Полный текст (107 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الشرك أعظم ما نهى الله عنه
قال: [وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو دعوة غيره معه].
هنا فائدة مهمة جداً وهي أن الشيخ بين أعظم الأوامر الشرعية وبين أعظم المناهي الشرعية، فأنت إذا سئلت: ما هي أعظم الأوامر الشرعية؟ أو ما هو أعظم ما أمر الله به؟ فكثير من الناس يغفل عن هذه الحقيقة وهو أنه التوحيد، قد يقول: الصلاة، قد يقول: صيام رمضان أو الحج أو غيره من الأعمال، وهذه إجابة غير صحيحة، والإجابة الصحيحة أن أعظم الأوامر الشرعية وأعلاها هو توحيد الله .
وأعظم المناهي التي نهى الله عنها الشرك، فالشرك أعظم من الزنا، وأعظم من أكل الربا، وأعظم من سائر الفواحش، وأعظم من كل المحرمات.
وهذه قضية أساسية مهمة في معرفة ما أمر الله به وما نهى عنه .
إذاً: فأعظم ما أمر الله به التوحيد، وأعظم ما نهى الله عنه الشرك، وهذه قضية مهمة ينبغي أن نلاحظها.
قال: [والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]].
أقول: لماذا أعظم ما أمر الله به التوحيد؟ لأن تركه يترتب عليه الخروج من الإسلام.
ولماذا أعظم ما نهى الله عنه الشرك؟ لأن الشرك والكفر بوابة الخروج من الإسلام، فأساس الإسلام وأصله التوحيد، وأعظم ما يخرج الإنسان منه الشرك.
стр. 37
الأصل الأول من الأصول الثلاثة: معرفة العبد ربه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمداً ﷺ ].
لقد بينا أن مأخذ ذلك هو ما يسأل عنه الإنسان في قبره إذا مات.
قال: [فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته، وهو معبودي ليس لي معبود سواه.
والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢].
وكل ما سوى الله عالم، وأنا واحد من ذلك العالم].
يعني: معرفة العبد لربه هو الأساس في التوحيد، فالإنسان لا يمكن أن يكون موحداً إلا إذا عرف ربه.
ومعرفة العبد لربه كما سبق أن أشرنا هي أمر فطري خلقه الله في نفس الإنسان، كما أخبر الله بذلك: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] إلى آخر الآية.
وأيضاً حديث الفطرة المشهور حديث أبي هريرة ﵁: (كل مولود يولد على الفطرة).
وجاء في بعض الألفاظ: (ما من مولود إلا ويولد على هذه الملة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه) إلى آخر الحديث.
فإذاً: معرفة الله أمر فطري، لكن مما يغذي الفطرة وينميها التأمل في آيات الله الشرعية والكونية؛ ولهذا قال: [فإذا قيل: بم عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضين السبع ومن فيهن وما بينهما، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧]].
يعني: التفكر في مخلوقات الله يورث اليقين في النفس، ويزيد المعرفة بالله ، والتدبر في مخلوقاته المتنوعة وفي آياته الشرعية كلها تنمي الإيمان في القلب، وتزيد هذه الفطرة نماءً وصحة.
قال: [وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]].
القرآن مليء بالأمر بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وفي مخلوقات الله المتنوعة، والأمر أيضاً في تأمل آياته الشرعية، وأيضاً التأمل فيما أمر الله به من الأحكام والواجبات الشرعية؛ فإن فيها ما يدل الإنسان على معرفة الله ، ويزيد من إيمان العبد.
стр. 38
استحقاق الرب سبحانه للعبادة وحده لا شريك له
قال: [والرب هو المعبود].
يعني: هذا أحد استعمالات الرب، فإن الرب يأتي بمعنى المربي ويأتي بمعنى الخالق أيضاً، ويأتي بمعنى المدبر لأحوال الإنسان، ومن استعمالاته المعبود أيضاً، وإن كان الأقرب للفظة المعبود هو الإله، ولهذا سيأتي معنا أن الإله معناه المعبود، لكن أحياناً قد ترد بعض النصوص الشرعية يستخدم فيها لفظ الرب ويراد به المعبود .
فهذه الآيات توصل إلى إفراد الله بالعبادة، ولهذا فإن التقسيم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات هو تقسيم فني، ذكره العلماء لتقريب العلم، وإلا فإن هذه الأنواع متداخلة، ولا يتصور مثلاً أن إنساناً يؤمن بالربوبية كاملة ولا يؤمن بالألوهية، فكل من أشرك في الألوهية فلا بد أن يكون لديه قدح في الربوبية، أو في الأسماء والصفات.
ولا يتصور أن إنساناً لا يؤمن بالربوبية ويكون مؤمناً بالألوهية، ولهذا بينهما تداخل قوي، والمشركون الذين يقرون بالربوبية هم يقرون بالربوبية في الجملة، أما عند التفصيل فنجد أنهم يصفون الملائكة بأنهم بنات الله، ونجد مثلاً: أنهم ينسبون إنزال المطر إلى (الأنواء) النجوم، ونحو ذلك من الشرك في الربوبية.
إذاً: ينبغي أن نلاحظ أن هذا التقسيم الذي يذكره أهل العلم لأنواع التوحيد لا يعني أن كل قسم منفصل عن القسم الثاني بشكل كامل؛ لأنه علم واحد وعقيدة واحدة، وأراد العلماء بهذا التقسيم أن يبينوا المعاني حتى يتعلم الإنسان العقيدة، وإلا فإنها نوع واحد وهي: متداخلة، ولهذا الرب يأتي بمعنى المعبود، والإله يأتي بمعنى المعبود، ويأتي الرب بمعنى الخالق والمدبر، فينبغي ملاحظة ذلك.
قال: [والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]].
قوله: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)) فربكم هنا جاءت بمعنى المعبود، ثم قال: ((الَّذِي خَلَقَكُمْ)) هذا وصف لله سبحانه، إلى آخر الآيات التي تبين أن الله هو مدبر هذا الكون وخالقه.
стр. 39
بعض أنواع العبادة التي يجب أن تصرف لله تعالى وحده
قال: [قال ابن كثير ﵀: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.
وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل: الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومنه: الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها؛ كلها لله تعالى].
يعني: هذه الأنواع من العبادات يجب أن تصرف لله ، وهذه العبادات هي أعمال قلبية وأعمال متعلقة بالجوارح يجب أن تكون خالصة لله .
قال: [والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر].
يعني: حقيقة التوحيد: هو إفراد الله بالخلق والرزق والتدبير، وإفراده بالعبادة، وإفراده بالأسماء الحسنى والصفات العليا.
والشرك: هو مناقضة ذلك، فمن نسب إلى مخلوق الخلق وأنه قادر على الخلق والتدبير فهذا مشرك في الربوبية، ومن صرف لمخلوق نوعاً من أنواع العبادة فهذا مشرك في الألوهية، ومن وصف مخلوقاً بما وصف الله به نفسه، أو سماه بما سمى الله به نفسه من أسمائه الحسنى فهذا مشرك في الأسماء والصفات.
ثم بعد ذلك ساق الأدلة على أنواع العبادات.
قال: [والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]].
стр. 40
الدعاء ودليله
قال: [فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]].
قوله: ((وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)) الإله بمعنى المعبود.
وقوله: ((لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ)) وهذا هو حال كل من دعا غير الله .
والدعاء هنا المقصود به دعاء العبادة، فإن الدعاء نوعان: دعاء المسألة، وهو ما يسأله الإنسان ويطلبه، مثل أن يقول: اللهم اغفر لي، اللهم أدخلني الجنة، فهذا دعاء المسألة.
النوع الثاني من الدعاء: هو دعاء العبادة.
والمقصود به أن يقوم الإنسان بالعبادة، فإذا قام بنوع من أنواع العبادة فحاله أنه في حال الدعاء، لأنه عندما يذبح مثلاً لله فإنه في هذه الحالة يدعو ويطلب من الله أن يتقبل منه، وأن يدخله الجنة، فهذه حالة دعاء.
وكلمة دعاء في الغالب عندما تطلق فالذي يتبادر إلى ذهن الإنسان دعاء المسألة، مع أن دعاء العبادة هو مقصود في كثير من الأدلة التي جاءت في إفراد الله بالدعاء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١١٧] يعني: دعاء عبادة، كأن يصلي لغير الله ، ويصوم لغير الله، وينسك لغير الله، ويحج لغير الله، ويستغيث بغير الله، وإن كانت الاستغاثة من دعاء المسألة، ويذبح لغير الله، فهذه كلها من الدعاء، حتى لو كانت في ظاهرها لا تتضمن لفظة الدعاء، وإنما هي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب.
قال: (الدعاء مخ العبادة)].
هذا الحديث رواه الترمذي وفي إسناده ضعف، والصحيح حديث آخر وهو: (الدعاء هو العبادة).
قال: [والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]] فسمى الدعاء عبادة، قال: ((ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)).
والمقصود بالدعاء في هذه الآية دعاء المسألة، والدعاء في الآية التي قبلها: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١١٧] هذا دعاء العبادة.
فقوله: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)) هذه في دعاء المسألة.
وعرفنا أن هذا دعاء المسألة؛ لأنه قال: ((أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي)).
стр. 41
الخوف ودليله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]].
والخوف ينقسم إلى قسمين: الأول: خوف طبيعي ليس فيه شيء من الشرك، كالذي يخاف من الأسد مثلاً، أو يخاف من أمر طبيعي مما يخاف منه الناس في العادة، فهذا لا شيء على الإنسان فيه، لا يقال لإنسان خاف من أسد: إن هذا مشرك؛ لأن هذا خوف طبيعي، يعني: خلقه الله في نفس الإنسان.
الثاني من الخوف: هو خوف التأله، وهو الخوف الذي يترتب عليه ذل وخضوع، ويقصد به إما الله فيكون توحيداً، وإما غير الله فيكون شركاً.
فخوف التأله مثل: الخوف من الجن أو الشياطين، أو خوف السر كما يسميه العلماء، وهو الخوف من تأثير قوة غيبية عليه ونحو ذلك، فهذه كلها تعتبر من الشرك الأكبر والعياذ بالله.
وهناك خوف لا يصل إلى الشرك الأكبر، لكنه يقدح في التوحيد وهو الخوف من العدو مثلاً، خوفاً يجعله يترك الواجب أو يفعل المحرم، مثل: من يخاف من الأعداء أو المنافقين أو نحو ذلك فيترك الواجبات الشرعية، كأن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يترك الدعوة إلى الله، أو يترك الإصلاح، أو يترك أي عمل من الأعمال الفاضلة والصالحة.
أو يفعل محرماً، بأن يدفعه هذا الخوف من المنافقين ويجعله يرتكب محرماً، مثل: أن يحلق لحيته، أو أن يسبل ثوبه، أو نحو ذلك من الأفعال المحرمة أياً كانت، فهذا الخوف والعياذ بالله يعتبر من الشرك الأصغر، صحيح أنه لم يصرف عبادة لغير الله، لكن إذا أردت أن تعرف الشرك الأكبر فانظر إلى العمل، إذا صرفه المرء إلى غير الله فهذا شرك أكبر، وإذا لم يكن كذلك كان دون ذلك، يعني: يصرف عبادة لغير الله لكنه وقع في خلل، هذا الإنسان الذي يخاف من المنافقين أن يحصل له منهم أذى فيحلق لحيته، أو يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنها من الواجبات، فهذا يعتبر من الخوف المحرم الذي يكون من الشرك الأصغر وليس من الأكبر، لكن لو خاف من غير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله ، فهذا لا شك أنه من الشرك الأكبر والعياذ بالله.
يقول الله : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] يعني: يخوفكم من أوليائه، فيترتب على هذا الخوف ترك شيء من الواجبات، أو فعل شيء من المحرمات.
стр. 42
الرجاء والتوكل وأدلتها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]].
الرجاء: هو ما يرجوه الإنسان ويرغبه ويطلبه ويتمناه.
وقوله: ((وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)) يدل على أن الشرك يدخل في الرجاء.
قال: [ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣] وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]].
التوكل هو الاعتماد القلبي، والاعتماد القلبي نوعان: الأول: الاعتماد على الله ، وهذا من العبادة.
الثاني: الاعتماد على غير الله ، وهذا ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون اعتماداً كلياً على غير الله ، وهذا يعتبر من الشرك الأكبر.
الثاني: أن يكون اعتماداً على غير الله في أمر مما يقدر عليه الإنسان، كأن يعتمد على الطبيب ويتعلق قلبه بالطبيب تعلقاً كاملاً، ويعتمد عليه اعتماداً كبيراً فهذا يعتبر من الشرك، وإن كان هو سبباً؛ لأن الاعتماد إذا زاد، فإنه يكون من الشرك الأصغر لا الأكبر، وإنما يكون من الأكبر إذا كان في أمر لا يقدر عليه إلا الله، كأن يعتمد على إنسان في أن يشفيه، أو يعتمد عليه أن يرزقه، أو أن يأتيه بالولد، أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله .
стр. 43
الرغبة والرهبة والخشوع والخشية وأدلتها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]].
الرغبة تكون بمعنى الرجاء، والرهبة تكون بمعنى الخوف والخشية، وإن كان هناك فروق دقيقة بينهما، وهي من أعمال القلب.
والخشية تكون عن علم، والرهبة هي بمعنى الخوف ومقاربة له، والخشوع هو خضوع القلب وذلته لمن يخشع له، يقول الله : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
وهنا أحب أن أنبه إلى قاعدة وهي: كيف تعرف أن هذا الأمر من الأمور عبادة؟ هناك طريقتان لمعرفة أن هذا الأمر عبادة من العبادات: الطريقة الأولى: أن يكون الله أمر به سواء أمر إيجاب أو استحباب، فكل ما أمر الله به فهو من العبادة قطعاً.
الطريقة الثانية: اشتمال هذا العمل على المحبة والذل والخضوع، فإذا اشتمل على محبة وذل وخضوع تام مع محبة تامة، فإنه يكون عبادة، فأركان العبادة: المحبة، والذل، والخضوع التام؛ لأنه قد يخضع الإنسان ويذل لمن يبغضه، أو قد يحب ويتعلق لكن بدون ذل وخضوع، فإذا اشتمل الفعل على محبة تامة وذل وخضوع فهو حقيقة العبادة.
قال: [ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة:١٥٠]].
стр. 44
الإنابة والاستقامة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وأدلتها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤]].
والإنابة بمعنى التوبة.
قال: [ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
وفي الحديث: (إذا استعنت فاستعن بالله)].
الاستعانة نوع من أنواع التوكل والاعتماد أو طلب العون.
والمقصود هنا الاستعانة بالله ، وتكون شركاً إذا استعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
القاعدة في العبادات التي يمكن أن تنقسم إلى قسمين: قسم يقدر عليه المخلوق، وقسم لا يقدر عليه إلا الله ، ويكون الشرك فيما لا يقدر عليه إلا الله ، ويكون التوحيد بأن تجعل لله .
أما إذا كان الإنسان يقدر على شيء منها مثل: إعانة أحد أو إغاثته ومساعدته؛ فهذا لا شيء فيه إذا كان على أنه سبب.
قال: [ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] وقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]].
الاستعاذة: هي الالتجاء والاعتصام بالله أو بغيره، إذا كانت بالله تكون توحيداً، وإذا كانت بغيره في أمر من الأمور الذي يخشاه الإنسان ويخاف منه تكون شركاً.
قال: [ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩] الاستغاثة معناها: طلب الغوث والنجدة، فإذا كانت بالله فهي تمام التوحيد، وإذا كانت بغيره فإن كان مما لا يقدر عليه إلا الله فهو الشرك، وإن كان مما يقدر عليه العبد فلا شيء في ذلك.
قال: [ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
ومن السنة: (لعن الله من ذبح لغير الله)].
قوله: ((قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي)) النسك هو الذبح.
وقوله: ((لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) يعني: التوحيد أن تكون الصلاة والنسك لله رب العالمين.
قوله: ((لا شَرِيكَ لَهُ)) هذا يدل على أنه يمكن دخول الشرك فيها.
والذبح منه ذبح عادي وطبيعي وهو الذبح الذي يكون لطلب أكل اللحم، وهناك ذبح للتقرب، فالذبح للتقرب هو الذي يكون إما عبادة إذا صرفت لله ، وإما شرك إذا صرفت لغير الله .
قال: [ودليل النذر قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]].
هذا الأصل الأول وهو معرفة العبد ربه، وهو توحيد الله .
وهذا التوحيد سيأتي معنا الحديث عنه بإذن الله مفصلاً في (كتاب التوحيد)، وسنأخذ هذه الأنواع جميعاً بالتفصيل، وسنتحدث عنها بإذن الله تعالى.
في اللقاء القادم سنتحدث عن الأصل الثاني والأصل الثالث، وبه نختم هذا الكتاب لنبدأ في كتاب (كشف الشبهات) وكثير من المعلومات ستتكرر معنا، لكن المهم أن يفهم الإنسان الحقائق الشرعية فيها.
стр. 45
الأسئلة
стр. 46
حكم فعل المحرمات وترك الواجبات بحجة الخوف من الفتنة
السؤال
هل عندما يقوم الإنسان بحلق لحيته، أو ترك واجب كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومخالفة الصالحين في زيهم كل ذلك خوفاً أن يفتن في دينه، ومثل ذلك أن يكون في غير بلاد المسلمين أو بلد مسلم لا يحميه؛ هل هذا من الخوف الحرام؟
الجواب
لا شك أن هذا من الخوف الحرام؛ لأن الخوف الذي يوصل الإنسان إلى ترك واجب من الواجبات هذا من الوهم، فالواجب أن يعتز الإنسان بدينه، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يجتهد في إصلاح الناس.
وأما إذا خاف الإنسان وتردد وضعف؛ فإن الدعوة ستضعف؛ لأن الخوف الذي سيحصل لك سيحصل للثاني والثالث والعاشر، وحينئذ سينتشر المنكر وينتشر الفساد في الأرض والعياذ بالله وهذا من الأمور التي لا يجوز للإنسان أن يسكت عليها.
ومع الأسف فإن كثيراً من الناس يخاف من الوهم، ويظن أن العالم كلهم ينظرون إليه، وكأنه تحت كشافات والعالم كله تنظر إليه، فلا يتصرف تصرفاً إلا وهو خائف، هذا خوف مرضي لا ينبغي أن يكون في المسلم؛ لأن صاحب العقيدة الصحيحة لا يخاف إلا من الله ، فيجتهد في العمل ويجتهد في الدعوة، ويجتهد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالذات هو صمام الأمان للمجتمع، وإذا سكتنا عن المنكرات زادت وكثرت وانتشرت وأصبحت هي الأصل، وأصبح المسلم غريباً، وأصبحت أسرنا أبناؤنا وبناتنا عرضة للانحراف؛ بسبب انتشار المنكر، لكن إذا ضايقنا أصحاب المنكرات وبينا رفضنا لهذا، واشتكيناهم للمسئولين، وقمنا بدور إصلاحي في المجتمع؛ فإنه بإذن الله تعالى سيضعف المنكر ويذبل.
المهم أن يمارس الإنسان إنكار المنكر بطريقة مناسبة، ولا يعني إنكار المنكر أن يقوم الإنسان بالمشاجرة مع الناس والدخول معهم في معارك، والدخول معهم في مشاكل، لا وإنما يعني إنكار المنكر أن تبين لصاحب المنكر أياً كان أن هذا العمل الذي قام به عمل محرم لا يجوز، وأنك ترفضه وتنهى عنه.
وإذا كان هذا الشخص مثلاً صاحب تجارة أو صاحب عمل فتقوم بالاحتساب عليه وتشتكيه للمسئولين، وإذا كان صاحب المنكر مثلاً مسئولاً فتشتكيه لمن هو أعلى منه، وتبين أن هذا العمل الذي عنده عمل محرم لا يجوز، ولا يجوز السكوت عليه، فهذا أمر إيجابي، وهذا في مصلحة المجتمع، وهذا أمر فيه خير للناس فضلاً عن كونه عبادة يحصل لك بها الأجر عند الله ، وهي من أعظم الأمور التي تجعل المجتمع يستقيم على أمر الله ، لكن عندما نسكت عن المنكر ينتشر المنكر في الأرض والعياذ بالله، ونصبح أمة ملعونة، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
إذاً: ترك التناهي هو سبب اللعنة، ولهذا يجب أن ننهى عن المنكر، ويجب أن نحتسب على أصحاب المنكرات، لكن بطريقتها المشروعة وبأسلوبها الصحيح، لا يفهم أحد كلامي هذا أنه إذا رأى صاحب منكر أن يدخل معه في مشكلة وفي مشاجرة وفي مضاربة، لا، إنما ينصحه، وإذا آذاك فاصبر، فنحن لنا في سنة النبي ﷺ خير قدوة وخير مثال؛ لأن النبي ﷺ أوذي فصبر، ولهذا من خلال التجربة وجدنا الكثير ممن ننصحه ونذكره بالله ونبين له أن هذا العمل الذي يعمله منكر من المنكرات وأنه لا يجوز تجد ولله الحمد استجابة وشكراً، بل واعتذاراً، وهذه نعمة من الله ، وبالذات في هذه البلاد ولله الحمد نجد كل من حولنا يساعدنا، فأهل العلم يساعدوننا على هذا، والأنظمة الرسمية تساعد على هذا ولله الحمد، وولاة الأمر يتحدثون بشكل مستمر ودائم على أن منطلق هذه البلاد ولله الحمد هو الإسلام وأحكام الإسلام.
فكل تجاوز يجب أن يكون هناك من أهل الدعوة وأهل الإصلاح موقف صحيح في الاحتساب عليه والإنكار عليه.
لو أننا أدينا الواجب علينا نحو الصحافة التي تكتب في كثير من المنكرات، وتتهجم على الجمعيات الخيرية، وتتهجم على دور التحفيظ، وتتهجم على العلماء، ويقوم بعض الكتاب السفهاء بالكلام في خيرة الناس وهم أهل العلم والفضل، لو قمنا بالاحتساب وشكوى مثل هؤلاء لكبار المسئولين في البلد، لكان في ذلك إيقاف لهؤلاء عند حدهم، وإيقاف لتجاوزات هؤلاء وإنكار لما هم عليه.
стр. 47
دخول الولاء والبراء في أصل التوحيد وأساس العقيدة
السؤال
هل يمكن أن نقول: إن الولاء والبراء يكون شطر عقيدة التوحيد؟
الجواب
نعم، التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي نفي وإثبات، فالنفي هو البراءة من الشرك ومن الأعمال الشركية ومن الأقوال الشركية، والبراءة من أهل الشرك أيضاً، فلا شك أن الولاء والبراء يدخل في أصل التوحيد وفي أساس العقيدة.
стр. 48
الفرق بين الشرك والكفر
السؤال
ما هو أعظم الشرك أم الكفر؟
الجواب
الشرك والكفر كلاهما عملان يخرجان الإنسان من الإسلام، ولهذا هما بمنزلة واحدة في الأحكام سواء في الدنيا أو في الآخرة، لكن الشرك: هو عبادة غير الله ، والكفر: هو جحد ما أمر الله به، فهما طريقان مختلفان في العمل، لكن متفقان في النتيجة.
وأحياناً إذا أطلق الشرك يدخل فيه الكفر، باعتبار أن المشرك جاحد لما أمر الله به، وإذا أطلق الكفر يدخل فيه الشرك، باعتبار أن الكافر اتخذ إلهه هواه كما أخبر الله .
стр. 49
حكم طلب الدعاء من صاحب القبر
السؤال
إذا ذهب رجل إلى قبر وقال لصاحبه: ادع الله لي، دون أن ينزل بصاحب القبر حاجته؛ فما حكم هذا الفعل؟
الجواب
إذا جاء إلى صاحب قبر وقال: ادع الله لي ولم يدع صاحب القبر فهذا يعتبر من البدع وليس من الشرك؛ لأن الشرك لا يكون إلا إذا دعاه مباشرة، فهناك فرق بين دعاء غير الله كأن يأتي إلى صاحب قبر ويقول: يا فلان اغفر لي، أو أدخلني الجنة، أو أعطني الولد، فهذا يدعو غير الله ، أو يا محمد أدخلني الجنة مثلاً، أو يقول: يا سيدي فلان أنقذني من المرض الذي عندي، هذا شرك أكبر؛ لأنه دعا غير الله ، لكن إذا جاء عند صاحب القبر وقال: ادع الله لي، الآن هو ما دعاه، وإنما طلب منه أن يدعو الله له، فالصحيح أن هذا يعتبر من البدع.
والحقيقة أن هذه المسألة فيها خلاف، فبعض أهل العلم المحققين يعتبر أن هذا من الشرك أيضاً، على اعتبار أن هذا الطلب من ميت، والميت لا يقدر عليه فيكون شركاً أكبر.
стр. 50
التحذير من الوقوع في الشرك
السؤال
هناك أناس كثيرون واقعون في الشرك في الدول الإسلامية وغيرها؛ فما واجبنا نحوهم؟ وما هي نصيحتك لطلاب العلم لنشر التوحيد؟
الجواب
لا شك أن الشرك يقع من كثير من الناس، والحقيقة يا إخواني أننا حين ننسب الشرك إلى البلاد الإسلامية الأخرى وكأننا نزكي أنفسنا، فهذه الطريقة يجب أن نكف عنها؛ لأن لدينا كثيراً من الخلل، ويوجد عدد كبير من شبابنا بالذات الأجيال الجديدة التي تعاملت مع (الإنترنت)، وتعاملت مع الفضائيات يقعون في أنواع كثيرة الشرك، ويذهبون إلى السحرة والكهنة والعياذ بالله.
أحياناً يكون هذا الشرك بالتحاكم إلى غير شريعة الله ، وأحياناً يكون هذا الشرك بعبادة غير الله ، بل وصل في حالات كثيرة أن كثيراً منهم يعرض عن الدين بالجملة لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي، فلا ننسب الشرك إلى بقعة من البقاع، فمن أكبر الأخطاء أن ننسب ونقول: والله البلاد الإسلامية فيها شرك ونحن ولله الحمد على التوحيد، لا، لا نزكي أنفسنا، وإنما ينبغي علينا أن نخاف جميعاً من الشرك.
إذا كان إبراهيم ﵇ يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] وهو الذي كسر الأصنام بيده، فلا نزكي أنفسنا ولا نمدح أنفسنا، نحن كغيرنا من الناس الذين نتأثر، والذين فتحت علينا بوابات الشر من كل مكان، الفضائيات اليوم تفسد الشباب والفتيات، و (الإنترنت) أصبح كثير من المسلمين يكون صداقات وعلاقات مع عدد من الكفار في البلاد الغربية وغير الغربية.
والانفتاح الهائل الكبير جعل من كثير من المسلمين اليوم يدعون باسم الحرية إلى الانفلات من الدين كله، ويعتقد كثير من المسلمين أن الدين شيء شخصي وأمر شخصي، ولا علاقة للآخرين به، وأنه في المسجد! هل تظنون يا إخواني أن كثرة النظر إلى الأفلام والمسلسلات التي تصور أن المسجد مثل الكنسية، تؤدى فيه العبادة، وإذا خرج الإنسان فله أن يتحاكم إلى غير شريعة الله في كل شيء، في الأموال وفي الدماء وفي السياسة وفي الاقتصاد وفي التربية وفي كل أمر من الأمور، ولهذا الشرك أصبح في كثير من بلاد المسلمين، فلغة أن الشرك منتشر في البلاد الإسلامية وغير ذلك هذا فيه تزكية النفس، وأنا أرى أن هذه لغة غير صحيحة.
стр. 51
حكم قول: ورب القرآن
السؤال
ما حكم قول: ورب القرآن؟
الجواب
لا يجوز؛ لأن الرب معناه الخالق، والقرآن هو كلام الله ، وهو صفة من صفاته، فلا يجوز قول: ورب القرآن.
стр. 52
حكم أهل وحدة الوجود
السؤال
هل فرقة الوجودية الذين يدعون أن الله في كل مكان يكفرون بكلامهم؟ وكيفية الرد عليهم؟
الجواب
هؤلاء لا يسمون الوجودية، الوجودية مذهب فكري غربي، لكن هؤلاء أصحاب مذهب وحدة الوجود الذين يعتقدون أن هذا الوجود وحدة واحدة، فهؤلاء لا شك أنهم كفار؛ لأنهم يعتقدون أنك أنت الله، وأنك أنت جزء من الله، وأن الله في كل مكان، حتى في أماكن الخلاء وأماكن القذارة! ولا شك في كفر هؤلاء.
стр. 53
حكم من أدرك صلاة الجمعة ولم يدرك الخطبة
السؤال
أتى رجل إلى صلاة الجمعة ولم يحضر الخطبة؛ فهل يصلي الظهر؟
الجواب
إذا أدرك ركعة من صلاة الجمعة فقد أدرك الجمعة، لكن إذا فات عليه الركوع في الركعة الثانية فإنه يصلي ظهراً أربع ركعات.
стр. 54
حكم الخوف عند سماع أصوات في الليل
السؤال
يقول شخص: أنا أدخل في المسجد في آخر الليل وأحفظ وأصلي وأسمع بعض الحركات في المسجد، والمسجد ليس فيه أحد فينتابني خوف وهلع؛ فهل هذا الخوف والهلع شرك بالله؟
الجواب
لا ينبغي للإنسان أن يخاف حين يسمع أصواتاً أو يسمع شيئاً، وهذا الخوف مذموم؛ لكونه جبناً، لماذا الإنسان يخاف من شيء لا حقيقة له؟ ينبغي ألا يكون الإنسان صاحب قلب ضعيف.
هذه المسألة ليس فيها شرك ولا توحيد، لكن ينبغي أن يكون صاحب قلب قوي، ولا يكون صاحب قلب ضعيف يخاف من الأشياء، أو يخاف من أحد أو نحو ذلك.
стр. 55
حكم الجوال المشتمل على كاميرا
السؤال
ما حكم الجوال الذي يحمل (الكاميرا)؟ وهل ينكر على صاحبه؟
الجواب
لا؛ لأن (الكاميرا) وسيلة، قد يصور بها شيئاً طبيعياً لا إثم فيه، وقد يصور شيئاً فيه إثم.
стр. 56
حكم عمل المعصية خوفاً من المخلوق
السؤال
مثلت في قضية الشرك الأكبر بحلق اللحية خوفاً من البشر؟
الجواب
أنا لم أمثل بأن من حلق لحيته خوفاً من البشر يكون صاحب شرك أكبر، أنا ضبطت الشرك الأكبر بأنه صرف العبادة لغير الله، وهذه ليس فيها صرف العبادة لغير الله، لكن هذا محرم، يعني: أن يعمل الإنسان المعصية خوفاً من مخلوق، هذه من الأمور المحرمة، وهي تدخل في الشرك الأصغر.
стр. 57
تأصيل علم العقيدة [٣]
أخبر النبي ﷺ بأنه سيكون في أمته التفرق والاختلاف، وقد قدر الله ذلك، وكثر أهل البدع والأهواء، وظهرت فتن كقطع الليل المظلم، حتى أصبح المسلم لا يعرف دينه، ولا يعرف تطبيقه عملياً في حياته، فهو يعرف دينه جملة لا تفصيلاً، فلا بد للمسلم أن يعرف الدين ومراتبه الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان.
стр. 58
أهمية العقيدة الصحيحة والعمل الصالح
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.
أما بعد: إننا نعيش في هذه الأيام فترة صعبة من فترات حياة المسلمين، كثرت فيها الفتن والانحرافات السلوكية والعقدية والفكرية؛ ولهذا كثير من الناس اليوم أصبحوا صرعى لهذه الفتن: فتن الشهوات وفتن الشبهات، والذي ينبغي على الإنسان أن يحرص على سلامة دينه وأخلاقه، وعلى سلامة فهمه وعقيدته، فإن الإنسان في هذه الدنيا مستخلف، وهو يعيش في فترة محدودة ثم ينتقل بعد ذلك إلى دار الجزاء والحساب، وهذه الفترة هي فترة ابتلاء وامتحان بالنسبة للإنسان، كما قال الله : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧] فيحتاج الإنسان فيها أن يتزود، وأن يجتهد في العمل، فهي فترة تحتاج إلى الاجتهاد والعمل، فإذا مات الإنسان انقطع عمله، ولم يبق من عمله شيء إلا ما خلف كولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية، أو علم ينتفع.
والمنهج الذي يجعل الإنسان يسير على هدىً من الله في هذا الطريق الذي تعترضه كثير من المصائب والمشكلات والفتن، هو المنهج الصحيح منهج النبي ﷺ وأصحابه، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، ولما سئل عنها قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فعلى المستوى الشخصي بالنسبة للإنسان ينبغي أن يهذب نفسه وأن ينمي قلبه بالإيمان وبالأعمال الصالحة وبالتقوى، وينبغي له أن يزكي نفسه، كما قال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠]، وتزكية النفس تكون بمحبة الله والتوكل على الله، والاعتماد على الله، والخوف من الله، وتنمية الإيمان في القلب من خلال الأعمال الصالحة، فإن كثرة الأعمال الصالحة تنمي الإيمان في قلب الإنسان، وتجعله متعلقاً بالله ، وعلى قدر اجتهاد الإنسان في البعد عن المعصية وفي فعل ما أمر الله على قدر ما ينمو إيمانه أكثر وأكثر حتى يجد حلاوة وطعم الإيمان في قلبه وفي نفسه.
وينبغي على الإنسان أن ينمي معرفته بالعلم الذي يضبط دين الإنسان ويضبط عقيدته، فأحياناً قد يكون الإنسان صالحاً وتقياً وكثير صلاة وصيام لكن لنقص العلم قد يقع في الخلل؛ ولهذا لا بد من أمرين مهمين: الأمر الأول: العلم، والثاني: العمل، هذا على المستوى الفردي وعلى المستوى الشخصي، أما على مستوى الأمة، فالأمة في هذه الفترة تعاني من المشكلات ومن الأذى فنحن نسمع بما يفعله اليهود عليهم لعنة الله في فلسطين، وما يفعله المستعمرون المحتلون الأمريكان في العراق وأفغانستان وغيرها، وما يحصل من القتل والأذى للمسلمين، وعلى الرغم من ذلك إلا أن هذه الأمة ولله الحمد -في هذه الفترة- تعيش صحوة إسلامية متنامية تزيد يوماً بعد يوم، والتي يجب أن تجعل في نفوسنا أملاً وفرحاً بنصر الله ، ولكن نصر الله لا يتحقق للإنسان إلا إذا حقق ما وعد الله به أهل الإيمان، فإن من اجتهد في نصر الله بالعلم والعمل الصالح والإيمان والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والإصلاح، فإنه سيتحقق له النصر بإذن الله ؛ ولهذا فإن المعصية لها تأثير كبير جداً في تأخير النصر وفي حصول الهزيمة، فينبغي علينا دائماً أن نجتهد في أن نتفاءل بالخير، وأن نجتهد في توعية الأمة بما يصلحها، وأن نجتهد في تحذيرها من برامج وخطط المنافقين اللصوص الذين يريدون قطع الطريق على هذه الأمة ويحرفونها عن منهجها الرباني الذي أمرها الله أن تتمسك به.
إذاً: إذا عاد الإنسان إلى الله على المستوى الشخصي، وعلى المستوى العام للأمة فإن هذا سيجعل هذه الأمة في تقدم، ونصبح على خير، ولأن يموت الإنسان على التوحيد خير له من أن يقع صريع الشرك والبدع والمعاصي والشهوات المحرمة، حتى لو كان يملأ بطنه من الأكل والشرب، وحتى لو كان يملأ جيبه من المال، وحتى لو كان يركب أحسن السيارات ويسكن أفخم القصور؛ لأن هذه الدنيا محدودة الزمن وفي وقت محدد ليرتحل الإنسان عنها.
لقد عاش أصحاب النبي ﷺ فقراء، بل عاش الأنبياء الذين هم أفضل من الصحابة فقراء لا يملكون شيئاً من هذه الدنيا، كان يمر الشهر بأكمله على بيت النبي ﷺ لا يوقد فيه نار، وإنما طعامهم الأسودان التمر والماء، ومع هذا لم ينقص منه ومن قدره ﵊ شيء، وإنما علا لأن هذه الدنيا ليست دار بقاء، وإنما هي دار انتقال.
стр. 59
الأصل الثاني من الأصول الثلاثة: معرفة دين الإسلام بالأدلة
الأصل الثاني من الأصول الثلاثة: معرفة الدين.
تحدثنا عن معرفة الله ، وهو الأصل الأول وفي هذا اللقاء سنتحدث عن معرفة الدين.
الدين مأخوذ من قولك: دان له، إذا ذل، والتدين معناه التذلل، والدين معناه: الذل والخضوع لله ، ولهذا عرفه الشيخ: بأنه الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك.
يقول المؤلف ﵀: [الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة] قوله: بالأدلة فيه فائدة عظيمة جداً، وهي أن معرفة الدين ينبغي أن تكون عن قناعة تامة بالنسبة للإنسان، فإن التقليد في معرفة الدين يكون صاحبه معرضاً للشك، وعندما يسمع أي فتنة من الفتن يكون دينه على مهب الريح -كما يقولون- ويتأثر، لكن دين المؤمن راسخ؛ ولهذا شبه النبي ﷺ المؤمن بالنخلة، ووجه الشبه بين المؤمن وبين النخلة أن النخلة قوية، جذورها في الأرض قوية، لا تقلع، بينما المنافق يشبه الزرع الذي لا جذور له، تحركه الريح يميناً وشمالاً.
فرسوخ الدين يكون عندما يتعلم الإنسان الدين بالأدلة، وتكون قناعته به قناعة كاملة وتامة ليس فيه شك ولا ريب.
стр. 60
الأمور التي تتضمنها معرفة الدين
معرفة الدين يتضمن ثلاثة أمور: الأمر الأول: الاستسلام لله بالتوحيد.
الأمر الثاني: الانقياد له بالطاعة.
الأمر الثالث: البراءة من الشرك.
والاستسلام معناه: الخضوع والذل والانقياد لله بالتوحيد أي: إفراده بهذا الذل والخضوع والانقياد، وهذا يقتضي ألا يتلقى إلا عن الله ، وما أمر الله سبحانه به من طاعة الرسول ﷺ ، وألا يتحاكم إلا إليه، وألا يعبد إلا إياه، وألا يذل ولا يخضع إلا له ، وهو يقتضي تنفيذ أمره واجتناب نهيه؛ لأن المستسلم لله ينقاد له، وإذا أمره بأمر نفذه، وإذا نهاه عن نهي اجتنبه، فهو يقتضي عمل القلب ويقتضي عمل الجوارح أيضاً.
والأمر الثاني: الانقياد له بالطاعة أي: الانقياد لله بالطاعة، والطاعة تنقسم إلى قسمين: طاعة الأمر تكون بالفعل، وطاعة النهي تكون بالترك، فطاعة الأمر مثل أمره بإقامة الصلاة فتكون طاعته بفعلها، وطاعة النهي تكون إذا نهى الله عن أكل الربا فطاعته تكون بالترك، وهذا هو الانقياد، والانقياد هنا في الطاعة مأخوذ من الاستسلام لله بالتوحيد.
والأمر الثالث: البراءة من الشرك وأهله، أي: البراءة من كل خضوع وذل وتعبد لغير الله ، وكل ذل وخضوع وتعبد لغير الله فهو شرك بالله سبحانه، وسيأتي تفصيله إن شاء الله معنا في كتاب التوحيد، والبراءة هنا تكون من الشرك أي: من العقائد الشركية والأقوال الشركية والأفعال الشركية.
ومن أهله أي: المشركين؛ ولهذا تبرأ إبراهيم ﵇ ومن آمن معه من الشرك ومن أهل الشرك فقال الله على لسانه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧]؛ ولهذا حطم الأصنام بيده، وتبرأ من أهله فأعلن البراءة منهم.
قال: [وهو ثلاث مراتب] أي: الدين ثلاث مراتب، وتقسيم الشيخ أخذه من حديث جبريل ﵇؛ ولهذا ختم الحديث عن هذا الأصل بالحديث الطويل لجبريل، فهو حديث عظيم من أحاديث الأربعين التي جمعها الإمام النووي ﵀، وهي من جوامع كلم النبي ﷺ ، فقد أعطي ﵊ جوامع الكلم وخواتمه ومفاتحه فهو يعبر بالتعبير القليل الذي يتضمن المعاني الكثيرة، وهذا معنى جوامع الكلم، فكلام النبي ﷺ قليل لكنه كثير المعاني.
والحديث هو: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ أقبل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)، وسيأتي معنا قراءته في آخر هذا الأصل.
وقد سأله عن ثلاث مسائل: سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأخذ الشيخ تقسيم المراتب منها وختم ذلك بقوله: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، وهذا من الفقه، فأهل العلم يتأملون النصوص القرآنية والنصوص النبوية ويستخرجون منها الفوائد، فالتقسيمات التي يذكرها أهل العلم يأخذونها من الآيات والأحاديث عن النبي ﷺ ، فمحاور الحديث تدور حول ثلاثة أسئلة أساسية السؤال الأول عن الإسلام، والسؤال الثاني عن الإيمان، والسؤال الثالث عن الإحسان، ثم ختمها بالسؤال عن أشراط الساعة.
стр. 61
مراتب الدين
قال: [وهو ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، وكل مرتبة لها أركان، فأركان الإسلام خمسة، وأركان الإيمان ستة، وأركان الإحسان ركن واحد].
стр. 62
المرتبة الأولى: الإسلام وبيان أركانه
الدليل على أن أركان الإسلام خمسة من حديث جبريل، ومن حديث ابن عمر ﵁ في صحيح البخاري ومسلم قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا)، فالخمسة الأركان أخذها الشيخ من هذا الحديث.
قال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، وهذا الأول مع أنها على شطرين، إلا أنها ركن واحد؛ لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر، فلا تتم شهادة أن لا إله الله إلا بشهادة أن محمداً رسول الله، ولا تتم شهادة أن محمداً رسول الله إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، فشهادة أن لا إله الله تدل على الإخلاص، وشهادة أن محمداً رسول الله تدل على المتابعة للرسول ﷺ ، وهذان هما الشرطان الأساسيان لقبول العمل، فلا يقبل العمل إلا إذا كان خالصاً لله ، وصواباً على سنة النبي ﷺ ؛ ولهذا فسر العلماء ومنهم الفضيل بن عياض قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧] قال: أحسنه: أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لا يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لا يقبل.
(وإقام الصلاة) ومعنى إقامتها أي: الإتيان بواجباتها وشروطها وأركانها على الوجه الكامل.
(وإيتاء الزكاة) وذلك إذا بلغت النصاب، وتعطى لمستحقيها.
(وصوم رمضان) وهو: الإمساك المعلوم في الشهر المعلوم تعبداً لله .
(وحج البيت) وهو قصد البيت الحرام في أعمال مخصوصة كما هو معلوم.
стр. 63
شهادة أن لا إله إلا الله دليلها ومعناها
فدليل الشهادة قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]، فالشهادة أخذناها من قوله: (شهد)، والشهادة تأتي بمعنى الإعلام والإخبار والالتزام، والشاهد هو: الله والملائكة وأولو العلم، وأما المشهود عليه فهو التوحيد، وهو لا إله إلا الله، ومعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، وهي من جزأين لا إله: نافية لجميع ما يعبد من دون الله، إلا الله: مثبتة للعبادة لله وحده لا شريك له في عبادته.
وإعراب لا إله إلا الله: (لا) نافية للجنس عاملة عمل إن.
(إله) اسمها منصوب، وخبرها محذوف مقدر، والتقدير لا بد أن يكون مرتبطاً بالمعنى، فمعنى لا إله إلا الله، يعني: لا معبود بحق إلا الله، وقدرنا أن الخبر حق؛ لأنه يوجد آلهة معبودة من دون الله بالباطل، وهذا واقع، فالمقصود بلا إله إلا اله يعني: لا معبود بحق إلا الله ، ومن قدر من النحاة الخبر هنا بأنه موجود فقد أخطأ من حيث المعنى، ولم يخطئ من حيث الصنعة النحوية، فإنه ليس المقصود بهذه الكلمة لا إله إلا الله نفي وجود المعبودات؛ فإن هناك معبودات موجودة لكنها بالباطل وليست بالحق، لكن المقصود هنا نفي الآلهة المعبودة بالحق، فليس هناك إله حق إلا الله .
وإذا وزعنا الكلمة نجد أنها من أربع كلمات، (لا) كلمة وهي دالة على النفي، (إله) على وزن فعال، وفعال يأتي بمعنى مفعول وفاعل، فيأتي بمعنى مألوه وآله، والمقصود أن معناها جاءت على وزن مفعول، فلا إله إلا الله يعني: لا مألوه إلا الله، والإله والمألوه هو المعبود، وهذا معروف في لغة العرب، يقول رؤبة بن العجاج: لله در الغانيات المُدَّهِ سبحن واسترجعن من تألهي ومن حيث المعنى النفي يقتضي نفي الشرك والأنداد والأصنام، ونفي المعبودات، سواء كانت أشخاصاً أو عقائد أو أنظمة أو أفكاراً، أياً كان المألوه، فأحياناً قد يتعبد الإنسان لصنم، وأحياناً أخرى قد يتعبد لنظام، وقد يتعبد لمذهب، أو لشخص، أو لعقيدة، فكل من تعبد لله فهو موحد، وكل من تعبد لغيره فهو مشرك أياً كان هذا الغير.
فقوله: لا إله نفي الآلهة بكل أنواعها وكل أشكالها، إلا الله إثبات التأله لله وأنه حق خالص.
وعرفنا أن: لا إله إلا الله تدل على التوحيد من خلال الأساليب في لغة العرب والتي تدل على الاختصاص وتدل على الحصر وتدل على القصر، مثل: (إنما) قال تعالى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠]، (فإنما) تدل على الحصر في لغة العرب، ومن الأساليب: النفي والإثبات في وقت واحد، أو النفي والاستثناء، والنفي والاستثناء يدل على الاختصاص، فقوله: لا إله إلا الله، نفى الآلهة ثم استثنى، وهذا يدل على التوحيد، وعلى أن ما بعد إلا يجب أن يكون مختصاً بالمعنى الذي قبلها، والمعنى الذي قبل (إلا) هو التأله، فلا إله إلا الله يعني: لا معبود بحق إلا الله خاصاً وخالصاً لله .
وذكر هنا آيتين، كل آية منها جاءت بنفس دلالة معنى لا إله إلا الله، لكن بدون لفظها؛ ولهذا سنستخرج منهما الدلالة.
يقول المؤلف: [وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧]]، ثم قال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾ [الزخرف:٢٨]، قال المفسرون: الكلمة هنا معناها: لا إله إلا الله، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨] يعني: في أبنائه وذريته، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨] يعني: لعلهم يرجعون إليها بعد تركهم الشرك.
إذا استخرجنا معنى لا إله إلا الله من هذه الآية، فنجد أنها في قول الله على لسان إبراهيم: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦]؛ لأن البراءة تدل على النفي، فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦] تقابل: لا إله، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٧] أي: خلقني، وهذه تقابل: إلا الله، فدلت الآية على معنى لا إله إلا الله من الناحية المعنوية، وليس من الناحية اللفظية؛ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨].
الآية الثانية: هي آية آل عمران التي يقول الله فيها: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران:٦٤]، قال العلماء: الكلمة هنا معناها: لا إله إلا الله ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُن
стр. 64
شهادة أن محمداً رسول الله
وشهادة أن محمداً رسول الله تدل على أربعة معانٍ: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع؛ وهذه أمور من النبي ﷺ ، وأمور من العبد تجاه النبي ﷺ ، فالأمور التي من النبي ﷺ هي الأمر والخبر والنهي والسنة، والأمر من النبي ﷺ يقابله في العبد الموحد المخلص الاستجابة لأمره ﷺ ، والخبر من النبي ﷺ يقابله في الموحد التصديق بخبره، والنهي من النبي ﷺ يقابله في الموحد الامتثال في نهيه بالترك، والسنة التي عليها النبي ﷺ يقابلها من الموحد الاستجابة لسنته ﷺ ، وفي كل واحدة من هذه الأشياء نصوص تدل عليها تفصيلاً.
стр. 65
أدلة أركان الإسلام
قوله: دليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فنلاحظ في هذه الآية أن الصلاة والزكاة ربطت بالتوحيد؛ لأن ترك التوحيد كفر، وترك الصلاة كفر، وترك الزكاة يعتبر من الكفر، وإن كان في المسألة خلاف بين أهل العلم؛ ولهذا قال الله : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] أي: تابوا من الشرك، وقول الله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] في سورة التوبة توافق قوله تعالى في سورة البينة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥].
ودليل وجوب الصيام قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] أي: فرض، ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، والحكمة من الصيام هي تحقيق التقوى.
ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧]، واللام هنا لام الاستحقاق، أي: أن الله له حق على الناس وهو الحج.
الأمر الثاني: قوله: (على الناس) فإن (على) هنا تدل على الوجوب، وهذا ينبهنا إلى أهمية دراسة اللغة العربية، ودراسة المعاني؛ ولهذا بعض العلماء أفرد كتباً مستقلة في معاني الحروف فقط ومنها: الجنى الداني في حروف المعاني، ومعاني الحروف للرماني، وغيرها من الكتب التي تتحدث عن معاني الحروف فقط؛ لأن أحياناً الحرف الواحد في القرآن قد يأتي بأكثر من ستة عشر معنى، في آية له معنى، وفي آية أخرى يكون له معنى.
فالحرف (على) يدل على الوجوب وعلى الاستعلاء؛ ولهذا استدل بهذه الآية من كفر تارك الحج عمداً إذا استطاعه ومنهم علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ﵄ وغيرهما، والمسألة فيها خلاف.
стр. 66
العلاقة بين الإسلام والإيمان والإحسان
بالنسبة للعلاقة بين الإسلام والإيمان والإحسان، إذا أطلق الإسلام في نص شرعي دون اقترانه بالإيمان فهو يدل على كل الدين، وإذا أطلق الإيمان في نص شرعي مستقل عن الإسلام فهو يطلق على كل الدين، لكن إذا اجتمعا في نص واحد يصبح معنى الإسلام الأعمال الظاهرة، من صلاة، وصيام، وحج، وزكاة، ويصبح الإيمان بمعنى الأعمال الباطنة، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله وغيرها ولهذا لو سأل سائل: كيف نوفق بين أركان الإيمان الستة، وبين الحديث الشهير عن النبي ﷺ وهو قوله: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ففي هذا الحديث قال: بضع وسبعون شعبة، وذكر في حديث جبريل ستة أركان، فبضع وسبعون شعبة إذا كان مطلقاً لوحده يشمل الدين بأكمله، ويكون الإيمان ستة أركان إذا كان في مقابل الإسلام، ولم يقصد به الاعتقادات القلبية.
стр. 67
المرتبة الثانية: الإيمان وبيان أركانه
قال: [المرتبة الثانية: الإيمان].
الإيمان في الشرع قول وعمل، قول اللسان مثل قراءة القرآن والذكر، وقول القلب وهو تصديقه بما أخبر الله به، وبما أخبر به النبي ﷺ .
وعمل يشمل عمل القلب مثل المحبة والخوف والتوكل والإنابة والمحبة والخشية ونحو ذلك، ويشمل عمل الجوارح، مثل الصلاة والصيام والحج؛ ولهذا الإيمان يشمل الدين بأكمله.
قال: [الإيمان وهو بضع وسبعون شعبة] بِضع بالكسر معناه العدد من الثلاثة إلى التسعة، والبضع هو الجزء، ويطلق البضع على عورة المرأة.
وقوله: (وسبعون شعبة) ليس المقصود هنا العدد؛ ولهذا حاول بعض أهل العلم أن يجمع خصال أهل الإيمان فزادت عن تسعة وسبعين شعبة، وممن حاول جمعها البيهقي ﵀ في كتابه شعب الإيمان، والحليمي في كتابه المنهاج في شعب الإيمان أيضاً، ولكنها زادت عن التسعة والسبعين؛ لأن العرب تطلق لفظ السبعين للكثرة بدون تحديد؛ ولهذا فسر حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب بأن المقصود بهم الكثرة دون تحديد العدد؛ ولهذا قال الله : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠]، والمقصود: إذا استغفرت لهم كثيراً، وهذا مثل إطلاق كلمة المليون عند الناس، فبعض الناس يقول: لو تعطيني مليون ما أسوي كذا، وهو لا يقصد العدد، وإنما يقصد لو أعطيتني شيئاً كبيراً جداً لا يمكن أن أعمل كذا.
قال: (فأعلاها قول: لا إله إلا الله) يعني: أعلى الإيمان التوحيد، ولا إله إلا الله هي التوحيد، (وأدناها) يعني: أدنى شعب الإيمان (إماطة الأذى عن الطريق)، والإماطة معناها الإزالة، والأذى معروف، وعن الطريق أي: إذا كان على طريق الإنسان، (والحياء شعبة من الإيمان) الحياء صفة من الصفات النفسية تدفع لفعل الأعمال الخيرة وتمنع عن قبيح التصرفات، والحياء من أعمال القلب، وأعمال القلب كثيرة جداً، فقد ذكر ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين أعداداً كثيرة جداً من أعمال القلب، وبينها فروق في غاية الدقة، مثل: الفرق بين الخشية والخوف والوجل، ونحو ذلك من العبارات التي تكون متقاربة، وابن القيم ﵀ من العلماء المتخصصين في أعمال القلوب؛ لأن أعمال القلوب فيها دقة عالية جداً، لا يفهمها أي أحد.
стр. 68
الإيمان بالله وملائكته
قال: [وأركانه ستة: أن تؤمن بالله] الإيمان بالله يقتضي الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وهي أنواع التوحيد التي سبق أن أشرنا إليها في الأصل الأول، ومعنى الإيمان بربوبية الله الإيمان بأن الله هو الخالق الرازق المدبر وحده ، ومعنى الإيمان بألوهيته الإيمان بأن الله هو المستحق وحده للعبادة، الإيمان بأسمائه وصفاته، والإيمان بأن الله له أسماء حسنى وله صفات عليا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فهذه الثلاثة هي أقسام التوحيد وأركانه، وهي داخلة في الإيمان بالله.
(أن تؤمن بالله وملائكته) فموضوع الإيمان بالله هو التوحيد، ونحن سنتحدث في كتاب التوحيد عن موضوع الإيمان بالله بأنواعه الثلاثة حديثاً تفصيلياً؛ ولهذا لا داعي للتكرار.
قوله: (وملائكته) الملائكة: هم عالم غيبي مخلوق من نور، له صفة خاصة يختلف عن الإنسان والجن، والواجب هو الإيمان بوجودهم؛ لأن الله أخبر بهم، والإيمان بصفاتهم، يقول الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] أي: أن لهم أجنحة أحياناً تتعدد: تكون اثنين أو ثلاثة أو أربعة، وأحياناً تكون أكثر من ذلك، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ عندما رأى جبريل على هيئته كما خلقه الله له ستمائة جناح، وأنه قد سد الأفق.
والإيمان أيضاً بأسمائهم، فقد أخبرنا الله بأسماء بعضهم مثل: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، ومنكر ونكير.
والإيمان بأعمالهم: فقد أخبرنا الله أن جبريل هو أمين الوحي، الذي يرسله الله على الرسل بالوحي، وأن ميكائيل هو أمين القطر، وأن إسرافيل هو الذي ينفخ في الصور، وأن ملك الموت الموكل بقبض الأرواح، وأن منكراً ونكيراً يسألان الإنسان في قبره عن الأصول الثلاثة، وغيرهم من الملائكة، وقال الله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]، وقوله: (يحفظونه من أمر الله) من ضمن أعمال الملائكة ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، وأيضاً الملك الذي يرسله الله إلى الإنسان وهو في رحم أمه فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، والملائكة لا يمكن إحصاؤهم، ولا يحصيهم إلا الله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
بل ورد في بعض الأحاديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا نزل المطر فإن كل قطرة من المطر ينزلها ملك حتى تصل إلى الأرض) أو كما قال ﵊.
والله خلق الملائكة يقومون بتنفيذ أمره في هذا الكون، وفي هذه الحياة، وفي غير هذه الأرض، فإن الله ملكه أوسع من هذه الأرض، فالأرض التي نعيش فيها هي جزء صغير من ملك الله الكبير الذي لا يعلم قدره إلا هو .
стр. 69
ثمرات الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة له فوائد في حياة الإنسان، من هذه الفوائد: أولاً: تعظيم الله ، وتعظيم خلق الله ، وأن الله له الصفات العليا، وله التدبير الكامل في خلقه .
الأمر الثاني: الاقتداء بالملائكة فيما يقومون به من طاعة لله ، فهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والنبي ﷺ يقول: (أطّت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك راكع أو ملك ساجد).
وجاء في بعض الآثار أن النبي ﷺ قال: (أذن لي أن أحدثكم عن ملك أرجله في تخوم الأرض السفلى وعنقه تحت العرش)، وذكر: ما بين شحمة أذنه ومنكبه بخفقان الطير كذا من السنين! فهؤلاء الملائكة عبادٌ مكرمون، يساعدون المؤمنين ويثبتونهم، وهذا من ضمن أعمالهم؛ ولهذا قاتلوا مع النبي ﷺ يوم بدر، وقاتلوا معه في حنين، وقاتلوا معه أيضاً في أماكن مختلفة ومتعددة؛ ولهذا الإنسان عندما يؤمن بالملائكة يحبهم، ويشعر بأن الله غير محتاج لعبادتنا نحن البشر، فإن له عباداً لا يعصونه ما أمرهم، ويعبدونه آناء الليل وأطراف النهار.
стр. 70
الإيمان بالكتب
(أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه)، الكتب هي الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء والمرسلين لهداية الناس وتعليمهم ما يصلحهم في أمور دينهم، وبيان الطريق المستقيم الموصل إلى الله ، وقد أنزل الله كثيراً من الكتب، فكل نبي وكل رسول معه كتاب، فقد أخبرنا الله بأنه أنزل التوراة والإنجيل، وأنه كتب التوراة بيده لموسى ﵇، وأنه أعطى داود الزبور، وأنه أعطى إبراهيم الصحف، وأعظم كتبه القرآن الكريم فهو أعظم كتب الله وهو كلامه ، وتوجيهه المباشر للناس، فأنت عندما تقرأ في القرآن كلام الله الذي تكلم به فهو يخاطبك أنت، ولهذا فإن القرآن عندما يتلى آناء الليل وأطراف النهار لا يُمل، فالإنسان يقرأ القرآن ثم يقرأه بعد فترة فيشعر وكأنه لأول مرة يقرأه، وهو مليء بالحكم؛ ولهذا كان القرآن من أعظم المعجزات التي تحدى الله بها المشركين أن يأتوا بمثله أو بسورة منه، بل بما هو أقل من ذلك فلم يستطيعوا، بل لم يحاولوا، أي: لم نسمع بمحاولات فاشلة من هؤلاء المشركين؛ لأن الفارق بين بلاغة القرآن ونظمه ومعانيه وحكمه العظيمة، وبين المستوى الذي يستطيعونه من الشعر والنثر البليغ غير متقارب، فالفرق كبير جداً.
والواجب في الإيمان بالكتب هو الإيمان بكل ما أخبر الله به عن هذه الكتب، سواء من حيث أسمائها، أو من حيث ما فيها، والإيمان بأن التوراة والإنجيل قد حرفت من اليهود والنصارى، وأن اليهود والنصارى أدخلوا فيها أموراً ليست من كلام الله، وأن التوراة والإنجيل الآن ليسا من كلام الله ، فالتوراة والإنجيل الموجودان الآن ليسا الذي أنزلها الله على موسى وعيسى ﵉.
стр. 71
الإيمان بالرسل
(أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله)، الإيمان بالرسل، الرسل هم من بني آدم، أرسلهم الله عز جل إلى الناس لهدايتهم، فمنهم من كلم الله ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، ومنهم أولو العزم من الرسل، وقد سمى الله عدداً منهم في القرآن، وأخبر الله نبيه أن هناك رسلاً كثيرين لم يخبر عن أحوالهم، ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨] وهؤلاء الرسل أتوا لهداية الناس، وتعليمهم ما يرشدهم، والله عندما خلق الإنسان لم يخلقه هملاً، بل أنزل كتباً تهديه، وأرسل رسلاً تعلمه وترشده، وجعل فطرة في نفسه تدله على الخير؛ ولهذا أعطى الإنسان من أدوات ووسائل الوصول إلى الحق ما لا يمكن أن يعتذر يوم القيامة أنه لم يكن يعلم أو لم يكن يعرف أو لم يكن يستطيع الوصول للحق.
والإيمان بالرسل يشمل أنواعاً متعددة من الإيمان: الإيمان بوجودهم وأسمائهم وأعمالهم، وأن بعضهم أفضل من بعض، والإيمان بكل ما أخبر به من رسول، بمعنى أنه لو جاءنا إنسان، وأنكر أن سليمان ﵇ رسول، فنأتي بالنص القرآني ونقول: الله أخبر عن سليمان، فإذا أصر على الإنكار فهو كافر، ليس بمؤمن؛ لأن الله أخبر عنه، وإنكاره تكذيب لخبر الله .
стр. 72
الإيمان باليوم الآخر
اليوم الآخر هو يوم القيامة، ويدخل فيه البعث والحشر والعرض والصراط والميزان والجنة والنار وأحوال العرصات، وما يحصل للناس في اليوم الآخر، وسمي اليوم الآخر؛ لأنه ليس بعده شيء، وسميت الدنيا بهذا الاسم؛ لأنها القريبة، وسمي البرزخ بهذا؛ لأنه بين الدنيا والآخرة.
فالحياة ثلاثة أنواع، الحياة الدنيا وهي التي نعيشها، والأصل فيها هو الجسد، والروح تبع له، والحياة الثانية هي حياة البرزخ والأصل فيها الروح، والجسد تبع لها، أي: عكس الدنيا، والحياة الأخرى هي ما بعد البعث وتغير أحوال الدنيا، وانقسام الناس إلى مؤمنين وكفار وأهل جنة وأهل نار، وهذه هي أتم أنواع الحياة، وهي حياة كاملة على مستوى الروح وعلى مستوى الجسد أيضاً.
فاليوم الآخر هو يوم الجزاء الأخروي، ويدل عليه العقل، وتدل عليه أيضاً أسماء الله وصفاته، ويدل عليه القرآن، والواجب أن نؤمن باليوم الآخر، وبأنه دار الجزاء، والإيمان بما ورد من تفصيلاته، فهناك أمور أخبر الله عنها في القرآن متعلقة باليوم الآخر يجب الإيمان بها، وإنكارها يعتبر من الكفر، وهناك أشياء أخبر بها النبي ﷺ ، ويجب الإيمان بكل ما أخبر به إذا كان صحيحاً، وأما إذا كان في الحديث إشكال كأن لم يعرف هل هو صحيح أو غير صحيح، فلا يترتب شيء على من اجتهد ولم يصح عنده الحديث، لا يترتب عليه فساد في الاعتقاد إذا لم يصح الحديث عنده، فإذا كان الحديث ضعيفاً عند العالم لا يجب عليه الإيمان به؛ لأنه لم يثبت عنده خبر الصادق في ذلك.
وبعض أهل العلم يلحق بالإيمان باليوم الآخر الإيمان بالبرزخ، على اعتبار أنه هو البداية، وهو انقطاع العمل، والبداية في الجزاء، فالإنسان إذا مات انقطع عمله، ثم يبدأ في الجزاء، والجزاء يكون في فترة الحياة الدنيا بالنسبة للأحياء، ويكون برزخاً بالنسبة للأموات، فإذا انتهت الدنيا بقيام الساعة يخرج الناس من قبورهم إلى لقاء الله ، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المقبولين.
стр. 73
الإيمان بالقدر خيره وشره
قال: (وتؤمن بالقدر خيره وشره)، الإيمان بالقدر معناه الإيمان بأربع مراتب: المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله علم كل شيء من أعمال العباد وأفعالهم إلى قيام الساعة.
المرتبة الثانية: أن الله قد كتب ما علمه في اللوح المحفوظ.
المرتبة الثالثة: أن الله له المشيئة المطلقة، وأن مشيئة العبد مرتبطة بمشيئته .
المرتبة الرابعة: أن الله خالق لأفعال العباد، فأفعالهم سواءً الأفعال الحسنة كالصلاة والصيام والحج والزكاة هي من خلق الله، أو الأفعال السيئة كالمعاصي والذنوب ونحو ذلك هي من أفعال الله ، فالكل من أفعال الله؛ لأنها داخلة في ملكه؛ ولأن العبد من مخلوقات الله .
هذه الأربع هي مراتب الإيمان بالقدر.
الأول: أن يشهد أن الله يعلم ما سيعمله الإنسان قبل عمله، فإن أنكر هذه المرتبة أو أنكر أن الله يعلم الأحداث من العبد قبل وقوعها فهذا لا شك أنه كافر؛ لأن الآيات القرآنية التي فيها إثبات صفة العلم لله أكثر من أن تحصى، وهي تدل دلالة قطعية على أن الله عالم بأحوال الإنسان وغيره؛ لأنه كما قال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] .
المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب هذه المقادير، وأن الله كتبها في اللوح المحفوظ عنده، والكتابة تنقسم إلى أكثر من قسم، فهناك كتابة عامة في اللوح المحفوظ، والتي كتب فيها مقادير كل شيء إلى قيام الساعة، وهذه كانت قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
وهناك أنوع أخرى من الكتابة، مثل الكتابة العمرية بالنسبة للإنسان وذلك عندما يولد كما جاء في حديث ابن مسعود أنه يُرسل إليه ملك فيكتب عمله، ويكتب أجله، ويكتب رزقه، ويكتب شقي أم سعيد.
وهناك كتابة سنوية، وتكون هذه الكتابة السنوية في رمضان في ليلة القدر، وكتابة يومية لكن هذه الكتابات هي كتابات في صحف الملائكة الذين أمرهم الله بتطبيق ما أمر على أحوال العباد.
والإيمان بالقدر واجب، ولا يتعارض الإيمان بالقدر بكل أركانه الأربعة، فالإيمان بالمشيئة والخلق لا يتعارض مع اختيار الإنسان، فالإنسان يشعر في نفسه أنه قادر على الاختيار، لكن قدرته على الاختيار مرتبطة بمشيئة الله ، وهو مخلوق من مخلوقات الله، فلا بد أن يكون اختياره مخلوقاً لله ، وفي نفس الوقت هو مختار وليس مضطراً كما يشعر الإنسان من نفسه، وعلم الله السابق الأزلي، وكتابته لأحوال العباد لا تتعارض مع اختيار الإنسان، الله علمه لا يحده شيء، فقد وسع كل شيء علماً ، وكتابته هي كتابة لعلمه، والإنسان قادر على الاختيار كما هو حاله؛ ولهذا الذين يحتجون بالقدر على فعل المعاصي احتجاجهم فاسد وباطل؛ لأن احتجاجه على فعل المعصية يخالف الشعور ويخالف الواقع الذي يشعر الإنسان فيه أنه قادر على الفعل وقادر على الترك، والذي يحتج بالقدر على المعاصي يخالفه عندما يكون الشأن في الرزق، فلا يترك العمل بحجة أن رزقه مكتوب وأن كل شيء سيأتيني إلى بيتي وهذا مما لا ينبغي اعتقاده ولهذا قال العلماء: لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، لكن يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب؛ لأن المصائب انتهت، لكن المعاصي قد يفعلها الإنسان ويستمر في فعلها ويحتج بالقدر عليها، وهذا احتجاج في غير مكانه، فالمصائب عندما تقع على الإنسان فإنه يحتج بقدر الله ؛ لأن ذلك يهون عليه وقع هذه المصيبة ويورثه في قلبه التوكل والرجوع إلى الله .
стр. 74
الدليل على أركان الإيمان
[والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]، هذه الخمسة].
[ودليل القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]]، وأركان الإيمان جميعاً موجودة في القرآن، خمسة في آية واحدة، والقدر في آية أخرى.
стр. 75
المرتبة الثالثة: الإحسان
[المرتبة الثالثة: الإحسان، وله ركن واحد وهو: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك]، وهذه ذروة الإيمان وأعلاه، وهو تمام الإخلاص.
قال: [والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]].
(أن تعبد الله كأنك تراه)، وهذا يدفع إلى العمل، ويشعر بمراقبة الله ومعيته مع الإنسان.
(فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وبلا ريب أن الإنسان لا يرى الله في الدنيا، لكنه سيراه في الآخرة إذا دخل الجنة، أما أهل النار فإنهم لا يرونه قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٧ - ٢٢٠].
وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس:٦١].
وجه الدلالة من الآية الأولى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] فمعية الله تكون للمحسنين، وهذه المعية تقتضي المراقبة.
ووجه الدلالة من الآية الثانية قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء:٢١٨]، وهذه تقتضي أيضاً المراقبة والشعور بمراقبة الله للإنسان.
وأيضاً محل وجه الدلالة من الآية الثالثة قوله: ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس:٦١].
قال: [والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهور -يصح أن يقول جبريل ويصح أن يقول: جبرائيل، وهكذا الشأن في ميكائيل عن عمر ﵁ قال: (بينا نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منا أحد).
وهذا يدل على أن الملائكة أحياناً يتشكلون في صور البشر، كان جبريل يأتي إلى النبي ﷺ على صورة دحية بن خليفة الكلبي، وكان رجلاً جميلاً وسيماً.
وقوله: (حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه)، وهذه جلسة طالب العلم المتواضع بين يدي معلمه.
(وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)، وشرحها قد تقدم.
(قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه!) أي: أن السؤال أحياناً يأتي للاستعلام وأحياناً يأتي للتقرير، فسؤاله هنا كان للتقرير؛ لأنه قال: صدقت.
(قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: أن النبي ﷺ عرف أن السائل هو جبريل.
(قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها؟)، وهذا فيه خلاف في معناه بين العلماء، قيل: المقصود به الفتوحات التي تكثر فيها السبايا والإماء في بيوت المسلمين، ثم يتزوجها وتلد ابنة أو ابناً يكون سيداً لها.
(أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى العراة الحفاة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) أي: الغنى بعد الافتقار، وهذا حصل في مراحل متعددة من تاريخ المسلمين.
(قال: فمضى) يعني: ذهب (فلبثنا ملياً، فقال: يا عمر! أتدري من السائل؟) فالصحابة لم يسألوا، مع أن الحاجة إلى السؤال ماسة، لكن تأدباً مع النبي ﷺ لم يسألوا، (فقال: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم).
ولا يصح الإجابة بقول: الله ورسوله أعلم في كل شيء، وإنما يكون ذلك في الأمور الشرعية، لكن لو سئلت مثلاً: أين أبوك؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فأنت مخطئ، فالله أعلم؛ لأن الرسول ﷺ لا يعلم أين أبوك الآن.
(قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم)، وهذه طريقة من طرق التعليم وهي السؤال والجواب.
بالنسبة للأصل الأول الذي هو معرفة الله وتوحيده أوصي بالرجوع إلى كتاب: كيف نفهم التوحيد؟ للشيخ محمد أحمد باشميل، وهو كتاب نافع ومفيد، وهو صغير يمكن قراءته في ليلة واحدة، بل في ساعة واحدة، وهو كتاب نافع وسهل وسلس، وأسلوب الشيخ رحمه الله
следующие страницы →