممن ولد على الفطرة، ولم يكن له ارتباط بفرقة من هذه الفرق بحيث يكون من عامتهم. ولهذا كما قلت: إن هذه الفرق في بدايتها وإن كانت من حيث العدد كثيرة -باعتبار أن أهل الحق فرقة واحدة- لكن هذه الفرقة هم عامة المسلمين، وهؤلاء فرق بسيطة مع الزمن أصبح لهم أعداد كثيرة، لكن أيضاً مع عامة المسلمين يبقون مهما كثرت أعدادهم ليسوا بالكثرة التي تغطي عامة المسلمين. وكثير ممن تحدث ودافع عن الأشاعرة تكلم وقال: إن خمسة وتسعين في المائة من الأمة على طريقة الأشاعرة، وهذا قول فاسد باطل، ودندن عليه بعض المتأخرين وقال: لماذا يتكلم على الأشاعرة بهذه الطريقة مع أن عامة الأمة أشاعرة؟ وهذا ليس صحيحاً أبداً؛ لأن عقيدة الأشاعرة عقيدة دقيقة كلامية لا يفقهها إلا الدارس، والدارسون المتخصصون في العقائد وفي علم الكلام والمشتغلون بذلك قلة، حتى لو أن عدداً كثير من الناس درسوا هذه المناهج في المتوسطة أو في الجامعة أو في غيرها، ينساها في بعض الأحيان، وحينئذ فالقول بأن أكثر الأمة على عقيدة الأشاعرة قول باطل؛ لأن الرجل الذي يبقى على فطرته إذا سألته أين الله؟ أجابك أنه في السماء مباشرة، وهذا نقد كبير جداً في عقيدة الأشاعرة الذين ينفون علو الله على خلقه. وهكذا الحال في بقية صفات الله ، عندما تتحدث مع الإنسان المسلم الذي لم يختلط بهذه الشبهات، أو ربما درسها في بعض فترات حياته ونسيها إذا أجاب بفطرته سيجيبك بمقتضى الكتاب والسنة. وهذا لا يعني أن هذه الفرق ليست خطراً، بل هي خطر؛ لأنه عندما توجد هذه الفرق، وخاصة عندما تتبناها دول ستنشرها في الناس نشراً كبيراً من خلال المساجد، والخطباء الذين يتبنون هذه المذاهب، ومن خلال حلقات التعليم في المدارس مثلاً، ومناهج الجامعات؛ لأن الأجيال عندنا كلها تمر على التعليم. ولهذا فإن المخطط دنلوب الإنجليزي عندما جاء أيام الاستعمار الإنجليزي على مصر وضع خطة لمناهج التعليم، وتأثر بها الناس تأثيراً كبيراً؛ لأن الأجيال كلها تمر على التعليم، وحينئذ ستتأثر ولو بنوع من التأثر، فإذا دعم ذلك اهتمام من الشخص بهذه القضية، حينئذ ربما يكون هذا مؤثراً عليه

стр. 154

أصل مقالة التعطيل وذكر رءوس أصحابها قال المؤلف ﵀: [فهلا قال: من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال، وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة؟ وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين. ثم أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل للصفات- إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين، والضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام هو الجعد بن درهم، وأخذ عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها، فنسبت مقالة الجهمية إليه].

стр. 155

ترجمة الجعد بن درهم أول من أظهر نفي الصفات هو الجعد بن درهم، ولو أخذنا ترجمة الجعد بن درهم، وتتبعنا كلام العلماء عليه، لوجدنا أن هذا الرجل ليس من أهل العلم، مع أنه نشأ في أماكن العلم وانتشار الحديث وانتشار السنة وظهورها. هذا الرجل لم يكن رجلاً عالماً مشهوراً، ولا إماماً، ولا داعية مصلحاً، وإنما هو رجل اشتغل بتتبع المتشابهات، وتأثر تأثراً كبيراً بأصحاب الأديان الأخرى، فنتج من ذلك هذه المقالة الخبيثة التي هي مقالة: خلق القرآن، ونفي صفات الله . يمكن أن نأتي بترجمة الجعد بن درهم من لسان الميزان للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، هذا الكتاب هو عبارة عن إكمال أو تذييل على كتاب ميزان الاعتدال في نقد الرجال للحافظ الذهبي ﵀، يقول ﵀ في ترجمة الجعد بن درهم: الجعد بن درهم عداده في التابعين. يعني: كان في طبقة التابعين، فلو أن هذا الرجل استغل هذه الفرصة وطلب العلم على أصحاب النبي ﷺ وكبار التابعين لصار من كبار التابعين كـ سعيد بن المسيب والزهري وغيره؛ لأنه كان في زمن الدولة الأموية وهو المربي لآخر حكام الدولة الأموية الذي هو مروان بن محمد، الذي يلقب بـ مروان الحمار، وسبب تلقيبه بـ مروان الحمار أنه كان رجلاً صبوراً يتحمل، فلقب بهذا اللقب، وله لقب آخر وهو الجعدي نسبة إلى المربي له الجعد بن درهم، فيسمى مروان الحمار، ويلقب: بـ الجعدي أيضاً. يقول: مبتدع ضال زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر، والقصة مشهورة. وهي قصة قتل خالد بن عبد الله القسري له، وكان خالد بن عبد الله القسري من عمال الأمويين على العراق. وهذه القصة رواها البخاري ﵀ في خلق أفعال العباد، ورواها غيره، وفي بعض أسانيدها مقال من ناحية الصناعة الحديثية، إلا أن القصة لشهرتها وتناقل الناس لها صارت قصة مشهورة، ولهذا عبر الحافظ بقوله: والقصة مشهورة، يعني: أنه لا يتوقف على ثبوتها بالإسناد فقط. ومن هنا ننبه إلى قاعدة مهمة جداً: بعض الناس يظن أن ثبوت الرواية وعدم ثبوتها يتوقف على الإسناد فقط، وهذا خطأ، فإن الإسناد وسيلة من وسائل ثبوت الرواية، وهناك وسيلة أخرى وهي: أن القصة أو الحدث إذا كان مشهوراً عاماً يتناقله الناس جيلاً بعد جيل، فإن هذا يسمى الرواية المستفيضة المتناقلة، وهذه الرواية ثابتة، ومقتضاها صحيح، حتى لو كانت من ناحية الصناعة الحديثية ليست صحيحة؛ لأن كتب الرواية لأهل السنة أحرق كثير منها في زمن التتار، ودمر كثير من دور العلم، ومزقت كثير من كتب أهل العلم، وقتل كثير منهم وأحرقت مكتباتهم، وقد كانت تحمل كثيراً من الطرق والرواية، لكن هل يعني هذا أن هناك أحاديث أو أخباراً كثيرة صحيحة يحتاجها الإنسان في عبادته لم تصل إلينا؟ لا، فإن حجة الله كافية للعباد إلى قيام الساعة، لكن المقصود هو أن الرواية في بعض الأحيان قد تروى عند أكثر من ألف عالم أو ألفين أو ثلاثة آلاف أو أقل من ذلك. فإذا كان هناك مثلاً حرق وتدمير للكتب حسب المعروف تاريخياً، فستدمر من طرق هذه الرواية مائتان أو أكثر أو أقل مثلاً، وحينئذ تقل عدد الطرق لهذا الحديث أو ذاك، وحينئذ فالصحيح بالذات في القضايا الإخبارية والقصص المشهورة لا يصح الاعتماد فيه على مجرد الإسناد المنقول، فقد يكون هناك أسانيد أخرى منقولة تثبت هذه الرواية لكنها أحرقت، والذي يجعلنا نذكر هذا الاحتمال هو شهرة القصة وانتشارها في كتب أهل العلم، وكونهم يسوقونها في مجال الاحتجاج، ومجال أخذ العبرة والفائدة منها، مثل هذه القصة التي هي قصة خالد بن عبد الله القسري، فقد ذكر بعض طلاب العلم في كتاب له اسمه: قصص لا تثبت، ونقل أنها من حيث الإسناد فيها ضعف، وكلامه صحيح، لكن مثل هذه القصة لا يتوقف ثبوتها على نقلها بالإسناد. وهكذا الحال في مثل شخصية عبد الله بن سبأ اليهودي الذي جاء من اليمن، والذي تكونت له طائفة تسمى: الطائفة السبئية، وأثر تأثيراً كبيراً في عقائد الشيعة، هذا الرجل عندما ترجعون إلى كتب أهل السنة المتقدمة تجدون أنهم يثبتونه، وأنهم يتكلمون عنه على أنه حقيقة تاريخية، وأن له تأثيراً، وهكذا المتقدمون من الشيعة. فلما جاء المتأخرون أراد بعض الشيعة نفي ارتباط الشيعة باليهود، فتتبع شخصية عبد الله بن سبأ، فعندما جمع الطرق من حيث الإسناد، ومن حيث الصناعة الحديثية وجد أنها من رواية سيف بن عمر التميمي وهو مؤرخ مشهور له كثير من الكتب التاريخية، إلا أن أهل الحديث يضعفونه من جهة الرواية، وحاله أحسن من حال الو

стр. 156

ترجمة الجهم بن صفوان يقول الذهبي ﵀: الجهم بن صفوان أبو محرز السمرقندي الضال المبتدع رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين، وما علمت أنه روى شيئاً لكنه زرع شراً عظيماً. إذاً: هو ليس من أهل الرواية، وليس من المشتغلين بالعلم الشرعي، وليس من طلاب العلم الذين يبحثون عنه ثم حصل عنده زيغ، فالقضية أن هذا الرجل كان عامياً من العوام، دخل مع مجموعة من الفلاسفة والضالين وتأثر بهم، فصارت هذه المقالة التي ظهرت عنده. وكان قتل جهم بن صفوان سنة ثمان وعشرين -يعني: بعد المائة- وسببه أنه كان يقضي في عسكر الحارث بن شريح الخارج على أمراء خراسان، فقبض عليه نصر بن سيار، فقال له: استبقني -يعني: اجعلني حياً- فقال: لو ملأت هذا الملأ كواكب وأنزلت إلي عيسى بن مريم ما نجوت، والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، ولا تقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت! وأمر بقتله، وكان جهم من موالي بني راسب، وكتب للحارث. والصحيح: أن قتل الجهم كان بسبب عقيدته الضالة، وليس بسبب خروجه على بني أمية، وإن كان خروجه على بني أمية من ضمن الأسباب التي كانت سبباً في قتله؛ لأن بني أمية وإن كان عندهم انحرافات في الأموال مثلاً، وعندهم انحرافات في تولية المناصب ونحو ذلك، إلا أنهم كانوا يتتبعون هؤلاء الزنادقة ويقتلونهم، فقتل غيلان الدمشقي القدري المشهور، وقتل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان وغير هؤلاء على يد الأمويين؛ بسبب عقائدهم الضالة والمنحرفة. إذاً: هؤلاء ليسوا من طلاب العلم كما قلت، وذكر الإمام أحمد ﵀ في كتابه الرد على الجهمية قصة للجهم بن صفوان، وهو أنه التقى بطائفة من السمنية من فلاسفة الهند وجلس معهم، وهؤلاء كانوا ينكرون العقليات، ولا يثبتون إلا الحسيات، فسألوه عن ربه: هل ذاقه؟ هل شمه؟ هل رآه؟ هل لمسه؟ فنفى ذلك فقالوا: إذاً: أنت ليس لك إله، فعكف في بيته أربعين يوماً لا يصلي، ثم خرج إلى الناس وقال: ربي هو هذا الهواء الموجود في كل مكان ليس له اسم ولا صفة.

стр. 157

إسناد عقائد التعطيل والنفي قال ﵀: [وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ ]. هذا إسناد نفاة الصفات وارتباطه باليهود، أراد ابن تيمية ﵀ أن يربط بين هذه المقالات التي ظهرت في الأمة، مع أنها لم تكن معروفة، فيريد أن يعرف من أين جاءت هذه المقالات؟ فبدأ يتتبع ﵀ مصادر هذه المقالات. فذكر من مصادرها: أن هؤلاء أخذوها من اليهود هذا مصدر. المصدر الثاني: أنهم أخذوها من الصابئة. المصدر الثالث: أنهم أخذوها من الوثنيين المشركين، مثل فلاسفة اليونان. هذه ثلاثة مصادر أشار ابن تيمية ﵀ إلى أن نفاة الصفات أخذوا منها.

стр. 158

علاقة القول بخلق القرآن باليهود فأما اليهود فذكر ابن تيمية ﵀ أن الجهم أخذ هذه المقالة عن الجعد، وأن الجعد أخذ هذه المقالة عن بيان بن سمعان، وأن بياناً أخذها عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وأن طالوت أخذ مقالته عن لبيد بن الأعصم الذي هو من بني زريق، وهو الذي سحر رسول الله ﷺ . هذا الإسناد ذكره بإسناد لا بأس به ابن عساكر الدمشقي في تاريخ دمشق، وابن عساكر ﵀ له كتاب كبير في تاريخ دمشق يصل إلى ستين مجلداً تقريباً أو سبعين مجلداً، نقل بإسناده أن الجهم أخذ عن الجعد، وأن الجعد أخذ عن بيان وهكذا. وبيان بن سمعان الذي أخذ عنه الجعد هو رجل من غلاة الشيعة كان يقول إن علياً هو الإله، وإن الله حل في علي، فلما مات علي حل في ابنه محمد بن الحنفية، وادعى النبوة واستدل على نبوته بقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٨]، هكذا يفسر النصوص كما يهوى وكما يشتهي، وهو زنديق من الزنادقة المعروفين. وطالوت هذا رجل يهودي ذكر المحقق أنه لم يجد له ترجمة، وقد أشار ابن عساكر الدمشقي ﵀ في تاريخ دمشق إلى أن طالوت هذا صنف كتاباً في خلق التوراة، وأن التوراة ليست من كلام الله بل هي مخلوقة. وهذا يؤكد أن بياناً أخذ خلق القرآن من طالوت الذي قال بخلق التوراة عند اليهود، فحول مقالة خلق التوراة إلى خلق القرآن، ومن هنا أدخلت في الديانة الإسلامية من بيان الذي نقلها عن اليهوديين: طالوت ولبيد، اللذان كانا يقولان بخلق التوراة، يقول ابن عساكر: ولـ طالوت هذا كتاب في خلق التوراة. لكن هنا إشكال عرضه بعض الباحثين، وهو أن المعروف عن اليهود هو التشبيه، وقد سبق أن تحدثنا عن هذا الموضوع وقلنا إن اليهود مشبهة، وإن أوائل الشيعة كانوا مشبهة؛ لأنهم قريبو عهد بالسبئية الذين هم من اليهود كما هو معلوم، وأول من أشاع التشبيه في الأمة الإسلامية هو هشام بن الحكم الرافضي الذي هو على عقيدة الشيعة، وكان يرى أن الله في صورة إنسان. فإذا كانت عقيدة اليهود التشبيه فكيف أخذ هؤلاء نفي الصفات من اليهود؟ والجواب على هذا: أن اليهود ليسوا طائفة واحدة في هذا الموضوع، فالذين بدلوا التوراة وحرفوها في بداية الأمر كانوا على عقيدة المشبهة، لكن هناك طوائف من اليهود لا سيما الذين كانوا يسكنون في حوض البحر الأبيض المتوسط، كانوا معطلة تأثروا بالفلسفة اليونانية. ولهذا يذكر ابن تيمية ﵀ في مواضع من كتبه أن المتأخرين من اليهود ممن كان في زمن الإسلام مثل: الميمون بن موسى -وذكر نماذج من اليهود الذين كانوا في الأندلس- كانوا على عقيدة المعتزلة والجهمية في نفي الصفات. وهذا يدل على أنهم أخذوا العقيدة الموجودة عند نفاة الصفات من اليهود. إذاً اليهود يمكن تقسيمهم إلى قسمين: قسم كانوا مشبهة وهم الأغلب الذين حرفوا التوراة، وقسم تأثروا بالفلسفة اليونانية وهم المعطلة، ومنهم هؤلاء.

стр. 159

العلاقة بين عقائد الجهمية والصابئة هذا ما يتعلق بعلاقة هذه المقالة باليهود، وأما علاقة هذه المقالة بالصابئة، فالصابئة هم الذين يعبدون الكواكب، وعلماء الصابئة فلاسفة كانوا يرون أن هذه الكواكب جزء من الإله، وأنها عبارة عن نفس وروح مجتمعة في الكواكب السبعة الموجودة في السماء، وإلى الآن توجد لهم آثار في بلاد الشام على شكل هياكل يبنونها، بعض هذه الهياكل يتعبدون فيها للزهرة، وبعضها يتعبدون فيها للمريخ، وبعضها يتعبدون فيها للشمس. وهم الذين بعث الله فيهم إبراهيم ﵇، وكل حاكم فيهم يلقب بالنمرود فالنمرود ليس علماً على شخص محدد، وإنما هو لقب لكل ملك من ملوك الصابئة مثل: النمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، فغلبه وبهته إبراهيم بالحجة والبرهان. فاسم النمرود كما سيأتي معنا مثل: اسم كسرى، ومثل: اسم هرقل، ومثل: اسم النجاشي، هذه الأسماء أسماء لكل من حكم طائفة من الأمة، فكسرى اسم لكل من حكم الفرس كما سيأتي معنا، فالنمرود هو اسم لكل من حكم الصابئة، والصابئة علماؤهم فلاسفة يرون أن هذه الكواكب جزء من الإله، فيتعبدون لها وينقسمون إلى قسمين: عباد الهياكل، وعباد الأصنام. فعباد الهياكل هم الذين يتعبدون مباشرة لهذه الكواكب، وعباد الأصنام يقولون: لا يمكن أن نتعبد لهذه الكواكب مباشرة، ولكن نصنع على هيأتها صنماً، هذا الصنم الذي نصنعه يقرب أعمالنا لهذه الكواكب، وهذه الكواكب تنقل أعمالنا للإله الأعظم الذي هو الله حسب ظنهم. ولهذا كان قوم إبراهيم على طائفتين، وناقشهم إبراهيم في الجهتين، عندما أراد أن يناقش أصحاب عباد الكواكب، ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، ويقول العلماء: إن إبراهيم استدل بسقمه حسب قولهم بأن هذا السقم من النجوم التي في السماء، ومناقشة إبراهيم لهؤلاء موجودة في سورة الأنعام عندما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي، وهذا ليس نظراً من إبراهيم للوصول إلى إثبات وجود الله ، وإنما هي مناظرة ومناقشة لقومه عندما رأى الشمس بازغة، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ [الأنعام:٧٨]، ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦]. فهذه مناقشة كان يظهرها أمام قومه الذين يعظمون الكواكب، فإذا نظر إلى القمر قال: هذا ربي يعني: أنتم تقولون إن هذا ربي، ((فَلَمَّا أَفَلَ))، فينظر إلى قومه ويقول: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦]، يعني: كيف يأفل الرب ويختفي عن عبيده؟ ولهذا فإن الصحيح كما رجح ذلك الحافظ ابن كثير ﵀ في التفسير أنه كان مناظراً وليس ناظراً، خلافاً لما رجحه الطبري ﵀ في جامع البيان، فإنه رجح أنه ناظر يريد أن يستدل، وهذا غير صحيح، فإن سياق الآية لا يدل على ذلك. هذا بالنسبة لمناقشته للصابئة في موضوع الكواكب، وأما مناقشته للصابئة في موضوع الأصنام فإن والد إبراهيم الذي هو آزر كان ينحت الأصنام، وهذا يدل على أنهم من الطائفة الثانية الذين هم عباد الأشخاص أو عباد الأصنام، ومناقشة إبراهيم لهم هو عندما حطم هذه الأصنام وكسرها، وعلق فأسه على الصنم الكبير منهم، فلما أقبلوا إليه، ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء:٥٩]، قال: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣ - ٦٤]، ثم رجعت إليهم حمية الجاهلية وقالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٥]، ثم أرادوا تحريقه بالنار كما هي في القصة المشهورة. كان الجعد بن درهم من أهل حران، وكانت حران مليئة بالصابئة، فتأثر بهم؛ لأن هؤلاء الصابئة نفاة للصفات.

стр. 160

ترجمة للفارابي من سير أعلام النبلاء هذه ترجمة للفارابي من سير أعلام النبلاء فيها درس عظيم جداً نبهت عليه في دروس متعددة، وهو أن هؤلاء الفلاسفة أمثال الفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وابن الطفيل وغيرهم من الفلاسفة، لم يدرسوا العلم عند أهله من المتخصصين، وإنما درسوا على اليهود والنصارى، فتأثروا بهم، فهم يشبهون العلمانيين الآن، فهم يمثلون هذه الطبقة الملحدة التي تريد تغيير عقائد المسلمين. كما أن العلمانيين الآن يريدون تغيير عقائد المسلمين في قضايا الحكم، وفي قضايا الأموال، وفي قضايا المرأة، وفي قضايا متعددة، كما هو معروف من صراع أصحاب الدعوة الإسلامية مع هؤلاء المجرمين الذين يريدون تضليل هذه الأمة. هذه ترجمة فيلسوف من هؤلاء الفلاسفة ذكره الإمام الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء، يقول ﵀: الفارابي شيخ الفلسفة الحكيم -الحكيم ليس مدحاً له وإنما هو وصف؛ لأنهم يسمونهم الحكماء- أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أزلغ التركي الفارابي المنطقي، أحد الأذكياء -كان ذكياً لكن لم يكن زكياً- له تصانيف مشهورة، من ابتغى الهدى منها ضل وحار، منها تخرج ابن سينا، نسأل الله التوفيق. وقد أحكم أبو نصر العربية بالعراق -لأنه ليس عربياً- ولقي مكتب بن يونس صاحب المنطق. متى بن يونس رجل نصراني كان رئيس المناطقة في زمانه، توفي في بغداد في سنة ثلاثمائة وثمانية وعشرين -يعني: في فترة مبكرة، في زمن الإمام النسائي ﵀، وزمن الأئمة الكبار أصحاب الكتب المعروفة. قال: لقي متى بن يونس صاحب المنطق فأخذ عنه، وسار إلى حران عند الصابئة، فلزم بها يوحنا بن جيلان النصراني، وسار إلى مصر، وسكن دمشق. أين هذا من أئمة أهل الحديث في زمانه؟ فقد كانت دمشق مليئة بالعلماء الكبار، علماء اللغة، وعلماء الفقه، وعلماء الحديث. لو تنظرون لهذه الفترة التي يدرس فيها على النصارى، ويذهب إلى أماكن الصابئة والمشركين لوجدتم كبار العلماء المشهورين مثل ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهم من أهل العلم الكبار كانوا في تلك الفترة، وكانوا قريبين من الفارابي، لكن العلم الذي يدرسه الفارابي غير العلم الذي يدرسه هؤلاء. فهو لا يريد علم أهل الحديث المعقدين كما يتصور، وإنما يريد علماً جديداً كان من أعظم أسباب انحراف هذه الأمة في مجال العقائد، كما يفعل أشباهه من العلمانيين في هذا العصر، فأنت تجد العلماء في كل بلد من بلاد المسلمين، لكنهم يتركونهم ويعتقدون أنهم من المتخلفين الرجعيين الذين لا يفقهون شيئاً، ثم يذهبون إلى أوروبا ويدرسون على المستشرقين، ويأتي أحدهم ويؤلف الكتب في الإسلام، ويتكلم باسم الإسلام، ويحرف أحكام الإسلام، ويظن أنه على هدى كما يفعل هذا الضال. فقيل: إنه دخل على الملك سيف الدولة ابن حمدان وهو بزي الترك، وكان فيما يقال يعرف سبعين لساناً، أي: سبعين لغة، وكان والده من أمراء الأتراك فجلس في صدر المجلس، ولا يشترط أن يكون الضال أحمق، فهناك أذكياء كثيرون ضالون منحرفون، فالذكاء وحده ليس مدحاً ولا قدحاً، وإنما بحسب ما يستعمل فيه، فإذا استعمل في الخير صار مدحاً لصاحبه، وإذا استعمل في الشر صار ضلالاً والعياذ بالله وخطراً عليه. وأخذ يناظر العلماء في فنون، يعني: ناظر العلماء الذين كانوا في زمانه في المنطق وفي الآداب بالذات، فعلا كلامه، وبان فضله، وأنصتوا له، ثم إذا هو أبرع من يضرب بالعود، إذ كان موسيقياً كبيراً، وكان له ألحان اخترعها، وكان من المتقنين للعود، إذاً: هذا مغن وليس بعالم. ولهذا تجدون أنه أمثال هؤلاء الذين تكلمون في الدين من العلمانيين وبعضهم شغال في الموسيقى، وبعضهم شغال في الأفلام، وبعضهم شغال في أي بلوى من هذه البلايا التي هي من صنع الفساق. فأخرج عوداً من خريطة وشده ولعب به ففرح كل أهل المجلس. وهنا يكون الخطر، فانظروا كيف كانت مجالس هؤلاء مع الأسف، يعني: مجالس سيف الدولة ابن حمدان، بدلاً من أن تكون مجالس ذكر جعلوها مجالس لهو وغناء وسماع للمنطق والفلسفة والعقائد الضالة. فأخرج عوداً من خريطة وشده ولعب به ففرح كل أهل المجلس وضحكوا من الطرب، ثم غير الطرب فنام كل من هناك حتى البواب، فقام وذهب. يعني: لديه من الألحان الموسيقية ما هي مبنية على دراسة نفسية، فعندما يضرب بالعود من الممكن أن يجعلهم يضحكون، ومن الممكن أن يضرب ويجعلهم كلهم يبكون، ومن الممكن أن يضرب ويجعلهم كلهم ينامون، يعني: مبنية بناءً دقيقاً من الناحية النفسية، فهي علم من العلوم. ويقال: إنه أول من اخترع قانون الآلة المشهورة. وكان يحب الوحدة، ويصنف في مواضع النزهة، وقل ما يبيض منها، وكان يتزهد زهد الفلاسفة، ولا يحتفل بملبس و

стр. 161

شرح الفتوى الحموية [١١] لقد دأب اليهود وأهل النفاق على إفساد الأمم والشعوب والعقائد والأخلاق ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، وقد كان لهم دور كبير في ظهور الفرق الضالة في حياة المسلمين، مثل الجهمية والشيعة، وقد غذوها بالأفكار الهدامة التي تكفل لهم ضلالهم وخروجهم من الدين.

стр. 162

أهمية الكشف عن جذور الفرق الضالة تحدثنا في الدرس الماضي عن أصل مقالة التعطيل، وبينا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه هذا وفي غيره من كتبه عندما يناقش آراء الفرق الضالة يبين جذور هذه الفرق؛ لأن الفكرة قد تكون مأخوذة من اليهود أو النصارى أو من بعض المشركين، مثل أصحاب الفلسفة اليونانية أو الهندية أو غيرها، فهو يحرص رحمه الله تعالى كثيراً على بيان جذور هذه الأفكار والمناهج. وهذه الطريقة طريقة علمية وممتازة، وهي تدل على عمق كبير في دراسة الأفكار والمناهج والآراء والفلسفات؛ لأن الأفكار تنتقل مع الناس ويتناقلها الناس جيلاً بعد جيل، وتنمو وتتطور كما تنمو الكائنات الحية، وقد تكون الفكرة بصورة ما في جيل من الأجيال ثم تنتقل إلى جيل آخر بصورة أخرى، وأصلها واحد. ولهذا نلاحظ أن شيخ الإسلام ﵀ في كتابه منهاج السنة ربط ربطاً كبيراً بين مذاهب الشيعة ومذاهب اليهود، وهذه الطريقة أصلاً كانت معروفة عند السلف رضوان الله عليهم، فقد نقل ابن شاهين في كتابه اللطيف في السنة -وهو كتاب مطبوع- عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول عن أبيه عن الشعبي ﵁ أثراً طويلاً في المقارنة بين الشيعة وبين اليهود في الآراء والأفكار والمقالات ونحو ذلك. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما تلمس أصل هذه المقالة الطارئة على المجتمع الإسلامي، فإن المجتمع الإسلامي كان في زمن النبي ﷺ وأصحابه وفي زمن التابعين من بعدهم على طريقة واحدة، ومنهج واحد، وأسلوب واحد في التعامل مع الكتاب والسنة، وفي الآراء العقدية، خاصة ما يتعلق بالله وربوبيته وأسمائه وصفاته وألوهيته، والإيمان بالملائكة والرسل والكتب، وما يتعلق بقضايا العقائد فقد كانوا على طريقة واضحة وبينة، ولم تكن هناك مجادلات ومناظرات وخلافات بين الجيل الأول في مسائل العقائد.

стр. 163

سند أهل البدع فأراد شيخ الإسلام ﵀ أن يتلمس منشأ هذه المقالة وجذورها الفكرية، فذكر أن أول من قال بهذه المقالة في الإسلام هو الجعد بن درهم، ثم نقل ما ذكره ابن عساكر الدمشقي في تاريخ بغداد من أن الجعد بن درهم أخذ مقالته هذه عن بيان بن سمعان الشيعي المعروف الذي ادعى النبوة، وأخذها بيان بن سمعان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ (في مشط ومشاطة)، كما ثبت ذلك في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

стр. 164

بيان أن أصل التعطيل والتشبيه من اليهود وهذا الإسناد ليس هو الوحيد الذي يبين أن مقالة التعطيل مأخوذة عن اليهود، بل إن الإنسان عندما يقرأ في أفكار اليهود ومناهجهم يجد أن اليهود كانوا على طريقتين فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وما يتعلق بالتعامل مع نصوص الكتاب المنزل عليهم. المنهج الأول: وهو منهج أكثر اليهود، وهو أنهم كانوا يشبهون الله بخلقه، ويرون أنه على صورة إنسان، كما قال ذلك هشام بن الحكم الرافضي المشهور، الذي كان أول من أتى بالتشبيه في الأمة، وكان أول المشبهة من فرق الأمة هم الشيعة الذين أخذوا مقالتهم عن عبد الله بن سبأ اليهودي المعروف. المنهج الثاني: منهج التعطيل، وهذا الاتجاه كان اتجاهاً معروفاً وكبيراً، ولهذا نجد أن المتأخرين من اليهود الذين كانوا في الأندلس وفي المشرق الإسلامي يميل إلى مذهب الجهمية ومذهب المعتزلة، كما ذكر ذلك ابن تيمية ﵀ في الجواب الصحيح، وفي غيره من كتبه. مما يؤكد أيضاً صحة هذا الإسناد أن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم ألف كتاباً في القول بخلق التوراة، فنقلت عنه إلى المسلمين عن طريق بيان بن سمعان، ونقلها عنه الجعد بن درهم، ونقلها عن الجعد بن درهم جهم بن صفوان، فقالوا بخلق القرآن، والتوراة هناك يقابلها القرآن عند المسلمين، وهذا يؤكد كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة.

стр. 165

الكلام على الصابئة وقد أشار ابن تيمية ﵀ إلى أن الجعد بن درهم كان من أهل حران -وحران هذه مدينة من مدن العراق الآن- وهي منطقة مشهورة بالصابئة، والصابئة هم القوم الذين بعث إليهم إبراهيم ﵇، وقد ذكر الله في القرآن عن طائفة من الصابئة أنهم من المؤمنين، وأنهم ليسوا كلهم كفاراً، ولكن المقصود بالصابئة هنا هم الكفار الذين كانوا يعبدون الكواكب والأصنام، وهؤلاء الصابئة كان علماؤهم فلاسفة، وكان هؤلاء الفلاسفة يعتقدون أن الأجرام التي في السماء ليست مواد محسوسة وإنما هي روحانيات، وأنها عبارة عن عقل ونفس، وكانوا يرون أن هذه الكواكب الموجودة في السماء صدرت عن الإله المبدع الأول، الذي أبدع بقية الكائنات بعد ذلك، وأن هذه الكواكب صدرت عنه كصدور الشعاع من الشمس، فهو يحمل جميع مقومات المبدع الأول من القدرة والتأثير والخلق والعلم والحياة، وما إلى ذلك من صفات المبدع الأول.

стр. 166

أقسام الصابئة ثم انقسموا بعد ذلك إلى قسمين في كيفية التعبد لهذه الكواكب: فقسم منهم عباد الكواكب الذين قالوا: بأنه يجب علينا أن نعبد هذه الكواكب مباشرة، وأنه بإمكان الإنسان أن يعبدها مباشرة بدون وسائط بينه وبينها، وهؤلاء هم عباد الكواكب الذين ناظرهم إبراهيم ﵇ في سورة الأنعام، عندما: ﴿رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام:٧٨]، وما بعدها من الآيات المتعلقة بمناظرة إبراهيم لقومه، فهذه المناظرة كانت لهذا الصنف من الصابئة. والقسم الثاني: كانوا يرون أن الإنسان لا يمكن له أن يتعبد لهذه الكواكب مباشرة، وإنما ينبغي له أن يتخذ أصناماً وهياكل يتعبد لها، وهذه الهياكل والأصنام تنقل هذا التعبد لهذه الكواكب، وهذه الكواكب تنقل هذا التعبد بطبيعة الحال إلى المبدع الأول الذي هو الله ، ومن هنا ظهر صنف من الصابئة يعبدون الأصنام، وكان منهم أبو إبراهيم ﵇ الذي كان ينحت الأصنام، ومناظرة إبراهيم لهذا الصنف معروفة، فإنه دخل عليها وهي في بهو عظيم وحطمها وكسرها، ثم وضع الفأس على الكبير الذي هو زعيمهم؛ ليكون هو مدار المناظرة والمناقشة التي صارت بينه وبينهم، فلما أقبلوا ووجدوا هذه الأصنام مكسرة: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء:٥٩]؟ فذكر رجل أنه سمع فتى يذكرهم -يعني: يذكر هذه الأصنام- يقال له: إبراهيم، فناقشوه فقال: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣]، فطلب منهم أن يسألوا هذه الآلهة إن كانوا ينطقون، فقالوا له ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٥] فاحتج عليهم بكيف تعبدون هذه الأصنام وهذه الآلهة التي لا تنطق ولا تتكلم؟ فرجعوا ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء:٦٥]، وقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٥]، ثم هددوه بأن يضعوه في النار الكبرى التي أوقدوها، في قصة مشهورة لإبراهيم ﵇.

стр. 167

عقيدة الصابئة في الله وهؤلاء الصابئة كانوا يرون أن الإله ليس له وصف ثبوتي، وإنما ينبغي أن يجرد من جميع الأوصاف كما هي طريقة الفلاسفة، فأخذ الجعد بن درهم فكرة نفي الصفات عن المعبود من الصابئة، وقال: هذه الصفات التي ذكرها الله في القرآن أنها له ليست صفات ثبوتية يستحقها ، وينبغي علينا أن نؤولها وننفيها جميعاً.

стр. 168

بيان أن أهل البدع لم يعلموا العلم الشرعي وإنما درسوا عند اليهود والنصارى والذي يدل على صحة هذا التحليل الذي أشار إليه شيخ الإسلام ﵀ هو: أن طريقة الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وغيرهما من الفلاسفة في التلقي والمناقشة وفي استمداد الأفكار ليست كطريقة عامة المسلمين في زمانهم، فإن عامة المسلمين في زمانهم كانوا يتفقهون على النصوص الشرعية ويدرسونها، وقد يختلفون في فهمهم لنص من النصوص، ولكن الطريقة التي ابتدعها هؤلاء هي أنهم كانوا يدرسون على اليهود وعلى النصارى، -كما كان يدرس الفارابي - ومع وجود أئمة السنة وعلمائها في ذلك الزمان فقد كانوا يرون أن هؤلاء ليسوا من أهل العلم، وأنهم سطحيون وسذج لا يفهمون شيئاً، وأن العلم الحقيقي هو دراسة العلوم الإنسانية الموجودة عند اليهود والنصارى والوثنيين والفلاسفة والمشركين، فكونوا من خلال هذه الدراسات عقيدة جديدة، ثم أتوا إلى النصوص الشرعية فتلاعبوا بها بالتأويل، حتى توافق المعتقد الجديد الذي كونوه بتلك الطريقة الجديدة من الدراسة. فكلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا كلام دقيق، وهو ﵀ قد سبر حال هؤلاء وعرف طريقتهم في الدراسة والتلقي، وقد ذكر الإمام أحمد ﵀ في كتابه الرد على الزنادقة والجهمية أن الجهم بن صفوان أصلاً لم يكن معروفاً بطلب العلم النبوي الصحيح وعلم الإسلام، ولم يحفظ القرآن والسنة ثم طلب العلم وحصل له الانحراف بعد ذلك، فلم يعرف بهذا، وإنما عرف بذهابه إلى السمنية، وهم طائفة من فلاسفة الهنود، وكانوا لا يؤمنون إلا بالحسيات التي يمكن للإنسان أن يشعر بها، مثل الرؤية والسماع والتذوق والشم واللمس، وأما الغيبيات فكانوا لا يؤمنون بذلك، وكانوا يرون أنها خرافات وأوهام يتصورها الناس وهي لا حقيقة لها -وما زال جزء من الفلاسفة الآن في الغرب يدينون بهذه الفكرة التي كانت عليها هذه الطائفة- فلما جلس معهم الجهم بن صفوان شككوه وقالوا: إلهك هذا الذي تعبده هل ذقته؟ هل لمسته؟ هل رأيته؟ هل شممته؟ هل سمعته؟ فأجاب بالنفي في كل سؤال من هذه الأسئلة، قالوا: إذاً ليس لك إله، فاعتكف في بيته أربعين يوماً لا يصلي، ولا يشهد الصلاة مع المسلمين، ثم خرج على الناس يفكر بما هو مخزون ذاكرته، ولم تكن مادة تفكيره القرآن والسنة وغير ذلك، وإنما كانت مجرد الفهم الذي يتصوره، فخرج إلى الناس وقال: إلهي هو هذا الهواء ليس له اسم ولا صفة، وكون هذه الطائفة الجهمية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان الجعد هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة، بقايا أهل دين النمرود، والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم]. وهؤلاء الصابئة كانوا من أهل السحر، والذي يعرف كتب السحر يجد أنهم دائماً يرددون نفس الكلمات التي يرددها أولئك الصابئة، مثل كلمة الروحانيات مثلاً، وتجد أن كثيراً من كتب السحر دائماً ترتبط بالكواكب السبعة مثلاً، أو بالأجرام السماوية، أو بتصور تأثير هذه الأجرام على الحوادث الأرضية، فكان الصابئة من أهل السحر كما كان اليهود من أهل السحر أيضاً.

стр. 169

ألقاب الملوك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والنمرود هو ملك الصابئة الكنعانيين المشركين، كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك القبط الكفار، والنجاشي ملك الحبشة النصارى، فهو اسم جنس لا اسم علم]. والفرق بين اسم الجنس واسم العلم: أن اسم الجنس يدل على معنى غير معين، فهو معنى كلي عام يشمل كل ما يصدق عليه هذا الوصف، مثل: إنسان، فكلمة الإنسان اسم جنس، وليس اسم علم لشخص معين، فهو يشمل أعداداً كبيرة جداً مقول فيهم هذا الاسم وهو الإنسان، وأما اسم العلم فمثل محمد وخالد وسعيد وهكذا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كانت الصابئة إلا قليلاً منهم إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم الفلاسفة، وإن كان الصابئ قد لا يكون مشركاً]. فقد يكون موحداً، آمن بدين إبراهيم ﵇ الذي بعث إليهم، كما وصفهم الله في سور البقرة والمائدة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل مؤمناً بالله واليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة:٦٩]. ولكن كثيراً منهم أو أكثرهم كانوا كفاراً أو مشركين، كما أن كثيراً من اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا، وصاروا كفاراً أو مشركين، فأولئك الصابئون -الذين كانوا إذ ذاك- كانوا كفاراً مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل]. وما زال مجموعة كبيرة من الصابئة موجودة إلى الآن في بلاد الشام وفي العراق، وهم مجموعة قليلة جداً بالنسبة للأديان الأخرى، وهم باقون على الشرك، والعلمانيون الذين يمسكون بكثير من مقاليد الإعلام في بلاد المسلمين عندما يتحدثون عن الحرية الفكرية ينقلون أخبار هؤلاء وعقائدهم سواء من خلال القنوات الفضائية أو من خلال الصحافة أو التحقيقات والتقارير التي تكتب باسم حرية الأديان وتنقل عبادات هؤلاء وأفكارهم، ويعقدون معهم المقابلات، ويرون أن هذا تراث إنساني قابل للتفكير، وأن الإنسان حر فيما يختار من الأفكار والآراء والمناهج ونحو ذلك، وهذه الطريقة والفكرة التي يعيش عليها -مع الأسف- كثير من الكتاب والصحفيين، أو أصحاب القنوات وغيرهم فكرة علمانية، فكون الإنسان يتجرد من الأديان وينقلها جميعها على أنها تراث إنساني، وكأن الصابئة واليهود والنصارى على حق، كما أن المسلمين على حق، ويصحح أديان الناس جميعاً، والعياذ بالله، فلا شك أن هذا فكر فاسد من حيث حكم الشريعة فيه، وفاسد من حيث واقع هذا الأمر؛ فإنه لا يمكن أن تكون الأفكار المتناقضة والمتعادية والمتحاربة كلها على الحق، ولا يمكن أن تجتمع هذه الأفكار على الحق أبداً.

стр. 170

بيان أن أهل البدع يصفون الله بالصفات السلبية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب: أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منها، وهم الذين بعث إبراهيم الخليل إليهم]. والصفات السلبية هي الصفات المنفية، أي: أنه ليس بجسم ولا عرض ولا طويل ولا قصير ولا متين، فهذه الصفات المنفية ليس فيها إثبات لأمر وجودي يتعلق بالله ، وإنما هي معانٍ منفية، والمعنى المنفي ليس له تعلق وجودي بذات الإله، ولهذا تجد أن هؤلاء يصفون الرب بالصفات السلبية، والمعتزلة يثبتون عشرات بل مئات الصفات السلبية وينقلونها على التفصيل، وأنه ليس بذي رطوبة ولا بذي كذا ولا بذي كذا، وهكذا. وأما الصفات الإضافية فهي في الاصطلاح الصفات الخبرية التي تخبر بها، مثل قولك: هذا عنده حكمة، أو: هذا عنده فهم، أو: إنه يرحم الخلق، ونحو ذلك، بدون أن تؤخذ منها صفة مصدرية، ويوصف بها الموصوف على الحقيقة، وهي مثل إضافة الأبوة أو البنوة أو نحوها.

стр. 171

تعريب كتب الفلسفة وأثره في ضلال الجهمية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيكون الجعد أخذها عن الصابئة الفلاسفة، وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته، وأخذها الجهم أيضاً -فيما ذكره الإمام أحمد وغيره- لما ناظر السمنية -بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات- فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين، والفلاسفة الضالين إما من الصابئين وإما من المشركين، ثم لما عربت الكتب الرومية في حدود المائة الثانية زاد البلاء، مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء، من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم. ولما كان في حدود المائة الثانية انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية، بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وكلام الأئمة مثل مالك وسفيان وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم، في هؤلاء كثير في ذمهم وتضليلهم]. وتعريب الكتب الرومانية كان في زمن المأمون، عندما بنى دار الحكمة وعرب الكتب اليونانية، وكان أخذها من حاكم الرومان في ذلك الزمان، وكان حاكم الرومان وملكهم -كما ذكر ذلك السيوطي في صون المنطق والكلام عن علم المنطق والكلام- في تلك الفترة قد جمع هذه الكتب واستشار قومه فيها، فقال له قومه: هذه الكتب ما قرأها أحد إلا ضل في دينه؛ لأن الرومان كانوا على عقيدة النصارى، وكان اليونان على عقيدة وثنية قبل ذلك، فجمع هذه الكتب جميعاً ثم بنى عليها داراً وأغلقها ومنع الناس من النظر فيها، فلما جاءته رسالة المأمون نظر إليها وقرأها وجمع أهل مملكته وسألهم عن ذلك فقالوا له: إن هذه الكتب ما انتشرت في أمة من الأمم إلا أفسدت عليهم دينهم، فأرسل إليهم هذه الكتب. فلما جاءت الكتب إلى المأمون اشتغل بتعريبها، وكان كل الذين اشتغلوا بتعريبها هم من الطبقة الجديدة التي ظهرت في المجتمع الإسلامي، ولم يكونوا من أهل الحديث وليس لهم عناية بالسنة، ولا درسوا في هذا المجال، فقد كانوا ما بين نصراني مثل حنيين بن إسحاق وغيره، أو رجل ينتسب إلى الإسلام، ولم يشتغل من أهل العلم بتعريبها، وإنما أكثر من اشتغل بتعريبها هذه الطبقة، وهذا التعريب كان في نهاية المائة الثانية في نهاية سنة مائة وتسعين وما بعدها، أي: في نهاية القرن الثاني تقريباً، فعربت هذه الكتب مع وجود علماء كبار من أهل السنة الذين كتبوا الكتب الكبار الموجودة مثل صحيح البخاري ومسلم، وقد كان الترمذي في تلك الفترة موجوداً. وكان أبو داود والنسائي وابن ماجة موجودين في أزمان متقاربة، وكان الإمام أحمد والشافعي موجودين، وكذلك الأئمة الكبار كانوا موجودين في تلك الفترة ولم يشتغل منهم أحد في هذا الموضوع أبداً، ولم يعرف أن أحداً منهم اشتغل في هذا الأمر أبداً ولو على سبيل التأييد.

стр. 172

عرض تاريخي للمؤامرة على الإسلام وعقائده وعند النظر إلى تاريخ هذه القضية بشكل مبسط نجد أن الأمة المسلمة كانت في زمن النبي ﷺ على العقيدة الصحيحة، ولم يكن هناك إشكال عندهم في هذا، فلما توفي النبي ﷺ كان الصحابة ينشرون العلم والجهاد في سبيل الله في كل مكان، ففتحوا كثيراً من البلدان، فلما فُتحت الكثير من البلدان وحطمت دولة كسرى أغاظ ذلك كثيراً من أهل هذه الأديان التي سحقها الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ولم يكن كل الذين دخلوا في دين الله أفواجاً في زمن الصحابة دخلوه عن قناعة، بل بعضهم كان عن قناعة، وهم الأكثر، والبعض الآخر لم يدخلوا فيه عن قناعة، وإنما تستروا باسم الإسلام خوفاً على أنفسهم وبقوا على عقائدهم السابقة، وكان أول مؤامرة كشفت وجود هؤلاء الأفاعي الذين تستروا بالإسلام مع اعتقادهم عقائدهم السابقة هي مقتل عمر بن الخطاب ﵁، فمقتل عمر بن الخطاب ﵁ كان مؤشراً واضحاً على وجود أناس مندسين في صفوف المسلمين يتظاهرون بالإسلام وهم في الحقيقة ليسوا عليه، فإن الذي قتل عمر بن الخطاب أبو لؤلؤة المجوسي، وساعده الهرمزان وكان مجوسياً أيضاً، وجفينة النصراني. فقد كان هناك تآمر مجموع من اليهود والنصارى والمجوس، فقتل عمر على يد أبي لؤلؤة المجوسي، ثم قتل أبو لؤلؤة نفسه في ذلك المكان. والمؤامرة الثانية التي تظهر حجم هذه المؤامرة الخفية المندسة في صفوف المسلمين كانت عندما ظهر عبد الله بن سبأ اليهودي، وتحرك تحركاً واسعاً في الجزيرة وبلاد الشام والعراق ومصر، وكون الطائفة السبئية، ثم حصلت الفتنة التي قدر الله لها أن تحصل اختباراً للناس، ثم ظهرت العقائد الجديدة التي سمع بها المسلمون لأول مرة، فظهر الخوارج فكفروا المسلمين، وظهرت الشيعة وقالوا لـ علي بن أبي طالب ﵁: أنت أنت، يعني: أنت الله، وقد كان هذا الشيء لا يعرفه علي بن أبي طالب ﵁، الذي تربى مع الصحابة الأولين على الخضوع لله ، فلما ظهرت هذه الأشياء شعر المجتمع الإسلامي أن هناك جهات مندسة تريد إفساد المسلمين. ولضخامة المجتمع الإسلامي، وقرب عهده بالنبوة، وتماسكه، وقوة العقيدة الصحيحة، ولأن حكامه ووزراءه كانوا من المجاهدين كانت هذه الفتن مثل الأشياء البسيطة القذرة على نهر كبير حلو ومفيد، له ثمرته وسقياه للناس. وقد استمر وجود هذه المجموعة من اليهود والنصارى والمجوس حتى كثروا في زمن الدولة العباسية، حتى إن المهدي اتخذ ديواناً سماه: ديوان الزنادقة، وتتبع فيه مجموعة من الأدباء والفلاسفة وبعض المشتغلين بالمهن الحرفية الذين كانوا زنادقة، وقد كان بعضهم له مناصب عسكرية، مثل أبي مسلم الخرساني وغيره، فتتبعهم وقتل عدداً كبيراً جداً منهم. وهذا يدل على أن هناك مجموعات كانت تخطط تخطيطاً ماكراً لهذه الأمة، ومن هذه المجموعات: الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وبشر المريسي وأبو شجاع الثلجي وأحمد بن أبي دؤاد، الذين أقنعوا المأمون بفكرة الترجمة، وترجمت هذه الكتب، وعقدت مجالس المناظرة. وكان عددهم يتوسع في كل جيل أكثر وأكثر، حتى وصلوا إلى درجة إقناع خليفة المسلمين بهذه الأفكار، وكان المأمون رجلاً مثقفاً يحب المعرفة، فاقتنع بعقائد المعتزلة، وامتحن الأمة عليها في فتنة مشهورة وهي فتنة القول بخلق القرآن. والحقيقة أن فتنة القول بخلق القرآن ليست مقالة عقدية فحسب امتحن الناس عليها، وقد كان السلف الصالح يدركون حجم المؤامرة، ويعرفون أن هذه الفتنة موجودة في المجتمع الإسلامي، وأن المجتمع كبير، فمع وجود هؤلاء الأعداد الكبيرة من المفسدين إلا أن سرايا الجهاد مستمرة في كل مكان، والناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وطلاب الحديث في كل مكان، حتى أن قرطبة في ذلك الزمان كان فيها أربعة آلاف عالم، وهي مدينة واحدة، فكيف ببغداد؟! فقد كان فيها ألوف مؤلفة من العلماء، فضلاً عن طلاب العلم، فضلاً عن الصالحين والزهاد، فضلاً عن المجاهدين، فضلاً عن الآمرين بالمعروف والناهيين عن المنكر، فقد كان شيئاً يفوق الخيال. فقد كانت الأمة كلها متحركة في الخير، ومع هذا كانت توجد فيها هذه الطائفة، وقد كان السلف رضوان الله عليهم وعلى رأسهم الإمام أحمد ﵀ يدرك حجم هذه المؤامرة، وأن المسألة ليست مسألة مقالة اسمها مقالة القول بخلق القرآن يمتحن الناس عليها، وإنما هي صراع بين منهجين عقديين، منهج السلف المتمثل في طريقة الرسول ﷺ وأصحابه ومن سار على نهجه في فهم النصوص، وفي معرفتهم لله ولربوبيته وصفاته وأسمائه وألوهيته، وفي منهج جديد منحرف يراد