← Акыда

Акыда · id 37798

شرح الحموية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (172 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تعلم الأسماء والصفات واجب على المسلم للرد على أهل البدع السؤال ما رأيك فيمن يقول: إن تعلم الأسماء والصفات لا يجدي، ولا الخوض فيها، ومعرفة أقوال المخالفين والرد عليهم، وإنما الاقتصار على كلمة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]؟ الجواب المشكلة أن كثيراً من الناس يتكلمون بغير علم، ولو أن كل إنسان ليس عنده علم سكت -حتى لو كان كبيراً وحتى لو كان شخصيةً معروفة- لارتاحت هذه الأمة، ولارتاح هو وأراح الناس، لكن المشكلة أن مثل هذه العبارات تخرج من أشخاص لم يفهموا العلم ولم يدرسوه ولم يقرءوه، ولا فهموا مقاصده، فتجد أنه شخص سطحي بسيط تربى على كتب المثقفين، وعلى بعض الكتابات التي كتبها بعض شيوخه وأساتذته، فإذا جاء إلى موضوع عميق في أصول الدين مثل موضوع الأسماء والصفات تكلم فيه بمثل هذا الكلام. كيف يقول هذا الرجل: إن تعلم الأسماء والصفات لا يجدي مع أن القرآن والسنة مليئان بالأسماء والصفات، فلو جمعنا الآيات الموجودة في القرآن التي فيها أسماء وصفات لزادت عن نصف القرآن، فقوله: يعني أن نصف القرآن أو ثلث القرآن غير مهم، ولا يجدي تعلمه، كيف يقول مثل هذا القول؟ ثم يقول: ولا الخوض فيها، مع أننا نعلم أن هذه من أصول الإيمان، كيف لا يجدي الخوض في صفات ربك الذي تعبده؟ كيف لا يجدي الخوض في أسماء ربك التي سمى بها نفسه؟ لكن الخوض بالحق وليس بالباطل، فإن قصد أنه لا يجدي الخوض فيها بالباطل، فنحن لا نقول: لا يجدي، بل نقول: هذا بدعة وضلالة، وقد تصل بالإنسان إلى الكفر. ولهذا فإن هذه القضية قضية حيوية؛ لأنها متعلقة بالمعبود الذي نعبده، والذي نصلي له كل يوم، ونصوم له، ونتعبد له ، فهي قضية حيوية ومهمة، وقد امتلأت بأسمائه وصفاته نصوص القرآن والسنة، حتى الآيات المتعلقة بالأحكام الفقهية بالحيض والنفاس، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فهذه فيها صفة المحبة، هل الله يحب؟ نعم، كما تدل عليه نصوص أخرى، فعندما يأتيني جهمي ويقول: إن الله لا يحب، فإني أرد عليه وأقول: إن عقيدتك باطلة وفاسدة، فلا شك أن هذا الإنسان تكلم في هذه المسألة بغير علم، ولو أنه قرأ كتب أهل العلم، وفكر في المسألة، وراجع القرآن والسنة لما قال مثل هذا الكلام.

стр. 72

معرفة بطلان بعض الأحاديث من حيث اللفظ أو المعنى السؤال نرجو التوجيه بالحديث الذي ينسبونه للرسول ﷺ : (ما وسعتني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن)؟ الجواب هذا حديث باطل ليس بصحيح، ويمكن مراجعة كتاب المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، للإمام السخاوي ﵀، فقد ذكر هذا الحديث وبين بطلانه.

стр. 73

مشاركة المفوضة للكافرين في مقالتهم لا يعني تكفيرهم السؤال أشكل علي قول ابن تيمية ﵀ في ثنايا قوله في الرد على مقولة المفوضة: شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، فهل يرى ابن تيمية ﵀ تكفير أصحاب هذه المقالة؟ الجواب لا يلزم من قول ابن تيمية هذا أنه يكفر أصحاب هذه المقالة، لكن المقصود: أن هؤلاء شاركوا الكافرين في مقالتهم، ثم الحكم عليهم يحتاج إلى وجود الشروط التامة فيهم، وانتفاء الموانع عنهم حتى يكونوا من الكافرين، ولهذا قد يشارك الإنسان أحياناً إبليس في صفة الحسد والكبر، فلا يكون مثل إبليس مائة بالمائة. وهكذا لما شاركوا هؤلاء الكفار في هذه الفكرة لا يلزم أن يكونوا كفاراً مثلهم، وبعض الناس الآن قد يشارك بعض الكفار في بعض الصفات، سواء كانت صفات خلقية أو خلقية، فيصح أن يقال: شاركوا الكفار في كذا، ولا يلزم من هذا التكفير. أما قوله: (إخوانهم)، فلا يلزم من ذلك أنه يكفرهم، لأمرين: لاحتمال أن يقصد بإخوانهم: أصحابهم ممن ناقشوهم وناظروهم، فإن الله يقول: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ [الأحقاف:٢١]، وليس مقصوده أنه أخوهم في الدين، وإنما المقصود: صاحبهم في السكن، وفي النسب، وفي الدعوة والإصلاح، هذا من وجه. والوجه الثاني: أنه ربما أراد ابن تيمية ﵀ التنكيل بهم؛ لأنهم شاركوا الكافرين، فنسبهم إليهم في مثل هذه الحالة، والمقام الذي تحدث عنه ابن تيمية ليس مقام حكم، ولهذا لا يصح أن نأخذ من كلام أهل العلم أحكاماً وهو ليس في سياق الأحكام، فقد نفهم أن هذا الكلام جاء به ابن تيمية وكتبه وهو مغضب على هؤلاء، وليس قصده تقرير الحكم الشرعي فيهم، فإنه إذا أراد أن يقرر الحكم الشرعي فيهم تغيرت طريقته بالمرة، وحينئذ لا يصح أن يقتنص الإنسان كلمة ويقول: إن ابن تيمية يكفرهم، هذا لا يصح، وقد تكلم ابن تيمية على مسألة تكفير الفرق في رسالة له مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى.

стр. 74

بيان المقصود بأصول أهل السنة والجماعة السؤال كثيراً ما نسمع عن أصول أهل السنة، ومن ذلك: طاعة ولي الأمر، فما هي أصول السنة والجماعة، وكم عددها؟ الجواب المقصود بأصول أهل السنة والجماعة القواعد العامة في الأبواب المتنوعة التي يعتقدها أهل السنة رضوان الله عليهم، ففي باب الإيمان بأسماء الله لهم أصول، وفي الإيمان بالصفات لهم أصول، وفي الإيمان بالقدر لهم أصول، وفي الإيمان بالملائكة والغيبيات لهم أصول، وفي الإيمان بالبعث واليوم الآخر لهم أصول، وهكذا لهم أصول متنوعة، ويمكن أن نعرفها من خلال الدراسة والبحث والاستقصاء، وهي ليست محصورة في عدد معين؛ لأن التقسيم العلمي يختلف من كاتب إلى آخر، فقد يضم بعض العلماء أصلين أو ثلاثة أصول ويجمعها سوياً ويجعلها تحت أصل واحد، وبعضهم قد يوزعها ويفرقها، فالسؤال عن العدد لا يمكن الإجابة عنه؛ لأن طريقة أهل العلم تختلف من كتاب إلى كتاب آخر، لكن هذا هو المقصود.

стр. 75

كيفية الرد على العصريين في قولهم: إن السلف الصالح سطحيون السؤال كيف نرد على العصريين وانتقادهم للسلف الصالح، وقولهم: إنهم سطحيون؟ الجواب هذا قول باطل؛ لأن السلف الصالح ليسوا سطحيين، عرفنا ذلك من خلال هذه الحضارة الكبرى التي أسسها السلف رضوان الله عليهم، منذ زمن الصحابة رضوان الله عليهم إلى يومنا المعاصر، فإن هذه الحضارة لا يمكن أن تنتج عن سطحيين في مجال السياسة، وفي مجال المال، وفي مجال الدعوة والإصلاح، وفي مجال التعليم، فقد كانت بغداد فيها أكثر من ثلاثة مليون نسمة، وفي الوقت نفسه كانت باريس ليس فيها إلا ثلاثة آلاف نسمة، فضلاً عن الجامعات الكبرى التي كانت موجودة في بغداد، والجهل الذريع الذي كان موجوداً في باريس، ونحن لا يهمنا أن نقارن أنفسنا بالغرب، فالغرب لا يستحق أن نقارن أنفسنا بهم، لكن نقول هذا الكلام في الرد على العصريين؛ لأنهم يعظمون الغرب، ولأنهم يرون أن الحضارة هي حضارة الغرب، نقول: هذه الحضارة الضخمة الكبيرة التي بناها المسلمون هل تنتج عن سطحيين؟ لا يمكن أن تنتج عن سطحيين.

стр. 76

شرح الفتوى الحموية [٦] ظهرت المذاهب الضالة والمنحرفة بسبب تبني كثير من أبناء المسلمين لعلم الكلام والفلسفة اليونانية وعلم المنطق، وأصبح لدى كثير من المفوضة فكرة أنَّ طريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذا قول باطل، وقد عرف كثير من المتكلمين الحق ورجعوا إليه، لما في علم الكلام من شكوك وضلال وحيرة.

стр. 77

علم الكلام

стр. 78

تعريف علم الكلام انتهينا في الدرس الماضي من موضوع بطلان مذهب أهل التفويض، وقلنا: إن مذهب أهل التفويض مبني على أن ظواهر النصوص الشرعية من الكتاب والسنة ليست مقصودة، وإنها ليست على ظاهرها، وإن ظاهرها غير مراد، ومبني أيضاً على أنها ليست لها معانٍ مفهومة يمكن أن يفهم الإنسان لها معانٍ توضحها وتبين حقيقتها. وأيضاً تحدثنا عن إبطال المقالة المشهورة وهي المقالة التي جاء بها أهل الكلام من المتأخرين، وهي قولهم: إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وقرأنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وبينا الرد على هذه الفرقة وعلى هذه الطائفة، وفي أثناء رد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على هذه الطائفة نبه إلى أن هؤلاء الخلف هم أهل الكلام الذي ذمه السلف الصالح رضوان الله عليهم، والذي فيه المقالات الباطلة المشهورة، والذي رجع كثير من أصحابه عن أقوالهم وعن عقائدهم، ومن هنا كانت هذه نقطة مهمة تحتاج إلى وقفة وتحتاج إلى تأمل، ولهذا اعتبرناها وحدة موضوعية مستقلة، وقد سبق أن قسمنا الكتاب إلى مجموعة من الوحدات الموضوعية، فمنها ضلال المتكلمين وحيرتهم وشكهم واضطرابهم. وأول ما ينبغي أن نبدأ به هو تعريف علم الكلام فنقول: علم الكلام: هو علم يبحث في أصول الدين بالطرق العقلية والجدلية، ويزعم أصحابه أنهم يصلون إلى اليقين من خلاله. والذين عَرَّفوا علم الكلام هم أصحابه؛ ولهذا مدحوه، فتجد أن الإيجي يعرف علم الكلام: بأنه علمٌ يبحث في أصول الدين بالدلائل اليقينية، ويعرفه غيره بقريب من هذا التعريف، كـ التفتازاني مثلاً في شرح العقائد النسفية، وأيضاً في شرح المقاصد، وغيرهم يعرفونه ويمدحونه ويثنون عليه. وهم في تعريفهم له على منهجين، منهج يصور علم الكلام بأنه علم العقائد وعلم أصول الدين وعلم التوحيد، ومنهج آخر يصور علم الكلام بأنه علمٌ للدفاع عن قضايا العقيدة بالمنهج العقلي.

стр. 79

نشأة علم الكلام أما نشأة علم الكلام فإن أصحاب علم الكلام يقولون: إنه نشأ من كلام الرسول ﷺ ومن الآيات القرآنية، وإنه تطور بعد ترجمة الكتب اليونانية. هكذا يصورونه! والحقيقة أن علم الكلام علمٌ نشأ بسبب العلاقة التي حصلت بين أبناء البلدان المفتوحة من أصحاب الديانات المختلفة وبين بعض المسلمين، عندما انتشرت الفتوحات الإسلامية، ودخل الفرس والهند في دين الله، ودخلت ممالك كبيرة في دين الله ، كانت هذه الأماكن لها أديان وتصورات وأفكار ومناهج وعقائد، فبقي بعضهم على ما هم عليه، وآمن بعضهم بهذا الدين الحق والتزمه بصدق وعقيدة، وبعضهم أظهر الالتزام بالإسلام نفاقاً. فظهرت طائفة من المسلمين تناقش الطوائف والأديان والعقائد والفلسفات المختلفة التي واجهها المسلمون، فظهر من ناقش السومنية وهم طائفة من الهنود، وظهر من ناقش الزرادشتية مثلاً، وظهر من ناقش فلاسفة اليونان، وغيرهم من أصحاب المذاهب والفلسفات المختلفة، الذين ظهروا لمناقشة هؤلاء، وليس هم أهل الحديث وأهل العلم الأئمة الكبار الذين كان لهم قدم صدق في الأمة، وكانت الأمة ملتفة حولهم، وإنما هم مجموعات بسيطة من الذين يهوون العقليات، وتأثروا بالجلوس مع أبناء البلدان المفتوحة، ولم يكونوا من أهل العلم. وبرز منهم أشخاص اشتهروا اشتهاراً كبيراً مثل الجعد بن درهم، وكان ذلك في أوائل المائة الثانية تقريباً وفي أواخر الدولة الأموية، فـ الجعد بن درهم هو شيخ مروان بن محمد الأموي آخر ملوك الدولة الأموية، وأنتم تعلمون أن الدولة الأموية سقطت في سنة مائة واثنين وثلاثين. والجعد بن درهم أظهر القول بخلق القرآن وأظهر إنكار الرؤية، وأظهر أن الله ليست له الصفات المثبتة، وأيضاً أظهر عقائد متعددة أخذها عنه مجموعات أيضاً، لكن أشهرهم الجهم بن صفوان، واشتهر الجهم بن صفوان بعد ذلك، وانتسبت له الطائفة المشهورة بالجهمية، وساعد على الأمر ترجمة الكتب اليونانية في زمن الدولة العباسية قبل زمن المأمون، وساعدها بشكل كبير المأمون، وكان المأمون رجلاً ذكياً متكلماً، فقد كان المأمون من أهل الكلام الذين يعرفون المنطق ويعرفون الفلسفة اليونانية بشكل دقيق، فظهرت كما قلت هذه المجموعات وهذه الطوائف التي انتحت منحىً عقلياً في دراسة أصول الدين بعيداً عن النصوص الشرعية تأثراً بالفلسفات المختلفة، ويحتجون على ذلك كما ذكر التفتازاني أن المخاصم والمعاند لا يقر بالأحكام الشرعية ولا يقر بالنصوص الشرعية، فأنت إذا أردت أن تتكلم مع الخصم وقلت له: قال الله تعالى، لا يقر لك بأن قول الله يقيني وأنه حجة في ذاته، ولهذا فنحن بحاجة -كما يقولون- إلى أن نخترع وأن نبتكر دلائل عقلية لإقناع الخصوم. وإلى هذا الحد ليست هناك مشكلة، ولكنَّ المشكلة جاءت من عدة أمور: الأمر الأول: أنهم ليسوا من أهل العلم بالشريعة، ولهذا اخترعوا أدلة تناقض الأحكام الشرعية. الأمر الثاني: أن هؤلاء اخترعوا أدلة عقلية وجعلوها أصولاً اعتقادية، وجعلوها ملزمة، وكل النصوص الشرعية المخالفة لهذه الأصول العقلية كما يسمونها، والتي هي في حقيقتها شبهات أولوه أو حرفوه أو ردوه بأي وسيلة من الوسائل. ومن هنا ظهرت هذه الطائفة مخالفة لمنهج عامة الأمة، التي كانت تعظم الكتاب وتعظم السنة، وإذا وجدت ملحداً - وعدد الملحدين قليل جداً في تاريخ الأمة المسلمة - يناقشه أهل العلم بما يقنعه، وبما يؤثر فيه، وبما يصلحه، خصوصاً أن القرآن والسنة امتلأت بالأدلة العقلية المقنعة للمنكر والمعاند، ولا يشترط أن يقول: قال الله تعالى كذا؛ لكن يمكن أن يستنبط من الآيات ومن الأحاديث النبوية أدلة عقلية يمكن أن يقنع بها أي خصم من الخصوم، لكن هؤلاء لم يكونوا من أهل العلم ولم يشتغلوا به ولم يدرسوه؛ ولهذا اخترعوا أدلة معقدة بشكل غريب. وقد تأثروا في أدلتهم هذه بأدلة الفلسفة اليونانية أو الهندية أو غيرها، فإن اليونان أمة وثنية ما كانت تدين لله ، وظهر فيها حكماء وأذكياء، أرادوا أن يستدلوا على الأمور الغيبية ويسمونها الميتافيزيقيا، وليس عندهم أداة من أدوات كشف الغيبيات إلا العقل، وأرادوا أن يستدلوا بالمحسوس على الغائب، ويسمونه الاستدلال بالشاهد على الغائب، فأرادوا الاستدلال بهذه الطريقة فوقعوا في أمور كثيرة تعثروا فيها، وإذا كانت هناك إصابة خفيفة جداً، فهي ليس لها أي قيمة أمام الأخطاء الفادحة الكبيرة التي أخطئوا فيها، في مسائل الألوهية، وفي مسألة النبوة، وفي مسألة اليوم الآخر، وغيرها من المسائل العقدية المهمة التي تصح بها عقيدة العبد أو تفسد، ولهذا عندما نأتي للحديث عن الأصول العقلية التي نفى أهل الكلام من أجلها الصفات، سنجد أنهم تأثروا تأثراً كبيراً بأدلة الفلاسفة وغيرهم من الأمم الأخرى. إذاً: هذه الطائفة الجديدة التي سميت بأهل ا

стр. 80

تعريف ابن تيمية الدقيق الصحيح لطائفة المتكلمين هذا بالنسبة لهذه الطائفة الجديدة التي هي طائفة أهل الكلام أو من يسمى بالمتكلمين، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعريفاً دقيقاً صحيحاً للمتكلمين فقال: المتكلمون: مصطلح عرفي لكل من تكلم في الدين بغير طريق المرسلين]. قوله: (مصطلح عرفي) يعني أنه لغوي لا شرعي، وإنما هو عرفي تعارف عليه أصحاب هذه الأفكار وغيرهم، على أن هذه الطائفة التي لها هذه السمات ولها هذه الطبيعة يسمون بالمتكلمين، وهم الذين يتكلمون في قضايا الدين بغير طريق المرسلين، ويمكن أن نضيف إليها: بالأسلوب الجدلي العقلي.

стр. 81

أسباب تسمية أهل الكلام بالمتكلمين لماذا سمي أهل الكلام بالمتكلمين؟ ذكروا أسباباً كثيرة جداً تصل إلى عشرة أسباب تقريباً، منها: أنهم يقولون: لما أرادوا تصنيف الكتب بدءوها بقولهم: فصل الكلام في الصفات، فصل الكلام في القدر، فصل الكلام في كذا، وهذا قول. والقول الثاني: أن أول مسألة أثارها هؤلاء هي مسألة كلام الله ، وهل هو مخلوق أو ليس بمخلوق؟ وهذا القول رد عليه ابن تيمية ﵀ وقال: إن هناك أشخاصاً ينسبون إلى الكلام مع أنهم ظهروا قبل أن تظهر قضية كلام الله ، والقول بخلق القرآن. القول الثالث: أنهم يتكلمون كلاماً جدلياً ليس فيه شيء عملي، فقيل: هؤلاء من المتكلمين، بمعنى: أن كلامهم كلامٌ نظري. وقيل: إن المتكلمين سموا بهذا الاسم لأن الكلام الذي يذكرونه كلام مفيد، وهذا يذكره أصحاب هذا الشأن حتى يمدحوا مذهبهم، فيقولون: إنه علم الكلام سمي بهذا الاسم لأنه كلام دقيق، كأنك تقول: هذا هو الكلام المقبول. وذكروا عدة أسباب أخرى يمكن مراجعة هذه الأسباب جميعاً في كتاب شرح العقائد النسفية للتفتازاني فقد ذكرها كاملة. والحقيقة أنه ليس هناك سبب واحد مباشر تستطيع أن تقول هو السبب الأساسي في التسمية، لكن تعارفوا على أن هؤلاء اشتغلوا بالكلام في القضايا العقدية، وأنه لما اشتغلوا بذلك وردد على الأفواه كثيراً، على هذه الطائفة التي سبق أن أشرنا إليها.

стр. 82

طوائف علم الكلام إنَّ أهل الكلام ليسوا طائفة واحدة، وليسوا متفقين اتفاقاً تاماً في العقائد، فمن أهل الكلام المعتزلة، ومن أهل الكلام الأشاعرة، ومن أهل الكلام الماتريدية، ومن أهل الكلام السالمية، ومن أهل الكلام الجبرية، ومنهم القدرية، والقدرية تعود إلى المعتزلة. والحقيقة أن كثيراً من هذه الأسماء يتداخل بعضها مع بعض، يعني: أول ما نشأت الفرق سميت بأسماء، إما بأسماء من أظهر البدعة مثل الجهمية، أو بأسماء الموضوع الذي ناقشوا فيه مثل القدرية، أو بصفة من الصفات مثل المعتزلة؛ لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري، اعتزله واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد. المهم أن هذه الأسماء لا ينبغي أن تشغل بال الباحث؛ لأنها لأوصاف متعددة، أحياناً قد تكون طائفة واحدة ويمكن أن توصف بأكثر من وصف، خذوا على سبيل المثال المعتزلة، يمكن أن نسميهم المعتزلة، ويمكن أن نسميهم القدرية، ويمكن أن نسميهم المعطلة، لأنهم يعطلون الصفات، وهذه الأسماء هي التي يرددها أهل السنة كثيراً، ويمكن أن يسموا مثلاً بمتأخري الشيعة، فالشيعة المتأخرون معتزلة تماماً، وممكن أن يسموا بالأباضية والخوارج؛ لأن المتأخرين من الأباضية والخوارج معتزلة تماماً، فتجدون أكثر من اسم مع أن المسمى واحد، وممكن أن يسموا متكلمين؛ لأن هذه الأوصاف مجتمعة فيهم، فينبغي أن لا تشغل الإنسان كثرة هذه الأسماء، فإنها يرجع بعضها إلى بعض.

стр. 83

مصنفات علم الكلام هناك مصنفات كثيرة جداً صنفت باسم هذا العلم (علم الكلام)، فهناك مصنفات للمعتزلة، فمن أشهر المصنفات: رسائل العدل والتوحيد، وهي مجموعة رسائل جمعها الدكتور محمد عمارة، وهو من العصريين، وأيضاً هناك كتاب اسمه: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، وهو من كتب المعتزلة التي يرجع العامة إليها، ومنها: المغني في أبواب العدل والتوحيد وهو كتاب كبير جداً يصل إلى العشرين مجلداً تقريباً للقاضي عبد الجبار الهمداني أيضاً. ومن كتب المعتزلة أيضاً كتب الشيعة المتأخرين، فكتاب التوحيد لـ ابن بابويه القمي يعتبر من كتب المعتزلة. ومن كتب علم الكلام أيضاً كتب الأشاعرة، مثل كتاب المواقف في علم الكلام لـ عضد الدين الإيجي، ومنها كتاب نهاية الإقدام في علم الكلام لـ أبي الفتح الشهرستاني، ومن هذه الكتب أيضاً كتاب العقائد النسفية وما دار حوله من شروح وحواشٍ، مثل شرح التفتازاني عليه، وهناك حواش كثيرة ومتعددة على شرح التفتازاني لعلماء الأحناف، ومنها كتاب الإنصاف للقاضي أبي بكر الباقلاني، ومنها كتاب التمهيد لعلم التوحيد له، ومنها أيضاً كتب الجويني مثل الشامل في أصول الدين، ومثل كتاب الإرشاد، ومنها كتاب الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي، والمقدمة التي طبعت مع إحياء علوم الدين في البداية هي كلها من كتب هؤلاء المتكلمين. وهناك كتب منهجية تدرس مثل شرح الموقف الخامس تقريباً من مواقف الإيجي في الإلهيات، فالشرح للجرجاني والمواقف للإيجي كما سبق، وحققها الدكتور أحمد المهدي، وهو كتاب يدرس لطلاب أصول الدين في مصر، وأيضاً كتاب كبرى اليقينيات الكونية للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، وهو من كتب علم الكلام والأشاعرة المتأخرين، وأيضاً كتاب الله ﷻ لـ سعيد حواء وهو من كتب أهل الكلام المتأخرين أيضاً، وكتاب أركان الإيمان لـ وهبي غاووجي الألباني، وهو من كتب أهل الكلام المتأخرين، وهناك كتب متعددة ألفت على شكل مناهج مدرسية للطلاب، وأيضاً هي من كتب علم الكلام.

стр. 84

ذم السلف الصالح لعلم الكلام إن هذا العلم علم مذموم ذمه السلف رضوان الله عليهم، والسبب في ذم السلف الصالح رضوان الله عليهم لهذا العلم، ليس هو كون هذا العلم جاء باصطلاحات جديدة ليست معروفة، مثل اصطلاح الأعراض والجواهر، والجوهر الفرد، وغيرها من المصطلحات الحادثة الجديدة، وليس هذا هو السبب، وإنما السبب هو أن هذه المصطلحات تتضمن عقائد بدعية؛ ولأن المسائل التي ذكرها أهل الكلام هي مسائل مخالفة لنصوص الوحيين، ولأن الأدلة التي استدلوا بها هي أدلة مبتدعة، وليس قولنا: أدلة مبتدعة يعني أنها أدلة مخترعة، فإنه أحياناً قد يكون الدليل مخترعاً لكن يكون صحيحاً، لكن هذه أدلة مخترعة وباطلة في نفس الوقت، مثل دليل حدوث الأجسام، وغيره من الأدلة التي استدلوا بها، وهي أدلة باطلة تتضمن عقائد باطلة. إذاً: السلف رضوان الله عليهم لم يذموا علم الكلام لأنه علم جاء بمصطلحات جديدة، وإنما ذموه لأنه يتضمن عقائد باطلة ومخالفة للحق ولهذا ذموه، وكذلك عندما ذموا التصوف هم لم يذمو لأن فيه عبارات وإشارات غير معروفة لم يستعملها الصحابة، وإنما ذموه لأن هذه العبارات وهذه الإشارات تتضمن عقائد معنوية، وهذه العقائد المعنوية عندما نزنها بالكتاب والسنة نجد أنها إما في قاموس البدعة، وإما أن توضع في الشرك.

стр. 85

نقل ما ذكر عن السلف الصالح في ذم أهل الكلام وبناءً على هذا فإن السلف رضوان الله عليهم أجمعوا على ذم علم الكلام. ويمكن أن أنقل كلام الحافظ أبي عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه جامع بيان العلم وفضله، يقول أبو عمر: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والفهم. انتهى كلامه. ونقل أيضاً إجماع السلف الصالح على ذم علم الكلام الغزالي في إحياء علوم الدين، مع أنه من أهل الكلام، إلا أنه نقل إجماعهم على ذمه لأنه كان في مرحلة التصوف. والغزالي كما تعلمون له مراحل، فقد كان رجلاً ذكياً فاشتغل في العقليات حتى وصل إلى درجة الفلسفة، ثم ترك ذلك واتجه إلى علم الكلام، ثم ترك ذلك واتجه إلى التصوف، ثم في آخر أمره رجع إلى السنة كما قال شيخ الإسلام ﵀ أنه توفي وصحيح البخاري على صدره ﵀، لكنه لم يؤلف شيئاً بعد أن رجع إلى السنة، وكتابه إلجام العوام عن علم الكلام ألفه في مرحلته الصوفية؛ لأنه رأى أن أدلة علماء الكلام لا توصل إلى اليقين، وأن الذي يوصل إلى اليقين هو تجريد النفس لله والتعلق بالله ، عن طريق الأذكار التي اخترعها ويخترعها الصوفية، وملأ بها كتابه الإحياء، لكنه نقل إجماع السلف على ذم علم الكلام. ويمكن أن ننقل ذم الأئمة الأربعة لعلم الكلام، وهذا كافٍ في حد ذاته؛ لأن عامة المتأخرين ينتسبون إلى واحد من هؤلاء الأئمة، إما يكون حنفياً أو يكون مالكياً أو يكون شافعياً أو يكون حنبلياً، فالمتأخرون أكثرهم ينتسبون إلى الأئمة في الفقهيات ويخالفونهم في العقائد. فمن أقوال الأئمة قول لـ أبي حنيفة ﵀، خصوصاً أن الإمام أبا حنيفة ﵀ كان متخصصاً في علم الكلام وعرفه، وكان يوماً من الأيام يقول بخلق القرآن ثم رجع عنه وتاب رحمه الله تعالى، سئل الإمام أبو حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ - هذه مصطلحات عند أهل الكلام وهي متعلقة بدليل الحدوث، وهو أكبر دليل موجود عندهم، عطلوا من أجله الصفات - فقال: مقالات الفلاسفة؟! عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة! هذا قول الإمام أبي حنيفة، ففيه رد على الماتريدية الذين ألفوا الكتب في علم الكلام، وهم ينتسبون إليه في الفقهيات والفروع. وأما الإمام مالك ﵀ فروى عبد الرحمن بن مهدي قال: دخلت على مالك وعنده رجلٌ يسأله عن القرآن، فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد! وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء هما أول المعتزلة الذين خرجوا عن منهج السلف عندما ناقشا الحسن البصري رحمه الله تعالى في مسألة الفاسق الملي وقالا: إنه في منزلة بين المنزلتين، ثم اعتقدوا عقائد الجهمية بعد ذلك في موضوع الصفات، قال مالك: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد، لعن الله عمراً فإنه ابتدع هذه البدعة من الكلام، ولو كان الكلام علماً لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل. وهذا رواه أبو إسماعيل الهروي في كتابه ذم الكلام وأهله. وأما الشافعي فقد تواتر عنه ذم علم الكلام، منها مقولته المشهورة: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وذهب إلى علم الكلام. ويقول: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يُفَرُّ من الأسد. وهذا رواه أبو عمر بن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله. وأما الإمام أحمد فإنه مشهور في ثباته في موضوع خلق القرآن، والذين جاءوا بذكر خلق القرآن هم أهل الكلام، وعندما كان القاضي أحمد بن أبي دؤاد قريباً من المأمون أقنعه بفتنة الناس على خلق القرآن، فأخر المأمون قوله، يعني: أخر فتنة العلماء في قضية خلق القرآن إلى آخر عمره، مع أنه كان يعتقد هذا الاعتقاد من فترة مبكرة، والسبب في هذا أن شيخ الإمام أحمد وهو يزيد بن هارون رحمه الله تعالى كان إماماً محبباً إلى العامة، فقال المأمون يوماً لجلسائه: لولا منزلة يزيد بن هارون لأعلنت القول بخلق القرآن، وامتحنت الناس عليه، فقال له أحد جلسائه: ومن يزيد بن هارون حتى يمنع أمير المؤمنين من إعلان ما يريد؟ فقال: ويلك أخشى أن يعارضني، فتكون فتنة وأنا لا أحب الفتنة، فقال: دعني أجرب ذلك مع يزيد بن هارون! فذهب هذا الجليس إلى

стр. 86

السمات الظاهرة من خلال اشتغال المتكلمين بعلم الكلام هناك سمات وأمور ظهرت من خلال اشتغال هؤلاء بعلم الكلام، منها: التناقض، فتجد أنهم يتناقضون، أي: يقول القول ثم ينقضه في وقت آخر، وأضرب لكم مثالاً على هذا، فإنك تجد أن الأشاعرة ينفون الجهة ويقولون: الله ليس في جهة، وإنما هو في كل مكان، ومع هذا يثبتون الرؤية ويقولون: الله يُرى يوم القيامة، وهذا تناقض صريح. وأيضاً يقولون بأن العقل لا يعرف حسن الأشياء، ولا يعرف قبحها، وإنما يكون ذلك بالشرع، ومع هذا يجعلون العقل هو الأصل في العقائد، ويرون أن الشرع تابع له وليس أصلاً فيه. وأيضاً: الغلو في تعظيم العقل، ولهذا فإن الرازي ألَّف كتاباً سماه أساس التقديس، ذكر فيه قانوناً في رد النصوص الشرعية، وقال: إن الأصل في تلقي العقائد العقل، والشرع تابع له، فإذا افترضنا تعارض العقل والنقل، فإننا نقدم العقل على النقل ونرد النقل، أو نؤوله على سبيل التبرع كما يقول. ومن ذلك أيضاً عدم تعظيم النصوص الشرعية، ولهذا يروى عن عمرو بن عبيد وغيره من المعتزلة أنه قال عندما رأى قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] قال: وددت أني حككتها من المصحف، يعني: قوله: ((وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)) لأن قوله: ((وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)) أكثر تأثيراً فيهم من قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤] وهم يريدون: ((وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) لأن: ((وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)) فيه إثبات مباشر للصفات الذاتية، ولهذا تمنى أن يحكها، عليه من الله ما يستحق! ومن ذلك كثرة الشك والحيرة والاضطراب، وسننقل في ذلك نصوصاً ذكرها ابن تيمية ﵀ في هذا الكتاب. ومن جهلهم بالسنة فإن كثيراً منهم لا يميز بين الآية والحديث، حتى إنك ربما تعترض عليه بآية فيقول: لا نسلم بصحة الحديث، يظن أنه حديث، فهم لا يفرقون لأنهم لا يشتغلون بذلك، ولهذا لو قلبت بعض كتبهم لا تجد الاستدلال فيها بالنصوص إلا قليلاً جداً، وأكثر هذه الكتب مبنية على قولهم: إن قالوا كذا فنقول كذا، ولنا كذا، فإن قالوا قلنا، وهكذا، هذه طريقتهم في مناقشة قضايا الاعتقاد. نكتفي بهذا التعريف العام لأهل الكلام وللمتكلمين، وبالمناسبة فإنَّ عامة كتب شيخ الإسلام ﵀ في الرد على هؤلاء، ومنها هذا الكتاب، والصراع بين أهل السنة وأهل الكلام صراع طويل جداً، سواء في موضوع إثبات وجود الله، أو في موضوع أول واجب على المكلف، أو في موضوع التوحيد، أو في موضوع الأسماء والصفات، أو في موضوع الحكمة والتعليل، أو في موضوع الإيمان، فالخلاف بيننا وبينهم متعدد الجهات ومتعدد النواحي.

стр. 87

الحيرة والشك من صفات المتكلمين

стр. 88

اعتراف الشهرستاني يقول المؤلف ﵀: [ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة بل في غاية الضلالة]. المقصود بالقول هو قولهم: إن منهج السلف أسلم ومنهج الخلف أعلم وأحكم. قال ﵀: [كيف يكون هؤلاء المتأخرون؟ لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضربٍ من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه مرامهم حيث يقول: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالمِ فلم أر إلا واضعاً كف حائرٍ على ذقنٍ أو قارعاً سن نادمِ] قائل هذا القول لم يذكره ابن تيمية ﵀ صراحةً، لكن هو الشهرستاني، فإنه ذكر هذا في بداية كتابه نهاية الإقدام من علم الكلام، وبعض العلماء ينسب هذا القول للشهرستاني، وبعضهم ينسبه إلى غيره كما ذكر المحقق، وهو أنهما لـ أبي بكر محمد بن باجة والله أعلم بالصواب، وهذه الأبيات رد عليها العلامة الصنعاني اليماني ﵀، فقال: لعلك أهملت الطواف بمعهد الر سول ومن والاه من كل عالمِ فما حار من يهدي بهدي محمد ولست تراه قارعاً سن نادمِ وواضح من خلال البيتين السابقين للشهرستاني أنه في حيرة، لأن علم الكلام علم يحير في الحقيقة، إذْ يأتون بأدلة عقلية، وأحياناً تتكافأ عندهم هذه الأدلة، ولهذا يروى عن بعضهم أنه التقى برجل فقال: هل أنت مرتاح لما تعتقد؟ - يعني: من قضايا وجود الله وإثبات الصفات له واليوم الآخر وغيرها - قال: نعم، فبكى، وقال: والله إنني لا أجد ذلك - يعني: في نفسه - لأن الأدلة العقلية خصوصاً إذا كانت من شخص غير مهيأ للاستدلال تتكافأ عنده. فهذا الآمدي مثلاً، والغزالي أيضاً يحارون في المسائل الكبار، إذْ يأتون إلى مسألة كبيرة جداً مثل موضوع إثبات وجود الله، فيرتبون المسائل بعضها على بعض، حتى يأتوا إلى نقطة يحتارون فيها، فإذا احتاروا فيها توقف الآمدي في إثبات وجود الله! فانظروا كيف يتورطون، فهو يرتب إثبات وجود الله على دليل الحدوث، ويرتب دليل الحدوث على تماثل الأجسام، ويرتب مسألة الأجسام على الجوهر الفرد، ثم يأتي إلى الجوهر الفرد ويجد فيه إشكالاً، فإذا وجد فيه إشكالاً توقف واحتار، لكنْ إذا احتار هل معنى هذا أن الأصل الكبير الذي هو وجود الله لا يثبته؟ ولهذا يشعرون بالحيرة ويشعرون بالتعاسة والنكادة؛ بسبب هذه الطرق التي اشتغلوا بها. والحقيقة أن مرد هذه الأشياء، يعود إلى أمرين: عدم طلب العلم الشرعي من بداية الحياة - يعني: من بداية النشأة - والسبب الثاني: عدم تعظيم الله ، وعدم تعظيم الرسول ﷺ ، بحيث إنه يهتدي بالكتاب ويهتدي بالسنة، ولهذا تجدون أن كل من يعتمد على نفسه في قضايا العقائد أو قضايا الأعمال يضل. وانظروا الآن إلى الحياة المعاصرة الموجودة، فالذين يعتمدون في تشريعاتهم على غير الله ، يأتون إلى قضية الإنسان ويقولون: كيف نحكم الإنسان؟ والمقصود جنس الإنسان، فيقولون: كيف يمكن إذا تخاصم اثنان أن نحل المشكلة بينهما، سواء في العقار أو في الميراث أو في التجارات أو في الديون أو في أي باب من الأبواب، فبدءوا يخترعون لأنفسهم قانوناً، وهو عبارة عن تشريعات جاهلية يأتون بها، ولهذا تجد أن بعضهم يجورُ على بعض، وبعضهم يظلم بعضاً، وتجد أن هذه التشريعات لا تحقق راحة الإنسان في الدنيا، مع أنها وضعت له في الدنيا، فالبلاء الذي وقع فيه أهل الكلام هو في موضوعات نظرية. وكذلك وقعوا في موضوعات عملية في محاولة إراحة الإنسان بأنه هو الذي يشكل القانون لنفسه، والإنسان كما تعلمون ظلوم جهول، لا يمكن أن يحل الأزمات التي تعترضه لضعف علمه ولرغبته في البغي، وتسلط الناس بعضهم على بعضهم، ولهذا لا يمكن أن يحل هذه الأزمة إلا التشريع الرباني من الله ، والعقائد الربانية من الله ، وحينئذٍ يسير الناس في وئام وفي راحة، دنيونية وانبساط قبل الراحة الأخروية والانبساط الأخروي.

стр. 89

اعتراف الرازي قال ﵀: [وأقروا على نفوسهم بما قالوه، متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم، كقول بعض رؤسائهم]. المقصود بهذا القائل: هو الفخر الرازي، وهو إمام عظيم من أئمة الأشاعرة يعظمونه كثيراً، وذكر هذا في كتابه أقسام اللذات، ونقله ابن تيمية ﵀ في درء التعارض في غيره. قال ﵀: [نهاية إقدام العقول عِقَالُ وأكثر سعي العالمين ضلال]. سبحان الله! تأملوا نهاية إقدام العقول، وعندما تريد أن تصل إلى عقائد صحيحة أو تشريعات صحيحة فنهايتها عقال، يعني: أنها مكبلة؛ لأنها محدودة وضيقة وصغيرة لا يمكن أن تسعى للكمال ولا يمكن أن تصل إليه. قال ﵀: [وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا وغاية دنيانا أذىً ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سِوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي]. قول الرازي هذا فيه عبرة لكل من سار على نهجه وطريقته، فإن الرازي اشتغل بدراسة المعقولات في حياته كلها، وأمضى حياته بأكملها في هذا الموضوع، وانظروا في آخر الأمر ماذا يقول! إذاً: كان الواجب على المشتغلين بعلم الكلام المتأخرين أن يعتبروا، فهذه الكلمات خلاصة لعمر كامل نهايته حيرة وشك وشعور بالضلال، وشعور بالوحشة وعدم الارتياح، ولهذا صدق عندما قال: (لقد تأملت الطرق الكلامية)، فـ الرازي كان من الكبار، وله كتب كبيرة جداً في علم الكلام، منها كتاب الأربعين في أصول الدين، ومعالم في أصول الدين، وله أيضاً كتاب المطالب العالية في العلم الإلهي، وله مجموعة كثيرة من الكتب في قضايا الكلام.

стр. 90

اعتراف إمام الحرمين الجويني قال المؤلف ﵀: [ويقول الآخر منهم: لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمة منه فالويل لفلان، وهاأنذا أموت على عقيدة أمي]. قائل هذا الكلام هو إمام الحرمين الجويني، وتلاحظون أن ابن تيمية ﵀ لا يصرح بأسمائهم، والسبب أن الجو الذي كان يعيشه ابن تيمية عندما كتب هذا الكتاب - وخصوصاً أن هذا الكتاب من بواكير كتب ابن تيمية - كان ملغماً بأهل الكلام بشكل كبير فلم يصرح بأسمائهم، ومع هذا أوذي وامتحن كما سبق أن أشرنا إليه في المقدمة.

стр. 91

قول الغزالي قال المؤلف ﵀: [ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكاً عند الموت أصحاب الكلام]. القائل هو الغزالي.

стр. 92

استحالة أن يكون الخلف أعلم من السلف قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف، إذا حقق عليهم الأمر، لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقفوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون أعلم بالله وأسمائه وصفاته]. المقصود بالمتهوك: الذي يتكلم بدون علم، وإنما يتكلم بالظن فقط. قال المؤلف ﵀: [كيف هؤلاء المحجوبون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب آياته وذاته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلاً عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة، ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة - لا سيما العلم بالله وأحكام آياته وأسمائه - من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم، أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟!]. هذا الكلام سبق معناه، وسبق ما يدل على ما تضمنه من تعظيم السلف رضوان الله عليهم، عندما تحدثنا في النقطة الأولى وهي عصمة منهج السلف رضوان الله عليهم، وقلنا: إن أهل الكلام لا يعظمون السلف، بل إن بعضهم يحتقر علوم السلف، ويرى أنهم من السطحيين والنصيين الذين لم يشتغلوا بالعقليات، ولم يمحصوا فيها، وأن العقليات انفرد بها هؤلاء المتأخرون، وبعضهم يجعل السبب في كون السلف لم يشتغلوا بالعقليات أنهم كانوا يشتغلون بالجهاد في سبيل الله، فيقول: إنهم انشغلوا بالجهاد، ويرى أنهم كعوام الصالحين الذين يصلون في المسجد في الصف الأول ويعتنون بالعبادة. مع أن السلف أكثر حكمة وعلماً وإدراكاً وفهماً واستنباطاً وتحليلاً للقضايا ومناقشةً لها أكثر من هؤلاء بمراحل كثيرة متعددة، ولهذا فإن هؤلاء لم يأتوا بشيء جديد، إنما قرءوا تراث الأمم الأخرى، وناقشوه واحتاروا فيه، ثم رجع بعضهم إلى السنة مرة أخرى، أما أهل الإسلام وأهل العلم وأهل الحديث والصحابة والتابعون، فاستطاعوا أن يدلوا الأمة ويرشدوها في قضايا العقائد الكبرى إلى أوضح دليل وأصح منهج، ولم يتناقض منهجهم منذ زمن الرسول ﷺ إلى زماننا هذا، ولا يستطيع أحد أبداً أن يشير أو يذكر تناقضاً وقع فيه الصحابة أو التابعون أو من جاء بعدهم. حتى في مسائل الفقهيات ما يحصل من خلاف إلا وله ما يبرره، وله قواعده التي تنظمه وتضبطه، بينما هؤلاء ليس لديهم قواعد تضبطهم، وليس لديهم انضباط في النظر، ولهذا تجدهم يختصمون، فتجد بعضهم ينقض أصل قوله من أساسه وهو لا يشعر، فـ الرازي مثلاً في كتابه الأربعين في أصول الدين ناقش مسألة أفعال الله الاختيارية، وعامة مذهب أهل الكلام هو نفي أفعال الله وصفاته الاختيارية، ويقولون: إن السبب في ذلك هو أنه يلزم من إثبات أفعال الله الاختيارية حلول الحوادث بذاته. فالرازي تكلم في كتابه الأربعين وقال: إن حلول الحوادث بذات الله لازم لكل طائفة، ثم ذكر المعتزلة وبين لزومهم له، وذكر الأشاعرة وبين لزومهم له، وذكر غيرهم من الطوائف، وهذا يدل على أنهم متناقضون، ولهذا عندما ذكر الرازي هذه المقالة أخذ ينسف أصلاً عظيماً جداً من أصولهم وهو دليل حدوث الأجسام الذي استدلوا به على وجود الله ، فإما أن تبطل الدليل، وإما أن ترجع عن هذا الكلام الذي ذكرته، وهو أن كل طائفة يلزمها حلول الحوادث بذات الله . ولهذا تجد بعض هؤلاء يذكر المسائل ولا يذكر لها جواباً، يعني: لا يذكر فيها اختياراً، بل ينقل وينقل ثم يهمل الموضوع ويتركه، مع أنه موضوع حيوي وحساس يتعلق بقضايا العقائد وفي موضوع الله ذاتاً ووجوداً وأسماءً وصفاتٍ وألوهيةً وعبوديةً. قول شيخ الإسلام ﵀: (أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس والمشركين وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان)، هذا فيه إشارة مهمة إلى أن كثيراً من عقائد الفرق الضالة لها أصول من الأديان السماوية المحرفة، أو الأديان التي هي من أديان المشركين، كأديان الهند واليونان وغيرهم، سواء كان هذا التأثر في الأقوال والعقائد نفسها، أو كان في الطريقة التي اتبعوها، أو كان ذلك في التعامل مع الكتب المقدسة، فمثلاً نجد أنهم تأثروا بالمتفلسفة في الاعتماد على العقل واتخاذه مصدراً للتلقي، وتهوين النصوص الشرعية، وأيضاً اعتمدوا عليه في شبهة كبيرة من شبهاتهم في نفي الصفات، وهي شبهة التركيب، ولهذا يقول

стр. 93

خلاصة الرد على من فضل طريقة الخلف على طريق السلف قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما قدمت هذه المقدمة لأن من استقرت هذه المقدمة عنده علم طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره، وعلم أن الضلالة والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمداً ﷺ من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريق السابقين والتابعين والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه، وبشهادة الأمة على ذلك، وبدلالات كثيرة، وليس غرضي واحداً وإنما أصف نوع هؤلاء، ونوع هؤلاء]. هذا الكلام الذي ذكره ﵀ يدل على أن جميع ما سبق هو عبارة عن مقدمة أراد أن يبين فيها طريقة السلف وطريقة الخلف باختصار، وهذه المقدمة تنقسم كما سبق أن أشرنا إلى ثلاثة أقسام: الأول: يقينية منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم وأنه معصوم، وأن السلف تكلموا في العقائد بكلام مغنٍ كافٍ واضح. والأمر الثاني: بطلان التفويض، وقد سبق أن أشرنا إليه. والأمر الثالث: شك المتكلمين وحيرتهم واضطرابهم وتناقضهم، وقد سبق الإشارة إلى ذلك. وبهذا الكلام ينتهي إبطال شيخ الإسلام ﵀ لمقولة أن منهج السلف أسلم، ومنهج الخلف أعلم وأحكم، ويمكن أن نلخص الرد الذي سبق أن أشار إليه في ثلاث نقاط: النقطة الأولى: أن منهج السلف إثبات الصفات، وفهم معانيها، وليس كما يظنه هؤلاء من أن منهجهم الإيمان بألفاظها مجردة، وهذا يدل عليه نصوص السلف رضوان الله عليهم التي تثبت إيمانهم بهذه الصفات، وأنهم يثبتون ظواهرها ولا يغيرون معناها. النقطة الثانية: أن طريقة الخلف مخالفة لنصوص الوحي، وتعطيلهم لمعانيها الظاهرة بدعة منكرة. النقطة الثالثة: أن الخلف الذين هم أهل الكلام صرحوا بأنهم حيارى مضطربون لم يوصلهم علم الكلام إلى شيء، فكيف يكون هؤلاء أعلم وأحكم من السلف الصالح أهل العلم والجهاد والإيمان والصدق والتقوى؟ هذه ثلاث نقاط تلخص ما سبق أن أشار إليه شيخ الإسلام ﵀. وقوله: (وليس غرضي واحداً وإنما أصف نوع هؤلاء، ونوع هؤلاء) المقصود بقوله (نوع هؤلاء) الأول: السلف، (ونوع هؤلاء): الآخر يعني: الخلف، ومقصوده بهذه الفقرة أن المقدمة هي في الوصف العام للسلف الصالح رضوان الله عليهم، والوصف العام للخلف المتكلمين، وأنه لا يريد التفصيل في هذه الأمور وليس هذا موطنه.

стр. 94

الأسئلة

стр. 95

الفرق بين أهل الكلام وأهل الفلسفة السؤال ما الفرق بين أهل الكلام وأهل الفلسفة؟ الجواب كنت أحب أن أنبه إلى الفرق بين أهل الكلام وأهل الفلسفة: علم الكلام وعلم الفلسفة وعلم المنطق: الفرق هو: أن علم الفلسفة المقصود بكلمة فيلسوف يعني: عاشق الحكمة، أو محب الحكمة، وهي كلمة يونانية، وعلم الفلسفة علم نشأ عند اليونان، واليونان هم أمة كانت قبل النبي ﷺ وقبل عيسى ﵇، وهؤلاء اليونان وثنيون لا يعتمدون على الرسالة السماوية كما هو الحاصل عند اليهود أو النصارى، وإنما هم وثنيون، لكنهم حاولوا أن يحركوا عقولهم وأذهانهم في الاستدلال على ما وراء الطبيعة التي يسمونها الميتافيزيقيا كما قلت سابقاً، فتكلموا في قضايا الغيبيات كثيراً، وتكلموا في خالق هذا الكون، وتكلموا في هذا الكون هل يبعث مرة أخرى؟ وهل يعود الناس؟ والعلاقة بين الذي يخلق هذا الكون، وبين المخلوقات سواء الإنسان أو غيره؟ تكلموا كثيراً في هذا الموضوع وأطالوا، ولهم مقالات محددة ومعينة. وأبرز هؤلاء الفلاسفة أرسطو، وقد نقل ابن سينا الملحد مقالات أرسطو ولخصها وهذبها ونشرها في صفوف المسلمين في كتاب سماه النجاة، وفي كتاب سماه الإشارات والتنبيهات، وفي كتاب سماه الشفاء، وهو مرض، ولهذا يقولون: إن الغزالي أمرضه الشفاء، يعني: أمرضه كتاب الشفاء لـ ابن سينا، أمرضه في عقيدته، هذا ما يتعلق بعلم الفلسفة في بدايته. ثم لما ظهر سقراط تحدث عن الإنسان، وتحدث عن النفس الإنسانية، وتحدث عن الأخلاق، وتحدث عن الآداب، وتحدث عن الطباع، وتحدث عن القضايا التي يعايشها الإنسان، سواءً قضايا نفسية أو اجتماعية، ولهذا يقولون: إن سقراط أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، فيقصدون أنه نقل الفلسفة - من حيث الموضوع - من الكلام في قضايا الغيبيات السماوية: الملائكة، النبوة، الله، البعث إلى غير ذلك؛ إلى الكلام عن الإنسان وأخلاق الإنسان وآداب الإنسان، إذاً: هذا ما يتعلق بالفلسفة. الفلسفة اليونانية نقلها مجموعة من المنتسبين إلى الإسلام مثل الفارابي وابن سينا والكندي وابن النفيس وابن رشد وغيرهم، نقلوها كما هي واعتقدوا مقتضاها مع وجود تغييرات وتحسينات ومحاولة للربط بين هذه الفلسفة وبين النصوص الشرعية، فظهرت طائفة من المنتسبين للإسلام يعتقدون عقائد هؤلاء الوثنيين تماماً، ومثلهم مثل أصحاب المذاهب الفكرية المعاصرة، والآن ألَاَ يوجد في منتسبي الإسلام شيوعيون وأناس يعتقدون عقائد الوجودية، وأناس يعتقدون عقائد الحداثة، وأناس يعتقدون العقائد الأوروبية تماماً؟! مع أن الأوروبيين كفار مثل اليونان. فهؤلاء جاءوا بهذه العقائد وأرادوا تنزيلها على المسلمين، لكن كانوا عدداً محصوراً وقليلاً ليست لهم صولة وجولة اجتماعية، مثل الواقع المعاصر لأصحاب المذاهب الفكرية الآن، فقام مجموعة من المسلمين وردوا على هؤلاء الفلاسفة المنتسبين للإسلام، وردوا على فلاسفة اليونان بعلم قليل كما سبق، وتكون من هؤلاء من خلال الحوارات والمناقشات طائفة جديدة يمكن أن نسميها بأهل الكلام مثل العصريين الآن، فالعصريُّون الآن هم عبارة عن مجموعة من المتحمسين لقضايا الدين، ومن أصحاب الدعوة الإسلامية، أرادوا الرد على الذين نقلوا المذاهب الفكرية الأوروبية إلى المجتمعات الإسلامية، وأرادوا تعميمها على المجتمعات في قضايا السياسة والاقتصاد والاجتماع والنفس والمرأة مثلاً إلى غير ذلك، فقام مجموعة من الدعاة للرد على هؤلاء كما قام المتكلمون للرد على الفلاسفة ابن سينا والكندي والفارابي. أولئك ليس عندهم علم شرعي فتأثروا وجاءوا ببدع، وهؤلاء العصريُّون أيضاً ليس عندهم علم شرعي، فقاموا للرد على هؤلاء فتأثروا ببعض مناهجهم، وقالوا بمقالات خطيرة ليست موافقة للسنة ولا لمنهج السلف الصالح رضوان الله عليهم. فأنت إذا قارنت بين القديم والحديث تجد أن اليونان يشابهون الأوروبيين الآن، وأن الفلاسفة الإسلاميين -كما يسمونهم- ابن سينا والكندي والفارابي يشابهون العلمانيين أصحاب الطروحات الفكرية، الذين يتبنون مذاهب الغرب فيها، مثل الحداثة ومثل العلمانية في السياسة والاقتصاد، ومثل الوجودية، ومثل أي مذهب من المذاهب الفكرية، فهؤلاء مثل هؤلاء. فأهل الكلام الذين ردوا على الفلاسفة الإسلاميين، ردوا على ابن سينا، وردوا على الفارابي، فهم مثل العصريين في الواقع المعاصر، الذين ردوا على أصحاب المذاهب الفكرية، مثل الأستاذ محمد الغزالي المتوفى ﵀، هذا رد على أصحاب المذاهب الفكرية، لكنه لوجود الضغط الحضاري الكبير على الأمة المسلمة من خلال الغرب ومن خلال العلمانيين الذين ينتسبون إلى الإسلام؛ ولَّد

стр. 96

تحريم مشاهدة وقراءة بعض الكتب والبرامج التي تبث الشبه في الدين السؤال قول العلماء وتحريمهم في ذم الكلام وأهله، وتحريم مطالعته لما له من أثر على العقيدة سلباً، ألا يدل هذا على تحريم مشاهدة وقراءة بعض الكتب والبرامج التي تبث الشبه في الدين؟ الجواب بلى، لا شك أن البرامج الإعلامية أو الكتب التي تبث التشكيك في قضايا الدين وتنشر الشبهات، لا يجوز الاستماع إليها ولا النظر إليها.

стр. 97

يحيى بن معين من أهل السنة وليس من المعتزلة السؤال هل يعد يحيى بن معين من المعتزلة؟ الجواب لا يعد من المعتزلة، فـ يحيى بن معين من أهل السنة، لكنه امتحن وابتلي، إذْ جيء به إلى مخفر الشرطة، فطلب أن يقر بأن القرآن مخلوق، أو يضرب ويجلد، فاتقى؛ ولهذا جاء إلى الإمام أحمد ﵀ واستدل بقصة عمار ﵁ عندما ابتلي بالمشركين فتكلم بالكفر، فذكر له الإمام أحمد أن عماراً ضرب وهو لم يُضرب، فهو استعجل في مسألة الاتقاء، لكنه ليس من المعتزلة.

стр. 98

حكم التحذير ممن يحلل أموراً ليست محل خلاف السؤال إنه مما لا يخفى وجود بعض من ينتسبون إلى العلم، ويفتون ويحللون أموراً ليست محل خلاف مثل الغناء والخلوة، هل الأفضل التحذير من أشخاصهم، أم نكتفي بإبطال كلامهم بدون ذكر أسمائهم؟ الجواب هذه المسألة في الحقيقة مسألة راجعة إلى الحالة التي يتكلم فيها الشخص، فقد يكون من المصلحة أن يسمي الإنسان بعض هؤلاء للتحذير من قوله ومقالته، ويرد عليه ويبين خطأه، وربما يكون من المصلحة عدم ذكر اسمه، كما فعل ابن تيمية ﵀ في هذا الكتاب حيث أخفى أسماء المتكلمين، فهي راجعة إلى اعتبار المصلحة والمفسدة، وهنا أحب أن أنبه إلى قضية مهمة جداً، وهي أن كثيراً من الناس بالغ مبالغة كبيرة جداً في قضية الموازنة بين الحسنات والسيئات في تقويمه للأشخاص، فتجد أن كل شخص يريد أن يوازن بين حسناته وسيئاته، ويقول: بناءً على هذا فهذه أخطاء تحتمل وهي بسيطة، ويكون هناك تساهل في الرد على المبتدعة أو أصحاب المقالات الباطلة. والحقيقة أن هذه المقالة -مقالة الموازنة بين الحسنات والسيئات- هي مقالة عامة فضفاضة ليست مقالة محددة ومنضبطة، وإذا كان المقصود الموازنة بين الحسنات والسيئات في تقويم شخص ملتزم بمنهج أهل السنة والجماعة عقيدة وعملاً، إلا أنه لديه أخطاء اجتهادية، وقد تكون هناك زلات في بعض الأحيان، فمثل هذا يمكن أن نقول بالموازنة بين الحسنات والسيئات، لكن لا يصح أبداً أن نأخذ أهل البدع ونوازن بين حسناتهم وسيئاتهم؛ لأن أهل البدع نهجوا منهجاً مخالفاً لمنهج أهل السنة، ولهذا عندما ترجعون إلى كتاب الرد على الجهمية للدرامي ﵀، أو رد الإمام الدارمي نفسه على بشر المريسي، فإنه لما جاء للرد على بشر المريسي لم يذكر حسنات بشر المريسي، وإنما ذكر الأمور التي خالف بها السنة لتحذير الناس منها وتعليم الناس خطورة هذه الأقوال، وهكذا الحال في شأن الطوائف وفي شأن الرموز، التي تظهر على أنها تتبنى قولاً مخالفاً لأصول العقيدة الصحيحة، فمثل هذا يجب أن يرد عليه، وكثيراً من الأحيان لا يكون من الحكمة أن تذكر حسناته؛ لأن المجال ليس مجالاً لذكر الحسنات، وإنما هو مجال لبيان الخطأ الذي أخطأ فيه لإصلاحه، وعدم اعتقاده بالنسبة للناس، ولهذا تجد أن مثل من يقول هذا القول قد يتناقض في تقويمه لأمور أخرى، وشخصيات وهيئات ومؤسسات أخرى.

стр. 99

شرح الفتوى الحموية [٧] صفة العلو لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع السلف الصالح، وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية أن علو الله ثابت في القرآن بألف دليل، فمن أنكر صفة العلو لله فهو على ضلال مبين وخطر عظيم.

стр. 100

صفة علو الله موضوع علو الله موضوع مهم، دلت عليه مئات النصوص من القرآن والسنة، وأجمع عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم، ودل عليه العقل الصحيح، والفطرة المستقيمة. ولم يكن هذا الموضوع محل جدل ونقاش في القرون المفضلة الأولى، وموضوع مثل موضوع العلو يستغرب الإنسان أن يكون مجالاً للجدل والنقاش، فهو واضح وضوحاً كبيراً؛ ولهذا حكى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن بعض علماء الشافعية أنه قال: إن علو الله ثابت في القرآن بألف دليل، وقال بعضهم: إنه ثابت بثلاثمائة دليل، فهو واضح وضوحاً كبيراً، لكن الجهمية التي ابتليت بها الأمة انحرفوا في مجالات متعددة في العقيدة، فانحرفوا في الإيمان، وانحرفوا في القدر، وانحرفوا في نفي صفات الله ، ونفوا علو الله على خلقه، فرد عليهم أئمة السنة رضوان الله عليهم جميعاً.

стр. 101

ذكر بعض المؤلفات لأهل السنة والجماعة في الرد على نفاة علو الله على خلقه وقد أفرد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لهذا الموضوع مجلداً كاملاً من درء تعارض العقل والنقل، وهو المجلد السادس وجزء من المجلد السابع، وقد استعرض شبهات أكبر عالم من علماء الجهمية الأشاعرة المتأخرين، وهو الفخر الرازي في كتابيه: الأربعين في أصول الدين، وأساس التقديس، ورد عليها رداً مفصلاً ومبيناً. وممن ألف في موضوع العلو الإمام الذهبي ﵀، المؤرخ المشهور، ألف كتاباً سماه: العلو للعلي الغفار، واختصره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في كتاب سماه: مختصر العلو للعلي الغفار، ومختصر الشيخ الألباني شرطه فيه أنه لا يثبت إلا ما ثبت إسناده عنده، وأما ما ضعف إسناده ولم يصح فإنه حذفه جميعاً، سواء ما يتعلق بالأحاديث أو الآثار الواردة عن الصحابة أو التابعين أو من جاء بعدهم. وممن ألف في العلو الإمام ابن قدامة المقدسي ﵀، صاحب كتاب المغني، له كتاب سماه: إثبات علو الله على خلقه. وأيضاً كتبت رسائل لبعض المعاصرين، منها رسالة علو الله على خلقه في مجلد للدكتور موسى الدويش، وأيضاً رسالة أسامة القصاص بعنوان علو الله على خلقه، في جزءين، وقد توفي أسامة القصاص بسبب هذا الكتاب، حيث قتلته الطائفة الحبشية الموجودة في لبنان بسبب إثباته لعلو الله ، وهم من الجهمية الذين ينفون علو الله على خلقه. ومن أفضل الكتب في هذا الموضوع كتاب: اجتماع الجيوش الإسلامية في غزو المعطلة والجهمية، للإمام ابن القيم ﵀، فهذا الكتاب مفرد في إثبات علو الله على خلقه، وقد طبع قديماً وطبع محققاً في السنوات الأخيرة. وكتاب ابن القيم ﵀ له مقدمة طويلة في موضوع النعمة، ثم بعد ذلك بدأ في موضوع إثبات العلو، ونقل الآيات الواردة، والأحاديث وأقوال الصحابة الواردة في ذلك، وأقوال الأئمة الأربعة، وأتباع الأئمة الأربعة. فمن المالكية نقل مجموعة من النصوص عن عبد الوهاب المالكي وعن ابن الباقلاني الأشعري المشهور، ونقل أيضاً عن ابن أبي زيد القيرواني صاحب كتاب الرسالة، وهو الذي يلقب بالإمام مالك الصغير. ونقل كذلك عن أئمة الشافعية، نقل عن الشافعي ﵀، ونقل عن أبي نصر الكرجي، ونقل عن جماعة، وكذلك الحال في الأحناف، نقل عن أبي حنيفة وعن أبي يوسف وعن غيرهم، وكذلك الحال في الحنابلة، ونقل أقوال الشعراء في إثبات العلو، ونقل أيضاً أقوال الفقهاء، وهكذا نقل أقوالاً كثيرة وحشد نصوصاً كبيرة جداً في إثبات علو الله على خلقه. وكما قلت: إن أول من أثار نفي العلو هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، ثم لم يحصل أن حصل نفي العلو إلا عند المتأخرين، فمتقدمو الأشاعرة والكلابية كانوا يثبتون علو الله على خلقه كما تدل النصوص، منهم: أبو الحسن الأشعري والباقلاني، وابن مجاهد تلميذ أبي الحسن الأشعري، وغيرهم، ثم حصل النفي عند المتأخرين الذين قلدوا الجهمية الأولى.

стр. 102

النصوص الدالة على إثبات علو الله على خلقه

стр. 103

الأدلة من الكتاب الحكيم والنصوص الواردة في إثبات علو الله على خلقه كثيرة جداً، حتى إن الإمام ابن القيم ﵀ صنفها على أنواع، فذكر أكثر من عشرين أو ثلاثين نوعاً، كل نوع من هذه الأنواع يشتمل على مجموعة من الأدلة من القرآن. وهناك بعض الصفات الثابتة لله تدل على صفة العلو، مثل إثبات صفة الاستواء لله ، فإنها تدل على صفة العلو، والآيات الواردة فيها تدل على صفة العلو، وكذلك الأحاديث الواردة في صفة النزول تدل على إثبات صفة العلو لله . وسننقل بعض هذه الأدلة ونبين وجه الاستدلال منها، من خلال ما ذكره ابن تيمية ﵀، فهو يقول: مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، ووجه الدلالة في قوله: ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ))، فإنه يدل على أنه عال، والكلم الطيب يصعد إليه، وقوله: ((يَرْفَعُهُ)) أيضاً يدل على إثبات العلو، والصعود والارتفاع لا يكون إلا من أسفل إلى أعلى. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]. وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٦ - ١٧]. ووجه الدلالة في قوله: (من في السماء) في كلا الآيتين، و (في) هنا ليست للظرفية، وإنما المراد بها على، فيكون معنى الآية: أأمنتم من على السماء، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض، ونظير هذا قول الله : ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، فليس المقصود لأصلبنكم داخل النخلة، وإنما المقصود: عليها. وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] والرفع من الأسفل إلى الأعلى وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، والعروج: هو الصعود من الأسفل إلى الأعلى. وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، فقوله: ((يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ)) يعني: من على السماء إلى الأرض، ((ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ)) يعني: يعود إليه صاعداً. وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، وهذا تصريح بالفوقية. وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وكما سبق أن الأدلة الواردة في إثبات استواء الله على عرشه هي كلها أدلة على علو الله على خلقه، فإن العرش فوق السماوات، والله فوق العرش، وليس فوقه شيء . وقد جاء ذلك في ستة مواضع كما هو معلوم، وكما سيأتي معنا إن شاء الله في الكلام على موضوع الاستواء مفصلة. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ووجه الدلالة مثل وجه الدلالة الأولى، ونحن نستطيع أن نأخذ العلو من قوله: (على)، فإن قوله: ((عَلَى الْعَرْشِ))، والعرش فوق العالم، فهو فوق جميع المخلوقات. ويقول الله : ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]. هذه الآيات وردت في قصة موسى ﵇، وأن فرعون يقول متهكماً ومستهزئاً: ((يَا هَامَانُ)) وهو وزيره، ((ابْنِ لِي صَرْحًا))، والصرح يبنى من الأسفل إلى الأعلى، ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، إذاً: هو يريد من هامان أن يبني له صرحاً من الأرض إلى السماء؛ لأن فرعون يعتقد أن الله في السماء. وهذا يدل على الفطرة الموجودة عند الإنسان، فـ فرعون مع كونه كافراً ملحداً منكراً لوجود الله ، مع هذا نطق بهذه العبارة، ومع أن سياقها هو في سياق الاستهزاء؛ إلا أنها تضمنت إثبات صفة العلو لله ، فلا شك أن من كان فرعون أعلم بالله منه فهو أضل من حمار أهله. والدلالة في الآية من وجوه: أولاً: اعترافه أن الإله لا بد أن يكون في السماء؛ لأن من الطبيعي أن يكون الإله في السماء، وهذا يتضمن بطلان دعواه للألوهية؛ لأنه في الأرض وليس في السماء. الأمر الثاني: أنه صريح في أن موسى ﵇ دعاه إلى عبادة الإله الذي في السماء؛ ولهذا قال: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، فإله موسى في السماء، فهو لم يطلب أي جهة من ال

стр. 104

دلالة حديث المعراج على العلو قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى]. وصدق، فهي كثيرة جداً في كلام النبي ﷺ ، فأنت لو أخذت تستقرئ صحيح البخاري تريد أن تتلمس الأحاديث التي يفهم منها علو الله تجدها كثيرة جداً، في أبواب متعددة، حتى في موضوعات العتاق والطلاق والنكاح وغير ذلك. ثم مثَّل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى للأحاديث التي تدل على ذلك بقصة معراج رسول الله ﷺ إلى ربه، والمعراج لم يأت في القرآن، فالوارد في القرآن هو الإسراء، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، وأما المعراج فهو وارد في السنة، لكن تواترت الأحاديث في معراج النبي ﷺ في الجملة، وهو أن النبي ﷺ عرج به إلى السماء، ولكن وردت أحاديث فيها أمور مفصلة، وأحاديث فيها أمور مجملة، ووردت بعض الزيادات في أحاديث لم ترد في أحاديث أخرى، فهذه الزيادات ليست متواترة، لكن المتواتر هو قصة المعراج، وهذا يسمى التواتر المعنوي، فإن التواتر -كما هو معلوم- نقل جمع عن جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى أمر محسوس. فالتواتر يقسمه العلماء إلى قسمين: تواتر نصي أو لفظي مثل حديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). وهناك تواتر معنوي، وهذا هو الأكثر في السنة، مثل أحاديث المسح على الخفين، ومثل أحاديث المعراج وغيرها، فإنها تواترت تواتراً معنوياً. وقصة المعراج تدل على علو الله ، فإنه عرج به من السماء إلى الأرض، وسمع كلام الله في السماء.

стр. 105

صعود الملائكة إلى السماء دليل على العلو ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، وهذا كثير في الأحاديث، منها ما ذكره المحقق في الحاشية، وما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول ﷺ : (إن لله ملائكة سيارة، يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم، حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، فيسألهم الله)، يعني: بعد عروجهم. وهذا واضح في أن الله على السماء، وقول الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، وهذا حديث صحيح يقول النبي ﷺ فيه: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين كانوا فيهم فيسألهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فقالوا: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)، وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم.

стр. 106

حديث الخوارج وحديث الرقية يدلان على العلو وفي الصحيح في حديث الخوارج: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً)، وهذا الحديث رواه البخاري ورواه مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁، وهو حديث صريح بأن الله في السماء, ومقصوده بأمين من في السماء أنه أمين على الوحي، وهو كلام الله الذي يأتي من عنده من السماء. وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع)، قال ﷺ : (إذا اشتكى أحد منكم، أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء، وذكره)، هذا الحديث رواه أبو داود، واختلف العلماء في صحته وضعفه، وقد حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والصحيح أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده زياد بن محمد المصري، قال عنه أبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن حبان وابن عدي والذهبي وغيرهم: إنه انفرد بهذا الحديث، وبناءً على هذا يكون هذا الحديث ضعيفاً، وإن كان هذا الحديث ضعيفاً فقد دل على علو الله ما هو أوضح منه من النصوص الثابتة في صحيح البخاري ومسلم وفي القرآن الكريم.

стр. 107

حديث الأوعال يدل على العلو وقوله في حديث الأوعال: (والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه) رواه أبو داود. يقول ابن تيمية ﵀ معلقاً على هذا الحديث: [وهذا الحديث مع أنه قد رواه أهل السنن كـ أبي داود وابن ماجة والترمذي وغيرهم، فهو مروي من طريقين مشهورين، والقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، وقد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولاً إلى النبي ﷺ ]. حديث الأوعال حديث مشهور، اختلف أهل العلم قديماً وحديثاً في صحته، ونقله المحقق هنا، وهو من رواية العباس بن عبد المطلب، قال: (كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ ، فمرت سحابة، فنظر إليها فقال: ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب، قال: والمزن؟ قالوا: والمزن، قال: والعنان؟ قالوا: والعنان، قال: هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري، قال: إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها ثلاثة، حتى عد سبع سموات، ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﵎ فوق ذلك). هذا الحديث حديث مشهور، وقد نقل المحقق من خرجه من أهل العلم، وبين أن مدار إسناده على الوليد بن أبي ثور، وقد اختلف العلماء في توثيقه، وكذلك الانقطاع الحاصل بين عبد الله بن عميرة والأحنف بن قيس، ويبدو لي والله تعالى أعلم أن هذا الحديث لا يصح من حيث السند، وإن كان ابن خزيمة ﵀ لا يورد في كتابه التوحيد حديثاً ويسكت عليه إلا لأنه حديث صحيح، وذلك أن ابن خزيمة ﵀ كما أنه اشترط الصحة في كتابه الصحيح المشهور الذي طبع جزء منه اشترط الصحة أيضاً في كتابه التوحيد، وأكثر الناس لا يعرفون عنوان هذا الكتاب إلا كتاب التوحيد، مع أن تكملة العنوان يدل فيه على اشتراط الصحة فيما ينقله من الآثار والأخبار، لا سيما ما رواه عن النبي ﷺ ، وقول ابن تيمية ﵀ الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل، هو جزء من عنوان الكتاب. لكن يبدو لي والله تعالى أعلم أن هذا الحديث ضعيف وغير صحيح من جهة إسناده ومن جهة متنه، أما من جهة إسناده فكما سبق أن مداره على الوليد بن أبي ثور، وأكثر أهل العلم على تضعيفه. وأما من جهة متنه فهو مخالفته للأحاديث الصحيحة في موضعين: أما الموضع الأول: فهو في بعد المسافة بين السماء والأرض، فإنه ذكر هنا أنها واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، وورد في الأحاديث الصحيحة أن المسافة بين الأرض والسماء الدنيا خمسمائة سنة. والموضع الثاني: هو في قوله: (ثم فوق ذلك ثمانية أوعال)، والصحيح: أن حملة العرش قبل يوم القيامة أربعة، ويوم القيامة ثمانية، كما قال الله : ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، فهذه الآية تدل على أن حملة العرش يوم القيامة ثمانية، وهذا صريح في ذلك، وأما في الدنيا فقد وردت أحاديث صحاح، صححها الشيخ الألباني وغيره في مختصر العلو وغيره، أن عدد حملة العرش أربعة وليسوا ثمانية.

стр. 108

دلالة حديث الجارية على العلو لله سبحانه والرد على من أنكره والحقيقة أن صفة العلو لا تفتقر إلى هذين الحديثين، وهناك أحاديث كثيرة تدل على ذلك، منها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن معاوية السلمي ﵁، عندما ضرب جاريته فصكها بسبب أنه جاء فوجد الذئب قد أخذ واحدة من الشياه، فجاء إلى النبي ﷺ نادماً على فعله، وفيه: (فقال لها رسول الله ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة). وهذا حديث صحيح ذكره الذهبي هنا، وهو في كتاب مختصر العلو للعلي الغفار بتحقيق الشيخ الألباني، والأصل قد طبع، لكن المختصر اشترط فيه الشيخ ﵀ أنه لا يورد فيه إلا ما صح إسناده عنده، وهذه الطبعة فيها رداءة لكن يمكن الاستفادة منها. فأول حديث نقله من أحاديث العلو هو هذا الحديث، حديث معاوية بن الحكم السلمي، قال: (كانت لي غنم بين أحد والجوانية، وهي موضع قرب المدينة فيها جارية لي -وفي بعض الألفاظ: سوداء كما رواه الدارمي في الرد على المريسي بسند صحيح- فأطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم، فأسفت، -يعني: غضبت- فصككتها -يعني: ضربتها ضرباً شديداً- فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ادعها، فدعوتها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة). هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم، يمرونه كما جاء، ولا يتعرضون له بتأويل ولا تحريف. وهذا الحديث فيه عدة فوائد: الفائدة الأولى: جواز السؤال عن الله بأين، فإذا قال الإنسان: أين الله؟ فإنه يجاب: في السماء. الثانية: جواز أن يقول المسئول: إنه في السماء، يعني: على السماء، وهذا فيه إثبات صفة العلو لله تعالى. والحديث إسناده ثابت وقوي؛ ولهذا يعتبر هذا الحديث حجة على المبتدعة، لكن أهل البدع اتخذوا في رد هذا الحديث وسيلتين: الوسيلة الأولى: الإقرار بصحته وتأويل معناه. والوسيلة الثانية: محاولة القدح في صحته. أما الوسيلة الأولى: فقال بعض أهل البدع: إن هذا الحديث ليس صريحاً في إثبات العلو؛ لأن قول الجارية: (في السماء)، المقصود أن الجارية عظمت الله ، وأنها أرادت أن تبين للنبي ﷺ أن منزلة الله عندها عظيمة، فقالت: (في السماء)، مثلما تقول لشخص: كيف فلان؟ فيقول لك: في السماء، يعني: وارتفعت مكانته. ولا شك أن هذا تأويل فاسد لا حاجة إليه، وتكلف وتعسف ظاهر، لا يدل عليه دليل من نص الحديث. وذكر أن أحد أهل البدع ناقش بعض أهل السنة في حديث النزول، فأقر بصحة حديث النزول، ثم أوله بأنه نزول أمره، فقال له هذا الرجل الذي من أهل السنة: ينزل أمره؟ قال: نعم، قال: من أين ينزل؟ قال: من العلو، قال: إذاً: أنت تثبت أن الله في العلو، يعني: ألزمه بإثبات العلو بعد أن أول النص؛ لأنه قال: ينزل أمره، يعني: دع عنك مناقشة هذا المبتدع في إثبات صفة النزول، فإثبات صفة النزول مرحلة ثانية، لكن نقول له: ما دام أنك أولت الحديث بأنه ينزل أمره، فهذا دليل على أنك معترف بأنه في السماء، وأن أمره ينزل من السماء إلى الأرض؛ لأنه إذا كان ينزل أمره وهو ليس في السماء فما فائدة: (ينزل) فستقول: جاء أمره، سواء من هنا أو من هنا أو من أسفل أو من فوق، لكن قولك: (ينزل)، دليل على أنك اعترفت بالعلو. ثم نأتي بعد ذلك نناقشه في مسألة تأويله للنزول وإبطال قوله، هذا العمل الأول الذي يقوم به أهل البدع. والأمر الثاني: من تأويلاتهم أنهم قالوا: إن هذا السؤال أين الله؟ وقول الجارية: في السماء، المقصود: أن النبي ﷺ سألها كيف تتوجهين في دعائك، فأخبرته أن قبلة الدعاء السماء، كما أن قبلة المصلي الكعبة، وليس هناك ما يثبت أنه في السماء، وكما قلت: وهذا تأويل أيضاً متكلف وظاهر.

стр. 109

نقد الكوثري حديث الجارية والرد عليه وأما نقد هذا الحديث من حيث الإسناد، فقد نقد الشيخ الألباني كلاماً للكوثري يريد أن يبطل هذا الإسناد. يقول الكوثري في تعليقه على الأسماء والصفات للبيهقي بعد أن صححه البيهقي وقال: وهذا صحيح قد أخرجه مسلم، فقال الكوثري في الحاشية: انفرد عطاء بن يسار برواية حديث القوم -يعني: حديث أهل السنة- عن معاوية بن الحكم، وقد وقع في لفظ له كما في كتاب العلو للذهبي ما يدل على أن حديث الرسول ﷺ مع الجارية لم يكن إلا بالإشارة، وورد في بعض ألفاظ هذا الحديث أن هذه الجارية أعجمية، وأن النبي ﷺ تكلم معها بالإشارة، (فسألها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، وسألها: من أنا؟ فأشارت إليه ثم أشارت إلى السماء)، يعني: أنت رسول الله. يقول: وسبك الراوي ما فهم من الإشارة في لفظ اختاره، فلفظ عطاء الذي يدل على قولنا هو: حدثني صاحب الجارية نفسه الحديث، وفيه: (فمد النبي ﷺ يده إليها مستفهماً: من في السماء؟ قالت: الله، قال: فمن أنا؟ فقالت: رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مسلمة)، وهذا من الدليل على أن (أين الله) لم يكن لفظ الرسول ﷺ ، وقد فعلت رواية (في) بالمعنى في الحديث ما تراه من الاضطراب. وهذا قول فاسد باطل؛ لأن الرواية التي وردت بأن الجارية كانت أعجمية هي رواية ضعيفة رواها الإمام أحمد في المسند، والبيهقي في السنن، وفي إسنادها عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي، وهذا الرجل اختلط في آخره، ويقول أحد العلماء وهو ابن نمير: كان ثقة واختلط بآخره، سمع منه ابن مهدي ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة، وهذا الحديث من رواية يزيد بن عمرو عنه، فهذا يدل على أن هذه الرواية ضعيفة، وليست صحيحة، ثم عامة الروايات وردت بلفظ أن النبي ﷺ قال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء). ثم لو تنزلنا مع الكوثري هذا، وقلنا: إن رواية الإشارة صحيحة، فهذا نص في أن الله في السماء، فإنه باعتراف الكوثري بعد هذا التعنت وهذا التأول نقول: ماذا قال لها رسول الله بالإشارة؟ فسيقول: أشار هكذا، يعني: (أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فأقرها رسول الله ﷺ على ذلك)، وكونه أقرها على ذلك دليل على أنه في العلو، ثم إن الحديث الوارد في صحيح مسلم في حديث جابر في الحج أن النبي ﷺ عندما قال لهم: (هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم فاشهد)، يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها عليهم، وهذا أيضاً دليل أن الله في السماء، وأن تأويلات الكوثري وغيره تأويلات فاسدة لا مكان لها. قال المؤلف ﵀: [وقوله في الحديث الصحيح: (إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي)]. الشاهد من هذا الحديث هو قوله: (موضوع عنده فوق العرش)، فالله فوق العرش كما هو معلوم، وهو صريح في إثبات العلو، وهذا الحديث رواه مسلم. قال المؤلف ﵀: [وقوله في حديث قبض الروح: (حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله)]. وهذا الحديث رواه ابن ماجة وأحمد وابن خزيمة في التوحيد، وإسناده صحيح. يقول شيخ الإسلام تعليقاً على هذا الحديث: [إسناده على شرط الصحيحين].

стр. 110

الأدلة على صفة العلو من الشعر قال المؤلف ﵀: [وقول عبد الله بن رواحة ﵁، الذي أنشده النبي ﷺ وأقره عليه: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا]. وهذا الحديث مختلف في صحته، فبعض أهل العلم يرى أنه ضعيف، وأن إسناده لا يثبت، وصححه ابن عبد البر ﵀، فإنه قال: رويناه من وجوه صحاح. وهذا ورد في قصة عبد الله بن رواحة عندما خرج من عند جارية له، فشكت زوجته فيه أنه كان عندها، فقالت: اقرأ القرآن، قال لها هذا الشعر، فقالت: صدقت الله وكذبت بصري. وعلى كل حال يمكن أن مسألة الصفة تثبت بغير هذا الحديث كما سبق. قال المؤلف ﵀: [وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي مات في الجاهلية، الذي أنشد للنبي ﷺ هو وغيره من شعره فاستحسنه، وقال: (آمن شعره وكفر قلبه)، يقول: مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبنا الأعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا شرجعاً ما يناله بصر العين يرى دونه الملائك صورا]. وهذا الحديث حديث صحيح عندما قال: (آمن شعره وكفر قلبه)، وهي منسوبة له، نقلها ابن عساكر في تاريخ دمشق وغيره. إذاً: هذه العقيدة، عقيدة ثابتة، لا شك فيها بوجه من الوجوه، وكل من اعتقد خلافها فعقيدته باطلة فاسدة، مخالفة للسنة.
следующие страницы →