← Акыда

Акыда · id 37802

شرح العقيدة الواسطية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حكم الصلاة خلف من يعتقد أن الله في كل مكان السؤال هل تجوز الصلاة خلف من يعتقد أن الله في كل مكان، علماً بأنه صوفي؟ الجواب إذا كان يعتقد أن الله في كل مكان وأنه على عقيدة ابن عربي فلا تجوز الصلاة خلفه؛ لأنها بدعة كفرية.

стр. 247

صفة الاستواء بين كونها ذاتية أو فعلية السؤال هل صفة الاستواء من الصفات الفعلية أو من الذاتية؟ الجواب من الصفات الفعلية؛ لأنه تعالى قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤].

стр. 248

حكم من يرى أن الأطفال لا يدرسون الآيات التي فيها ترهيب السؤال ما رأيكم في شخص يزعم أنه مسلم ويرى أن الأطفال من المفترض ألا يدرسوا الآيات التي فيها ترهيب نحو سورة المسد؟ وهل يعد هذا من الزنادقة؟ الجواب بعض الأحيان قد يكون الشخص جاهلاً وفيه حمق، فيظن أن هذه الآيات فيها تخويف للأطفال، فيقول: من الممكن أن ندرسهم هذه الآيات، لكن الآن وفي البداية لا ينبغي أن ندرسهم هذه الآيات، وكلامه ليس عن سوء قصد، لكن عن ضعف تفكير، فمثل هذا لا يلزم أن يكون زنديقاً، لكن بعضهم خبيث النية والطوية؛ وهو يريد أن يقول: لا تعلموا الأطفال القرآن، لكن لا يستطيع أن يقولها بهذا النص، فيقول -مثلاً-: لا تعلموهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٥]؛ لأنها صعبة ولا يفهمونها، ولا يعرفها الطفل المسكين، وهو يقصد لا تعلمون الأطفال القرآن؛ بغضاً لهذا الدين والعياذ بالله! فمثل هذا لا شك أنه من الزنادقة، ونعرفه بقول الله : ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]، أعوذ بالله!

стр. 249

حكم الموالد وما يقال فيها من أشعار السؤال وزع في أحد الموالد شريط لبعضهم، وكان فيه أبيات شعرية منها: لو أنفقت عمري في محبة الرسول كان ذلك أصل إكرامي وإسعادي فما رأيكم في هذا البيت؟ الجواب لا شك أن الموالد من البدع المحدثة في دين الله ، وأما هذا البيت ففيه شيء من الغلو، ومعناه العام فيما يظهر أنه لا إشكال فيه، لكن يوجد عندهم أبيات أخطر من هذا يرددونها في الموالد وفي كتبهم؛ يستغيثون فيها بالرسول ﷺ ويطلبون منه المدد!

стр. 250

العقيدة الواسطية [١١] من صفات الله تعالى الثابتة بالمتوافر من نصوص الوحي صفة معيته لخلقه مع استوائه على عرشه ومباينته لخلقه, ويعتقد أهل السنة ثبوتها بأقسامها, خلافًا لمنكري ذلك من المنحرفين عن جادة إثبات ما نطقت به النصوص, كما أن من صفات الله تعالى العظيمة صفة الكلام المتضمنة إثبات الكمال لله تعالى, وقد ضل فيها طوائف عديدة, وخالفوا أهل السنة في اعتقاد ظاهرها كما أخبر الله تعالى به عن نفسه بما يدل على إثبات أن الكلام بحرف وصوت ليس بمعنى نفسي ولا بمخلوق.

стр. 251

معية الله وأدلة إثباتها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: ففي الدرس الماضي انتهينا من الكلام على صفة الاستواء والعلو بشيء من الاختصار، وإلا فصفة العلو أفردت بكتب مستقلة، ومن أفضل هذه الكتب التي نقلت آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ وكلام السلف الصالح رضوان الله عليهم كتاب: (اجتماع الجيوش الإسلامية لغزو المعطلة والجهمية) لـ ابن القيم رحمه الله تعالى. وفي هذا الدرس سنتحدث - بإذن الله تعالى - عن موضوع معية الله . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]. وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]. ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. وقول: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]. ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]. ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]]. هذه الآيات جميعاً هي في إثبات معية الله ، والله مستوٍ على عرشه، وهو في العلو ، وفي نفس الوقت هو مع خلقه، هذه المعية التي نثبتها بمقتضى النصوص الشرعية هنا هي معية العلم والقدرة. والمقصود بعلو الله : هو علو القهر، والقدر، والذات، فليست المعية الواردة في هذه الآيات هي معية الذات، بل هي معية العلم، والإمام أحمد ﵀ عندما صنف كتابه: (الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله) ذكر جملة من آيات المعية، وبين أن هذه الآيات فُهمت عند الجهمية على غير وجهها، فإن الجهمية ظنوا أن هناك تعارضاً بين آيات إثبات العلو لله ، وبين الآيات التي فيها معية الله ، وهي الآيات التي تقدمت آنفاً. وبين رحمه الله تعالى: أن المعية في هذه الآيات ليس المقصود بها (المخالطة) وأن الله مخالط للخلق بذاته، وإنما المقصود: أن الله مستوٍ على عرشه، وهو عالٍ عليهم، وأيضاً: هو معهم بعلمه وإحاطته وقدرته وسلطانه ؛ ولهذا لما ساق آية المجادلة قال: إن هذه الآية بدئت بالعلم وختمت بالعلم، فإن بداية الآية قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] فبدأ بالعلم وختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، فدل ذلك على أن قول الله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] أن المقصود بها: معية العلم والإحاطة، وأن المعية لا تقتضي المخالطة بالذات، كما فهم الجهمية. والآيات التي تقدمت جميعاً تدل على المعية، ويمكن أن نحدد موطن الشاهد من كل آية: الآية الأولى: قول الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] والاستواء على العرش فيه إثبات العلو. وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، فقوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) هذا هو موطن الشاهد من الآية الذي يدل على إثبات معية الله ، والمقصود بهذه المعية هنا: معية العلم والقدرة. وأما الآية الثانية: فسبق أن حددنا موطن الشاهد منها وبينا معناها. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، والمقصود أيضاً بالمعية هنا: معية ا

стр. 252

أقسام المعية والمعية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: معية عامة، وهذه المعية العامة تكون للمخلوقات جميعاً، تكون للبر والفاجر والمؤمن والكافر، والصالح والطالح، تكون لجميع المخلوقات. ومن الأدلة على هذه المعية قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، فهذه الآية تدل على أن الله مع كل المخلوقات بعلمه وقدرته . القسم الثاني من المعية: المعية الخاصة، وهذه المعية الخاصة هي معية الله مع المؤمنين، يمثل هذه الآية قوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] وغيره من الآيات التي تدل على هذا. وبعض العلماء الذين شرحوا هذه العقيدة قسموا المعية الخاصة إلى قسمين، فقالوا: إن المعية تنقسم إلى قسمين: معية مطلقة، وهي المعية العامة، ثم المعية الخاصة، ثم قسموا الخاصة إلى قسمين: معية لوصف، ومعية لشخص، فالمعية التي تكون للوصف هي مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل:١٢٨] فالذين اتقوا، هنا وصف، يشمل فلاناً وفلاناً وفلاناً من المتقين في كل زمن وفي كل مكان. وأيضاً كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، والصبر: وصف، يشمل أعداداً كبيرة من الناس الذين يتحقق فيهم هذا الوصف، وكقوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وهذه المعية أيضاً هي معية الوصف أيضاً، وأما المعية المتعلقة بالشخص فهي مثل قول الله : ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] قال ذلك الرسول ﷺ لصاحبه أبي بكر كما يدل على ذلك سياق الآية من بدايتها، وكقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، والمقصود بالضمير في قوله: (معكما): مع موسى وهارون، فهي معية متعلقة بشخص. والحقيقة: أن المعية الخاصة تشمل معية الوصف، وهو الأصل في هذه المعية الخاصة، ثم المعية التي تكون مقيدة بشخص هي ناتجة عن تلك المعية، وهما بمعنى واحد. فالمعية المطلقة معناها: أن الله مع كل المخلوقات بعلمه، فلا يكون في هذا الكون شيء لا يعلمه الله، وهو مع هذه المخلوقات بقدرته، فلا يكون في هذه المخلوقات شيء لا يقدر عليه الله، وهو مع هذه المخلوقات بسلطانه، فلا يمكن أن يوجد شيء ليس لله سلطان عليه، فكل شيء الله قادر عليه، وهو عالم به. وأما المعية الخاصة فهي تتضمن المعنى الذي في المعية العامة وزيادة، وهذه الزيادة هي النصرة والتأييد والإحاطة والعناية والتوفيق والتسديد ونحو ذلك. إذاً: المعية الخاصة تتضمن ما في المعية العامة من المعاني؛ فهي تشمل أن الله يعلم كل شيء، وأن الله قادر عليه، وأنه من سلطان الله الذي يتصرف فيه كيفما يشاء، ومن كانت له معية خاصة يزاد على ذلك أن الله ينصره، وأن الله مؤيده، وأنه مسدد ونحو ذلك.

стр. 253

دفع شبهة منكري العلو في احتجاجهم بآيات المعية وقد استدل الجهمية -كما سبق- بهذه الآيات على نفي العلو، واستدلالهم باطل؛ فإن القرآن لا يمكن أن يتناقض أبداً، فالآيات والأحاديث التي فيها إثبات العلو يقال: إن هذا العلو ثابت لله ، وإنه عالٍ على الخلق بقهره وقدرته ، وهو عالٍ ذاته أيضاً، وهو كذلك مع الخلق بعلمه وقدرته، ومع بعضهم بتأييده ونصره بل إن هذه المعية التي أثبتها الله لا تقتضي المخالطة بأي وجه من الوجوه، ويدل على هذا عدة أمور: الأمر الأول: أن الله أثبت لنفسه العلو، فدل هذا على أنه عالٍ على خلقه بعلمه وقدرته. والأمر الثاني: أن هذه النصوص التي فيها إثبات أن الله مع خلقه لا يلزم منها المخالطة لا عقلاً ولا لغةً. فأما عقلاً أو حساً: فإنك تقول: سرنا والقمر معنا، وهو في العلو، وليس مخالطاً لك. وأما في اللغة: فإن المعية لا تقتضي المخالطة أبداً بأي وجه من الوجوه، فإنه يصح كما قلت لغة أن تقول: سرت والقمر معنا، وهذا صحيح لغة، مع أنه غير مخالط لك. وقد تحدث أهل العلم كثيراً عن هذه الصفة من صفات الله ، أعني: صفة المعية، وسيأتي لها حديث إن شاء الله مستقلاً بعد مجموعة من الصفات. وبعد الحديث عن وسطية هذه الأمة، وسنتكلم عن هذه الصفة بشكل أكبر.

стр. 254

صفة الكلام وأدلة إثباتها قال رحمه الله تعالى: وقوله: [﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]. ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٦]. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]. وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]. ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]. ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]. ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]. وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠]. ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢]. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]. ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥]. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح:١٥]. ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧]. وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢]. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]. ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١]. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢]. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]]. هذه الآيات جميعاً متعلقة بصفة كلام الله ، وكلام الله صفة من صفاته، وهو من الصفات الفعلية، فهو يتكلم متى شاء، وفي أي وقت شاء، وفي أي زمان شاء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكلامه بحرف وصوت، كما يدل على ذلك جملة من الآيات والأحاديث النبوية. وهو تكلم قديماً، وما زال يتكلم، وسيتكلم في الآخرة ، وهو يتكلم في أي وقت يشاء، وفي أي زمان يشاء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. وقد جاءت التعبيرات عن صفة الكلام بأكثر من وجه: فجاءت بصيغة الحديث، كقول الله : ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]. وجاءت بصيغة القول، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾ [المائدة:١١٦]. وجاءت بمسمى الكلام أو باسم الكلام كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١١٥]، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]. وجاءت أيضاً بصيغة النداء، فالنداء من الكلام، كقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم:٥٢]، وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء:١٠]، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، فهذه الأربعة الأنواع جاءت جميعاً تدل على صفة الكلام لله . والذي يدل على أن الله يتكلم بحرف وصوت: أن مسمى الكلام في

стр. 255

الطوائف المنكرة لصفة الكلام والرد عليها وهذه الصفة الجليلة مع وضوحها وأهميتها ومكانتها إلا أن طوائف من المبتدعة أنكرتها. والعقل يثبت هذه الصفة، وقد استدل الله في القرآن بطرق عقلية على إثبات صفة الكلام، ومنها: أن الله ذم وعاب آلهة المشركين بأنها لا تتكلم، فلو كان الله سبحانه لا يتكلم لما كان هناك معنى لعيب آلهة المشركين، فالله يقول حاكياً عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]، هذا في السمع والبصر، ولما ذكر الله العجل الذي عبده بنو إسرائيل قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٨] (لا يكلمهم) يعني: لا يتكلم معهم، وهكذا آلهة المشركين نفى الله عنها صفة الكلام، فدل ذلك على أن من نفيت عنه صفة الكلام فهو ناقص، وبالتالي: تدل على أن الله موصوف بصفة الكمال وهي: صفة الكلام. إذاً: فالكلام صفة كمال يتكلم متى شاء كيف شاء، ولكن مع وضوح هذه الصفة ومع أهميتها ومكانها وتعلقها بالقرآن إلا أنه وجد من أنكرها من أهل البدع، فظهرت الجهمية وقالت: إن الله لا يتكلم، ولما سئلوا عن القرآن الذي هو كلام الله؟ قالوا: هذا مخلوق من مخلوقات الله وليس صفة من صفات الله . وبناءً على هذا قالوا: إن القرآن من مخلوقات الله التي يخلقها وإنه مثل سائر المخلوقات، وإنه مثل البشر ومثل الشجر والحجر ونحو ذلك من مخلوقات الله ، ومن هنا جاءوا بفكرة أن القرآن مخلوق، ودُعي إليها في زمن المأمون، وأوذي بسببها الإمام أحمد وسجن وضرب وأوذي وصبر، ثم كانت النتيجة لأهل السنة ولله الحمد، فظهرت السنة. وكان الناس في وقت الإمام أحمد على قولين: قول يقول: (إن القرآن كلام الله، وإن كلام الله صفة من صفاته، وإنه يتكلم متى شاء وكيف شاء وفي أي وقت شاء)، وهذا هو مذهب أهل السنة وهم عامة الأمة. والقول الثاني: قول الجهمية والمعتزلة الذين قالوا: إن الله لا يتكلم متى شاء وكيف شاء، وإن القرآن مخلوق، وإن كلام الله ليس صفة من صفاته، بل هو مخلوق من مخلوقاته، يخلقه الله في الهواء أو يخلقه في إنسان أو يخلقه في أي شيء من الأشياء، فهو ليس صفة وإنما هو مخلوق! وكانت الحرب كبيرة بين أهل السنة الذين يستدلون بالنصوص الشرعية وبين هؤلاء الجهمية الذين يخالفون النصوص الشرعية، والذين كفرهم السلف، وقالوا: من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر، وبين السلف الصالح رضوان الله عليهم سبب ذلك، وهو أن النبي ﷺ يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، فلو كانت كلمات الله التامات من المخلوقات لكان هذا شركاً؛ لأنه كيف يستعيذ بالمخلوقات؟ فإنه قال: (أعوذ بكلمات الله)، فلو كانت كلمات الله مخلوقة كما يقول الجهمية والمعتزلة لكان معنى هذا أن النبي ﷺ استعاذ بمخلوق، والاستعاذة بالمخلوق شرك أكبر، وفي هذا نسبة الشرك للرسول ﷺ . والمعتزلة يقولون: عندما جاء موسى وناداه الله من الشجرة قالوا: إن الله خلق الكلام في الشجرة، فمعنى هذا أن المتكلم هي الشجرة؛ لأن المتكلم هو الذي تقوم به صفة الكلام، ومعنى هذا: أن الشجرة هي التي تكلمت وهي التي قالت: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] ولا شك أن هذا باطل واضح البطلان، فكيف تقول الشجرة: (يا موسى إني أنا الله رب العالمين) وكيف يأتي سياق الآية على أن موسى صدق، وعلى أن موسى أقر واعترف، وأنه تلقى النبوة من هذا الكلام، وأن الشجرة هي التي تكلمت وأعطت موسى النبوة؟! لا شك أن هذا في غاية البطلان، ولهذا كفر السلف رضوان الله عليهم من قال: إن القرآن مخلوق. لكن ظهرت طائفة ثالثة، وزعمت أن كلام الله معنى، وأنه ليس حروفاً وأصواتاً؛ لأن المعتزلة قالوا: حقيقة الكلام في لغة العرب: هو الحروف والأصوات، هذا هو الكلام في لغة العرب، وبناءً على هذا فإن الله إذا تكلم تكلم بحرف وصوت، ومعنى هذا: أنه قامت في الله هذه الصفة، فإذا كان يتكلم فإنه يحدث فيه الكلام، وهذا يدل على أن الإله مخلوق، كما أنه يدل على بطلان دليلهم الذي استدلوا به على إثبات وجود الله ، وهو دليل حدوث الأجسام الذي بنوه على أن المخلوق حادث والخالق قديم، ومن هنا قالوا: إن الكلام ليس صفة من صفات الله، وإن القرآن مخلوق. فجاء الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب وقالوا: إن الكلام هو المعنى، وإن الحروف والأصوات هي تعبير عن الكلام، وقد تسمى كلاماً مجازاً، ثم قالوا: إن كلام الله معنى قائم بذات الله ليس بحرف ولا صوت، وإن الحروف والأصوات مخلوقة، وكلام الله هو معنى قائم بذ

стр. 256

ذكر ردود شيخ الإسلام ابن تيمية على منكري صفة الكلام ومؤوليها وقبل هذا أحب أن أشير إلى الكتب التي ناقشت هذا الموضوع بشكل مفصل، فـ ابن تيمية ﵀ رد على الأشاعرة الذين قالوا: إن الكلام هو معنى قائم بذات الله ، رد عليهم في كتاب خاص سماه: (التسعينية) وهو مطبوع الآن في مجلدين ومحقق، وطبع قديماً ضمن الفتاوى المصرية في المجلد الخامس، وقد ألفه ﵀ في سنة ٧٠٦ من الهجرة عندما كان بمصر، رد فيه على الأشاعرة من أكثر من تسعين وجهاً، ورد فيه على الرازي بالذات بما يقارب الستة والسبعين وجهاً؛ لأن الرازي دافع عن تأويلهم لكلام الله بأنه الكلام النفساني فقط. وأيضاً من الكتب في هذا رسالة ضمن مجموعة الفتاوى اسمها: (المسألة المصرية في القرآن)، هذه أيضاً في الحديث عن صفة الكلام، وأيضاً من الرسائل التي تحدث ابن تيمية ﵀ فيها عن صفة الكلام: (رسالة الكيلانية) وهي مطبوعة أيضاً ضمن مجموع الفتاوى، وهناك مجلد خاص في مجموع الفتاوى عنوانه: (القرآن كلام الله) مليء بالأسئلة التي سئل فيها شيخ الإسلام ﵀ عن هذه الصفة، وتحدث فيها عن عقيدة أهل السنة ورد فيها على الفرق الضالة. الشاهد: أن شيخ الإسلام ﵀ قال لهؤلاء الأشاعرة: أنتم قلتم: إن الكلام هو الكلام النفسي، فالكلام النفسي إما أن يكون خبراً أو أمراً أو نهياً، فالخبر إذا كان نفسياً فهو العلم، والأمر والنهي إذا كان نفسياً فهو الإرادة، فمعنى هذا: أنكم لا تثبتون في الحقيقة كلام الله ، وإنما تثبتون العلم والإرادة، وسميتم مجموع العلم والإرادة الكلام النفسي. فمعنى هذا: أن شيخ الإسلام ﵀ جاء إلى الصفة التي أثبتوها بغير وجهها الصحيح، وقال: إنكم في الحقيقة لا تثبتون صفة من صفات الله اسمها صفة الكلام، وإنما جمعتم العلم والإرادة وسميتم ذلك كلاماً نفسياً، فمعنى هذا: أنكم لا تثبتون الصفة، وهم يقولون: لا، بل نحن نثبت الصفة، فقال: إذاً: فرقوا لي بين العلم والخبر في الكلام النفسي، وبين الإرادة والأمر والطلب في الكلام النفسي، فما استطاعوا أن يفرقوا بينهما بوجه من الوجوه، وحينئذٍ هذا يدل في الحقيقة أنهم مخطئون. وهم أرادوا أن ينزهوا الله فوقعوا فيما فروا منه من وصف الله بالنقص؛ حيث وصفوه بأنه لا يتكلم أبداً، والأشاعرة في الحقيقة يقولون: إن القرآن هذا الذي نقرؤه نوعان: نوع معنى، وهذا المعنى هو كلام الله، ونوع ألفاظ وحروف، وهي التي نقرؤها، وهذه عندهم مخلوقة، ولهذا قالوا: إن القرآن الذي بين أيدينا الله أعطى المعنى لجبريل ﵇ وجبريل أعطى المعنى لمحمد ﷺ ، فبعضهم قال: إن هذه الألفاظ من فعل جبريل، وبعضهم قال: إن هذه الألفاظ من فعل محمد ﷺ . فإذا قيل لهم: كيف أعطى الله المعنى لجبريل؟ قالوا: خلق له إدراك هذا المعنى. إذاً: فهم في الحقيقة توصلوا إلى أن القرآن مخلوق، لكن لا يستطيعون أن يقولوا: إن القرآن مخلوق، بشكل مكشوف؛ لأن قضية خلق القرآن قضية مشهورة في الفكر الإسلامي، والحديث عنها والصراع بين الإمام أحمد ﵀ وأهل السنة وبين المعتزلة مشهور، فما استطاعوا أن يقولوا بهذا القول. وهم في الحقيقة وقفوا في مفترق طرق، وقفوا بين قول أهل السنة: إن الكلام صفة، فإذا قلنا: إنه مخلوق، فمعنى هذا: أن المتكلم هو ذلك المخلوق، ففروا من هذا، فقالوا: إذاً: المتكلم هو الله، فجاءوا وقالوا: المتكلم هو الله، فألزمهم المعتزلة بأنكم إذا قلتم: إن المتكلم هو الله فمعنى هذا أن الكلام يحدث شيئاً بعد شيء ويكون هذا دليلاً على حدوث هذه الصفة، فإما أن تبطلوا دليل الحدوث الذي أثبتم به وجود الله، وإما أن تبطلوا صفة الكلام فلا تقولوا: إن الله يتكلم، فقالوا: بل نبطل صفة الكلام، بمعنى: أن يكون الكلام هو الحروف والأصوات، ونثبت أن الكلام هو معنى قائم بالله، فأتوا ببدعة جديدة لا يعرف لها مثال سابق، وأرادوا أن يستدلوا على هذا، فاستدلوا على ذلك بقول عمر عندما ذهب مع أبي بكر الصديق ﵁ إلى سقيفة بني ساعدة: (فزورت في نفسي قولاً). قالوا: هذا يدل أن حديث النفس يسمى قولاً، فرد عليهم شيخ الإسلام، وقال: هذا باطل: بل هذا الخبر من عمر رد عليكم؛ فإنه فرق بين حديث النفس وبين القول، فقال: زورت في نفسي قولاً، ولو كان حديث النفس هو القول لقال: تكلمت بكذا وكذا، مع أن عمر ﵁ لم يتكلم، بل تكلم الصديق فكفى وأشفى. فكلمة عمر ﵁ فيها تفريق بين حديث النفس وبين الكلام، وأنتم تعلمون أن حديث النفس ليس فعلاً مستقلاً أو ليس شيئاً -يعني- يستقل، فأنت عندما تحدث نفسك - مثلاً - بأنك ستتكلم بكذا وبكذا وبكذا بعد فترة، ولم يأتِ وقته، هل تقول: إنك تكلمت؟ لا تقول: إنك تكلمت، وهذا معروف في لغة ا

стр. 257

الأسئلة

стр. 258

عقيدة المعتزلة في كلام الله السؤال ما هي عقيدة المعتزلة في الكلام؟ الجواب قد ذكرتها، وقلت: إن عقيدة المعتزلة في الكلام هي أنهم يقولون: إن كلام الله مخلوق من مخلوقاته وليس صفة من صفاته.

стр. 259

صفة المعية بين كونها ذاتية وفعلية السؤال هل المعية صفة ذاتية أم فعلية؟ الجواب المعية العامة: صفة ذاتية، وهي التي تدل على الإحاطة والعلم التام والقدرة التامة، والمعية الخاصة: صفة فعلية؛ لأنها متعلقة بمشيئة الله، وهذا هو ضابط الصفة الفعلية.

стр. 260

الجمع بين اعتقاد حقيقة المعية ونفي مقالة الجهمية أن الله في كل مكان السؤال هل المعية حقيقة أم كناية عن العلم؟ وكيف الجمع بين قول شيخ الإسلام: إنها معية حقيقة، وقول الجهمية: إنه مع الناس في كل مكان؟ الجواب المعية حقيقية، وليس معناها حقيقية بذاته، وإنما حقيقية في معناها الصحيح، ومعناها الصحيح: أنه مع عباده بعلمه وقدرته وسلطانه، ومع بعض عباده بما سبق وبزيادة العناية والتمكين والنصرة. إذاً: هي معية حقيقية على هذا المعنى الذي سبقت الإشارة إليه، ولا يلزم من كلمة (حقيقية) أن يكون مع عباده بذاته؛ فإن هذا هو قول الجهمية الضالين المنحرفين، فهناك فرق بين أن يقال: معية الله معية حقيقية، وبين أن يقال: معية الله: مع عباده بذاته، فالأول قول صحيح لا إشكال فيه، ولا يلزم منه أن يكون مع الخلق مخالطاً لهم بذاته، والقول الثاني هو قول الحلولية الضالين المنحرفين. السؤال: كيف الرد على من يقول: إن أهل السنة يؤولون المعية بالعلم؟ الجواب: لا شك أن هذا فهم خاطئ لكلام أهل السنة، فإن المعية في أصل اللغة لا يلزم منها المخالطة، بل قد تطلق المعية وتدل على المخالطة، وقد تطلق ولا تدل على المخالطة، فنحن نقول: إن معية الله من النوع الثاني، وهي التي لا تقتضي المخالطة، وأما ما هو الدليل على أنها لا تقتضي المخالطة؟ فهناك أدلة كثيرة جداً، منها: إثبات علو الله واستوائه على عرشه وتنزيهه وتقديسه، ثم إن العلو والمعية تجتمع في آية واحدة، وهذا يدل دلالة صريحة على أن المعية هنا المقصود بها: معية العلم والإحاطة، ولا يصح أبداً أن يقال: إن هذا تأويل لصفة المعية، فليس هذا تأويلاً، وإنما التأويل هو صرفها عن ظاهرها، وهذا هو ظاهرها، ظاهرها: أن الله مع العباد بعلمه وقدرته.

стр. 261

الرد على مدعي تأويل أهل السنة لصفة المعية السؤال هل المعية حقيقة أم كناية عن العلم؟ وكيف الجمع بين قول شيخ الإسلام: إنها معية حقيقة، وقول الجهمية: إنه مع الناس في كل مكان؟ الجواب المعية حقيقية، وليس معناها حقيقية بذاته، وإنما حقيقية في معناها الصحيح، ومعناها الصحيح: أنه مع عباده بعلمه وقدرته وسلطانه، ومع بعض عباده بما سبق وبزيادة العناية والتمكين والنصرة. إذاً: هي معية حقيقية على هذا المعنى الذي سبقت الإشارة إليه، ولا يلزم من كلمة (حقيقية) أن يكون مع عباده بذاته؛ فإن هذا هو قول الجهمية الضالين المنحرفين، فهناك فرق بين أن يقال: معية الله معية حقيقية، وبين أن يقال: معية الله: مع عباده بذاته، فالأول قول صحيح لا إشكال فيه، ولا يلزم منه أن يكون مع الخلق مخالطاً لهم بذاته، والقول الثاني هو قول الحلولية الضالين المنحرفين. السؤال: كيف الرد على من يقول: إن أهل السنة يؤولون المعية بالعلم؟ الجواب: لا شك أن هذا فهم خاطئ لكلام أهل السنة، فإن المعية في أصل اللغة لا يلزم منها المخالطة، بل قد تطلق المعية وتدل على المخالطة، وقد تطلق ولا تدل على المخالطة، فنحن نقول: إن معية الله من النوع الثاني، وهي التي لا تقتضي المخالطة، وأما ما هو الدليل على أنها لا تقتضي المخالطة؟ فهناك أدلة كثيرة جداً، منها: إثبات علو الله واستوائه على عرشه وتنزيهه وتقديسه، ثم إن العلو والمعية تجتمع في آية واحدة، وهذا يدل دلالة صريحة على أن المعية هنا المقصود بها: معية العلم والإحاطة، ولا يصح أبداً أن يقال: إن هذا تأويل لصفة المعية، فليس هذا تأويلاً، وإنما التأويل هو صرفها عن ظاهرها، وهذا هو ظاهرها، ظاهرها: أن الله مع العباد بعلمه وقدرته.

стр. 262

دفع شبهة المحتج بقول عمر: (زورت في نفسي كلاماً) على الكلام النفسي السؤال يقول الأخ: لو اعترض معترض وقال: قد يكون الكلام بغير صوت وحرف، والدليل أن عمر ﵁ قال يوم المبايعة لـ أبي بكر: (وزورت في نفسي كلاماً)؟ الجواب هناك فرق بين الكلام وبين التزوير في النفس، هذا الرد الأول. الرد الثاني: هو أن يقال: إنه لا يصح أن يقال: كلام نفسي في موضع الإطلاق، وإنما يقال: كلام نفسي في موضع التقييد، فهنا قال: زورت في نفسي كلاماً، فنص على النفس، والأصل أنه لا ينسب الكلام إلى النفس؛ فإن النفس ليس فيها كلام.

стр. 263

كلام الناس مخلوق السؤال هل كلام الناس مخلوق؟ الجواب نعم مخلوق؛ لأنهم مخلوقين؛ لأنك إذا قلت: كلام الناس غير مخلوق، هذا شرك؛ لأن معناه: أن كلام الناس صفة من صفات الله! فالموجودات جميعاً خالق ومخلوق، الخالق هو الله بصفاته، والمخلوقات: هي جميع الأشياء الموجودات غير الله .

стр. 264

بيان امتناع القول بخلق القرآن بحجة كون لفظه مخلوقاً السؤال وهل إذا كان الكلام مخلوقاً، يكون القرآن مخلوقاً؛ لأن الناس يتكلمون به؟ الجواب لا، فنفس القراءة التي يقرأ بها الإنسان مخلوقة، لكن الكلام ينسب إلى قائله الأول، يعني: أنت عندما تأتي إلى قصيدة من المعلقات - مثلاً - ماذا تقول؟ تقول: قال امرؤ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل لو جاءك واحد وقال لك: لا، الذي تقولها أنت، وليس امرأ القيس، فتقول له: أنا أقولها ناقلاً عن امرئ القيس. فالكلام في أصله ينسب للمتكلم به أولاً، وأما الناقل فلا ينسب له الكلام، وإلا لو كان كذلك، لكان ممكن أن نقرأ كتب ابن تيمية ونقول: هذا تأليفنا، وأصير أنا أقرأ كتاب مثلاً (التدمرية) وأقول: (قلت) وهو في الحقيقة كلام ابن تيمية، فإذاً: الكلام ينسب للمتكلم به أولاً، وأما الناقل له فلا يعتبر كلامه هذا، فنحن عندما نقرأ القرآن صحيح أن أصواتنا مخلوقة، لكن هذا الكلام الذي نقرؤه هو للمتكلم الأول به وهو الله ، وليس كلامنا نحن.

стр. 265

مذهب الأشاعرة والكلابية في تأويل كلام الله السؤال لعل القائل بأن كلام الله هو كلام نفسي قائم بذاته هم الأشاعرة، أما الكلابية فقالوا: بأن كلام الله هو حكاية عن كلامه وليس كلام الله، كما قرأت في شرح الشيخ ابن عثيمين فما تعليقكم؟ الجواب الأشاعرة والكلابية جميعاً اتفقوا في أن الكلام هو المعنى القائم بذات الله ، ثم لما جاءوا إلى القرآن الموجود، قالت الأشاعرة: هذا حكاية عن الله، وقالت: الكلابية: هذا عبارة عن كلام الله، قالوا: هذا حكاية عن كلام الله، فهؤلاء وهؤلاء قالوا: هذا عبارة عن كلام الله، ثم اختلفوا: عبارة من؟ وحكاية من؟ هل هو عبارة جبريل، أو عبارة محمد؟ على قولين، ولهم في ذلك تفصيلات أخرى.

стр. 266

الدليل على أن أفعال العباد مخلوقة السؤال ما الدليل على أن أفعال العباد مخلوقة؟ الجواب مخلوقون، ولو كانت أفعالهم ليست مخلوقة، فمعنى هذا: أنهم من الله، وقلت لكم: الموجودات جميعاً خالق ومخلوق، الخالق: هو الله بصفاته، والمخلوقات هو كل الموجودات، وأي شيء ليس من صفات الله فهو مخلوق، أهم شيء أنه ليس من صفات الله، فإذا كان من صفات الله فليس بمخلوق.

стр. 267

شبهة الجهمية والمعتزلة في قولهم بأن القرآن مخلوق السؤال بماذا تمسك الجهمية والمعتزلة في قولهم: القرآن مخلوق؟ الجواب سبق أن أشرت إلى أصل كلام المعتزلة في قولهم بأن القرآن مخلوق، وهو أنهم: عندما ابتدعوا دليل حدوث الأجسام على إثبات وجود الله التزموا بهذا الدليل: أن الله لا تقوم به الأفعال، وأن الله لا يفعل ما يشاء متى شاء! فقالوا إذاً: كل الأفعال مخلوقة، ومنها القرآن، والكلام، فتوصلوا إلى هذه النتيجة، ثم جمعوا من القرآن والسنة ما ظنوا أنه يدل على قولهم، وهو لا يدل، فمثلاً بعضهم يستدل بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، قالوا: ما دام أنه خلق كل شيء، فمن ذلك القرآن! وهذا كلام باطل؛ لأن الله يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] فعندنا: (الله) هو الخالق، و (كل شيء) هو المخلوق، فالله المقصود به: الله وصفاته، يعني: إذا قيل: (الله) فهو بصفاته ، ومن صفاته الكلام، والقرآن من كلامه ، فالقرآن ليس داخلاً في كل شيء، وإنما هو تابع لكلمة (الله) وليس داخلاً في كل شيء، هذا من جهة. ومن جهة أخرى: فإن الله أخبر بقوله: (كل) عن الأغلب والأعم، كما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥]، هذا يدل على أن مساكنهم لم تدمر، مع أنه قال: (كل شيء) وهكذا.

стр. 268

كيفية معاملة أهل البدع السؤال يقول: كثيراً ما نسمع من حديثكم عن الفرق أنهم كانوا يريدون بكلامهم هذا تنزيه الله، فوقعوا فيما وقعوا فيه، فكيف يعاملون من قبل الناس؟ بل كيف يعاملهم الله؟ هل على نياتهم أم على ما اقترفوا وأضلوا به الناس؟ الجواب أما كيف يعاملهم الناس؟ فمعاملتهم هي كمعاملة أهل البدع، بحسب بدعهم؛ لأن البدع تنقسم إلى قسمين: بدع مكفرة، وبدع غير مكفرة، فالتي أصحابها يتبنون البدع المكفرة هؤلاء لا شك أنهم ضلال منحرفون، يجب الرد عليهم، ولا يجوز الصلاة خلفهم، ولا يتعامل معهم بتعامل المسلمين. وأما أصحاب البدع غير المكفرة وهم الذين عندهم تأول أو تشوبهم شائبة التأول، فمثل هؤلاء يرد عليهم ويبين باطلهم، ويضللون ويبين انحرافهم، لكن يعاملون معاملة المسلمين إلا إذا بان كفر أحدهم، وإلا يعامل معاملة المسلمين. وأما مسألة الصلاة خلف أحدهم، أو هجرانه فهذه مبنية على قاعدة من قواعد الشرع، وهي قاعدة: المصالح والمفاسد، فإذا كانت هناك مصلحة من هجرانه، أو ترك السلام عليه أو ترك الصلاة خلفه، أو نحو ذلك فيعملها الإنسان لصالح المسلمين، وإن لم يكن هناك مصلحة في ذلك فلا تعمل، وتبقى له حقوق المسلمين.

стр. 269

القرآن صفة من صفات الله السؤال كيف يكون القرآن صفة من صفاته سبحانه؟ الجواب القرآن مصدر قرأ، وهو من القراءة، وهو كلام الله ، وكلام الله صفة من صفاته، فمن هنا كان القرآن صفة من صفاته.

стр. 270

تكلم الله في أمره بالكوارث والزلازل السؤال حدوث الكوارث والزلازل حالياً هل تكلم الله بها حالياً؟ الجواب تقصد: هل أمر الله بها؟ إن قصدت ذلك فنعم أمر الله بها، فإنه يأمر في كل وقت بما يشاء، ولهذا يكون له كلام الآن، وقد كان له كلام من قبل، وسيتكلم يوم القيامة، وقوله لآدم: (يا آدم! قال: لبيك، قال: أخرج بعث النار)، هذا لم يكن الآن، ولم يكن سابقاً، وإنما سيكون يوم القيامة.

стр. 271

العقيدة الواسطية [١٢] تضمنت أحاديث النبي ﷺ بيان جملة من أمور العقيدة, في عدة من متواتر الأخبار وآحادها, وكل ذلك مما يجب اعتقاده والإيمان به دون تفريق بين متواتره وآحاده؛ خلافًا لنابتة الضلالة المعتقدة عدم حجية السنة مطلقًا أو عدم حجية آحادها في باب العقائد, ومن جملة ما ثبت عنه ﷺ في ذلك إخباره عن صفة نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا, وعن صفة الفرح وصفة الضحك وصفة العجب وغير ذلك من صفات الله .

стр. 272

ذكر مجمل الأقوال في صفة الكلام الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين, وأشهد أن نبينا محمداً إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين. أما بعد: في الدرس الماضي تحدثنا عن صفة الكلام لله , وبينا قول أهل السنة, وأن الله يتكلم بصوت وحرف, وبينا الدليل على صفة الكلام, وبينا الدليل على أن الله يتكلم بحرف وأنه يتكلم بصوت, وقلنا: إن معنى الكلام في لغة العرب وعند أهل السنة: هو المعنى والصوت والحرف جميعاً فهو مجموع المعنى واللفظ، وأما الأشاعرة فإنهم يعتبرون الكلام هو: المعنى فقط. وأما المعتزلة فإنهم يعتبرون الكلام هو: اللفظ فقط. وبناء على هذا الاختلاف في معنى الكلام اختلفوا في تحديد كلام الله ، فالأشاعرة قالوا: إن الكلام هو: معنى قائم بالنفس قديم أزلي ليس بصوت ولا حرف. والمعتزلة قالوا: إن الكلام ليس صفة ثبوتية لله , وإنما هو خلق الله ، والله يخلق كلاماً في الهواء أو في الشجر أو في نحو ذلك فيسمى كلاماً، ويكون إضافة الكلام إلى الله بهذا الاعتبار عند المعتزلة إضافة تشريف كقولهم: بيت الله، وناقة الله، ونحو ذلك. وأما أهل السنة فإنهم قالوا: إن صفة الكلام صفة قائمة بالله ثابتة له معنى ولفظاً. فهو يتكلم بصوت، وله صوت يليق بجلاله، ويتكلم بحرف، وهذه الحروف الموجودة في القرآن هي كلام الله ، وأما قراءة الإنسان نفسه للقرآن فمخلوقة؛ لأنه هو مخلوق، ولكن القرآن الموجود هو من كلام الله؛ لأن الكلام ينسب إلى من قاله أولاً، فأنت مثلاً تقرأ كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتقول: قال شيخ الإسلام وتقول: هذا كلام شيخ الإسلام. مع أن الذي يتكلم به في اللحظة نفسها هو أنت؛ لأن الكلام ينسب إلى قائله أولاً.

стр. 273

صفة الكلام صفة اختيارية وصفة الكلام من الصفات الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله ، فهو يتكلم متى شاء، وكيف شاء، وفي أي وقت شاء، وكلامه يكون شيئاً بعد شيء، فهو يتكلم الآن, وفي الأيام القادمة، وفي يوم القيامة, وعندما يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، وهذه أمور في المستقبل، وهو يتكلم ويسكت فيتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء.

стр. 274

الأدلة على ثبوت صفة السكوت لله تعالى والسكوت صفة ثابتة لله ومعناها: عدم التكلم، والدليل عليها ما ثبت عن النبي ﷺ من قوله: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو). وأيضاً ثبت عنه في حديث آخر ﷺ أنه قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها, وحد حدوداً فلا تعتدوها, وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها). والسكوت كما يقول العلماء: نوعان: سكوت عن التكلم، بمعنى: عدم التكلم، وسكوت عن إظهار الكلام, يعني: قد يتكلم ولكن لا يظهر كلامه, ويدل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ عندما قال للنبي ﷺ : (بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أرأيت سكوتك بعد التكبير وقبل القراءة ماذا تقول؟) فسماه قولاً مع كونه سكوتاً, وهو سكوت بالنسبة له؛ لأنه لا يسمع شيئاً من كلامه, بينما هو يتكلم في واقع الأمر, فأخبره بدعاء الاستفتاح المعروف. وهناك كتب صنفت في هذا الموضوع لشيخ الإسلام ابن تيمية، منها: كتاب التسعينية, وسمي التسعينية؛ لأنه رد على الأشاعرة بما يقارب تسعين وجهاً في موضوع الكلام النفسي.

стр. 275

أدلة الأشاعرة على أن كلام الله نفسي والرد عليهم وقد استدل الأشاعرة على قولهم: بأن كلام الله كلام نفسي وليس بحرف وصوت: بحديث عمر بن الخطاب ﵁ عندما ذهب هو وأبو بكر الصديق إلى سقيفة بني ساعدة فقال عمر: زورت في نفسي كلاماً. قالوا: فهذا يدل على أن الكلام كلام نفسي، وأن الكلام النفسي وهو: ما يدور في النفس يسمى كلاماً، ومن هنا لم ينسبوا إلى الله الحرف والصوت وقالوا: إن الكلام كلام نفسي. وهذا باطل. وهذا النص ورد فيه تقييد الكلام بالنفس، ولم يرد فيه العموم ولا إطلاق الكلام بشكل عام وإرادة الكلام النفسي. هذا من جهة. ومن جهة أخرى: فإنه فرق بين ما دار في نفسه وبين الكلام, ولو أن أحداً قال لـ عمر: فهل تكلمت؟ لقال: لا. يعني أنه لما قال: زورت في نفسي كلاماً, لو قيل له: فهل تكلمت؟ ولو كان كلاماً لقال: نعم، تكلمت في نفسي. ولكن من المعلوم أنه سيقول: لم أتكلم؛ لان الكلام إذا أطلق لا يمكن أن يكون معناه الكلام النفسي؛ ولهذا ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله عفا عن أمتي أو إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها نفوسها ما لم تتكلم أو تعمل)، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام, ودل هذا على أن حديث النفس ليس كلاماً. واستدلوا كذلك بقول الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا ولا شك أن هذا أيضاً باطل. وقد أبطل شيخ الإسلام الكلام النفسي في ذاته, وقال لهم: ماذا تعنون بالكلام النفسي؟ فإن الكلام النفسي إن كان خبراً فهو صفة العلم, وإن كان أمراً ونهياً وإنشاء فهو صفة الإرادة, فليس هناك إذاً شيء يستطيعون أن يقولوا أنه صفة جديدة -غير العلم والإرادة- يسمى الكلام النفسي, فدل هذا على أن هذه الصفة التي نسبوها إلى الله غير صحيحة، إلا إذا أثبتوها بالطريقة الشرعية الصحيحة. وهناك كتاب آخر لـ شيخ الإسلام في صفة الكلام بعنوان: المسألة المصرية في القرآن، وهذه فتوى أصلاً, وليست رسالة مستقلة وكتاب السبعينية غير كتاب التسعينية؛ لأن السبعينية في الرد على الملاحدة والفلاسفة, وتسمى بغية المرتاد في الرد على ابن سبعين وابن سبعين هذا صوفي كبير جلس في غار حراء شهراً ينتظر الوحي, فلم يحصل له؛ لأنه كان على مذهب الفلاسفة الذين يعتقدون أن الوحي اكتساب يكتسب. وله كتاب: الكيلانية, وهي في موضوع الكلام النفسي.

стр. 276

وجوب الإيمان بما ثبت في السنة من أخبار الصفات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: ثم في سنة رسول الله ﷺ ؛ فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه، وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك]. هنا شرع الشيخ في بيان أحاديث الصفات, فقال: (ثم في سنة رسول الله ﷺ ؛ فالسنة تفسر القرآن وتبينه) فقوله: (فالسنة تفسر القرآن وتبينه)، فيه إشارة إلى الآية التي في سورة النحل المشهورة, وهي قول الله : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]. فالسنة مبينة للقرآن, وهي تشرح القرآن ومعانيه, وتبين المجمل فيه وتخصص عمومه، وتقيد إطلاقه، وتوضح ما أجمل فيه بشكل مفصل فهي مصدر من مصادر التشريع، ومصدر من مصادر العقيدة.

стр. 277

المنحرفون في اتباع السنة من القرآنيين والمتكلمين ثم نبتت نابتة في القرون المتأخرة ادعت أن السنة جميعاً المتواتر منها والآحاد ليس فيها حجة كافية، سواء في العقائد أو في الأحكام, وهؤلاء هم الذين سموا أنفسهم بالقرآنيين. وهؤلاء القرآنيون الذين انتسبوا إلى القرآن يقولون: إنه لا حجة في السنة, فإذا استدللت عليهم بدليل في السنة لم يقروا به ولم يعترفوا به ولو كان حديثاً متواتراً, ولا شك أن هذا انحراف عظيم عن منهج أهل الإسلام، وعن منهج النبي ﷺ وأصحابه. فالسنة مصدر من مصادر التشريع يجب الإيمان بها, وأخذها جميعاً, وهي تبين وتفصل وتؤسس, ومعنى أنها: تبين وتفصل, يعني: أنه قد يأتي مجمل في القرآن, كقول الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فتأتي السنة وتبين هذا المجمل الذي هو في قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ) , فبين النبي ﷺ أن الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة, وبين عدد ركوعها وكيفية الصلاة فيها, وقوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) بين النبي ﷺ الأموال الزكوية, وأنصبتها جميعاً، وكيفية استخراج الزكاة منها. والحقيقة أن الذين ينكرون السنة يريدون هدم الدين. والسبب في ذلك: هو أن أغلب النصوص الشرعية التي تفصل أحكام القرآن جميعاً في السنة. والقرآن أمر باتباع السنة, وهذه قضية مهمة وكثير من المبتدعة الضلال منهجهم منهج منحرف وكفري في الحقيقة. فهؤلاء الذين يقولون: نحن لا نحتج إلا بالقرآن، نقول لهم: قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. فاعملوا إذن بالسنة كما أمر القرآن. والله يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ويقول الله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه, والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته. فالعمل بالسنة واجب شرعي، ولا يردها إلا منحرف ضال. وممن انحرف في عدم اتباع السنة أهل الكلام, فإنهم قالوا: إن العقيدة لا تبنى إلا على العقل, يعني: أن العقيدة يقين ولا تبنى إلا على العقل، وأما القرآن والسنة فقالوا عنها: إن دلالات الألفاظ الواردة فيهما لا تفيد اليقين الجازم, وبالتالي لا يستدل بها على العقائد. فأغلقوا على أنفسهم باب الهداية من كلام الله وكلام رسوله، نسأل الله السلامة والعافية. ومصدر التلقي عند أهل السنة: القرآن والسنة، سواء كانت متواتر أو آحاداً والسنة المتواترة هي: التي نقلها جمع عن جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، وأسندوها إلى شيء محسوس, وهذا المتواتر يفيد اليقين, والمقصود بالجمع هنا: العدد الكثير، سواء كانوا عشرة أو مائة أو مائتين أو ألفاً أو ألفين, عن جمع يعني: عن مثلهم, وأسندوه إلى شيء محسوس، يعني: أسندوه إلى شيء محدد, فمثلاً: القرآن متواتر؛ لأنه نقله جمع كبير من الصحابة أعدادهم بالآلاف, ونقله عنهم جمع من التابعين أعدادهم بالآلاف، ونقله كذلك جمع كبير جداً عن هؤلاء, وكلهم ينسبون هذا القرآن إلى رسول الله ﷺ ، وأنه جاء به من عند الله , وحينئذ فالقرآن لا مرية فيه ولا شك فيه.

стр. 278

بيان نوعي السنة من حيث التواتر والآحاد وأما السنة المروية عن الرسول ﷺ فهي على نوعين: نوع رواه جمع عن جمع يستحيل في العادة تواطئهم على الكذب، وأسندوه إلى كلام الرسول، وإلى شيء محسوس، وهذا القيد في قوله: أسندوه إلى شيء محسوس مهم؛ لأنه قد يجتمع جمع كثير عن جمع كثير ولكنهم يسندوه إلى قضايا غيبية أو إيمانية مثلاً, كاجتماع النصارى مثلاً على التثليث, واجتماع اليهود مثلاً على أن عزيراً ابن الله, واجتماع الهندوس مثلاً على زرادشت، فهذا لا يدل على أن كلامهم حق، وإنما يدل على أن النصارى فعلاً يقولون: أن عيسى ابن الله, وأن اليهود يقولون: عزيراً ابن الله ولا يدل على أنه حق والتواتر يفيد العلم اليقيني. وأما الآحاد فهو: ما ينقله أقل من هؤلاء الجمع, يعني: ما ينقله واحد عن واحد, أو ما ينقله اثنان عن اثنين, أو ما ينقله ثلاثة عن ثلاثة, أو أربعة عن أربعة, أي: أن العدد فيه يكون أقل من العدد المتواتر، فيسمونه متواتراً.

стр. 279

الأدلة القرآنية على قبول خبر الآحاد في العقائد والأحكام والآحاد مقبول عند أهل السنة في مسائل العقائد وفي مسائل الأحكام, والدليل على أن الآحاد مقبول في مسائل العقائد ومسائل الأحكام كثيرة جداً, وممن تحدث عن هذا الموضوع الإمام الشافعي ﵀ في كتابه الرسالة, وقد ذكر فيها الأدلة الدالة على قبول أخبار الآحاد. والأدلة على أن أخبار الآحاد مقبولة كثيرة في القرآن والسنة, وقد أفرد لها البخاري ﵀ في صحيحه كتاباً خاصاً سماه: كتاب أخبار الآحاد, واستدل على قبول أخبار الآحاد بالقرآن والسنة. فأما القرآن فاستدل بقول الله : ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]، فهذه الآية تدل على أن خبر الآحاد مقبول, ووجه الدلالة أنه قال: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة:١٢٢] والفرقة هي الجماعة من الناس. وقوله: ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢]، يعني: يخبروا قومهم بالنذارة التي عرفوها من التفقه. وهذا يدل على أن قولهم مقبول. والطائفة يصح لغة أن تطلق على الشخص الواحد, فلو نفر شخص واحد من مجموعة وتفقه في الدين ثم جاءهم وأخبرهم بشرع الله لوجب قبوله، وهذا هو منطوق الآية، وهو ظاهر الآية. ويدل على أن الطائفة تطلق على الشخص الواحد، قول الله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] وهي تصح في اقتتال اثنين فقط، بل إنها كما يقول بعض المفسرين: نزلت في مقاتلة وقعت بين اثنين من المسلمين, فيسمى كل واحد طائفة لغة.

стр. 280

الأدلة من السنة على قبول خبر الآحاد في العقائد والأحكام ومما يدل كذلك على أن أحاديث الآحاد مقبولة في العقائد والأحكام: حديث عمر الثابت في صحيح البخاري، وقد رواه البخاري في كتاب أخبار الآحاد, أنه كان له صاحب وكانوا عند أحد, وكان ينزل هو يوماً ويأتيه بما أخبر به رسول الله ﷺ , وينزل صاحبه يوماً ويأتيه بما أخبر به الرسول ﷺ , وهذا يدل على أنه يقبل خبر الآحاد. وقد أرسل النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن وقال: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله) , وشهادة أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله من العقيدة, ولم يشترط أهل اليمن في أن يكون الناقل لكلام الرسول ﷺ جمع غفير، وإنما كفاهم واحد. وقد أرسل النبي ﷺ عدداً من أصحابه إلى الملوك: فقد أرسل دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل، وأرسل عمرو بن أمية الضمري إلى المقوقس صاحب مصر, وأرسل غيره إلى كسرى وقد أرسل كل واحد منهم منفرداً، وكان مع كل أحد منهم كتاب من الرسول ﷺ . فاشتراط التواتر في أخبار العقائد مردود, ولا صحة له أبداً؛ لأنه لو كان يشترط التواتر لأرسل النبي ﷺ إلى كل حاكم من هؤلاء الحكام عدداً كثيراً، وكل واحد منهم يقول: نشهد أن الرسول ﷺ يقول كذا ويقول كذا, ولو كان خبر الآحاد لا يقبل في العقائد لصح لأهل اليمن أن يقولوا عندما جاءهم معاذ: لا نقبل قولك، فدع الرسول ﷺ يرسل لنا عدداً متواتراً. فالقول بعدم قبول أحاديث الآحاد في الحقيقة منع لأحكام الدين، ورد لها، ومن الأمور المتفق عليها والتي أجمع عليها أهل السنة والجماعة: أن أخبار الآحاد تفيد العلم, وأنها مقبولة في الأحكام، ومقبولة كذلك في العقائد. وقد انحرف أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة فقالوا: إن أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة, فإذا استدللت عليهم مثلاً بحديث النزول: (ينزل ربنا)، قالوا: لا نقبل هذا الحديث؛ لأنه من أخبار الآحاد, مع أنه حديث ثابت في الصحيحين، وهكذا يفعلون في كل الأحاديث التي هي في صفات الله في الصحيحين فيردونها جميعاً، ويقولون: إنها غير مقبولة؛ لأنها أحاديث آحاد.

стр. 281

نقد تعليلات الرازي لعدم قبوله لأحاديث الآحاد في باب العقائد وقد تكلم الرازي في كتابه أساس التقديس -وهو من الأشاعرة- عن مسألة أخبار الآحاد وقال: إنها غير مقبولة في العقيدة, وعلل لذلك بتعليلات يقشعر لها جلد المسلم, فقال: إن أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة، لأن الثقة -أولاً- مرتفعة عن الصحابة؛ لأنهم تقاتلوا فيما بينهم، وكل شخص منهم قتل الثاني. قال: والسبب الثاني: هو أن الزنادقة وضعوا أحاديث، ولسلامة قلوب المحدثين -يعني: لغفلتهم- قبلوها وزعم أن أحاديث البخاري ومسلم فيها أحاديث من وضع الزنادقة, وهذا لجهله. وزعم أموراً أخرى لا أستحل نقلها. والسبب في الوصول إلى هذا المستوى المنحط في التعامل مع سنة النبي ﷺ ؛ هو عدم تقدير الرسول ﷺ , وهم لا يرجون لله وقاراً في الحقيقة, لو كانوا يرجون لله وقاراً لما عللوا بهذه التعليلات الفاسدة الباطلة, في الوقت الذي يقبلون فيه كلام الأخطل في قوله: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فقبل قول الأخطل وهو نصراني, ولم يثبت عنه, ولم ينقل نقلاً متواتراً، وهو مخالف للغة, وفيه روايات متعددة, فقبل كلامه لأنه يوافق هواه, ورد أحاديث الرسول ﷺ ؛ لأنها لم توافق هواه، وهذا هو الضلال بعينه. وهكذا الإنسان إذا اشرب قلبه بالبدعة يصل إلى هذه الطريقة ويتخبط ويضل وينحرف ويقول المقالات العظيمة المخالفة لشرع الله التي هي في بعض الأحيان قد تخرجه من الدين، والعياذ بالله. ولهذا فلنحذر غاية الحذر من الهوى الذي يصل بالإنسان إلى هذه الطريقة وإلى هذا المستوى المنحط, وهذا من مصادر الاستدلال التي يخالفنا فيها الأشاعرة, فكيف يقول مثلاً الدكتور يوسف القرضاوي وغيره -من الذين لا يعرفون حقيقة الخلاف بين أهل السنة الأشاعرة-: إن الأشاعرة من أهل السنة؟! وكيف يكونون من أهل السنة وهم يخالفوننا في الأدلة؟! فنحن نعتبر أخبار الآحاد أدلة صحيحة عن العقيدة وهم لا يعتبرونها, فكل أحاديث الصحيحين غير مقبولة عندهم في العقيدة, وكذلك بقية أحاديث الكتب الستة غير مقبولة في العقيدة عندهم, فالخلاف بيننا وبينهم خلاف منهجي وجذري, وليس خلافاً سطحياً وبسيطاً كما يظن بعض هؤلاء الذين لم يتعلموا العلم من أصوله الصحيحة, ولم يدركوا هذه المسائل, وإنما أخذوها بشكل عاطفي, مثل: الدكتور القرضاوي وغيره من الذين يقولون: إن الأشاعرة من أهل السنة, فهم لم يدرسوا كتب الأشاعرة ولا يعرفونها, ولا يعرفون الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة، ولا يدركون ما هو, ولم يقرءوا كتب ابن تيمية ﵀, ولا كتب السلف السابقين، ولم يدرسوا العلم دراسة تفصيلية, وإنما درسوا دراسات سطحية، ثم يتربعون على عرش الإفتاء والتوجيه للناس, ويأتون بهذه المقالات العجيبة الغريبة, مع أن الخلاف بيننا وبين الأشاعرة خلاف جذري كما نلاحظ في مصادر الاستدلال, وفي منطلقات الإنسان في معرفته لصفات الله ولأسمائه ولأحكام العقيدة. فإذاً: أخبار الآحاد مقبولة، ومن أراد الأدلة على ذلك فليراجع كتاب أخبار الآحاد من صحيح البخاري ففيه عشرون حديثاً استدل بها البخاري ﵀ على قبول أخبار الآحاد وعدم ردها. وأن ردها من البدع المنحرفة.

стр. 282

ذكر بعض أحاديث الصفات

стр. 283

حديث صفة النزول إلى السماء الدنيا قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن ذلك مثل قوله ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) متفق عليه]. هذا هو حديث النزول، وقد شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية شرحاً طويلاً, وهو مطبوع ضمن مجموع الفتاوى التي جمعها الشيخ ابن قاسم، وطبع مستقلاً بتحقيق الخميس، وهو شرح عظيم طويل, أكثر فيه من الحديث عن الصفات الاختيارية والخلاف فيها.

стр. 284

حديث صفة الفرح قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم براحلته)، الحديث متفق عليه]. وهذا حديث طويل، وتكملته: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن التائب من أحدكم ضلت عنه راحلته وهو في أرض فلاة، فنام تحت شجرة وهو يظن الهلاك, فلما قام وجدها بين يديه، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) , وهو حديث يدل على إثبات صفة الفرح لله . وصفة النزول صفة فعلية اختيارية, وكذلك صفة الفرح صفة فعلية اختيارية, وقد وردت صفة الفرح باسم آخر، وهي: البشبشة, فقد ثبت عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)، وهو حديث صحيح رواه ابن ماجة في سننه، والإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي، وكذلك رواه ابن خزيمة، وصححه الشيخ الألباني، وهذا اللفظ هو لفظ ابن ماجة ﵀، ورواه الإمام أحمد في مسنده بلفظ آخر: (لا يتوضأ أحدكم فيحسن الوضوء)، إلى آخر الحديث، (إلا تبشبش الله له) وهذا الحديث صححه الأستاذ أحمد شاكر رحمه الله تعالى.

стр. 285

حديث صفة الضحك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ : (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة) متفق عليه]. وهذا قد ورد مفسراً في نفس الحديث, فإنه قال: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخلان الجنة, يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب، -يعني: القاتل- ثم يقتل في سبيل الله)، يعني: يلتقي المسلمون والكفار فيقتل رجل من الكفار رجلاً من المسلمين ثم يسلم هذا الكافر ثم يقاتل في سبيل الله ويقتل, فيجتمعان في الجنة القاتل والمقتول, فيقول النبي ﷺ : (يضحك الله إلى رجلين) , ففي هذا إثبات صفة الضحك لله، وهي صفة فعلية ثابتة لله كما يليق بجلاله، وقد بوب في إثبات الضحك ابن خزيمة ﵀ في كتاب التوحيد والآجري في كتاب الشريعة، وابن أبي عاصم في كتاب السنة.
следующие страницы →