Полный текст (107 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
تأصيل علم العقيدة [١]
إن للعقيدة أهمية عظيمة، وأهميتها تظهر من كونها أساس الدين وأصله، وكونها أساس دعوة الرسل من لدن نوح إلى محمد ﵊، وهذه العقيدة لها ثمرات عظيمة وكثيرة منها: راحة القلب وطمأنينته وسعادته، ولها آثار عظيمة جداً في نفس الإنسان، فينبغي أن يحرص المسلم على الالتزام بالعقيدة الصحيحة، البعيدة عن الإفراط والتفريط، العقيدة الصافية، التي كانت سبباً في جعل الصحابة رضوان الله عليهم يثبتون على دين الله، ويقدمون أرواحهم رخيصة في سبيل الله.
стр. 2
مدخل إلى علم العقيدة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام! هذا الدرس في الأساس كان بعنوان: دراسة موضوعية لفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وكانت الطريقة التي نريد أن ندرس بها فتاوى شيخ الإسلام ﵀ هي أن نأخذ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ﵀ مجلداً مجلداً، ثم نأخذ ما تتضمنه من كتب ورسائل، ونحدد موضوع الكتاب، ثم نقسم الكتاب إلى مجموعة موضوعات أساسية، ونتحدث عنها بالتفصيل، ثم نستعرض مجمل الكتاب حتى ننتهي من مجموع الفتاوى كاملاً، ولكن اقترح بعض الإخوة قبل أن نبدأ في الدراسة الموضوعية لمجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن نبدأ بمدخل، وهذا المدخل يهدف إلى تأصيل علم العقيدة، ووضع أرضية لطالب العلم، بحيث إنه يستطيع أن يستوعب وأن يتفهم، وأن تكون دراسته لمجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ دراسة مفيدة.
وهذا المدخل سندرس فيه بإذن الله كتاب (الأصول الثلاثة) و (كشف الشبهات) و (كتاب التوحيد) و (العقيدة الواسطية) و (متن العقيدة الطحاوية) و (العقيدة التدمرية) بإذن الله تعالى.
وستكون الدراسة لهذه الكتب ليست بالطريقة المعهودة، وهي الدراسة التفصيلية لكل كلمة من كلمات الكتاب، فإن هذا مما يطول جداً، ولكن سنلاحظ أن هذه الكتب لها تخصصات وموضوعات أساسية، فمثلاً: كتاب (الأصول الثلاثة) و (كشف الشبهات) و (كتاب التوحيد) هذه الثلاثة تتحدث عن توحيد الألوهية، وهي في قسم من أقسام التوحيد وفي أحد فروع العقيدة المهمة وهو توحيد الألوهية.
ونجد أن (العقيدة التدمرية) متخصصة في توحيد الأسماء والصفات والقدر، وأن متن (العقيدة الواسطية) و (العقيدة الطحاوية) تشتملان على كثير من أبواب العقيدة في الأسماء والصفات وهي الأكثر، وفي النبوات وفي المعاد، وأيضاً هناك حديث في مسائل الإيمان والكفر وفي الصحابة وفي غيرها من المسائل العقدية المهمة.
ولهذا ستكون دراستنا حسب هذه الموضوعات، ثم نعرف بهذه الكتب، وندخل هذه الكتب بعضها في بعض ونجمع الأشباه والنظائر، وندرسه في مكان واحد لا نكرر، (فالأصول الثلاثة) توجد كثير من مسائله في كتاب التوحيد، وأيضاً (كشف الشبهات) يوجد كثير من مسائله في (كتاب التوحيد)؛ ولهذا سندخل هذه الكتب بعضها مع بعض، وسندرسها بإذن الله في وقت وجيز ربما لا تزيد عن عشرين لقاء، تكون هذه عبارة عن دراسة تأصيلية لطالب العلم في علم العقيدة، ثم بعد ذلك نبدأ وننطلق في الدرس الأساسي الذي سنبدأه في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
هذا الكتاب مليء بالكنوز العلمية، ومليء بالرسائل النادرة والمفيدة، وربما الكثير يتوق لدارسة هذه الرسائل والاطلاع عليها، ومعرفة ما تتضمنه من الفوائد والقواعد والأصول المحكمة.
فـ شيخ الإسلام ﵀ عالم مجدد، وهو من المحققين، ولديه كثير من الفوائد في هذه الكتب، ينبغي على طالب العلم أن يطلع عليها، وأن يتفهمها وأن يعرفها معرفة جيدة.
ولهذا هذا الدرس يتطلب من الإخوة الحضور والاستمرار والقراءة المستمرة في هذه الكتب، وأيضاً يتطلب التحضير الدائم، يعني: لا يصلح أن يكون الدرس هو أن يحضر الأخ للدرس، ثم إذا ذهب إلى أهله انشغل حتى الدرس القادم، ولهذا أتمنى أن كل واحد من الإخوة يقتني هذه المتون بأحد الشروح المختصرة، وسأذكر لكم شروح لهذه الكتب مختصرة وسهلة ليست صعبة، يحضر منها الإنسان دائماً.
وكثير من هذه المسائل عموماً التي سندرسها بإذن الله في هذه المقدمة أو المدخل، ستتكرر معنا أيضاً في دراستنا لمجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
فالعلم يتكرر كثيراً، وأحياناً تكون في بعض الكتب زيادات، وأحياناً يكون هناك تكرار، وأحياناً يكون هناك تحقيق، ولهذا ينبغي دائماً أن نلاحظ مثل هذه الأمور وأن نتنبه لها؛ ليكون الإنسان فقيهاً ومتفهماً لما يدرس، وألا تكون دراسته دراسة لمجرد الدراسة أو لذات الدراسة.
بالنسبة لكتاب (الأصول الثلاثة) يمكن الاستفادة من شرح الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، فهو من أنفس الشروح لهذه الرسالة.
(كشف الشبهات) من أنفس الشروح شرح الشيخ عبد العزيز العبد اللطيف.
(كتاب التوحيد) من أنفس الشروح شرح الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي المسمى (القول السديد في شرح كتاب التوحيد).
(العقيدة الواسطية) من أنفس الشروح شرح الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي أيضاً، وهو شرح مختصر.
بالنسبة لكتاب متن (العقيدة الطحاوية) هناك شروح مختصرة كثيرة منها: شرح للشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وهناك شرح للشيخ عبد العزيز بن مانع مختصر على متن العقيدة الطحاوية.
أما بالنسبة للعقيدة التدمرية فهناك شرح طويل عليها، لكن قراءة الأصل وتفهمه يكفي عن
стр. 3
أهمية العقيدة
في هذا اللقاء سنبحث ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أهمية العقيدة.
المسألة الثانية: أسماء علم العقيدة.
المسألة الثالثة: المسائل الأولية في هذا العلم.
أولاً: أهمية العقيدة.
العقيدة: هي من عقد الشيء، ويقال: عقدت الحبل إذا أوثقته، ويقصد به الاعتقاد الجازم الوثيق الثابت الذي لا يدخله شك ولا ريب.
والعقيدة المقصود بها هنا العقيدة الإسلامية، وأهميتها تظهر من كونها أساس الدين وأصل الدين، ولا يتم إيمان العبد ولا يقبل عند الله إلا بها، ولهذا يقول الله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥].
ولهذا كانت هذه العقيدة هي أساس دعوة الرسل، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
وهي مما أمر الله به، قال : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦].
وهذه العقيدة هي أساس وجود الإنسان في هذه الدنيا، وهي الحكمة من وجوده، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
وهي المهمة الكبرى التي يضطلع بها الإنسان في هذه الدنيا، ولهذا يجب أن نعلم أن الله خلقنا في هذه الدنيا؛ لتحقيق هذه العقيدة.
стр. 4
ثمرات العقيدة
لهذه العقيدة ثمرات عظيمة في النفس وفي المجتمع وفي المآل أيضاً يوم القيامة.
ولهذا انقسم الناس في هذه الدنيا إلى قسمين: مسلمين وكفار، وأبرار وفجار، وأساس القسمة هي العقيدة، فمن آمن بهذه العقيدة الصحيحة فهو مسلم مؤمن بر، ومن لم يؤمن بها فهو كافر ملحد فاجر والعياذ بالله.
والعقيدة من حققها فإنه يحصل له الأمن التام والاهتداء التام، يقول الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
وثمرات العقيدة عظيمة جداً في حياة الإنسان، منها: راحة القلب وطمأنينته وسعادته؛ فإنه لا راحة للإنسان ولا طمأنينة ولا سعادة ولا استقرار إلا أن يعرف معبوده بأسمائه وصفاته وحقوقه، وأن يقوم بها على أفضل وجه وأتمه.
ومن كان عكس ذلك والعياذ بالله؛ فإنه يحصل له من الشقاء والهم والضلال والتيه والانحراف بقدر بعده عن هذه العقيدة، فإذا كان بعداً جزئياً كما هو حال أهل البدع والضلالة، فإنه يحصل له من الشقاء والاضطراب بقدر بعده.
وإذا كان بعداً كلياً كحال أهل الكفر والنفاق الاعتقادي، فإنه يحصل له الضلال التام والاضطراب التام والشقاء التام، يقول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
قال ابن عباس ﵄: تكفل الله أن كل من أعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكاً في الدنيا، وله في الآخرة العمى كما جاء في هذه الآية.
стр. 5
الرد على من يهون من شأن العقيدة
إن العقيدة الصحيحة لها أهمية كبيرة، وهي من الأولويات بالنسبة للإنسان، والذين يهونون من شأن العقيدة لم يفقهوها ولم يفهموها.
وهناك اتجاهات منحرفة تهون وتقلل من شأن العقيدة، وتقول للناس: إن الذي يدخل في العقيدة سيتعقد، أو الذي يدخل في العقيدة سيحصل له كثير من المشكلات، أو العقيدة تفرق الناس، ونحو ذلك من الكلام الذي يدل على عدم الفهم لهذه العقيدة ولأهميتها ومكانتها ومنزلتها عند الله .
ومعلوم أن الفرق الضالة الموجودة التي تفتك في جسد الأمة الإسلامية اليوم لا يمكن أن نواجهها إلا بالعقيدة الصحيحة، والخلاف الذي بيننا وبين الكفار من اليهود والنصارى والملاحدة والعلمانيين وغيرهم هو خلاف اعتقادي.
стр. 6
موقف الصحابة من العقيدة وآثارها عليهم
تبدو العقيدة مهمة جداً، ولها آثار عظيمة جداً في نفسية الإنسان، فإن من كانت عقيدته قوية كان قلبه قوياً، وكان إيمانه قوياً، ولهذا كان أصحاب النبي ﷺ يأخذون هذه العقيدة وهذا الدين بجد واهتمام، ولا يأخذونه بشكل عرضي، ولا يأخذونه بشكل تقليدي، وإنما يأخذونها أخذاً جاداً، ويلتزمون بمعناها ومقتضاها، ويجتهدون في تحقيقها في واقع الأرض، ولهذا ماتوا من أجلها في سبيل الله، ورغبوا عن الدنيا إذا كانت الدنيا في مقابل هذه العقيدة، وفتحوا بها الأمصار، واستطاعوا أن يخضعوا أمم الأرض بهذه العقيدة، وتميزوا عن غيرهم بها، وأصبحوا قادة للدنيا مع أنهم كانوا قبل هذه العقيدة أعراباً ليس لهم أي قيمة وليس لهم أي مكانة، ولهذا تعجب منهم ملوك الأرض مثل كسرى وغيره، فقال لهم: كنتم مجموعة من الأعراب لا نشتغل بقتالكم نحن، وإنما نرسل عليكم بعض عمالنا في الأطراف، واليوم أصبحتم تهددون فارس! فبين له ربعي بن عامر أن الله ابتعث إليهم رسولاً ليخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ويخرجهم من التعبد للأشخاص والدول الطاغوتية إلى الحرية الحقيقية، وهي العبودية لله وحده، والتحرر من قيد العبودية للإنسان، فإن التعبد لله من أهم الواجبات، لأن الله خلق الإنسان على هيئة وكيفية ترتاح وتنشرح بالتعبد لله ، وتذل وتشقى بالتعبد لغيره.
ذكر شيخ الإسلام ﵀ في رسالته العظيمة (العبودية) قاعدة عظيمة، قال: إن الإنسان لا بد أن يكون عبداً، إما أن يكون عبداً لله ، وإما أن يكون عبداً لغيره وهواه، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] فالإنسان لا بد أن يكون عابداً، هكذا خلق الله الإنسان، وخلقه يلتذ ويرتاح ويطمئن لعبادة الله ، ويشقى ويضل وينحرف بعبادة غيره.
فالله يقول: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فهو يعرف المخلوق الذي خلقه وأنزله على ظهر هذه الأرض، ولم يتركه هملاً وعبثاً، وإنما كلفه برسالة عظيمة وهي تحقيق مرضاة الله في هذه الأرض، وجعل له أعداء وخصوماً، وأمره أن يواجه هؤلاء الأعداء والخصوم، وجعل له من يؤذيه، ولهذا النبي ﷺ عندما بايع أصحابه يوم العقبة قام سعد بن عبادة ﵁ وقال: (يا معشر الأنصار! هل تعلمون على ماذا تبايعون هذا؟ إنكم تبايعونه على محاربة الأحمر والأصفر).
يعني: أنكم تبايعونه على مفارقة الأهل، ومفارقة الأوطان، ومفارقة العادات والتقاليد، وعلى قضايا كبيرة ليست قضايا هينة، لكن أصحاب النبي ﷺ كانوا يعرفون على أي شيء يبايعونه.
وهذه العقيدة عندما يأخذها الإنسان بجد فإنه سيكون له بطبيعة الحال أعداء، أحياناً يكون هؤلاء الأعداء من الكفار من اليهود والنصارى والملاحدة، وأحياناً يكون هؤلاء الأعداء من المنافقين، وأحياناً يكون هؤلاء الأعداء من أصحاب الشهوات، ولا بد أن يكون له أعداء، وإذا ظن الإنسان أنه بإمكانه أن يلتزم بهذه العقيدة التزاماً جاداً صحيحاً دون أن يكون له خصوم وأعداء، فإنه لم يعرف هذه العقيدة، وسيأتي معنا الإشارة لهذا المعنى بإذن الله تعالى في كتاب (كشف الشبهات) بإذنه تعالى.
إذاً: هذه العقيدة تجعل الإنسان قوي القلب بالله ، وتجعل نظرته إلى الدنيا على أنها متاع زائل، وعلى أنها وسيلة وليست غاية، ولهذا يقدم نفسه رخيصة في سبيل الله، ويجتهد في أن يكون عمله ابتغاء مرضاة الله ، ومهما حصل له في هذه الدنيا من الفتن والمصائب والمحن والمشكلات، فإن هذا لا يرده عن دينه.
وأحياناً تكون الفتنة بالسراء مثل: كثرة الخير والنعمة مثلاً، وأحياناً تكون الفتنة بالضراء، مثل: الفتنة بالمصيبة وبالمرض وبالاضطراب وبالبعد عن الأمن ونحو ذلك، لكن المسلم صاحب العقيدة الصحيحة يتعامل مع كل هذه الظروف بطريقة سليمة، فيحافظ فيها على دينه واستقامته والتزامه بهذه العقيدة حتى يموت؛ لأن الإنسان في هذه الدنيا لن يستمر إلى الأبد، هذه من الحقائق العقدية الأساسية المهمة التي قررها القرآن كثيراً، وعندما تقرأ في كتاب الله تجد الخصومة الكبيرة مع الكفار، وتجد أن الكفار لا يمكن أن يتركوك، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
وتجد أن المنافقين لن يتركوا صاحب العقيدة، وأنه سيقع عليه الأذى والمشقة، وستقع عليه كثير من الأمور المزعجة، لكن يحتاج إلى الصبر، ويحتاج إلى الاعتصام بالله ، ويحتاج أن يستشعر أن هذه العقيدة خير له، وأن الموت عليها خير له من العيش الرغيد على الانحراف والضلال والعياذ بالله؛ لأنه لا خير في هذه الدنيا
стр. 7
أسماء ومصطلحات لعلم العقيدة
стр. 8
الإيمان
الأسماء الشرعية لعلم العقيدة ثلاثة: الإيمان، والسنة، والتوحيد.
فالإيمان من أسماء العقيدة، قال الله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥].
ويقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره هذه أصول العقيدة، فالمصطلح الشرعي فيما يتعلق بالعقيدة: الإيمان، وقد ألف كثير من العلماء السابقين كتباً في الإيمان، مثل: كتاب الإيمان لـ ابن مندة ﵀، والإيمان لـ شيخ الإسلام ﵀، والإيمان لـ ابن أبي شيبة، والإيمان لـ أبي عبيد القاسم بن سلام، وهناك كثير من الكتب ألفت في موضوع الإيمان.
стр. 9
السنة
من أسماء علم العقيدة: السنة، والسنة هنا المقصود بها في مقابلة البدعة، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ كما في حديث الثلاثة الذين ترهبوا، قال: (أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
وأيضاً جاء في حديث العرباض بن سارية ﵁ أنه قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).
وقد سمى بعض العلماء العقيدة بالسنة في كتبهم، مثل: كتاب (السنة) لـ عبد الله بن الإمام أحمد ﵀، وأيضاً السنة للإمام أحمد، والسنة للخلال، وغيرها من الكتب، فهذه كلها يقصد بها العقيدة؛ لأنهم كانوا يسمون العقيدة قديماً السنة.
وليس المقصود بالسنة هنا الاصطلاح الفقهي، أو الاصطلاح الأصولي المتعلق بالأحكام التكليفة، وهي أن السنة ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، هذا اصطلاح خاص عند الفقهاء، لكن السنة كمصطلح شرعي ورد في النصوص النبوية يراد به العقيدة الصحيحة التي خلافها البدعة.
стр. 10
التوحيد
التوحيد من المصطلحات الشرعية التي يراد بها العقيدة، وقد جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ عندما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن قال: (فإنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) إلى آخر الحديث.
وقد ألف بعض العلماء كتباً في العقيدة سموها التوحيد، مثل: التوحيد لـ ابن مندة، وأيضاً التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وغيرهما.
стр. 11
مصطلحات صحيحة تتعلق باسم علم العقيدة
هناك مصطلحات أخرى صحيحة تدل على نفس المعنى، لكنها لم ترد في النصوص الشرعية، مثل: مصطلح العقيدة، فمصطلح العقيدة مأخوذ من المعنى اللغوي، وهو أن العقيدة من عقد الشيء، ولهذا يقولون: عقدت الحبل، يعني: أوثقته.
فأخذوا معنى الاعتقاد الجازم والإيمان الجازم بأركان الإيمان من عقد الحبل والجزم فيه، وهو مصطلح وإن لم يرد في القرآن والسنة لكن معناه صحيح، والقاعدة في المصطلحات: أنه إذا كان معناها صحيحاً؛ فإنه لا مشاحة فيها، لكن المشكلة عندما يكون معناها باطلاً، أو يكون مجملاً يشتمل على معنى صحيح ومعنى باطل.
وأيضاً من المصطلحات التي استخدمت في العقيدة: الشريعة، فالإمام الآجري ﵀ له كتاب اسمه (الشريعة) يقصد به العقيدة، والأبواب الموجودة فيه كلها أبواب في العقيدة، وهو كتاب كبير طبع في أكثر من خمسة مجلدات تقريباً.
وأيضاً من الأسماء الصحيحة في العقيدة: الفقه الأكبر، ولهذا سمى أبو حنيفة ﵀ رسالته (الفقه الأكبر) وهي تتضمن مسائل اعتقادية في الأسماء والصفات والإيمان والصحابة والنبوات وغيرها من مسائل العقيدة.
ويقصدون بالفقه الأكبر ما يقابل الفقه الأصغر وهو فقه الفروع، وعموماً رسالة أبي حنيفة ﵀ هذه مشكوك في صحة نسبتها إليه؛ لأنها من رواية أبي مطيع البلخي، وهو كما ذكر الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد متروك الحديث، وإن كان لهذا الكتاب رواية أخرى عن حماد بن أبي سليمان وهو ضعيف، لكن أصل هذا الكتاب يبدو أنه صحيح في نسبته إلى أبي حنيفة ﵀.
والكتب لها أسانيد مثل أسانيد الأحاديث؛ ولهذا يقولون: أنساب الكتب أسانيدها، يعني: أحياناً قد يكون الكتاب منسوباً إلى عالم وتكون نسبته خاطئة؛ لأن الكتاب لا يصح نسبته إليه، مثل: كتاب (الصلاة) للإمام أحمد ﵀، وأيضاً مثل كتاب (الحيدة) لـ عبد العزيز الكناني وهو في حكاية مناظرة حصلت بين يدي المأمون، وهذا الكتاب في إسناده نظر كبير، ولا يصح نسبته إليه، وغير ذلك من الكتب.
стр. 12
مصطلحات فاسدة استخدمت في التعبير عن علم العقيدة
هناك مصطلحات استخدمت في التعبير عن العقيدة، لكنها مصطلحات فاسدة ينبغي الانتباه لها، ومن ذلك علم الكلام، وهو علم نشأ أثناء المناظرات مع الفلاسفة، والذي أنشأه لم يكن من الفقهاء والعلماء الشرعيين، ولهذا وقعوا في كثير من البدع الاعتقادية في الأسماء والصفات والإيمان والقدر، سواء كانت في المسائل أو في الدلائل.
فعلم الكلام علم أنشأه مجموعة من المسلمين أرادوا الرد على الفلاسفة، فهي ظاهرة نشأت بعد ترجمة الكتب اليونانية في زمن الدولة العباسية، لما ترجمت كتب اليونان مثل: كتب أرسطو طاليس وكتب أفلاطون، وغيرها من الكتب في المنطق والإلهيات ونحو ذلك؛ اعتنقها مجموعة ممن كان في الأمة الإسلامية، مثل: الفارابي وابن سيناء وغيرهما ودافعوا عنها، مثل أصحاب المذاهب الفكرية المنحرفة الآن، كالشيوعيين والليبراليين والحداثيين وغيرهم، ممن أخذ فلسفات غربية وتبناها وأصبح يدافع عنها، فأصبح منسلخاً عن الأمة الإسلامية.
في هذه الأيام نسميهم أتباع المذاهب الفكرية المنحرفة، قديماً كانوا يسمون الفلاسفة؛ لأنهم اشتغلوا بالفلسفة كعلم، فظهر في الأمة الإسلامية من أهل الخير والصلاح من أراد أن يقاوم هذه العقائد، لكن المنهج الذي استخدموه في مقاومة هذه العقائد لم يكن منهجاً صحيحاً، ولم تكن بنيتهم العلمية والشرعية بنية صحيحة، فهم لم يتعلموا العلم الشرعي تعلماً صحيحاً، ثم بعد ذلك يقاومون هذه الاتجاهات المنحرفة الفلسفية، لكن اشتغلوا بالمقاومة مباشرة، واستحسنوا كثيراً من القضايا الفلسفية والكلامية والتزموها مع أنها مخالفة للعقيدة، فلما عرضت عليهم النصوص الشرعية وقيل لهم: ما التزمتموه يخالف النص الفلاني والنص الفلاني، حينها بدءوا في تأويل هذه النصوص، وفتحوا على الأمة باب شر عظيم كبير وهو التأويل وتحريف النصوص الشرعية.
هؤلاء يسمون علماء الكلام، والأوائل يسمون علماء الفلسفة، والحقيقة أن الكلام والفلسفة ليس علماً شريفاً، صحيح أنه علم باعتبار أنه معلومات لكن ليس علماً ممدوحاً، العلم الممدوح في القرآن والسنة هو علم الشريعة، والعلم الصحيح النافع الذي يقصد به التوصل إلى ما ينفع المسلمين من عمارة الأرض ونحو ذلك.
ولهذا فإن الكتب التي ألفت في العقيدة باسم علم الكلام هي كتب منحرفة، كذلك الكتب التي ألفت في العقيدة باسم علم الفلسفة هي أيضاً كتب منحرفة.
стр. 13
مصطلحات مجملة استخدمت في التعبير عن علم العقيدة
هناك بعض المصطلحات التي استخدمت في التعبير عن علم العقيدة، لكنها مصطلحات مجملة تحتمل الحق وتحتمل غيره، فاستخدم مصطلح أصول الدين، واستخدم مصطلح الفكر الإسلامي، فمصطلح أصول الدين ومصطلح الفكر الإسلامي في التعبير عن العقيدة قد يراد به معنى صحيح وقد يراد به معنىً فاسد، وأصول الدين قد يراد به معنى صحيح فيما يقابل فروع الدين، فتسمى أصول الدين: مسائل العقائد، وفروع الدين: مسائل الفقه، وهذا اصطلاح ومعنى لا إشكال فيه، ولهذا كتاب (الإبانة عن أصول الديانة) لـ أبي الحسن الأشعري كتاب نافع ومفيد، لكن أحياناً قد يراد به معنىً خاطئ، ولهذا بعض المتكلمين ألف كتباً سمي بأصول الدين، فهذا أبو منصور البغدادي -وهو من علماء الأشاعرة- له كتاب اسمه (أصول الدين)، وكتبه على طريقة الأشعرية من أهل الكلام.
وقد يراد بأصول الدين المسائل التي بنيت على الأصول العقلية عندهم، فيسمون المسائل العقلية أو العقليات أصول الدين، ويسمون الظنيات التي هي النصوص كما يعتبرونها فروع الدين، وهذا تقسيم فاسد وباطل.
هذا بالإضافة إلى أنهم يخرجون قضايا من أصول الدين وهي من أصوله مثل: الصلاة والزكاة ونحو ذلك من المسائل المهمة التي تعتبر من أصول الدين.
وكذلك الفكر الإسلامي، الفكر الإسلامي قد يراد به معنى صحيح، فيراد به كل تفكير أو اعتقاد إسلامي، يعني: منسوب إلى الإسلام نسبة صحيحة، وقد يراد به معنىً باطل آخر.
ولهذا مثل هذه المصطلحات: أصول الدين، والفكر الإسلامي، هما بحسب المستخدم لهما، وقد يقوم المستخدم لهما ويستخدمهما استخداماً صحيحاً، وقد يستخدمها استخداماً غير صحيح.
стр. 14
المسائل الأولية في علم العقيدة
هناك مسائل أولية ومهمة في علم العقيدة سنتحدث عن مسألتين وسنكمل إن شاء الله في اللقاء القادم: المسألة الأولى: فطرية المعرفة.
المسألة الثانية: أول واجب على المكلف.
هاتان المسألتان من المسائل الأولية التي ينبغي على طالب العلم أن يفهمها.
стр. 15
المسألة الأولى: فطرية المعرفة
مسألة: فطرية المعرفة: معناها: أن وجود الله هو المدخل الأساسي في العقيدة، فالإيمان بالله وبوجوده والإيمان بربوبيته وأسمائه وصفاته كل مسائل العقيدة تعود إليها، فالنبوات تعود إليها، والمعاد يعود إليها، وكل مسائل الاعتقاد ترجع إلى الإيمان بالله .
والإيمان بالله في ألوهيته وفي أسمائه وصفاته وفي ربوبيته الأصل السابق له هو إثبات وجوده، وإثبات وجود الله أمر فطري ضروري عند أهل السنة والجماعة، فوجود الله موجود في فطرة الإنسان منذ أن خلقه الله ، ولهذا لم يكلف الله الإنسان بإثبات وجوده؛ لأن وجوده متحقق، فلا يصح الأمر به؛ لأن الأمر به حينئذ يكون تحصيل حاصل.
والدليل على فطرية معرفة الله أدلة كثيرة جداً، منها: قول الله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
فقوله: ((فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)) يعني: خلقة الله التي خلق الله الناس عليها، من معرفته والإقرار بوجوده، وهي خلقة موجودة في الإنسان لا يستطيع التعبير عنها، لكنها موجودة في نفسه.
فالإنسان عندما يولد ويخرج من بطن أمه ليست لديه معارف تفصيلية، وليست لديه معلومات تفصيلية، فالله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً كما أخبر ، لكن يوجد لدى الإنسان في نفسه خلقة هي عبارة عن معلومات أولية وأساسية، يستطيع أن يتعامل في الحياة بناءً عليها، ولهذا تلاحظ أن الطفل عندما يولد ثم يعطى الثدي يلتقمه مباشرة، وهذا يدل على أن هناك معرفة، هذه المعرفة فطرية موجودة عند الإنسان.
كذلك الإنسان يعرف الله ويحبه ويتأله له، لكن معرفة مجملة عامة موجودة في نفس الإنسان.
أيضاً يدل عليها قول النبي ﷺ : (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، وفي رواية: إلا على هذه الملة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟ ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]).
قوله: (ما من مولود إلا ويولد على هذه الفطرة).
وفي رواية: (إلا ويولد على هذه الملة) يعني: حتى أولاد المشركين يولدون على هذه الملة.
وقوله: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ولم يقل: سلمانه؛ لأن الإسلام هو الأصل.
قوله: (كما تنتج البهيمة) انظر التشبيه: (كما تنتج البهيمة بهيمة) يعني: كما تلد البهيمة بهيمة، (جمعاء) يعني: مكتملة الخلقة، (لا تحسون فيها من جدعاء) يعني: لا تشعرون أنها مجدوعة، البهيمة أول ما تخرج ليس فيها جدع، والعرب قديماً كانوا يميزون إبلهم وغنمهم عن غيرهم ببعض المميزات، أحياناً بجدع الأذن مثلاً بشكل معين، وأحياناً بوضع علامة معينة، لكن عندما تخرج البهيمة من بطن أمها لم تكن هذه العلامة موجودة فيها.
وأيضاً جاء في حديث عياض بن حمار المجاشعي في الحديث عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم).
فقوله: (إني خلقت عبادي حنفاء) يعني: خلقتهم على الحنيفية، والحنيفية السمحة هي دين إبراهيم، والحنيف في اللغة: هو المائل، والمقصود هنا: المائل عن الشرك.
فالحنيفية في اللغة العربية هي من ألفاظ الأضداد، يعني: اللفظة التي تستخدم في معنيين مختلفين متناقضين، فالحنيف تستخدم في المعتدل والمنحرف، مثل: السدفة تستخدم في الظلمة والنور، ومثل: بصير تستخدم للأعمى والمبصر، ومثل: مفازة تستخدم للصحراء المهلكة وللنجاة أيضاً، ونحو ذلك من التي يسميها العلماء ألفاظ الأضداد، يعني: اللفظة التي تستخدم في أضداد متقابلة.
فقوله: (إني خلقت عبادي حنفاء) جاء في رواية لـ ابن حبان: (حنفاء مسلمين) وهذه صححها الحافظ ابن عبد البر ﵀ في التمهيد.
قال: (إني خلقت عبادي حنفاء مسلمين، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم) وهذا يدل على أن الله خلق الناس وهم يعرفون وجود الله ويؤمنون به، لكن هذه المعرفة معرفة مجملة، وتنمو هذه المعرفة في نفس الإنسان مع نموه، والرسل الكرام برسالاتهم ينقحونها وينمونها ويأتون بما تقتضيه، وهي عبادة الله .
ولهذا كل الأدلة الواردة في القرآن والسنة في مسائل التوحيد جاءت لتقرير مسألتين مهمتين: المسألة الأولى: إفراد الله بالعبادة.
المسألة الثانية: إثبات المعاد والجزاء يوم القيامة.
فكل القضايا التي جاءت في القرآن جاءت من أجل تقرير المسائل العقلية والحجاج مع الكفار؛ لأن
стр. 16
المسألة الثانية: أول واجب على المكلف
مسألة: أول واجب على المكلف هي مبنية على فطرية المعرفة، فأول واجب على المكلف بناءً على أن الإنسان مفطور هو توحيد العبادة، يعني: توحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة، فهو أول واجب على المكلف؛ لأن إثبات وجود الله متحقق في الفطرة، وأيضاً ربوبيته سبحانه ثابتة في الفطرة، فلا يبقى إلا إثبات إفراده بالألوهية والعبادة.
ويدل على ذلك كثير من النصوص، منها: قول الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] فهذه الآية أول معلوم أمر به فيها هو توحيد العبادة، قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] ولا إله إلا الله هي توحيد العبادة كما سيأتي معنا.
وأيضاً حديث معاذ بن جبل عندما قال له النبي ﷺ : (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، وفي لفظ: (إلى أن يوحدوا الله فهنا على الأولية.
ومن الأدلة البليغة في هذا المجال آية الميثاق، وهي قول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].
فهذه الآ ية تسمى عند العلماء آية الميثاق، وقد اختلف المفسرون في معناها على قولين: القول الأول: أن هذا ميثاق حقيقي، وأن الله مسح على ظهر آدم وأخرج ذريته أمثال الذر، وأنه خاطبهم بالمقال، وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] فأجابوه وقالوا: ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] وأن الله ردهم مرة أخرى إلى صلب آدم.
وذكروا مجموعة من الأحاديث تدل على هذا المعنى، لكن كل الأحاديث الواردة فيها ضعيفة ليست صحيحة.
القول الثاني: أن الآية ليست إشهاداً حقيقياً، وليس استنطاقاً حقيقياً، وإنما هو معنى الفطرة، فيكون المعنى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] يعني: أن الله أخذ من ظهور ذرية بني آدم أنفسهم في التوالد، وأنه أشهدهم على أنفسهم، بمعنى فطرهم على التوحيد.
فالإنسان يستشعر أن الله هو خالقه وربه، وهو المدبر لشأنه، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ﵀ في درء التعارض، وأيضاً تلميذه ابن القيم، وإن كان جمهور المفسرين على القول الأول، لكن ابن القيم ﵀ ناقش هذه المسألة في كتابه (الروح) نقاشاً مستفيضاً، وبين فيها أن الآية غير متطابقة مع الأحاديث، فالأحاديث تدل على أن الله مسح ظهر آدم، بينما في الآية قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف:١٧٢] لم يقل: آدم، فالآية غير متطابقة مع الحديث، ويبدو أن هذا هو القول الصحيح.
وعلى كل حال سواء على القول الأول أو القول الثاني فكلها تدل على أن وجود الله أمر فطري وأنه ليس من أمور النظر والاستدلال، إلا في حالة فساد الفطرة، فإنه يكون النظر حينئذ بالنظر السليم والمستقيم.
في اللقاء القادم بإذن الله سنتحدث عن الكتب الثلاثة: (الأصول الثلاثة) و (كشف الشبهات) و (كتاب التوحيد)، وسنعرف بالمسائل الموجودة فيها، وأيضاً سنبتدئ في الحديث عن أقسام التوحيد وأنواعه وتعريفه، ونتحدث مباشرة عن المسائل الموجودة في هذه الكتب الثلاثة، أسأل الله أن ينفعني وإياكم بالعلم النافع والعمل الصالح إنه على كل شيء قدير.
стр. 17
الأسئلة
стр. 18
وجه إطلاق مصطلح العقيدة على الإيمان
السؤال
ألا ترون أن استخدام لفظة العقيدة قد تكون من المصطلحات التي تحمل على السنة وتحمل على خلافها، فكثيراً ما نسمع عن العقيدة الباطلة والفاسدة ولم نسمع يوماً أن قيل: سنة فاسدة أو توحيد فاسد، ما رأيكم؟
الجواب
هذا صحيح قد تنسب العقيدة إلى الفساد، لكن تكون هناك إضافة، يقال: عقيدة فاسدة، لكن إذا أطلقت وكان المطلق لها من أهل السنة فإنه يقصد بها العقيدة الصحيحة.
ثم إن دخول الإشكال فيها بهذا الاعتبار الذي أشار إليه الأخ أقل من دخوله في موضوع الفكر الإسلامي أو موضوع أصول الدين كما سبق أن أشرنا.
стр. 19
المقصود بفطرية المعرفة
السؤال
هل يطلق على الإيمان بالله والاعتقاد به كلمة معرفة، أليست هذه الكلمة من تأثر علماء المسلمين بأصحاب علم الكلام؟
الجواب
لا، المعرفة المقصود بها معرفة وجود الله، ليس المقصود الاعتقاد في توحيد الله وأسمائه وصفاته ونحو ذلك، لكن المقصود هو الأصل السابق للتوحيد وهو إثبات الوجود، وإثبات الوجود لا شك أنه معرفة، فهذه المعرفة فطرية وليست نظرية واستدلالية تحتاج إلى نظر واستدلال.
стр. 20
مصير موتى أطفال الكفار
السؤال
أبناء الكفار حينما يموتون وهم صغار؛ ما هو مصيرهم؟
الجواب
نحن لا يهمنا كثيراً أبناء الكفار على كل حال، الذي يهمنا هو أن هؤلاء يولدون على الفطرة، لنأخذ من هذا أصل وهو أن أول واجب هو توحيد الألوهية.
أما أبناء المشركين فالله أعلم بما كانوا عاملين كما جاء في حديث النبي ﷺ .
стр. 21
حكم ما جاء به أهل الكلام
السؤال
هل جميع ما جاء به أهل الكلام مردود ولا يستفاد منه؟
الجواب
لا، ليس كل ما جاءوا به مردود ولا يستفاد منه، لكن طالب العلم المبتدئ لا يصح أن يقرأ في مثل هذه الكتب؛ لأنها مزلة، ولأنه يمكن أن يقع في الانحراف، لكن إذا كان الإنسان متقدماً في طلبه للعلم ومتخصصاً ويستطيع أن يميز بين الغث والسمين والصواب والخطأ فله أن يقرأ مثل هذه الكتب، وعلى كل حال كل ما يوجد عند الفرق الضالة من شيء نافع فإنه يوجد عند أهل السنة ما هو أنفع منه وأصح وأكثر صفاءً منه بإذن الله تعالى، فنحن لا نحتاج إلى تتبع مثل هذه الكتب.
стр. 22
ما يبدأ به المبتدئ في علم العقيدة
السؤال
هل كتاب معارج القبول نافع للمبتدئ أو الأصول الثلاثة؟
الجواب
المبتدئ إذا كان مبتدئاً جداً يبدأ بكتاب الأصول الثلاثة، لكن إذا كان قد حصل شيء في هذا العلم فكتاب معارج القبول يتميز بكثرة الآيات وكثرة الأحاديث وكثرة النقول، وهذه من أكبر ميزات كتاب معارج القبول.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 23
تأصيل علم العقيدة [٢]
يجب على المسلم تعلم العلم الذي به يعرف ربه ودينه ونبيه، فإذا علم ذلك ينبغي عليه أن يعمل بما علم كما أمره الله ، ثم بعد ذلك يدعو إلى ما تعلم من أصول الدين وفروعه، والدعوة هي مهمة الأنبياء، ولابد من حصول الأذى من المدعوين، فينبغي أن يصبر، فقد أوذي الأنبياء فصبروا، فهم خير قدوة.
стр. 24
نبذة مختصرة عن كتاب الأصول الثلاثة ومؤلفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً إنك أنت العليم الحكيم.
أيها الإخوة الكرام! إن طلب العلم من الأمور المهمة للمسلم عموماً وللداعية إلى الله خصوصاً؛ فإن البصيرة هي النتيجة المترتبة على طلب العلم، وهي طريقة الأنبياء والمرسلين، كما قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
فطلب العلم أمر مهم وأساسي في صحة عمل الإنسان، وفي صحة دعوته، وفي صحة فهمه للقرآن وللسنة.
وهذه الأمور ينبغي أن تكون محط اهتمام لكل شاب ولكل مسلم، فالعلم وطلب العلم من الأمور الضرورية والأساسية.
في هذا اللقاء بإذن الله سنبتدئ هذه الدروس بكتاب (الأصول الثلاثة) للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
وهذا الكتاب هو متن صغير أساسي يبين فيه التوحيد والدين والنبوة، يبين هذه المعاني الثلاثة الأساسية المهمة في فهم العقيدة، وفي دراستها دراسة سليمة وصحيحة.
وهو كتاب مختصر، لكنه كتاب مبارك؛ لأنه سهل العبارة ومركز وموجه، وليس فيه أي تعقيد أو إشكالات.
فالإنسان بمجرد أن يقرأ الكتاب يستطيع أن يفهمه، ويستطيع أن يعرف المعاني المتضمنة فيه.
هذا الكتاب قبل أن يبدأ الشيخ في الأصول الثلاثة قدم لذلك بأربعة مسائل، ثم بعد ذلك بثلاثة مسائل أخرى، ثم شرع في الأصول الثلاثة.
والأصول الثلاثة إذا سألنا أنفسنا: لماذا حدد الشيخ هذه الأصول الثلاثة؟ لماذا لا تكون خمسة؟ لماذا لا تكون سبعة؟ لماذا لم تكن عشرة؟ لقد بناها الشيخ رحمه الله تعالى على أساس أنها المسائل والأصول التي يسأل عنها الإنسان في قبره.
فالإنسان إذا دفن في قبره يسأل عن ربه، ويسأل عن دينه، ويسأل عن نبيه ﷺ ، كما جاء في حديث البراء بن عازب، وأيضاً في غيره من الأحاديث: (أن الإنسان إذا دفن في قبره جاءه ملكان، أحدهما منكر والآخر نكير، ثم يسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟).
فهذه الأسئلة الثلاثة تحتاج إلى إجابة، وإجابتها هي التي ذكرها الشيخ ﵀ في هذه الرسالة المختصرة.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ هو عالم جليل، ولد في نجد في العيينة في عام ألف ومائة وخمسة عشر، ونشأ نشأة علمية منذ أن كان صغيراً، وحفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، ثم بعد ذلك درس على والده شيئاً من العلم، ثم انتقل إلى مكة ودرس على علمائها، ثم انتقل إلى بلاد الشام وإلى المدينة، ودرس في المدينة على الشيخ محمد حياة السندي صاحب الحواشي على كتب السنة، وهو عالم معروف في علم الحديث.
وأيضاً درس علم الفرائض على إبراهيم الشمري شارح الألفية، له كتاب اسمه (العذب الفائض في شرح ألفية الفرائض).
والتقى بعدد من أهل العلم ودرس عليهم وتفقه ﵀، ثم جاء إلى نجد وبدأ عملاً دعوياً تجديدياً نافعاً صالحاً؛ لأن الناس في تلك الفترة كانوا في فترة وانقطاع من العلم الشرعي، وكانوا في فترة انتشار للشركيات بأسباب كثيرة منها: الجهل، ومنها: البدع التي كانت منتشرة، ومن آثارها الشركيات، وسيأتي معنا تفصيل هذه القضايا في كشف الشبهات، وفي كتاب التوحيد بإذن الله تعالى.
فلما جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلى بيئة مليئة بالشرك، يعبدون غير الله ، وهم في نفس الوقت ينتسبون إلى الإسلام، بل إن العلماء في زمانهم كانوا يؤكدون أنه لا مانع من مثل هذه الشركيات، بحجة محبة الأولياء والصالحين والأنبياء وغير ذلك، فقام ببيان التوحيد، وركز على موضوع توحيد الألوهية؛ لأنه هو التوحيد الذي جاءت به الرسل كما سيأتي معنا.
وأوذي ﵀ وصبر على هذا الإيذاء، وكاد يقتل ﵀، ثم بعد ذلك اجتهد واستطاع أن يؤثر تأثيراً كبيراً، واجتمع هو ومحمد بن سعود واستطاعا أن يؤسسا دولة على التوحيد، وينشرا العقيدة الصحيحة.
وقد توفي ﵀ في سنة ألف ومائتين وستة، يعني: في بداية القرن الثالث عشر.
وله عدد من الكتب منها: هذا الكتاب (الأصول الثلاثة)، ومنها: (كتاب التوحيد)، ومنها: (كشف الشبهات) ومنها: (نواقض الإسلام) وله اختصار لزاد المعاد، وله اختصار أيضاً لسيرة النبي ﷺ .
وقد جمعت مؤلفاته جميعاً وطبعتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهناك رسائل كتبها إلى عدد من الأمراء، وإلى عدد من زعماء القبائل في تلك الفترة.
وكان له دعوة وجهاد وبذل عظيم في نشر التوحيد، وتأثر به عدد كبير في العالم الإسلامي، وقام من أصداء دعوته حركات ودعوات، منها: دعوة الشيخ عثمان بن فودي ﵀ في أفريقيا، وقد تأسست على دعوة الشيخ عثمان بن فودي رح
стр. 25
المسائل الأربع الواجب تعلمها
стр. 26
المسألة الأولى: العلم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [اعلم رحمك الله أن يجب علينا تعلم أربع مسائل: الأولى: العلم.
الثانية: العمل به.
الثالثة: الدعوة إليه.
الرابعة: الصبر على الأذى فيه].
وقد أخذ هذه المسائل من سورة العصر.
أولاً: العلم.
قال: [وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة].
فالعلم أمر ضروري في معرفة الدين، والعلم الواجب هو العلم بأركان الإيمان، والعلم بأصول العقيدة، والعلم بأركان الإسلام، وبالأمور الواجبة على العبد، ثم ما عدا ذلك يعتبر من الأمور المستحبة، وهو في الجملة من فروض الكفايات التي يجب أن يكون في الأمة.
وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (طلب العلم واجب على كل مسلم ومسلمة).
والعلم لا شك في أهميته، وقد ذكر الشيخ أن المقصود بالعلم الواجب هو معرفة العبد لله ، وهذا سيأتي معنا في الأصل الأول من الأصول الثلاثة: وهو التوحيد.
ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، وهذا سيأتي معنا بإذن الله تعالى في الأصل الثاني من الأصول الثلاثة.
ومعرفة نبيه، وهذا سيأتي معنا في الأصل الثالث من الأصول الثلاثة: وهو النبوة.
стр. 27
المسألة الثانية: العمل به
قال: والعمل به، يعني: العمل بالإسلام؛ فإن الله قد أمر بالأوامر الشرعية، وجاء بهذا الدين عقيدة وعملاً من أجل أن يعمل به، ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁: العلم يهتف بالعمل، فإن أجاب وإلا ارتحل.
والعمل من أصول الإيمان؛ فإنه لا يتم إيمان العبد إلا بالعمل، ولا يصح إيمان الإنسان إلا بالعمل، فالعمل بأصول الإسلام من الواجبات.
стр. 28
المسألة الثالثة: الدعوة إليه
الثالثة: الدعوة إليه، يعني: بعد أن يعلم العقيدة الصحيحة ويعمل بمقتضاها؛ فإنه ينبغي عليه أن يدعو إليها، وهذه هي طريقة الأنبياء، فإن الأنبياء بعد أن علموا وعملوا دعوا إلى الله على علم وبصيرة، كما قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].
والدعوة إلى الله من الأمور المهمة في نشر العقيدة الصحيحة، والأنبياء كلهم من الدعاة، وهم يدعون إلى التوحيد، ويدعون إلى العقيدة الصحيحة.
والدعوة أول ما يجب أن تكون هي الدعوة إلى التوحيد، ولهذا لما أرسل النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن أرسله داعية إلى الله ، قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة) إلى آخر الحديث.
وفي هذا الحديث بيان أن أول ما يجب أن يدعى إليه هو توحيد الله ، وهي العقيدة الصحيحة.
فهذا هو أول ما يجب أن يدعو الإنسان إليه.
стр. 29
المسألة الرابعة: الصبر على الأذى فيه
المسألة الرابعة: الصبر على الأذى فيه، يعني: الصبر على الأذى في التزام الإنسان بالإسلام، فإن الإنسان إذا التزم بالإسلام لا بد أن يحصل له الأذى من أعداء الإسلام من الكفار ومن المنافقين، ولهذا بين الله أن الإنسان لم يخلق في هذه الدنيا إلا للفتنة والابتلاء، فقال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢].
فمن معاني الابتلاء أنه يبتليه بالأعداء المعاندين والرافضين لهذا الدين، وهذا يقتضي في المقابل الصبر، ولهذا النبي ﷺ عندما بدأ دعوته أوذي فصبر، وكان النبي ﷺ يقول لأصحابه: (إنه كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيمشط بأمشاط الحديد ما بين عظمه ولحمه، لا يرده ذلك عن دينه شيئاً، وكان يؤتى بالرجل فيوضع المنشار على مفرق رأسه حتى يفصل قسمين، لا يرده ذلك عن دينه شيئاً).
وعندما نقرأ أخبار الأنبياء في القرآن نجد أنهم أوذوا من أتباعهم، فهذا إبراهيم ﵇ ألقي في النار، وكلهم عندما جاءوا إلى قومهم كذبوا وأوذوا واتهموا، وكان النبي ﷺ وهو من أشراف الناس يضع عليه بعض السفهاء سلى الجزور على رأسه.
فالإنسان عندما يلتزم التزاماً حقيقياً بالدين فمن الطبيعي أن يكون له معاند، وأن يكون له عدو، ولهذا يقول الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١].
فكل نبي يأتي بدعوة يكون له أعداء ويكون له خصوم، لأن هذا الدين عندما يأتي يأمر الناس بترك شهواتهم وترك ملذاتهم وترك رغباتهم وترك رئاساتهم، وأن يكونوا خاضعين لأمر الله ، وهذا ما لا يريده أصحاب الرئاسات والملأ كما سماهم الله في القرآن، وما لا يريده أصحاب الشهوات وأصحاب الأموال، هؤلاء لا يريدون ذلك، ولهذا يرفضون الالتزام بالدين.
وهذا موسى ﵇ قاوم فرعون، وكان فرعون من الرافضين لرسالة موسى مع أنه يعلم أن ما جاء به موسى ﵇ حق لا ريب فيه، ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢].
وقال أيضاً عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] يعني: كانوا يعرفون أنه على الحق، ولهذا قال في آخر أمره: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠] لكن هذا لم يكن كافياً ولم يكن نافعاً.
جاء في سنن أبي داود في حديث العقبة: (بايع النبي ﷺ أصحابه يوم العقبة وقال: أبايعكم على أن تعضكم السيوف)، وقد فهم سعد بن عبادة وغيره من الصحابة أن مبايعتهم للنبي ﷺ تقتضي مخالفة الأمم، وتقتضي الجهاد، وتقتضي المواجهة للعدو، وتقتضي الموت، وتقتضي أموراً كثيرة جداً، ولهذا من الطبيعي أن الإنسان عندما يسلم أن يكون له أعداء وخصوم من الكفار والمنافقين، كما سيأتي بيان شيء من ذلك.
стр. 30
استنباط الشيخ محمد بن عبد الوهاب للمسائل الأربع من سورة العصر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والدليل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]].
هذه السورة شاملة للمسائل الأربع.
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] فبين تعالى أن جنس الإنسان في خسارة، ثم استثنى منه أوصافاً، فمن كانت فيه هذه الأوصاف فهو ناج من الخسارة، ومن لم تكن فيه فهو في خسارة.
قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٣] يعني: أن الإيمان لا يكون إلا بالعلم؛ لأن الإيمان هو اليقين، ولا يكون اليقين إلا بالعلم، فالعلم هو الذي يوصل إلى اليقين، لأن الجهل يوصل إلى الشك والريب ولا يوصل إلى اليقين.
فقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٣] الإيمان يؤخذ منه المسألة الأولى: وهي مسألة العلم.
فالإيمان يكون بالتوحيد يعني: معرفة العبد لربه، ويكون بالنبوة، يعني: معرفة العبد لنبيه ﷺ ، ويكون الإيمان بالدين، يعني: معرفة العبد للإسلام بالأدلة.
وهذه المعرفة يجب أن تكون معرفة يقينية لا ريب فيها ولا شك، والمعرفة اليقينية بالتوحيد وبالعقيدة الصحيحة لا تكون إلا إذا اتبع الإنسان المنهج الصحيح في المعرفة، ويكون ذلك بالتدبر في آيات الله الشرعية والعقلية أيضاً، كما سيأتي معنا.
فكثير من الناس تكون معرفتهم بالله أو توحيدهم أخذوه عن طريق التقليد، بمعنى أنه نشأ في بيئة مسلمة وأبواه مسلمان فأخذ الإسلام عنهما بشكل وراثي، ولهذا بمجرد أن تزعزع عقيدته يشك ويحصل عنده الريب.
وحياتنا الآن شاهد على ذلك، فكثير من الشباب عندما يشكك وعندما توضع له مجموعة من الأسئلة التي هي تشكيك له لا يجد لديه قوة على مواجهتها وعلى الرد عليها؛ لأن العقيدة التي في نفسه إنما جاءت عن طريق التقليد كما سبق أن أشرنا.
قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] وهذا دليل على العمل بالعلم.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر:٣] وهذا دليل على الدعوة إليه.
فالتواصي تفاعل بين داعية ومدعو.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] وهذا هو الصبر على الأذى فيه، ويدخل في هذا الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور الأساسية في قيام الدين.
ثم قال: [قال الشافعي ﵀: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم].
ومقصود الشافعي ﵀: أن هذه السورة فيها بيان لأهم الأمور التي توصل الإنسان إلى النجاة والفلاح، وهي: العلم، والعمل، والدعوة، والصبر.
فهذه الأمور هي الموصلة إلى النجاة، وهي الموصلة إلى النجاة عند الله وفي الدنيا.
والتواصي بالصبر يدل على أهمية الصبر.
والصبر ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة.
وصبر عن المعصية.
وصبر على أقدار الله المؤلمة.
ولهذا جاء الأمر بالصبر في أكثر من تسعين آية في كتاب الله.
قال: [قال البخاري ﵀: باب العلم قبل القول والعمل، والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] فبدأ بالعلم قبل القول والعمل].
هذا الكلام للبخاري ﵀ موجود في الصحيح في كتاب العلم، فالقول لا يكون صحيحاً إلا بالعلم، والعمل لا يكون صحيحاً إلا بالعلم، ولهذا قدم العلم عليهما، فقال الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] فبدأ بالعلم، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] يعني: جعل الاستغفار بعد العلم، وهذا يدل على أهمية العلم وأنه المعيار الذي يدل الإنسان على الحق ويوصله إليه بإذن الله تعالى.
هذه أربعة مسائل مهمة في حياة الإنسان، ينبغي عليه أن يجتهد في تطبيقها في نفسه.
стр. 31
المسائل الثلاث الواجب تعلمها والعمل بها
стр. 32
المسألة الأولى: الإيمان بالرسول وطاعته
ثم ذكر ثلاث مسائل أخرى، قال: [اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه الثلاث المسائل والعمل بهن: الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل:١٥ - ١٦]].
يعني: المسألة الأولى: معرفة أن النبي ﷺ هو الطريق الموصل إلى الله ، ويكون ذلك بطاعته، فالإنسان إذا حجب عن نفسه الإيمان بالرسول، أو حجب عن نفسه التلقي من الرسول ﷺ ؛ فإنه لن يصل إلى الله .
هذه مقدمة بسيطة ومختصرة: أن الله خلقنا.
هذه ليس فيها إشكال، بل هي أمر فطري.
ورزقنا، وهذه لا شك فيها أيضاً، فإن الرزق بيد الله .
ولم يتركنا هملاً؛ لأن الله الحكيم يتعالى أن يترك الناس هملاً دون أن يرسل إليهم رسولاً أو أن يطلب منهم عملاً؛ لأنه سبحانه لم يخلقنا في هذه الدنيا لنتمتع بالشهوات الموجودة دون أي رسالة، فهذا أمر في غاية الاستحالة، لا بد أن يكون لهذا المخلوق الإنساني هدف وغاية من وجوده.
هذا الإنسان الذي لديه عقل يفكر، ولديه قلب ولديه قدرة ولديه معرفة ولديه إمكانات هائلة، لا يمكن أن يتركه الله كالبهائم ليس لها رسالة وليس لها هدف، وإنما هي تأكل وتشرب وتنكح دون هدف ومعنى، فهذا النوع الإنساني اختصه الله بأن جعله محلاً للعبادة، بأن جعله خليفة له في الأرض، بأن جعله مكاناً للأمر والنهي والتكليف.
ثم ترتب بعد ذلك عليه الجزاء يوم القيامة قال: (لم يخلقنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً).
هذا الرسول هو الذي أرسله إلينا، والرسل الكرام يتلقون عن الله ، إذا قلنا: كيف نعرف أن هذا الرسول الذي هو منا فعلاً يتلقى عن الله الذي خلق السماوات والأرض؟ نقول: هناك علامات تدل على ذلك، وهي: دلائل النبوة، فعندما يأتي بالمعجزة وعندما يكون صادقاً في حياته كلها، وعندما يأتي بالأمور التي تدل على صدقه، فلماذا يكذب؟ ودلائل النبوة واسعة جداً، فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (أن الله إذا أرسل رسولاً، فإنه يعطيه من الآيات والبينات على ما يؤمن به الناس).
يعني: يعطيه من الآيات والبراهين والدلائل ما يكون كافياً للناس في تصديقه، إذا كانوا أهل حق وطلب للحق، لكن المجادل والمعاند فهذا ليس فيه حيلة.
إذاً: إذا كان الإنسان يريد الحق ويريد الوصول إليه، فإنه من خلال جمع دلائل النبوة حول النبي يكتشف أن هذا النبي فعلاً كلمه الله وأرسله، وأن هذا الكتاب الذي جاء به هو من عند الله .
وهذه هي البوابة الأساسية في العقيدة، أن نعلم صدق الرسول ﷺ ، وصدقه لا شك فيه ولا ريب.
قد يقول قائل: ما هو الفرق بين معجزة النبي الصادق، وسحر الساحر الكاذب؟ نقول: هناك فرق جوهري بينهما، وقد سبق في اللقاء الماضي بيان هذه القضية.
فالنبي منذ أن نشأ وله صفة خاصة من الصدق والعفاف والطهر، ولم يأت بدعوة سابقة، وليس له إرث سابق من الملك يريد أن يصل إليه، وما يأمر به حق، فهو يأمر ببر الوالدين، ويأمر بصلة الأرحام وهناك كثير من الدلائل تدل على صدقه.
ثم المعجزة التي يأتي بها هي تغيير في حقائق الأشياء، مما يدل على أن الله يغير حقائق الأشياء له تصديقاً له، فعندما جاء موسى ﵇ وألقى العصا تحولت من عصا حقيقية إلى حية حقيقية مائة بالمائة، بينما عصي السحرة ما زالت عصياً، لكن سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وجاءوا بسحر عظيم، ولهذا السحرة لا ينظرون إلى العصي على أنها حيات، وإنما ينظرون إليها على أنها عصي، لكن الناس يظنون أنها حيات.
ولهذا لما رأوا أن حية موسى انقلبت من عصا حقيقية إلى حية حقيقية، والتهمت عصيهم آمنوا مباشرة وهم أهل الصنعة وأهل المعرفة.
ثم إنهم لما آمنوا كان إيمانهم قوياً إلى درجة أنهم تحدوا فرعون، وهددهم فرعون بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فصبروا، هذا مما يدل على أنهم اقتنعوا قناعة كاملة أن هذا الرجل لا يتكلم من عنده، وإنما هو مرسل من الله الذي خلق السماوات والأرض.
إذاً: هذه المقدمة الأولى: وهي الإيمان بالرسول ﷺ .
стр. 33
المسألة الثانية: ألا يشرك مع الله في عبادته أحد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]].
يعني: أن الله عندما خلق الخلق أمرهم بالتوجه إليه، بأن يكونوا عبيداً له وحده، ولا يكونوا عبيداً لأحد من خلقه، إنما يكونون عبيداً له وحده، يصرفون له العبادة، ويتعبدون له، ويذلون له، ويخضعون له، ويتحررون من عبادة المخلوقين، ويكون التعبد والذل وأنواع العبادات والقربات التي يتقرب بها الإنسان يجعلها لله ، لا يجعلها لملك حتى لو كان له مكانة ولا لنبي، ولهذا كان النبي يدعو إلى عبادة الله، ولم يكن يدعو إلى عبادة نفسه، وجميع الأنبياء كانوا كذلك.
стр. 34
المسألة الثالثة: موالاة الله ورسوله والمؤمنين والبراءة ممن حاد الله ورسوله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب].
وهذه من أعظم الأمور المهمة يا إخواني، يعني: ليس المطلوب من الإنسان أنه يقوم بالعبادة لله فقط، وإنما لا بد من القيام بالعبادة لله والبراءة من المخالف، البراءة من الكافر، وهذه قضية مهمة جداً لا يستقيم إيمان الإنسان إلا بها، ولهذا سيأتي معنا في التوحيد، أن التوحيد له جانبان أساسيان يكمل بعضهما الآخر.
الأول: عبادة الله .
الثاني: البراءة من الطواغيت والأنداد والشركاء.
ولهذا اليوم توجد دعوة منحرفة تطالب من الناس أن يصلوا لله ويصوموا لله ويتعبدوا لله، لكن ترفض البراءة من الكفار، وترفض معاداة الكفار، وتسمي هذا بغضاً وكراهة، وكون المسلم يبغض الكافر قد تسميه إرهاباً، والحقيقة أن هذا جزء أساسي من التوحيد، كما قال الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ [المجادلة:٢٢] الموادة تشتمل على المحبة والنصرة، فالمسلم لا ينصر الكافر، ولا يحب الكافر.
﴿يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] يعني: ولو كان الكافر قريباً لك، فالبعيد من باب أولى.
﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢].
فهذه الأمور الثلاثة من الأمور الضرورية في عقيدة الإنسان: الإيمان بصدق الرسول، والإيمان بخطورة الشرك، وضرورة الابتعاد عنه والخوف منه، والولاء والبراء.
وهذه المسائل الثلاث هي: أولاً: الإيمان بالرسول أو النبوة.
ثانياً: خطورة الشرك، والبراءة من الشرك.
ثالثاً: الولاء لله وللمؤمنين، والبراءة من الشرك والمشركين.
стр. 35
حقيقة التوحيد وأقسامه وما يضاده
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ومعنى (يعبدون) يوحدون، وأعظم ما أمر الله به: التوحيد وهو إفراد الله بالعبادة].
لا شك أن التوحيد هو ملة إبراهيم، ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣١].
فملة إبراهيم هي التوحيد، وهي دين الإسلام، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
ثم استدل على ذلك بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ومعنى (يعبدون): يوحدون، وهذا هو تفسير ابن عباس ﵄، ورواه ابن جرير الطبري وغيره عنه.
ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيد الربوبية.
الثاني: توحيد الألوهية.
الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
النوع الأول: توحيد الربوبية: هو إفراد الله بالخلق والرزق والتدبير، وهو إفراد الله بأفعاله ، فالخالق هو الله وحده، والرازق هو الله وحده، والمحيي والمميت هو الله وحده، هذه هو توحيد الربوبية.
وهذا التوحيد يعترف به المشركون في الأعم الأغلب، كما أخبر الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] فهم يعترفون به، وإنما وقع الشرك عندهم في توحيد الألوهية.
النوع الثاني من التوحيد: هو توحيد الألوهية: وهو إفراد الله بالعبادة، يعني: أن يكون الله هو معبود الإنسان وحده، بحيث لا يخضع إلا لله، ولا يخاف إلا من الله، ولا يرغب إلا في الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يدعو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله ، فيفرده وحده بالعبادة.
النوع الثالث من أنواع التوحيد: هو توحيد الأسماء والصفات: وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء الحسنى والصفات العليا، ونفي ما نفاه الله عنه أو نفاه عنه رسوله ﷺ .
وسيأتي معنا حديث مفصل في هذه الأنواع جميعاً.
هذا توحيد الألوهية.
стр. 36
الشرك أعظم ما نهى الله عنه
قال: [وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو دعوة غيره معه].
هنا فائدة مهمة جداً وهي أن الشيخ بين أعظم الأوامر الشرعية وبين أعظم المناهي الشرعية، فأنت إذا سئلت: ما هي أعظم الأوامر الشرعية؟ أو ما هو أعظم ما أمر الله به؟ فكثير من الناس يغفل عن هذه الحقيقة وهو أنه التوحيد، قد يقول: الصلاة، قد يقول: صيام رمضان أو الحج أو غيره من الأعمال، وهذه إجابة غير صحيحة، والإجابة الصحيحة أن أعظم الأوامر الشرعية وأعلاها هو توحيد الله .
وأعظم المناهي التي نهى الله عنها الشرك، فالشرك أعظم من الزنا، وأعظم من أكل الربا، وأعظم من سائر الفواحش، وأعظم من كل المحرمات.
وهذه قضية أساسية مهمة في معرفة ما أمر الله به وما نهى عنه .
إذاً: فأعظم ما أمر الله به التوحيد، وأعظم ما نهى الله عنه الشرك، وهذه قضية مهمة ينبغي أن نلاحظها.
قال: [والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]].
أقول: لماذا أعظم ما أمر الله به التوحيد؟ لأن تركه يترتب عليه الخروج من الإسلام.
ولماذا أعظم ما نهى الله عنه الشرك؟ لأن الشرك والكفر بوابة الخروج من الإسلام، فأساس الإسلام وأصله التوحيد، وأعظم ما يخرج الإنسان منه الشرك.
стр. 37
الأصل الأول من الأصول الثلاثة: معرفة العبد ربه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمداً ﷺ ].
لقد بينا أن مأخذ ذلك هو ما يسأل عنه الإنسان في قبره إذا مات.
قال: [فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته، وهو معبودي ليس لي معبود سواه.
والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢].
وكل ما سوى الله عالم، وأنا واحد من ذلك العالم].
يعني: معرفة العبد لربه هو الأساس في التوحيد، فالإنسان لا يمكن أن يكون موحداً إلا إذا عرف ربه.
ومعرفة العبد لربه كما سبق أن أشرنا هي أمر فطري خلقه الله في نفس الإنسان، كما أخبر الله بذلك: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] إلى آخر الآية.
وأيضاً حديث الفطرة المشهور حديث أبي هريرة ﵁: (كل مولود يولد على الفطرة).
وجاء في بعض الألفاظ: (ما من مولود إلا ويولد على هذه الملة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه) إلى آخر الحديث.
فإذاً: معرفة الله أمر فطري، لكن مما يغذي الفطرة وينميها التأمل في آيات الله الشرعية والكونية؛ ولهذا قال: [فإذا قيل: بم عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضين السبع ومن فيهن وما بينهما، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧]].
يعني: التفكر في مخلوقات الله يورث اليقين في النفس، ويزيد المعرفة بالله ، والتدبر في مخلوقاته المتنوعة وفي آياته الشرعية كلها تنمي الإيمان في القلب، وتزيد هذه الفطرة نماءً وصحة.
قال: [وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]].
القرآن مليء بالأمر بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وفي مخلوقات الله المتنوعة، والأمر أيضاً في تأمل آياته الشرعية، وأيضاً التأمل فيما أمر الله به من الأحكام والواجبات الشرعية؛ فإن فيها ما يدل الإنسان على معرفة الله ، ويزيد من إيمان العبد.
стр. 38
استحقاق الرب سبحانه للعبادة وحده لا شريك له
قال: [والرب هو المعبود].
يعني: هذا أحد استعمالات الرب، فإن الرب يأتي بمعنى المربي ويأتي بمعنى الخالق أيضاً، ويأتي بمعنى المدبر لأحوال الإنسان، ومن استعمالاته المعبود أيضاً، وإن كان الأقرب للفظة المعبود هو الإله، ولهذا سيأتي معنا أن الإله معناه المعبود، لكن أحياناً قد ترد بعض النصوص الشرعية يستخدم فيها لفظ الرب ويراد به المعبود .
فهذه الآيات توصل إلى إفراد الله بالعبادة، ولهذا فإن التقسيم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات هو تقسيم فني، ذكره العلماء لتقريب العلم، وإلا فإن هذه الأنواع متداخلة، ولا يتصور مثلاً أن إنساناً يؤمن بالربوبية كاملة ولا يؤمن بالألوهية، فكل من أشرك في الألوهية فلا بد أن يكون لديه قدح في الربوبية، أو في الأسماء والصفات.
ولا يتصور أن إنساناً لا يؤمن بالربوبية ويكون مؤمناً بالألوهية، ولهذا بينهما تداخل قوي، والمشركون الذين يقرون بالربوبية هم يقرون بالربوبية في الجملة، أما عند التفصيل فنجد أنهم يصفون الملائكة بأنهم بنات الله، ونجد مثلاً: أنهم ينسبون إنزال المطر إلى (الأنواء) النجوم، ونحو ذلك من الشرك في الربوبية.
إذاً: ينبغي أن نلاحظ أن هذا التقسيم الذي يذكره أهل العلم لأنواع التوحيد لا يعني أن كل قسم منفصل عن القسم الثاني بشكل كامل؛ لأنه علم واحد وعقيدة واحدة، وأراد العلماء بهذا التقسيم أن يبينوا المعاني حتى يتعلم الإنسان العقيدة، وإلا فإنها نوع واحد وهي: متداخلة، ولهذا الرب يأتي بمعنى المعبود، والإله يأتي بمعنى المعبود، ويأتي الرب بمعنى الخالق والمدبر، فينبغي ملاحظة ذلك.
قال: [والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]].
قوله: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)) فربكم هنا جاءت بمعنى المعبود، ثم قال: ((الَّذِي خَلَقَكُمْ)) هذا وصف لله سبحانه، إلى آخر الآيات التي تبين أن الله هو مدبر هذا الكون وخالقه.
стр. 39
بعض أنواع العبادة التي يجب أن تصرف لله تعالى وحده
قال: [قال ابن كثير ﵀: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.
وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل: الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومنه: الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها؛ كلها لله تعالى].
يعني: هذه الأنواع من العبادات يجب أن تصرف لله ، وهذه العبادات هي أعمال قلبية وأعمال متعلقة بالجوارح يجب أن تكون خالصة لله .
قال: [والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر].
يعني: حقيقة التوحيد: هو إفراد الله بالخلق والرزق والتدبير، وإفراده بالعبادة، وإفراده بالأسماء الحسنى والصفات العليا.
والشرك: هو مناقضة ذلك، فمن نسب إلى مخلوق الخلق وأنه قادر على الخلق والتدبير فهذا مشرك في الربوبية، ومن صرف لمخلوق نوعاً من أنواع العبادة فهذا مشرك في الألوهية، ومن وصف مخلوقاً بما وصف الله به نفسه، أو سماه بما سمى الله به نفسه من أسمائه الحسنى فهذا مشرك في الأسماء والصفات.
ثم بعد ذلك ساق الأدلة على أنواع العبادات.
قال: [والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]].
стр. 40
الدعاء ودليله
قال: [فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]].
قوله: ((وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)) الإله بمعنى المعبود.
وقوله: ((لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ)) وهذا هو حال كل من دعا غير الله .
والدعاء هنا المقصود به دعاء العبادة، فإن الدعاء نوعان: دعاء المسألة، وهو ما يسأله الإنسان ويطلبه، مثل أن يقول: اللهم اغفر لي، اللهم أدخلني الجنة، فهذا دعاء المسألة.
النوع الثاني من الدعاء: هو دعاء العبادة.
والمقصود به أن يقوم الإنسان بالعبادة، فإذا قام بنوع من أنواع العبادة فحاله أنه في حال الدعاء، لأنه عندما يذبح مثلاً لله فإنه في هذه الحالة يدعو ويطلب من الله أن يتقبل منه، وأن يدخله الجنة، فهذه حالة دعاء.
وكلمة دعاء في الغالب عندما تطلق فالذي يتبادر إلى ذهن الإنسان دعاء المسألة، مع أن دعاء العبادة هو مقصود في كثير من الأدلة التي جاءت في إفراد الله بالدعاء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١١٧] يعني: دعاء عبادة، كأن يصلي لغير الله ، ويصوم لغير الله، وينسك لغير الله، ويحج لغير الله، ويستغيث بغير الله، وإن كانت الاستغاثة من دعاء المسألة، ويذبح لغير الله، فهذه كلها من الدعاء، حتى لو كانت في ظاهرها لا تتضمن لفظة الدعاء، وإنما هي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب.
قال: (الدعاء مخ العبادة)].
هذا الحديث رواه الترمذي وفي إسناده ضعف، والصحيح حديث آخر وهو: (الدعاء هو العبادة).
قال: [والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]] فسمى الدعاء عبادة، قال: ((ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)).
والمقصود بالدعاء في هذه الآية دعاء المسألة، والدعاء في الآية التي قبلها: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١١٧] هذا دعاء العبادة.
فقوله: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)) هذه في دعاء المسألة.
وعرفنا أن هذا دعاء المسألة؛ لأنه قال: ((أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي)).
следующие страницы →