Полный текст (172 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
حديث الخوارج وحديث الرقية يدلان على العلو
وفي الصحيح في حديث الخوارج: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً)، وهذا الحديث رواه البخاري ورواه مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁، وهو حديث صريح بأن الله في السماء, ومقصوده بأمين من في السماء أنه أمين على الوحي، وهو كلام الله الذي يأتي من عنده من السماء.
وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع)، قال ﷺ : (إذا اشتكى أحد منكم، أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء، وذكره)، هذا الحديث رواه أبو داود، واختلف العلماء في صحته وضعفه، وقد حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والصحيح أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده زياد بن محمد المصري، قال عنه أبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن حبان وابن عدي والذهبي وغيرهم: إنه انفرد بهذا الحديث، وبناءً على هذا يكون هذا الحديث ضعيفاً، وإن كان هذا الحديث ضعيفاً فقد دل على علو الله ما هو أوضح منه من النصوص الثابتة في صحيح البخاري ومسلم وفي القرآن الكريم.
стр. 107
حديث الأوعال يدل على العلو
وقوله في حديث الأوعال: (والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه) رواه أبو داود.
يقول ابن تيمية ﵀ معلقاً على هذا الحديث: [وهذا الحديث مع أنه قد رواه أهل السنن كـ أبي داود وابن ماجة والترمذي وغيرهم، فهو مروي من طريقين مشهورين، والقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، وقد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولاً إلى النبي ﷺ ].
حديث الأوعال حديث مشهور، اختلف أهل العلم قديماً وحديثاً في صحته، ونقله المحقق هنا، وهو من رواية العباس بن عبد المطلب، قال: (كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ ، فمرت سحابة، فنظر إليها فقال: ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب، قال: والمزن؟ قالوا: والمزن، قال: والعنان؟ قالوا: والعنان، قال: هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري، قال: إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها ثلاثة، حتى عد سبع سموات، ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﵎ فوق ذلك).
هذا الحديث حديث مشهور، وقد نقل المحقق من خرجه من أهل العلم، وبين أن مدار إسناده على الوليد بن أبي ثور، وقد اختلف العلماء في توثيقه، وكذلك الانقطاع الحاصل بين عبد الله بن عميرة والأحنف بن قيس، ويبدو لي والله تعالى أعلم أن هذا الحديث لا يصح من حيث السند، وإن كان ابن خزيمة ﵀ لا يورد في كتابه التوحيد حديثاً ويسكت عليه إلا لأنه حديث صحيح، وذلك أن ابن خزيمة ﵀ كما أنه اشترط الصحة في كتابه الصحيح المشهور الذي طبع جزء منه اشترط الصحة أيضاً في كتابه التوحيد، وأكثر الناس لا يعرفون عنوان هذا الكتاب إلا كتاب التوحيد، مع أن تكملة العنوان يدل فيه على اشتراط الصحة فيما ينقله من الآثار والأخبار، لا سيما ما رواه عن النبي ﷺ ، وقول ابن تيمية ﵀ الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل، هو جزء من عنوان الكتاب.
لكن يبدو لي والله تعالى أعلم أن هذا الحديث ضعيف وغير صحيح من جهة إسناده ومن جهة متنه، أما من جهة إسناده فكما سبق أن مداره على الوليد بن أبي ثور، وأكثر أهل العلم على تضعيفه.
وأما من جهة متنه فهو مخالفته للأحاديث الصحيحة في موضعين: أما الموضع الأول: فهو في بعد المسافة بين السماء والأرض، فإنه ذكر هنا أنها واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، وورد في الأحاديث الصحيحة أن المسافة بين الأرض والسماء الدنيا خمسمائة سنة.
والموضع الثاني: هو في قوله: (ثم فوق ذلك ثمانية أوعال)، والصحيح: أن حملة العرش قبل يوم القيامة أربعة، ويوم القيامة ثمانية، كما قال الله : ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، فهذه الآية تدل على أن حملة العرش يوم القيامة ثمانية، وهذا صريح في ذلك، وأما في الدنيا فقد وردت أحاديث صحاح، صححها الشيخ الألباني وغيره في مختصر العلو وغيره، أن عدد حملة العرش أربعة وليسوا ثمانية.
стр. 108
دلالة حديث الجارية على العلو لله سبحانه والرد على من أنكره
والحقيقة أن صفة العلو لا تفتقر إلى هذين الحديثين، وهناك أحاديث كثيرة تدل على ذلك، منها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن معاوية السلمي ﵁، عندما ضرب جاريته فصكها بسبب أنه جاء فوجد الذئب قد أخذ واحدة من الشياه، فجاء إلى النبي ﷺ نادماً على فعله، وفيه: (فقال لها رسول الله ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
وهذا حديث صحيح ذكره الذهبي هنا، وهو في كتاب مختصر العلو للعلي الغفار بتحقيق الشيخ الألباني، والأصل قد طبع، لكن المختصر اشترط فيه الشيخ ﵀ أنه لا يورد فيه إلا ما صح إسناده عنده، وهذه الطبعة فيها رداءة لكن يمكن الاستفادة منها.
فأول حديث نقله من أحاديث العلو هو هذا الحديث، حديث معاوية بن الحكم السلمي، قال: (كانت لي غنم بين أحد والجوانية، وهي موضع قرب المدينة فيها جارية لي -وفي بعض الألفاظ: سوداء كما رواه الدارمي في الرد على المريسي بسند صحيح- فأطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم، فأسفت، -يعني: غضبت- فصككتها -يعني: ضربتها ضرباً شديداً- فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ادعها، فدعوتها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم، يمرونه كما جاء، ولا يتعرضون له بتأويل ولا تحريف.
وهذا الحديث فيه عدة فوائد: الفائدة الأولى: جواز السؤال عن الله بأين، فإذا قال الإنسان: أين الله؟ فإنه يجاب: في السماء.
الثانية: جواز أن يقول المسئول: إنه في السماء، يعني: على السماء، وهذا فيه إثبات صفة العلو لله تعالى.
والحديث إسناده ثابت وقوي؛ ولهذا يعتبر هذا الحديث حجة على المبتدعة، لكن أهل البدع اتخذوا في رد هذا الحديث وسيلتين: الوسيلة الأولى: الإقرار بصحته وتأويل معناه.
والوسيلة الثانية: محاولة القدح في صحته.
أما الوسيلة الأولى: فقال بعض أهل البدع: إن هذا الحديث ليس صريحاً في إثبات العلو؛ لأن قول الجارية: (في السماء)، المقصود أن الجارية عظمت الله ، وأنها أرادت أن تبين للنبي ﷺ أن منزلة الله عندها عظيمة، فقالت: (في السماء)، مثلما تقول لشخص: كيف فلان؟ فيقول لك: في السماء، يعني: وارتفعت مكانته.
ولا شك أن هذا تأويل فاسد لا حاجة إليه، وتكلف وتعسف ظاهر، لا يدل عليه دليل من نص الحديث.
وذكر أن أحد أهل البدع ناقش بعض أهل السنة في حديث النزول، فأقر بصحة حديث النزول، ثم أوله بأنه نزول أمره، فقال له هذا الرجل الذي من أهل السنة: ينزل أمره؟ قال: نعم، قال: من أين ينزل؟ قال: من العلو، قال: إذاً: أنت تثبت أن الله في العلو، يعني: ألزمه بإثبات العلو بعد أن أول النص؛ لأنه قال: ينزل أمره، يعني: دع عنك مناقشة هذا المبتدع في إثبات صفة النزول، فإثبات صفة النزول مرحلة ثانية، لكن نقول له: ما دام أنك أولت الحديث بأنه ينزل أمره، فهذا دليل على أنك معترف بأنه في السماء، وأن أمره ينزل من السماء إلى الأرض؛ لأنه إذا كان ينزل أمره وهو ليس في السماء فما فائدة: (ينزل) فستقول: جاء أمره، سواء من هنا أو من هنا أو من أسفل أو من فوق، لكن قولك: (ينزل)، دليل على أنك اعترفت بالعلو.
ثم نأتي بعد ذلك نناقشه في مسألة تأويله للنزول وإبطال قوله، هذا العمل الأول الذي يقوم به أهل البدع.
والأمر الثاني: من تأويلاتهم أنهم قالوا: إن هذا
السؤال
أين الله؟ وقول الجارية: في السماء، المقصود: أن النبي ﷺ سألها كيف تتوجهين في دعائك، فأخبرته أن قبلة الدعاء السماء، كما أن قبلة المصلي الكعبة، وليس هناك ما يثبت أنه في السماء، وكما قلت: وهذا تأويل أيضاً متكلف وظاهر.
стр. 109
نقد الكوثري حديث الجارية والرد عليه
وأما نقد هذا الحديث من حيث الإسناد، فقد نقد الشيخ الألباني كلاماً للكوثري يريد أن يبطل هذا الإسناد.
يقول الكوثري في تعليقه على الأسماء والصفات للبيهقي بعد أن صححه البيهقي وقال: وهذا صحيح قد أخرجه مسلم، فقال الكوثري في الحاشية: انفرد عطاء بن يسار برواية حديث القوم -يعني: حديث أهل السنة- عن معاوية بن الحكم، وقد وقع في لفظ له كما في كتاب العلو للذهبي ما يدل على أن حديث الرسول ﷺ مع الجارية لم يكن إلا بالإشارة، وورد في بعض ألفاظ هذا الحديث أن هذه الجارية أعجمية، وأن النبي ﷺ تكلم معها بالإشارة، (فسألها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، وسألها: من أنا؟ فأشارت إليه ثم أشارت إلى السماء)، يعني: أنت رسول الله.
يقول: وسبك الراوي ما فهم من الإشارة في لفظ اختاره، فلفظ عطاء الذي يدل على قولنا هو: حدثني صاحب الجارية نفسه الحديث، وفيه: (فمد النبي ﷺ يده إليها مستفهماً: من في السماء؟ قالت: الله، قال: فمن أنا؟ فقالت: رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مسلمة)، وهذا من الدليل على أن (أين الله) لم يكن لفظ الرسول ﷺ ، وقد فعلت رواية (في) بالمعنى في الحديث ما تراه من الاضطراب.
وهذا قول فاسد باطل؛ لأن الرواية التي وردت بأن الجارية كانت أعجمية هي رواية ضعيفة رواها الإمام أحمد في المسند، والبيهقي في السنن، وفي إسنادها عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي، وهذا الرجل اختلط في آخره، ويقول أحد العلماء وهو ابن نمير: كان ثقة واختلط بآخره، سمع منه ابن مهدي ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة، وهذا الحديث من رواية يزيد بن عمرو عنه، فهذا يدل على أن هذه الرواية ضعيفة، وليست صحيحة، ثم عامة الروايات وردت بلفظ أن النبي ﷺ قال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء).
ثم لو تنزلنا مع الكوثري هذا، وقلنا: إن رواية الإشارة صحيحة، فهذا نص في أن الله في السماء، فإنه باعتراف الكوثري بعد هذا التعنت وهذا التأول نقول: ماذا قال لها رسول الله بالإشارة؟ فسيقول: أشار هكذا، يعني: (أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فأقرها رسول الله ﷺ على ذلك)، وكونه أقرها على ذلك دليل على أنه في العلو، ثم إن الحديث الوارد في صحيح مسلم في حديث جابر في الحج أن النبي ﷺ عندما قال لهم: (هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم فاشهد)، يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها عليهم، وهذا أيضاً دليل أن الله في السماء، وأن تأويلات الكوثري وغيره تأويلات فاسدة لا مكان لها.
قال المؤلف ﵀: [وقوله في الحديث الصحيح: (إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي)].
الشاهد من هذا الحديث هو قوله: (موضوع عنده فوق العرش)، فالله فوق العرش كما هو معلوم، وهو صريح في إثبات العلو، وهذا الحديث رواه مسلم.
قال المؤلف ﵀: [وقوله في حديث قبض الروح: (حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله)].
وهذا الحديث رواه ابن ماجة وأحمد وابن خزيمة في التوحيد، وإسناده صحيح.
يقول شيخ الإسلام تعليقاً على هذا الحديث: [إسناده على شرط الصحيحين].
стр. 110
الأدلة على صفة العلو من الشعر
قال المؤلف ﵀: [وقول عبد الله بن رواحة ﵁، الذي أنشده النبي ﷺ وأقره عليه: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا].
وهذا الحديث مختلف في صحته، فبعض أهل العلم يرى أنه ضعيف، وأن إسناده لا يثبت، وصححه ابن عبد البر ﵀، فإنه قال: رويناه من وجوه صحاح.
وهذا ورد في قصة عبد الله بن رواحة عندما خرج من عند جارية له، فشكت زوجته فيه أنه كان عندها، فقالت: اقرأ القرآن، قال لها هذا الشعر، فقالت: صدقت الله وكذبت بصري.
وعلى كل حال يمكن أن مسألة الصفة تثبت بغير هذا الحديث كما سبق.
قال المؤلف ﵀: [وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي مات في الجاهلية، الذي أنشد للنبي ﷺ هو وغيره من شعره فاستحسنه، وقال: (آمن شعره وكفر قلبه)، يقول: مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبنا الأعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا شرجعاً ما يناله بصر العين يرى دونه الملائك صورا].
وهذا الحديث حديث صحيح عندما قال: (آمن شعره وكفر قلبه)، وهي منسوبة له، نقلها ابن عساكر في تاريخ دمشق وغيره.
إذاً: هذه العقيدة، عقيدة ثابتة، لا شك فيها بوجه من الوجوه، وكل من اعتقد خلافها فعقيدته باطلة فاسدة، مخالفة للسنة.
стр. 111
الأسئلة
стр. 112
ممن تأثر بأهل الكلام ابن الجوزي
السؤال
ما رأيكم في كتاب ذم الكلام لـ ابن الجوزي، وهل تطرق لأهل الكلام؟
الجواب
ليس هناك كتاب لـ ابن الجوزي في ذم الكلام، وإنما الكتاب في ذم الهوى، وابن الجوزي ممن تأثر بعلم الكلام، وله كتاب دفع شبه التشبيه، وهو متأثر فيه بأهل الكلام.
стр. 113
أهل الكلام في العصر الحاضر
السؤال
هل يوجد أحد من أهل الكلام في العصر الحاضر؟
الجواب
نعم، ما زالت كتبهم موجودة، تدرس وتدرس، وتلخص وتحقق، وما زال كثير من الأطروحات الجامعية، مثل الماجستير والدكتوراه في كثير من أنحاء العالم الإسلامي على هذا المنهج وعلى هذه العقيدة، وهناك مفكرون مشاهير، منهم الدكتور علي سام النشار، ألف كتاباً كبيراً من ثلاث مجلدات تقريباً سماه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، وهو من كبار المدافعين عن علم الكلام والذابين عنه.
والحقيقة أن هذه الفرق المعتزلة والأشاعرة والماتريدية فرق موجودة ولها واقع معاصر في مجال التعليم، فكثير من الكليات التي تدرس أصول الدين والعقائد في العالم الإسلامي تدرس عقائد هذه الفرق، وكذلك كثير من مناهج التعليم في الثانويات يدرسون هذه المناهج، هذا في مجال التعليم.
وفي مجال التأليف فإن الكتب التي في علم الكلام كثيرة جداً لمن أراد أن يراجع، مثلاً كتاب النشار الذي سبق ذكره، وكتابات الدكتور عرفان عبد الحميد، وكتابات عمار الطالبي، وكتابات محمد أبي ريان وغيرهم، هؤلاء كلهم يدافعون عن علم الكلام ويمجدونه، ومنهم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، له كتاب اسمه العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر، كتاب طبع في عام ألف وأربعمائة وعشرة تقريباً، وهذا الكتاب يدافع فيه عن علم الكلام، ووضع مقدمة طويلة في مدح علم الكلام والثناء عليه، وممن يدافع عن علم الكلام الدكتور: حسن الشافعي، وهو مدير الجامعة الإسلامية في إسلام أباد، له كتاب اسمه الآمدي وآراؤه الكلامية، وحقق بعض كتب أهل الكلام.
стр. 114
الشيخ علي الطنطاوي ليس من أهل الكلام
السؤال
هل الشيخ علي الطنطاوي من أهل الكلام علماً بأنه أثنى على ابن أبي دؤاد المعتزلي في كتابه رجال من التاريخ؟
الجواب
أهل الكلام أناس متخصصون فيه، الشيخ علي الطنطاوي رجل أديب وكاتب وبحاثة، وهو ليس من أهل الكلام، لكنه قد يقع في أخطاء وزلات، ومنها مدحه لـ ابن أبي دؤاد المعتزلي في هذا الكتاب، لكنه بالجملة ليس من أهل الكلام فيما أظن، وهو في الحقيقة أكثر كتاباته في الأدب وليست في العقائد، ولا أعرف للشيخ علي الطنطاوي كتاباً مستقلاً في مجال العقائد.
стр. 115
رجوع أبي حنيفة ﵀ عن القول بالإرجاء
السؤال
على ماذا يحمل ذم كثير من السلف لـ أبي حنيفة، ومن قال عنه: مبتدع؟
الجواب
أكثر الكلام الذي حصل حول الإمام أبي حنيفة في كتب السلف هو بسبب الإرجاء، وهو المسمى بإرجاء الفقهاء، ويقال: إن الإمام أبا حنيفة ﵀ رجع عن هذا الإرجاء، نقل ذلك ابن عبد البر في قصة يفهم منها أنه رجع عن الإرجاء في مناظرة له مع بعض أهل السنة، وكان الإمام أبو حنيفة ﵀ يقول بخلق القرآن، لكن يقول تلميذه أبو يوسف: ناظرته ستة أشهر، فاتفقنا على أن من قال القرآن مخلوق فقد كفر، ذكر ذلك الذهبي في العلو للعلي الغفار، وصححه الشيخ الألباني في المختصر.
стр. 116
كتاب بداية المجتهد لابن رشد مفيد ونافع
السؤال
ما رأيك في مؤلفات ابن رشد الأندلسي مثل كتاب بداية المجتهد؟
الجواب
الكتب التي كتبها ابن رشد الأندلسي في العقائد كتبها على منهج الفلاسفة، لكن كتابه بداية المجتهد كتاب فقهي مفيد ونافع.
стр. 117
كتاب إحياء علوم الدين منهج تربوي يدرسه الطالب المتمكن
السؤال
ما رأيك في كتاب إحياء علوم الدين؟ وتهذيب إحياء علوم الدين لـ أحمد صالح الشامي؟
الجواب
كتاب إحياء علوم الدين كتاب كبير، فيه فوائد كثيرة من الجوانب التربوية، يمكن للإنسان أن يستفيد منه في هذا الباب، ولكن عليه مجموعة من الملاحظات، منها: أن الأحاديث التي في كتاب إحياء علوم الدين كثير منها واهية وموضوعة وضعيفة.
والملاحظة الثانية: هو أنه ناقش كثيراً من القضايا بمنهج الصوفية، مثل الكلام على الخلوات ونحو ذلك، والكلام على الكشف وما يتعلق به، كل ذلك على مذهب الصوفية، فينبغي الحذر منه.
أيضاً من الملاحظات على كتاب إحياء علوم الدين: أن هذا الكتاب ألف في فترة عصيبة من تاريخ المسلمين، وهي فترة استيلاء الصليبيين على المسجد الأقصى، ومع هذا لا يوجد في الكتاب شيء عن الجهاد في سبيل الله، مع أن قضية الجهاد في سبيل الله كانت من أولى المسائل التي ينبغي أن يبحثها وأن يلهب حماس المسلمين لها، وأن يذكرهم بفضل الجهاد، وأن يشجعهم عليه، وأنه من أفضل العبادات، لكن لأنه ينتهج منهج الصوفية فإنه لم يذكر شيئاً عن الجهاد في سبيل الله.
فالنصيحة للإخوة هو أن الإنسان إذا كان متمكناً في العلم الشرعي يمكن له أن يستفيد من هذا الكتاب مع معرفته لهذه الملاحظات، لكن إذا كان مبتدئاً في طلب العلم أو ليس متمكناً، ولا يستطيع أن يميز الصحيح من غير الصحيح فلا ينبغي له أن يشتغل بهذه الكتب التي فيها ملاحظات، وقد اختصر هذا الكتاب جمال الدين القاسمي في كتاب سماه: موعظة المؤمنين في تهذيب إحياء علوم الدين، وكذلك منهاج القاصدين لـ ابن الجوزي مختصر إحياء علوم الدين، واختصره ابن قدامة المقدسي في كتاب سماه مختصر إحياء علوم الدين، فيمكن الرجوع لهذه المختصرات، فهي أنفع.
стр. 118
كيفية معرفة أن المؤلف من أهل الكلام
السؤال
كيف نعرف عند قراءة كتاب ما أن صاحب هذا الكتاب من أهل الكلام؟
الجواب
يعرف من تصريح صاحبه بالعنوان مثل: المواقف في علم الكلام، أو من مدحه لعلم الكلام في المقدمة، أو في بعض الكتاب، أو من المسائل العقدية التي يبحثها، فهناك مسائل عقدية معينة يبحثونها، فيمكن للإنسان أن يعرف، فإذا بحث مثلاً وقال: هذا النص يؤول، ونفى صفة العلو والاستواء وغيرها عن الله ، فهذا يعرف منه أن الكتاب من كتب الأشاعرة، وأنه على طريقة علماء الكلام منهم.
стр. 119
علم الكلام ليس هو علم أصول الدين
السؤال
ما علاقة علم الكلام بأصول الفقه، وهل علم الكلام هو نفسه علم أصول الدين؟
الجواب
أولاً: علم الكلام ليس هو علم أصول الدين؛ لأن كلمة (علم أصول الدين)، كلمة مدح، وقد تجد بعض المتكلمين يسمي علم الكلام بعلم التوحيد، أو علم أصول الدين أو علم العقيدة، يمدحون بها مذهبهم، لكن الحقيقة أن علم الكلام ليس هو علم أصول الدين؛ لأن علم أصول الدين مأخوذ من الكتاب والسنة، وبينه وبين علم الكلام فوارق كبيرة جداً.
أما من ناحية العلاقة بين علم الكلام وعلم أصول الفقه، فإن أول من أدخل علم الكلام في أصول الفقه هو أبو حامد الغزالي، عندما ألف كتابه المستصفى، وبعض المعتزلة كـ أبي الحسين البصري وغيره.
ثم تتابع أهل الكلام فألفوا في أصول الفقه، وجعلوا من مصادر علم أصول الفقه علم الكلام، وبحثوا كثيراً من المسائل الكلامية في ظل أصول الفقه، والحقيقة أنهم أضروا بعلم أصول الفقه عندما بحثوا مسائله، وأدخلوا معها علم الكلام؛ لأنهم يبحثون في مسائل التحسين والتقبيح العقليين مثلاً، ويبحثون في مسائل الأمر مثلاً، هل هو باللفظ بحيث يكون له صيغ، أو بالمعنى فلا يكون له صيغ، ونحو هذا، وكل هذا من المسائل التي لا يستفيد منها طالب الفقه، بحيث إنه يؤهله للاجتهاد والاستنباط، فهي مسائل جدلية؛ ولهذا يختمون كثيراً من المسائل بقولهم: والخلاف في هذه المسألة لفظي، مثل الخلاف بين المندوب والمستحب.
إذاً: ينبغي أن تدرس الكتب في أصول الفقه التي لم تشتغل بعلم الكلام، والسبب في هذا أن الكتب التي جعلت علم الكلام مصدراً من مصادرها عليها ثلاث ملاحظات: الملاحظة الأولى: تضمنها لكثير من العقائد الباطلة والمخالفة للسنة؛ ولهذا تجد بعض الذين يشتغلون في أصول الفقه قد يناقش مسألة أصولية، فيقع في خطأ عقدي وهو لا يشعر؛ لأن اعتماده على الكتب التي بحثت أصول الفقه بمنهج أهل الكلام.
الملاحظة الثانية: الاشتغال بالتجرد النظري عن التطبيق العملي على المسائل الفقهية.
والثالثة وهي نتيجة للثانية: قلة الأمثلة في مجال الفروع الفقهية، فتجد أكثرها مسائل نظرية، ليست لها أمثلة فقهية، فينبغي الرجوع إلى الكتب التي عنيت بالأمثلة الفقهية، مثل كتاب قواطع الأدلة لـ أبي المظفر السمعاني، وهو كتاب كبير، ومثل مقدمة الشيخ الشنقيطي التي شرح بها روضة الناظر، فهي مليئة بالأمثلة، ومثل شرح الورقات للأستاذ عبد الله الفوزان، وهو كتاب منظم يستفيد منه طالب العلم.
стр. 120
الفرق بين من ينكر الصفة ومن يؤول الصفة
السؤال
هل يكفر من أنكر علو الله مع وضوح الأدلة على ذلك، وإذا كان لا يكفر فهل يعذر بتأويله؟
الجواب
أما من أنكر علو الله فلا شك أنه كافر، لوضوح الأدلة فيه، لكن من أول العلو بمعنى آخر يخالف معناه الحقيقي، مثل تأويل متأخري الأشاعرة، فهذا قد يقال: إنه لا يكفر لوجود شبهة عنده.
وهناك فرق بين من ينكر صفة العلو إنكاراً تاماً، وبين من يؤول الصفة، وهكذا في سائر الصفات، فهناك فرق بين من ينكر الصفة ومن يؤول الصفة، فمن يؤولها عنده إنكار ضمني، لكنه لا ينكر الصفة من حيث الأساس.
стр. 121
شرح الفتوى الحموية [٨]
علو الله تعالى ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، وقد بلغت أدلة العلو مبلغاً عظيماً في التواتر بما لا يدع مجالاً لأدنى شك فيه، ومع ذلك فقد نفى العلو بعض طوائف المبتدعة، سالكين في ذلك طرقاً معوجة وأدلة عقلية معارضة لنصوص الوحيين، فنفوا عن الله تعالى ما يجب له، وعطلوه عن صفات الكمال الثابتة له .
стр. 122
إجماع السلف على إثبات العلو لله تعالى
انتهينا في الدرس الماضي من موضوع إثبات علو الله تعالى على خلقه في القرآن والسنة، وقد نقل الشيخ ﵀ في كتابه هذا كثيراً من النصوص الدالة على علو الله على خلقه، ثم بعد ذلك تحدث عن مسألة مهمة وهي مسألة منهج نفاة صفات الله ، ويمكن أن نقرأ الكلام الذي تحدث به عن هذا الموضوع، ثم نتحدث عن أبرز الشبهات التي من أجلها نفى المعطلة صفات الله .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله في الحديث الذي في السنن: (إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً)، وقوله: (يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب) إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية، التي تورث علماً يقينياً من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول ﷺ المبلّغ عن الله، ألقى إلى أمته المدعوين أن الله سبحانه فوق العرش، وأنه فوق السماء، كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته.
ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جُمع لبلغ مئات أو ألوفاً ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولا عن أحد من سلف الأمة لا من الصحابة والتابعين، ولا عن أئمة الدين الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصاً ولا ظاهراً، ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه بذاته في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصبع ونحوها.
بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مجمع حضره رسول الله ﷺ جعل يقول: (ألا هل بلغت؟) فيقولون: نعم، فيرفع أصبعه إلى السماء وينكبها إليهم، ويقول: (اللهم اشهد) غير مرة، وأمثال ذلك كثير.
فإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة، إما نصاً وإما ظاهراً، فكيف يجوز على الله ثم على رسوله ﷺ ، ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق الذي يجب اعتقاده، ولا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصاً ولا ظاهراً، حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها.
لئن كان ما يقول هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين.
فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: أنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله وما يستحقه من الصفات نفياً ولا إثباتاً، لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الأسماء والصفات فصفوه به، سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه به] هذا الحديث الذي في السنن وهو قوله ﵊: (إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً) هو من جملة الأحاديث التي فيها إثبات صفة العلو لله ، ووجه الدلالة من هذا الحديث هو قوله: (إذا رفع إليه يديه) فإن رفع اليدين يدل على أن المسئول في السماء.
ولهذا لما ذكر بعض أهل العلم أن رفع اليدين في الدعاء يدل على علو الله ، أجابهم هؤلاء المعطلة بأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، ولكن بقية الأحاديث والآيات الضرورية الواضحة تدل على علو الله ؛ ولهذا إذا جادلنا أحداً في حديث واحد أحلناه إلى حديث آخر، حتى لو كان الحق معنا في نفس الحديث.
مثل إبراهيم ﵇ عندما قال للنمرود: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] فكان بإمكان إبراهيم ﵇ أن يرد على هذا الطاغية الكذاب بقوله: كيف ذلك؟ وقد قال له ذلك فطلب اثنين من السجن، فلما جيء بهما أطلق رجلاً وذبح الآخر، وقال: أنا أمت هذا وأحييت هذا، وكان بإمكان إبراهيم أن يقول: احي هذا الذي أمته أنت الآن، فلا يستطيع؛ لكن إبراهيم ﵇ تجاوز النقاش في هذه النقطة إلى ما هو أوضح منها فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [ال
стр. 123
استحالة ورود ما يخالف ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف من علو الله تعالى
قال: (ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولا عن أحد من سلف الأمة لا من الصحابة والتابعين، ولا عن أئمة الدين، الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصاً ولا ظاهراً).
ولهذا لا يوجد أي نص عن أحد من الصحابة، أو أحد من التابعين، أو أحد من الأئمة المعروفين ينفي في علو الله على خلقه، وهذه كلها من المعضّدات الدالة على إثبات هذه القضية وهي من القضايا البدهية الأساسية.
قال: (ولم يقل أحد منهم قط إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش).
لأن هذا مخالفة صريحة لنصوص القرآن والسنة.
قال: (ولا أنه بذاته في كل مكان) أي: كما يقول الحلولية المتصوفة، والجهمية المتأخرون.
قال: (ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء) يعني: أنه في العلو وفي السفل.
قال: (ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل) أي: كما يقوله عامة الأشعرية المتأخرين.
قال: (ولا أنه لا تجوز الإشارة إليه بالأصبع، ونحوها؛ بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول الله ﷺ جعل يقول: (ألا هل بلغت؟) فيقولون: نعم، فيرفع أصبعه إلى السماء وينكبها إليهم، ويقول: (اللهم اشهد) غير مرة).
وهذا أمر ثابت في الصحيح، وهو يدل على جواز الإشارة في إثبات علو الله على خلقه، فتجوز الإشارة إلى السماء بخلاف ما يقوله الأشاعرة من تحريم الإشارة إلى الله ، وأنه في السماء.
وهذا أيضاً يدل على إثبات العقائد بالفعل، فإن إثبات العقائد يكون بالفعل، ويكون بالإقرار، ويكون بالقول؛ فأما القول فهو الأصل في إثبات العقائد، وأما الفعل فمثل هذا، وأما الإقرار فهو مثل حديث الجارية عندما سأل النبي ﷺ الجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، أو أشارت إلى السماء، وقال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة) وهذا إقرار لما تضمنه هذا الحديث من العقائد.
وإلى هنا انتهى شيخ الإسلام من تقرير إثبات علو الله على خلقه، وقد استخدم في هذا التقرير الاستدلال بالقرآن، والاستدلال بالسنة، والاستدلال بإجماع الصحابة، والاستدلال بنفي المخالف في هذا الموضوع، والاستدلال بالقول، والاستدلال بالفعل، والاستدلال بالتقرير، والاستدلال ببيان أن قول المخالف لم يكون موجوداً في القرون الثلاثة المفضّلة، هذا الاستدلال كله على إثبات هذه الحقيقة التي هي إثبات علو الله على خلقه.
стр. 124
مناقشة الفرق الضالة المنحرفة في مسألة علو الله على خلقه
ثم بدأ يناقش الفرق الضالة المنحرفة في هذا الموضوع، وقد سبق أن ذكرنا أن الذين انحرفوا في علو الله على خلقه، أول ما بدأ الانحراف بدأ عن طريق الجعد بن درهم الذي نفى أسماء الله وصفاته، ونفى علو الله على خلقه، وقال إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، وقال بخلق القرآن، ثم تلقّف هذه المقالة عنه الجهم بن صفوان وقال بنفس هذه المقالة، ونسبت إليه الطائفة المعروفة بالجهمية، ثم أخذها عن الجهم بشر المريسي، ثم أخذها عن بشر أحمد بن أبي دؤاد الذي وقعت على يديه الفتنة المشهورة بفتنة خلق القرآن.
والأشاعرة المتقدمون كـ أبي الحسن الأشعري والباقلاني كانوا يثبتون علو الله على خلقه، وإنما حصل النفي من زمن الجويني فما بعد عندما اقتربوا من المعتزلة، وأصبحوا مثل المعتزلة، حتى جاءت مرحلة الفخر الرازي الذي يقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا منفصل عنه ولا متصل به.
قال شيخ الإسلام ﵀: (فإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات) يعني: الجهمية، والمعتزلة ومتأخري الأشاعرة، والماتريدية.
قال: (فإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة، إما نصاً وإما ظاهراً، فكيف يجوز على الله ثم على رسوله ﷺ ، ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر، في خلاف الحق).
يعني: إذا كان الحق فيما يقوله هؤلاء من نفي علو الله على خلقه، فكيف يجوز أن يملأ القرآن بإثبات علو الله على خلقه! ويتكلم به الرسول ﷺ دائماً! ويعتقده الصحابة ويتكلمون به دائماً! وهكذا التابعون! وهكذا من بعدهم في القرون الثلاثة المفضّلة، كيف يجوز أن يقول هؤلاء ويتكلمون بما يخالف الحق الذي عليه هؤلاء النفاة؟ لا يمكن أبداً؛ ولهذا فإن هذا الإشكال الذي أورده شيخ الإسلام عليهم، وهو أن القرآن مشحون بإثبات علو الله على خلقه، وكذلك السنة، وكذلك أقوال الصحابة، وكذلك أقوال التابعين وغيرهم، بماذا أجاب عنه هؤلاء؟ قالوا: إن الله عندما ذكر علوه على خلقه، وعندما ذكره الرسول، وذكره الصحابة، فهذا ابتلاء من الله للخلق حتى يؤولوا هذه النصوص عن ظاهرها، ويجتهدوا في الوصول إلى معنى مجازي غير هذا الظاهر الذي دل عليه الكتاب والسنة.
والجواب بسيط جداً، فنقول: كيف يُمْلأ القرآن بإثبات علو الله على خلقه! وكيف يتكلم الرسول ﷺ به دائماً ولا يشير ولو إشارة إلى أنه ليس في العلو، وأنه كلّف العباد أن يؤولوا هذه النصوص، فمن أين جئتم بها؟ ولهذا فهؤلاء في الحقيقة لم ينطلقوا في نفي علو الله على خلقه من النصوص الشرعية، وإنما حكّموا عقولهم في صفات الله ، وجاءتهم شبهات أوصلتهم إلى أن الله لا يوصف بأنه عال على خلقه، هذه الشبهات عندما أوصلتهم إلى هذه النتيجة اعترض عليهم أهل السنة بالنصوص، فما استطاعوا إنكار النصوص مطلقاً، لأنهم إن أنكروها مطلقاً كفروا، فماذا قالوا؟ قالوا: إن الله ابتلى الناس بهذه النصوص حتى يؤولوها.
ونحن نقول: لكن القرآن ليس فيه إشارة إلى أن الله ابتلى الناس بهذه النصوص حتى يؤولوها.
قالوا: هذا ما يدل عليه العقل! قلنا: إن الله لم يشر في القرآن، ولا أشار النبي ﷺ في السنة أنكم تأخذون الأسماء والصفات وقضايا الاعتقاد من العقل، وإنما تؤخذ من النصوص، والنصوص موافقة للعقل وليست مخالفة له! ولهذا تعتبر شبهة هؤلاء من أفسد الشبهات.
وعلى كل حال فأنتم تعلمون أن كل صاحب بدعة لديه كلام يتكلم به، ولديه شيء يتحدث به، حتى المشرك الذي يعبد غير الله لديه كلام يتكلم به، ولديه شبهة يستند إليها، لكن ليست كل شبهة يكون صاحبها معذوراً، وليس كل كلام يكون صاحبه مصيباً فيه، وليس كل كلام يكون موافقاً للحق؛ فينبغي للإنسان أن يدرك هذه الحقيقة، ولهذا لما تحدث الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كشف الشبهات ذكر أن أصحاب الشبهات من أصحاب القبور لديهم علوم وعندهم أدلة، ولديهم كلام يتكلمون به، فإن لم يكن الموحد لديه من العلم والفهم لدين الله ما يدفع به هذه الشبهات فإنه سيضل وينحرف والعياذ بالله، ولهذا ينبغي للإنسان أن يتزود بالعلم.
والموحد الذي لديه علم شرعي يستطيع أن يغلب الألف من هؤلاء؛ لأن حججهم كما قال شيخ الإسلام حجج تهافت كالزجاج وكل كاسر مكسور، يعني: كل حجة تكسر الأخرى وتحطّم الأخرى، فلا يتصور أحد أن المشرك ليس لديه كلام يتكلم به، وأن القبوري ليس لديه كلام يتكلم به، وأن العصري الذي يتلاعب بالنصوص الشرعية ليس لديه كلام
стр. 125
نفات الصفات يقدمون العقل على النقل
ومصدر المتكلمين من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية هو محض العقل.
ذكر الرازي في كتابه أساس التقديس قانوناً كلياً في تلقي العقائد، وناقشه من خلال ذكره للتعارض بين العقل والنقل؛ فقال: إن تعارض العقل مع النقل فإما أن نأخذ العقل وندع النقل، أو نأخذ النقل وندع العقل.
قال: إن أخذنا النقل فمعنى هذا أننا أبطلنا العقل، والعقل هو أساس التفكير الذي فهمنا به النقل، وحينئذٍ لا يصح أن نأخذ النقل ونبطل العقل، ما هو العمل إذاً؟ قال: نأخذ العقل؛ لأن العقل هو الأساس الذي فهمنا به النقل.
فإن قلنا له: وما كان ظاهره مخالفاً للعقل من النقل؟ قال: ما كان ظاهره مخالفاً للعقل من النقل فإننا نؤوله على سبيل التبرع، أو نرده ولا نقبله ونعتقد أن الراوي أخطأ في نقله، ولهذا ضعفت أهمية النصوص الشرعية عند هؤلاء، فألغوا كونها مصدراً للتلقي، وقالوا: إن النصوص تنقسم إلى قسمين: القرآن والسنة، والاستدلال بها يكون من جهتين: من حيث الثبوت، ومن حيث الدلالة.
قالوا: فأما من حيث الثبوت فإننا لا نقبل في العقائد إلا المتواتر، فأخرجوا ثلاثة أرباع السنة التي نقلت بالآحاد وقالوا: لا نقبل هذه في مجال العقائد.
ثم بقي القرآن المنقول بالتواتر، وبقي المتواتر من السنة، فانتقلوا من الثبوت إلى الدلالة، وقالوا: إن الدلالة اللفظية التي نقلت من الكتاب والسنة لا تدل على اليقين حتى تتجاوز عشر عقبات.
يقول: وعقبة من هذه العقبات كافية في عدم الاستدلال بها، وهو وجود المعارض العقلي لها.
يعني: العقبات التي ذكرها منها احتمال المجاز، ومنها احتمال التخصيص، ومنها العقل فيقول: إذا تجاوزت هذه الاستدلالات جميعاً استدللنا بها، ويكفي المنهج العقلي -أي: المعارض العقلي- في رد النص الشرعي إذا خالفه.
طبعاً هذا كلام باطل وخطير جداً في التعامل مع النصوص الشرعية، وهو الأساس الذي بنى عليه الجهمية والمعتزلة ومتأخرو الأشاعرة والماتريدية مذهبهم، والرازي وإن كان من الأشاعرة إلا أنه أخذه من المعتزلة، والمعتزلة أخذوه من الجهمية؛ ولهذا سماهم شيخ الإسلام ﵀ جهمية، والجهمية تنقسم عند السلف إلى ثلاثة أقسام: الجهمية الأولى: وهم أتباع جهم بن صفوان مثل بشر المريسي وغيره.
والنوع الثاني من الجهمية: المعتزلة.
والنوع الثالث من الجهمية: الأشاعرة والماتريدية.
стр. 126
العلاقة بين النقل والعقل علاقة توافق وتعاون
هذا الكلام الذي سبق نقله عن الرازي في كتابه أساس التقديس كلام خطير جداً، لأنه أورد احتمال تعارض النقل والعقل، والحقيقة أنه لا يوجد أصلاً احتمال تعارض النقل والعقل؛ فإنه إذا أراد بالعقل العقل الصحيح نقول: من خلق العقل؟ الله، ومن أنزل النقل؟ الله.
فمصدرهما واحد، فإذا كان مصدرهما واحداً فإنه يستحيل حصول التعارض بينهما، ووجود احتمال أن هناك تعارضاً يشعر بأن العقل من غير الله وأن النقل من الله! والعياذ بالله، ولهذا إذا كان العقل من الله خلقاً، والنقل من الله أمراً، والله يقول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فلا يمكن حصول التعارض بينهما أبداً، وإذا وجدنا في النصوص الشرعية ما ظاهره معارض للعقل فنقول في الرد حينئذ: إما أن يكون العقل غير صريح، وإما أن يكون النقل غير صحيح؛ أما العقل الصريح الواضح الذي ابتعد عن الشبهات والأوهام والهواجيس الضالة، والنقل الصحيح لا يمكن حصول التعارض بينهما، ولهذا يذكر أهل العلم العلاقة بين العقل والنقل، فيقولون: النقل مثل العين، والعقل مثل الضوء، فلا يمكن للعين أن تبصر بدون الضوء، وهكذا لا يمكن للنقل أن يستفاد منه بغير عقل؛ ولهذا فإن النبي ﷺ يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) والفقه: هو الفهم، والفهم مصدره العقل، والمقصود بالعقل هنا العقل المجرد، وليس العقل الذي يقصده أهل الكلام كما سيأتي معنا.
والضوء بدون عين لا ينفع، لأنه لا بد له من عين تبصر، فالعلاقة بين العقل والنقل هي علاقة توافق وتعاون؛ لأن مصدرهما واحد وهو الله ، ولهذا إذا جاء أحد من أهل الكلام وافترض التعارض! نقول: هذا الافتراض فاسد، إما فاسد من جهة ما ذكرته من الأدلة العقلية، بمعنى: أن هذه الأدلة ليست صريحة، وليست عقلية صحيحة، وإنما هي شبهات ضالة، أو يكون النص الذي تصورت العقل مخالفاً له نصاً غير صحيح، فإذا كان غير صحيح فهو لا يعتبر نقلاً ثابتاً عن الله أو عن رسوله ﷺ .
وعلى كل حال فهذه القضية اقتضت من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن يؤلف فيها كتاباً كبيراً سماه درء تعارض العقل والنقل في أكثر من عشرة مجلدات تقريباً، ناقش فيها هؤلاء نقاشاً مستفيضاً ومطولاً.
стр. 127
نفي المبتدعة ما لا تثبته عقولهم من العقائد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم هم ها هنا فريقان، أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه.
ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه، وما نفاه قياس عقولكم -الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافاً أكثر من جميع من على وجه الأرض- فانفوه].
بعد أن بيّن شيخ الإسلام ﵀ أن مصدر هؤلاء في تلقي العقائد هو العقل من جهة الإثبات، ذكر موقفهم من جهة النفي، فقال: إنهم فيما لم يثبته العقل انقسموا إلى فريقين: الفريق الأول: قال: (ما لم تثبته عقولكم فانفوه) وهم المعتزلة، ولهذا نفوا الميزان، ونفوا الصراط، ونفوا كثيراً من الغيبيات التي لم يستطيعوا الاستدلال عليها بالعقل، ونفوا عذاب القبر ونعيمه، وهكذا.
ومنهم من يقول: (بل توقفوا فيه، وما نفاه قياس عقولكم -الذي أنتم فيه مختلفون مضطربون، اختلافاً أكثر من جميع من على وجه الأرض- فانفوه).
هذه الطائفة الثانية هم عامة الأشاعرة، وهم الذين يقولون: إذا لم يثبت العقل هذا الأمر، فإننا لا ننفيه إلا إذا اقتضى العقل نفيه فإننا ننفيه، أما إذا لم يقتض العقل نفيه فإننا لا ننفيه؛ ولهذا أثبتوا السمعيات التي هي الغيبيات.
قال ﵀: [وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتكم به، وما كان مذكوراً في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا، أو يثبت ما لم تدركه عقولكم -على طريقة أكثرهم- فاعلموا أني أمتحنكم بتنزيله، لا لتأخذوا الهدى منه، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ، وغرائب الكلام، وأن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات، هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين.
] سبق أن بيّنا أن هؤلاء حاروا فيما يفعلون بالنصوص الشرعية الدالة على خلاف عقائدهم، فأصبحوا على فريقين، اتفقوا أولاً على أن هذه النصوص مخالفة للعقيدة الصحيحة، وأنها ليست على ظاهرها، ثم انقسموا إلى فريقين: فريق قالوا: لها معنى امتحننا الله بتحصيله، وهم أهل التأويل، وفريق آخر قالوا: نكل علمه إلى الله ، ولا ندري ما معناه وهم أهل التفويض، وقد سبق أن أشرنا إلى هذا عند كلامنا على آية آل عمران.
وإلزام شيخ الإسلام ﵀ لهم هو من جهة أن الله كأنه لم ينزل القرآن، ولم يتكلم رسول الله ﷺ في العقائد إلا ليحرفه هؤلاء، وهذا غير معقول، فهذا القرآن الذي هو هدى وبيان وذكرى، والذي أنزله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، لا يمكن أن يأتي بما ظاهره الباطل، حتى نحتاج إلى أن يحرفوه عن معناه الظاهر إلى معنىً آخر.
ولو كان هذا المعنى مقصوداً لجاء به مباشرة، ولأخبر الله بأنه ليس في السماء، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وارتاح الناس، ولهذا فدلائل بطلان مقالة هؤلاء ودلائل انحرافهم ظاهرة وواضحة؛ سواء من جهة مصدر تلقيهم للعقائد، أو من جهة مخالفتهم الصريحة للنصوص والإجماع، أو من جهة تعاملهم مع النصوص الشرعية وكيفية تأويلها، فكل هذه المعاني الثلاث تدل على أن ما جاءوا به باطل، وأنهم على ضلالة وعلى انحراف، وأصل الضلالة عندهم نشأت من زاويتين: الزاوية الأولى: هو عدم طلبهم للعلم الشرعي، وعدم تعظيم النصوص الشرعية في نفوسهم.
والزاوية الثانية: هو مناقشتهم لأهل الملل والأهواء بالمنهج العقلي بعيداً عن النصوص، فلما ناقشوا أهل الهواء بالمنهج العقلي بعيداً عن النصوص بنوا عقيدة كاملة بالقياسات العقلية من خلال المناظرة والمناقشة، فلما بنوا هذا العقيدة الكاملة من خلال مناظراتهم رجعوا فوجدوا أهل السنة يخالفونهم فحصل احتكاك.
فلما حصل النقاش بينهم، لم يتركوا هذا البناء العظيم الذي بنوه من خلال الأدلة العقلية، لا سيما أنهم يعظمون العقليات ويعتقدون أنها العلم، وأصبحوا يؤولون النصوص الشرعية وينتقدون الصحابة والتابعين وأنهم لم يشتغلوا بالفلسفة، ولم يعتنوا بالعقليات، ولم يبحثوا بحثاً دقيقاً، وإنما اشتغلوا بالجهاد واشتغلوا بالمحاربة مع الكفار، وأصبحوا يرمزون لهم من هذه الزاوية، ولا شك أن هؤلاء كونوا مذهباً وفرقة بعيدة عن النصوص الشرعية، فتنزيل الحديث عليهم: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) والمقصود بالواحدة الصحابة والتابعون ومن كان على طريقتهم، هذا واضح لكل أحد تأمل منهج هؤلاء وأسلوب هؤلاء في التعامل، وطريقة هؤلاء في بناء العقائد، وموقفهم من القرآن والسنة.
ولهذا لو بحثنا موقف أهل الكلام: الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية من النصوص الشرعية! لكان هذا وحده كافياً في أن هؤلاء مبتدعة وأنهم ضالون ومنحرفون، ومع هذا يردد كثير من الناس أن الأشاعرة اليوم من أهل السنة والجماعة، وأن الخلاف بيننا وبينهم في مجموعة قليلة من الصفات، وأنهم اجتهدوا، وأنهم كانوا علماء كباراً، ولا ينبغي أن ينقدوا بهذه الطريقة الشديدة، وأنكم أنتم فرقتم الأمة ومزقتم وحدتها، وكأن أهل السنة هم الذين فرقوا هذه الأمة، والأشاعرة هم الذين يسعون إلى ج
стр. 128
مشابهة النفاة للمشركين والمنافقين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزوماً لا محيد عنه، ومضمونه أن كتاب الله لا يهتدَى به في معرفة الله، وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردّون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه مَن لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة -وهم المشركون- والمجوس وبعض الصابئين] وهذا واضح لمن عرف طريقتهم ومن عرف منهجهم، فهم لا يتحاكمون في اعتقاد إثبات الصفات أو نفيها، أو إثبات الأسماء أو نفيها، أو الكلام في الإيمان أو القدر إلى النصوص أصلاً، ولهذا فإلزام شيخ الإسلام لهم بأنهم يشبهون أهل الجاهلية، ويشبهون أهل الشرك والمشركين، أولاً: هذا ليس تكفيراً لهم، والكلام على موضوع التكفير له شأن آخر، وله طريقة أخرى ودراسة أخرى، وإنما أراد شيخ الإسلام ﵀ أن يبيّن أن هؤلاء الذين انحرفوا عن هدي الكتاب والسنة شابهوا الكفار وشابهوا أهل الجاهلية، لأن أهل الجاهلية لا يؤمنون بالقرآن ولا السنة، ولا يتخذونه مصدراً في التحاكم، سواء في مجال التصورات والعقائد، أو في مجال الأحكام والتشريعات؛ وكذلك غيرهم ممن شبههم بهم.
قال ﵀: [وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم، وقد أمروا أن يكفروا بهم] شيخ الإسلام ﵀ أراد أن يبيّن أن هؤلاء عندما انحرفوا، فرقوا الأمة تفريقاً كبيراً، حيث جاءت الصوفية واتخذوا الكشف مصدراً للتلقي، وجاءت الشيعة واتخذوا أئمتهم مصدراً للتلقي، وجاء أهل المذاهب المتعصبين واتخذوا أئمتهم مصدراً للتلقي، وجاء عدد كبير ممن يعارض النصوص الشرعية ولا يعطي لها مقداراً.
واتخذوا مصادر للتلقي، ولما جاء العصر الحديث اتخذ كثير من الناس القوانين الغربية مصدراً من مصادر التلقي والتشريعات، وأصبح كثيرٌ من هؤلاء يحاول أن يجمع بين الشرع وبين ما اتخذه مصدراً.
فتجد أن أهل الكلام يقولون: نحن نريد التوفيق بين النصوص الشرعية والمعقولات، وذلك بتأويل النصوص الشرعية وتحريفها، ويأتي الصوفية، ويقولون: نحن نريد التوفيق بين الكشف والنصوص الشرعية، فيحرفون النصوص الشرعية ويفسرون قول الله : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] يعني: حتى يحصل لك الكشف، ثم لا تعبد الله ؛ لأنك قد سقطت عنك التكاليف، ويأتي الشيعة ويجعلون الأئمة مصدراً للتلقي، ويقولون: نحن مع هذا نؤمن بالكتاب والسنة، ويحاولون أن يفسروا أن وجوب طاعة الأئمة مأخوذ من النصوص الشرعية.
ولما جاء هؤلاء الذين طبقوا القوانين الوضعية، قالوا: إن هذا الدين وهذه التشريعات جاءت لإصلاح الإنسان في صلاته وصيامه وحجه، وفي تهذيبه وأخلاقه، وأما سياسة الناس والأموال والتعليم والحضارة، فإنها تبنى بناء آخر لا علاقة له بهذا الدين، ونحن بهذه الطريقة نوفق بين الدين والعلم، ولهذا سموا علمانية؛ وتصوروا أن الدين ليس فيه علم وليس شاملاً للحياة بأكملها، ولهذا أشبهوا المنافقين الذين يظهرون جانباً من الدين ويخفون جانباً آخر.
قال المؤلف: [وما أشبه حال هؤلاء المتكلفين بقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦٢]].
سبحان الله! هذه الآية يمكن أن تنزلها على المنافقين في زمن النبي ﷺ ، وأن تنزلها على أهل الكلام الذين عارضوا النصوص بالعقل، وأن تنزلها على الصوفية الذين عارضوا النصوص بالكشف، وأن تنزلها على الشيعة الذين عارضوا النصوص بالأئمة، وأن تنزلها على متعصبة المذاهب، وأن تنزلها على العلمانيين اليوم الذين يسنون للناس التشريعات، وهي مخالفة للكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء:٦٠] كل هذه الفئات التي ذكرناها تزعم أنها آمنت بما أنزل إليك، ((وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ)) والطاغوت: هو الذي نصّبوه لتلقي العقائد، أو للتحاكم عند النزاع وعند الخلاف غير الكتاب والسنة؛ فطاغوت الم
стр. 129
الأسئلة
стр. 130
حكم تحطيم الأصنام
السؤال
بعض العلماء يقولون: ما فعلته دولة الطالبان في أفغانستان من تحطيم الأصنام فعل خاطئ؟
الجواب
سبحان الله! الآن هذه الأصنام التي وجدت عندهم إما أنها تعبد أو لا تعبد، فإن كانت تعبد فتحطيمها واجب، وإن كانت لا تعبد فهي حجارة حطموها، ولو أن إنساناً حطّم جبلاً من الجبال، فهل يذم؟ وهل يشنع عليه؟ هل يتكلم عليه بهذه الطريقة، ويسب بهذا الأسلوب؟ فهذا جبل من حجارة أنا أريد تحطيمها، فإذا سئلت: لماذا تريد تحطيمها؟ أقول: أحب أن أحطم الحجارة، فهل يذم الإنسان على هذا؟ غاية ما هنالك أن يقال: كان الأولى أن يشتغل بغيره.
إذاً: لا شك أن من يخطئ هؤلاء هو مخطئ مائة بالمائة؛ لأنه إن كانت تعبد فإزالتها واجبة، وإن كانت لا تعبد، وقيست على الأحجار! فالإنسان إذا حطم أحجاراً ليس مذموماً ولا مخطئاً، ولهذا لا يصح تخطئة هؤلاء فيما فعلوا.
هذا مع أن النصوص الشرعية جاءت بإزالة الأوثان، وإزالة الأصنام، ووجوب تحطيمها، وهذه واضحة في النصوص الشرعية، في القرآن وفي السنة، وفي أفعال الصحابة رضوان الله عليهم، واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار؛ فإن قال بعض الناس: إنها لا تعبد، فلماذا هم يشتغلون بتحطيمها؟ نقول: لو لم تكن معبودة لما تحرك العالم بهذا الأسلوب، فإنه لا يشترط من العبادة أن يكون سجوداً وانحناءً، قد يكون تعظيماً في بعض الأحيان باسم التراث وباسم الحضارة مثلاً.
فالحاصل: أن هؤلاء مصيبون فيما فعلوه، والنصوص الشرعية تدل على ذلك، وغاية ما هنالك أن يقال: إنهم اشتغلوا بأمر مباح، ولا يذم الإنسان على اشتغاله بالأمر المباح، فهو لم يرتكب منكراً، ولم يعص الله بتحطيمه، فلماذا ينكر عليه؟ ولهذا لا شك أن من يخطّئ هؤلاء مخطئ، وخطؤه ظاهر وواضح.
وهذا مؤشرة يدل على أن العالم اليوم متجه لتعظيم الآثار، ومتجه لتعظيم الحضارات البائدة القديمة، ولربط الأمم بها؛ ولهذا كان من أعظم سياسات الإنجليز عندما استعمروا مصر، وكذلك الفرنسيون من قبل أن ربطوا المسلمين الموجودين في مصر بالتراث الفرعوني، وأخرجوا الأصنام التي كانت موجودة في الأهرامات، ووضعوا لها متحفاً، وعندما جاء نابليون في حملته إلى مصر جاء بمعهد للتراث الفرعوني، وما يزال المعهد موجوداً إلى الآن، فالاتجاه إلى إحياء الملل والعقائد البائدة القديمة التي قبل الإسلام! مقصد من مقاصد الغزو الفكري، وهذا واضح في كل بلاد المسلمين التي استعمرت من جهة هؤلاء الكفار، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: هؤلاء الذين يدافعون عن هذه الأصنام المحطمة، لو قيل: نريد أن نزيل القباب التي على القبور، ماذا سيقولون؟ سيشغبون علينا أيضاً، ويقولون أنتم تحطمون القباب التي على قبور الصالحين والأولياء! لماذا لا تجعلونها موجودة، حتى نذكر الناس بصلاح هؤلاء، وبتقواهم وبعبادتهم لله، فنأخذ منهم القدوة الصالحة والحسنة؟ ثم يعطونك موضوعاً طويلاً، وموعظة طويلة في القدوة والاقتداء، ولا شك أن هؤلاء الذين يتكلمون بهذه الطريقة ليس عندهم علم شرعي صحيح ينطلقون منه، وإنما هي مجرد عواطف ومجرد تصرفات، في بعض الأحيان يكون لها مغازٍ سياسية معنونة عند صاحبها، وفي بعض الأحيان يكون انحراف فكري موجود عند هذا الإنسان.
стр. 131
الفرق بين قولنا: القرآن منزل وقولنا: القرآن مخلوق
السؤال
ما الفرق بين قولنا القرآن منزّل، والقرآن مخلوق؛ حيث إني أرى أن الاختلاف في ذلك لا يؤدي إلى الاختلاف في العبادة والاتباع؟
الجواب
هناك فرق كبير جداً، فإذا قلنا: القرآن منزّل، فالمعنى: أن الله تكلم بهذا القرآن، وأن الكلام صفة من صفات الله ، سمع جبريل هذا القرآن وجاء به إلى النبي ﷺ ونزل به، وليس المقصود بالقرآن المنزّل المصحف المطبوع، وأنه كان في السماء ثم نزل إلى الأرض، وإنما المقصود بقوله: (منزّل): أن جبريل ﵇ سمع الكلام من الله ثم نزل إلى الأرض وبلغه للرسول ﷺ .
وإذا قلنا إنه مخلوق: فمعنى هذا أن الله لم يتكلم، وهذا هو الذي يريدون الوصول إليه، قالوا: لأن الكلام يستلزم حلول الحوادث بذاته، وحلول الحوادث بذات الله منتف؛ لأنه يستلزم أن يكون جسماً، وهكذا يرتبونها بهذه الطريقة التي سيأتي شرحها بإذن الله تعالى.
وأما قولك: إن هذا الاختلاف لا يؤدي إلى الاختلاف في العبادة والاتباع، فعليك أن تدرس الموضوع دراسة كافية، حينئذ ستفهم هذه القضية، لكن مجرد أن يسمع الإنسان كلمة أن القرآن المخلوق، والقرآن منزّل! ويفكر فيها وهو لم يقرأ فيها ولم يبحث ولم يعرف تاريخها ولم يناقش فيها، ولم يقرأ فيها قراءة تفصيلية فسيرى أنه أمر، فشيء عادي أن يقول: ما الفرق بينهما؟ وأنا لا أقصد هذا الأخ، لكن أكثر من يتكلم في قضايا العقائد فيضل فيها، سبب ضلاله أنه ما درس أصلاً، ولا بحث ولا قرأ ولا تفهّم ولا تفقه في الدين، وحينئذٍ قد يصبح دكتوراً ويصبح إنساناً كبيراً ويؤلف كتاباً ثم يقول: ما الفرق بين كذا وكذا؟ ولماذا لا يقال: كذا؟ طبعاً أنا لا أتكلم على الأخ، فغير هذا الأخ قد يؤلف كتاباً ويقول: ماذا على المعتزلة عندما قالوا: إن القرآن مخلوق؟ لماذا نحيي هذا الخلاف ونجعل هذه المصيبة الكبرى في الفكر الإسلامي، وفي الحضارة الإسلامية من أجل كلمة؟ لكننا نقول له: إن الإمام أحمد صبر على التعذيب من أجل القرآن! وهو قد يستغرب ويقول: لماذا يصبر الإمام أحمد؟ لماذا يتعب نفسه؟ يقول ذلك لأنه أصلاً لم يفهم الموضوع؛ إذاً: بدلاً من أن تستغرب بهذه الطريقة، وتجعل استغرابك أصلاً وتكتبه وتجاهد عليه! ابحث، وتفقه، وادرس، حينئذ ستعرف لماذا وقف أهل العلم موقفاً قوياً من هذا الموضوع.
стр. 132
شرح الفتوى الحموية [٩]
لقد اعتمد نفاة الصفات في نفي صفات الله على العقل المجرد، فأتوا بأدلة عقلية ثم حاكموا النصوص الشرعية إليها، فما وافق شبههم وأدلتهم العقلية أخذوا به، وما خالفها ردوه أو أولوه، فضلوا وأضلوا.
стр. 133
أدلة المتكلمين العقلية في نفي الصفات
تحدثنا في الدروس الماضية عن مسألة إثبات علو الله على خلقه، وأن العلو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين والفطرة والعقل، وأنه لم يكن هناك خلاف في هذه المسألة الكبيرة من مسائل العقيدة في بداية تاريخ هذه الأمة، في زمن الصحابة رضوان الله عليهم وفي زمن التابعين، حتى ظهرت الفرق الضالة المنحرفة عن السنة، وأول من أنكر علو الله على خلقه هم الجهمية أتباع جهم بن صفوان، واعتمد هؤلاء في نفيهم صفات الله عموماً، على العقل المجرد، ولم تكن الشبهة عندهم منذ أول لحظة هي أنه أشكل عليهم فهم النصوص الشرعية، فيحتاجون أن يكشف عنهم هذا الإشكال، وإنما كان الأمر منذ أول لحظة أنهم اتخذوا العقل مصدراً للتلقي في العقيدة ومنها صفات الله ، وتركوا الكتاب والسنة.
وقد بينا في دروس ماضية عن السبب الذي جعل هؤلاء المبتدعة يتخذون العقل مصدراً للتلقي، وهو: مناقشتهم للفلاسفة والملاحدة، وأصحاب الديانات الأخرى، والسبب في ذلك أيضاً: جهلهم بكون النصوص الشرعية متضمنة للأدلة العقلية الكافية، التي لا تتضمن شيئاً من إبطال العقائد الأخرى، فهم ظنوا أن النصوص الشرعية إنما هي مجرد إخبار عن الغيب فقط، وأن الله والرسول ﷺ يخبران عن الغيب مجرد إخبار بدون برهان، وبدون دليل كاف في الإقناع، فبدءوا يطلبون الأدلة المقنعة حسب تصوراتهم من العقل المجرد، فكانت هذه الشبهات الموجودة عندهم التي منعوا من أجلها وصف الله بما وصف به نفسه في الكتاب، وبما وصفه به رسوله ﷺ في السنة.
والشبهات أو الأصول العقلية التي لأجلها أولوا أو نفوا الصفات أو بعضها، مردها إلى أربع شبهات، أو أربعة أدلة عقلية كبرى: الدليل الأول: هو دليل تعدد القدماء، وهذا دليل المعتزلة.
الدليل الثاني: هو دليل التركيب، وهذا دليل للمعتزلة والأشاعرة والماتريدية.
الدليل الثالث: دليل منع حلول الحوادث بذات الله ، وهذا دليل يشمل جميع طوائف أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية أيضاً.
الدليل الرابع: دليل التشبيه والتمثيل، وهو يشمل جميع الطوائف السابقة.
نأخذ هذه الأدلة التي ذكروها دليلاً دليلاً؛ لنبين بطلان هذه الأدلة.
стр. 134
معنى دليل تعدد القدماء عند المعتزلة والرد عليه
فأما دليل تعدد القدماء فإن المعتزلة يرون أن أخص وصف للإله الذي يجب أن يعبد هو كونه قديماً وليس بمحدث، وأن أي شيء يشاركه في القدم، فإنه يعتبر إلهاً آخر، وهذا شرك بالله رب العالمين.
ومن هنا اعتقدوا أن إخلاص التوحيد لله هو إفراد الله بالقدم، ولا يوصف غيره بالقدم أبداً، فإذا وصف غيره بالقدم، فإنه يعتبر شركاً بالله .
فجاءوا إلى الصفات الشرعية التي أثبتها الله لنفسه في القرآن، وأثبتها له رسوله ﷺ في السنة، مثل صفة اليد ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فقالوا: هذه الصفة وغيرها من الصفات مثل: العلم والحياة والإرادة والسمع والبصر، سواء منها الصفات التي لا تنفك عن الذات وهي الصفات الموسومة بالصفات الذاتية، أو الصفات التي يسميها الأشاعرة صفات المعاني وهي الصفات العقلية؛ قالوا: هذه الصفات لا تخلو أن تكون قديمة أو حادثة.
فإذا كانت حادثة فهذه لا يصح وصف الله بها؛ لأن الله لا يوصف بالحادث.
وإذا كانت قديمة فإن وصف هذه الصفة بأنها قديمة مشاركة لوصف الإله بكونه قديماً، فإذا اعتبرنا العلم قديماً، والسمع قديماً، والحياة قديمة والإرادة قديمة، فنحن أثبتنا خمسة آلهة: العلم، والسمع، والإرادة، والكلام، والحياة، وكل صفة يعتبرونها إلهاً مستقلاً بناءً على هذا.
وبعض الأحيان يستخدم بعض الناس مصطلحاً لمعنى، وأنت تفهمه على معنىً آخر، فينبغي للإنسان أن يكون دقيقاً في معرفته للمصطلحات، فليس كل أحد يستخدم مصطلحاً يكون هو نفس المفهوم الذي عند الآخر، لكن المصطلحات الشرعية واحدة عند أهل السنة، وأما مصطلحات أهل البدع والضلالة، فإنا لا ننفيها مطلقاً، ولا نثبتها مطلقاً؛ لأن مصطلحاتهم في بعض الأحيان تكون ممزوجة بالحق والباطل، وقد تحدثت عن موضوع المصطلحات في أكثر من لقاء، وسنتحدث عنه في أثناء الرد التفصيلي لهذه الشبه.
وبناءً على هذا فقد عرفوا التوحيد بأنه الجزء الذي لا يتجزأ، وهو الذي لا يقبل التجزئة، ولا يقبل التعدد، ولا يقبل التبعيض، ولا يقبل الانفصال، وقالوا: إن وصف الإله بالصفات الواردة في الكتاب والسنة يستلزم وجود آلهة مع الله ، فاستدلوا بهذه الشبهة -التي هي تعدد القدماء- على نفي الصفات، وقالوا: إن هذه الصفات جميعاً لا يصح أن تنسب إلى الله على أنها صفات وجودية، لكن هل معنى هذا أنهم يصفون الله بضدها؟ لا يلزم أنهم يصفون الله بضدها.
وهم في صفة العلم يقولون: هو عليم وعلمه هو ذاته، وقدير وقدرته هي ذاته، وكريم وكرمه هو ذاته، وسميع وسمعه هو ذاته، وبصير وبصره هو ذاته، وهكذا فيما يتعلق بالصفات العقلية الثابتة التي لابد أن يتصف بها الإله، ويستحيل أن يتصف بضدها، فيستحيل أن يتصف الإله بالموت، ويستحيل أن يتصف الإله بالجهل، فيثبتون هذه الصفة من حيث الاسم، لكن ينفونها في الحقيقة؛ فيقولون: هو عليم وعلمه هو ذاته، إذا قلنا لهم: هل له علم؟ قالوا: علمه ذاته، فهل له سمع؟ قالوا: سمعه ذاته، إذا قلنا لهم: هل هناك فرق بين العلم والسمع؟ قالوا: لا، هو ذات واحدة فقط، فالحياة عندهم هي العلم بالضبط مائة بالمائة، ليس هناك فرق، ولاشك أن هؤلاء ضالون، وذلك أن الله سمى نفسه بالأسماء الحسنى، ووصف نفسه بالصفات العليا وهو أعلم بنفسه منا، فلو كانت تستلزم تعدد الآلهة، لما سمى نفسه بهذه الأسماء، ولا وصف نفسه بهذه الأوصاف.
ولهذا عندما يقول الله عن نفسه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤].
وعندما يقول الله : ﴿الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] تتضمن صفة الرحمة.
وعندما يخبر النبي ﷺ أن الله عليم كريم حيي، وهكذا.
فالله أعلم بنفسه، ثم نبيه أعلم بربه منا، فهذه مقدمة واضحة في الرد على هؤلاء المبتدعة.
стр. 135
الرد على دليل تعدد القدماء بأنه مخالف للغة
إذا جئنا إلى المناقشة لهؤلاء، نقول: إن إثبات هذه الصفات لا يلزم منه كما تقولون تعدد الآلهة، فإن هذه الصفات صفات لموصوف واحد، فالعلم والسمع والحياة كلها صفات بعضها يختلف عن بعض، لكنها لموصوف واحد، ولا يلزم من تعدد هذه الصفات تعدد الآلهة، ولا يصح أبداً إذا قلنا: إن إلهاً واحداً موصوف بكذا وبكذا وبكذا أن هذا خطأ، فإن الوحدانية لا تمانع من تعدد الصفات لغة وشرعاً.
أما لغة: فإنه يمكن أن تقول عن كتاب واحد في اللغة وتصفه بعدة صفات فتقول: لونه أحمر وهو سميك وقوي ومتعدد الأوراق ومكتوب بخط صغير وخط كبير، ومرقم الصفحات، فيمكن أن تصف هذا الكتاب بعدة صفات، مع أنك تستطيع أن تقول: هذا كتاب واحد، ولا يناقشك أحد من أهل اللغة.
ولهذا وصف النبي ﷺ وسمى كثيراً من الأشياء بالواحد وهي متعددة الصفات، فأنت تقول: فرس واحد، ورجل واحد، والله يقول: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١] وهو يقصد الوليد بن المغيرة، قال الله عنه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١] فسماه وحيداً، ووصفه بأنه واحد، مع أن له رأساً وله قدمين، وله يدين، وله فهماً وله عينين، وله وله وله، فليس هناك مانع في لغة العرب من وصف الشيء بكونه واحداً، ومن تسميته بالواحد مثلاً مع كونه متعدد الصفات، فهذه الصفات ليست ذوات مستقلة منفصلة عن الإله، بل هي صفات لموصوف واحد.
فنحن نقول: الله واحد وهو موصوف بالعلم، وموصوف بالحياة، وموصوف باليدين، وموصوف بالقدم، وموصوف بكل ما وصف به نفسه في الكتاب ووصفه به رسوله ﷺ في السنة، ولا مانع من هذا، ولا يلزم من هذا تعدد الآلهة.
فإذا قلنا: إنه عليم فليس معنى ذلك أن العلم إله مستقل منفصل عن الإله؛ ولهذا يقول النبي ﷺ مثلاً: (لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد) فسمى الثوب واحداً، مع أن الثوب له كمان، وله قدام وله خلف، ولهذا يقول أهل العلم: لا يمكن أن يوجد في لغة العرب استخدام كلمة (واحد) لشيء غير موصوف، فكل ما هو موجود في خارج العقل موصوف بالصفات، ولا يعرف العرب أبداً في لغتهم شيئاً يسمى واحداً ليس له صفات أبداً، ولهذا العرب تقول: بيت واحد، مع أن له باباً وله نوافذ، وله حوشاً وله غرفاً، وغير ذلك، هذا من الناحية اللغوية.
إذاً: هم خالفوا اللغة في مفهومهم للتوحيد، وظنوا أن التوحيد يستلزم نفي الصفات، ولهذا قالوا: بنظرية تعدد القدماء التي سبقت الإشارة إليها.
стр. 136
الرد على دليل تعدد القدماء بأنه مخالف للشرع
الرد الثاني من الناحية الشرعية: أنه لا يمنع أن يسمى الشيء واحداً مع وصفه بمجموعة صفات، فالله يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣] مع أنه وصف نفسه بالعلم والحياة، وأن له يدين، وأن له قدماً، وأنه ينزل، وأن له صفات متعددة، وليس هناك مانع من وصف الواحد بمجموعة صفات.
والله يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فنفى وجود آلهة إلا هو، وهو وصف نفسه بمجموعة من الصفات مبثوثة في الكتاب والسنة.
إذاً: مفهومهم للتوحيد مفهوم باطل، ولهذا لو رجعتم مثلاً إلى شرح العقيدة الطحاوية فستجدون أن أول ما يشرح الفقرة الأولى من فقرات العقيدة الطحاوية، وهي قول الإمام الطحاوي ﵀: "نقول في توحيد الله مستعينين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له" فهو بدأ الكلام عن التوحيد، ثم انتقد هؤلاء الضالين وقال: إن هؤلاء أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد؛ وذلك أنهم ظنوا أن معنى واحد، يعني: لا يتجزأ، وجعلوا الجزء عندهم هو الوصف، فإذا وصفت الإله بمجموعة صفات، قالوا: هذه أجزاء وهذه أقسام، ولا يجوز وصف الإله بهذه الطريقة، وهذا لاشك أنه قول باطل في اللغة وفي الشرع أيضاً.
стр. 137
الرد على دليل تعدد القدماء بأنه استعمل مصطلحات لم ترد في الكتاب والسنة
الرد الثالث: هو أن نقول: إن كلمة (قديم) وكلمة (حادث) مصطلحات جديدة لم ترد في الكتاب ولا في السنة، فإن الله لم يصف نفسه في القرآن بأنه قديم، ولم يصف الرسول ﷺ ربه بأنه قديم، ولا يصف بأنه حادث.
فهذه المصطلحات الجديدة لا يصح أن نقبلها بإطلاق، ولا أن نردها بإطلاق؛ لأن هذه المصطلحات بحسب ما يدخل فيها من المعنى الاصطلاحي، فإن كان حقاً كله قبلناه كله، وإن كان فيه حق وباطل قبلنا الحق ورددنا الباطل.
وعلى كل اعتبار فإنه لا يصح أن يستخدم في الأمور الغيبية إلا المصطلحات الشرعية، وهذه المصطلحات الحادثة لا يصح استخدامها، وهذه إحدى الأوجه الطويلة التي رد بها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على قانون الرازي الذي يرد فيه الشرع إذا خالفه العقل، في المجلد الأول من (درء التعارض) ولو رجعتم إليه ستجدون أنه فصل الكلام في هذا الموضوع الحساس والمهم تفصيلاً طويلاً.
وكذلك أشار إلى هذا المعنى في (التدمرية) أيضاً، وفي غيرها من الكتب، فهو يشير وينبه إلى ضابط استعمال هذه المصطلحات مثل: قديم، حادث، متحيز، جوهر، عرض، جزء، تركيب.
والتوحيد له عندهم مفهوم وله عندنا مفهوم، والإله له مفهوم عندنا، وله مفهوم عندهم، وهكذا، فهذه مجموعة من المصطلحات يقول ابن تيمية ﵀: لا يجوز أن تقبل هذه المصطلحات مطلقاً لأنك قد تقبل جزءاً من الباطل، ولا تردها مطلقاً لأنك قد ترد جزءاً من الحق، وحينئذ مثل هذه المصطلحات ننظر لها من جهتين: من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى.
فأما من جهة اللفظ: فلا نقبل مصطلحات جديدة في النصوص الشرعية الغيبية التي لم نرها بأعيننا، وإنما أخبرنا الله عنها في القرآن الكريم، وأخبرنا عنها رسول الله ﷺ في السنة النبوية، ويكفينا ما في القرآن والسنة من المصطلحات، فنحن في غنى عن هذه المصطلحات، والغني لا يطلب الصدقة، نحن لا نطلب من أحد أن يتصدق علينا بمصطلحات، حتى نمارس هذا العلم الشريف الذي هو علم التوحيد.
وأما من جهة المعنى: فإن هذا المعنى نستفصل صاحبه عنه، فإذا قال لك مثلاً: هل تثبت أن الله جسم؟ بعض الناس يقول: لا أقول: إن الله جسم مطلقاً، وهذا خطأ؛ لأنه هو يعتقد أن إثبات العلم تجسيم، وأن إثبات اليدين تجسيم، فيلزمك بنفي الصفات، وحينئذ الطريقة الصحيحة هي أن نقول: ماذا تعني بكلمة جسم؟ إن كنت تعني بالجسم معناه اللغوي -ومعنى الجسم في اللغة: البدن أو الجسد- فنحن نقول: إن هذا لا يوصف به الله ؛ لأن هذا فيه مشابهة للمخلوقين، وهذا أمر ظاهر، وإن كنت تعني بالجسم الموصوف بالصفات، فلاشك أن الله موصوف بصفات، ونحن لا نقول: إن الله جسم؛ لأن هذه كلمة لم تستخدم في القرآن والسنة.
فهؤلاء لا يأتون بهذه الكلمات مثل: جسم متحيز جهة بمعانيها اللغوية، وإنما يأتون بمعان اصطلاحية محددة يضعون هذه الكلمات عليها، فهم يقولون: الجسم هو الذي يقبل التجزئة والانقسام، فيسمون هذا جسماً مع أن هذا لا يسمى جسماً في لغة العرب، فالكتاب لا يسمى جسماً وإنما يسمى كتاباً، لو أن أحدكم مثلاً: جاء وقال: جسم سيارتك ممتاز لما كان سائغاً في لغة العرب؛ لأن كلمة (جسم) في لغة العرب معناها: البدن.
إذاً لا يصح استخدام كلمة (جسم) من جهة اللفظ ومن جهة المعنى على نحو ما سبق.
وهكذا إذا قلنا: إن الله في العلو، قالوا: هل تثبت أن الله في جهة؟ فنقول: الجهة كلمة جديدة، فماذا تعني بكلمة جهة؟ هل تعني بالجهة أن الله في العلو؟ إذا قال: نعم، الجهة أن الله في العلو، نقول: لقد نص الكتاب والسنة على أن الله في العلو، وهذا ما تثبته الفطرة والعقل، فأنا أصف الله بالعلو.
وإن كان لا يقصد هذا المعنى، فنقول: هل تعني أن الله محصور ومحدد في مكان فقط؟ فهذا لا يصح؛ لأن الله فوق العالم، وهو لا يقاس بخلقه، ولا يقال إنه محصور في جهة، وهذا لا يجوز استخدامه في وصف الله .
إذاً: نأتي إلى المعتزلة في موضوع تعدد القدماء ونقول: ماذا تعنون بالقديم؟ هل تعنون بالقديم الأول فليس قبله شيء؟ فإذا قالوا: نعم، قلنا: نعم، الله هو الأول فليس قبله شيء، وهو منذ كان موصوف بالصفات، ولا مانع من وصفه بالأول وأيضاً وصفه بسائر الصفات.
وإن كنتم تقصدون بقديم أنه ليس موصوفاً بالصفات، فنقول: هذا فهم باطل؛ لأن لله وصف نفسه بالصفات، ولا يمكن أن يصف نفسه بالباطل، ولو كان الحق هو المعنى الغامض الذي جئتم به، وهو أن له علماً وعلمه هو ذاته، وأنه سميع وسمعه هو ذاته لنص عليه القرآن.
стр. 138
الرد على دليل تعدد القدماء بنقد مصطلح (ذات)
الرد الرابع: نقول: إنكم قلتم إن القديم هو ذات الله فقط، فنقول: كلمة (ذات) مؤنث (ذو) في لغة العرب، وذو في لغة العرب بمعنى صاحب، وكلمة (ذو) لا يصح أن تستخدم بدون إضافة، فأنا مثلاً أقول: رجل ذو عينين، وامرأة ذات علم، ورجل ذو مال، وامرأة ذات جمال، وهكذا، ولو أن إنساناً جاءك يريد أن يخبر فقال لك: فلان ذو، لقلت: ذو ماذا؟ وإذا قال لك: فلانة ذات، لقلت: ذات ماذا؟ لأنه لم يكمل الجملة.
وحينئذ نقول: إن كلمة (ذات) مصطلح جديد استخدم في غير محله في اللغة العربية، فإن (ذات) لابد أن تضاف، فأنت تقول: ذات علم وذات كرم وذات يد وذات عين وذات كذا، أما أن تقول: (ذات) ثم تسكت فهذه جملة غير مفهومة، ولا يمكن أن يكون لها معنى محدد، ولهذا تلاحظون أن أهل البدع عندما ناقشوا أهل السنة انحرفوا في جهات متعددة، انحرفوا في المصطلحات، وانحرفوا في العقائد، وانحرفوا في اتخاذ مصادر جديدة لتلقي العقائد غير المصادر الشرعية، وانحرفوا حتى في اللغة، فهم يستخدمون الكلمات في غير معانيها اللغوية، ولهذا تخبطوا تخبطاً كبيراً.
وحينئذ نقول: هذا الدليل الذي استدللتم به، وهو أن وصف الله لنفسه بالصفات يستلزم تعدد القدماء، هذه شبهة ضالة منحرفة لا فائدة منها، فإن وصف الله بالصفات لا يعني تعدد الآلهة، فإن هذه الصفات ليست آلهة مستقلة، وإنما هي صفات لموصوف واحد.
стр. 139
معنى دليل التركيب عند المتكلمين والرد عليه
стр. 140
الدليل الثاني للمتكلمين هو دليل التركيب
فهو الدليل العقلي الثاني من الأدلة المسماة: قواطع عقلية، يعني: هم عندما يتكلمون يقولون: وهذا الأمر تحيله القواطع العقلية، ويقصدون بالقواطع العقلية هي هذه التي ذكرناها.
فالشبهة الثانية هي شبهة التركيب، وشبهة التركيب هي التي نفوا من أجلها الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله ، وهذه الشبهة تشمل المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، لكن اختلفوا في التطبيق كما سيأتي.
حقيقة هذه الشبهة هي أنهم قالوا: إن وصف الله بالصفات يلزم منه أن الله مركب من مجموعة صفات، فإذا قلنا: إن لله يدين، وإن له قدماً، وإن له علماً، وإن له سمعاً، فإذاً هو إله مركب من هذه الأشياء.
يقولون: والتركيب يفتقر فيه الجزء إلى جزئه، فإذا افتقر فيه الجزء إلى جزئه دل ذلك على النقص، وهذا لا يمكن أن يكون في صفات الله ، وبناءً على هذا فلا نصف الله بهذه الصفات التي يلزم منها تركيب الله من هذه الصفات.
وهم لما جاءوا إلى التطبيق على الصفات الموجودة في القرآن والسنة، فالمعتزلة نفوا جميع الصفات بدون استثناء، وقالوا: إن إثبات الصفات العقلية مثل: العلم والحياة والسمع والبصر يستلزم التركيب، وإن وصف الله بالصفات الذاتية مثل: اليدين والعينين والقدم والساق وغير ذلك من الصفات تستلزم التركيب أيضاً.
فجاء الأشاعرة وفرقوا بين الاثنين، وقالوا: لا، الصفات العقلية مثل: العلم والسمع والبصر والحياة والكلام والإرادة لا تستلزم التركيب، وأما الصفات السمعية التي هي العينان واليدان والقدم فهذه تستلزم التركيب فيجب أن ننفيها.
والمعتزلة والأشاعرة بينهم صراع كبير في هذه الصفات السبع التي أثبتها الأشاعرة، وهي: العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، فالمعتزلة ينفون هذه الصفات جميعاً، ويقولون إنها تستلزم تعدد القدماء، فيرد عليهم الأشاعرة فيقولون: لا تستلزم تعدد القدماء، وإنما هي صفات من لوازم الموصوف وهو الله ، فلابد أن يكون حياً، ولابد أن يكون عالماً، ولابد أن يكون قديراً، ولابد أن يكون بصيراً، وهكذا.
وكلام الأشاعرة في ردهم على المعتزلة حول هذه الصفات رد صحيح، حتى إن عندهم ردوداً لطيفة جداً يقولون: إن الواقع والحياة فيها مسموعات ومبصرات ومقدورات ومرادات، فإما أن تثبتوا الصفات لوجود أثرها، أو تنفوا الأثر، فإذا نفيتم القدرة يلزمكم نفي المقدور، وإلا فكيف حصل هذا المقدور؟ ويستدلون بوجود المقدور على وجود القدرة، وبوجود المعلوم على وجود العلم، وبوجود المراد على وجود الإرادة، وبوجود المسموع على وجود السمع، وبوجود المبصرات على وجود صفة البصر وهكذا، فيستدلون بالمحدثات المخلوقات على وجود مقتضياتها من الصفات.
والنقاش مع الأشاعرة في إثبات الصفات التي ينفونها سهل جداً، نقول: إن وجود الرحمات في الأرض، رحمة المحتاج والفقير والمسكين يدل على صفة الرحمة، قالوا: لا يدل عليها، قلنا: وكذلك المقدور لا يدل على القدرة من الناحية الجدلية، فقالوا: بل يدل عليها، ففرقوا بين المتماثلات، فبين لهم أهل السنة والجماعة أنهم منحرفون في هذه المسألة، قالوا: كيف تفرقون بين الأمور المتماثلة؟ هذا من جهة الاستدلال العقلي المجرد، وأما من جهة النصوص الشرعية فهم لا يرجعون إليها أصلاً؛ لأنهم لا يعتقدون أنها مصدر مستقل في تلقي العقائد.
نعود إلى مسألة التركيب، فالمعتزلة يعممون هذا الدليل الذي هو التركيب على جميع الصفات، فينفون به صفات المعاني العقلية التي سبق أن ذكرناها، وينفون به أيضاً الصفات الذاتية التي سبق أن ذكرناها، بينما الأشاعرة يميزون ويقولون: الصفات العقلية التي يسمونها صفات المعاني ليست داخلة في التركيب، ولا تستلزم التركيب، بينما الصفات الذاتية تستلزم التركيب.
وللرد على هؤلاء نقول: أولاً: بالنسبة للمصطلحات سبق أن تحدثنا عنها، وقلنا: هذا مصطلح جديد يتضمن معاني جديدة مخالفة للنصوص الشرعية فلا نقبله من جهة اللفظ، ولا نقبل جميع معانيه.
ثانياً: أن وصف الله بهذه الصفات لا يستلزم التركيب؛ لأنكم إذا كنتم تعتقدون أنها تستلزم التركيب فهذا باطل وخطير في مجال العقائد، وهذا لا يقول به أهل السنة، فهذه الصفات لا أول لها، كما أن الله لا أول له، وهي ليست ذوات مستقلة، بل هي صفات لموصوف واحد وهو الله .
وإن كنتم تقصدون بالتركيب من حيث الفهم أن صفة اليد ليست هي صفة الساق وليست هي صفة العينين، فهذا لا إشكال فيه من جهة المعنى، وتسميتك له تركيباً باطل، فالتسميات التي يطلقها الناس لا تغير الحقائق، فالحقائق أنها صفات لموصوف واحد وصف الله بها نفسه وهي صحيحة وحقيقة ولا إشكال فيها، فإذا سميتها تركيباً نقول: إن أردت بها أن أحداً ركبه فهذا باطل، فإن الله متقدس متنزه عن هذا المعنى الباطل، وإن كنت تعني أن بعضها يختلف عن بعض فهذا معنى صحيح.
فإذا جاء أحد مثلاً وسمى الربا فوائد، هل يصبح فوائد؟ لا يصبح فوائد، بل هو ربا محرم، وإذا جاء أحد وسمى
стр. 141
معنى دليل منع حلول الحوادث عند المتكلمين والرد عليه
стр. 142
معنى دليل منع حلول الحوادث والرد عليه بالجملة
الشبهة الثالثة: هي شبهة منع حلول الحوادث بذات الله .
وهذه الشبهة نفوا بها الصفات الفعلية، مثل صفة النزول، والاستواء، وصفة المجيء، والإتيان، ونحوها من الصفات الفعلية، وهي التي يفعلها الله متى شاء وكيف شاء، على الوجه الذي يشاؤه .
قالوا: هذه الصفات لا يصح أن يوصف الله بها؛ لأنها تستلزم حلول الحوادث بذات الله، والحال هنا هو نفس الحال هناك، نقول: ماذا تعنون بالحادث؟ قالوا: نعني بالحادث وجود الشيء بعد أن لم يكن موجوداً، قالوا: فإذا قلنا ينزل الله هذه الليلة، ثم ينزل الليلة التي بعدها، فنزوله الليلة التي بعدها لم يكن موجوداً سابقاً فيلزم منه وجود حادث في الله ، وهذا لا يصح أن يوصف به الإله .
قلنا: هذا باطل؛ فإن الله وصف نفسه بهذه الصفات، ووصفه بها رسوله ﷺ ، وما سميتموه أنتم معنى حادثاً، وهو وجود هذه الصفة بعد أن لم تكن موجودة لا نقص فيه بالنسبة للإله، فلا مانع من أن يتكلم الله الآن، ويتكلم بعد سنة، ويتكلم يوم القيامة، ويتكلم إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وليس فيه نقص.
قالوا: هذه فيها حدوث بذات الله، قلنا: هذه الكلمة جديدة لم نعرفها في النصوص الشرعية، فماذا تعنون بالحدوث؟ قالوا: الحدوث هو وجود الشيء بعد أن لم يكن موجوداً.
قلنا: ولا مانع منه حتى لو وجد الشيء بعد أن لم يكن موجوداً سابقاً؛ لأن الله له إرادة يفعل الشيء متى شاء ، في الوقت الذي يشاء.
قالوا: لكن أنتم إذا قلتم بهذا القول فمعنى هذا أنكم تبطلون حدوث العالم! قلنا: وماذا تعنون بحدوث العالم؟ إذا كنتم تعنون أن العالم مخلوق فإن صفة الله التي تكون بعد أن لم تكن موجودة سابقاً ليست خلقاً، وإنما هي صفة يفعلها الله في الوقت الذي يشاؤه ، والعالم مخلوق وهو أثر من آثار خلق الله له، والمخلوق ليس كالخالق.
ولهذا فإن اضطراب المصطلحات عند هؤلاء جعلهم يتلاعبون بالنصوص الشرعية، بناء على مصطلحاتهم التي استخدموها، فهم جاءوا إلى المنكرين لوجود الله ، فأرادوا أن يثبتوا لهؤلاء المنكرين وجود الله ، فركبوا لهم دليلاً صعباً غامضاً وعر المسالك، فيه فقرات يخالفهم فيها كثير من العقلاء، وسموه دليل حدوث العالم، هذا الدليل دليل يتيم عندهم، وهو أبرز دليل من أدلة أهل الكلام على إثبات وجود الله ، فأي قدح في هذا الدليل بأي وجه من الوجوه ينفونه دفاعاً عن هذا الدليل.
ولهذا عندما تحدث الإمام الشاطبي ﵀ في كتاب (الاعتصام) عن مأخذ أهل البدع في الاستدلال ذكر قاعدة لطيفة جداً، وهي: أن أهل البدع يقعدون المسألة التي يريدونها ويقررون فيها حكماً قبل النظر في الكتاب والسنة، ثم ينظرون في الكتاب والسنة، فما وجدوا أن ظاهره يخالف ما ذكروه وما أصلوه أولوا نصوص الكتاب والسنة حتى توافق ما أصلوه وقعدوه.
وهذا تلاعب بالكتاب والسنة، وهذا لاشك أنه ضعف في التسليم للكتاب والسنة، فالله يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
والله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠] وهو أهواؤهم وعقولهم، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠].
إذاً: لا يصح للإنسان أبداً أن يقعد القاعدة ويطلق فيها الحكم قبل النظر في الكتاب والسنة.
هؤلاء جاءوا وأرادوا أن يثبتوا وجود الله بالعقل، فقعدوا هذا الدليل الذي سموه دليل الأعراض، أو دليل حدوث العالم، وكل صفة من الصفات تعارض هذا الدليل في الظاهر فإنهم يؤولونها ويحرفونها عن معناها الحقيقي، وكان الواجب ألا يعتمدوا على دليل واحد، لأن وجود الله أمر واضح، ومن حكمة الله أن الشيء إذا كان واضحاً هيأ له أسباباً كثيرة جداً غير محصورة، فهل تتصورون قضية حساسة مثل قضية وجود الإله لا يكون عليها دليل إلا دليلاً واحداً يخترعه أبو الهذيل العلاف من المعتزلة، ويقلده عامة المعتزلة فيه، ثم يصير إليه عامة الأشاعرة؟ فهل كان أبو بكر الصديق لا يعرف هذا الدليل وغيره من الصحابة ومن أهل العلم، حتى تأتوا أنتم وتستدلوا بهذا الدليل، وقد ناقشوا المشركين وناقشوا الملاحدة وبينوا لهم الحق بدون هذا الدليل؟ ثم إن موضوعاً كموضوع إثبات وجود الله من الوضوح بحيث إنه لا يجوز أن يكتفى
стр. 143
المقدمات التي يتركب منها دليل منع حلول الحوادث والاستدلال به على أن الله هو الخالق
إن دليل منع حلول الحوادث الذي استخدمه أهل البدع يبنونه على ثلاث مقدمات: المقدمة الأولى: إثبات أن هذا العالم حادث.
المقدمة الثانية: إثبات أن كل حادث لابد له من محدث.
المقدمة الثالثة: أن المحدث هو الله .
فإذا جاءوا إلى إثبات حدوث العالم، قالوا: العالم ينقسم إلى قسمين: جواهر وأعراض.
الجواهر: هي التي تقوم بذاتها.
والأعراض: هي التي تقوم بغيرها.
مثال الجواهر: الجوهر الفرد، وسيأتي معنا الحديث عنه، فإنه لا يتجزأ، ومثال الجواهر أيضاً: الأمور التي تقوم بذاتها مثل الكتاب والإنسان وأي شيء يقوم بذاته، فهذا يسمى عندهم جوهراً.
أما الأعراض فجمع عرض، وهذا العرض هو الذي يقوم بغيره ولا يمكن أن يكون منفصلاً عن الجوهر، مثل: الألوان والطعوم والروائح، وهذه لا يمكن أن تقوم بذاتها.
فمثلاً: رائحة العطر، هل يمكن أن يكون مستقلاً بذاته هكذا؟ لا، كذلك: هل البياض ممكن أن يكون بياضاً لوحده مستقلاً؟ لابد أن يكون مركباً مع غيره.
فيقولون: إننا سبرنا هذا العالم الموجود فإذا هو مكون من جواهر وأعراض، ثم يستدلون على حدوث الجوهر، وعلى حدوث العرض، فيستدلون على أن الجوهر حادث، فيقولون: إن الجوهر مفتقر إلى غيره؛ لأن الجسم يتكون من مجموعة جواهر، والجوهر إذا قسمته أجزاء بسيطة وصغيرة، فإنك ستجد أنه مقسم إلى ذرات صغيرة، وهذه الذرات الصغيرة يتركب بعضها مع بعض حتى تكون الجسم، وتركب بعضها مع بعض يدل على حدوثها، والسبب في دلالته على حدوثها أن كل جزء من هذه الأجزاء مفتقر إلى الجزء الآخر المكون للجسم بشكل عام، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية: فإن الجوهر لا يمكن أن يعرف إلا إذا تلبس به العرض، والعرض حادث، وما قام به الحادث فهو حادث، هذا الاستدلال على حدوث الجواهر.
وأما الأعراض، فيقولون: الأعراض هي حادثة ولابد؛ لأنها محتاجة إلى غيرها، فاللون محتاج إلى جسم حتى يتضح، وهكذا الروائح، وهكذا الطعوم، فهي بحاجة إلى غيرها، وهذا الاحتياج يدل على افتقارها، والافتقار يدل على حدوثها.
إذاً: تحصل من هذا أن العالم حادث.
المقدمة الثانية: لابد من إثبات أن أي أمر حادث لابد له من وجود محدث وراءه.
وهذه مقدمة فطرية عند الإنسان، فالطفل الصغير إذا كان متجهاً إلى جهة وحركته التفت مباشرة؛ لأنه مفطور على أنه لا يمكن أن يحصل شيء إلا بسبب.
فاستدلوا عليها بما يسمى قياس الغائب على الشاهد، قالوا: إن المشاهد أن كل حدث لابد له من محدث، وهذه قضية فطرية ليس فيها مشكلة، لكن يتعبون حين يستدلون بالعقل حتى يصلوا إليها.
المقدمة الثالثة: أن محدث العالم هو الله : كيف يستدلون على هذه المقدمة؟ يسمون الدليل الذي يستخدمونه: دليل السبر والتقسيم، فيستعرضون أنواع المحدثات الممكنة المحتملة، فيقولون: هل من الممكن أن يكون العالم أحدثته الطبيعة هكذا؟ لا يمكن، والدليل على ذلك أن هذا النظام الموجود لابد أن يكون وراءه مدبر، له علم وله كذا وله كذا حتى يكون محدثه، هذا أولاً.
فهل يمكن أن تُكوِّن هذه المحدثات بعضها بعضاً إلى ما لا نهاية؟ قالوا: لا يجوز.
وهل يمكن أن يكون أحد غير الله محدثاً لهذا الكون، مثل الآلهة المزعومة؟ قالوا: لا يصح، ويستدلون على هذه القضية.
بعد هذه المقدمات الطويلة فالنتيجة تساوي أن الله موجود.
стр. 144
الردود على مقدمات أهل البدع في حلول الحوادث
ووجه الاعتراض على هذا الدليل من عدة جهات: الجهة الأولى: أن المعنى المستدل عليه أوضح من الدليل: لأن الدليل فيه تعقيدات، والمعنى المستدل عليه -وهو وجود الله- واضح لا يحتاج أن تستدل عليه بهذه التعقيدات، فهو موجود فطري في نفس الإنسان، وقد دل على وجوده في نفس الإنسان من حيث الفطرة القرآن، والسنة، والأدلة العقلية.
وهذه القضية لها مجال طويل جداً وهو فطرية معرفة وجود الله ، وقد تحدث عنها ابن تيمية ﵀ في مجلد كبير من كتاب (درء تعارض العقل والنقل).
الجهة الثانية: أن هناك أدلة أوضح من هذا الدليل الذي استخدمتموه وأحسن منه يمكن الاستدلال بها: كقوله : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، فهذا دليل قرآني كاف في الاستدلال على وجود الله ، فإن الإنسان يعرف من نفسه أنه إما أن يكون خُلِقَ من غير شيء، وهذا مستحيل تأباه الفطرة، ويأباه العقل، وإما أن يكون هو الذي خلق نفسه، وهذا أوضح في الاستحالة؛ لأن العبد يعرف أنه ليس هو الخالق لنفسه، وبناءً على هذا يكون الله هو خالقه، وهذا أسهل وأوضح وأبين، ولا يستلزم لوازم باطلة كنفي الصفات.
الجهة الثالثة: أن الدليل إذا استلزم مدلولاً باطلاً فهو دليل على بطلانه: فالدليل الصحيح يستلزم ملزوماً صحيحاً، فإذا كان الدليل يستلزم ملزوماً باطلاً فهذا دليل على بطلان الدليل نفسه، ولهذا نفى المعتزلة بسببه الرؤية، ونفى جميع المعتزلة والأشاعرة الصفات، ونفوا أيضاً بسبب هذا الدليل كثيراً من القضايا المجمع عليها، حتى إن بعض المعتزلة يقول بانقطاع حركات أهل الجنة، وإنه ستكون هناك فترة على أهل الجنة يتوقفون فيها عن الحركة.
فبعض الناس لما ألزمه باللوازم قال: إنه يلزم من هذا أن الرجل إذا كان قد أخذ اللقمة وأراد أن يضعها في فيه فإنه يقف هكذا، فقال المعتزلي: لابد أن تتوقف هذه الحركات؛ لأنه إذا لم تتوقف فتستلزم أن هذه المحدثات لا نهاية لها، وهذا قدح في الألوهية على حد تعبيرهم ومناقشتهم، فالتزم بانقطاع حركات أهل الجنة، وأنه لا يمكن أن تستمر إلى المستقبل الذي لا نهاية له.
ويستلزم لوازم باطلة كثيرة جداً، وهذا يدل على بطلان الدليل.
الجهة الرابعة: أن هذا الدليل فيه بعض المسائل فمثلاً: قولهم بأن الأجسام تتكون من جواهر، وإذا قسمت هذا الجسم فإنك لابد أن تصل إلى إحدى حالتين: الأولى: إما أن تقسم إلى ما لا نهاية، وهذا مستحيل؛ لأن هذه الدنيا محدودة لابد أن يكون لها نهاية.
الثانية: أن تصل إلى جزء لا يتجزأ، وهذا الجزء الذي لا يتجزأ سموه: الجوهر الفرد، وهو الذي يتركب منه الجسم.
فناقشهم الناس، لأن بعضهم يرى أن أصل الدين هو الإيمان بالجوهر الفرد الذي تتكون منه الأجسام، فإذا تكونت الأجسام استدللنا بالجسم على حدوث العالم.
ويمكن أن نناقش هذه المسألة فنقول: هذا الجوهر الذي وصلتم إليه لو أننا الآن قسمنا الكتاب وقسمنا وقسمنا وقسمنا حتى نصل إلى جزء لا يتجزأ، ويصبح الكتاب أجزاء بسيطة لا تتجزأ، وهذه الأجزاء يتكون منها هذا الكتاب بأكمله، فنقول: هذا الجزء الصغير الذي لا يتجزأ لها جهات، فالجهة الأولى يمكن أن نطلق عليها (أ) والجهة الثانية نطلق عليها (ب)، وهذا يدل على أنه يمكن انقسام هذا الجوهر الصغير الذي لا يتجزأ، فإذا جئنا إلى الجوهر الصغير الآخر الذي تقولون: إنه لا يتجزأ، نقول: مجرد إثباتكم لتركب هذا الجزء مع جزء آخر دليل كاف على انقسام هذا الجزء؛ لأن هذا الجزء الصغير إذا تركب مع هذا الجزء الصغير دل على أن له طرفين: الطرف الأول: مع هذا الجزء، والطرف الثاني: مع الجزء الآخر، فينقسم حينئذ.
ولهذا اختلف الناس في قضية الجوهر الفرد اختلافاً كبيراً جداً، وعامة المتكلمين يقولون: إن الأجسام مكونة من الجوهر الفرد، وإن هناك جزءاً لا يتجزأ وهو الجوهر الفرد، وخالفهم إبراهيم النظام وكان من دهاة العالم لكن أضله الله والعياذ بالله، ولهذا يكفره كثير من الطوائف، حتى من المعتزلة، وهذا النظام التزم بأن التقسيم يستمر إلى ما لا نهاية، يقول: إذا أخذت مثلاً: كتاباً وقسمته فسينقسم، وينقسم وينقسم وينقسم إلى ما لا نهاية، يعني: كلما قسمت فإنك ستصل إلى جزء قابل للقسمة؛ لأنه يتصور هذا النقد الذي وجهناه للدليل الذي ذكرناه.
والحق في هذه المسألة من الناحية العقلية المجردة أنه لا يستلزم عند الانقسام أن نصل إلى جزء لا يتجزأ، ولا يستلزم تجزؤاً إلى ما لا نهاية له، وإنما الشيء إذا قسمته ينتقل إلى غيره ويستحيل إلى غيره، ولا يسمى بنفس الاسم السابق، فمثلاً الماء إذا جاءت عليه الشمس تبخر وصار جسماً آخر.
وهذه النظرية ذكرها ابن تيمية ﵀ في أكثر من كتاب، وسماها: نظرية الاستحالة، يعني: أن هذا الجزء يستحيل إلى جزء آخر، وإلى شيء آخر، وقد يفنى ويذهب ويصبح لا وجود له، وقد ينتقل إلى شيء آخر غير الجسم السابق الذي كان موجوداً.
ولهذا كان من الأمور
стр. 145
بطلان استدلال المتكلمين بدليل التشبيه والتمثيل
أما دليل التشبيه والتمثيل فقد سبق أن أشرنا إليه: وهو أنهم يرون أن كل هذه الصفات إذا أثبتناها تستلزم مشابهة الله للمخلوقات، ونحن ذكرنا أن إثبات الصفات لله لا تستلزم مشابهة الخالق سبحانه للمخلوق في شيء، وربما يأتي لها موضع آخر بإذن الله تعالى.
الذي أريد أن أصل إليه هو أن هؤلاء اعتمدوا في نفي الصفات على الأدلة العقلية التي سبق أن ذكرناها، وأنه لم يكن نفيهم لهذه الصفات بسبب التباس بعض الأدلة الشرعية في أذهانهم، ولكن الذي حصل هو الاستدلال بالأدلة العقلية هذا أولاً.
ثانياً: أن هذه الأدلة العقلية مخالفة للحق من ثلاث جهات: من جهة اللغة، فقد استخدموا معاني جديدة غير موافقة للغة، كالتركيب والانقسام، وأيضاً التوحيد استخدموه في معان غامضة ما كان العرب يعرفونها.
ومن جهة ثانية هي مخالفة للشرع، ومن جهة ثالثة مخالفة للعقل.
ولهذا عندما تحدثنا عن شبهة التركيب قلنا: إما أن يقصدوا أن غير الله ركبه، وهذا لاشك أنه باطل، وهم لا يقصدونه، وإما أن تكون هناك اعتبارات ذهنية في فهم التركيب، وأن اليدين جهة، والعين جهة أخرى وهكذا، وهذا التركيب الذهني لا يصح أن ننفي الصفات من أجله.
следующие страницы →