Полный текст (493 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
العقيدة الواسطية [١]
يعتقد أهل السنة والجماعة أصول الإيمان وأركانه الستة, ومن جملة تلك الأصول الإيمان بصفات الله تعالى من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل, في جملة عظيمة من مسائل الاعتقاد في هذا الباب المدونة في كتبهم, ومن أهمها كتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي عني به مؤلفه وعني به العلماء من بعده.
стр. 2
أهمية العلم الشرعي في العصر الحاضر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه، وبعد: فإن هذه الأمة بخير وإلى خير ولله الحمد، فنحن في هذه الأيام نعيش صحوة ويقظة إسلامية واضحة، يراها الإنسان في كثرة طلاب العلم والمشتغلين بالدعوة إلى الله ، فضلاً عن الملتزمين بأحكام الدين والمشتغلين بالعبادة ونحوها، ولكننا نعيش في نفس الوقت فترة حرجة في حياة هذه الأمة، وذلك لكثرة الأفكار والآراء والاتجاهات التي نعيشها في هذا الزمان، فقد كثرت الأفكار والآراء والمناهج والأحزاب والتيارات التي تنادي بالكفر، وتدعو إلى البدع، وإلى الضلالة، وأصبحت هذه التيارات والمناهج والفرق ذات قوة كبيرة في حياة الناس، وتمتلك قوة مالية وإعلامية لتوصيل هذه الأفكار والمناهج إلى كل أقطار الدنيا.
ينبغي علينا ونحن في هذه الفترة الحرجة أن نعلم العلاج الذي ينقذنا أولاً، والذي ييسر لنا إنقاذ أمتنا ثانياً، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بالعلم، فالعلم بالشرع وبأحكام الدين والتعلم هما الوسيلة الناجحة للخروج والخلوص من هذه المزالق الوعرة، ومن هذه التيارات والأفكار والمناهج التي تهدد عقيدة الإنسان وفكره ومنهجه في الحياة.
ومن هنا كان للاهتمام بالعلم وبدراسته أهمية كبرى، ومكانة عظمى في إنقاذ الإنسان لنفسه ولغيره من الناس عندما يكون داعية إلى الله ، فلا بد إذاً من دراسة العلم دراسة تفصيلية يتفقه الإنسان من خلالها في أحكام دينه، ويتعلم فيها العقيدة الصحيحة، ومناهج الاستدلال الصحيحة بعيداً عن الآراء الضالة والمناهج المنحرفة، وهي خطيرة كل الخطر، تمتلك أدوات قوية جداً لنقل أفكارها ومناهجها، ومن هنا كان طلب العلم مهم جداً في إنقاذ الإنسان لنفسه.
стр. 3
معالم في منهج دراسة العلم
وقد أمر الله بالعلم، وحث عليه، وبين فضله وفضل أهله، وبين منزلتهم، حتى أن أهل العلم صنفوا كتباً مستقلة في هذا الموضوع تبين منهج الإنسان في دراسته للعلم، والعلم يحتاجه كل مسلم، وطالب العلم على وجه الخصوص يحتاجه أكثر، كما لا بد لطالب العلم من دراسة المنهج الذي يسير عليه حتى يصل إلى العلم بالطريقة الصحيحة؛ فإنه ليس كل مشتغل بالعلم أو كل قارئ للعلم يكون طالب علم فعلاً، فإنه في بعض الأحيان قد يقرأ الإنسان كثيراً ويشتغل بالعلم كثيراً، لكنه يشتغل على منهج خاطئ، وحينئذٍ قد تمر عليه السنتان والثلاث والعشر فلا يستفيد شيئاً بسبب الطريقة التي سلكها في دراسة العلم، ومن هنا كانت المنهجية في طلب العلم مهمة جداً لطالب العلم حتى يصل إلى نتيجة صحيحة بإذن الله تعالى.
ومن معالم هذا المنهج الذي نحن بحاجة إليه: أن يدرس الإنسان صغار كتب العلم قبل كباره، وأن يتدرج الإنسان في طلبه للعلم، وأن يبدأ أول ما يبدأ بالعلم في العقيدة والأحكام، فيتعلم العقيدة الصحيحة، ويعلم الأحكام الفقهية التي يصح بها عمله، وكذلك ينبغي على طالب العلم أثناء دراسته لذلك أن يهتم بالمنهج الصحيح في الاستدلال، وينبغي أن يعرف قواعد أهل العلم في الاستدلال الصحيح، فليس كل استدلال يكون صحيحاً، عندما يأتي إنسان مثلاً ويبني عقيدة أو فكرة أو رأياً على قصة أو رؤيا أو قول من أقوال أهل العلم السابقين، ويترك النصوص الشرعية الواردة في ذات الموضوع، فلا شك في أنه مخالف للمنهج الصحيح في الاستدلال والوصول إلى الرأي الحق والمنهج الصحيح.
إذاً: لا بد أن يتعلم الإنسان قواعد الاستدلال، فأول ما يستدل ينبغي أن يستدل بالقرآن وبالسنة الصحيحة الثابتة، ثم بالإجماع، ثم بالقياس الصحيح المنضبط الذي تتحقق فيه شروط القياس وتنتفي عنه موانعه عند عدم وجود الأدلة السابقة، وليس الكلام على مناهج الاستدلال وقواعده مرادنا، وإنما المراد الإشارة إلى أهمية الاستدلال وضرورته لطالب العلم.
إذاً: لا بد من المنهجية في دراسة العلم، ومن هنا كانت هذه الدروس التي تعقد -ولله الحمد- في المساجد بين الفينة والأخرى لتعليم العقيدة والأحكام ومناهج الاستدلال وقواعده حتى تصح عقيدة الإنسان، ويصح منهجه، وبالتالي يصح كل ما يبنى عليه، مثل الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك مما تحتاجه الأمة لتنمية نفسها وتطويرها.
والعقيدة الواسطية هي لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو عالم معروف له قيمته العلمية في تاريخ العلم الشرعي، وقد ترجم له كثير من العلماء بل صنفت بشأنه تراجم مستقلة رحمه الله تعالى.
ولا يمكن لنا لطول سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن نستعرضها بشكل مفصل، لكن يمكن مراجعة سيرته بشكل مفصل في الكتب التي ترجمت له، ومن الكتب العصرية التي ترجمت له بشكل منظم: كتاب الدكتور عبد الرحمن المحمود: (موقف ابن تيمية من الأشاعرة)، فقد ترجم له ترجمة طويلة.
стр. 4
منهج دراسة العقيدة
قبل أن نتحدث عن العقيدة الواسطية، أحب أن أتحدث عن منهج دراسة العقيدة قبل ذلك، وذلك أن منهج دراسة العقيدة مبني على أصلين: الأصل الأول: تأصيل العقيدة وتصحيحها، وذلك بدراسة العقيدة المأخوذة من الكتاب والسنة بشكل صحيح، وهذه الدراسة دراسة نظرية، وقد صنف فيها أهل العلم كتباً كثيرة، ومن هذه الكتب العقيدة الواسطية.
والأصل الثاني: تأصيل العقيدة في القلوب، ومعنى هذا: العناية بآثار العقيدة في النفوس، فعندما يؤمن الإنسان بأن الله هو العليم يكون له أثر كبير جداً في نفسه، ويورث في قلبه مراقبة الله ، ومراقبة الله -الذي هو عمل من أعمال القلوب- حصل بناءً على إيمانه بأن الله هو العليم الرقيب، وهكذا تجد أن لموضوعات العقيدة آثاراً سلوكية مؤثرة في قلب الإنسان وسلوكه وآدابه، وتجد أن أكثر أعمال القلوب مبنية على أصل عقائدي سابق؛ فمثلاً محبة الله تنشأ عندما يعلم الإنسان أن الله رحيم بعباده، وأنه كريم، وأنه جواد.
أيضاً الخوف من أعمال القلوب، وهو ينشأ عندما يعلم الإنسان أن الله شديد العقاب ذو انتقام ، وأنه الكبير.
وهكذا تنشأ كثير من الأعمال الموجودة في قلب الإنسان بناءً على هذه العقائد.
أيضاً عقيدة الإيمان باليوم الآخر وبالقدر وبالملائكة كل هذه لها آثار سلوكية عظيمة جداً في حياة الإنسان، فهذا نوع آخر من دراسة العقيدة، وهو مهم جداً لطالب العلم أن يهتم به، وأن يستفيد منه.
стр. 5
نبذة تعريفية بالعقيدة الواسطية
يمكن أن نتحدث عن العقيدة الواسطية في خمس نقاط:
стр. 6
تاريخ تأليف العقيدة الواسطية
أولاً: تاريخ تأليفها: كل الشراح الذين شرحوا هذه العقيدة لم يؤرخوا لتأليفها، وتاريخ تأليف هذه العقيدة هو في سنة ٦٩٨هـ.
يدل على ذلك: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما امتحن في رجب من سنة ٧٠٥هـ، وجاء مرسوم السلطان من مصر إلى نائب السلطنة في بلاد الشام، وجمع نائب السلطنة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والقضاة والمفتين والعلماء المشهورين في بلاد الشام في تلك الفترة، وقال له: إن هذا المجلس عقد من أجل مسائلتك عن اعتقادك.
أراد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بداية الأمر أن يملي لهم اعتقاده، فلما أملى عليهم شيئاً من اعتقاده توقف، وقال لهم: قد تقولون: إن الإنسان إذا أملى من حفظه أنه يداري ويداهن، لكنني سآتي لكم بعقيدة كتبتها قبل سبع سنين قبل دخول التتر لبلاد الشام، فجاء بالعقيدة الواسطية.
وهكذا سماها شيخ الإسلام ﵀ العقيدة الواسطية، فقرئت عليهم.
وستأتي الإشارة إلى ما حصل في هذه المجالس التي نوقش فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذه العقيدة.
وهذا النص من كلام ابن تيمية ﵀ يدل على أن تاريخ تأليف هذه العقيدة كان في سنة ٦٩٨هـ، فإن تاريخ الامتحان له كان في ٧٠٥هـ، وإذا أخذت منها السبع سنين المذكورة تحصل لك أنه كتبها في سنة ٦٩٨هـ.
стр. 7
سبب تأليف العقيدة الواسطية
ثانياً: سبب تأليفها: ذكر شيخ الإسلام ﵀ في حكايته للمناظرة التي حصلت بسبب العقيدة الواسطية: أنه جاءه قاضٍ من واسط، وواسط مدينة تقع بين الكوفة والبصرة في جنوب العراق -سميت واسطاً لتوسطها بين الكوفة والبصرة- جاء هذا القاضي حاجاً ومر ببلاد الشام، ووجد شيخ الإسلام ﵀، وطلب منه أن يكتب له عقيدة، وذكر له أن الناس اختلفوا في العقائد، فقال له: أريدك أن تكتب لي عقيدة أنقلها عنك، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بداية الأمر: إن الناس كتبوا عقائد كثيرة فارجع إليها، فألح عليه هذا القاضي، وسماه ابن تيمية ﵀ رضي الدين الواسطي، ونسبه إلى مذهب الشافعي ﵀، فكتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه العقيدة، وهذا السبب نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو ليس مأخوذاً من كتب التاريخ، أو من توقعات بعض تلاميذه، وإنما هي مأخوذة من كلام شيخ الإسلام ﵀ نفسه.
وقد عظمها شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً عندما حكى المناظرة التي حصلت له مع أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، وقال: إن هذه العقيدة جمعت أبواباً كثيرة، وأن في كل كلمة منها خلافاً مع فرقة من الفرق، وهذا يدل على أنه كان يكتب هذه العقيدة بعناية تامة، وأنه كان في كل كلمة يعرف من يقصد وماذا يقصد، وما هو ميزانها، مع أنه كتبها رحمه الله تعالى في جلسة بعد صلاة العصر، وكان عمره في تلك الفترة ثلاثة وثلاثين سنة، يعني: كان في بداية نشأته العلمية، إلا أنه ﵀ كان عالماً فحلاً عظيماً أجيز بالإفتاء قبل العشرين.
стр. 8
حكاية المناظرة بين شيخ الإسلام ومناوئيه فيما تضمنته العقيدة الواسطية
ثالثاً: المناظرة: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما دعي بمرسوم السلطان الذي جاء إلى نائب السلطنة إلى هذا المجلس، واجتمع قضاة المذاهب الأربعة ومع المفتون وأيضاً عدد كبير من أهل العلم، وأملى عليهم شيخ الإسلام ﵀ في البداية شيئاً من هذه العقيدة، إلا أنه توقف وجاء بهذه العقيدة من منزله، وهم يعلمون أن الكلام الذي يقوله في حال السراء والضراء واحد، وأنه لا يتردد في ذلك، فجيء بهذه العقيدة ونوقش في ثلاث مجالس، كان المجلس الواحد يبتدئ من الضحى ولا ينتهي إلا في منتصف الليل، وكان قوي الحجة رحمه الله تعالى، ومن أراد أن يقف على هذه القصة فيمكن أن يراجع المجلد الثالث من مجموع الفتاوى في صفحة مائة وستين؛ فإنه ذكر مناقشة هؤلاء له بشكل مفصل، ومن ذلك.
يقول بعد المقدمة: [أما بعد: فقد سئلت غير مرة أن أكتب ما حضرني ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة في أمر الاعتقاد، بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد، لما سعى إليه قومه من الجهمية والاتحادية والرافضية وغيرهم من ذوي الأحقاد، فأمر الأمير بجمع قضاة المذاهب الأربعة وغيرهم من نوابهم والمفتين والمشائخ ممن له حرمة وبه اعتداد، وهم لا يدرون ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد، وذلك في يوم الإثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة، فقال لي: هذا المجلس عقد لك، فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد، وأظنه قال: وأن أجمع القضاة والفقهاء وتتباحثون في ذلك، فقلت: أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني، ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله، وعن رسوله ﷺ ، وما أجمع عليه سلف الأمة].
وفي هذا درس عظيم جداً في منهج التعلم، وهو: أن الإنسان في بنائه لعقيدته ولدينه ينبغي أن يعرف أن المصدر الأساسي هو القرآن والسنة وإجماع السلف الأولون، وألا يكون مقلداً في أمور العقائد، وأن يتفهم أحكام الشرع الواردة في القرآن والسنة.
قال: [فما في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، مثل صحيح البخاري ومسلم إلى غير ذلك].
ثم يقول: [ثم قلت للأمير والحاضرين: أنا أعلم أن أقواماً يكذبون علي كما قد كذبوا علي غير مرة].
وصدق فإن شيخ الإسلام ﵀ كذب عليه كثيراً، وأنتم تعلمون أن ابن بطوطة صاحب الرحلة المشهورة كذب عليه، فإنه قال: رأيت ابن تيمية في جامع دمشق -يعني: الجامع الأموي- يخطب في الناس، ويقول: إن الله تعالى ينزل من السماء إلى السماء الدنيا -ونزل من المنبر- كنزولي هذا، والعجيب أن ابن بطوطة دخل في تلك السنة التي كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مسجوناً فيها، فهي كذبة صريحة واضحة، فقد كُذب عليه كثيراً حتى أنهم قالوا عنه: إنه كاتب التتر، وأراد مصانعتهم، مع أنه له موقف عظيم جداً من قازان يعرفه كثير من طلاب العلم الذين قرءوا ترجمته ﵀.
بل إنه كان من صلاحه كما يذكر هو: أنه تحدث عن قضية الجن والشياطين والاعتقاد السخيف فيهم، ثم قال: إنه في بعض الأحيان قد يوجد من الجن الصالحين من يدعو الإنس إلى الله ، وذكر قصة وهي: أن أحد أمراء الروم قاتل في معركة، ثم هزم فيها، فهام على وجهه أي: ضل الطريق، وبينما هو في أثناء الطريق إذ جاءه رجل وكان ذلك القائد يكاد أن يموت من الجوع والعطش، فدعاه إلى الله ، فلما أسلم ونطق الشهادتين أعطاه شيئاً من الأكل والشرب، فلما قال له: من أنت؟ قال: أنا ابن تيمية، يقول: فجاء هذا الأمير وأخبر صاحب ماردين، وصاحب ماردين أخبر صاحب مصر، وكان ابن تيمية ﵀ في تلك الفترة مسجوناً في سجن الجب في مصر، يقول: فتعجبوا كيف حصل هذا! فقلت: هذا أحد الجن الصالحين كان ينظر إلى طريقتنا في دعوة التتار، وهي: أننا ندعوهم إلى الله ، فإذا أسلموا أعطيناهم من الأكل والشرب ما نستطيعه، فأعجب بطرقتنا فعملها لهذا الرجل، فقال له بعض أصحابه ممن كان معهم في السجن: لعله ملك، قال: لا، فإن الملك لا يكذب، الشاهد: هو أن هذا الرجل الصالح لما ظهر ذكره، وانتشر خبره، وعرفت منزلته كثر حساده، وكثر أعداؤه.
وإذا الفتى بلغ السماء بمجده جاءت كأعداد النجوم عداه فأصبحوا يكذبون عليه، وقد يكتبون الرسائل في بعض الأحيان باسمه وهي كذب، كما قال ﵀: [كما قد كذبوا علي غير مرة].
قال: [وإن أمليت الاعتقاد من حفظي ربما يقولون: كتم بعضه، أو داهن ودارى، فأنا أحضر عقيدة من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام] إلى آخر كلامه معهم ﵀، وذكر بعض الاعتراضات التي اعترضوا بها على هذه العقيدة بسبب منطلقاتهم العقدية غير الصحيحة، فهو عندما ذم منهج التأويل، قالوا: كيف تذمه، معنى هذا أنك تكفر المتكلمين من أصحابنا، فر
стр. 9
أبواب العقيدة الواسطية
رابعاً: أبواب هذه العقيدة: اشتملت هذه العقيدة على مجموعة من الأبواب، منها: الصفات، ووسطية أهل السنة، واليوم الآخر، والقدر، والإيمان، والصحابة وأهل البيت، وكرامات الأولياء، وطريقة أهل السنة في السلوك والعمل، فهذه العقيدة ليست خاصة بالصفات كما يظن بعض طلاب العلم، فإن بعض طلاب العلم عندما يبدأ بدراسة هذه العقيدة فإن أول باب يواجهه هو باب الصفات، ويظن أن هذا الكتاب خاص بالصفات، وهو ليس خاصاً بالصفات، فأنتم تلاحظون أنه اشتمل على ثمانية أبواب من أبواب العقيدة، لهذا يعتبر هذا المختصر على صغر حجمه من أهم كتب العقيدة الشاملة والمركزة في هذه الأبواب.
стр. 10
شروح العقيدة الواسطية
خامساً: شروحها: هذه العقيدة لم تشرح إلا في القرن الرابع عشر وما بعده، وممن شرح هذه العقيدة الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع ﵀، فقد كتب شرحاً مختصراً على هذه العقيدة، وكذلك شرحها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتاب سماه: (التعليقات اللطيفة على ما احتوته العقيدة الواسطية)، وممن شرح هذا الكتاب أيضاً زيد بن فياض ﵀، شرحها بكتاب سماه: (الروضة الندية في شرح العقيدة الواسطية)، وكذلك ممن شرحها الشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد ﵀، المتوفى عام ألف وأربعمائة وثمانية، شرحها بكتاب سماه: (التنبيهات السنية في شرح العقيدة الواسطية)، وكذلك ممن شرحها الشيخ عبد العزيز السلمان، شرحها في كتاب سماه: (الكواشف الجلية في شرح العقيدة الواسطية)، واختصره في كتابه: الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، وممن شرحها أيضاً الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله تعالى في شرحه الكبير للعقيدة الواسطية في مجلدين، وكذلك من التعليقات على هذه العقيدة هذا التعليق واسمه: (التعليقات المفيدة على العقيدة الواسطية) لأحد المحققين، اسمه عبد الله بن عبد الرحمن الشريف.
هذه بعض الشروح لهذه الرسالة المختصرة.
والشروح لأي كتاب من الكتب نوعان: النوع الأول: شروح تحليلة، والمقصود بها شروح تفصيلية لألفاظ الكتاب ولمسائله، وقد يكون فيها كثير من الاستطرادات، ويمثل هذه الشروح في شروح العقيدة الواسطية كتاب الشيخ ابن عثيمين حفظه الله، وكتاب: (الروضة الندية)، (والتنبيهات السنية)، (والكواشف الجلية)، فكل هذه من الشروحات المبسوطة التي أطالوا فيها، وقد يكون هناك استطرادات ضمن هذه الشروح.
النوع الثاني: الشروح التي تهتم بالقواعد الأساسية في كل باب من هذه الأبواب، ويمثل هذا النوع من شروح العقيدة الواسطية شرح الشيخ السعدي ﵀، فإنه لم يكن شرحاً تفصيلاً، فالآيات التي أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة آيات كثيرة جداً بعضها محل الشاهد منه جزء من الآية، فالذي يعتمد الشرح التحليلي يستطرد في أجزاء أخرى من الآيات لا علاقة لها بموضوعات العقيدة، بينما الشيخ السعدي ﵀ ساق آيات العقيدة بأكملها، فلما انتهى منها قال: هذه الآيات تشتمل على أصول لأهل السنة والجماعة في باب الصفات، يمكن أن أجملها فيما يلي: الأصل الأول، الأصل الثاني، الأصل الثالث، ثم جمع الأصول جميعاً، وهذا نوع من أنواع الشروح يكون المقصود منه التقعيد لهذه الأبواب دون التفصيل والتحليل للألفاظ، فالطريقة التي سنعتمدها -بإذن الله- هو التوسط وعدم الاستغراق في الكلام في الألفاظ، وإنما يكون التركيز في شرحنا -بإذن الله تعالى- حول القواعد الأساسية من كل باب، مع الاهتمام بالأدلة، ووجه الاستدلال، وآراء الفرق الضالة، والرد عليها.
стр. 11
أصول الإيمان وأركانه عند أهل السنة والجماعة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً، أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره].
стр. 12
مأخذ وصف أهل السنة والجماعة بالفرقة الناجية المنصورة
يقول شيخ الإسلام ﵀: (فهذا اعتقاد الفرقة الناجية)، الوصف بالناجية مأخوذ من حديث النبي ﷺ : (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، فلما سئل عنها النبي ﷺ قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
والنجاة في هذا الحديث نوعان: نجاة من التفرق والاختلاف، ونجاة من النار التي ورد الوعيد في الحديث عنها.
وأما المنصورة فهذا الوصف مأخوذ من حديث آخر، وهو قول النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، وفي لفظ: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).
ومعنى النصر: أنهم أصحاب ظهور وبيان وقوة في الحجة، وفي بعض الأحيان قد يكون قوة بالسيف.
فقد قال الشيخ عبد الرحمن أبا بطين في شرحه لهذا الحديث: ظاهرين بالحجة دائماً، وبالسيف أحياناً، وكذلك النصر؛ فإن النصر قد يكون نصراً بالحجة، وقد يكون في بعض الأحيان نصراً بالقوة، فأما النصر بالحجة فمعناه: أن أهل السنة والجماعة هم أقوى الناس حجة، وهم أقوى الناس استدلالاً، وقد تكون لهم في بعض الأحيان دولة وجهاداً وقوة وشوكة، وقد لا تكون لهم في بعض الأحيان هذه القوة المادية، أما الحجة فهي دائمة، وهم منصورون دائماً بالحجة والبيان والظهور، ومصدر استمداد أهل السنة والجماعة لهذا النصر مأخوذ من قوة المنهج نفسه.
فإن المنهج الذي اعتمده أهل السنة والجماعة هو منهج القرآن والسنة، وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهو منهج قوي في الحجة والبيان والوضوح يقتنع به كل من أراد الحق، وذلك أن الصوارف التي تصرف الإنسان عن الحق نوعان: الجهل: وهو قلة العلم، والهوى: وهو اتباع الشهوة مع العلم، فإذا كان الإنسان جاهلاً ليس عنده علم؛ فإن في منهج أهل السنة -هذا المنهج القوي- ما يكفيه للاقتناع والاهتداء والاستفادة، أما إذا كان الإنسان الذي صرفه عن الحق هو الهوى فمثل هذا لا يمكن أن يقتنع، وعلاجه يكون بالسيف وبالتأديب والسلطان.
يقول: (فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة)، هناك حديث يورده بعض الشراح، وهو أن النبي ﷺ يقول: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة)، جاء في بعض الروايات: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) فقوله: (حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك) يشكل عليه حديث النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله)، فهذا اللفظ فيه: (لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)، والحديث الآخر: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله) وهذا الحديث رواه مسلم، واللفظة الأولى لفظة صحيحة ثابتة.
والجمع بينها أن يقال: إن هذه الطائفة تكون قائمة بأمر الله إلى قبيل الساعة، فتأتي ريح طيبة وتأخذ أرواحهم، ولا يبقى إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة، ويدل على هذا ما رواه الحاكم في مستدركه وصححه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر أهل الجاهلية، فقال عقبة لـ عبد الله بن عمر: اعلم ما تقول؟ -يعني: كأنه استغرب هذا القول منه- أما أنا فسمعت النبي ﷺ يقول: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)، فقال عبد الله: يبعث الله ريحاً ريحها ريح المسك، مسها مس الحرير؛ فلا تترك أحداً في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة.
وهذا ورد مرفوعاً عن النبي ﷺ ، وبهذا يزول الإشكال الذي ذكره بعض الشراح.
أما قوله: (أهل السنة والجماعة) فالوصف بالسنة هو لاتباعهم للسنة.
стр. 13
مأخذ تخصيص أهل السنة في الوصف بالإضافة إلى السنة دون القرآن
وهنا يرد
السؤال
لماذا لم يقل: أهل القرآن، ولماذا خص السنة؟
و
الجواب
أنهم سموا بأهل السنة؛ لأنهم يتميزون بالاستدلال بالسنة، فالقرآن -كما قال علي بن أبي طالب ﵁: فإنه حمال وجوه، ولهذا تجد بعض الطوائف قد يستدل بالقرآن ويغير الاستدلال لمصلحته، لكن دلائل السنة أصرح في المراد، ولهذا لما ذهب ابن عباس ﵁ لمناقشة الخوارج قال له علي بن أبي طالب ﵁ في وصيته المشهورة: إذا جئتهم فلا تستدل عليهم بالقرآن بل استدل بالسنة؛ فإن القرآن حمال وجوه، ومعنى هذا: أن القرآن جاء بالقواعد العامة، وتفصيلاتها موجودة في السنة النبوية، ولهذا جاء الأمر الأكيد في أكثر من تسعين آية في القرآن الكريم باتباع السنة، والاهتمام بأقوال النبي ﷺ وأفعاله ونحو ذلك.
ولهذا يلاحظ أن الذين يتميزون باتباع السنة، وبالاهتمام بالحديث وبتطبيقه هم أهل السنة، ولهذا جاء في بعض كلام أهل العلم، عندما قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق)، قال الإمام أحمد ﵀: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري منهم؟! وقال أبو عبد الله البخاري: هم أهل العلم يعني: المشتغلين بالسنة والحديث.
وأما قوله: (والجماعة)، فالإضافة إلى الجماعة لها دلالات عظيمة جداً، منها: الاهتمام بالألفة والبعد عن التفرق وأسبابها الموصلة إليها، ومنها: حجية الإجماع، ومنها: أن الجماعة هي الحق، ولو كان الإنسان وحده، فلتعظيم الحق سمي جماعة، ولو كان واحداً، ولهذا قال ابن مسعود ﵁: (الجماعة هي الحق وإن كنت وحدك).
ثم قال شيخ الإسلام: (وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره)، وهذه هي أصول الإيمان الواردة في حديث جبريل ﵇ الطويل.
ثم بعد أن ذكر هذا العموم خصصه بالكلام عن الإيمان وبالذات في الصفات.
стр. 14
معتقد أهل السنة والجماعة في الصفات
قال: [ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل].
هذه الفقرة من العقيدة الواسطية ليست من اختراع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وإنما هي من كلام السلف السابقين، فمثلاً الإمام أحمد ﵀ يقول: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث، ويقول حماد ﵀ -وهو من مشايخ البخاري -: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن نفى ما أثبته الله لنفسه فقد كفر.
стр. 15
أنواع الصفات وأقسامها عند أهل السنة
قوله: (ومن الإيمان بالله؛ الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ .
هذا يدعونا إلى الحديث عن أنواع الصفات، فإن الصفات قسمها أهل العلم إلى أقسام، وهي ثلاثة أقسام بثلاث اعتبارات: قسموها باعتبار الدليل إلى صفات شرعية وصفات عقلية، ومعنى هذا: أن الصفات باعتبار نوع الدليل الذي يدل عليها قد يدل عليها العقل استقلالاً، وقد لا يدل عليها العقل استقلالاً، وإنما يدل عليها الشرع، وسيأتي معنا الحديث عن منزلة الاستدلال على العقيدة، فمن الصفات العقلية: صفة الحياة؛ فإن أي عاقل يعلم أن الإله لا بد أن يكون حياً؛ لأنه لا يتصور إله معبود وهو ميت، وكذلك العلم والقدرة؛ فإنه لا يتصور أن يكون إله جاهل أو عاجز، وهذا بالبداهة يعرفه أول ما تعرض عليه، وهو ما يسميه العلماء، الضرورة العقلية.
وهناك من الصفات ما لا يدل العقل عليها استقلالاً مثل صفة الوجه لله ، وصفة اليدين، والنزول ونحو ذلك من الصفات، فهذه الصفات لو لم ترد النصوص الشرعية بالتنبيه عليها لما عرفناها، ولهذا سميت شرعية.
النوع الثاني من أنواع الصفات هو: باعتبار تعلقها بالمشيئة فإن الصفات باعتبار تعلقها بالمشيئة نوعان: صفات ذاتية وصفات فعلية، أما الصفات الذاتية فهي التي لا تنفك عن الله بأي وجه من الوجوه، وهي الصفات الدائمة التي لا تعلق لها بالإرادة والمشيئة، مثل: صفة العلم والحياة واليدين والعينين ونحو ذلك من الصفات.
وأما الصفات الفعلية فهي: الصفات المتعلقة بمشيئة الله ، إن شاء فعلها وإن شاء تركها، مثل: صفة النزول والاستواء والمجيء والإتيان والخلق، ونحو ذلك من الصفات.
والصفات الفعلية يسميها العلماء الصفات الاختيارية، وكلاهما بمعنى واحد، وهي تنقسم إلى قسمين: صفات فعلية متعدية، وصفات فعلية لازمة، فالصفات الفعلية المتعدية هي: التي يكون لها آثار مباشرة على الخلق، مثل: صفة الخلق والتدبير والإحياء والإماتة ونحو ذلك.
والنوع الثاني: صفات فعلية لازمة: مثل صفة النزول، فهذه ليس لها آثار على العباد، وقد ذكر هذا التقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المجلد الثاني من كتاب: درء تعرض العقل والنقل، وهذا المجلد كله خاص بالصفات الاختيارية، فقد أورد آيات كثيرة جداً، وبين وجه الاستدلال منها على هذه الصفات، وأحاديث وآثار عن الصحابة التابعين، ونقل نصوصاً كثيرة جداً لعلماء أهل السنة -من كتب بعضها مفقود- تدل على هذا الأمر، وقد اهتم بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لقوة الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة الذين ورثوا الانحراف في هذا الباب عن الكلابية.
النوع الثالث من الصفات: باعتبار النفي والإثبات؛ فإن الصفات باعتبار النفي والإثبات تنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتية وصفات منفية، فمعنى فالصفات الثبوتية مثل إثبات الله لنفسه العلم والحياة والقدرة ونحو ذلك، والصفات المنفية هي ما نفاها الله عن نفسه مثل: نفي الند والمثيل والسِنة والعجز، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥].
стр. 16
معنى إثبات الصفات من غير تحريف ولا تعطيل
أما قوله: (من غير تحريف) فالتحريف هو تغيير المعنى أو اللفظ، والتحريف ينقسم إلى قسمين، فأما تغيير اللفظ فلا يعرف له مثال واضح وإن كان بعض أهل البدع تمناه، فهذا عمرو بن عبيد يقول: وددت لو أني حككت قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكتبت: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤]، يعني: وددت لو أني حككتها من المصاحف، وجاء رجل إلى القارئ المشهور أبي عمرو بن العلاء وقال له: اقرأ: (وكلم اللهَ موسى تكليماً)، حتى ينسب صفة التكليم والكلام إلى موسى ولا ينسبها إلى الله ، والآية هي: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فقال: هب أنني قرأت ما أردت، فماذا تصنع في قول الله : ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] وهذا نص صريح، يعني: لو أني غيرت لك ما تريد وذاع وانتشر على أنها قراءة، فكيف تعمل بالنص الثاني؟ فخصم ذلك الخبيث.
وأما النوع الثاني وهو المشهور والكثير فهو: تحريف المعنى، أي: تغيير دلالته، فمثلاً قول الله : ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] غيرت اليد هنا بمعنى النعمة، أو كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، أو تأويل وتحريف قوله ﵊: (ينزل ربنا)، قالوا: ينزل أمره، فهذا التغيير للمعاني هو التحريف، وهذا هو الذي يسميه أهل البدع والضلالة التأويل تلطيفاً للعمل الذي عملوه، وإضفاءً للشرعية عليه.
كما أن هؤلاء استشكلوا قوله: (من غير تحريف ولا تعطيل)، عندما ناظرهم شيخ الإسلام قالوا: ماذا تقصد بالتحريف والتعطيل؟ قال: أنا اعتنيت في هذه الرسالة بأن أستخدم الألفاظ الشرعية، فقوله من غير تحريف يدل عليه قول الله : ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:٤١]، بمعنى: يغيرون معناه، وهم يغيرون معناه ودلالته، بحيث إن كلمة تصرف عن معناها الحقيقي.
قوله: (ولا تعطيل)، التعطيل هو: التخلية والترك، ولهذا يقول الله : ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥] يعني: خالية من الماء، أو معطلة من الرعاة الذين يأتونها، بمعنى: متروكة، فمعنى قوله: (ولا تعطيل) يعني: من دون تفريغ لمعناها ومحتواها، فإن أهل البدع فرغوها من معناها الصحيح، فهو يقصد بقوله: (من غير تحريف): أهل الكلام الذين أولوا الصفات، ويقصد بقوله: (ولا تعطيل): أهل التأويل الذين عطلوا الصفة عن معناها، وإن كانوا لم يثبتوا معنى آخر لها، وذلك أن أهل البدع أول ما يبدءون في الكلام في آيات الصفات يعطلونها من معناها الحقيقي، فيقولون: الله ليس له صفة اليدين والعينين ونحو ذلك، وهذا يسمى تعطيلاً.
كما ينقسموا إلى طائفتين: طائفة تسكت، وسموا أنفسهم المفوضة، أي: مفوضة أمرها إلى الله .
وطائفة ثانية تؤول، يعني: أن تأتي بمعنى للآية غير المعنى الحقيقي، والأشاعرة والماتريدية يعتقدون أن السلف على مذهب التفويض، الذي هو تخلية النص الشرعي من معناه الحقيقي، ثم يقولون: إن السلف تركوا الآية بدون تفسير لها، فيقولون: منهج السلف أسلم، يعني: من الخطأ؛ لأنهم قد يأتون بمعنى فيكون خطأ، ويقولون: ومنهج الخلف -الذين هم متأخري أهل الكلام- أعلم وأحكم؛ لأنهم يأتون بالمعنى الشرعي الصحيح فيما يظنوه ويعتقدوه، وسيأتي الحديث عن هؤلاء بشكل مفصل.
стр. 17
معنى إثبات الصفات من غير تكييف ولا تمثيل
قال: [من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل].
التكييف هو حكاية كيفية معينة للصفة، ولا شك أن صفات الله لها كيفية في ذاتها لكن لا نعلمها نحن، فالله لم يخبرنا بكيفية صفاته فهي من الغيب الذي لا نعلمه، لكن نعلم معانيها وما تدل عليه.
والفائدة من بيان الله لنا لهذه الصفات من جهة المعاني وجعل كيفياتها غيباً هو: أن معانيها عندما ندركها نستفيد منها سلوكاً وآداباً وأعمالاً نستثمرها في التعبد لله .
وأما إدراك الكيفية فإن العقل لا يمكن أن يدركه الآن؛ لأن العقل لا يدرك الشيء إلا برؤيته، أو برؤية نظيره، أو بخبر الصادق عنه، ونحن لم نر الله بأعيننا في الدنيا، وكذلك لم نر شبيهاً له، وهو : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكذلك لم يخبرنا الصادق عن كيفية محددة لها، ولهذا لما جاء الرجل إلى الإمام مالك ﵀، وقال: يقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فقال الإمام مالك قاعدة، وهذا من بركة علوم السلف؛ فإن السلف ﵏ كما يقول ابن القيم ﵀: كان كلامهم قليل لكنه كثير البركة، وكلام الخلف كثير لكنه قليل البركة، فهذا الإمام مالك ﵀ عندما قال له الرجل ذلك قال: الاستواء معلوم.
يعني: في اللغة، وفي لفظ آخر: الاستواء غير مجهول.
يعني: معلوم من ناحية دلالته.
والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وصفات الله لها كيف في الحقيقة، لكننا لا ندرك كيفياتها؛ لأننا لم نرها، ولم نر مثيلاً لها، ولم يخبرنا الصادق -وهو رسول الله ﷺ عن مثيل لها.
والتمثيل هو: حكاية مثل معين، وشيخ الإسلام ﵀ في هذه العقيدة كان دقيقاً، فهذه العقيدة محررة حتى في الألفاظ، كما تلاحظون: تمثيل دون تشبيه، وقال: ولا تكييف ولا تمثيل؛ لأن استخدام كلمة تشبيه خطأ؛ إذ لا بد أن يوجد بين أي شيئين مشابهة ولو في الألفاظ، وهذا ما سيأتي معنا إن شاء الله الحديث عنه في الكلام على القدر المشترك بين صفات الله وصفات خلقه.
стр. 18
إجمال عقيدة أهل السنة في صفات الله
يقول: [بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع والبصير].
قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] دليل على الصفات المنفية، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] دليل على الصفات الثبوتية، وسيأتي شرح هذه الآية في كلامه ﵀.
قال: [فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه].
يقصد ﵀: المعطلة والجهمية بالذات بكل درجاتهم، والذين نفوا صفات الله .
قال: [ولا يلحدون في أسماء الله وآياته].
أما الإلحاد فمعناه: الميل عن الحق، والإلحاد في أسماء الله ، يقول الله عنه: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، وأما في آياته فقد دل القرآن عليها كذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠].
وقد ذكر أهل العلم في الإلحاد في آيات الله أنواعاً، وممن ذكر ذلك ابن القيم ﵀ في كتابه (بدائع الفوائد)، فقد ذكر قواعد ممتازة جداً في الأسماء والصفات، وأكثر من ذكر قواعد الأسماء استقى منه وأخذ، فيقول: إن الإلحاد في أسماء الله أنواع منها: تسمية الله بما لم يسم به نفسه، مثل: تسمية الفلاسفة له: علة غائية، أو علة فاعلة، وكتسمية النصارى له أباً.
ومن الإلحاد: نفي أسماء الله كما هي عقيدة الجهمية، فإن الجهمية قالوا: لا اسم له ولا صفة.
ومن الإلحاد: نفي ما دلت عليه الأسماء من الصفات، وهذا هو مذهب المعتزلة.
ومن الإلحاد: نفي بعض صفات الله ، وهذا هو مذهب الأشاعرة.
ومن الإلحاد: إثبات أن صفات الله كصفات خلقه.
هذه خمسة أنواع من أنواع الإلحاد في أسماء الله يمكن أن تراجع في كتاب ابن القيم ﵀ وغيرها من شروط هذه العقيدة.
قال: [ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه].
هذا فيه رد على الممثلة والمشبهة، وهم نوعان: من يشبه المخلوق بالخالق، مثل من يقول: فلان مثل الله ، أو من يشبه الخالق بالمخلوق، فأما الذين يشبهون المخلوق بالخالق فهم غلاة الصوفية الذين رفعوا أولياءهم إلى درجة الألوهية، وأما النوع الثاني، وهو تشبيه الخالق بالمخلوق، فهو عقيدة المشبهة من الرافضة وغيرهم، والتشبيه أصلاً جاء من اليهود، ثم انتقل إلى الرافضة، ثم جاء عند الكرامية، ثم انقرض بعد الكرامية.
стр. 19
تنزه الله تعالى عن السمي والكفء والند
قال: [لأنه سبحانه لا سمي له].
ودليل هذه الفقرة: قول الله : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وهذا استفهام إنكاري تضمن النفي.
وقد ذكر الشيخ محمد بن عثيمين فائدة جليلة في الاستفهام الإنكاري المتضمن للنفي، حيث قال: إنه يتضمن كذلك التحدي، فإن أي استفهام إنكاري يزيد على النفي التحدي، فيصبح معنى الآية: لا يوجد سمي له، أو: أتحدى أن يوجد سمي له.
وهو لا يوجد.
قال: [ولا كفء له].
دليل هذه الفقرة: قول الله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].
قال: [ولا ند له].
دليلها: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢].
стр. 20
أسماء الله وصفاته توقيفية
قال: [ولا يقاس بخلقه ].
وهذا يدعونا إلى الحديث عن أسماء الله وصفاته، هل هي توقيفية أم أنها اجتهادية؟ أسماء الله وصفاته توقيفية لا مجال للاجتهاد فيها، فما دلت عليه النصوص من أسمائه آمنا به، وما دلت عليه أيضاً من صفاته آمنا به، وما لم تدل عليه فإنه لا يثبت ولا ينفى إلا إذا كان يتضمن معنىً باطلاً فإنه حينئذٍ يرد، وأما الألفاظ التي تشتمل على معانٍ من الحق ومن الباطل فلا بد أن يستفصل فيها.
إذاً القاعدة: أن أسماء الله توقيفية، وكذلك صفات الله توقيفية.
وأما الإخبار عن الله بالمعنى الصحيح فإنه جائز لا شيء فيه، ومن هنا جاء جواز ترجمة معاني صفات الله بلغات أخرى، فإنه عندما يوجد مسلم حديث عهد بإسلام مثلاً لا يعرف اللغة العربية، ونريد أن نخبره عن الله فيجوز أن تترجم له معانيها، ولا يعني هذا أن الكلمات الانجليزية أو أي لغة أخرى هي في لفظها صفات لله ، وإنما معناها صحيح وثابت عن الله ، وحينئذٍ يجوز الإخبار عن الله بكل معنىً صحيح.
فما ننسبه إلى الله ثلاثة أشياء: الأسماء والصفات -وهذه توقيفية- والإخبار عن الله إذا كان بمعنىً صحيح فلا شيء فيه.
أما الألفاظ المحدثة الجديدة مثل الجهة والجسم، مثلاً لو قال لك إنسان: هل الله له جسم، تقول: كلمة جسم هذه لم يرد في القرآن ولا في السنة إثباتها، ولم يرد فيهما نفي هذه اللفظة، فماذا يُقصد بجسم؟ فإن كان يقصد به البدن كما هو في اللغة العربية، وما نعرفه من الأبدان، فإن هذا معنى باطل ننفيه عن الله ؛ لأنه ليس كمثله شيء، وإن كنت تقصد به اصطلاحاً خاصاً لكل موصوف؛ فإن الله موصوف بصفة.
ونحن نقول: إن هذا الاستعمال من حيث اللفظ بدعة؛ لأنه لم يرد في القرآن ولا السنة، وفي بعض الأحيان قد يمتحن بعض أهل البدع أهل السنة والجماعة بألفاظ يستخدمونها يقولون لهم: هل تثبتونها أو تنفونها؟ فمثل هذه الألفاظ من حيث الاستعمال بدعة، ومن حيث المعنى لا يصح نفيها؛ لأنك إذا نفيتها قد تنفي شيئاً من الحق، ولا يصح إثباتها؛ لأنك إذا أثبتها قد تثبت شيئاً من الباطل لكن نستفصل فيها.
مثل قول بعضهم: هل الله في جهة؟ نقول: ماذا تعني بجهة؟ إن كنت تعني جهة العلو؛ فإن الله في العلو، وإن كنت تعني أنه محصور بمكان، فالله غير محصور ، وحينئذ يستطيع الإنسان أن يثبت المعنى الصحيح وينفي المعنى الباطل.
стр. 21
أنواع القياس وما يصح منه في حق الله تعالى وما لا يصح
قال: [ولا يقاس بخلقه ].
والقياس ثلاثة أنواع كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض: قياس الشمول، وقياس التمثيل، وقياس الأولى.
فأما قياس الشمول فمعناه: اللفظ الذي يشتمل فيه عدة معانٍ، فمثلاً: الحي: يشمل الإنسان والحيوان والنبات، والله حي فهل يقاس بهذه الطريقة؟ نقول: لا.
قياس الشمول الذي تستوي فيه الأفراد لا يصح؛ لأن هذا فيه تمثيل لله بخلقه.
وأما قياس التمثيل فهو: قياس الفرع على أصل، وهو القياس الفقهي المشهور، وهذا لا يصح استخدامه في صفات الله بأي وجه من الوجوه؛ لأن الله لا يقاس بأحد من خلقه.
وأما قياس الأولى فمعناه: إذا وصف المخلوق بصفة كمال فإن الله أولى بها، ودليل هذا القياس هو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، فما وصف به المخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالله أولى به.
وفي بعض الأحيان قد يكون هناك كمال بالنسبة للمخلوق لكن لا يكون كمالاً بالنسبة للخالق، مثل الزواج، هذا كمال بالنسبة للمخلوق، لكنه غير كمال بالنسبة للخالق، ولهذا جاء القيد في قولنا: لا نقص فيه بوجه من الوجوه.
стр. 22
الأسئلة
стр. 23
توجيه بشأن دراسة قطر الندى لغير المتمكن في النحو
السؤال
هل يحسن بمن لم يدرس في النحو غير المنهج الدراسي أن يحضر درس قطر الندى؟ وهل من السهل أن يفهم هذا الكتاب؟
الجواب
يمكن له أن يحضر هذا الدرس، وأن يجرب نفسه؛ فإذا شعر أنه استفاد وأن عنده القدرة على التفهم يستمر، وإذا شعر أنه لا يستطيع يتركه.
مستوى متن قطر الندى هو بعد الآجرومية، يعني بعدما يدرس الإنسان الآجرومية يدرس قطر الندى، ونحن سنشرح المتن وليس شرحاً للشرح.
стр. 24
اشتقاق لفظ الجلالة وحكم إطلاق لفظ القديم على الله تعالى
السؤال
قال بعض العلماء في لفظ الجلالة (الله): إنه اسم جامد غير مشتق؛ لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها، واسمه تعالى قديم لا مادة له، كيف يكون الرد على هؤلاء، حيث إن الله تعالى هو الأول وأن أسماءه توقيفية؟
الجواب
لفظ الجلالة الذين قالوا: إنه مشتق، لا يقصدون أن الإله نفسه مشتق، وإنما يقصدون أن نفس اللفظة مشتقة.
وأما قول السائل: واسمه تعالى قديم.
فهذا لم يرد عن السلف الصالح رضوان الله عليهم أنهم كانوا يقولون: إن أسماء الله قديمة؛ لأن أسماء الله غير مخلوقة.
هذا المعروف في كلام أهل العلم، وأما لفظ القدم فإنه غير معروف، وأسماء الله مأخوذة من القرآن الكريم، والقرآن الكريم نفسه غير مخلوق، وذكر شيخ الإسلام ﵀: أنه لا يصح أن يقال: إنه قديم؛ لأن صفة الكلام لله صفة فعلية ليست صفة ذاتية، وإنما هي صفة فعلية قد تكون حادثة الآحاد، وإن كانت قديمة النوع، كما ذكر شيخ الإسلام ذلك في أكثر من موطن.
стр. 25
حكم استخدام قياس الشمول في صفات الله تعالى
السؤال
هل قياس الشمول يجوز؟
الجواب
لا يجوز قياس الشمول؛ لأن قياس الشمول هو القياس الذي تستوي فيه الأفراد، فإذا قاس الإنسان قياس الشمول -وهو القياس المنطقي- فإنه حينئذٍ يسوي بين الله وبين بقية خلقه، وهذا منفي عن الله بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
стр. 26
العقيدة الواسطية [٢]
يتعلق بباب الأسماء والصفات مسائل مهمة, ومن جملتها أن مصدر تلقيها منحصر في القرآن الكريم والسنة النبوية, ومن ذلك سورة الإخلاص التي تضمنت صفة الوحدانية وصفة الصمدية وغيرهما, وأن توحيد الأسماء والصفات مبني على قاعدتي النفي والإثبات للدلالة على الانفراد والاختصاص, وأن للصفات طرقًا ومسالك تؤخذ بها من نصوص الشرع, وغير ذلك من مسائل هذا الباب العظيم.
стр. 27
القرآن والسنة مصدر تلقي العقيدة عند أهل السنة والجماعة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً من خلقه.
ثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]، فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون؛ فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين].
شرع المصنف رحمه الله تعالى في بيان المصدر الذي تؤخذ منه العقائد، فقال: (فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً من خلقه).
وهذا هو المصدر الأول وهو القرآن الكريم، ثم قال: (ثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون).
وهذا هو المصدر الثاني، وهو كلام النبي ﷺ ، فالمصدر إذاً في العقائد يكون بالقرآن والسنة، ويكون بما دل عليه القرآن أنه مصدر مثل الإجماع؛ فإن الإجماع مصدر من مصادر التشريع لدلالة القرآن الكريم عليه، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، فقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] المقصود به الإجماع، وكل الآيات الواردة في الأمر بالجماعة والائتلاف، والنهي عن التفرق والاختلاف يؤخذ منها حجية الإجماع، والإجماع حجة معتبرة، وحجيته مأخوذة من القرآن الكريم.
إذاً: القرآن الكريم والسنة النبوية هما المصدران الأساسيان في تلقي العقائد، ولا يصح أن تتلقى العقائد من غير القرآن والسنة، وذلك أن العقائد تشتمل على جزء كبير من الغيبيات، والغيب محجوب عنا لا نستطيع أن نعرفه بالقياس، ولا بأي مصدر من المصادر إلا بخبر الصادق، وخبر الصادق المراد به هنا هو كلامه ، وكلام النبي ﷺ ؛ فمن اتخذ مصدراً للعقائد غير هذين المصدرين فقد ضل وانحرف.
стр. 28
مخالفة الفرق المنحرفة لأهل السنة في مصدر تلقي العقيدة
ولهذا نجد أن الطوائف والفرق الضالة كان من أعظم الأسباب التي جعلتها تخالف الصراط المستقيم، والمنهج القويم، هو مخالفة أهل السنة في المصدر، فنجد مثلاً: أن أهل الكلام يعتقدون أن العقل مصدراً من مصادر تلقي العقيدة، ونجد أن الصوفية يعتبرون الكشف مصدراً من مصادر تلقي العقيدة، ونجد أن بعض المقلدين يعتبرون أئمتهم مصدراً لتلقي العقائد، وكل هذه المصادر باطلة، وإنما المصدر الذي تؤخذ منه العقائد هو القرآن والسنة، ولهذا وقعت كثير من الفرق الضالة في الانحراف بهذا السبب.
نجد أيضاً أن المعتزلة والأشاعرة عندما أرادوا تقرير العقائد جعلوا المصدر الأساسي في تقريرها العقل، فما لا يدل العقل عليه لا يقبلونه، وبدأوا في ذلك من أساسيات الاعتقاد وهو وجود الله ، حيث أنهم خاصموا أصحاب الأديان الأخرى -لا سيما الملاحدة- فوجدوا أن الملاحدة لا يعترفون بالنصوص، لذا فهم عندما يناقشونهم لا يقولون لهم: قال الله قال رسول الله؛ لأنهم أصلاً لا يؤمنون بالله من حيث المبدأ، ولا يؤمنون بالرسول ﷺ ، فأرادوا مناقشة هؤلاء الملاحدة بنفس المنهج الذي ارتضوه وهو المنهج العقلي، فلما ناقشوهم به عظموا العقل تعظيماً كبيراً، فأصبحوا يفرضون على كل مسلم الاستدلال العقلي، ولهذا تجدون في كتب الأشاعرة أن من أوليات العقائد التي يبدأون بها: أن إثبات وجود الله ووحدانيته لا بد لها من النظر، يعني: يوجبون النظر على الإنسان، وبعضهم يربطه بالبلوغ مثل الأشاعرة، وبعضهم يربطه بالتمييز مثل المعتزلة، فيرون أن النظر العقلي لإثبات وجود الله ، وإثبات وحدانية الله ، وإثبات أسمائه وصفاته هو العقل فقط، ولهذا يوجبون النظر على الناس، وقد جعلوا هذا الوجوب عاماً على كل مسلم ومسلمة يبلغ حد التمييز عند المعتزلة، أو حد البلوغ عند الأشاعرة، يلزمونه بالنظر في مخلوقات الله وآلائه للتوصل إلى وجود الله .
ولا شك أن أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة أخطئوا في أمرين: الأمر الأول: أنهم عندما ناظروا وناقشوا الملاحدة من أصحاب الأديان الأخرى بدون رجوع إلى النصوص الشرعية، فقد أحدثوا أدلة عقلية جاءوا بها من عندهم لإقناع هؤلاء الملاحدة لإثبات وجود الله ووحدانيته، وكان الواجب عليهم أن يرجعوا إلى الكتاب والسنة فيعرفوا ما تضمناه من الأدلة العقلية، فالقرآن والسنة ممتلآن بالأدلة العقلية التي تكفي كل أحد يريد أن يصل إلى الحق، وبالأدلة العقلية الكافية في إثبات وجود الله ووحدانيته ، وإثبات المعاد، والنبوات، وكل العقائد.
ومثال ذلك: إثبات أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، مع أنه فطرة موجودة عند كل أحد -كما سيأتي معنا في الجانب الثاني الذي أخطأ فيه هؤلاء- يمكن الاستدلال العقلي عليه من خلال القرآن والسنة، يقول الله : ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩]، هذه الآية فيها دليل عقلي لإثبات أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وكذلك من الأدلة العقلية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، وهذا كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نص عقلي في إثبات أن الله وحده هو الخالق، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] حصر عقلي.
والإنسان والمخلوقات الموجودة له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون خلق من غير شيء.
وهذا يرده العقل بالبداهة؛ لأنه لا يمكن لهذا النظام الدقيق، وهذه العناية العجيبة، وهذا الوضع المتناسق المرتب أن يأتي هكذا.
الحالة الثانية: أن يكونوا هم خلقوا أنفسهم، وقد دل العقل على أنهم لم يخلقوا أنفسهم، وهم يعرفون ذلك؛ لأننا قبل مائة سنة لم نكن شيئاً مذكوراً، ثم كنا، ونحن نعرف أننا لم نوجد أنفسنا في هذه الدنيا، ولا أنفسنا أوجدتنا، وإنما أوجدنا الله .
فلما أبطلت المقدمتان العقليتان ثبت أن الخالق هو الله ، وهو غير المخلوقات الموجودة.
وهكذا إذا جئتم إلى البعث والمعاد تجدون أدلة عقلية واضحة في أن الله قادر على أن يحيي العظام وهي رميم، فعندما احتج ذلك المشرك على النبي ﷺ ، وأخذ العظم وفته بيده وقال: (يا محمد! هل ترى أن الله يحيي هذه العظام بعد أن صارت رميماً؟ قال: نعم، ويدخلك النار)، فأنزل الله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] يعني: نسي خلقه أول مرة، فإنه خلقه وأنشأه وطوره، وجعل النطفة تستحيل إلى علقة، ثم تستحيل إلى مضغة، ثم تتغير هذه المضغة لتكون عظاماً، ثم يكسو هذه العظام لحماً، ثم يشق بصره، وينشئ عقله، ، لا يمكن أن يكون هذا كله حصل بدون وجود خالق، وبالتالي فإن الذي خلقه أول مرة قادر على إحيائه المرة الثانية.
إذاً: هذا دليل عقلي مأخوذ من القرآن الكريم على إثبات
стр. 29
مخالفة القرآن والسنة أساس كل بدعة وضلالة
ومن هنا فالمصدر الأساسي لتلقي العقيدة عند السلف الصالح رضوان الله عليهم هو القرآن الكريم والسنة النبوية، والقرآن الكريم جعله الله تبياناً لكل شيء، فهو هدى، ونور، وروح، وذكرى، وبشرى، وسماه الله في القرآن بأسماء كثيرة، وكل اسم من هذه الأسماء يدل على صفة من الصفات، فالقرآن إذاً شفاء لما في الصدور، وهداية للإنسان، ولا يوجد أبداً عقيدة من العقائد النافعة التي ينبغي للمسلم أن يعتقدها وتنفعه في دينه ودنياه إلا بينها، ولهذا يقول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، ويقول : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
إذاً: القرآن جاء بكل ما تحتاجه البشرية من العقائد النافعة، والأعمال الصحيحة، علمه من علمه وجهله من جهله، لكن لما فرط بعض المسلمين في تعلم هذا القرآن، وتعلم معانيه، وتعلم ما اشتمل عليه من العقائد الصحيحة النافعة والأدلة المستقيمة الصحيحة التي لا عوج فيها، وأخذوا أدلة أخرى جاءوا بها إما من عقولهم أو من أصحاب العقائد الأخرى، فوقعت الضلالة في حياة الناس، وانتشرت البدع، وظهر الفساد الثقافي والعقائدي في حياة الناس.
إذاً: المصدر الأساسي في تلقي العقيدة هو القرآن، ومعه السنة النبوية، كما هو واضح من أمر الله بها لما قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، ويقول : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، ويقول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، ويقول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
ولهذا فإن أصل كل بدعة وضلالة وكفر ونفاق في حياة المسلمين: الإعراض عن الكتاب والسنة، وعن هدي الكتاب والسنة، في كل باب من الأبواب فلا بد من التحاكم إلى الكتاب والسنة على كافة المستويات، وفي كل شئون الحياة، فالدول والحكومات يجب أن تحكَّم شرع الله ، وأن تأخذ أحكامها من الكتاب والسنة، وهو ما يسميه الناس اليوم: العلاقات الدولية، وكذلك المجتمعات الصناعية والقروية والرعوية يجب أن يكون مصدرها الأساسي هو الكتاب والسنة، وكذلك الجماعات والأفراد، وكل أحد يجب أن يكون مصدره الكتاب والسنة.
والحقيقة: أن هذا الشعار: أهمية الكتاب والسنة، ومنزلة الكتاب والسنة كل الناس يحبه ويدندن حوله ويردده دائماً، لكن هناك فرق بين من يتمسك بالكتاب والسنة حقيقة، وبين من يتسمى بالتمسك بالكتاب والسنة ويجعله شعاراً، وهناك فرق بين الشعار وبين الحقيقة.
وندرك الفرق بين الشعار والحقيقة في العمل، فإذا كان أحد مثلاً يقول: أنا ملتزم بالكتاب والسنة.
ثم هو في عقائده لا يبنيها على الكتاب والسنة، فمثل هذا قد جعل الكتاب والسنة شعاراً، ولو أن شخصاً قال: أنا أحكم بالكتاب والسنة.
وهو في الحقيقة لا يحكم بهما، ويخالف حكمها، فهذا أيضاً شعار وليس حقيقة، وهكذا الذي يأخذ أي هدي من غير الكتاب والسنة، وهو يردد الكتاب والسنة، فقد جعل الكتاب والسنة شعاراً، وهذا هو سبب المشكلة عند كثير من الناس، ولهذا فإن الطوائف الضالة لا يعارضون الكتاب والسنة بشكل مباشر، وإنما يفسرونها بغير معناها، أو يؤولون ويحرفون معناها، أو نحو ذلك من الطرق التي يحتالون بها على الكتاب والسنة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مواضع من كتبه: إن البدعة والنفاق لا يمكن أبداً أن يكونا باطلاً محضاً؛ لأنهما لو كانا باطلاً محضاً لعرفه كل الناس، كما أنه لا يمكن أن يكونا حقاً محضاً؛ لأنهما لو كانا حقاً محضاً لما صار بدعة ونفاقاً، لكنه لبس الحق بالباطل، وهذه هي صفة اليهود والنصارى التي نهى الله عنها لما قال: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧١].
стр. 30
القرآن والسنة هما مصدرا تلقي العقيدة
ثم عندما ذكر هذه المصادر بين الموجب لكونها مصدراً، والأمور التي تجعل الإنسان يقتنع فعلاً بكونهما مصدراً، فقال: (إنه -يعني: الله أعلم بنفسه).
إذاً: لا نأخذ العقائد إلا منه؛ لأنه أعلم بنفسه وبغيره كذلك.
(وأصدق قيلاً)، يعني: المبرر الأول: أنه أعلم بنفسه، والمبرر الثاني: أنه أصدق قيلاً.
(وأنه أحسن حديثاً من خلقه)، وبالتالي فإن كلامه هو المصدر الأساسي في العقائد.
(ثم رسله صادقون)، وهذا لا يشك فيه أحد أنهم صادقون، (ومصدقون) يعني: أن الله يخبرهم بالصدق، فهم صادقون في أنفسهم، فما يأتيهم من الأخبار أو الأحكام فإنهم يقولونها بالصدق لا يكذبون لا يزيدون ولا ينقصون، وكذلك مصدقون؛ لأن المخبر الذي يعطيهم الخبر أو الحكم هو الله ، ولهذا توجد أحاديث كثيرة تبدأ بعبارة: أخبرني الصادق المصدوق حدثني الصادق المصدوق، كما في حديث ابن مسعود ﵁: (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعون يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك) إلى آخر الحديث المشهور.
قال: (بخلاف الذين يقولون على الله ما لا يعلمون)، فإنهم لا يصلح أن يكونوا حجة أبداً، واستدل على ذلك بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].
стр. 31
قيام توحيد الأسماء والصفات على قاعدتي النفي والإثبات ودلالة الجمع بينهما
ذكر المؤلف قاعدة مهمة في توحيد الأسماء والصفات وهي قوله: (وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات)، وهذا واضح في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، كما أنه واضح في الأسماء والصفات في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠].
والجمع بين النفي والإثبات له فائدة مهمة، وهي: الدلالة على الانفراد والاختصاص، وهذا هو حقيقة التوحيد، فإن حقيقة التوحيد هي الانفراد والاختصاص، كما سيأتي معنا إن شاء الله في تفسير سورة الإخلاص.
إذاً: أسماء الله وصفاته مبنية على قاعدتين: القاعدة الأولى: النفي، والقاعدة الثانية: الإثبات.
стр. 32
مسائل في قاعدة النفي
أما النفي فينبغي أن ندرك فيه ثلاثة أمور: الأمر الأول: حدود النفي.
والأمر الثاني: هل ينفى القدر المشترك؟ والأمر الثالث: شبهة المعطلة النفاة والرد عليها.
стр. 33
حدود النفي في أسماء الله وصفاته
الأمر الأول: حدود النفي؛ فإن النفي في أسماء الله وصفاته هو نفي مشابهة خلقه، فالله لا يشبهه شيء من خلقه أبداً، كما قال الله : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، هذا استفهام إنكاري يتضمن النفي، وأيضاً يقول الله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].
إذاً: حدود النفي هو عدم مماثلة صفات الله لصفات خلقه، فله صفات لكن لا تماثل صفات خلقه؛ لأن المعطلة من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية نفوا الصفات بحجة وجود النفي في الشرع، فمثلاً قد تجد بعضهم يقول: إن الله نفى الصفات عن نفسه، ويستدل بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وبقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ونحو ذلك، ولا شك أن هذا استدلال باطل؛ لأن الذي نفى عن نفسه الصفات الباطلة أثبت لنفسه الصفات الحقيقية الصحيحة، فالصفات الباطلة المنفية هي صفات المخلوقات، فلا يمكن أن يشابه ربنا المخلوقات أبداً.
стр. 34
حكم نفي القدر المشترك بين أسماء صفات الله تعالى وصفات خلقه
الأمر الثاني: هل ينفى القدر المشترك؟ بين صفات الله وبين صفات خلقه قدر مشترك، مثلاً: الله سمى نفسه سميعاً بصيراً، كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وسمى بعض خلقه سميعاً بصيراً: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:١ - ٢]، إذاً: الإنسان سميع بصير، والله سميع بصير.
وسمى نفسه حياً في قوله : ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وسمى بعض خلقه حياً: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩].
وهذه المشابهة لا تقتضي مشابهة في المسميات، بل هي مشابهة في الأسماء فقط، فالله سميع، وبعض خلقه سميع، لكن سمع المخلوق ليس كسمع الخالق؛ لأن السمع هنا مضاف إلى الله ، والسمع هناك مضاف إلى خلقه.
وكذلك الحي، حيث سمى الله نفسه ووصف نفسه بالحياة، وسمى بعض خلقه ووصفهم بالحياة كذلك، وليست الحياة هنا كالحياة هنا، وهناك قدر مشترك.
هذا القدر المشترك يعرفه العلماء بأنه: معنى كلي عام لا يتحدد إلا بالاختصاص، وهناك بعض المخلوقات في الدنيا تتفق في الأسماء وتختلف في الحقائق، مثلاً يد النملة ويد الفيل، فاتفقت يد النملة مع يد الفيل في اسم اليد، لكن اختلفت في الحقيقة، فأنتم تجدون أن يد الفيل لها صفة خاصة بها في الحجم والهيئة والشكل، ومختلفة تماماً عن يد النملة في الهيئة أيضاً والشكل والصفة، فإذا كانت مخلوقات الله اتفقت في الأسماء واختلفت في الصفات والمسميات، فكيف بالخالق والمخلوق؟! لا شك أن الفرق سيكون أعظم.
وهكذا الأمر في الاتفاق بين بعض المخلوقات، مثل بعض الأسماء الموجودة في الدنيا وبعض الأسماء الموجودة في الآخرة، فمثلاً في الدنيا توجد فواكه ولحم ورمان ونخل، وفي الآخرة في الجنة لحم وفواكه ورمان ونخل وغير ذلك من الأشياء التي وردت في الجنة مما توجد لها أسماء ومسميات في الدنيا، ومع ذلك يقول ابن عباس ﵁: ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء.
فإذا قيل لنا: إن في الجنة رماناً، نقول: لكنه قطعاً لا يشبه الرمان الموجود في الدنيا، بل لا يشبه أحسن رمان موجود في الدنيا، ولا يمكن أن يشبهه أبداً لا في الهيئة ولا الشكل، وإنما قرب الله لنا الأشياء الموجودة في الجنة -وهي غيبيات لم نرها بأعيننا- بأسماء موجودة في الدنيا نعرفها، فإذا كان هذا بين مخلوقات الله ، فإذا وجد تشابه بين صفات الله وأسماء صفات المخلوقين؛ فإنما يكون هذا التشابه بالاسم فقط، وهو القدر الذي اصطلح عليه أهل العلم بتسميته القدر المشترك، وهو معنى كلي عام لا يتحدد إلا بإضافته، أما بوجود معناه الكلي العام فلا يمكن أن يتحدد، ولا يمكن أن يعرف له وضع معين.
هذا هو القدر المشترك بين الأشياء عموماً.
وأنت إذا سمعت كلمة (يد) فإنك لا تعرف ما المقصود بها، فإذا قيل لك: يد فلان عرفت أن هذه اليد لكذا، وإذا قيل لك: يد الفيل عرفت أنها على صفة أخرى، مع الاتفاق في الاسم.
لكن هل يصح في قاعدة النفي: أن ننفي القدر المشترك؟ بمعنى أن نقول: إن صفات الله ليس بينها وبين صفات المخلوقين اتفاق في الأسماء، وليس هناك قدر مشترك في الاتفاق بالأسماء؟ لا يصح أن ننفي هذا؛ لأننا إذا نفينا هذا نفينا وجود الله ؛ لأن الله سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات، وسمى خلقه بأسماء ووصفهم بصفات، قد تتشابه هذه الأسماء في مجرد الاسم فقط، وأما الحقائق فهي مختلفة، فإذا نفينا أن يكون لله أسماء تشابه أسماء بعض خلقه، نكون بهذا تقد نفينا وجود الله .
وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية الحديث عن هذا الأمر في (الرسالة التدمرية) و (منهاج السنة النبوية)، ولا شك أن من لوازم نفي القدر المشترك: نفي وجود الله ، فإذا قيل لهم: هل الله سميع؟ قالوا: لا ليس بسميع؛ لأن في بعض خلقه من هو سميع.
وإذا قيل: هل الله بصير؟ قالوا: ليس ببصير.
وإذا قيل لهم: هل الله موجود؟ قالوا: بعض خلقه موجود.
ولهذا لا بد أن يوجد اتفاق في الأسماء بين صفات الله وصفات خلقه، والتشابه في الأسماء لا يقتضي التشابه في الحقائق؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وليس مثل خلقه بأي وجه من الوجوه، فإذا نفوا وجود قدر مشترك في الأسماء فمعنى هذا أنهم سينفون الأسماء والصفات بأكملها، بل سينفون وجود الله ، إذا قلنا لهم: هل الله موجود؟ سيضطرون أن يقولوا: نعم موجود، ونحن أيضاً موجودون، قالوا: لا، وجود ال
стр. 35
شبهة المعطلة النفاة والرد عليها
شبهة المعطلة النفاة الذين نفوا صفات الله هي: أنهم قالوا: إذا أثبتنا الصفات فإنه يلزم منها مشابهة المخلوقات، فأرادوا تنزيه الله فنفوا صفات الله ، ولا شك أن هذا خطأ باطل، وبدعة ضالة منحرفة، سببها عدم معرفة أحكام الله ؛ فإن قولنا بإثبات الصفات لا يعني أننا نشبه الله بالمخلوقات، وإنما ننفي عنه مشابهة المخلوقات، وهذا هو التوحيد الخالص: أن تعطي الله صفات الكمال، وأن تنفي عنه مشابهة المخلوقات.
وفي الحقيقة أن شبهة المعطلة أعمق مما أشرت إليه، وأعمق مما يدركه كثير من الناس؛ لأن مشكلتهم بدأت من الاستدلال على وجود الله ، فاستدلوا على وجود الله بدليل سموه حدوث الأجسام، وهذا الدليل طويل له مقدمات متعددة أرادوا من خلاله أن يصلوا إلى إثبات أن العالم حادث بعد أن لم يكن موجوداً، وأرادوا بالتوصل لهذه النقطة أن يتوصلوا إلى أن الله هو الخالق لهذا الحادث -أي: العالم- ولا يمكن أن يكون الخالق حادثاً مثله، بل هو قديم .
هذا الدليل الذي استدلوا به له مقدمات متشعبة لا أريد عرضها بالتفصيل ولا تهمنا، لكن هذا الدليل -دليل حدوث العالم- صارت له لوازم التزموها، فلما التزموها نفوا صفات الله ، وترتب على هذه اللوازم القول بفناء الجنة والنار عند الجهمية، وبنفي الأسماء عند المعتزلة، وأما الأشاعرة فإنهم اضطربوا ووقعوا في حيرة، وهكذا كل أحد يتبع غير الكتاب والسنة دائماً يقع في حيرة ويتردد، فهم وقعوا في حيرة حينما أثبتوا سبع صفات، ولم يثبتوها بالوجه الشرعي، وإنما أثبتوها أسماء فقط، فسألهم المعتزلة الذين ينفون الصفات جميعاً، فقالوا لهم: أنتم الآن أثبتم سبع صفات ونفيتم الباقي، إذاً: أنتم متناقضون، إما أن تثبتوا الباقي، وإما أن تنفوا الباقي؛ لأن ما أثبتموه نظير ما نفيتموه، وما نفيتموه مثل ما أثبتموه، ليس هناك فرق، فوقعوا في الانحراف والضلال.
القاعدة الثانية هي: تنزيه مشابهة الله عن مشابهة المخلوق بأي وجه من الوجوه سواء بتخيل أو قول، كما قالت المشبهة: بأن الله يشبه خلقه.
وهنا نرد على جزء آخر من المعطلة، وهم أهل التفويض وهم الذين قالوا: نحن ننفي مشابهة الله للمخلوقات، لكن هذه الصفات ليس لها معانٍ ندركها، وإنما هي مثل الألغاز والأحاجي والكلام الذي لا معنى له.
يعني: لو أن إنساناً ركَّب كلمة من خمسة حروف لا معنى لها في لغة العرب يقولون: صفات الله مثلها أنت لا تدرك لهذه الكلمة معنى وكذلك صفات الله لا ندرك لها معنى.
ولا شك أن هذا ضلال وانحراف.
وسيأتي الإشارة إلى كلامهم في موضعه والرد عليه.
هذا هو الأمر الأول.
الأمر الثاني: ما هي شبهة المشبهة الذين شبهوا الله بخلقه؟ شبهتهم أنهم قالوا: إن الله أثبت لنفسه الصفات، ولا يمكن أن يخاطبنا بما لا نعقله، ونحن لا نعقل هذه الصفات الموجودة بيننا مثل اليد والقدم ونحو ذلك، فأثبتوا أن الله مثل خلقه، ولهم كلام قبيح جداً ذكره عدد من أهل العلم في إثباتهم للتشبيه، فهم يشبهون الله بخلقه وكأنه فرد من أفراد خلقه -والعياذ بالله- وهذا ضلال وانحراف.
والتشبيه ينقسم إلى قسمين: تشبيه الخالق بالمخلوق، وهذا الذي وقع فيه المشبهة الضالون الذين قالوا: لله يد كأيدينا، ونزول الله كنزولنا ونحو ذلك.
وهناك نوع آخر من التشبيه وهو: تشبيه المخلوق بالخالق، وهذا الذي وقع فيه غلاة الصوفية الذين شبهوا المخلوق بالخالق، فهم يشبهون أولياءهم بأن لهم قدرات خارقة، وأنهم يستطيعون تصريف الكون، ويسندون إليهم أعمالاً وصفات لا تكون إلا للخالق ، وهذا ضلال مبين أيضاً.
стр. 36
طرق معرفة الصفات
معرفة الصفات تؤخذ من ثلاث طرق: الطريق الأول: هو دلالة الأسماء عليها، والقاعدة: أن كل اسم من أسماء الله يدل على صفة من الصفات، فالعليم اسم يدل على صفة العلم، والحي اسم يدل على صفة الحياة، وهكذا كل اسم من أسماء الله يدل على صفة من صفات الله .
الطريق الثاني: أن ينص الشرع سواء القرآن أو السنة على صفة من صفات الله ، بشرط أن تكون هذه الآية أو هذا الحديث من آيات أو من أحاديث الصفات، مثل: السمع والبصر كما سبق أن مثلنا.
الطريق الثالث: دلالة الفعل على الصفة.
فإذا قال النبي ﷺ : (يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره)، فإن هذا الفعل يدل على صفة وهي الضحك، أو صفة النزول أو نحو ذلك.
فهذه ثلاث طرق تدل على صفات الله .
وكثير من الناس لا يفرق بين الآيات التي تدل على الصفات والآيات التي لا تدل عليها، فمثلاً تجد بعض الناس يقول: نثبت صفة الجنب لله ، ثم يستدل على ذلك بقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]، هذا خطأ، فإن هذه الآية ليست من آيات الصفات، ولهذا فسرها كل العلماء بقولهم: على ما فرطت في قدر الله ومكانته ؛ لأن هناك دليل يدل على هذا المعنى وهو قوله: ((فَرَّطْتُ))، ولو كانت صفة ذاتية تسمى الجنب لما صح أن يقال: فرطت؛ لأنه لا علاقة بين الصفة الذاتية -الجنب- مع التفريط، وإنما المقصود بالجنب الجناب، وليس هذا تأويل، بل هذا هو تفسير للآية، وحينئذ نقول: إن هذه الآية ليست من آيات الصفات.
وكذلك قول الله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فإن هذه الآية لا يؤخذ منها إثبات صفة الوجه، وإن كانت صفة الوجه ثابتة من غير هذه الآية، مثل قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، فقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ليس من آيات الصفات؛ لأن المقصود بالوجه هنا الجهة وليس المقصود الوجه الذي هو صفة من صفات الله .
الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١١٥]، فالمشرق جهة الشرق، والمغرب جهة الغرب، ((فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا)) يعني: جهة الشرق أو جهة الغرب، ((فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)) يعني: فهناك ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] يعني: جهة الله ، وهذه بينها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 37
مقدمات في سورة الإخلاص
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]].
بدأ المصنف رحمه الله تعالى في الكلام على صفات الله ، وقد سرد المصنف ﵀ جملة كبيرة من الآيات والأحاديث، وكل هذه الآيات والأحاديث فيها إثبات صفات الله ، وستكون طريقتنا -بإذن الله في دراسة هذه الآيات وهذه الأحاديث هي: أن نجمع الأدلة المتشابهة بعضها إلى بعض، ونجعلها تحت صفة، فمثلاً: إذا كان في آية إثبات صفة العلم لله وفي آية أخرى إثبات صفة العلم لله ، نأخذ هذه الآية ونضمها مع هذه الآية ونتحدث عن صفة العلم في مكان واحد، وكذلك نأخذ من الأحاديث ما يدل على نفس المعنى ونضمه مع الآيات؛ لكي نتجنب التكرار، وحينئذ سنتحدث عن الصفات بشكل موضوعي، فنتحدث عن العلم والحياة والسمع والبصر، ونأخذ الآيات والأحاديث التي تدل على هذه المعاني، حتى لو كان ترتيبها غير منظم، فلن نلتزم بالترتيب -بإذن الله تعالى- في كلامنا على صفات الله الواردة في هذه الآيات، إلا سورة الإخلاص وآية الكرسي، فسورة الإخلاص وآية الكرسي اشتملتا على جملة كبيرة من الصفات، فسنتحدث عنها بشكل عام إلا ما سيأتي توضيحه وبيانه في مكان آخر فإننا نؤجله إلى ذلك المكان.
قبل أن نتحدث عن مسائل العقيدة الموجودة في سورة الإخلاص ننبه إلى أربعة أمور: الأمر الأول: فضل هذه السورة.
والأمر الثاني: توضيح كيفية عدل هذه السورة لثلث القرآن.
والأمر الثالث: هل يعني عدل هذه السورة لثلث القرآن كفايتها عن السور الأخرى؟ والأمر الرابع: سبب النزول.
стр. 38
فضل سورة الإخلاص
ورد في فضل هذه السورة أحاديث كثيرة، منها أحاديث في البخاري ومسلم وغيرهما، وتدل هذه الأحاديث على أن هذه السورة ثلث القرآن، منها حديث النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده! إنها تعدل ثلث القرآن)، وفي لفظ قال: (هل تحب أن تقرأ ثلث القرآن؟ اقرأ سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١])، إلى درجة أن الحفاظ مثل: الدارقطني ﵀ يقول: لم يرد أحاديث في فضل سور القرآن أصح من الأحاديث الواردة في فضل سورة الإخلاص، حتى التي وردت في فضل سور أخرى كالفاتحة والبقرة ونحو ذلك من السور.
стр. 39
علة عدل سورة الإخلاص لثلث القرآن
كيف تعدل هذه السورة ثلث القرآن؟ قبل أن نبين كيف تعدل هذه السورة ثلث القرآن، أحب أن أشير إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ألف رسالة طويلة في نحو ثلاثمائة صفحة في تفسير هذه السورة، وهي موجودة ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الجزء الرابع، فذكر شيخ الإسلام ﵀ كيفية عدل هذه السورة لثلث القرآن، حيث قال: إن القرآن من حيث الموضوعات ثلاثة أنواع: التوحيد، والقصص، والأوامر والنواهي وهي الأحكام، وهذه السورة جاءت بالكلام على التوحيد، فجاءت بالحديث عن ثلث موضوعات القرآن، ويدل على ذلك: أن القرآن كلام الله ، والكلام عند أهل البلاغة ينقسم إلى خبر وإنشاء، والخبر هو الذي يحتمل الصدق والكذب، والإنشاء هو ما لا يحتمل الصدق والكذب، كالأمر والاستفهام والتمني والترجي ونحو ذلك من المعاني، فالإنشاء هو الأمر والنهي والأحكام مثل: الأوامر والمناهي الشرعية، فهذا الثلث الأول، وأما الأخبار فإن الأخبار الواردة في القرآن نوعان: أخبار عن الخالق، وأخبار عن المخلوق، فصار عندنا ثلاثة أنواع: أخبار عن الخالق وهو التوحيد، وأخبار عن المخلوق وهي القصص، ويدخل في ذلك الأخبار عن الجنة والنار والحشر، ويدخل في ذلك الأخبار عن الأمم الماضية وتعذيبهم ونحو ذلك، والأمر والنهي وهي الأحكام، وهذا من قسم الإنشاء، وحينئذ نعرف لماذا قال النبي ﷺ : إن هذه السورة تعدل ثلث القرآن؛ لأن التوحيد موجود في ثلث القرآن، والمقصود بالتوحيد هنا هو الآيات الواردة في التوحيد بشكل مباشر، أما الآيات الواردة في التوحيد بشكل غير مباشر فالقرآن كله توحيد -كما قال ابن القيم ﵀ لأن كل القصص الواردة لها علاقة بالتوحيد، فالجنة هي الجنة جزاء الموحدين، والنار جزاء الكفار الذين تركوا التوحيد، وكل القصص الموجود في القرآن له علاقة بالتوحيد، لكن المقصود هنا بالتوحيد الذي هو ثلث موضوعات القرآن: الآيات الواردة بشكل مباشر في التوحيد.
стр. 40
انتفاء الاكتفاء بتكرار سورة الإخلاص والاستغناء بها عن سائر القرآن
إذا كانت هذه السورة تعدل ثلث القرآن فهل يعني هذا أن الإنسان يقرؤها ثلاث مرات ويكفيه ذلك؟
و
الجواب
لا، فهي تعدل ثلث القرآن من حيث قيمتها المعنوية، لكن لا يعني أنها تغني عن غيرها، وتقريب هذا واضح، فبالنسبة لك فإن الماء يعدل الحياة كلها؛ لأنك لو لم تشرب مت، لكن لو اكتفيت بالماء وتركت الأكل فلن تعيش وإنما ستموت، وهذا يدل على حاجة الإنسان لأشياء أخرى غير الماء مع أن الماء جزء أساسي في حياته، فإذا كان هذا في المخلوق فهو من باب أولى في القضايا الشرعية؛ فإن تنوع العبادات للإنسان مبني على حاجة الإنسان، وكذلك تنوع الأجر في الجنة مبني على تنوع العبادة في الدنيا، ولهذا تجدون في الجنة أنواعاً من النعم: خمر، ورمان، وأنهار من لبن، وأنهار من عسل مصفى ونحو ذلك، وهذا التنوع مبني على تنوع أعمال الإنسان، وهذا يدل أيضاً على حاجة الإنسان إلى هذه الأعمال.
هذا مختصر كلام شيخ الإسلام ﵀ في رسالته المذكورة.
следующие страницы →