Полный текст (493 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
طرق معرفة الصفات
معرفة الصفات تؤخذ من ثلاث طرق: الطريق الأول: هو دلالة الأسماء عليها، والقاعدة: أن كل اسم من أسماء الله يدل على صفة من الصفات، فالعليم اسم يدل على صفة العلم، والحي اسم يدل على صفة الحياة، وهكذا كل اسم من أسماء الله يدل على صفة من صفات الله .
الطريق الثاني: أن ينص الشرع سواء القرآن أو السنة على صفة من صفات الله ، بشرط أن تكون هذه الآية أو هذا الحديث من آيات أو من أحاديث الصفات، مثل: السمع والبصر كما سبق أن مثلنا.
الطريق الثالث: دلالة الفعل على الصفة.
فإذا قال النبي ﷺ : (يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره)، فإن هذا الفعل يدل على صفة وهي الضحك، أو صفة النزول أو نحو ذلك.
فهذه ثلاث طرق تدل على صفات الله .
وكثير من الناس لا يفرق بين الآيات التي تدل على الصفات والآيات التي لا تدل عليها، فمثلاً تجد بعض الناس يقول: نثبت صفة الجنب لله ، ثم يستدل على ذلك بقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]، هذا خطأ، فإن هذه الآية ليست من آيات الصفات، ولهذا فسرها كل العلماء بقولهم: على ما فرطت في قدر الله ومكانته ؛ لأن هناك دليل يدل على هذا المعنى وهو قوله: ((فَرَّطْتُ))، ولو كانت صفة ذاتية تسمى الجنب لما صح أن يقال: فرطت؛ لأنه لا علاقة بين الصفة الذاتية -الجنب- مع التفريط، وإنما المقصود بالجنب الجناب، وليس هذا تأويل، بل هذا هو تفسير للآية، وحينئذ نقول: إن هذه الآية ليست من آيات الصفات.
وكذلك قول الله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فإن هذه الآية لا يؤخذ منها إثبات صفة الوجه، وإن كانت صفة الوجه ثابتة من غير هذه الآية، مثل قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، فقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ليس من آيات الصفات؛ لأن المقصود بالوجه هنا الجهة وليس المقصود الوجه الذي هو صفة من صفات الله .
الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١١٥]، فالمشرق جهة الشرق، والمغرب جهة الغرب، ((فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا)) يعني: جهة الشرق أو جهة الغرب، ((فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)) يعني: فهناك ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] يعني: جهة الله ، وهذه بينها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 37
مقدمات في سورة الإخلاص
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]].
بدأ المصنف رحمه الله تعالى في الكلام على صفات الله ، وقد سرد المصنف ﵀ جملة كبيرة من الآيات والأحاديث، وكل هذه الآيات والأحاديث فيها إثبات صفات الله ، وستكون طريقتنا -بإذن الله في دراسة هذه الآيات وهذه الأحاديث هي: أن نجمع الأدلة المتشابهة بعضها إلى بعض، ونجعلها تحت صفة، فمثلاً: إذا كان في آية إثبات صفة العلم لله وفي آية أخرى إثبات صفة العلم لله ، نأخذ هذه الآية ونضمها مع هذه الآية ونتحدث عن صفة العلم في مكان واحد، وكذلك نأخذ من الأحاديث ما يدل على نفس المعنى ونضمه مع الآيات؛ لكي نتجنب التكرار، وحينئذ سنتحدث عن الصفات بشكل موضوعي، فنتحدث عن العلم والحياة والسمع والبصر، ونأخذ الآيات والأحاديث التي تدل على هذه المعاني، حتى لو كان ترتيبها غير منظم، فلن نلتزم بالترتيب -بإذن الله تعالى- في كلامنا على صفات الله الواردة في هذه الآيات، إلا سورة الإخلاص وآية الكرسي، فسورة الإخلاص وآية الكرسي اشتملتا على جملة كبيرة من الصفات، فسنتحدث عنها بشكل عام إلا ما سيأتي توضيحه وبيانه في مكان آخر فإننا نؤجله إلى ذلك المكان.
قبل أن نتحدث عن مسائل العقيدة الموجودة في سورة الإخلاص ننبه إلى أربعة أمور: الأمر الأول: فضل هذه السورة.
والأمر الثاني: توضيح كيفية عدل هذه السورة لثلث القرآن.
والأمر الثالث: هل يعني عدل هذه السورة لثلث القرآن كفايتها عن السور الأخرى؟ والأمر الرابع: سبب النزول.
стр. 38
فضل سورة الإخلاص
ورد في فضل هذه السورة أحاديث كثيرة، منها أحاديث في البخاري ومسلم وغيرهما، وتدل هذه الأحاديث على أن هذه السورة ثلث القرآن، منها حديث النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده! إنها تعدل ثلث القرآن)، وفي لفظ قال: (هل تحب أن تقرأ ثلث القرآن؟ اقرأ سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١])، إلى درجة أن الحفاظ مثل: الدارقطني ﵀ يقول: لم يرد أحاديث في فضل سور القرآن أصح من الأحاديث الواردة في فضل سورة الإخلاص، حتى التي وردت في فضل سور أخرى كالفاتحة والبقرة ونحو ذلك من السور.
стр. 39
علة عدل سورة الإخلاص لثلث القرآن
كيف تعدل هذه السورة ثلث القرآن؟ قبل أن نبين كيف تعدل هذه السورة ثلث القرآن، أحب أن أشير إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ألف رسالة طويلة في نحو ثلاثمائة صفحة في تفسير هذه السورة، وهي موجودة ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الجزء الرابع، فذكر شيخ الإسلام ﵀ كيفية عدل هذه السورة لثلث القرآن، حيث قال: إن القرآن من حيث الموضوعات ثلاثة أنواع: التوحيد، والقصص، والأوامر والنواهي وهي الأحكام، وهذه السورة جاءت بالكلام على التوحيد، فجاءت بالحديث عن ثلث موضوعات القرآن، ويدل على ذلك: أن القرآن كلام الله ، والكلام عند أهل البلاغة ينقسم إلى خبر وإنشاء، والخبر هو الذي يحتمل الصدق والكذب، والإنشاء هو ما لا يحتمل الصدق والكذب، كالأمر والاستفهام والتمني والترجي ونحو ذلك من المعاني، فالإنشاء هو الأمر والنهي والأحكام مثل: الأوامر والمناهي الشرعية، فهذا الثلث الأول، وأما الأخبار فإن الأخبار الواردة في القرآن نوعان: أخبار عن الخالق، وأخبار عن المخلوق، فصار عندنا ثلاثة أنواع: أخبار عن الخالق وهو التوحيد، وأخبار عن المخلوق وهي القصص، ويدخل في ذلك الأخبار عن الجنة والنار والحشر، ويدخل في ذلك الأخبار عن الأمم الماضية وتعذيبهم ونحو ذلك، والأمر والنهي وهي الأحكام، وهذا من قسم الإنشاء، وحينئذ نعرف لماذا قال النبي ﷺ : إن هذه السورة تعدل ثلث القرآن؛ لأن التوحيد موجود في ثلث القرآن، والمقصود بالتوحيد هنا هو الآيات الواردة في التوحيد بشكل مباشر، أما الآيات الواردة في التوحيد بشكل غير مباشر فالقرآن كله توحيد -كما قال ابن القيم ﵀ لأن كل القصص الواردة لها علاقة بالتوحيد، فالجنة هي الجنة جزاء الموحدين، والنار جزاء الكفار الذين تركوا التوحيد، وكل القصص الموجود في القرآن له علاقة بالتوحيد، لكن المقصود هنا بالتوحيد الذي هو ثلث موضوعات القرآن: الآيات الواردة بشكل مباشر في التوحيد.
стр. 40
انتفاء الاكتفاء بتكرار سورة الإخلاص والاستغناء بها عن سائر القرآن
إذا كانت هذه السورة تعدل ثلث القرآن فهل يعني هذا أن الإنسان يقرؤها ثلاث مرات ويكفيه ذلك؟
و
الجواب
لا، فهي تعدل ثلث القرآن من حيث قيمتها المعنوية، لكن لا يعني أنها تغني عن غيرها، وتقريب هذا واضح، فبالنسبة لك فإن الماء يعدل الحياة كلها؛ لأنك لو لم تشرب مت، لكن لو اكتفيت بالماء وتركت الأكل فلن تعيش وإنما ستموت، وهذا يدل على حاجة الإنسان لأشياء أخرى غير الماء مع أن الماء جزء أساسي في حياته، فإذا كان هذا في المخلوق فهو من باب أولى في القضايا الشرعية؛ فإن تنوع العبادات للإنسان مبني على حاجة الإنسان، وكذلك تنوع الأجر في الجنة مبني على تنوع العبادة في الدنيا، ولهذا تجدون في الجنة أنواعاً من النعم: خمر، ورمان، وأنهار من لبن، وأنهار من عسل مصفى ونحو ذلك، وهذا التنوع مبني على تنوع أعمال الإنسان، وهذا يدل أيضاً على حاجة الإنسان إلى هذه الأعمال.
هذا مختصر كلام شيخ الإسلام ﵀ في رسالته المذكورة.
стр. 41
سبب نزول سورة الإخلاص
ثبت أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : انسب لنا ربك، وفي لفظ: صف لنا ربك، فنزلت هذه السورة، وفي بعض الروايات -وهي رواية ضعيفة-: أن الذين قالوا هذا القول هم اليهود، لكن الروايات الأصح هي: أن الذين قالوا هذا القول هم المشركون.
стр. 42
المسائل المتعلقة بسورة الإخلاص
المسائل المتعلقة بهذه السورة أربع مسائل: المسألة الأولى: صفة الوحدانية.
والمسألة الثانية: صفة الصمدية.
والمسألة الثالثة: قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] وهي صفة أيضاً.
والمسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].
стр. 43
صفة الوحدانية لله تعالى ومعناها
أما صفة الوحدانية فيمكن أن نتحدث عنها في ثلاث نقاط: الأمر الأول: معنى الوحدانية.
الواحد والأحد والتوحيد معناه: الانفراد والاختصاص، ومعنى أن الله واحد، أن الله مختص منفرد وحده دون خلقه، فهذا هو معنى التوحيد، والتوحيد يمكن أن تأخذه من الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية بعدة أساليب، وهي أساليب الحصر الموجودة في اللغة العربية، فمن أساليب الحصر: تقدم الجار والمجرور، أو تقدم ما حقه التأخير عموماً، أو النفي والإثبات، أو الاستثناء، أو وجود المسند والمسند إليه محلى بأل مثل (الرحمن الرحيم) يعني: صاحب صفة الرحمة المختص بها، ويدل على الاختصاص وجود الألف واللام في المسند والمسند إليه، وكذلك دخول لام الاستحقاق والملكية، مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:٢] فإن اللام هنا للاستحقاق وللملكية، وهي تدل على الاختصاص أيضاً، ويمكن مراجعة أساليب الحصر والقصر والاختصاص الموجودة في لغة العرب، ومحاولة تطبيقها على النصوص الشرعية، فستجد آيات كثيرة تدل على الحصر.
стр. 44
أقسام ومجالات الوحدانية
الأمر الثاني: أقسام ومجالات الوحدانية.
نحن ندرك من قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] أن الله واحد، وواحد في ثلاثة أمور: واحد في الربوبية، وواحد في الألوهية، وواحد في الأسماء والصفات.
واحد في الربوبية يدل على ذلك قول الله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، (ألا) أداة تنبيه، واللام في قوله: ((لَهُ)) حرف الجر، والهاء ضمير متصل في محل جر، و (الخلق والأمر) مبتدأ مؤخر وكان حقه التقديم، والمعنى: الخلق والأمر له، فلما قدم ما حقه التأخير دل على أن التقديم لفائدة بلاغية، وهي إفادة الحصر، فالمعنى: أن الله هو له الخلق فقط، وليس لأحد غيره أن يخلق، وله الأمر فقط، وليس لأحد غيره أن يأمر.
والأمر والقضاء والإرادة تنقسم إلى قسمين: أمر وإرادة وقضاء كوني، وأمر وإرادة وقضاء شرعي.
فالمعنى: أن الله مختص بالخلق وبالأمر الكوني والشرعي.
وتوحيد الألوهية يدل على الحصر والاختصاص، وفيه الكلمة المشهورة في توحيد الألوهية: لا إله إلا الله؛ فإن لا إله إلا الله نفي وإثبات تدل على الحصر، وفي الأسماء والصفات: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ووجه الدلالة من هذه الآية هو نفس وجه الدلالة من قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فإنه تقدم الجار والمجرور وتأخر المبتدأ لإفادة الحصر، وأن الأسماء خاصة بالله .
стр. 45
موقف الفرق المنحرفة من الوحدانية
الأمر الثالث: موقف الفرق الضالة من الوحدانية.
الفرق الضالة في الوحدانية كثر، لكن يهمنا الحديث عن الفرق التي لها مساس كبير بواقع الناس، وهم الأشاعرة والصوفية.
فأما الأشاعرة فإنهم إذا جاءوا إلى صفة الوحدانية يقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له.
هذه هي أقسام الوحدانية عندهم، وإذا جئت تقارن بينها وبين أقسام الوحدانية عند أهل السنة: تجد أن قولهم: واحد في ذاته لا قسيم له.
هو نفس توحيد الأسماء والصفات عند أهل السنة، لكنهم فهموه على غير فهم أهل السنة، وقولهم: واحد في صفاته لا شبيه له.
هو نفس توحيد الأسماء والصفات، لكن أيضاً فهموه على غير وجهه، وقولهم: واحد في أفعاله لا شريك له.
هو توحيد الربوبية؛ لأن تعريف الربوبية هو توحيد الله بأفعاله المتعدية، مثل: الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، وحينئذ نجد أنهم أهملوا نوعاً من أنواع التوحيد، وهو توحيد الألوهية، فإنه لا يوجد له قسم عندهم، وبالتالي وقعوا في الانحراف الكبير وهو إهمال توحيد الألوهية.
والحقيقة: أن إهمال توحيد الألوهية عندهم نشأ من الإرجاء، ولهذا فإن الإرجاء له أثر خطير على أمة الإسلام؛ لأن الإيمان عندهم هو مجرد التصديق؛ فأخرجوا عمل القلب والجوارح من حقيقة الإيمان، ولم يبق إلا التصديق، والتصديق هو نفس توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وأما الجانب العملي وهو توحيد الألوهية فقد أهملوه وترتب على هذا الإهمال قضايا خطيرة جداً في تاريخ المسلمين، مثل: الاختلاف الكبير الذي وقع بين أهل السنة وبين الأشاعرة والصوفية في الذين يطوفون حول القبور ويذبحون لها وينذرون، فهؤلاء مشركين عند أهل السنة؛ لأنهم لم يوحدوا الله توحيد الألوهية، وعند الأشاعرة والصوفية ليسوا بمشركين ما دام أنهم يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت؛ لأنهم جاءوا بالتوحيد حسب التعريف الموجود عندهم، ولهذا اختلف أهل السنة أيضاً مع هؤلاء المبتدعة في الذين يحكمون بالقوانين الوضعية، مثل القانون البريطاني أو الفرنسي ويحكمونه في حياة الناس، ويستحلون المحرمات، فهؤلاء عند أهل السنة كفار؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله؛ فنقضوا الإسلام من هذه الزاوية، وأولئك يقولون: ما دام أنهم معترفون بأن الله هو الخالق الرازق فهم مسلمون، وهنا يكمن الخطر الاعتقادي.
وأما الصوفية فإنهم انحرفوا في الوحدانية، حيث قاموا بممارسة الشركيات عملياً، فهم يطوفون بالقبور، ويذبحون لها وينذرون، ويستغيثون بغير الله ونحو ذلك من الأعمال.
وهناك طائفة من الطوائف موجودة في حياة المسلمين المعاصرة وهم العلمانيون، وهؤلاء لا يعترفون لله بوحدانية الألوهية، ويجعلون الدين هو مجرد تصورات عقائدية قد يأخذونها من أصحاب النظريات المعاصرة مثل: ماركس إذا كان شيوعياً مثلاً أو غيره بحسب المذهب الذي يذهب إليه، فأخرجوا توحيد الألوهية بأكمله من التوحيد.
стр. 46
صفة الصمدية
فيل في معنى الصمد قولان مشهوران لأهل العلم كلاهما صحيح: المعنى الأول: أن الصمد هو الذي لا جوف له: وقد تنوعت تعبيرات السلف الصالح رضوان الله عليهم عن هذا المعنى، فقال ابن عباس ﵄: الصمد المصمت الذي لا جوف له، وقال ابن مسعود: هو الذي ليست له أحشاء، يعني: ليست له أمعاء، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، وقال محمد بن كعب القرظي وعكرمة تلميذ ابن عباس: هو الذي لا يخرج منه شيء، وقال ميسرة: الصمد المصمت، وأكثر السلف الصالح رضوان الله عليهم فسروا الصمد بهذا المعنى، فيصبح معناه: أنه الغني الذي لا يحتاج إلى شيء أبداً، ولهذا قال بعضهم: هو الذي ليست له أحشاء، فهو ليس بحاجة إلى طعام، حتى تكون له أحشاء يهضمها فيه، وبعضهم قال: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، فهو ليس بحاجة إلى الأكل والشرب، فإن الإنسان الموجود في الدنيا بحاجة إلى الأكل والشرب، فلا تقوم حياته إلا على الأكل والشرب، أما الله فإنه غني، فالمعنى: أن الله غني غنى مطلقاً، فهو ليس بحاجة إلى شيء أبداً، والمخلوق لا يقوم كيانه إلا بأشياء كثيرة منها الأكل والشرب والحاجة إليها.
وهذا الاسم المتضمن لصفة الصمدية أصل في تنزيه الله عن الحاجة والافتقار، كما أن هذا الاسم يدل على القوة، وهذا التفسير لهذا الاسم مأخوذ من لغة العرب، فإن العرب تقول: الصمد للمصمت، يقول الجوهري رحمه الله تعالى: المصمد بالدال لغة في المصمت، وهو الذي لا جوف له، فالعرب تقصف الشجاع بأنه صمد، يعني: لا يخاف وليس أجوف القلب؛ لأن الذي يخاف قلبه أجوف فارغ، ولهذا لما ذكر الله قصة أم موسى ذكر أن جوفها كان فارغاً إن كادت لتبدي به، فجاء التعبير بقوله: فارغاً، لأن القلب إذا لم يكن قوياً متماسكاً مجتمعاً بعضه إلى بعض؛ فإنه يكون ضعيفاً هشاً رقيقاً.
ويقول الجوهري: والصماد غفاص القارورة، والغفاص هو الجلد الذي يوضع على القارورة ويشد عليه بحبل بحيث يغطيها.
وقال: الصمد يطلق على المكان الرفيع الغليظ المجتمع، فالصمد في صفة الله معناه: الذي لا حاجة له إلى الطعام والشراب وهو الغني .
والمعنى الثاني -وهو قول بعض السلف-: أن الصمد هو السيد الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، وكذلك تنوعت عبارات السلف في هذا القول، فمثلاً نجد ابن عباس يقول: الصمد هو الذي تصمد إليه الأشياء إذا نزل بها كربة وبلاء، ويقول السدي ﵀: هو المقصود إليه في الرغائب والمستغاث به عند المصائب، والمعنى: أن الصمد هو الذي تحتاجه الخلائق، فهو الغني الذي لا يحتاج، والخلائق محتاجة إليه.
وهذان المعنيان كلاهما صواب، وكلاهما تفسير للصفة بمعناها، وبما تدل عليه، فإن الجميع يدل على الجمع والقوة والغنى، فالسيد الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، والسيد اشتقاقه الأكبر السد والسداد والسؤدد والسواد، وكلاها بمعنى الجمع والقوة؛ لأن السيد لا يكون سيداً إلا إذا كان قوي القلب، مجتمع النفس، حينئذ يكون سيداً ينفع الآخرين، فالناس لا تقصد في حوائجها إلا قوي القلب الشجاع الذي يستطيع أن يعطي الناس حوائجهم، وكذلك المصمت الذي لا جوف له؛ فإن فيه معنى القوة؛ لأن الشيء كلما اجتمع بعضه إلى بعض كان قوياً، ولهذا سمي المكان المرتفع الغليظ صمداً لقوته وتماسكه.
ومن هنا ندرك أن معنى الصمد هو: القوي الذي لا يحتاج إلى الأكل أو الشرب، ولا يحتاج إلى أي شيء من الأشياء، فهو الغني ، وسيأتي الحديث عن الغنى -بإذن الله تعالى- بشكل مفصل عند اسم الله الغني.
ولصفة الغنى والقوة آثار تربوية عظيمة منها: توحيد الدعاء، بحيث يدعو الإنسان الله ، فهو الغني المالك لكل شيء .
стр. 47
معنى قوله تعالى: (لم يلد ولم يولد)
﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص:٣] معناها: أن الله ليس له ولد.
﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] يعني: أن الله ليس له أب ، وهذا يدل على كماله ، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، وهذه الآية فيها تنزيه لله عن الولادة والولد.
وقد وجدت طوائف نسبوا إلى الله الولد، وقد أبطل الله نسبة الولد إليه بدليل عقلي واضح، وهو: أن وجود الولد يحتاج إلى وجود صاحبة -يعني: زوجة- وهذا أمر موجود في كل متولد، سواء كان من الإنسان أو الحيوان أو النبات، حتى النار كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فهي إنشاء من اشتباك شيئين بعضهما مع بعض، فيتولد عنهما النار، قال: كل المتولدات لا بد أن تكون من أصلين، ولا يوجد صاحبة لله ، وهذا أمر يعترف به المشركون ولا ينكرونه، ومع ذلك نسبوا له الولد؛ فدل ذلك على بطلان هذه النسبة عقلاً، وإلا فإن الله منزه عن كل تلك الصفات .
يقول الله في هذا الدليل العقلي: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام:١٠١]، هذا دليل عقلي، وهو استفهام إنكاري يتضمن النفي العقلي ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام:١٠١]، فإن العقل يقتضي أنه إذا وجد الولد لا بد أن توجد الصاحبة، فلما انتفت الصاحبة دل ذلك على انتفاء الولد كما هو معلوم.
وهناك طوائف أو ديانات كافرة نسبت لله الولد منهم اليهود والنصارى، فاليهود قالت: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، والنصارى قالت: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، ولم يكتفو بهذا فقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، يقول الله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، ويقول الله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠].
وممن نسب لله الولد: المشركون، حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله، يقول الله : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل:٥٧] يعني: الولد، ولهذا يقول: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨]، فوجهه يسود وهو كظيم؛ لأن البنت عار عليه-كما يظن-ومع هذا ينسبها إلى الله ، وهذا يدل على فجورهم وشدة كفرهم والعياذ بالله، ولهذا يقول الله : ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء:٤٠]، ويقول الله : ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات:١٤٩ - ١٥٠]، ولا شك أن كلام المشركين باطل كما هو معلوم.
ولا يوجد أحد يقول: إن لله زوجة، ولا توجد مقالة لأحد أبداً يقول فيها: إن لله زوجة، أو: إن لله صاحبة.
والدليل على ذلك: هو أن الله عندما استدل على نفي الولد استدل بعدم وجود الصاحبة، ولا يمكن أن يستدل الله على أمر إلا بأمر مقرر عندهم سابقاً، فلو كان هذا الأمر المستدل به ليس معترفاً به عندهم لما صح الاستدلال، فلما صح الاستدلال دل على أنه لا توجد طائفة من البشر تنسب لله الصاحب.
لكن هناك إشكال وهو: أن الله يقول في آية أخرى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨]، والجواب على هذا الإشكال: أن المقصود به: الملائكة، حيث نسبوا الملائكة إلى الله ، فقالوا: هم بنات الله، لكن قد يقول قائل: هنا الحديث عن الجن وليس عن الملائكة: فنقول: إن الِجَّنة المقصود بهم في هذه الآية: الملائكة، والدليل على هذا: أن الِجَّنة معناها: الوقاية، ولهذا يقول النبي ﷺ : (الصوم جُنَّة) يعني: وقاية، فمادة (جن) في لغة العرب تدل على الاستتار والوقاية، وهي حاصلة في الملائكة؛ لأن الملائكة يستترون عن بقية البشر، فيصبح معنى الِجَّنة هنا هو المعنى اللغوي وليس هو المعنى الاصطلاحي المعروف في خلق الله الجن.
وأما قول الكلبي وغيره: إن المشركين يقولون: تزوج من الجن فولد له الملائكة، فلا شك أن هذا القول باطل؛ لأنه لا
стр. 48
معنى قوله تعالى: (ولم يكن له كفواً أحد)
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، هذه الصفة أصل في التنزيه، كما أن الصمد أصل أيضاً في التنزيه، فكل الصفات السلبية والمنفية ترجع إليها، فالله نفى عن نفسه اللغوب وهو التعب، ونفى عن نفسه السَّنة والنوم، ونفى عن نفسه ضياع الأشياء عنه فلا يعزب عن ربك مثقال ذرة؛ لكمال علمه .
إذا نفينا عن الله التعب فهو لكمال قدرته، وإذا نفينا عنه النوم فهو لكمال علمه وحياته، وإذا نفينا عنه عزوب الشيء فهو لكمال علمه وإحاطته ، ويمكن أن تراجع هذه القاعدة في التدمرية.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.
стр. 49
الأسئلة
стр. 50
حكم التحاكم إلى القوانين الوضعية
السؤال
نريد توضيحاً حول الحكم لله، هل معنى: أن الحاكمية لله: أن تنفي الإيمان عمن لم يحكم بحكم الله، ولكن دون اعتقاد في عدم صلاحية أحكام الله، وإنما كما نشاهد اليوم في كثير من الأحكام التي لا تؤخذ من الشرع مع انتسابهم إلى الإسلام؟
الجواب
القوانين الوضعية كفر مخرج عن الإسلام حتى لو اعتقد أنها حرام، وحتى لو اعتقد أنها لا تنفع؛ لأن القوانين الوضعية أصلاً تبديل لأحكام الله ، واستحلال للمحرمات، واستحلال المحرمات ردة؛ لأن الاستحلال معناه: عدم الانقياد والتسليم لأحكام الدين، وهذان ركنان من أركان الإيمان.
من جهة أخرى؛ فإن الموجود في العالم الإسلامي اليوم -لا يحتاج أصلاً إلى الحديث عن الاعتقاد وغير الاعتقاد- هو استحلال للمحرمات، وتبديل للدين بشكل واضح، فهو مثل إسلام التتر عندما أسلموا وبقيت عندهم قوانين جنكيز خان (الياسق) يحكمون به، فإن جنكيز خان حاكم تتري كافر، وضع لهم الياسق مجموعاً من الملة اليهودية والنصرانية والإسلام وزاد عليها من معرفته وفهمه، وأصبح من أسلم من التتر فيما بعد يحكم بها، فكفرهم أهل العلم، وكفرهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد كان عند بعض العلماء في تلك الفترة شبهة؛ لأنهم ينتسبون للإسلام.
والحقيقة: أن انتساب الإنسان للإسلام وحده ليس كافياً في بقاء الإسلام عليه إذا ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام، فالساحر مع أنه يصلي ويصوم ويحج ويزكي إلا أنه كافر؛ لأنه نقض الإسلام، مثل من يصلي ركعتين، لكنه بعد الركعة الأولى خرج منه صوت، فإذا قال: لماذا تبطلون أعمالي من تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة والركوع والسجود والقيام؟ نقول: نبطلها لوجود ناقض من النواقض، وهكذا الإسلام لو صلى وصام وحج وزكى وانتسب إلى الإسلام مع وجود ناقض من النواقض فإن الإسلام يبطل.
الإسلام لا يثبت إلا بأمرين: العمل بالدين، وترك النواقض، وهذه مسألة مهمة جداً، وكثير من الناس يغلب جانب العمل بالدين وينسى ترك النواقض، فإذا كفر أحداً ممن ينتسب إلى الإسلام لوجود مكفر عنده صاح في وجهه، وقال: أنت من الخوارج، وأنت كفرت المسلمين، وهذا لا يصح، فالذين يطوفون حول القبور ويذبحون لها وينذرون لها ويستغيثون بغير الله .
هذا كفر مخرج عن الإسلام، مع أنهم ينتسبون إلى الإسلام، فكذلك الذي يحكم بالقوانين الوضعية ويشرع بغير ما أنزل الله فهو كافر حتى لو انتسب إلى الإسلام.
стр. 51
الفرق بين الحصر والقصر
السؤال
ما الفرق بين الحصر والقصر؟
الجواب
كلاهما بمعنى واحد الحصر مصطلح نحوي، والقصر مصطلح بلاغي.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 52
العقيدة الواسطية [٣]
من جملة الآيات الوارد فيها ذكر أسماء الله تعالى وصفاته آية الكرسي, وهي أعظم آية في القرآن الكريم؛ لما تضمنته من أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا, كإثبات اسم الإله والحي والقيوم وصفات هذه الأسماء وغيرها من الصفات الدالة على عظمة المتصف بها .
стр. 53
آية الكرسي ودلائل عظمتها وفضلها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه؛ حيث يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]].
هذه الآية هي كما قال الشيخ رحمه الله تعالى: أعظم آية في كتاب الله، كما أن الفاتحة هي أعظم سورة في كتاب الله ، والدليل على ذلك: ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام مسلم في صحيحه، عن أبي بن كعب ﵁: (أن النبي ﷺ سأله: أي آية في كتاب الله أعظم؟) وكان أبي بن كعب من القراء المشهورين الذين ذكرهم رسول الله ﷺ ، وأمر أن يؤخذ القرآن عنهم، فقال ﷺ : (خذوا القرآن عن أربعة) ذكر اثنين من المهاجرين واثنين من الأنصار، فأما الأنصار فـ أبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وأما المهاجرين فـ ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، فقال أبي بن كعب: (الله ورسوله أعلم، فكررها عليه ﷺ مراراً، فكان جواب أبي: الله ورسوله أعلم، إلا أنه قال في آخرها: هي قول الله : ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر!)، وهذا إقرار لقول أبي بن كعب، وجاء زيادة في مسند الإمام أحمد: أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! إن لها لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش)، وهذه الزيادة صححها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
стр. 54
ذكر الصفات الواردة في آية الكرسي الدالة على عظمتها
ويدل على عظمة هذه الآية: كثرة الصفات الواردة في هذه الآية، فقد اشتملت هذه الآية على تسع صفات لله ، هذا مع ضم المعاني بعضها لبعض، وأما عند التفصيل فإنها تتجاوز العشر إلى أكثر منها.
أما هذه الصفات فهي: الصفة الأولى: صفة الألوهية، وهي مأخوذة من اسم الله.
والصفة الثانية: صفة الحياة، وهي مأخوذة من اسم الحي.
والصفة الثالثة: صفة القيومية، وهي مأخوذة من اسم القيوم.
والصفة الرابعة: صفة الملك، وهي مأخوذة من قوله تعالى: ((لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ))، والصفة الخامسة: صفة العلم، وهي مأخوذة من قوله: ((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)) والصفة السادسة هي: صفة المشيئة، وهي مأخوذة من قوله: ((إِلَّا بِمَا شَاءَ)) والصفة السابعة هي: صفة القدرة، وهي مأخوذة من قوله: ((وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا)).
والصفة الثامنة: صفة العلو، وهي مأخوذة من اسم الله : ((الْعَلِيُّ)).
والصفة التاسعة: صفة العظمة، وهي مأخوذة من اسمه: ((الْعَظِيمُ))، وتلاحظون أن هذه الصفات بشكل مختصر، وإلا فهناك مواطن من هذه الآية سيأتي معنا أنها ترجع إلى أحد هذه الصفات التي سبق أن بيناها آنفاً.
стр. 55
صفة الألوهية
أما صفة الألوهية فمأخوذة من اسم الله : الله، وقد سبق أن الأسماء يؤخذ منها الصفات، والدليل على أن الأسماء تدل على معان، وأن هذه المعاني هي الصفات: قول الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، فإن الحسنى هنا على وزن فعلى، بمعنى البالغة الغاية في الحسن، ولا يمكن أبداً أن تبلغ الغاية في الحسن إلا إذا دلت على معانٍ عظيمة، وصفات حميدة، وإلا فلو كانت أعلاماً محضة فقط لا دلالة لها على معانٍ فلا يمكن أن توصف بالحسن، وهذا هو الدليل على اشتقاق الصفات، أو أخذ الصفات من الأسماء.
وصفة الألوهية صفة استحقاق، والمعنى: أن الله مستحق للألوهية، ومستحق للعبودية.
اسم الله مأخوذ من الإله، وهو الراجح من أقوال أهل العلم في مسألة اشتقاق اسم الله ، والإله معناه المعبود.
وهذا مجمع عليه عند أهل اللغة؛ لأن الإله فعال بمعنى مفعول، أي: مألوه، وقد تعبر بعض كتب اللغة عن الإله بأنه الذي تألهه القلوب بمعنى أنها تحبه، والمحبة من العبادة، وقد يذكر بعضهم بعض معاني العبادة كالمحبة أو الاشتياق ونحو ذلك، وكلها بمعنى واحد، ويمكن أن يراجع في ذلك كتاب: (اشتقاق أسماء الله الحسنى) للزجاج رحمه الله تعالى، فقد أطال الحديث في هذا الباب، وهو من المتقدمين، وهو من أئمة اللغة.
ويدل على أن الإله بمعنى المألوه قول رؤبة بن العجاج: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي وكما تعلمون أن النبي ﷺ كان يتحنف أو يتحنث، وفي بعض ألفاظ الصحيح: (يتأله الليالي ذوات العدد)، ففسرت عائشة التحنف والتحنث بالثاء، أو التأله بأنه التعبد.
وهذا أمر معروف في لغة العرب.
ولو رجعتم إلى تفسير ابن جرير الطبري ﵀: (جامع البيان)، تجدون أنه عندما فسر قول الله : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]، ينقل بإسناده عن ابن عباس ﵄، أنه قال: الله: ذو الألوهية والمعبودية على خلقه جميعاً.
وفي بعض ألفاظ الروايات عن ابن عباس قال: والعبودية، فيدل على أن الألوهية راجعة إلى العبودية، وكذلك قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، قال قتادة: يعبد في السماء، ويعبد في الأرض.
فهؤلاء هم السلف الصالح رضوان الله عليهم الذين فسروا معنى الإله، ولهذا أجمع السلف الصالح على أن الإله بمعنى المعبود وحده .
ولهذا فإن (لا إله إلا الله) معناها: لا معبود بحق إلا الله.
وللمعلمي رحمه الله تعالى رسالة مخطوطة في مكتبة الحرم اسمها: العبادة، وعندما جاء يتحدث عن الإله قال: لما رأيت الخلاف حاصلاً في حياة الأمة في كثير من الأعمال والأقوال هل هي شركية أو ليست بشركية؟ علمت أن الأمة لا يمكن أبداً أن تعمل عملاً وهي تعتقد أنه شرك، فعلمت أنهم يختلفون في فهم الشرك وفي فهم التوحيد، وعندما حققت الأمر وجدت أنهم يختلفون في معنى الإله.
وهذا فعلاً واقع في حياة المسلمين، فإن الخلاف الواقع في كثير من الشركيات القائمة مثل الطواف حول القبور، والذبح لها، والنذر لغير الله ، ونحو ذلك من التأله لغير الله سببه الخلاف في فهم معنى لا إله إلا الله، فمعنى لا إله إلا الله عند السلف الصالح: لا معبود بحق إلا الله، والعبادة هي أعمال وأقوال وإرادات يعملها الإنسان لمن يعظمه، ويذل له، ويحبه، وهذا هو معنى الإله في مدلولها الشرعي كما هو معلوم.
أما أهل البدع والضلالة فإنهم يرون أن (الله) يؤخذ منه صفة وهي الألوهية، ثم إذا جاءوا إلى تفسير (لا إله إلا الله) يفسرون الإله بأنه القادر على الإبداع والاختراع، وهذا هو قول المعتزلة والأشاعرة والصوفية، وهم يوافقون الأشاعرة في أغلب اعتقاداتهم الكلامية، فإن الإله عندهم بمعنى القادر على الاختراع، ولو رجعتم إلى كتب هؤلاء مثل كتاب القاضي عبد الجبار الهمداني -وهو من أئمة المعتزلة- شرح الأصول الخمسة، فإنه ينص على أن الإله معناه: القادر على الخلق والإبداع والاختراع، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات:٣٥].
وكذلك عامة كتب الأشاعرة، مثل كتب الجويني (الإرشاد) أو (لمع الأدلة) أو (الشامل في أصول الدين)، أو كتب الرازي أو أبي حامد الغزالي، أو عامة كتب الصوفية، فلو رجعتم مثلاً إلى (الرسالة) لـ أبي القاسم القشيري تجدون أنه يفسر الإله بأنه القادر على الاختراع، وكذلك إذا تأخرتم قليلاً إلى عبد الوهاب الشعراني فقد ألف كتاباً في عقائد الصوفية سماه: (الدرر والجواهر في عقائد الأكابر) -يعني: أكابر الصوفية- يفسر فيه الإله بأنه القادر
стр. 56
صفة الحياة
صفة الحياة مأخوذة من اسم الله الحي، وقد ورد اسم الله الحي في القرآن في خمسة مواضع: الموضع الأول: في هذه الآية من سورة البقرة.
والموضع الثاني: بداية سورة آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢].
والموضع الثالث: في سورة الفرقان، في قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨].
والموضع الرابع: في سورة طه في قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١].
والموضع الخامس: في سورة غافر في قول الله : ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ﴾ [غافر:٦٥].
هذه خمسة مواضع في اسم الله الحي، ثلاثة منها اقترنت باسمه القيوم، واثنان منها لم تقترن به.
وقد جاء في البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يقول في دعاء له طويل ومنه: (أنت الحي الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون)، فقوله: (الذي لا يموت) في هذا الحديث، وفي قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] (الذي لا يموت) معناه: أنه له الحياة الدائمة، والحياة المأخوذة من اسمه الحي، وهي الحياة التي لا أول لها ولا آخر الحياة الدائمة التي لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه؛ فهو الحي الذي لا أول لحياته، وهو الحي الذي لا نهاية لحياته، فمن كان لحياته أول فهي ناقصة، ومن كان لحياته نهاية فهي ناقصة أيضاً، والحي الدائم الحياة الذي لا يعتري حياته نقص بوجه من الوجوه هو ربنا .
والله وصف الإنسان بأنه حي، ولكن حياة الإنسان تختلف عن حياة الله ، وقد أشرنا من قبل إلى أن الاتفاق في الأسماء لا يقتضي الاتفاق في المسميات، فالله سمى الإنسان حياً، فقال : ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس:٣١].
لا يوجد أحد ينكر حياة الله ، لكن يوجد من يفسرها بغير معناها الصحيح.
مثلاً: الباطنية ينفون عن الله النقيضين، فيقولون: ليس بحي وليس بميت، ويسمون هذا النفي نفي العدم والملكة، فيقولون: الله شيء آخر لا ترد عليه صفة الحياة وصفة الموت؛ لأن من ضمن أدلة أهل السنة على صفة الحياة العقل والنقل، فأما الاستدلال عليها بالعقل، فإنه يقال: لا يمكن أن يوجد إله ليس حياً، لابد أن يكون الإله حياً؛ لأن الحياة من صفة الكمال لله ، وهو أحق بها .
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: فإن الموصوف إذا لم يوصف بالحياة فإنه سيوصف بضدها وهو الموت، إذا قلنا: ليس حياً، فمعنى هذا أنه ميت، إذا قلنا: ليس سميعاً، فمعنى هذا أنه أصم، إذا قلنا: ليس بمتكلم، فمعنى هذا أنه أبكم، وهذا استدلال صحيح على أن الشيء إذا لم يوصف بالكمال فإنه سيوصف بضده ومقابله وهو النقص، فإذا قالوا: الله ليس حياً نقول: إذاً تصفونه بالموت، قالوا: ولا ميت، قلنا: إذاً وقعتم في التناقض، كيف ليس بحي ولا ميت؟ قالوا: لأنه لا يقبل الحياة ولا الموت، فأنت الآن إذا جئت إلى المنديل هل تقول: المنديل حي؟ نقول: لا، هل تقول: إنه ميت؟ نقول: لا، إذاً لا يقبل الموت ولا الحياة، ولهذا نقول: الإله شيء آخر لا يقبل الموت ولا الحياة.
وهذا كلام باطل، وإن كانوا قد أثروا بهذا القول في كثير من المشتغلين بعلم الكلام، إلى درجة أن الآمدي وهو من علماء الأشاعرة في كتابه (أبكار الأفكار)، يقول: إن هذا الدليل صحيح، ولا تستقيم الدلالة العقلية على إثبات حياة لله ، وهذا كلام باطل، فإن الشيء الذي لا يمكن أن يوصف بالحياة ولا الموت أنقص مما يمكن أن يوصف بالحياة فتنفى عنه الحياة، ثم يكون مثلاً أخرس أو غير ذلك، فلو جئنا إلى أعمى حتى -ولله المثلى الأعلى- لكنه أعمى، وقارنا بينه وبين الكتاب، أو بينه وبين الميكرفون، فمن الذي عنده الكمال الذي ليست فيه حياة وهو الميكرفون أو الذي عنده حياة؟
الجواب
ذلك الأعمى الذي عنده حياة، وهذا شيء طبيعي، فإن الحياة كمال.
ومن جهة أخرى: من قال: إن الجمادات لا توصف بالموت ولا بالحياة، فالله قد وصف بعض الجمادات بالموت، فقال عن الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل:٢١] وهي أصنام من حجارة، والله سمى الأرض قبل أن يأتيها المطر: ﴿الأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ [يس:٣٣]، فمع أنها جماد إلا أنه سماها أرضاً ميتة ووصفها بالموت، ثم إن الله قادر على إحياء ما شاء وإماتة ما شاء، فإن الطعام كان يسبح في أيدي الصحابة رضوان الله عليهم، وقد حن الجذع الذي كان يقف عليه رسول الله ﷺ لما تركه وانتقل إلى المنبر، بل وسمع له ص
стр. 57
صفة القيومية
القيوم: هذا الاسم ورد في ثلاثة مواضع، وقد سبق أن أشرنا إليها مع الحديث عن اسمه الحي، والقيوم اسم من أسماء الله يؤخذ منه صفة القيومية، والقيومية صفة لله لها معنيان: المعنى الأولى: القائم بذاته.
والمعنى الثاني: المقيم لغيره.
فالقائم بذاته: معناه: أن الله قائم لا يزول أبداً، وكما أنه قائم بذاته فهو غني عن خلقه.
وأما المقيم لغيره: فهو المقيم لغيره بتدبيره وتصريفه وإنعامه على غيره من مخلوقاته .
فنلاحظ أن هذا الاسم وهذه الصفة تشتمل على صفة ذاتية، وهي القائم بذاته، وتشتمل على صفة فعلية وهي المقيم لغيره.
أما صفة الحياة، فقد سبق أن أشرنا إلى أنها صفة ذاتية؛ لأنها غير متعلقة بمشيئة الله ، فهي ثابتة له ودائمة كصفة العلم والإرادة والقدرة.
وأما القيوم فقد أشرت آنفاً إلى أنها تدل على صفة ذات، وتدل على صفة فعل، فأما الصفة الذاتية فهي بمعنى الباقي، وبمعنى الغني ، وهي من هذه الناحية صفة ذاتية غير متعلقة بالمشيئة.
وأما المقيم لغيره فمعناها: المدبر لشئونهم، فهي صفة فعلية لله ، وإن كان أصلها ذاتي كما هو معلوم في الصفات الفعلية عموماً.
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، هذه من الصفات المنفية، وهي وإن كانت ذاتية إلا أنها من الصفات المنفية، وقد سبق أن أشرنا إلى أن الصفات تنقسم إلى: صفات ثبوتية، وصفات منفية، وهذا يدل على اشتمال هذه الآية لجميع أنواع الصفات.
السِنة: هي النعاس، وهي نوم العين كما يسمونه، والنوم هو ثقل الرأس، وهو نوم القلب، فالله لا تأخذه سنة ولا نوم؛ لكمال حياته وقيوميته.
والقاعدة في الصفات المنفية: أنها تتضمن كمال الضد؛ لأن النفي المحض لا فائدة منه، كما يقول العلماء، فقوله: ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ))، صفة منفية، لكنها راجعة إلى اسمي الله السابقين: وهما الحي والقيوم، ولهذا لم نفردها بصفة خاصة في تعدادنا لصفات الله في هذه الآية.
стр. 58
صفة الملك
ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، هذه تدل على صفة الملك، فالله مالك كل شيء، ومن أسمائه : الملك، ولهذا يقول: ﴿مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:٢ - ٣] في آخر سورة في القرآن وهي سورة الناس، ومن أسمائه: المالك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، ومن أسمائه: المليك، يقول الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥] فهذه ثلاثة أسماء لله تدل على صفة الملك له .
الملك من صفاته ، ومعناه: أن الله مالك لكل شيء، وأمره نافذ فيه، فإنه قد يوجد مالك وأمره غير نافذ في ملكه، لكن الله مالك لكل شيء، وأمره نافذ في ملكه ، وفي هذا رد على الفلاسفة أهل الضلال الذين يقولون: إن الله خلق هذا الكون ثم أهمله، كأنه ليس بملكه.
وقد ناقش أهل العلم مسألة: أيهما أبلغ ملك أم مالك؟ وذكر الشوكاني ﵀ في فتح القدير قولين لأهل العلم، والصحيح: أن ملك أبلغ من مالك، وإن كان معناهما واحد.
وهذا يجرنا إلى الحديث عن الفرق بين ملك ومالك، فنقول: إن ملك صفة ذاتية، وأما مالك فهي صفة فعلية، وقد ذكر ذلك الشوكاني في فتح القدير.
وهذا يدعونا أيضاً إلى الحديث عن مسألة أخرى مهمة، وهي مسألة: هل صفات الله تتفاضل، أو أنها ليست بمتفاضلة؟ هذه المسألة بحثها أهل العلم تبعاً لمسألة: هل آيات وسور القرآن تتفاضل أو ليست بمتفاضلة؟ والتحقيق في هذه المسألة: أن للتفاضل بين آيات القرآن جهتين: الجهة الأولى: غير متفاضلة، وهي كونها من كلام الله جميعاً.
والجهة الثانية: أنها متفاضلة باعتبار الفروق في المعاني والدلالات، فإن الآيات التي وردت في التوحيد وفي الأمر بعبادة الله أعظم من الآيات التي وردت في القصص أو الأحكام، ولهذا كانت سورة الفاتحة أعظم سورة؛ لاشتمالها على معاني التوحيد، وكذلك سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن.
ويمكن أن نورد كلاماً لـ شيخ الإسلام ﵀ بحث فيه مسألة تفاضل أسماء الله ضمن بحثه لتفاضل القرآن، فبعد أن انتهى من الحديث أن القرآن يتفاضل، قال: [وقول من قال: صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك.
قول لا دليل عليه، بل هو مورد النزاع، ومن الذي جعل صفة الرحمة لا تفضل على صفة الغضب؟! وقد ثبت عن النبي ﷺ : (إن الله كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)، وهذا يدل على أن الصفات تتفاضل، وفي رواية: (تسبق غضبي)، وصفة الموصوف من العلم والإرادة والقدرة والكلام والرضا والغضب وغير ذلك من الصفات تتفاضل من وجهين: أحدهما: أن بعض الصفات أفضل من بعض، وأدخل في كل الموصوف بها -لعله في كمال الموصوف بها- فإنا نعلم أن اتصاف العبد بالعلم والقدرة والرحمة أفضل من اتصافه بضد ذلك، لكن الله تعالى لا يوصف بضد ذلك، ولا يوصف إلا بصفات الكمال، وله الأسماء الحسنى يدعى بها، فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى، وأسماؤه متضمنة لصفاته، وبعض أسمائه أفضل من بعض، وأدخل في كمال الموصوف بها، ولهذا في الدعاء المأثور: (أسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر)، ولقد دعا الله -عندما قال النبي ﷺ : (لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى) وأمثال ذلك، فتفاضل الأسماء والصفات من الأمور البينات].
هذا واضح على أن الصفات من حيث معانيها بعضها أفضل من بعض، ولهذا استدل الشيخ على تفاضل صفات الله بدليلين: الدليل الأول: (إن رحمتي سبقت غضبي) وهذا يدل على فضل صفة الرحمة على صفة الغضب، وإن كان الموصوف بها واحد، وإن كانت جميعاً هي صفات كمال، لكن هي في الكمال متفاوتة، ولهذا أسماء الله تدل على أن صفاته متفاوتة أيضاً، فمنها الاسم الأعظم كما هو معلوم.
والثاني: أن الصفة الواحدة قد تتفاضل، فالأمر بمأمور يكون أكمل من الأمر بمأمور آخر، مع أن الصفة واحدة وهي الأمر، والرضا عن النبيين أعظم من الرضا عمن دونهم، مع أنها صفة واحدة وهي الرضا، والرحمة لهم أكمل من الرحمة لغيرهم، وتكليم الله لبعض عباده أكمل من تكليمه لبعض، وكذلك سائر هذا، وكما أن أسماءه وصفاته متنوعة فهي أيضاً متفاضلة، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع مع العقل، وإنما شبهة من منع تفاضلها من جنس شبهة من منع تعددها؛ وذلك يرجع إلى نفي الصفات؛ لأنهم يعتقدون أننا إذا قلنا: إن صفات الله متفاضلة، فمعنى هذا: أننا نعيب بعض الصفات، وهذا خطأ في الفهم، وكذلك الذين يقولون: إن صفات ا
стр. 59
ملك الشفاعة
أما قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهو يدل على ملك الشفاعة؛ وذلك من وجهين: الوجه الأول: أن الشفاعة التي كان يدعيها المشركون هي: أن هذه الآلهة المعبودة تشفع عند الله بدون إذنه، فتصوروا أن الإله مثل خلقه، ثم جعلوا لآلهتهم من الاحترام والتقدير ما يجعل الإله يتنازل عما يريد لهذه الآلهة، وهذا قدح فيما ملك الله ، فإنكم تعلمون أن الشفاعة تكون بغير الإذن في الغالب، وتكون لمن عزم على شيء ثم أبطله من أجل الشافع، وهذا لا يمكن أن يكون في صفات الله .
هذا من جهة.
ومن جهة ثانية: فإن الله مالك لكل شيء حتى الشفاعة التي هي من الخير، فمع كونها من الخير إلا أن الله مالكها، وهذا يبين سعة ملك الله .
قوله: ((إِلَّا بِإِذْنِهِ)) يدل على أن هناك شفاعة تكون يوم القيامة بإذن الله ، وهي تكون لمن رضي له قولاً وهو الموحد؛ لأن الله لا يقبل الشفاعة في المشرك أبداً، وفي هذا الرد على المعتزلة والخوارج الذين ينفون شفاعة الله ، وسيأتي الحديث عنهم -إن شاء الله- في الحديث عن اليوم الآخر.
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، هذه هي صفة العلم، وسيأتي الحديث عنها فيما بعد.
أما قوله: ((وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ))، فقوله: ((إِلَّا بِمَا شَاءَ)) فيه صفة المشيئة وأيضاً سيأتي الحديث عن صفة المشيئة بإذن الله تعالى؛ حيث ذكر الشيخ مجموعة من الآيات تتعلق بها كثير من المسائل.
стр. 60
إثبات الكرسي وبيان المراد به
قال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، الكرسي هو مخلوق من مخلوقاته العظيمة وهو غير العرش؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ قال: (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة)، فهذا يدل على أن الكرسي غير العرش، وأنها جميعاً مخلوقة وليست من صفات الله ، لكنها موضع قدمي الرب ، فقد ثبت في السنة لـ عبد الله ابن الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الكرسي موضع قدمي الرب ، ولا يقدر قدره إلا الله.
ففي هذا الأثر عن ابن عباس فائدتان: الفائدة الأولى: أن الكرسي غير العرش.
والفائدة الثانية: أن الكرسي هو موضع قدمي الرب ، وهذا روي مرفوعاً وموقوفاً، والصحيح الموقوف، فإن المرفوع لم يثبت، ولكن هذا الموقوف له حكم الرفع؛ لأنه من الكلام في صفات الله ، ولا يمكن أن يتكلم ابن عباس في صفات الله برأيه، وإنما يكون ذلك من كلام النبي ﷺ .
وفي هذا أيضاً رد على الذين أولوا الكرسي بأنه علم الله ، وهذا خطأ، فإن الكرسي مخلوق من مخلوقات الله ، وهو موضع قدمي الرب ، كما سبق في الأثر عن ابن عباس ﵄، فمن أوله بالعلم فقد ابتدع إلا إذا كان من أهل السنة، وكانت عنده شبهة فإنه يكون قد أخطأ، كما حصل للطبري رحمه الله تعالى.
قال: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥]، أي: لا يعجزه أو لا يتعبه .
فقوله: ((وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا))، هذه من الصفات المنفية التي تدل على كمال الضد، وهي صفة القدرة، وسيأتي الحديث عنها مفصلاً عند صفة القدرة؛ لأنها تتعلق بها مسائل كثيرة جداً.
قوله: ((وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا))، يشبه قول الله : ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، واللغوب هو التعب، وقد سبق أن بينت أن هذه الصفات المنفية تدل على كمال الضد، فـ: ((لا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا)) يعني: لا يتعبه ولا يعجزه حفظهما؛ لكمال قوته وقدرته ، وكذلك: ((وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ))، يعني: وما مسنا من إعياء وتعب؛ لكمال قدرته .
((وَهُوَ الْعَلِيُّ)) العلي اسم من أسماء الله يتضمن صفة العلو لله .
والعلو لله ثلاثة أنواع: علو القهر، وعلو القدر، وعلو الذات، وسنفرد لها إن شاء الله بالحديث لاحقاً.
стр. 61
صفة العظمة
قوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فيه إثبات صفة العظمة لله ، وهي صفة ذاتية له ، وبعض المفسرين فسر العظيم بمعنى المعظم الذي يعظِّمه خلقه، وهذا التفسير باطل غير صحيح؛ لأنه لو كان معناه كذلك؛ لوجب أن يكون غير عظيم قبل خلقه، أو غير عظيم بعد خلقه وإذا زالوا جميعاً، وهذا كله باطل، فإن الله عظيم قبل خلقه وعظيم بعد فناء خلقه، فهو عظيم في كل وقت وحال، فلا يصح إذاً تفسير العظيم بأنه المعظم من خلقه، وإن كان هذا من لوازم الصفات، فهو عظيم في ذاته قبل خلقه وبعد خلقه، وأيضاً يعظمه خلقه ، لكن الاقتصار على تفسير الصفة بأنه المعظم عند خلقه وعدم إثبات الصفة له ، فلا شك أن هذا خطأ وغير صحيح.
стр. 62
الأسئلة
стр. 63
الموقف من إحداث تقدير كلمة (بحق) في خبر (لا إله إلا الله)
السؤال
هل تقدير قول: (لا إله بحق إلا الله) من ألفاظ السلف أم أنها لفظة مستحدثة للرد على الخصوم؟
الجواب
هذا التقدير معناه صحيح، ولا يشترط أن يذكر السلف هذا الكلام بنصه ما دام أن معناه صحيح وأنه حق؛ لأن السلف كانوا يفهمون من قوله: لا إله إلا الله يعني: لا معبود بحق إلا الله، ولهذا ينظر كيف كانت التعبيرات الواردة عن السلف مثل ابن عباس وقتادة، لكن لما تحدث الناس في اللغة وأعربوا هذه الآية، وجدوا أن هناك خبراً محذوفاً فاختلفوا في تقديره، وسبق أن بينا التقدير الصحيح في هذا.
стр. 64
الشيوعيون وموقفهم من إثبات وجود الله تعالى
السؤال
أشكل علي قولكم: إنه لا أحد ينكر وجود الله وأنه مستحق للعبادة مع وجود مقولة الشيوعيين: (لا إله والحياة مادة)؟
الجواب
الحقيقة أن المذهب الشيوعي وإن كان يعلن إنكاره للإله إلا أنه في حقيقة الأمر لا ينكره؛ لأنه يسند هذا الخلق إلى الطبيعة، فهم غيروا اسم الإله، بدل أن يقولوا: الله، قالوا: الطبيعة، وقد هربوا من نسبة الخلق لله لسببين: السبب الأول: الضغط الكبير الذي واجهه الناس من الكنيسة الغربية النصرانية.
والسبب الثاني: هو دخول اليهود في الفساد العقائدي كما تعلمون؛ بحيث إنهم نشروا الإلحاد، وكارل ماركس زعيم الشيوعية أصله يهودي كما هو معلوم، فهؤلاء في الحقيقة لا ينكرون وجود الله ، بل هم يثبتونه، لكن بغير اسمه.
стр. 65
إيضاح المراد بتفسير (الرحيم) بذي الرحمة الواصلة
السؤال
ذكر الشيخ ابن عثيمين حفظه الله أن معنى الرحمن، أي: صاحب الرحمة الواسعة، والرحيم: صاحب الرحمة الواصلة، فما معنى الرحمة الواصلة؟
الجواب
لعل الشيخ يقصد بالرحمة الواصلة يعني: الرحمة التي تصل إلى خلقه، وهذا هو التحقيق في الفرق بين اسم الله الرحمن والرحيم، فإن الرحمن صفة ذاتية، والرحيم صفة فعلية، فيقصد بالواصلة التي تصل إلى خلقه؛ لأن الفعل يصل إلى الخلق كما هو معلوم، وإنما أتى بكلمة الواصلة؛ لأنها متناسبة مع الواسعة، وإلا فمعنى الواصلة كما يظهر لي أن معناها التي تصل إلى خلقه فهي صفة فعلية، وهذا التحقيق ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى.
стр. 66
حكم إطلاق لفظ (العقل الإلهي) على الله تعالى
السؤال
ما حكم إطلاق لفظ العقل الإلهي على الله ؟
الجواب
لا يصح أن يطلق لفظ العقل الإلهي على الله ، فإن الله موصوف بصفات الكمال، وهذا في الأصل مصطلح فلسفي، فإن الفلاسفة يقولون: إن العلة الأولى صدر عنها عقل ونفس فتزاوجا، فصدر عنهما عقل ونفس، إلى عشرة عقول وأنفس، ثم إلى العقل الفعال وهو العاشر، ومن العقل الفعال نتج هذا الكون المشاهد الآن نتوج المعلول من علته، فهو اصطلاح غير صحيح، لكن يوجد مثلاً بعض الكُتَّاب قد يستخدم بعض العبارات في خطابه لطائفة من الفلاسفة أو غير ذلك؛ ليدلل على بطلان قولهم، لكن الصحيح أنه لا يصح أن يوصف الله بهذا على سبيل التقرير.
стр. 67
معنى تباين الأسماء والصفات بالنظر إلى ذواتها وترادفها بالنظر إلى الذات الإلهية العلية
السؤال
ما معنى قول العلماء: إن أسماء الله وصفاته هي بالنظر إلى الذات من قبيل الترادف، وبالنظر إلى الصفات من قبيل التباين؟
الجواب
أسماء الله متعددة، فهي بالنظر إلى الله مترادفة؛ لأن الله واحد، وهذه أسماء متعددة، فهي أسماء لإله واحد، فهي مترادفة من هذه الجهة، ولكن من جهة المعاني متباينة مختلفة، وليس المقصود التباين كله، وإنما المقصود التباين بمعنى اختلاف المعاني، فالرحمة تختلف عن الحياة تختلف عن العلم تختلف عن القدرة وهكذا.
стр. 68
بيان المراد بالمفاضلة بين اسمي الملك والمالك
السؤال
علمت أن اسم الله الملك أفضل من المالك؟
الجواب
ليس معنى أفضل يعني: أن الاسم الثاني مفضول بمعنى النقد مثلاً، وإنما المقصود أن هذا أدل على معنى الملك من ذاك.
وهناك قراءة في الفاتحة بـ (ملك يوم الدين)، ولكنها ليست رواية حفص عن عاصم، فإذا كنت تقرأ برواية حفص عن عاصم اقرأ: (مالك يوم الدين)، وإذا قرأت لمن يقرأ: (ملك يوم الدين) فالتزم قراءته، فإن التنقل في القراءات غير صحيح.
стр. 69
حكم الحاكم بغير ما أنزل الله
السؤال
أشكل علي قولكم بأن من يحكم بالقوانين الوضعية من المسلمين ولو كان يعتقد أنها حرام أو أنها لا تنتفع أنه كافر، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال: ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، أليس هذا تفصيلاً من رب العالمين، وقد قرأت في شرح الأصول الثلاثة لفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في هذا الموضوع تفصيلاً في الحكم بغير ما أنزل الله على ثلاث حالات: أنه يكفر إن كان يعتقد بأنها أفضل من حكم الله.
أنه ظالم وليس بكافر إن كان لا يعتقد أنها أفضل من حكم الله.
أنه فاسق وليس بكافر إن كان حكم بالقوانين محاباة من أجل رشوة أو غيرها.
أرجو منكم تبيين هذا الأمر؟
الجواب
الحكم بغير ما أنزل مسألة كبيرة من مسائل الشرع، وقد اختلف فيها الناس اختلافاً كبيراً، والحكم بغير ما أنزل الله نوعان: نوع منه معصية وفسق لا يخرج عن الإسلام، ومن قال بأنه يخرج عن الإسلام فهو من الخوارج.
ونوع يخرج عن الإسلام وهو كفر بالله رب العالمين.
فأما النوع الذي لا يخرج عن الإسلام فهو كحال القاضي الذي يقضي بين الناس بكتاب الله وبسنة الرسول ﷺ ، ثم يحكم في بعض المسائل بهواه وشهوته، فهذا لا شك أنه ليس بكافر، وليس بخارج عن الإسلام إلا إذا استحل هذا الحكم واعتقد أنه حلال.
النوع الثاني من الحكم بغير ما أنزل الله: هو الحكم بغير ما أنزل الله المخرج عن الإسلام، وهذا بعضه متعلق بعقيدة الإنسان، كأن يحكم بغير ما أنزل الله، ويعتقد أنه أفضل من حكم الله فهذا كافر، أو يعتقد أنه مساوٍ لحكم الله فهذا كافر، أو يعتقد أن هذا الحكم مع أنه بغير ما أنزل جائز فهذا كافر.
والنوع الثاني من الحكم المخرج من دين الله : هو الحكم بالقوانين الوضعية، وتبديل أحكام الشرع، وتنحية الشريعة، والإتيان بهذه القوانين الوضعية بدلاً عنها، فهذا الفعل حتى ولو كان لا يعتقد أنها مثل حكم الله، أو أنها أفضل من حكم الله، أو أنها مساوية لحكم الله، وحتى لو لم يكن مستحلاً لها، وإنما هو يرى أن هذا الفعل في ذاته حرام: فهذا كفر مخرج عن الإسلام.
والفرق بين فعل القاضي الذي اعتبرناه معصية، وبين الحكم بالقوانين الوضعية: أن القاضي يحكم بشريعة الله ولم يبدل أحكام الدين، حتى لو حكم بشهوته وهواه في مسألة من المسائل، فإنه لم يبدلها، ولم يجعل هذا الحكم عاماً على كل المسلمين، وإنما في مسألة لهواه، أو لقرابة، أو لأي أمر من الأمور، حتى ولو كثرت هذه منه فهي معصية من المعاصي.
أما القانون، فمعنى كلمة قانون: قاعدة مستمرة تنطبق على كل الناس، مثلاً: حكم الله في الزاني أنه إذا ثبت عليه الزنا وكان غير متزوج فإنه يجلد، وإذا كان متزوجاً يرجم، فإذا جاء شخص وبدل حكم الله وقال: لا، إذا كان متزوجاً أو غير متزوج فإنه لا يرجم، وإنما يسجن ويعاقب أو يغرم بمال.
هذا كفر مخرج عن الإسلام ما فيه شك؛ لأنه تغيير لحكم الله ، وهذا هو حقيقة الاستحلال حتى لو قال: أنا غير مستحل، فإنه كذاب؛ لأن تغيير الحكم في ذاته استحلال، فالمغير المبدل لشريعة الله كافر، والذي يحكم به كافر أيضاً، والذي يتحاكم إليه مع رضاه به واختياره في ذلك كافر أيضاً؛ لرضاه بالتحاكم إلى غير شرع الله .
وهذا الكلام ليس بدعاً أتيت به من عندي، وإنما هو كلام أهل العلم، وآخر أهل العلم الذين تحدثوا عن هذا الموضوع بشكل مفصل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى، له رسالة اسمها: تحكيم القوانين، فإنه ذكر الحكم بغير ما أنزل الله المخرج من الملة، ثم ذكر المعتقد، فقال: إذا اعتقد أنها أفضل من حكم الله هذا نوع، وإذا اعتقد أنها مساوية لحكم الله فهذا نوع، إذا اعتقد أنها حلال فهذا نوع، ثم جعل نوعاً خاصاً غير هذه الأنواع وهو الحكم بالقانون الوضعي، واعتبره من الكفر الأكبر؛ لأن هذا إلغاء لدين الله وإلغاء للشريعة، وهو في الحقيقة طي لبساط الشريعة عندما تلغي وتنصب محاكم في الأموال والدماء والعلاقات في أي أمر من الأمور، وتقصر دين الله في الأحوال الشخصية: هذا كفر بين لا إشكال فيه، فلو رجعتم إلى رسالة الشيخ ستجدون أنها مفصلة.
هذا من جهة.
ومن جهة ثانية: فإن الله قد كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم اتبعوا التبديل -أما المبدل والمغير فلا شك في كفره- فالله يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، لماذا اتخذوهم أرباباً من دون الله؟ ورد في حديث عدي بن حاتم: (أنهم يحلون لهم الحرام فيتبعونهم)، والاتباع عمل وليس اعتقاد، يقولون: هذا حلال وهو حرام فيتبعونهم عليها.
وحتى لا يكون كلامنا نظري، فإن الواقع هو أن القوانين الوضعية الموجو
стр. 70
الصفات وعدم انحصار أخذها من الأسماء
السؤال
هل صفات الله تنحصر في أسمائه، أم أن هناك صفات زائدة عن أسمائه؟
الجواب
الصفات لا تنحصر في الأسماء، بل هناك صفات زائدة على أسمائه مثل صفات الفعل: النزول الإتيان، أو من بعض صفات الذات مثل اليدين والعينين ونحو ذلك، وهي ليست مأخوذة من أسماء الله .
стр. 71
حكم الإخبار عن الله بأنه موجود
السؤال
هل كلمة (موجود) تقتضي أن يكون الشيء الموجود في حيز من المكان والزمان، ونحن نعلم يقيناً أن الله قائم بذاته لا يحتاج إلى زمان ولا إلى مكان، فهل يليق بجلاله أن نقول: إن الله موجود، أم أن هناك لفظاً آخر، ويجب أن نستخدم غير هذا اللفظ؟
الجواب
لا شك أن الله هو الأول قبل الزمان والمكان، وهو الآخر ، لكن لا يعني هذا أنه لا يقال: موجود، يمكن أن يخبر عنه بأنه موجود، لكن ليس من أسمائه الموجود؛ لأن أسماءه حسنى، ولفظ الوجود ليس فيه معنى حسن زائد على مجرد وجود الشيء.
стр. 72
تفاضل الصفات ودلالته
السؤال
هل يكون التفضيل في الصفات والآيات من خبر الرسول ﷺ فقط؟
الجواب
صفات الله متفاضلة من حيث معانيها كما سبقت الأدلة على هذا، لكن لا يعني هذا أن الصفة المفضولة نقص، بل هي صفة كمال، وهي حسنى بلغت الغاية في الحسن، لكن تلك الصفة بلغت أعلى منها، فليس في هذا أي نقص لصفات الله .
стр. 73
حكم الخروج من المسجد بعد الأذان
السؤال
ما حكم الخروج من المسجد بعد الأذان؟
الجواب
ورد في خبر عن أبي هريرة ﵁: أنه رأى رجلاً خرج من المسجد، فقال: لقد عصى أبا القاسم.
стр. 74
حكم إثبات الصفات بالعقل
السؤال
هل هناك صفات لله تثبت بالعقل فقط؟
الجواب
لا يمكن أن تكون هناك صفة تثبت في العقل فقط ولم ينص عليها القرآن أبداً، لكن نحن عندما نستدل على بعض الصفات بالعقل هو من باب دلالة القرآن عليها فقط، ولسنا بحاجة إلى أن نستدل على صفات الله بالعقل، وإنما نحن مؤمنون بكلام الله .
стр. 75
حكم تفسير الإله بالحاكم في كلمة التوحيد
السؤال
هل يصح أن تفسر لا إله إلا الله، بأن معناها: لا حاكم إلا الله؟
الجواب
إذا كان يقصد لا حاكم إلا الله، يعني: أن الأمر بيد الله ، وأن الحكم بيد الله فيجوز، فإن الحكم لله ؛ لأن الحكم نوع من أنواع العبادة يجب أن يكون خاصاً لله ، ولهذا أخبر الله أن الحكم له فقط: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فدل على أن الحكم من العبادة، فلاحظوا معنى الحكم والعبادة، الحكم نوع من أنواع العبادة، كما أن الذل والخضوع نوع آخر، فالحكم ليس خارجاً عن العبادة.
следующие страницы →